القول بخلق القرآن، وأعلن مذهب أهل السنة في القرآن؛ وأنه كلام الله غير مخلوق منه بدأ وإليه يعود (١).
قتله ابنه المنتصر ليلة الأربعاء لأربع خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين.
كان خالد بن عمران الزهراني من حجابه ثم ولاه على الموصل، وقال: نوليك أهلك وبلدك؛ وهو خالد بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاسر أو مجاشع بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
وكان أخوه المعافى بن عمران الزهراني من أئمة العلم والعمل، رحل في طلب العلم إلى الآفاق، وجالس العلماء، ولزم سفيان الثوري وتأدب بآدابه، وتفقه بمجالسته، وأكثر الكتابة عنه، وعن غيره، وصنف حديثه في الزهد، والسنن، والفتن، والأدب، وغير ذلك، وكان زاهدا فاضلا، شريفا كريما عاقلا، صاحب دنيا واسعة، وضِياع كثيرة.
الملك الحادي عشر من ملوك بني العباس: المنتصر: حادي عشر خلفاء الدولة العباسية، قيل: اسمه الزبير، وفي كنيته ثلاثة أقوال: أبو جعفر، وأبو عبدالله، وأبو العباس وقيل: وهو محمد بن المتوكل جعفر بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور أخي السفاح بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس بن عبد المطلب.
стр. 72
ولد بسر من رأى في ربيع الآخر سنة اثنتين وعشرين ومائتين، وكان أعين، قصيرا، أقنى، أسمر، ضخم الهامة، عظيم البطن، جسيما، مليح الوجه، مهيبا، على عينه اليمنى أثر وقع أصابه وهو صغير.
وأمه أم ولد، رومية، يقال لها: حبشية.
لقبه المنتصر بالله تولى الخلافة بعد أن قتل أباه في سنة سبع وأربعين ومائتين، وبادر بخلع أخويه: المعتز، والمؤيد، من ولاية العهد، ومال إلى العلويين، وسمح لهم بزيارة قبر الحسين، وأدنى منه الأتراك، ثم ما لبث أن قلب لهم ظهر المجن، فتآمروا مع طبيبه على قتله بالسم وكان ذلك، فمات سنة ثمان وأربعين ومائتين، وعمره ست وعشرون سنة، وصالح المنتصر أخويه عن إرثهم من أبيهم على أربعة عشر ألف ألف درهم، وأشهد عليهم بذلك (١).
قتل أباه، وخلع أخويه، وكان الجزاء من جنس العمل، ولا أستبعد أن ذلك كان بمشورة من الأتراك الذين قربهم. وكانت خلافته أربع عشرة سنة وتسعة أشهر وعشرة أيام وقيل سبعة (٢).
الملك الثاني عشر من ملوك بني العباس: المستعين: ثاني عشر خلفاء الدولة العباسية، تولى الخلافة في اليوم الّذي توفى فيه المنتصر، في سنة ثمان وأربعين ومائتين.
стр. 73
وهو أحمد بن محمد بن محمد المعتصم، ويكنى أبا عبدالله، وأمه أم ولد يقال لها: مخارق، وغلب على التدبير والأمر والنهي، أوتامش ابن أخت بغا الكبير، وجرت أمور منها خروج شرذمة من الأتراك يقولون: يا معتز يا منصور، وخلافات أدت إلى خلع المستعين نفسه، وسلّم الخلافة الى المعتز لليلتين خلتا من المحرم سنة اثنتين وخمسين ومئتين، وقتل بقادسية سُرَّ مَنْ رأى يوم الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال في هذه السنة، وهو ابن خمس وثلاثين سنة، فكانت خلافته منذ بويع إلى أن خلع ثلاث سنين وثمانية أشهر وثمانية وعشرين يوما، ومنذ خلع إلى أن قتل تسعة أشهر، وكان أبيض حسن الوجه، ظاهر الدم، بوجهه أثر جدري (١).
وهو أول من أحدث لبس الأكمام الواسعة، فجعل عرضها نحو ثلاثة أشبار، وقد ورد النهي عن لبس القمصان ذات الأكمام الواسعة الطوال، لأنها من جنس الخيلاء.
وكان أخذ المنصور الناس بلبس القلانس الطوال المفرطة الطول، فقال أبو دلامة:
وكنا نرجي من إمام زيادة ... فزاد الإمام المصطفى في القلانس
تراها على هام الرجال كأنها ... دنان يهود جللت بالبرانس
فأمر المستعين بتقصيرها (٢).
وفي أيامه ولَّت الأزد من زهران وغيرها قيادتها يحيى بن سليمان بن عمران الزهراني؛ هو يحيى بن سليمان بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن
стр. 74
لبيد بن مجاسر بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
الملك الثالث عشر من ملوك بني العباس: المعتز: ثالث عشر خلفاء الدولة العباسية، خلع المستعين أحمد بن محمد بن المعتصم نفسه من الخلافة في سنة اثنتين وخمسين ومائتين، وبايع المعتزّ، وهو محمد بن جعفر المتوكّل بن محمد المعتصم بن هارون الرشيد بن المهدي محمد بن المنصور عبدالله، يكنى: أبا عبدالله، وقيل: إن اسم المعتز أحمد، وقيل الزبير، دعي للمعتزّ على منبري بغداد ومسجدَي جانبيها الشرقي والغربي، وأخذت البيعة على من كان بها من الجند.
أمه تركية اسمها قبيحة لفرط جمالها بين النساء، أخذها ابن وصيفتها وعذبها حتى أخذ منها ألف ألف دينار ذهبا ونصف أردب لؤلؤ ومثله زمرد وسدس أردب ياقوت أحمر ثم أخرجت إلى مكة وأقامت بها إلى أن ماتت وأقل الناس الترحم عليها حيث إن هذا المال عندها وشحت به عن ولدها عند احتياجه فكان عليه ما كان.
كان المعتز بديع الحسن جدا مليح الصورة حسنا، طويلا، أبيض، أسود الشعر كثيفه، حسن الوجه والعينين والجسم، ضيق الجبهة، أحمر الوجنتين، وكان مستضعفا مع الأتراك.
ولد بسُرَّ مَنْ رأى وبقي منذ بويع أربع سنين وبعض أخرى.
مات في الثاني من شهر رمضان بسر من رأى، ودفن بموضع يقال له: باب السميدع، سنة خمس وخمسين ومائتين، وله ثلاث وعشرون سنة، وكانت خلافة المعتز بالله من يوم دعي له بالخلافة ببغداد إلى يوم دفن ثلاث سنين وسبعة أشهر إلا ثلاثة أيام.
стр. 75
وقيل: كانت خلافه المعتز إلى أن خلع يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب، سنة خمس وخمسين ومائتين أربع سنين وستة أشهر وأربعة عشر يوما، وعمره ثلاثا وعشرين سنة، وقيل: يوم السبت ليومين من شعبان، وصلى عليه محمد بن الواثق المهتدي بالله، ودفن عند قبر المنتصر بالله يوم السبت لثلاث خلون من شعبان سنة خمس وخمسين ومائتين.
اتفق الأتراك على خلعه، وهجموا عليه وجروا برجله، وأوقفوه في الشمس فصار يرفع رجلا ويضع رجلا وعذبوه، وهم يلطمونه ويقولون اخلعها ويتقي بيديه ويمتنع، ثم أجابهم وخلع نفسه، فأدخلوه الحمام ومنعوه الماء إلى أن مات عطشا، وقيل: أتوه بماء مالح فشربه وسقط ميتا، ثم أخرجوه وأشهدوا عليه أنه لا أثر به (١).
قلت: هذا جزاء من يقرب الأباعد، ويعرض عن العزوة من القرابة وغيرهم، مع أنه اختلط الحابل بالنابل، من أجل الحكم والرئاسة، ومن المُوالي من يسمع ويطيع ولو كان من الأباعد، ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (٢).
وقد كان واليه على حرب الموصل وصلاتها سليمان بن عمران الزهراني؛ وهو سليمان بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاسر بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
стр. 76
الملك الرابع عشر من ملوك بني العباس: المهتدي: رابع عشر خلفاء الدولة العباسية، وهو محمد بن هارون الواثق بن المعتصم ويكنى أبا إسحاق، ويقال: أبو عبدالله، وأمه أم ولد رومية: تسمى قُرْب.
ولد بالقاطول (١)
في ربيع الأول سنة تسع عشرة ومائتين، وكان منزله بسُرَّ مَنْ رأى.
ولم يقبل بيعة أحد حتّى أتى بالمعتزّ فخلع نفسه وبايع محمد بن الواثق.
وكانت نسخة الرقعة بخلع المعتزّ نفسه:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
"هذا ما شهد عليه الشهود المسمّون في هذا الكتاب، شهدوا جميعا: أنّ أبا عبدالله ابن أمير المؤمنين المتوكّل على الله أقرّ عندهم، وأشهدهم على نفسه في صحّة من عقله وبدنه، وجواز من أمره طائعا غير مكره، وأنّه نظر فيما كان تقلّده من الخلافة والقيام بأمور المسلمين، فرأى أنّه لا يصلح لذلك ولا يكمل له، وأنّه عاجز عن القيام بما يجب عليه فيها، ضعيف عنه، فأخرج نفسه من الخلافة، وبرئ منها وخلع نفسه، وبرّأ كلّ من كانت له في عنقه بيعة من جميع أوليائه وسائر الناس ممّا كان له في رقابهم من البيعة والعقود والمواثيق والأيمان بالطلاق والعتاق والصدقة وسائر الأيمان، وحلّلهم من جميع ذلك، وجعلهم في سعة منه في الدنيا والآخرة بعد أن تبيّن له أنّ الصلاح له وللمسلمين في خروجه عن الخلافة والتبرّؤ منها، وأشهد على نفسه بجميع ما في هذا الكتاب جميع الشهود من حضر بعد أن
стр. 77
قرئ عليه حرفا حرفا، فأقرّ بفهمه ومعرفة ما فيه طائعا غير مكره، وذلك يوم الاثنين لثلاث بقين من رجب سنة خمس وخمسين ومائتين.
فوقّع المعتزّ في ذلك: أقرّ أبو عبدالله بجميع ما في هذا الكتاب وكتب بخطّه، يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من رجب سنة خمس وخمسين مائتين.
قلت: هذا الكتاب ينقضه ما جرى للمعتز، على يدي الأتراك، والغمز فيه ظاهر، يؤيد هذا ما ورد ضمنه عبارة " بعد أن قرئ عليه حرفا حرفا " ولا أشك في أنه من تدبير الغالب على الأمر والقيم بالتدبير صالح بن وصيف، وموسى بن بغا الكبير، وهما المتآمران على المعتز، غير أن بغا أنكر ما جرى على المعتز لما قدم على المهتدي من الري وكان عاملا عليها، ورده المهتدي من حيث أتى, وجرت بينهما وبين المهتدي مواقف انتهت بقتل صالح، والتصالح مع بغا، أخذ كل واحد منها على صاحبه الأيمان والمواثيق بالوفاء والمناصحة.
وكانت خلافة المهتدي كلها إلى أن انقضى أمره أحد عشر شهرا وخمسة وعشرين يوما، وعمره ثمان وثلاثون سنة وكان رحب الجبهة، أجلح، جهم الوجه، أشهل، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرا، طويل اللحية.
وقيل: كان أسمر رقيقا أجلى، رحب الوجه، حسن اللحية، أشهل العينين، عظيم البطن، عريض المنكبين، قصيرا، طويل اللحية، أشيب.
وكان المهتدي من أحسن الخلفاء مذهبا، وأجملهم طريقة، وأظهرهم ورعا، وأكثرهم عبادة، ورعاً تقياً متعبداً عادلاً شجاعاً قوياً في أمر الله تعالى خليقاً للإمارة، لكنه لم يجد ناصراً ولا معيناً على الخير.
وقيل: إنه سرد الصوم مدة إمرته، وكان يقنع بعض الليالي بخبز وخل، وزيت، وكان يشبه بعمر بن عبدالعزيز، وورد أنه كان له جبة صوف وكساء يتعبد فيهما
стр. 78
لله، وكان قد سد باب الملاهي والغناء، وحسم الأمراء عن الظلم، وكان يجلس بنفسه لعمل حساب الدواوين، وأسند عنه أحمد بن علي بن ثابت الخطيب حديثا قال: أخبرنا ابن رزق حدثنا محمد بن عمرو بن القاضي الحافظ، أخبرنا محمد بن الحسن بن سعدان المروزي، حدثنا محمد بن عبد الكريم بن عبيد الله السرخسي قال: حدثني المهتدي بالله قال: حدثني علي بن هاشم بن طبراخ عن محمد بن الحسن الفقيه، عن ابن أبي ليلى، عن داود، عن أبيه، عن ابن عباس قال: قال العباس: يا رسول الله، ما لنا في هذا الأمر شيء؟ قال: «لي النبوة ولكم الخلافة، بكم يفتح هذا الأمر، وبكم يختم» (١).
قال: وقال النبي ﷺ للعباس: «من أحبك نالته شفاعتي ومن أبغضك فلا نالته شفاعتي» (٢).
ذكر أحمد بن سعيد الأموي قصة فيها إرهاص بموت المهتدي قال: كانت لي حلقة وأنا بمكة أجلس فيها في المسجد الحرام، ويجتمع إلي فيها أهل الأدب، وإنا يوما لنتناظر في شيء من النحو والعروض، وقد علت أصواتنا وذلك في خلافة المهتدي، إذ وقف علينا مجنون، فنظر إلينا ثم قال:
أما تستحون الله يا معدن الجهل ... شغلتم بذا والناس في أعظم الشغل
إمامكم أضحى قتيلا مجدلا ... وقد أصبح الإسلام مُفترِق الشمل.
وأنتم على الأشعار والنحو عكف ... تصيحون بالأصوات لستم ذوي عقل
стр. 79
ثم انصرف المجنون، وتفرقنا، وقد أفزعنا ما ذكره المجنون، وحفظنا الأبيات، فخبرت بذلك إسماعيل بن المتوكل، فحدث به قبيحة أم المعتز بالله فقالت: إن لهذا لنبأ فاكتبوا هذه الأبيات، وأرخوا هذا اليوم، واطووا هذا الخبر عن العامة.
ففعلنا، فلما كان يوم الخامس عشر ورد الخبر من مدينة السلام بقتل المهتدي.
فقد اتفق الأتراك على قتل المهتدي، فخرجوا عليه، فلبس السلاح وشهر سيفه وحمل عليهم فأسروه وخلعوه، ثم قتلوه إلى رحمة الله، في رجب وكانت دولته سنة، وعمره نحو ثمان وثلاثين سنة، وذلك في يوم الثلاثاء، لثلاث عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين، ولم يخلع المهتدي نفسه فقتلوه، وقيل مات من سهم وضربة كانا به، وصلى عليه جعفر بن عبد الواحد الهاشمي، وقيل: سموه (١).
وفي عهده ولي عبدالله بن سليمان بن عمران الزهراني على حرب الخوارج في الموصل؛ وهو عبدالله بن سليمان بن عمران بن نفيل بن جابر بن جبلة بن عبيد بن لبيد بن مجاسر بن سليمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران بن كعب.
الملك الخامس عشر من ملوك بني العباس: المعتمد: خامس عشر خلفاء الدولة العباسية، ولما قتل المهتدي أقام الأتراك بعده المعتمد على الله وهو أحمد بن جعفر المتوكل، ويكنى أبا العباس، وأمه أم ولد تسمى فتيان.
стр. 80
تولى الخلافة يوم الثلاثاء لأربع عشرة ليلة بقيت من رجب سنة ست وخمسين ومائتين، فأهمل أمور رعيته وتشاغل بلهوه ولذاته، حتى أشفى الملك على الذهاب، فغلب على أمره وتدبير ملكه وسياسة سلطانه أخوه: أبو أحمد الموفق طلحة بن جعفر المتوكل، ويسمى بالناصر لدين الله، وصيره كالمحجور عليه ولا أمر ينفذ له ولا نهى، فقام بأمر الملك أحسن قيام، وقمع من قرب من الأعداء، واستصلح من نأى، على كثير ما كان يلقى من اعتراض الموالي وسوء طاعتهم وتشغبهم، فلم تزل أمور الموفق جارية على ذلك الى أن توفي المعتمد، ولبث المعتمد ثلاثا وعشرين سنة في أثنائها جرد أخاه الموفق لقتال صاحب الزنج كان من أخبث الخوارج مشتتا للمسلمين، واستحل دماءهم، وكان ينادي على المرأة في محطته باسمها ونسبها، وربما كانت شريفة فتباع بالبخس، وبهذا بان عدم شرفه، وبُحث عن نسبه فلم يوجد له في العلويين صحة نسب، وكانت فتنته مختصة بالبصرة، ولم يزل الموفق يحاربه حتى قتله في صفر سنة سبعين ومئتين، مدته أربع عشرة سنة وهو من أشد مُدد الخوارج.
كان المعتمد جهيرا فصيحا صيتا إذا خطب أسمع أقصى الناس، وكان يمثل بينه وبين المستعين بالسخاء.
وهو أول من حجر عليه التصرف في شؤون الدولة لما سبق ذكره، وهو أول من قهر بالوكالة، فقد كان أخوه الموفق الوكيل المتصرف في أمور الدولة، إلى أن توفى بمدينة السلام في صفر سنة ثمان وسبعين ومئتين (١).
стр. 81
الملك السادس عشر من ملوك بني العباس: المعتضد: سادس عشر خلفاء الدولة العباسية، وهو أحمد بن أبي أحمد الموفق بالله، واسم أبي أحمد: محمد وقيل: طلحة بن جعفر المتوكل على الله بن المعتصم بن الرشيد، ويكنى: أبا العباس، وأمه أم ولد: كان اسمها ضرار، ثم سميت: تحقين، وتوفيت قبل خلافته بيسير.
وكان مولده بسُرَّ مَنْ رأى سنة ثلاث وأربعين ومائتين.
بويع المعتضد يوم الثلاثاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من رجب سنة تسع وسبعين ومائتين.
وكان لقبه "المعتضد بالله" ونقش خاتمه "الحمد للَّه الّذي ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء".
وكان نحيفا ربعة من الرجال حسن اللحية خفيف العارضين يخضب بالسواد سريع النهضة عند الحادثة قليل الفتور، يتفرد بالأمور ويمضى تدبيره بغير توقف، ولى الأمر بضبط وحركة وتجربة، وكف من كان يتوثب ويتشغب من الموالي.
توفى بمدينة السلام ليلة الأحد وقيل: الثلاثاء لثمان بقين وقيل: لست ليال بقين من شهر ربيع الآخر، سنة تسع وثمانين ومائتين، وله سبع وأربعون سنة فكانت خلافته تسع سنين وتسعة أشهر واثنين وعشرين يوما (١).
стр. 82
الملك السابع عشر من ملوك بني العباس: المكتفي: وهو سابع عشر خلفاء الدولة العباسية، وهو المكتفي على بن أحمد المعتضد، ويكنى أبا محمد، وأمه أم ولد تركية يقال لها: خاضع.
ولد سنة أربع وستين ومائتين.
وليس في الخلفاء من اسمه علي غير علي بن أبي طالب ﵁، والمكتفي.
بويع بالخلافة بعد موت أبيه ليلة الاثنين من ربيع الآخر، وقيل: الأول، سنة تسع وثمانين ومائتين، وكان المكتفي مقيما بالرقة، ثم خرج شاخصا من الرقة الى بغداد، وفي يوم الثلاثاء لثمان خلون من جمادى الاولى دخل المكتفي الى داره بالحسنى.
توفى بمدينة السلام ليلة الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة سنة خمس وتسعين ومائتين، وله إحدى وثلاثون سنة وستة أشهر، وقيل: أكثر من ذلك، وكانت خلافته ست سنين وتسعة عشر يوما، وكان دقيقا أسمر اللون، أعين قصيرا حسن الشعر واللحية كبيرهما، حسن الوجه والبدن، أفضى الأمر اليه بعد توطئة أبيه الأمور له، فبُلي بكثرة الفتوق عليه واضطراب الأطراف.
وكان ماله جما، وجيوشه كثيفة، فقام بتلك الأمور مقتفيا فعال أبيه، محتذيا طرائقه، ولم يكن ممن يوصف بشجاعة ولا جبن (١).
الملك الثامن عشر من ملوك بني العباس: المقتدر: ثامن عشر خلفاء الدولة العباسية، وهو جعفر بن المعتضد لقب المقتدر بالله، كنيته أبو الفضل، وقيل إن اسمه إسحاق، وإنه إنما اشتهر بجعفر لشبهه بالمتوكل.
стр. 83
ولم يكن في الخلفاء من اسمه جعفر إلا جعفر المتوكل، وجعفر المقتدر، وكان مقتلهما جميعا في شوال قتل المتوكل ليلة الأربعاء لثلاث ليال خلون من شوال سنة سبع وأربعين ومائتين، وقتل المقتدر بين خاصته دون سائر من كان معه يوم الأربعاء لثلاث بقين من شوال وتولى قتل المقتدر موالي أبيه المعتضد.
ولد ليله الجمعة لثمان بقين من شهر رمضان من سنة اثنتين وثمانين ومائتين.
وأمه أم ولد يقال لها: شغب.
بويع بالخلافة يوم الأحد لثلاث عشرة ليلة خلت من ذي القعدة، سنه خمس وتسعين ومائتين، وهو يومئذ ابن ثلاث عشرة سنة وشهر واحد، وواحد وعشرين يوما، وكانت البيعة للمقتدر في القصر المعروف بالحسنى، فلما دخله ورأى السرير منصوبا أمر بحصير صلاة فبسط له، وصلى أربع ركعات، وما زال يرفع صوته بالاستخارة ثم جلس على السرير، وبايعه الناس، ولم يل الخلافة أصغر سنا منه.
جرت محاولة خلع المقتدر وتنصيب ابن المعتز يوم السبت للنصف من شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين ومائتين، ولم تنجح، فقبض على ابن المعتز وقتل، وصفا الأمر للمقتدر، ثم خلع بعد ذلك، وأزيل عن سرير ملكه، وأخرج عن دار الخلافة للنصف من المحرم سنة سبع عشرة وثلاثمائة، ثم تبايع أشياع المقتدر وخواصه، فأعيد إلى سرير ملكه، وجددت له البيعة، وصفا له الأمر، وذلك في يوم الاثنين، لسبع عشرة ليلة خلت من المحرم من هذه السنة، وخرج المقتدر فيمن بايعه من الجيوش للقاء الخارجين عليه، فقتل بظاهر مدينة السلام، مما يلي الشماسية، يوم الأربعاء لثلاث ليال بقين من شوال سنة عشرين وثلاثمائة، وله ثمان وثلاثون سنة وشهر وسبعة عشر يوما.
стр. 84
وكان رَبع القامة الى القصر ما هو، دري اللون، صغير العينين، أحور حسن الوجه واللحية أصهبها، أفضت الخلافة إليه، وهو صغير، غِرّ، تَرِف، لم يعان الأمور، ولا وقف على أحوال الملك، فكان الأمراء والوزراء والكتاب، يدبرون الأمور، ليس له في ذلك حل ولا عقد، ولا يوصف بتدبير ولا سياسة وغلب على الأمر النساء والخدم وغيرهم، فذهب ما كان في خزائن الخلافة من الأموال والعدد بسوء التدبير الواقع في المملكة، فأداه ذلك الى سفك دمه، واضطربت الأمور بعده، وزال كثير من رسوم الخلافة (١).
الملك التاسع عشر من ملوك بني العباس: القاهر: تاسع عشر خلفاء الدولة العباسية، وهو القاهر محمد بن أحمد المعتضد، ويكنى أبا منصور، وأمه أم ولد، تسمى قبول.
بويع بالخلافة يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال سنة عشرين وثلاثمائة.
وسبب خلافته، أن محمد بن المكتفي بالله، خوطب في تولى الخلافة فامتنع وقال: عمي أحق بالأمر، فخاطب عمه القاهر، فأجاب وحلف وبايعه الأعيان والقضاة، وذلك سَحَر يوم الخميس لليلتين بقيتا من شوال.
وكان فص خاتمه ياقوتا أحمر وعليه منقوش: "بالله محمد الإمام القاهر بالله أمير المؤمنين يثق".
ثم خُلع وسُملت عيناه يوم الأربعاء لخمس خلون من جمادى الاولى سنة اثنتين وعشرين وثلاثمائة، وله ست وثلاثون سنة وأشهر.
стр. 85
ولم يسمل قبله أحد من الخلفاء وملوك الإسلام.
وكانت خلافته سنة وستة أشهر وستة أيام وكان أبيض يعلوه حمرة، مربوعا، حسن الجسم، أعين، وافر اللحية، ألثغ، شديد الإقدام على سفك الدماء، أهوج، محبا لجمع المال على قلته في أيامه قليل الرغبة في اصطناع الرجال، غير مفكر في عواقب أموره، راكبا ردعه، واطئا عشواته يريد الشبه بمن تقدم من آبائه، فلا يمكنه ذلك لسوء تدبيره وقبح سياسته (١).
الملك العشرون من ملوك بني العباس: الراضي: العشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو الراضي بالله محمد بن جعفر المقتدر ويكنى أبا العباس.
وأمه أم ولد تسمى ظلوم.
بويع بالخلافة يوم الخميس لست ليال خلون من جمادى الاولى سنة اثنتين وعسرين وثلاثمائة.
توفى بمدينة السلام يوم السبت لست عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وثلاثمائة وله اثنتان وثلاثون سنة وأشهر، وكانت خلافته ست سنين وعشرة أشهر وعشرة أيام.
وكان أسمر، أعين، مسنون الوجه، خفيف العارضين، دحداحا، نحيفا، جوادا، محبا للأدب، حسن الشعر، شديد التضريب بين أوليائه، لاستبدادهم بالأمور دونه، وقصور يده عن تغيير ذلك.
стр. 86
وانفذ إلى القاهر بمن طالبه بتسليم خاتمه إليه، وكان فصه ياقوتا أحمر وعليه منقوش: "بالله محمد الامام القاهر بالله أمير المؤمنين يثق" فامر أن يسلم إلى نقاش حاذق فمحاه (١).
الملك الحادي والعشرون من ملوك بني العباس: المتقي: الحادي والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المتقي بالله إبراهيم بن المقتدر، ويكنى أبا إسحاق.
وأمه أم ولد تسمى خلوب، أدركت خلافته.
ولد في شعبان سنة سبع وتسعين ومائتين.
بويع بالخلافة يوم الخميس لتسع بقين من شهر ربيع الأول، سنة تسع وعشرين وثلاثمائة.
وخُلع وسُملت عيناه يوم السبت لعشر ليال بقين من صفر سنة ثلاث وثلاثين وثلاثمائة، وله ثلاثون سنة، وأشهر، وكانت خلافته ثلاث سنين وعشرة أشهر وعشرين يوما، وهو الثاني من الخلفاء الذي سُملت عيناه، والأول القاهر، ولم يغدر بأحد قط، ولا تغير على جاريته التي كانت له قبل الخلافة، ولا تسرى عليها، وكان حسن الوجه، مقبول الخلق، قصير الأنف، أبيض مشربا بحمرة، في شعره شقرة وجعودة، كث اللحية، أشهل العينين، أبيَّ النفس، لم يشرب النبيذ قط.
وكان يتعبد ويصوم جدا، وكان يقول: المصحف نديمي، ولا أريد جليسا (٢).
стр. 87
الملك الثاني والعشرون من ملوك بني العباس: المستكفي: الثاني والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المستكفي بالله أبو القاسم عبدالله، وقيل: عبيد الله بن المكتفي بالله علي بن المعتضد بالله أبي العباس أحمد بن أبي أحمد الموفق بن المتوكل على الله، يجتمع هو والمتقي لله في المعتضد.
أمه رومية اسمها غصن.
ولد في صفر سنة اثنتين وتسعين ومائتين.
ولي الخلافة، وسنه يومئذ إحدى وأربعون سنه، وسبعه أيام، وكان في سن المنصور يوم ولي.
بويع المستكفي في الموضع المعروف بالبثق على نهر عيسى بإزاء القرية المعروفة بالسندية، في الوقت الّذي سُملت فيه عينا المتقي.
وخلع يوم الخميس لثمان بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وسُملت عيناه، وله ثمان، وقبل ثلاث وأربعون سنة وأشهر، وكانت خلافته سنة وشهرين وثمانية وعشرين يوما، وهو الثالث من الخلفاء الذين تسمل أعينهم، فالأول القاهر، والثاني المتقي.
كان المستكفي مغلوبا على أمره مع "توزون" وابن "شيرزاد"، ولما بويع المطيع لله، سُلم إليه المستكفي، فسمله وأعماه، وبقي محبوسا إلى أن مات في ربيع الأول سنة ثمان وثلاثين وثلاثمائة.
стр. 88
وكان مليح الشخص، أبيض اللون، حسن الوجه، صغير الفم، بعارضه شيب، ربعة من الرجال، ليس بالطويل ولا بالقصير، معتدل الجسم، مشربا بالحمرة، أسود الشعر، سبطا، خفيف العارضين، أكحل، أقنى الأنف (١).
الملك الثالث والعشرون من ملوك بني العباس: المطيع: الثالث والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المطيع لله الفضل بن جعفر المقتدر باللَّه، ويكنى أبا القاسم.
وأمه أم ولد صقلبية، تسمى مشعلة، وقيل: مشغله، وتوفيت في مستهل ذي الحجه سنه خمس وأربعين وثلاثمائة.
بويع بالخلافة يوم الخميس لثمان ليال بقين من جمادى الآخرة سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة، وكان له يوم بويع: ثلاث وثلاثون سنة، وخمسة أشهر، وأيام، بايعه معز الدولة، وأحضر المستكفي إليه، فسلم عليه بالخلافة، وأشهد على نفسه بالخلع، وسُمل واعتُقل عنده، وكان لما ولي المستكفي بالله الخلافة، خافه المطيع; لأنه كان بينهما منازعة، وكان كل منهما يطلب الخلافة، وهو يسعى فيها، فلما ولي المستكفي خافه واستتر منه، فطلبه المستكفي أشد الطلب، فلم يظفر به، فلما قدم معز الدولة بغداد، قيل: إن المطيع انتقل إليه، واستتر عنده، وأغراه بالمستكفي حتى قبض عليه وسمله.
ثم ظهر ما كان المطيع لله يستره من مرضه وتعذر الحركة عليه وثقل لسانه بالفالج، فدعاه حاجب عز الدولة "سبكتكين" إلى خلع نفسه وتسليم الأمر إلى ولده الطائع لله، ففعل ذلك، وعقد له الأمر في يوم الأربعاء ثالث عشر ذي القعدة، فكانت مدة خلافة المطيع تسعا وعشرين سنة وأربعة أشهر وأربعة وعشرين يوما،
стр. 89
وأثبت خلعه، ثم خرج المطيع وولده الخليفة الطايع لله إلى واسط فمات هناك في المحرم سنة أربع وستين وثلاثمائة، بعد ثلاثة أشهر من عزله، وعمره ثلاث وستون سنة (١).
الملك الرابع والعشرون من ملوك بني العباس: عبد الكريم: الرابع والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو أبو بكر عبد الكريم بن المطيع لله الفضل بن المقتدر جعفر بن المعتضد.
وأمه أم ولد.
بويع لَهُ يَوْم الاربعاء لثلاث عشرَة لَيْلَة خلت من ذِي الْقعدَة سنة ثَلَاث وَسِتِّينَ وثلاثمائة وَلم يتقلد الْخلَافَة من لَهُ أب حَيّ غَيره، وَغير أبي بكر الصّديق ﵃.
وكان سبب توليته الخلافة ما ظهر على والده من علة لحقته، والفالج الَّذِي تَمَادى بِهِ حَتَّى ثقل لِسَانه، دعاه ذلك إلى خلع نَفسه، وَجعل الأمر إلى وَلَده الطائع لله.
ثم اعتُقل الطايع، وكُتب عليه كتاب بالخلع، وتسليم الأمر إلى القادر بالله، وشهد الشهود عليه، وكانت مدة خلافة الطايع سبع عشرة سنة وثمانية أشهر وخمسة أيام، كان أشقر مربوعا كبير الأنف (٢).
стр. 90
الملك الخامس والعشرون من ملوك بني العباس: القادر: الخامس والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو القادر بالله أبو العباس أحمد بن إسحاق بن المقتدر.
أمه أم ولد اسمها تمني، مولاة عبد الواحد بن المقتدر، وكانت من أهل الدين.
ولد في يوم الثلاثاء التاسع من ربيع الأول سنة ست وثلاثين وثلاثمائة.
بويع بالخلافة بعد خلع الطايع ودخل القادر دار الخلافة ثاني عشر شهر رمضان، وبايعه الناس، في سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة، وخطب له يوم الجمعة الثالث من شهر رمضان، وكان القادر حسن الطريقة، كثير المعروف، مائلا إلى الخير والتدين، صنف كتابا في فضل الصحابة وذم الروافض وكان يُقرأ في المساجد والجوامع.
جدّد القادر معاهد الخلافة وأنار أعلامها، وكشف غُمم الفتنة وجلّى ظلامها، وقَدِر من صلاحها على ما لم يقدر عليه سواه وسلك من طريق الزهد والورع ما تقدّمت فيه خطاه، فكان راهب بنى العباس حقّا وزاهدهم صدقا. ساس الدنيا والدين وأغاث الإسلام والمسلمين واستأنف في سياسة الأمر طرائق قويمة ومسالك مأمونة سليمة لم تعرف منه زلّة ولا ذمّت له خلّة. فطالت أيّامه وطابت أخباره واقتفيت آثاره.
مات القادر بالله يوم الاثنين الحادي عشر من ذي الحجة سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وعمره ست وثمانون سنة وعشرة أشهر، وخلافته إِحدى وأربعون سنة وشهر (١).
стр. 91
الملك السادس والعشرون من ملوك بني العباس: القائم: السادس والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو القائم بأمر الله عبدالله بن القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بن المعتضد.
ولد يوم الخميس ثامن عشر ذي القعدة، وقيل: نصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وثلاثمائة،
وأمه أم ولد أرمنية اسمها بدر الدجى، وقيل: قطر الندى، أدركت خلافته.
بويع بالخلافة القائم بعد موت أبيه القادر بالله يوم الثلاثاء الثالث عشر من ذي الحجة، سنة اثنتين وعشرين وأربعمائة، وكان القادر بالله جعله ولي عهده من بعده، ولقبه القائم بأمر الله وخطب له بذلك في حياته، واستخلف القائم بأمر الله، وعمره إحدى وثلاثون سنة، وكان خيرا دينا فاضلا صالحا مغلوبا على أمره مدة زمانه، مات سنة سبع وستين وأربعمائة (١).
الملك السابع والعشرون من ملوك بني العباس: المقتدي: السابع والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المقتدي بأمر الله أبو القاسم عمدة الدين عبدالله بن ذخيرة الدين محمد بن الخليفة القائم عبدالله بن القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد بن المهدي بن المنصور بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس.
ولد في سَحَر يوم الأربعاء ثامن جمادى الأولى، سنة ثمان وأربعين وأربعمائة.
стр. 92
وأمه أم ولد أرمنية، تسمى: أرجوان، وتدعى قرة العين، أدركت خلافته وخلافة ابنه وابن ابنه، المستظهر، والمسترشد، وكان الذخيرة قد بقى من أولاد القائم ولم يبق له ذكر سواه.
بويع بالخلافة يوم الجمعة ثالث عشر شعبان سنة سبع وستين وأربعمائة، وعمره عشرون سنة.
وكان سبب بيعته أن الناس رأوا انتقاض الدولة وانقضام الأمر لعدم وِلْدٍ للبيت القادري، وأن من سواهم من الأسرة مخالط للعوام في البلد، وجارٍ مجاري السوقة، ولذلك تنفر قلوب العوام عن المتولي، فحفظ الله هذا البيت بأن كان محمد بن القائم الملقب ذخيرة الدين توفي في حياة أبيه القائم، وقد ألم بجاريته أرجوان فتشوقت النفوس إلى ما يكون من ذلك، فجاءت بالمقتدي بعد موت الذخيرة بخمسة أشهر وكسر، فوقعت البشائر ولم يزل جده ضنينا به، حذرا عليه، فبلغ والقائم حي، فأشهد القائم على نفسه بولاية العهد، فظهرت ألطاف الله سبحانه في أمر المقتدي من حيث ولادته وأنها كانت سببا لحفظ ذلك البيت من جهة حراسته في الفتنة، ومن جهة بلوغه مرتبة الخلافة في حياة جده، ونشأ في حجر جده القائم بأمر الله يربيه بما يليق بأمثاله، ويدربه على أحسن السجايا، وكان في غاية الجمال خلقا وخلقا.
مات المقتدي فجأة في ليلة السبت خامس عشر المحرّم، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وكان عمره ثمان وثلاثين سنة وثمانية أشهر ويومين، وكانت خلافته تسع عشرة سنة وثمانية أشهر (١).
стр. 93
الملك الثامن والعشرون من ملوك بني العباس: المستظهر: الثامن والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المستظهر بالله أبو العباس أحمد بن المتقدي بن محمد القائم عبدالله بن القادر أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بن المعتضد بن الموفق طلحة بن المتوكل بن المعتصم بن الرشيد.
أمه أم ولد.
بويع المستظهر بالخلافة بعد ثلاثة أيام من موت والده المقتدي، سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وكان عمره ست عشرة سنة وشهرين.
كان كريم الأخلاق، لين الجانب، سخي النفس، مؤثرا للإحسان، حافظا للقرآن، محبا للعلم، منكرا للظلم، فصيح اللسان، له شعر مستحسن منه قوله:
أذاب حر الهوى في القلب ما جمدا ... يوما مددت على رسم الوداع يدا
فكيف أسلك نهج الاصطبار وقد ... أرى طرائق في مهوى الهوى قددا
قد أخلف الوعد بدر قد شغفت به ... من بعد ما قد وفي دهرا بما وعدا
إن كنت أنقض عهد الحب في خلدي ... من بعد هذا فلا عاينته أبدا
توفي المستظهر في ربيع الأول سنة اثنتي عشرة وخمسمائة بعلّة الاستسقاء، وحين اشتدت به العلّة في الليلة التي مات فيها جعل ولاية العهد للمسرشد.
стр. 94
كانت خلافته خمسا وعشرين سنة، وسنّه يوم مات اثنتين وأربعين سنة (١).
الملك التاسع والعشرون من ملوك بني العباس: المسترشد: التاسع والعشرون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المسترشد بالله الفضل بن المستظهر أحمد بن المقتدي عبدالله بن محمد الذخيرة بن القائم بن عبد لله بن القادر بن أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بن المعتضد.
أمه أم ولد اسمها لبابة.
بويع يوم وفاة والده المستظهر وكان شجاعا دينا فصيحاً، حسن الخط، مشتغلا بالعبادة، شهما لم يل الخلافة بعد المعتضد أشهم منه، وكان شديد الهيبة ذا رأي ويقظة وهمة عالية ضبط الأمور وأحيا مجد بني العباس وجاهد غير مرة.
أسر المسترشد وقتل يوم الأحد سابع عشر ذي القعدة بظاهر مراغة (٢)، وكان عمره لما قتل ثلاثاً وأربعين سنة وثلاثة أشهر، وكانت خلافته سبع عشرة سنة وستة أشهر وعشرين يوماً (٣).
стр. 95
الملك التلاثون من ملوك بني العباس: الراشد: الثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو الراشد بالله منصور بن المسترشد بن المستظهر بن المقتدي.
بويع له في سنة تسع وعشرين وخمسمائة يوم وفاة أبيه بعهد منه، فمكث ما شاء الله ثم خلع في ذي القعدة سنة ثلاثين وخمسمائة، وقيل: في سادس عشر ذي الحجة، وهرب إلى فارس، ثم دخل أصبهان (١) وحاصرها فتمرض هناك، فوثب عليه جماعة من الفداوية فقتلوه، وكانت مدته إلى أن خلع سنة إلا أياما، وعمره إحدى وعشرون سنة، وقيل: ثلاثون سنة، كان شابا أبيض تام الشكل، شديد البطش شجاع النفس، كريما جوادا فصيحا، قال العماد الكاتب: كان للراشد الحسن اليوسفي، والكرم الحاتمي (٢).
الملك الحادي والثلاثون من ملوك بني العباس: المقتفي: الحادي والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المقتفي أبو عبدالله محمد بن المستظهر بن المقتدي، وهو أخو المسترشد، وعم الراشد.
ولد المقتفي في ربيع الأول سنة تسع وثمانين وأربعمائة.
أمه أم ولد اسمها نسيم، وكانت جارية صفراء يقال لها: ست السادة، وكان يضرب بها المثل في الكرم.
بويع له يوم خُلع ابن أخيه الراشد بيومين في ثامن عشر ذي الحجة، سنة ثلاثين وخمسمائة، ولقب بالمقتفي.
стр. 96
وسبب تلقيبه بالمقتفي أنه رأى النبي ﷺ في المنام قبل الخلافة بأشهر وهو يقول له: إنه سيصل إليك هذا الأمر فاقتف بي، فقام بتدبير المملكة، وكان بيده أزمة الأمور، لا يجري في خلافته أمر وإن صغر إلا بتوقيعه، وكان محمود السيرة مشكور الدولة، يرجع إلى فضل ودين وعقل، ورأي وسياسة، جدد معالم الإمامة، ومهد رسوم الخلافة، وامتدت أيامه ولم ير مع سماحته ولين جانبه ورأفته بعد المعتصم خليفة مثله في شهامته وصرامته، مع ما خص به من زهده وورعه وعبادته، ولم تزل جيوشه منصورة حيث يممت، ولم يبق للخليفة منازع من الملوك والسلاطين.
وكان المقتفي محبا للحديث وسماعه، معتنيا به وبالعلم مكرما لأهله.
ومن غرائب ما حدث في خلافته أنه في سنة أحدى وثلاثين وخمسمائة في خلافته قال ابن الأثير ظهر بدمشق الشام سحاب أسود فاشتد الظلام حتى لا يرى أحد أحدا ثم انقشع وظهر بعده سحاب أحمر فتلونت السماء بلون النار ثم بعد ذلك ظهرت ربح عظيمة عاصف تقلع الأشجار العظيمة من أصولها، وفي سنة خمس وأربعين وخمسمائة من خلافته أمطرت السماء دما أحمر لا ينكر منه شيء وكان ذلك الإمطار في بلاد نيسابور.
وفي سنة تسع وأربعين وخمسمائة من خلافته كانت قصة أهل قرية المعلف وهي قرية بين الكدر والمهجم من أعمال تهامة اليمن، وقيل: قريتان اسم أحمدهما معلف، ولأخرى سحلة، أرسل الله عليهما سحابة سوداء فيها رجف وبرق وشُعَل نار تلهّب وريح، فلما رأوا ذلك زالت عقولهم فألتجأ منهم قوم إلى المساجد، فغشيهم العذاب، فاحتملت الريح أصل القريتين من تحت الثرى بمساكنهم بمن فيها من الرجال والنساء والأطفال والدواب، فألتقتهم بمكان بعيد نحو خمسة أميال من
стр. 97
حيث احتملتهم، فوجدوا حيث ألقتهم صرعى، ولبعضهم أنين، وهم صم وبكم وعمى، فماتوا عن آخرهم في يومهم.
وتوفي الخليفة المقتفي يوم الأحد ثالث ربيع الأول وقيل: الآخر، وقيل: رجب سنة خمس وخمسين وخمسمائة مدة خلافته خمس وعشرون سنة وثلاثة أشهر ونصف، وعمره سبع وستون سنة وشهر واحد (١).
الملك الثاني والثلاثون من ملوك بني العباس: المستنجد: الثاني والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المستنجد بالله أبو المظفر يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر أحمد بن المقتدي.
أمه أم ولد حبشية اسمها طاوس.
ولد مستهل ربيع الآخر سنة عشر وخمسمائة.
بويع له يوم وفاة والده، وكان أديبا فاضلا أهلا للخلافة.
حكي أنه قبل أن يستخلف رأى في منامه أن ملَكا نزل من السماء فكتب في كفه خمس خاءات، فلما أصبح سأل عن تعبير ذلك فقيل له: إنك ستلي الخلافة سنة خمس وخمسين وخمسمائة، فكان كذلك وليها سنة خمس وخمسين وخمسمائة فالخاء الأولى للخلافة وكان موصوفا بالعدل والديانة أبطل المكوس وقام كل القيام على المفسدين روى أنه سجن رجلا كان يسعى بالفساد في الناس فجاء إليه رجل وبذل فيه عشرة آلاف دينار فقال المستنجد له أنا أعطيك عشرة آلف دينار على
стр. 98
آخر مثله تأتيني به فأحبسه وأكفي الناس شره وله شعر متوسط منه قول في البخل:
باخل أشعل في بيته ... تكرمة منه لنا شمعة
فما جرت من عينها دمعة ... حتى جرت من عينه دمعة
وقوله:
عيرتني بالشيب وهو وقار ... ليتها عيرت بما هو عار
إن تكن شابت الذوائب مني ... فالليالي تزينها الأقمار
وفي سنة سبع وخمسين وخمسمائة وهي السنة الثالثة من خلافته جرت الكائنة الغريبة وهي أن الملك العادل نور الدين رأى النبي ﷺ في نومه ليلة ثلاث مرات وهو يشير إلى رجلين أشقرين يقول أنجدني من هذين فأرسل إلى وزيره وتجهزا في بيته ليلتهما على رواحل خفيفة في عشرين نفرا وصحب مالا كثيرا فقدم المدينة في ستة عشر يوما فزار ثم أمر بإحضار أهل المدينة بعد كتابتهم وصار يتأمل في كل ذلك تلك الصفة إلى أن انقضت الناس فقال هل بقي أحد؟ قالوا: لم يبق سوى رجلين صالحين عفيفين مغربيين يكثران الصدقة فطلبهما فرآهما الرجلين اللذين أشار إليهما النبي ﵊ فسأل عن منزلهما فأخبر أنهما في رباط بقرب الحجرة الشريفة فأمسكهما ومضى إلى منزلهما فلم ير غير ختمتين وكتبا في الرقائق ومالا كثيرا فأثنى عليهما أهل المدينة خيرا فبقى مترددا متحيرا فرفع حصيرا في البيت فرأى سردابا محفورا ينتهي إلى صوب الحجرة فارتاعت الناس لذلك فقال لهما السلطان أصدقاني وضربهما ضربا شديدا فاعترفا بأنهما نصرانيان بعثهما النصارى في زي حجاج المغاربة وأمالوهما بالمال العظيم ليتحيلا في الوصول إلى الجناب الشريف ونقله وما يترتب عليه فنزلا قرب رباطا
стр. 99
وصارا يحفران ليلا ولكل منهما محفظة جلد والذي يجتمع من التراب يخرجانه في محفظتيهما إلى البقيع إذا خرجا بعلة الزيارة فلما قرب من الحجرة أرعدت السماء وأبرقت وحصل رجف عظيم فقدم السلطان صبيحة تلك الليلة فلما ظهر حالهما بكى السلطان بكاء شديدا وأمر بضرب رقابهما فقتلا تحت الشباك الذي يلي الحجرة الشريفة المسمى الآن شباك الجمال ثم أمر بإحضار رصاص عظيم وحفر خندقا عظيما إلى الماء حول الحجرة الشريفة كلها وأذاب ذلك الرصاص وملأ الخندق فصار حول الحجرة سور من رصاص إلى الماء، وفي سنة إحدى وستين وخمسمائة ذكر صاحب الخميس عن شمس الدين صواب الموصلي بواب المسجد النبوي والقائم بأمره بإسناد صحيح عنه
أن جماعة من الروافض وصلوا من حلب فأهدوا إلى أمير المدينة الشريفة من الأموال والجواهر ما لم يخطر ببال فشغله ذلك وأنساه دينه والتمسوا منه أن يخرجوا جسد أبي بكر وعمر ﵄ من عند النبي ﷺ ، فلِما غشيه من حب الدنيا والتشاغل بالأموال عن الدين وافقهم على ذلك قال صواب الموصلي المذكور: فطلبني أمير المدينة وقال: إن في هذه الليلة يصل إليك سمط كذا وكذا من الرجال فحين يصلون إليك سلم إليهم مفتاح الحجرة الشريفة النبوية ولا تتشاغل عنهم وإلا أخذت ما فيه عيناك، قال صواب: فأخذتني رعدة ودهشة ولا أدري إلام يؤل الأمر فانتظرت، فلما كان نصف الليل أقبل أربعون رجلا فدخلوا من باب السلام فسلمت إليهم مفتاح الحجرة المطهرة، فإذا معهم المقاحف والمكاتل وآلات الحفر فعرفت مرادهم، وغاب حسى من الهيبة النبوية ثم سجدت لله وجعلت أبكي وأتضرع، فما نظرت إلا وقد انشقت الأرض واشتملتهم بجميع ما معهم من آلات الحفر والتأمت لساعتها وذلك عند المحراب العثماني، فسجدت شكرا لله، فلما استبطأ الأمير الخبر أرسل لي رسولا فأخبرته بما رأيت، فطلبني عاجلا فوصلت إليه فإذا هو مثل الواله فسألني مشافهة فحققت
стр. 100
له ما رأيت، فقال: إن خرج منك هذا الأمر قتلتك، فلم أزل ساكتا عن بث هذا الأمر مدة حياة ذلك الأمير خوفا منه.
توفي المستنجد يوم السبت ثالث ربيع الآخر، سنة ست وستين وخمسمائة، ومدة خلافته اثنتا عشرة سنة إلا يوما أو يومين، وعمره سبع وأربعون سنة وقيل: تسع وأربعون وشهر، وكان أسمر طويل اللحية.
وقال ابن الجوزي: توفي يوم الثلاثاء بعد الظهر، ثامن ربيع الآخر من سنة ست وستين وخمسمائة، وحضرتُ الصلاة يوم الأحد قبل الظهر في التاج، ودفن في الدار، وبلغ من العمر ثمان وأربعين سنة، وكانت ولايته إحدى عشرة سنة وشهرا.
وكان سبب موته أنه مرض واشتد مرضه، فاتفق الحاقدون مع الطبيب على أن يصف له ما يهلكه، فوصف له دخول الحمام، فامتنع منه لضعفه، ثم إنه دخلها وغُلِّق عليه الباب، ومات (١).
الملك الثالث والثلاثون من ملوك بني العباس: المستضيء: الثالث والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو الحسن بن يوسف المستنجد بالله، يكنى: أبا محمد.
وأمه أرمنية تدعى: غضة، وقيل: عصمت.
ولد في سادس شعبان سنة ست وثلاثين وخمسمائة.
ولم يكن في الخلافة من اسمه الحسن ويكنى أبا محمد إلا الحسن بن علي ﵁ وهذا، فقد اشتركا في الاسم والكنية والكرم.
стр. 101
وله من الولد: أبو العباس أحمد وهو الذي تولى الخلافة بعده، وأبو منصور هاشم.
بويع يوم توفي والده المستنجد بيعة خاصة بايعه أهل بيته، ثم جلس المستضيء بأمر الله بكرة الأحد تاسع ربيع الآخر سنة ست وستين وخمسمائة فبايعه الناس، وصلى في التاج يومئذ على والده المستنجد، ونودي برفع المكوس، ورُدت مظالم كثيرة، وأظهر العدل والكرم، وفرق الإمام المستضيء بأمر الله مالا عظيما على الهاشميين، والعلويين، والعلماء، والأربطة، وكان دائم البذل للمال، ليس له عنده وقع، وخلع على أرباب الدولة، والقضاة، والجند، وجماعة من العلماء، ثم أذن للوعاظ في الوعظ بعد أن كانوا قد منعوا مدة، وخطب له على منابر بغداد يوم الجمعة رابع عشر ربيع الآخر.
وأنشد الحيص بيص:
أقول وقد تولى الأمر خير ... ولي لم يزل برا تقيا
وقد كشف الظلام بمستضيء ... غدا بالخلق كلهم حفيا
وفاض الجود والمعروف حتى ... حسبناه حبابا أو أتيا
بلغنا فوق ما كنا نرجي ... هنيئا يا بني الدنيا هنيا
سألنا الله يرزقنا إماما ... نسر به فأعطانا نبيا
ونعتذر له عن قوله: " فأعطانا نبيا " أنه يريد وصفه في السيرة والاقتداء.
مرض المستضيء بأمر الله واشتد به المرض وكثرت الأراجيف بموته ولم يتحقق الناس ذلك وكانت الأسواق تغلق في أكثر الأوقات لا يجسر أحد أن يبيع ويشتري
стр. 102
فكانت وفاته أول ليلة من ذي القعدة من سنة خمس وسبعين وخمسمائة، وكانت خلافته تسع سنين وستة أشهر وأحدا وعشرين يوما (١).
الملك الرابع والثلاثون من ملوك بني العباس: الناصر: الرابع والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو أبو العباس أحمد بن المستضيء حسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بن المقتدي.
لما توفي أبوه في سلخ شوال من سنة خمس وسبعين وخمسمائة، بايعه الأمراء والوزراء والكبراء والخاصة والعامة، وله من العمر ثلاث وعشرون سنة، وكان قد خطب له على المنابر في حياة أبيه قبل موته بيسير، فقيل إنه إنما عهد له قبل موته بيوم، وقيل بأسبوع، ولكن قدر الله أنه لم يختلف عليه اثنان بعد وفاة أبيه، ولقب بالناصر، ولم يل الخلافة من بني العباس قبله أطول مدة منه، فإنه مكث خليفة إلى سنة وفاته في ثلاث وعشرين وستمائة; وكان ذكيا شجاعا، فيه شهامة وإقدام، وله عقل ودهاء، وكان مستقلا بالأمور بالعراق، متمكنا من الخلافة، يتولى الأمور بنفسه، وكان يشقّ الدّروب والأسواق أكثر الليل والناس يتهيبون لقاءه، وكان أبيض، تركيّ الوجه، أقنى الأنف، خفيف العارضين، رقيق المحاسن، وكان أطول بني العبّاس خلافة، أصابه الفالج آخر أيامه، وتوفي في سلخ رمضان سنة ثلاث وعشرين وستمائة وله سبعون سنة إلّا أشهرا، وقد دانت السلاطين للناصر، ودخل تحت طاعته من كان من المخالفين، وذلّت له العتاة والطّغاة، وانقهرت لسيفه الجبابرة، وفتح البلاد العديدة، وملك من الممالك ما لم يملكه أحد ممن تقدّمه من السلاطين والخلفاء والملوك، وخطب له ببلاد الأندلس وبلاد الصين، وكان أسد
стр. 103
بني العبّاس تتصدع لهيبته الجبال، وكان حسن الخَلق، لطيف الخُلق، كامل الظرف، فصيح اللّسان، بليغ البيان، له التوقيعات المسددة والكلمات المؤيدة. كانت أيامه غرّة في وجه الدّهر، ودرّة في تاج الفخر، أحيا هيبة الخلافة وكانت قد ماتت بموت المعتصم ثم ماتت بموته، أجاز الناصر الرواية لجماعة من الأعيان فحدثوا عنه، منهم ابن سكينة، وابن الأخضر، وابن النجار، وابن الدامغاني، وآخرون.
وقال سبط ابن الجوزي وغيره: قلّ بصر الناصر في آخر عمره، وقيل: ذهب بالكلّية، ولم يشعر بذلك أحد من الرّعية، حتّى الوزير وأهل الدّار، متهم بالتشيع والله أعلم (١).
الملك الخامس والثلاثون من ملوك بني العباس: الظاهر: الخامس والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بن المستنجد بن المقتفي.
كان قد عهد الناصر أولا إلى ابنه أبي نصر محمد هذا ولقبه بالظاهر، وخُطب له على المنابر، ثم عزله عن ذلك بأخيه علي، فتوفي علي في حياة أبيه سنة ثنتي عشرة، فاحتاج إلى إعادة هذا لولاية العهد فخُطب له ثانيا، فحين توفي والده بويع بالخلافة، وعمره يومئذ ثنتان وخمسون سنة، فلم يل الخلافة من بني العباس أسن منه، ولما ولي الخلافة، أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، وكان عاقلا وقورا دينا عادلا محسنا، رد مظالم كثيرة وأسقط مكوسا، وأسقط الخراج الماضي عن الأراضي التي قد تعطلت، ووضع عن أهل بلدة واحدة وهي بعقوبا
стр. 104
سبعين ألف دينار كان أبوه قد زادها عليهم في الخراج، ولما ولي الظاهر أظهر من العدل والإحسان ما أعاد به سنة العمرين، فإنه أعاد من الأموال المغصوبة، والأملاك، في أيام أبيه وقبله شيئا كثيرا، وأطلق المكوس في البلاد جميعها، وأمر بإعادة الخراج القديم في جميع العراق، وأن يسقط جميع ما جدده أبوه، وكان كثيرا لا يحصى، فمن ذلك أن قرية بعقوبا كان يُحصّل منها قديما نحو عشرة آلاف دينار، فلما تولى الناصر لدين الله، كان يؤخذ منها كل سنة ثمانون ألف دينار، فحضر أهلها واستغاثوا، وذكروا أن أملاكهم أخذت حتى صار يُحصّل منها هذا المبلغ، فأمر أن يؤخذ الخراج القديم وهو عشرة آلاف دينار، وسار في الناس سيرة حسنة، حتى قيل: إنه لم يكن بعد عمر بن عبدالعزيز أعدل منه لو طالت مدته، لكنه لم يحُل إلى الحول، بل كانت مدته تسعة أشهر، وتوفي في ثالث عشر رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة فكانت خلافته تسعة أشهر وأياما (١).
الملك السادس والثلاثون من ملوك بني العباس: المستنصر: السادس والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المستنصر بالله أبو جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء الحسن بن المستنجد يوسف بن المقتفي محمد بن المستظهر بن المقتدي.
بويع له بالخلافة بعد موت أبيه الظاهر في رجب سنة ثلاث وعشرين وستمائة، فنشر العدل وبذل الإنصاف، وقرب أهل العلم والدين، وبني المساجد والرُّبُط والمدارس،
стр. 105
وأقام منار الدين، وقمع المتمردين، ونشر السنن وكف الفتن، وحمل الناس على أقوم سنن، وحفظ الثغور، وافتتح الحصون، واجتمعت القلوب على محبته، والألسن على مدحته، ولم يجد أحد من المتعنتة فيه معابا، وكان جده الناصر يقربه ويسميه القاضي؛ لهديه وعقله وإنكار ما يجده من المنكر، وكان المستنصر راغبا في فعل الخير، مجتهدا على أعمال البر، وله في ذلك آثار جميلة، وهو الذي أنشأ المستنصرية التي لم يبن مثلها في مدارس الإسلام، بناها على دجلة من الجانب الشرقي؛ وهي بأربعة مدرسين على المذاهب الأربعة، ولم يوجد في المدارس أكثر كسبا منها، ولا أكثر أوقافا عليها، ورتب فيها الرواتب الحسنة لأهل العلم.
توفي يوم الجمعة عاشر جمادى الأخرى سنة أربعين وستمائة فكانت خلافته ثلاث عشرة سنة وأحد عشر شهرا وعشرة أيام (١).
الملك السابع والثلاثون من ملوك بني العباس: المستعصم: السابع والثلاثون من خلفاء الدولة العباسية، وهو المستعصم بالله أبو أحمد عبدالله بن المستنصر بالله منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله أحمد، وهو آخر الخلفاء العباسيين بالعراق.
أمه أم ولد حبشية اسمها هاجر.
بويع له بالخلافة عند موت أبيه المستنصر يوم الجمعة عاشر جمادى الأخرى سنة أربعين وستمائة، وكان لينا هينا قليل الرأي بعيد الفهم فوض جميع أموره إلى وزيره مؤيد الدين بل مدمر الدين ابن العلقمي الرافضي جالب التتار إلى بغداد والمستعصم ومن معه في غفلة عنهم، وأخفى ابن العلقمي عنه سائر الأخبار إلى
стр. 106
أن وصل هولاكو خان إلى بلاد العراق، واستأصل من بها قتلا وأسرا، وتوجه إلى بغداد وأرسل إلى الخليفة يطلبه، فاستيقظ من نوم الغرور، وندم على غفلته حيث لا ينفع الندم، وجمع من قدر عليه وبرز إلى قتاله، وجمع من أهل بغداد خاصته ومن عبيده وخدامه ما يقارب أربعين ألف مقاتل؛ لكنهم مرفهون بلين المهاد وساكنون على شط بغداد، في ظل ثخين، وماء معين، وفاكة وشراب، واجتماع أحباب، ما كابدوا حربا، ولا ذاقوا طعنا ولا ضربا، وعساكر المغول ينوفون على مائة ألف مقاتل، فوقع التصاف والتحم القتال، وزحف الخميس إلى الخميس يوم الخميس، عاشر محرم سنة ست وخمسين وستمائة، وصبر أهل بغداد فعجزوا عن الاصطبار، وانكسروا أشد انكسار، وولوا الأدبار، وغرق كثير منهم في دجلة، وقتل أكثرهم شر قتلة، ووضعت التتار فيهم السيف والنار، فقتلوا في ثلاثة أيام ما ينوف على ثلاثمائة ألف وسبعين ألفا، وسبوا النساء والأطفال، ونهبوا الخزائن والأموال، وأخذ هولاكو جميع النقود وأمر بحرق الباقي، ورمى كتب مدارس بغداد في دجلة، وكانت لكثرتها جسرا يمرون عليها ركبانا ومشاة، وتغير لون الماء بحبرها إلى السواد، فأشار الوزير على الخليفة بمصانعتهم وقال: أنا في تقرير الصلح، فخرج ووثق لنفسه بينهم ورجع إلى الخليفة وقال: إن الملك هولاكو قد رغب في أن يزوج ابنته بابنك الأمير أبي بكر، ويبقيك في منصب الخلافة كما أبقى صاحب الروم في سلطنته، ولا يؤثر أن تكون الطاعة له كما كان أجدادك مع سلاطين الديلم والسلجوقية، وينصرف عنك بجنوده فيجيب مولانا إلى هذا فإن فيه حقنا لدماء من بقي من
المسلمين، ويمكن بعد ذلك أن تفعل ما تريد فالرأي أن تخرج إليهم، فخرج الخليفة في أعيان دولته، فأنزل في خيمة، ثم دخل الوزير فاستدعى الفقهاء والأماثل ليحضروا العقد، فخرجوا من بغداد فضربت أعناقهم، وكذلك تخرج طائفة بعد طائفة فتضرب أعناقهم، حتى قتل جميع من فيها من العلماء والأمراء والحجاب والكتاب، واستبقى هولاكو المستعصم أياما إلى أن
стр. 107
استصفي أمواله وخزائنه وذخائره، ثم رمى رقاب أولاده وذويه وأتباعه، وأمر أن يوضع الخليفة في غرارة ويرفس بالأرجل حتى يموت ففعل به ذلك، قال الحافظ الذهبي عند ذكر قتل الخليفة: وما أظنه دفن، وقتل معه جماعة من أولاده وأعمامه وبني عمه وكانت بلية لم يصب الإسلام بمثلها.
فكان ابن العلقمي سبب هلاكه وزوال ملكه، بل دولة الإسلام.
يا عصبة الإسلام نوحي واندبي ... حزنا على ما تم للمستعصم
دست الوزارة كان قبل زمانه ... لابن الفرات فصار لابن العلقمي
كانت مدة خلافته ست عشرة سنة وأربعة أشهر وستة أيام، وعمره خمس وأربعون سنة، وقيل: ست وأربعون وشهران، وهذا آخر خلفاء بني العباس، وعدتهم سبعة وثلاثون خليفة أولهم عبدالله السفاح بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس وآخرهم هذا المستعصم بالله عبدالله بن المستنصر بالله أبي جعفر منصور بن الظاهر بأمر الله محمد بن الناصر لدين الله أحمد بن المستضيء بنور الله حسن بن المستنجد بالله يوسف بن المقتفي لأمر الله محمد بن المستظهر بالله أحمد بن المقتدي بأمر الله عبدالله بن الأمير محمد الذخيرة بن القائم بأمر الله عبدالله بن القادر بالله أحمد بن الأمير إسحاق بن المقتدر بن جعفر بن المعتضد بن أحمد بن الأمير طلحة الموفق بن المتوكل على الله جعفر بن المعتصم محمد بن الرشيد هارون بن المهدي محمد بن المنصور أبي جعفر عبدالله بن محمد بن علي بن عبدالله بن العباس ﵄ (١).
стр. 108
هذا ما راق لي أن أكتب فيه، فقد حكم المسلون بعد فجر الإسلام العهد النبوي، مدة ضحى الإسلام، وظهر الإسلام أربعةُ خلفاء راشدون؛ أبو بكر وعمر وعثمان وعلي ﵁، وخليفتان: عبدالله بن الزبير ﵁، وعمر بن عبدالعزيز عُد خامس الراشدين ﵀، واثنا عشر ملكان من بني أمية، وسبعة وثلاثون ملكا من بني العباس، وكان في الملوك الممدوح والمثلوب، والعصمة لمن عصمه الله .
وقد بدأت خلافة بني العباس في رجب سنة اثنتين وثلاثين ومائة، وختمت في المحرم محرم سنة ست وخمسين وستمائة، كانت مدة حكمهم ست وخمسين وخمسمائة سنة تقريبا.
وسنة انتهى ملك بني العباس تسمى سنة المصائب وبقيت الدنيا بلا خليفة ثلاث سنين ونصفا؛ ست وخمسين وستمائة وسبع وخمسين وثمان وخمسين وتسع وخمسين إلى رجب منها.
وبعدها قام حكام مصر، ولم ينشط ذهني في متابعة البحث في أحوالهم، ولا قلمي في الكتابة عنهم، اكتفاء بما تقدم من الكلام عن ملوك بني أمية، وبني العباس المحسن منهم والمسيء، وفي ذلك من الوعظ الاعتبار ما فيه غنية لذوي الألباب.
وللعلم فإن المسترشد والمقتفي هما أخوان شقيقان، وكذلك السفاح والمنصور أخوان شقيقان، والهادي والرشيد أخوان شقيقان، والواثق والمتوكل ابنا المعتصم أخوان شقيقان.
وأما ثلاثة إخوة: فالأمين والمأمون والمعتصم بنو الرشيد أشقاء، والمنتصر والمعتز والمعتمد بنو المتوكل أشقاء، والمكتفي والمقتدر والقاهر بنو المعتضد أشقاء، والراضي والمتقي والمطيع بنو المقتدر أشقاء.
стр. 109
فأما أربعة أخوة أشقاء: فالوليد وسليمان ويزيد وهشام بنو عبدالملك (١).
وبالمناسبة فقد حدث في سنة أربع وخمسين وستمائة ظهور النار "بركان المدينة" في حرة بني قريظة، قال أبو شامة في كتاب الروضتين: جاءنا كتب من المدينة الشريفة فيها لما كانت ليلة الأربعاء ثالث جمادى الآخرة ظهر بالمدينة دوي عظيم، ثم زلزلة عظيمة، فكانت ساعة بعد ساعة، إلى خامس الشهر المذكور، فظهرت نار عظيمة في الحرة الشرقية قريبا من قريظة، نراها من دورنا من داخل المدينة كأنها عندنا، وسالت أودية منها وادي شظا سيل الماء، وطلعنا نقصدها فإذا الجبال تسير نارا، وسارت هكذا وهكذا كأنها الجبال، وطار منها شرر كالقصر، وفزع الناس إلى القبر الشريف مستغفرين تائبين، واستمرت هكذا أكثر من شهر.
وقال الذهبي: كانت تدب دبيب النمل، وكانت تحرق كل ما مرت عليه من الحجارة وغيرها، فكانت الحجارة تذوب كما يذوب الرصاص، وكانت لا تحرق أشجار المدينة على مشرفها الصلاة والسلام، وكان نساء المدينة يغزلن على ضوئها، ثم انطفأت بعد مدة قريبة من شهر، ومع ذلك ما كان لها حرارة، وما كانت تؤثر فيمن وصل إليها (٢)، ذكر أن أمير المدينة الشريفة أرسل رجلين ليتحققا أمر هذه النار، فلما وصلا إلى قربها وشاهدا عدم حرارتها تقربا إليها حتى إن أحدهما أخرج نشابا فأدخله النار فذاب نصله، ولم يحترق العود، فقلب النشاب وأدخله النار فاحترق الريش، ولم يحترق العود، لأن السهام كانت من أشجار المدينة، وذلك من معجزاته عليه الصلاة السلام.
стр. 110
قال اليافعي في تاريخه: وهذه النار هي التي ذكرها رسول الله ﷺ فقال: «تظهر في آخر الزمان نار شرقي المدينة تضيء لها أعناق الإبل ببصرى».
ذكر الحافظ الذهبي أن لفظ الحديث «لا تقوم الساعة حتى تخرج نار بأرض الحجاز تضيء لها أعناق الإبل ببصرى» ثم قال: وأمر هذه النار متواتر وهو مصداق ما أخبر به المصطفى (١).
تم تدوينه بعد إعلان تحالف (٣٤) دولة إسلامية لمحاربة الإرهابيين الغلاة بقيادة المملكة العربية السعودية، وكان التمام ساعة الأذان لظهر يوم الخميس ٦/ ٣/١٤٣٧ من الهجرة النبوية على صاحبها تمام الصلاة وكمال السلام في مهاجره المبارك طيبة الطيّبة، فلله الحمد والمنة على التوفيق والعون، وأسأله أن ينفع به من قرأه وطالعه، ويجعله ثقلاً في ميزان الحسنات.