Полный текст (1 534 стр.). Показаны 1506–1534 · переход к 1511.
стр. 1506
ومن باب الإدِّغام في حروف طرف اللسان والثّنايا
قال سيبويه: وهو يَثْقُل التَّكلُّم به لشدَّتهنّ، وللزوم اللسان موضعَهن لا يتجافى عنه.
قال أبو علي: الميم من الشديدة التي يجري معه الصوت، والباء لا يجري معه الصوت، فلذلك كان البيان في (اصْحَب مَّطَرًا) أحسن، وكان الإدغام في الدال والتاء ونحوهما أحسن، لأن تلك الحروف لا تختلف في الشدة كما اختلف الميم والباء فيها.
قال سيبويه: ولو أمسكتَ أنفك لرأيتها بمنزلة ما قبلها.
قال أبو علي: إذا ضارعت الميمُ النونَ لم يحسن إدغام الباء، كما لا يجوز إدغام الباء في النون.
وقوله: ولو أمسكت بأنفك لرأيتها، أي رأيت الميم في (اصْحَب مَّطَرًا) بمنزلة الباء.
قال سيبويه: وذلك قولك: (احْبِس صَّابِرًا، وأوجز صَّابرًا) والزاي
стр. 1507
والسين بمنزلة الدال والتاء.
أي في أنّ كل واحدة من الزاي والسين تدغم في صاحبتها [٢٠٨/أ] كما أدغم كل واحدة من التاء والدال في صاحبتها.
قال سيبويه: وإن شئت أذهبت الإطباق، وإذهابه مع الثاء كإذهابه من الطاء في التاء.
قال أبو علي: يريد: إن إدغام الطاء في الثاء وإذهاب الإطباق فيه أقبح من إدغامها في الدال، وإذهاب الإطباق منه مع الذال لأن الثاء ليس مثل الظاء في الجهر، كما أن الطاء ليس مثل التاء في الجهر.
قال سيبويه: والبيان فيهن أمثل منه في الصّاد والسّين والزاي.
стр. 1508
قال أبو علي: إنما صار ترك الإدغام في الرخوة أمثل من تركه في الشديدة، لأن الرخوة يجري الصوت فيها فيصير بجريان الصوت وامتداده بين الحرفين فصلٌ مّا، والشديد لا يجري فيه الصوتُ فيكون فصلاً بينهما.
قال سيبويه: وهنّ من حيّز واحدٍ والذي بينهما من الثَّنِيَّتَيْنِ يسيرًا.
قال أبو علي: الذي بين الظاء وأختيها، والصاد وأختيها، من أن مخرج الظاء أشد نزولاً إلى أطراف الثنيتين قليل.
قال سيبويه: والبيان فيها أمثل، لأنّها أبعدُ من الصّاد وأختيها.
أي: الطاء وأختاها أبعد من الصّاد وأختيها من الطاء والتاء والدال، ومعنى ذلك أن البيان في الظاء والثاء والذال مع الصاد والسين
стр. 1509
والزاي، أحسن من البيان في الطاء والتاء والدال مع الصّاد والسّين والزّاي، لأن الطاء وأختيها، أبعد من الصّاد وأختيها، والطاء وأختاها أقرب إليهن من الظاء وأختيها إليهن.
قال سيبويه: وحجته قولهم ثلاثُ دراهم.
قال أبو علي: لا يجوز أن تدغم التاء في (ثلاثة دراهم) في الدال، والذي منه من ﴿ذلك﴾. وهو أن هذه التاء إذا أسكنت انقلبت هاء، وإذا انقلبت هاء فليس يجوز إدغامها حتى تسكن لأن الحرف المدغم لا يكون إلا ساكنًا، وإذا أسكنت انقلبت هاء وإذا انقلبت هاء لم يجز إدغامها في الدال لبعد المخرجين.
قال سيبويه: تدغم الثاء من ثلاثة في الهاء إذا صارت ثاء، و (ثلاثُّ أفْلُسٍ) فأدغموها.
أي أدغمت التاء من (ثلاثة) في تاء التأنيث وجاز ذلك، وإن كان ما قبلها ساكنًا لأنه بمنزلة (دابَّةٍ).
стр. 1510
قال سيبويه: حتى خالطت أصول ما اللامُ فوقه من الأسنان.
يعني بقوله ما اللام فوقه من الأسنان الطاء وأختيها.
قال سيبويه: وإنه ليس فيها إطباق ولا ما ذكرت لك في الضاد.
أي من أنها لا تجافى عن موضع الطّاء تجافي الشين عنه.
قال سيبويه: إذ كانا يدغمان منفصلين فكرهوا هذا الإجحاف.
يعني بالإجحاف ما ينقص من الصوت في إدغام المجهور في المهموس لو لم يبدل من مكان الباء حرف مجهور.
قال سيبويه: وإنّما منعهم من أن يقولوا: (مُذْدَكَرٌ) كما قالوا مُزْدانٌ، الفصل.
стр. 1511
قال أبو العباس: أبو عمر يقول: (مُذْدكرّ) وهو القياس الجيِّد البالغ.
قال أبو علي: ليس هذا بردّ على سيبويه، لأنه قال: وإنما منعهم أن يقولوا: (مذْدكَرٌ)، أي لم [٢٠٨/ب] يقولوه فيسمع منهم، والجرميّ يجيزه قياسًا، وقد يجيز القياس أشياء لا تستعمل، كإجازته في ماضي (يَذَدُ: وَذَدَ) وهو مع ذلك غير مسموع.
قال: ولم تكن في السمع كالضّاد.
قال أبو علي: الصاد أندى في السمع من الضاد، فلذلك لم يجز
стр. 1512
إدغام الصاد في الطاء وجاز إدغام الضاد فيها.
قال سيبويه: ولا يدغمونها في الطاء في الانفصال.
قال أبو علي: الانفصال نحو: (اقْرِضْ طالبًا)، وكذا لام غير المعرفة لا تدغم في الانفصال في نحو (هلْ طَلَبْتَ)، وإذا أدغم في قولك: (الطّالب).
قال سيبويه: لأنهما في الانفصال أثقل من جميع ما ذكرنا.
قال أبو علي: يقول: إظهارهما والبيان فيهما منفصلين أثقل منه في سائر الحروف، فلذلك كان القلب والإدغام أحسن.
قال أبو علي: لأنهما جميعًا شديدان لا يجري الصوت فيهما جريه في الرخوة فيكون جريان الصوت فيهما كالفصل بينهما.
قال سيبويه: وذلك قولك: اطَّعَنُوا.
стр. 1513
قال أبو علي: يقول: لم يُدغموا الطاء في التاء في الاتصال، لأنّهم إذا أدغموا الطّاء لم يلتزموا إبقاء الإطباق لأنه يُذهب به في مثال: (انْقُط تُّومًا)، فيقال: (انْقُت تُّوما)، وقد يبقى فيقال: لو أدغم الطاء في التاء في الاتصال ولم يقلب طاءً، لكان جديرًا أن يلزمه ذهاب الإطباق في الاتصال كما لزمه في الانفصال، للزوم الإدغام إياه لاتصاله.
قال سيبويه: واعلم أن تركَ البيان هنا أقوى منه في المنفصلين لأنه مضارع.
قال أبو علي: يقول: فَعَلْتُ نحو (حَبَطُّ)، الإدغام فيه أحسن منه في (انقُطْ تَوما)، لأن التاء في (فَعَلْتُ) تشابه تاء (افْتَعَلَ) في أنهما من كلمة واحدة، والفاعل من الفعل قد يكون بمنزلة بعض حروفه في نحو (يَضْرِبانِ)، جاء الإعراب بعد اسم الفاعلين. كما يجيء في المعربات بعد أواخرها، فالتاء التي في (فَعَلْتُ) كأنها على هذا التأويل من نفس الكلمة.
стр. 1514
قال سيبويه: لأنّ أصل الإدغام أن يُسكَّن الأوَّلُ ويُحرَّك الثاني مُدْغَمًا فيه، وكذلك يلزم أن يقلب الأول إلى لفظ الثاني، ولو قلب الثاني إلى لفظ الأول لأسكن الثاني، كما أنه لو قلب الأول إلى لفظ الثاني أسكن الأوّل وحرِّك الثاني، وتحريك الأول وتسكين الثاني عكس ما عليه حكم الإدغام.
قال أبو علي: نحو (رَدَدتُّ ورَدَدْنَ)، لأن اللام من (رَدَدْتُ) تتحرك في هذه المواضع، فإن لا تُدغم في الطاء من (اسْتطعْتُمُ) ونحوه مما لا يتحرك أبدًا أولى.
قال سيبويه: ودعاهم سُكون الآخر في المثلين أن بيَّن أهل الحجاز.
أي، فلما سكن الآخر لم يدغم فيها، لأنه إنما يدغم في المتحرك.
стр. 1515
قال سيبويه: لأنه يدركها التثنية والنون الخفيفة والثقيلة والألف واللام.
قال أبو علي: [٢٠٩/أ] إدراك الألف لها كقولك: (ارْدُدِ البابَ)، وإدراك النون لها كقولك: (أردُدًا) يافتى.
قال سيبويه: ومع ذلك أن بعدها حرفًا أصله السُّكون.
قال أبو علي: نحو اسْتَطارَ، واسْتَطْوَر.
قال سيبويه: أن لا يحملوا على الحرف في أصله أكثر من هذا.
قال أبو علي: أي فلو أدغموا مع هذا الإعلال لقد كانوا جمعوا عليه
стр. 1516
إعلالين.
قال سيبويه: قد اجتمع فيه الأمران.
يعني سكون ما قبل التاء في الاستفعال، وإعلال العين بعده.
قال سيبويه: وأمّا اخْتَصَمُوا واقْتَتَلُوا فليستا كذلك.
قال أبو علي: يقول: ليس القاف من (اقْتَتَلُوا) كالسين من (اسْتَفْعَلُوا) فيمتنع تحريك القاف منه للإدغام، كما امتنع تحريك السين من (اسْتَفْعَلوا) لأن القاف والخاء منهما ﴿و﴾ أنَّ أصلهما الحركة.
قال سيبويه: لأنّهما حرفان وقعا متحركين، والتحرك أصلهما، كما أن التحرك الأصلُ في مُمَدّ، الفصل.
قال أبو علي: يقول: القاف من (اقْتَتَلُوا) أصله التَّحرك، كما أن الميم من (مُمَدٍّ) أصله التحرك فيغير هذا البناء، لأنك تصرِّفُهُ فتقول: (مادٌّ، ومُدّ، ومَدّ) متحركة، فهذه الفاء أصلها الحركة، فلذلك جاز الإدغام بعدها، وإلقاء حركة المدغم عليها، ولم يجز ذلك في (اسْتَطارَ) وبابه، لأن الساكن الذي قبل التاء لا حظَّ له في الحركة ولم يحرك له في موضع ألبتة.
стр. 1517
قال سيبويه: وقد حذفوها والكسرة بعدها في (يَعِدُ)، فإذا وقعت الكسرة عليها نفسها في مثل (يَوَدُّ) كان الحذف أوْلى.
قال سيبويه: وكرهوا (وَطْدًا ووَتْدًا)، لما فيه من الاستثقال.
قال أبو العباس: يعني تقارب مخارج الحروف وتبينّها، وسكون الحرف الأول من المتقاربين.
قال سيبويه: وتقول في المصدر: (ازَّيّنا).
قال أبو علي: في (تَزَّيَّنَتْ)، ومصدره وما تصرف منه، المتقارب في المتقارب، وتدع الباقي على ما كان عليه قبل الإدغام.
قال سيبويه: وقوله "ولقد كنتم تمَنَّوْنَ الموت" وكانت الثانية أولى بالحذف.
قال أبو علي: إنما حذفت الثانية من "تذكَّرُونَ"، و"تَنَزَّلُ الملائكة"، لأنها هي التي تعتلُّ في الماضي بالإسكان، والإدغام
стр. 1518
والحذف إلى المعتلّ المغيّر أسرع لأنه تغيير.
ومما يجب له حذف الثاني دون الأوّل إنما هي التي تعتل في الماضي بما ذكرنا من السكون والإدغام في نحو (تَدارَأ)، والمضارع ينتظم حروف بناء الماضي، وكذلك يجب أن ينتظم المضارع هذه التاء المعتلة في الماضي المدغمة، فيعتل أيضًا في المضارع بالحذف، كما أعلّ في الماضي بالإدغام: ومما يوجب أيضًا أن تكون هي المحذوفة، أن التكرير بها وقع كما وجب التخفيف في الهمزة الثانية [٢٠٩/ب] لتكررها في نحو آدَمَ، فكذلك يجب الحذف في الثانية لتكررها.
وأيضًا فإن الأولى التي هي حرف المضارعة لا يجب حذفها لأنها إذا حذفت فقد لا يبقى ما يدل عليها، لأنها حرف واحد، والثانية إذا حذفت بقي من الكلمة غيرها، فمن هذه الجهات وجب حذف الثانية دون الأولى.
стр. 1519
قال سيبويه: وإن شئت قلت في (تَتذكَّرون) ونحوها (تَذكَّرون).
قال أبو علي: يقول: يجوز أن تحذف التاء الثانية من (تتذكَّرون)، وإن وقعت قبل حرف مقارب له يجوز إدغامها فيه كما جاز إدغامها إذا وقعت قبل الكاف ونحوه مما لا يجوز أن يدغم فيه لبعد المخرجين، لأن التاء الواقعة قبل المقارب هي التاء التي جاز حذفها إذا وقعت قبل غير المقارب، فكما جاز حذفها معه، كذلك يجوز حذفها مع المقارب.
قال سيبويه: لأنّه حذف منها حرف قبل ذلك وهو التاء، وكرهوا أن يحذفوا آخر، الفصل.
قال أبو علي: يقول: لما حذفت التاء من "تَذكَّرُون"، اجتمع متقاربان كما كانا اجتمعا في "تَكَلَّمُونَ" فكأنّ المتوهّم قد يتوهم بأن حذف أحد المتقاربين من "تَذكَّرون" بعد حذف الثانية جائز كما جاز في "تَكَلَّمُون". فقال: لا يجوز اعتلال هذا، واعتلّ بما ذكر.
стр. 1520
قال سيبويه: ولم يَرَوا ذلك محتملاً إذ كان البيان عربيًّا.
قال أبو علي: لم تحذف الحرف الأول من "تَذكَّرونَ" ولم تُدغم في الثاني أيضًا، ولا يحذف الذال لما ذكره من الإلباس وغيره مما يؤدي إليه، إذ كان البيان وترك الإدغام في هذه الحروف المتقاربة في المواضع التي لا يؤدي الحذف فيها إلى مثل ذلك حسنًا.
قال سيبويه: وأمّا (الذّكَرُ) جمع (ذِكْرَةٍ) مثل كسرةٍ وكِسَرٍ، فأبدلت الذلُ دالاً غير أن أوجب قبلها ما أوجبه في (مُدَّكِر) قلبها ذالاً من وقوعها قبل تاء الافتعال، وإبدال التاء حرفًا من مخرجها أشبه الحروف بالذال وليس في (ذِكَرٍ) شيء من ذلك، إنما أبدلت دالاً كما يبدل الحرف من مقاربه (كبنات بَخْر، وبناتِ مَخْرٍ)، و (إيّاكَ
стр. 1521
وهيّاكَ) وما أشبه ذلك، وشددت الدال لإدغامهم لام التعريف فيها.
...
ومن باب الحرف الذي يُضارَعُ به حرفٌ من موضعه
قال سيبويه: فلم تُدغَم في التاء لحالها التي ذكرت لك.
قال أبو علي: الحال التي ذكرها أن الصّاد من حروف الصَّفير، فلا تدغم فيما لم يكن فيه صفير لحدوث النقص في الصوت.
стр. 1522
قال سيبويه: ولم تُبدل، لأنّها ليست بمنزلة اصْطَبَرَ.
قال أبو علي: يقول: ليس بمنزلة (اصْطَبَر) في أن لا يُقلب الحرف الثاني إلى لفظ الأول، ويدغم فيه الأول فيقال: (اصَّبَر).
قال سيبويه: وهي الزّاي، لأنها مجهورة [٢١٠/أ] غيرُ مطبقة.
قال أبو علي: أبدل من الصّاد لتقريبها من الدّال حرف من مخرج الصاد أشبه الحروف من مخرجها بالدال وهو الزاي لموافقتها في الجهر.
قال سيبويه: كما كرهوا ذلك فيما ذكرت لك من قبل هذا.
قال أبو علي: مما يكره إذهاب الإطباق فيه نحو (اضْبِطْ دُلامًا).
قال سيبويه: إذا لم يصلوا إلى الإدغام ولم يجْسُروا على إبدال الدال.
стр. 1523
قال أبو علي: أي على إبداله صادًا كما أبدل في (مُصَّبر) التاء صادًا أو لم تبدل الدال طاءً كما أبدل في (مُصْطَبِر) التاء طاءً لاختلاف الحرفين في الزيادة والأصل.
قال سيبويه: وربما ضارعوا بها وهي بعيدة نحو (مَصادِرَ، والصِّراط) لأنّ الطاء كالدال.
قال أبو علي: لما كانت الطاء في الجهر كالدال، ضورع بالصّاد معها الزاي بجهرها كما ضُورع بها مع الدال الزاي لذلك.
стр. 1524
قال سيبويه: لم يكن المضارع هنا الوَجْهَ.
قال أبو علي: أي مضارعة الصاد للزاي في (أصْدَرَ) ونظائره.
قال سيبويه: فلما كان البيان هنا أحسن لم يجز البدل.
قال أبو علي: أي لما كان البيان في الصّاد إذا سكنت أحسن من المضارعة بها الزاي لم يجز البدل المحض فيها إذا تحركت إذ كان البيان أحسن ولا فاصل بين الحرفين المثلين.
قال سيبويه: إذ كانت الباء في موضع حرف يُقلب النُّون معه ميمًا وذلك الحرف الميم.
قال أبو علي: يقول: ضورع بالجيم والزاي لأنه من موضعٍ حرفٌ مُضارَعٌ به الزاي وهو السِّين كما أعلّت النون مع الباء بقلبها ميمًا لما كانت الباء من مخرج حرف يعتل معه النون وهو الميم.
стр. 1525
قال سيبويه: قَرَّبها منها في افْتَعَلَ لتُبَدلَ الدالُ.
قال أبو علي: لتبدل تاء الافتعال دالاً مع الجيم إذا ضورع بها الزاي، كما تبدل دالاً مع الزاي المحضة في (ازْدانَ، ويَزْدُلُ ثَوْبَهُ لما كانتا من مخرج الزاي.
...
ومن باب ما تُقْلَبُ فيه السِّينُ صادًا في بعض اللُّغات
قال سيبويه: إذ كانت تقوى عليها والمخرجان متفاوتان.
قال أبو علي: إنما قويت عليها لاشتراكهما في التصعّد وإن تفاوت المخرجان كما أدغمت الواو في الياء لاشتراكهما في اللين وإن تباعد المخرجان.
قال سيبويه: وهما من حروف الحلق بمنزلة القاف من حروف الفم.
стр. 1526
قال أبو علي: يقول: مُخرج الغين والخاء من الحلق كمخرج القاف والكاف من الفم، لأنه أول مُخرج من الحلق يلي الفم، كما أن مُخرج القاف أوّل مخرج من الفم يلي الحلق.
قال سيبويه: فلذلك قرَّبوا السين التي من هذا المخرج من القاف بما يتصعد.
قال أبو علي: ومعنى ذلك أنه أبدلت من السن [٢١٠/ب] مع القاف الصاد لتقرب بذلك السين مع القاف، فيقول القائل: هلاَّ أبْدَلَ من التاء معها طاءً، ومن التاء معها ظاءً، ومن الذال معها ظاءً؟!.
فالجواب إن إبدال هذه الحروف غير السين مع القاف لا يجوز كما جاز في السين، لأنهن أبعدُ من القاف، والسين أقرب إليها، ألا ترى أن الظاء والطاء أشد خروجًا من الفم، والسين والصاد والزاي أشدّ دخولاً فيه وأقرب إلى مُخرج القاف من الحروف الأخر إليه؟!. وأيضًا فإن السين مُخرج حرف ضُورع به حرفان قريبان من مُخرج القاف، والحرف الذي ضُورعا به هو الزاي، والزاي من مُخرج السين، وليس بين القاف والجيم في المخرج إلا مخرجٌ واحدٌ وهو الكاف، وكما ضورع بما هو من مخرج القاف ما هو من مخرج السين، كذلك ضورع بالسين في أن أبدلت صادًا لتصعّد إلى القاف فتشابهه في ذلك.
стр. 1527
قال سيبويه: ولا يكون فيهما مع هذا ما يكون في السين من البدل قبل الدال في التَّسْدِير إذا قلت: التَّزْدِير.
قال أبو علي: إذا وقعت السين ساكنة قبل الدال فقد تبدل منها الزاي، وذلك أن الدال مجهورة والسين مهموسة، فأريد تقريب الحرفين من الآخر، فنظر إلى مخرج السين، فأبدل من مخرجها حرف أشبهُ الحروف بالدال فكان الزاي، فأبدل منها لموافقتها ما في الجهر، ولم تبدل من التاء الدال على قياس ما أبدل من السين الزاي، فكذلك أبدل من السين الصاد مع القاف لم يبدل من التاء، والتاء معها الطاء والظاء. فأما إبدال الظاء من الثاء إذا وقعت قبل الذال فلم يكن يلزم على قياس إبدال الزاي من السين في (التَّزْدير) لإطباق الظاء، وهذا معنى قوله: لأن الظاء لا تقع هنا.
قال سيبويه: ألا ترى أنّك لو قلت: (التَّثْدِيرُ) لم تجعل الثاء دالاً.
стр. 1528
أي ليس يضارع بهما حرف قريب المخرج من مُخرج القاف، ولا ما هو من مُخرجهما كما ضورع بما هو قريب المخرج من القاف ما هو من موضع السين، وذلك مضارعتك بالجيم والسين القريبي المخرج من القاف والزاي التي هي من مخرج السين، وذلك في قولهم: اجْتَدَّ، وأشْدَقُ.
...
ومن باب ما كان شاذًّا ممّا خفَّفُوا على ألسنتهم
قال سيبويه: فكرهوا إدغام الدال فتزداد الحروف سينًا فتلقي السينات.
стр. 1529
أي لو قلب الدال سينًا في (سِدْس) للإدغام لاجتمعت ثلاث سيناتٍ و ﴿هو﴾ ما لا في الكلام مثله، لأن الفاء والعين واللام لا يكن من موضع واحد.
فأمّا (بَبَّةُ) فليس بنوع إنما هو لقب.
قال سيبويه: [٢١١/أ] كما قالوا في فَخِذٍ فَخْذٌ فأدغموا.
أي لمّا قالوا: (وَدّ).
قال سيبويه: ولم يكن هذا مطردًا لما ذكرت لك من الالتباس.
أي من أن العين التي هي تاء تلتبس بالتاء التي هي دال، فلا يتميَّزُ المقارب من المضاعف.
قال سيبويه: قال بعضهم: عُتْدانٌ فرارًا من هذا.
стр. 1530
أي من البيان، والأول ساكن، أو ما يلزم من الإدغام إذا سكن الأول المؤدي إلى الالتباس في هذا القبيل.
قال سيبويه: فهذا شاذٌّ مشبَّه بما ليس مثله نحو: يَهْتَدِي ويَقْتَدي.
قال أبو علي: يقول: شُبِّه (عِدَّانٌ) و (وَدٌّ) بيهَدَّى ويَهِدِّي إذا أدغم التاء منه في الدال كما أدغم في (يهتدي) وبابه، لأن التاء مثل الثاء، والدال مثل الذال إلا أنهما يختلفان، لأن الإدغام في (يهتدي) وبابه لا يؤدي إلى الالتباس كما يؤدي إليه الإدغام في (وَدٍّ) ونحوه.
قال سيبويه: فإنما زاد السين على (أطاعَ يُطِيعُ) وجعلها عوَضًا من سكون موضع العين.
قال أبو علي: لأن الأصل في (يُفعَلُ) من (أطاعَ، يُطْوِعُ)، فلما
стр. 1531
سكنت الواو التي هي عينٌ عوِّض من حركتها المنقولة إلى الفاء هذه السين.
قال سيبويه: ومن الشاذ قولهم: تَقَيْتُ يَتَقِي ويَتَسِعُ.
قال أبو علي: (تَقَيْتُ) وضعه ها هنا على أن أصله (افتَعلْتُ)، قلبت الواو التي هي فاءٌ تاء كما قلب في (اتَّعدَ) ونحوه، فاجتمع تاءان فحذفت الأولى وكانت هي أولى بالحذف من الثانية وإن كانت الثانية هي المتكررة، لأنّها يلحقها الإعلال دونها في نحو (عِدْ، والإيعاد، ويَعِدُ)، ونحوه، فلما اعتلّت في هذه المواضع أعلت هنا أيضًا بالحذف، ولما حُذفت سقطت لحذفها همزة الوصل في (افْتَعَلْتُ)، إذ كانت مجتلبة لسكون الفاء المحذوفة فبقيت تاء (افْتَعَلْتُ) مع ما بعدها من الكلمة فصار (تَقَيْتُ) ووزنه من الكلام (فَعَلْتُ)، و (يَتَقِي)، ووزنه (يَتَعِلُ)، فإن قلت: ما تنكر أن يكون (تَقَيْتُّ) ووزنه (فَعَلْتُ) أبدلت من الفاء التي هي واوٌ التاء كما أبدلت منها في (تَيَقُور)، و (نَوْراةٍ) ونحو ذلك فيكون وزنه على هذا (فَعَلْتُ) منقلبة الفاء؟ قيل: إن هذا قد يكون محتملاً لولا ما جاء في المضارع من قولهم: (يَتَقَى) مفتوح التاء، فلو كان (تَقَيْتُ: فَعَلْتُ) لوجب أن يقال
стр. 1532
في المضارع: (يَتْقِي) مثل (يَرْمِي)، فلما قيل: (يَتَقِي) علم أن التاء ليست بفاء، وأنها المفتوحة الزائدة من (افْتَعَلَ)، وعُلِمَ أيضًا أن المحذوفة التاء المنقلبة عن الواو لما جاءت مفتوحة، ولولا انفتاح هذه التاء لاحتمل أن يكون (تَقَيْتُ: فَعَلْتُ)، وعمل (يَتَسِعُ) كعمل (يَتَقِي).
قال سيبويه: كما حذفوا العين [٢١١/ب] من المضاعف نحو: (أحَسْتُ ومَسْتُ)، وكانوا على هذا أجْرَأ.
أي على حذف الفاء من (تَقَيْتُ ويَتَقِي)، أجرأ منهم على حذفهم العين من (مَسْتُ)، لأن هذه الفاء تعتل كثيرًا، وهذه العين لا تعتل اعتلاله.
стр. 1533
قال سيبويه: ولم يصلوا إلى الإدغام كما لم يصلوا في مَسِسْتُ.
قال أبو علي: لأنه لو أدغم لحركت لام المعرفة، وهذه اللام لا تتحرك وأصلها السكون، ولذلك اجتلب لها ألف الوصل.
قال أبو علي: قال أبو بكر: قال أبو العباس: أخبرني المازني قال: رأيت بخط سيبويه في آخر كتابه عند رجل من بني هاشم يُقال له عبد السلام بن جعفر للفرزدق:
فما سُبِق القيسي من ضَعْفِ حِيلَةٍ ... ولكنْ طَفَتْ عَلْماءِ قُلْفَةُ خالِدِ
يريدُ على الماء.
стр. 1534
تمت التعليقة والحمد لله ربّ العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم النبيين، ورضي الله عن أصحاب رسول الله أجمعين، وذلك بدمشق المحروسة سنة أربع وثلاثين وسبعمائة.
وكتبه لنفسه الفقير إلى رحمة ربّه محمد بن حسن بن محمد الأندلسي المالكي، غفر الله له، ولوالديه، ولجميع المسلمين.