جعل تعليم القرآن مهرًا:
٥١ - مسألة: تعليم القرآن هل يصح أن يكون مهرًا؟
فقال في رواية ابن منصور وقد سئل عن التزويج على ما معه من القرآن فقال: أكرهه فظاهر هذا أنه لا يصح أن يكون مهرا.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه عنه أنه سأل عن حديث النبي ﷺ أنه زوج على سورة من القرآن فقال: لا أعلم شيئًا يمنعه ولكنها مسألة لا يحتملها الناس. فظاهر هذا أنه أخذ الجواز من الحديث ولكن توقف عن القول فيه ورعًا واختيارًا.
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: أحمد لا يرى التزويج على القرآن إذا كان لا يصح عنده أجرًا وله فيه قولان واختيارى أنه لا يجوز فقد أثبت المسألة على روايتين:
فمن قال: لا يجوز وهي الصحيحة قال: إن تعليمه إياها للقرآن لا يجوز أن يملك بعقد إجارة على أصلنا فلم يصح أن يملك بعقد نكاح كمنافع البضع. وفي المسألة حديث رواه أبو بكر أحمد بن سليمان النجاد بإسناده عن أبي عثمان قال: زوج رسول الله ﷺ رجلًا على سورة من القرآن ثم قال لا يكون لأحد بعدك مهرًا (١)، وهذا نص لأنه خصه بذلك ومنع أن يكون مهرًا لغيره.
стр. 527
ووجه الثانية: ما روى سهل بن سعد الساعدي أن امرأة أتت النبي ﷺ فقالت له وهبت نفسي لك يا رسول الله، فقال: ما لي اليوم في النساء من حاجة، فقام رجل من القوم فقال زوجنيها يا رسول الله فقال: هل معك شيء؟ قال: لا، قال هل معك شيء من القرآن؟ فقال: نعم لسورة أسماها، فقال: زوجتكها بما معك من القرآن (١)، وتقديره زوجتكها بتعليمها ما معك من القرآن لأن نفس القرآن لا يكون مهرًا ولأن تعليم القرآن منفعة يجوز التطوع بها فجاز أن يكون مهرًا كالخدمة.
جعل طلاق الزوجة مهر الأخرى:
٥٢ - مسألة: فإن تزوجها على طلاق فلانة زوجة له أخرى فهل يصح الصداق؟
ذكر أبو بكر في كتاب المقنع روايتين: إحداهما: يصح أومأ إليه في رواية يعقوب بن بختان في رجل تزوج امرأة فجعل طلاق الأولى منها مهرًا للأخرى إلى سنة فجاء الوقت ولم يقض شيئًا رجع الأمر إليه قيل له: يجوز مثل هذه الشروط في النكاح؟ قال: نعم، فقد أحل التزويج بشرط أن يكون مهرها طلاق زوجة أخرى.
ووجهه أن لها فيه منفعة أن وهو يرجع حظ المطلقة من الزوج إليها. ونقل مهنا عنه وقد سأله: أرأيت إن قال لها أتزوجك على طلاق امرأتي يكون مهرًا قال: لا يجوز ذلك لأنه لا منفعة لها فيه وقولهم يرجع حظها من الزوج إليها لا يصح لأن حقها لا يختلف بوجود الضرة وعدمها.
قال أبو بكر: فإن كان الطلاق متعلقًا بوقت فامتنعت منه يعني من قبوله عند محله احتمل وجهين:
أحدهما: لا مهر لها لأنها أسقطت حقها باختيارها.
الثاني: لها المهر الذي استحل به فرج الأولى لأن ذلك خرج عن يدها بخروج الوقت والحق لها ثابت.
стр. 528
استحقاق الزوجة لنماء المهر قبل الدخول:
٥٣ - مسألة: وهل تملك المرأة جميع الصداق بالعقد وتملك ما يحدث فيه من النماء أم يكون مراعًا بالدخول؟
فقال في رواية ابن منصور وقيل له: سئل سفيان عن رجل تزوج امرأة على خادم ثم تزوجها غلامه فولدت أولادًا فطلق امرأته قبل أن يدخل بها فلها نصف قيمتها وقيمة ولدها. قال أحمد: جيد. فظاهر هذا أنه يحكم لها بملك جميعه لأنه جعل لها نصف النماء.
وقال الخرقي: وإذا أصدقها غنمًا فتوالدت ثم طلقها قبل الدخول كانت الأولاد لها وترجع بنصف الأمهات فظاهر هذا أنه حكم لها بملك جميعه لأنه جعل لها جميع النماء، وهو الصحيح.
ووجهها أن الزوج يملك البضع بالنكاح فوجب أن تملك المرأة ما في مقابلته من المهر كالمتبايعين وتحريره أنه عوض في مقابلة معوض فوجب أن يملك في الوقت الذي يملك فيه المعوض كالثمن في البيع ولأن أصلنا أن الأجرة تملك جميعها بعقد الإجارة يجب أيضًا ان يملك جميع المهر بعقد النكاح لأن كل واحد منها عقد على المنفعة.
ووجه من ذهب إلى رواية ابن منصور أنها لو كانت قد ملكته لم يسقط بعد ثبوته. ألا ترى أنه إذا دخل بها لا يسقط بوجه لثبوته وقبل الدخول لما سقط بردتها جميعه وباختيارها لنفسها إذا أعتقت تحت عبد ونصفه إذا طلقها قبل الدخول علم أنها لم تملكه. ومن ذهب إلى الأول انفصل عن هذا بأنا وإن قلنا قد ملكته فهو ملك غير مستقر ومثل ذلك المبيع قبل القبض فيما يعتبر فيه القبض، الملك قد حصل لكنه غير مستقر لأنه معرض لانتقاض العقد ورجوعه إلى البائع، ولم يدل هذا على أن الملك لم يحصل وأن النساء ليس بملك للمشتري كذلك هاهنا، وأما قول أحمد ﵀: يرجع عليه بنصف القيمة في الأم والولد، فظاهر هذا أنه لم يقر ملكها على نصف الأم ونصف الأولاد شائعًا وحكم لها بنصف القيمة على الزوج، وهذا محمول على أنها اختارت أخذ القيمة أو يحمل على أنه قصد بقوله يرجع بنصف قيمة الأم، والولد معناه
стр. 529
بنصف الأم ونصف الولد ولم يقصد القيمة لأن الولد على هذه الرواية حدث على ملكها ومن كان بينها أمة فولدت كان الولد ملكًا لهما كالأم ولا يجبر أحدهما على أخذ القيمة.
إذا كان المهر عبدين فبان أحدهما حرًا:
٥٤ - مسألة: إذا تزوجها على عبدين فخرج أحدهما حرًا فهل ترجع بقيمة الحر وتأخذ العبد الآخر أم ترجع بقيمتها؟
على روايتين نقلها مهنى وأصلها تفريق الصفقة هل يجوز أم لا؟
فإن قلنا: لا يجوز ترجع بقيمتها. وإن قلنا: يتفرق ترجع بقيمة الحر دون العبد. وقد ذكرنا وجه كل رواية في كتاب البيوع.
صفة متعة المطلقة وقدر الواجب فيها:
٥٥ - مسألة: في صفة المتعة للمطلقة وقدر الواجب فيها.
فقال الخرقي: كسوة يجوز لها أن تصلي فيها ومعناه ثوبان: درع وخمار سواء وافق نصف مهر مثلها أو دونها أو زاد عليه.
ونقل الميموني عنه: كم المتاع فقال: على قدر الجدة وعلى من قال: تمتع بمثل نصف صداق المثل لأنه لو كان فرض صداقًا كان لها نصف الصداق، فظاهر هذا أنها غير مقدرة وأنها معتبرة بيسارة وإعساره وقد حكى قول غيره إن قدرها نصف مهر المثل لا زيادة عليه ولم ينكره. فظاهر هذا انه مذهب له فيكون أقله عند الاختلاف ما يصادف نصف مهر المثل.
وقال في رواية أبي داود وقد سئل عن المتعة فقال: على قدر يساره قيل عشرة آلاف درهم قال: هو على قدر ما يرى الحاكم فظاهر هذا أنها غير مقدرة وإن تقديرها يقف على اجتهاد الحاكم ورأيه في ذلك.
فمن ذهب إلى ظاهر رواية الميموني وانها تكون في مقابلة نصف الصداق فوجهه أن المتعة أقيمت مقام الصداق لأن لا يعر العقد عن عوض لو كان الطلاق قبل الدخول وقد سمى لها صداقًا كان لها نصفه كذلك ما قام مقامه
стр. 530
ومن ذهب إلى ظاهر رواية الميموني وأنها إلى رأي الحاكم واجتهاده. فوجهه أن المتعة قد ورد الشرع بوجوبها بقوله تعالى: (ومتعوهن (١)) ولم يرد بمقدارها وبيانها ولا يتوصل إلى تقديرها من غير اجتهاد الحاكم فيجب أن يرجع فيه إلى اجتهاد الحاكم كسائر الأشياء المجتهد فيها إذا لم يكن لها تقدير في الشرع.
ومن ذهب إلى أنها مقدرة بكسوة تجوز الصلاة فيها وهو الصحيح فوجهه قوله تعالى: (متاعا بالمعروف (٢)) والمتاع اختص بالأثواب منه بالدراهم، ولأن له أصلًا في الواجب على الزوج وهو الكسوة في حال النكاح وله أصل في الشرع أيضًا وهو في الكفارة. وليس الدراهم أصلًا في الشرع وإنما تقدرت بما يجوز الصلاة فيه لأن إطلاق الكسوة تتصرف إلى ذلك فالكسوة في الكفارة ولأنه لأجل عوض وجب خروج البضع عن ملكه فلم يفتقر فيه إلى اجتهاد الحاكم كالمهر ولا يختلف المذهب أنه لا يجزي فيه ما يقع عليه الاسم وإن قل لقوله تعالى: (ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره) (٣). فلو كان ما يقع عليه الاسم لم يختلف ذلك باختلاف اليسار والإعسار ولأن المتعة تثبت شرعًا فجاز أن تكون مقدرة كسائر الشرعيات ويفارق الصداق لأنه ثبت بتراضيها فكان ما تراضيا عليه وإن قل.
ما يجب من الصداق إذا مات أحد الزوجين قبل الإصابة والفرض:
٥٦ - مسألة: إذا مات أحد الزوجين قبل الإصابة وقبل الفرض ففيه روايتان:
إحداهما: لها مهر مثلها نقل ذلك الجماعة: صالح والميموني وابن منصور ونقل إبراهيم إذا تزوج ولم يسم صداقا ومات قبل أن يدخل بها فلها نصف مهر مثلها.
ووجه هذه الرواية: أنها فرقة قبل الدخول فلا تستحق بها جميع مهر المثل دليله الفرقة بالطلاق.
стр. 531
ووجه الرواية الثانية: وأنه يجب مهر المثل ما روى عبد الله بن عتبة عن عبد الله عبد الله بن مسعود أنه أتى في رجل تزوج امرأة فمات عنها، ولم يفرض لها فقال: لها صداق نسائها لا وكس ولا شطط فقام أناس من أشجع منهم أبو الجراح وأبو سنان فقالوا نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق كما قضيت ففرح بذلك وقال: الحمد لله الذي وافق قضائي قضاء رسول الله ﷺ (١) ولأن الموت يستقر به المسمى فجاز أن يستقر مهر المثل كالدخول وكل مهر كمل بالدخول كمل بالموت كالمسمى.
النساء اللاتي يعتبر بهن مهر المثل:
٥٧ - مسألة في مهر المثل هل يعتبر بنساء عصباتها دون نساء أرحامها أم يعتبر بجميع نساء أهلها؟
فنقل إسحاق بن إبراهيم: لها مهر نسائها مثل أمها وأختها وعمتها وبنت عمتها. فظاهر هذا أنه يعتبر بنساء العصبات والأرحام جميعا فنساء العصبات مثل أخواتها وبنات الإخوة وعماتها وبنات الأعمام وبنات أعمام الأب، ونساء الأرحام الأمهات وأخواتهن وهن الخالات وبناتهن وخالات الأم والأخوات من الأم.
ونقل أبو الحارث: ينظر في ذلك إلى عصبتها إلا أن تكون امرأة جليلة فينظر حينئذ إلى مثلها في الجلالة والجمال.
стр. 532
وكذلك نقل حنبل: لها صداق نسائها قيل له من نساؤها قال: الذين هم من قبل أبيها فظاهر هذا أنه يعتبر بنساء العصبات دون أرحامها. ولا تختلف الرواية أنه تعتبر بنساء بلدها.
فمن ذهب إلى أنه يعتبر بجميع نساء أهلها وهو اختيار أبي بكر فوجهه ما تقدم من حديث ابن مسعود لها مهر نسائها (١)، وهذا يدخل تحته نساء العصبات والأرحام جميعا ولأن النساء من جهة الرحم بينهن رحم فجاز أن نعتبر بهن في المهر قياسًا على نساء العصبات.
ومن ذهب إلى أنه يعتبر بنساء العصبات وهو ظاهر كلام أحمد فوجهه ما روى من حديث ابن مسعود أنه قام معقل بن يسار وغيره فقالوا نشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بردع ابنة واشق بمثل مهر نساء قومها (٢). وقومها رجال قومها وكأنه قال: نساء رجالها، ونساء رجالها عصبتها، لأن الاعتبار بالآباء لأن الهاشمي من العامية هاشمي وولد العامي من الهاشمية عامي، فإذا كان الاعتبار بالأباء ثبت أن الذي اعتبرها بنساء عصبتها أولى لأنها إذا لم يكن بد من اعتبارها بنساء من أهلها كان نساء عصباتها أولى لأنها بهن أشبه وإليهن أقرب والدلالة على أنها لا تعتبر بنساء بلدها قول ابن مسعود: لها مهر نسائها (٣) وليس نساء بلدها من نسائها، ولأنه إذا لم يكن بد من اعتبار مهر مثلها بغيرها كان اعتباره بنسائها وأقربائها أولى لأنها بهن أشبه وإليهن أقرب.
اختلاف الزوجين في مقدار الصداق ولا بينة:
٥٨ - مسألة: إذا اختلف الزوجان في قدر المهر ولا بينة على مبلغه ففيه روايتان نقلها مهنا.
إحداهما: القول قول الزوج مع يمينه سواء كان يدعيه مهر المثل أو أقل أو أكثر.
стр. 533
قال في رواية مهنا: إذا اختلفا في المهر ولا بينة على مبلغه يستحلف قيل: إن شاء يقول لها صداق مثلها قال لعل صداق مثلها يكون أقل أو أكثر ولكن يستحلف فقد نص على أن القول قوله بكل حال لأنه غارم والقول في الأصول قول الغارم مع يمينه.
والرواية الثانية: إن كان مهر مثلها ما يدعيه الزوج أو أقل فالقول قوله مع يمينه وإن كان مهر مثلها ما ادعت هي أو أكثر فالقول قولها وإن كان أقل مما ادعت هي أو أكثر مما ادعى الزوج رجع إلى مهر المثل. هذا ظاهر كلامه في رواية مهنا في اللفظ الآخر إذا قالت صداقي ألفين وقال الزوج: صداقها ألف ولم يكن بينة نظر إلى صداق نسائها، قيل له دفإن ناسا يقولون: القول قول الزوج ويحلف قال: لا، وهذه الرواية اختيار الخرقي وهي أصح لأن اختلافها في التسمية يمنع ثبوت التسمية لأنا لا نصدق واحدًا منهما على صاحبه وعقد النكاح إذا عرى عن التسمية وجب الرجوع إلى مهر المثل فأيهما ادعى مقدار مهر المثل فالظاهر معه فيجب أن يكون القول قوله لأنه مدعى عليه والآخر مدعي فإذا كان مهر مثلها أقل كما ادعت هي أو أكثر مما ادعى الزوج فليس مع أحدهما ظاهر نصير إليه فيجب الرجوع إلى مهر المثل لأن العقد إذا عرى عن التسمية وجب الرجوع فيه إلى مهر المثل.
الذي بيده عقدة النكاح:
٥٩ - مسألة: في الذي بيده عقدة النكاح.
فنقل ابن منصور: إذا طلق امرأته وهي بكر قبل أن يدخل بها فعفى أبوها عن نصف الصداق فلا أرى عفوه إلا جائزًا وظاهر هذا أن الذي بيده عقدة النكاح الولي لأنه قد أجاز عفوه عن نصف الصداق.
ونقل أبو طالب وأبو الحارث: أن عفو الولي لا يصح.
فعلى الرواية الأولى يكون تقدير الآية إلا أن يعفون النساء فيكون الكل للزوج أو يعفو الولي إذا كانت صغيرة فيكون للزوج. وعلى الرواية الثانية يكون تقدير الآية: إلا أن يعفون النساء فيكون الكل للزوج أو يعفو الزوج
стр. 534
عن نصفه فيكون الكل لها ثم قال: "وأن تعفوا أقرب للتقوى (١) ". تعني الأزواج بلا خلاف ففي الآية ذكر العفو في ثلاثة مواضع قوله: "إلا أن يعفون النساء بلا خلاف، وقوله "وأن تعفوا أقرب للتقوى" "الأزواج بلا خلاف وقوله "أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح". وهو موضع الخلاف.
ووجه من ذهب إلى أنه الولي قال ذكر الله العفو في الآية في ثلاثة مواضع فقال: "إلا أن يعفون أو يعفو الذي بيده عقدة النكاح وأن تعفوا أقرب للتقوى" فمن قال: الذي بيده عقدة النكاح هو الولي حمل كل عفو على فائدة. وإذا قلنا هو الزوج حمل عفوين على فائدة واحدة فكان حمل كل عفو على فائدة أولى.
ومن ذهب إلى أنه الزوج وهو الصحيح فوجهه من الآية من موضعين: أحدهما أن العقد ما انعقد عليه الشيء ولم ينحل عنه، ومنه يقال فلان عقدة من العقد: إذا كان لا ينحل ويقال: حبل معقود وعهد معقود والزواج بهذه الصفة لأن الولي يملك العقد قبل عقده فإذا انعقد صار عقدة وخرج عن يده وصار بيد الزوج ولأن العفو إذا اطلق إنما ينصرف إلى من كان مالكًا له في الحقيقة والمالك للنصف هو الزوج والولي لا يملكه فكان حمل العفو على المالك أولى من حمله على غير المالك.
الرجوع على الزوجة بنصف المهر إذا وهبت له المهر فطلقها قبل الدخول:
٦٠ - مسألة: إذا أصدقها صداقًا فوهبته له وطلقها قبل الدخول فهل يرجع بنصفه عليها أم لا؟ على روايتين:
فنقل مهنا وعبد الله يرجع عليها بنصفه.
ونقل ابن مشيش: لا يرجع عليها بشيء ولا فرق بين أن يكون ذلك بعد أن قبضه أو قبل.
فمن ذهب إلى أنه لا يرجع عليها بشيء فوجهه أنه قد تعجل الصداق قبل محله فلم يرجع عليها بشيء ولأنها لو كانت مفوضة فطلقها قبل الدخول لم
стр. 535
يرجع عليها بشيء لأنها ما حصل لها شيء من الصداق فلم يرجع عليها بشيء ومن قال: يرجع عليها وهو اختيار أبي بكر وهو أصح فوجهه أن الصداق عاد إليه بعقد فوجب ألا يمنع من رجوعه بنصف الصداق إذا طلقها قبل الدخول كما لو وهبت الصداق لرجل ثم إن ذلك الرجل وهبه للزوج ثم طلقها فإنه يعود عليها بنصف الصداق ولأنه عاد الصداق إليه بغير الوجه الذي يعود إليه حين الطلاق فإذا طلقها قبل الدخول عاد نصفه إليه كما لو اشتراه منها بأقل من قيمته ثم طلقها.
امتناع الزوجة من تسليم نفسها حتى تقبض المهر بعد أن سلمت نفسها:
٦١ - مسألة: إذا أسلمت نفسها قبل أن تقبض صداقها ثم طالبت بعد ذلك هل لها أن تمتنع حتى تقبض الصداق؟
فقد توقف أحمد عن الجواب في ذلك في رواية أبي الحارث واختلف أصحابنا في ذلك.
فقال شيخنا أبو عبد الله لها ان تمتنع حتى تقبض الصداق.
وقال أبو إسحاق بن شاقلا وأبو عبد الله بن بطة فيما حكاه عنه أبو حفص بن المسلم عنها: ليس لها أن تمتنع.
فمن قال: لها أن تمتنع فوجهه أنها لم تستوف بدل بضعها مع ثبوت المطالبة لها بذلك فلها أن تمنع نفسها كما لو لم يكن قد وطئها.
ومن قال: ليس لها فوجهه أنه تسليم استقر به البدل فمنع من الرجوع كما لو سلم المبيع قبل قبض الثمن يبين صحة هذا أن الوطء الأول في مقابلة المهر دون الثاني والثالث بدلالة أنه يستقر به المهر وإذا لم يكن المهر في مقابلة الثاني لم تملك الامتناع بعد ذلك.
أثر الخلوة مع إمكان الوطء في إيجاب الصداق إذا اتفق الزوجان على نفي الوطء:
٦٢ - مسألة: إذا خلا بها وهما على صفة يمكن وطؤها فقال: لم أطأها
стр. 536
وصدقته هل لها جميع المهر؟
فنقل أبو الحارث: لها المهر.
ونقل يعقوب بن بختان: لها نصفه.
وجه الأولى: وهو اختيار الخرقي أن المهر بالتسليم ولهذا لا يصح العقد على من لا يصح منها تسليم نفسها وهي ذوات المحارم والتسليم قد وجد فلم يؤثر فيه إقرارها في إسقاط ذلك.
ووجه الثانية أن الخلوة توجب حقا لها وهو المهر وحقا عليها وهو العدة.
استقرار الصداق بالخلوة مع المانع الشرعي للوطء:
٦٣ - مسألة: فإن خلا بها وهما على صفة لا يمكن معها الوطأ كالإحرام وصيام الفرض والحيض هل يستقر الصداق؟ على روايتين:
قال في رواية أبي داود: إذا دخل على أهله وهما صائمان في غير شهر رمضان فاغلق الباب وأرخى السترة وجب الصداق، قيل له: فشهر رمضان؟ قال: رمضان غير هذا. فظاهر هذا أنه لا يكمل الصداق.
ونقل أبو الحارث وابن منصور: إذا خلا بها وهي حائض أو كان صائما في رمضان أو محرما وجب الصداق.
ووجه الأولى: أن التسليم المستحق لم يوجد من جهتها فوجب إلا يكون لها الصداق كما لو لم تسلم نفسها جملة.
ووجه الثانية: ما روى زرارة بن أبي أوفى قال: أجمع الراشدون أن من أغلق الباب أو أرخى سترًا وجب عليه المهر دخل بها أولم يدخل ولم يفرق، ولأن الخلوة تكمل الصداق كالوطء ثم لا فرق بين أن يطأها محرمة أو حائضًا أو صائمة إكمال الصداق كذلك في باب الخلوة، ولأن أكثر ما في هذا أنها على صفة لا يمكن وطؤها وهذا لا يمنع كمال الصداق كالمريضة المدنفة والرتقاء وقد نص على أن لها الصداق بالخلوة كذلك هاهنا وهذه الرواية أشبه ولأن هذا المنع ليس من جهتها فيجب ألا يسقط حقها ألا ترى أن المرض لا يسقط النفقة
стр. 537
لأن المنع ليس من جهتها ولو نشزت سقطت نفقتها لأن المنع حصل من جهتها كذلك هاهنا.
جعل الصداق عبدًا مطلقًا من عبدين معينين:
٦٤ - مسألة: إذا تزوج المرأة وأمهرها عبدًا من عبيده مطلقًا.
فنقل مهنا: إذا كان له عدة عبيد يعطيها من أوسطهم وأرى أن يقرع بينهم. فظاهر هذا أنه قد حكم بصحة المسمى أنها تستحق عبدًا من عبيده بالقرعة. وقال أبو بكر في المقنع في النكاح كالبيع فلا يصح إلا على معلوم فيكون لها صداق المثل قال: وأحمل مسألة مهنا على وجه وهو أن يتزوجها على عبد من عبيده معلوم وأشكل عينه فتعطى من أوسطهم فإن تشاحا كان لها أحدهم بالقرعة. وظاهر كلام أحمد خلاف هذا فإن تزوجها على عبد مطلق ولم يكن له عبيد فعلى ما نقل مهنا المسمى صحيح ويكون لها أوسط العبيد السندي أو المنصوري لأن أوسطها السندي والمنصوري وعلى قول أبي بكر لها مهر المثل.
وجه ما نقله مهنا أن النكاح يتضمن إتلاف عضو فجاز أن يثبت الحيوان فيه في الذمة مجهول الصفة كقتل الخطأ ولا يلزم عليه السلم لأنه لا يتضمن إتلافًا وكل سبب استحق به العبد الموصوف جاز أن يستحق به العبد المطلق إذا لم يبطل بإطلاقه دليله النذر ولا يلزم عليه السلم في الحيوان لأنه يبطل بإطلاق التسمية فلهذا لم يصح ثبوته فيه مجهول الصفة.
ووجه قول أبي بكر أنه عقد معارضة فلم يصح أن يثبت الحيوان فيه في الذمة مجهول الصفة دليله السلم، ولأنه عوض مجهول فلم يصح أن يكون مهرًا كما لو تزوجها على ثوب مطلق، ومن قال بالأول أجاب عن السلم بأنه لما بطل العقد بالإطلاق لهذا لم يصح أن يكون مجهول الصفة والنكاح لما لم يبطل باطلاق الصفة لهذا جاز أن يكون مجهول الصفة كدية الخطأ والنذر، وأما الثوب فإنما لم يصح أن يكون مطلقًا مهرًا لأن أعلى الأجناس من الثياب غير معلوم وأدناها أيضًا غير معلوم فلم يكن الوسط معلومًا حتى ينصرف الإطلاق
стр. 538
إليه وليس كذلك العبيد لأن أعلى الأجناس منهم الرومي وأخس الأجناس منهم الزنجي، والوسط السندي فينصرف الإطلاق إليه لا شك أن جهالة الوسط منه ليس بأكثر من جهالة مهر المثل بل دونه فكان أولى.
متعة المطلقة بعد الدخول:
٦٥ - مسألة: المطلقة بعد الدخول هل لها المتعة؟
فنقل الميموني ومهنا: إذا طلقت بعد الدخول فلا متعة لها.
ونقل حنبل: لكل مطلقة متاع مدخولًا بها وغير مدخول.
قال أبو بكر كل من روى عن أبي عبد الله لا يحكم بالمتعة إلا لمن لم يسم لها مهر فإذا سمى مهرًا فلها ما تراضوا عليه ولا متعة لها إلا ما روى حنبل فمن قال لها المتعة فوجهه أن المهر الذي استقر لها بالدخول في مقابلة الدخول بدليل أنه لو لم يكن هناك عقد ووطئها بشبهة وجب المهر وقد لحقها ابتذال في العقد فوجب أن يكون لها المتعة في مقابلة ذلك الابتذال.
ومن قال: لا متعة لها وهو الصحيح قال لأنها تستحق المهر فلا تستحق المتعة كالمتوفى عنها زوجها وكل من لا يسقط حقها من المهر بالطلاق لا تستحق المتعة كالمسمى لها مهرها إذا طلقها قبل الدخول.
نكاح المرأة على طلاق أخرى:
٦٦ - مسألة: إذا تزوجها على طلاق فلانة امرأة من نسائه هل يكون صداقًا صحيحا؟
فقال في رواية يعقوب بن بختان في الرجل يتزوج امرأة ويجعل طلاق الأولى منها مهرًا للأخرى إلى سنة أو إلى وقت فجاء الوقت ولم يقض شيئًا قال يرجع الأمر إليه له شرطه، قيل له فيجوز مثل هذا الشرط في النكاح قال: نعم فظاهر هذا أنه حكم بصحة الصداق.
قال أبو بكر: ويتخرج إلا يكون ذلك صداقًا وهو كما قال لأنه قد نص في رواية مهنا على أن منافع الحر لا يكون صداقًا فأولى ألا يكون الطلاق صداقًا. فوجه من قال: يكون صداقًا قال لأن لها في طلاقها منفعة لأنها تحصل
стр. 539
به حظ تلك إلى نفسها وما كان لها به منفعة جاز أن يكون صداقًا كالمال ومنافع الخدمة.
ومن قال: لا يكون صداقًا فوجهه (ما روى أبو عبد الله بن بطة في سننه بإسناده عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال: (لا يحل لرجل أن ينكح امرأة بطلاق (١) أخرى (٢)) ولأن الطلاق ليس بمال ولا يقصد به المال في العادة فلا يكون صداقًا كرقبة الحر ومنافع البضع ويفارق المنافع لأنه يقصد بهم المال في العادة. فجاز أن يكون صداقًا، فإذا قلنا: لا يكون صداقًا، لها مهر المثل، كما لو تزوجها على خمر أو خنزير.
وإذا قلنا: يصح أن يكون صداقًا فإذا جعل صداقها طلاق فلانة بيدها بعد سنة صح ذلك لأن أكثر ما فيه أنه صداق مؤجل لأنه جعل لها استيفاءة بعد سنة فهو كما لو تزوجها على مائة درهم بدفعها بعد سنة فإن لم تطلق في الوقت الذي شرط فيه فقد قال أحمد يسقط حقها من الطلاق لأنه تمليك للطلاق فاقتضى إيقاعه على الفور كما لو خيرها في طلاق نفسها فلم تختر في مجلسها بطل خيارها كذلك هاهنا فإذا بطل حقها من الطلاق فهل يسقط المهر؟
قال أبو بكر يتخرج على وجهين:
أحدهما: يسقط لأنها أسقطت حقها باختيارها لأن الذي ملكته إيقاع الطلاق فلما أخرته فات باختيارها فهو كما لو تزوجها على عبد (فاتلفته فإنه يسقط حقها منه كذلك هاهنا.
والثاني: لا يسقط مهرها لأنها أخرت الاستيفاء عن وقته فلا يسقط كما لو تزوجها على مهر مؤجل فأخرت قبضه عن الأجل فإنه لا يسقط حقها كذلك هاهنا فإذا لم يسقط فإلى أي شيء ترجع؟
قال أبو بكر: يحتمل أن ترجع إلى صداق التي ملكها طلاقها لأنها ملكت زوال بضعها عن ملكه فإذا تعذر يجب أن يرجع فيه إلى قيمة البضع الذي
стр. 540
ملكت زواله كما لو تزوجها على عبد (١)) فبان حرًا أو غصبًا فإنه لما تعذر تسليمه رجعت إلى قيمته كذلك هاهنا.
متعة المطلقة قبل الدخول إذا كان المهر المسمى فاسدًا:
٦٧ - مسألة (٢): إذا تزوجها على مهر فاسد كالخمر والخنزير أو مجهول مثل أن يتزوجها على مهر مثلها أو على حكمها ثم طلقها قبل الدخول هل يجب لها المتعة أو نصف مهر المثل؟ على روايتين:
قال في رواية مهنى: إذا تزوجها على مهر مثلها فطلقها قبل الدخول بها فلها المتعة.
وقال الخرقي: إذا تزوجها على خمر وما أشبهه وهما كافران ثم أسلما فلها عليه مهر المثل أو نصفه حيث أوجب ذلك.
وجه الأولى: أنها تستحق مهر المثل قبل الطلاق فاستحقت المتعة بعد الطلاق كالتي لم يسم لها (٣).
ووجه الثانية: أنه عقد لم يعر عن تسمية فلم يكن لها المتعة دليله إذا سمى لها تسمية صحيحة.
الزيادة في الصداق بعد العقد:
٦٨ - مسألة: (٤) الزيادة في الصداق هل تلحق بالعقد ويلزم؟ على روايتين:
نقل مهني إذا زوج عبدة من أمته ثم أعتقهما جميعا فقالت الأمة: زدني في مهري حتى اختارك فالزيادة للأمة ولا تكون للسيد إنما هي بعد الدخول قيل له فإن طلق العبد قال: الزيادة للأمة أيضًا. وهذا يدل على أنها لم تلحق لأنها لو لحقت كانت للسيد كالصداق.
стр. 541
ونقل مهنى أيضًا في موضع آخر في رجل تزوج امرأة على مهر فلما رآها زاد في مهرها ثم طلقها قبل الدخول: فلها نصف الصداق الأول والذي زادها وهذا يدل على أنها تلحق لأنه نصفها بالطلاق.
ووجه الأولى: أنه عقد معارضة فالزيادة فيه بعد لزومه لا تلحق به كالبيع لا يختلف المذهب فيه.
ووجه الثانية: أن ما بعد العقد يجري مجرى حال العقد ألا ترى أنه يصح تسمية الصداق بعد العقد في نكاح المفوضة ويلزم كلزومه حال العقد فلو طلقها قبل الدخول لاستحقت نصفه وبعد الدخول استحقت جميعه فيجب أن يجري مجراه في باب الزيادة.
تعليق مقدار الصداق على شرط:
٦٩ - مسألة: إذا قال تزوجتك على صداق ألف إن كان أبوك حيًا وعلى ألفين إن كان ميتًا فهل الصداق باطل أم صحيح؟
فقال (١) مهني: أن لها صداق نسائها.
ونقل منصور: إذا تزوجها على صداق ألف إن لم يكن له امرأة غيرها فإن كان له امرأة فصداقها ألفان فهو على ما اشترطوا عليه؟
قال أبو بكر في كتاب المقنع: المسألة على روايتين:
إحداهما: أن الصداق فاسد كما نقل مهنى لأنه صداق مجهول حال العقد لأنه لا يعلم حياته أم موته ولأنه تمليك معلق بشرط فهو كما لو قال: بعتك بألف إن كان أبوك حيًا وبألفين إن كان أبوك ميتًا فإنه باطل كذلك هاهنا وعلى ما نقله ابن منصور الصداق صحيح لأن أحد الألفين معلومة وإنما الكلام في الألف الأخرى فإن صحت كانت كأنها زيادة في الصداق بعد لزومه والزيادة بالصداق تلحق بالعقد على أصلنا والأولى أصح.
قال أبو بكر: ومن أصحابنا من حمل مسألة ابن منصور على ظاهرها في
стр. 542
الجواز ومسألة مهنى على ظاهرها في المنع، ولم ينقل جوابه في إحداهما إلى الأخرى ولا فرق بينها عندي لأن الفقه في إحدى المسألتين مثله في الأخرى جاز في إحداهما جاز في الأخرى وما امتنع في إحداهما امتنع في الأخرى.
تسمية الصداق للأمة إذا زوجها سيدها عبده:
٧ - : مسألة مسألة: إذا زوج عبده من أمته هل يثبت الصداق في ذمة العبد؟
نقل المروذي والفضل بن زياد وصالح وأبو طالب: إذا زوج عبده من أمته يعجبني أن يكون صداقًا بمهرها ويعقد ما شاء، فظاهر هذا أنه مستحب ذكر الصداق لئلا يحصل نكاحها على صفة الموهوبة بغير صداق ولا يجب ذلك لأنه لو وجب لكان للسيد والسيد لا يجب له حق مبتدأ على عبده لأن عبده ملكه.
ونقل سندي: إذا زوج عبده من أمته فأحب إلى أن يذكروا مهرًا فإن طلقها فالصداق عليه إذا أعتق. فظاهر هذا أنه أوجب الصداق بالعقد وجعله في ذمة العبد يتبع بعد العتق.
قال أبو بكر: قوله الصداق على العبد قول أول والعمل على ألا صداق لأنه حق للسيد.
ومن ذهب إلى هذه الرواية قال: أكثر ما فيه أنه يحصل للسيد على عبد محق وهذا غير ممتنع كالعبد المدين (١) إذا ابتاعه صاحب الدين فإن دينه يتحول في ذمته ولا يسقط بالشراء كذلك هاهنا.
ومن ذهب إلى الأولى أجاب عن هذا بأن هذا الدين لم يثبت ابتداء له على عبده وإنما يثبت له وهو على ملك غيره واستدامة ملكه عليه وهو في ملكه وهاهنا يؤدي إلى أن يثبت حقه مبتدأ على عبده وهذا لا يجوز.
أثر الوطء بشبهة أو عقد فاسد في إيجاب الصداق:
٧١ - مسألة: إذا وطئ امرأة من ذوي رحمه أو امرأة محرمة عليه بالرضاعة أو المصاهرة بعقد فاسد أو شبهه عقد غير عالم بذلك، فهل يجب عليه مهر المثل؟
стр. 543
فنقل إسحاق بن هانئ في الرجل يتزوج المرأة ثم يطلع بعد انها ذات محرم فلها المهر (١) بما استحل من فرجها وإن لم يدخل بها يفرق بينها ولا صداق لها.
ونقل حرب إذا تزوج ذات محرم وهو لا يعلم ثم علم فولدت منه لحق به الولد فأما المهر فاستوحش منه إذا كانت أمه أو بنت من الرضاعة أو غيره ولو كانت عمته أو خالته ونحو ذلك كان أهون.
ونقل بكر بن محمد عن أبيه إذا تزوج (أخته من الرضاعة ثم علم بعد أو أمه من الرضاعة ثم علم أو أخت امرأته أو أمها ثم علم فقال: أما أخته أو أمه أو بنته فلا صداق لها وأما (٢) اخته من الرضاعة أو أخت امرأته أو بنتها أو أم امرأته فلها الصداق ولا ميراث.
فالمسألة على ثلاث روايات: إحداها: لها الصداق سواء كان تحريمها من جهة النسب أو السبب على ظاهر رواية إسحاق وهو اختيار أبي بكر وهو الصحيح لأن الوطء قد أتلف عليها منفعة البضع بغير اختيارها فيجب أن يلزمه قيمة ما أتلف عليها كما لو وطى أمتها فإنه يلزمه مهر مثل الأمة كذلك إذا وطئها لوجود الإتلاف من جهته وكل امرأة لو وطى أمتها لزمه المهر فإذا وطئها جاز أن يلزمه المهر كالأجنبية.
والثانية: إن كان تحريمها من جهة النسب فلا مهر لها وإن كان من جهة السبب والمصاهرة فلها المهر على ظاهر كلامه في رواية حرب لأن المناسبة بعضها محرم تحريم الأصل فلا تستحق عليه العوض دليله إذا تلوط بغلام أو أكرهها على الوطء في الموضع المكروه ويفارق هذا المحرمة بالمصاهرة والسبب لأن ذلك التحريم طارئ فلا يمنع المهر كما لو وطئ أجنبية وهي حائض.
الرواية الثالثة: إن كانت امرأة يحرم عليه نكاح بنتها كالأم والبنت والأخت فلا مهر لها سواء كان تحريمها من جهة النسب أو السبب، وإن كانت امرأة لا تحرم بنتها مثل العمة والخالة وبنت العم (٣) ونحو ذلك فلها الصداق
стр. 544
على ظاهر رواية بكر بن محمد لأن تحريمها أخف إلا ترى أن بنتها مباحة له وليس كذلك من ذكرنا لأن تحريمها آكد، بدليل أن بنتها محرمة عليه وكلما تأكد التحريم في البضع سقط المهر كاللواط والوطء في الموضع المكروه.
النثار والتقاطه:
٧٢ - مسألة: في النثار هل التقاطه مكروه أم لا؟
فنقل بكر بن حمد عن أبيه عن أحمد أنه سأله عن النثار فرخص فيه واحتج بحديث عبد الله بن قرط من شاء التقط فقالت له: نهى النبي ﷺ عن النهبة (١) فقال إنما نهى لأنه لم يؤذن لهم: وهذا قد أذن فيه ونقل أبو داود والمروذي: لا يعجبني لأنه نهبه.
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر ما احتج به أحمد من حديث عبد الله بن قرط أن النبي ﷺ قدم إليه ست بدنات أو سبع فجعلن يزدلفن إليه بأيتهن يبدأ فلها وجبت قال: من شاء اقتطع (٢). والنثار من هذا المنع فدل على جوازه.
ووجه الثانية: وهي اختيار الخرقي ﵀ أن النثار يؤخذ نهبة ففيه سخف ودناءة ولأنه ربما كان في القوم من يحب صاحب النثار أن يأخذ أكثر فلا يتمكن من ذلك ويأخذه من لا يحب لا يجب أخذه فيكون قد أخذ ماله من لا يحب أن يأخذه فكره ذلك.
стр. 545
اعتبار الخلع فسخًا أو طلاقًا:
٧٣ - مسألة: اختلفت الرواية في الخلع هل هو فسخ أو طلاق؟
فنقل ابن منصور وغيره: الخلع فراق وليس بطلاق. ونقل عبد الله: إذا خالعها فتزوج بها تكون عنده على اثنتين فظاهر هذا أنه طلاق.
قال أبو بكر: في الخلع روايتان: إحداهما انه طلاق، وما أقل من رواه، والثاني فسخ وما أكثر من روي عنه.
وجه الأولى: أنها متعلقة بسبب من جهة الزوج تختص النكاح فوجب أن يكون طلاقًا دليله الطلاق.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة أن الخلع نوع فرقة ولا تختص بوقت دون وقت فوجب أن يكون فسخًا دليله البضاع. أو نقول: لا يثبت بها رجعة بحال، فوجب أن يكون فسخًا كما لو أعتقت تحت عبد فاختارت نفسها، ولا يلزم على هذا الطلاق لأنه يختص بزمان الطهر ويثبت فيه رجعة بحال لأن الفرقة في النكاح فرقتان طلاق وفسخ ثم يثبت أن الطلاق يتنوع نوعين بعوض وبغير عوض (فوجب أن يتنوع الفسخ، بعوض وبغير عوض (١)). وعلى الرواية الأولى لا يقع الفسخ بعوض بحال.
سقوط الصفة المعلق عليها الطلاق بوجودها حال البينونة بخلع أو طلاق:
٧٤ - مسألة: إذا علق الطلاق بصفة ثم أبان زوجته بخلع أو غيره ووجدت الصفة في حال البينونة ثم عقد عليها بعد ذلك عقد النكاح هل تعود الصفة أم قد سقطت؟ فنقل حرب فيمن قال لامرأته أنت طالق ثلاثًا إن دخلت هذه الدار فطلقها طلقة وبانت منه ثم دخلت الدار ورجعت إليه رجعت اليمين لأنها دخلت وليست امرأته فقد نص في الطلاق أن الصفة تعود واختلفت الرواية عنه في العتق إذا علقه بصفة فباعه ووجدت الصفة في ملك غيره ثم ملكه هل تعود الصفة؟
стр. 546
فنقل جعفر بن محمد في رجل قال لعبده: أنت حر إن دخلت هذه الدار فباعه ثم رجع إليه فقال: إن رجع إليه وقد دخل الدار لم يعتق وإن لم يكن دخل فلا يدخل العبد إذا رجع العبد إليه فإن دخل عتق. فظاهر هذا أنه أسقط الصفة بوجودها في غير ملكه ولم يحكم بعودها بعد عود الملك.
ونقل الحسن بن ثواب في رجل قال: إن دخل عبدي الدار فهو حر فباعه قبل أن يدخل ثم دخل الدار بعد ما باعه ثم اشتراه ثم دخل الدار حنث. فقد نص على أن الصفة تعود بعود الملك.
واختلف أصحابنا فكان أبو الحسن التميمي يذهب إلى أن الصفة تزول ولا تعود بعود النكاح بوجودها في غير ملكه ولعله كان يذهب في رواية جعفر بن محمد في العتق وكان يفتي بذلك ويستعمل الخلع إذا أراد إسقاط اليمين.
وكان شيخنا أبو عبد الله وجماعة من أصحابنا يحكمون بعود الصفة ولا يرون الخلع حيلة في إسقاط اليمين وهو ظاهر كلام أحمد ﵀ ومنصوص في رواية حرب ولا يختلفون أنه إذا لم توجد الصفة في حال البينونة ان اليمين تعود بعود الملك لان العقد والصفة وجدا في ملك فتعلق به حكم الطلاق كما لو وجد في زوجية واحدة ولأنه حكم متعلق بالطلاق فجاز أن يبني أحد النكاحين على الآخر فيه، دليله عدد الطلاق.
ومن ذهب من أصحابنا إلى أن اليمين تسقط بوجود الصفة حالى البينونة فوجهه أن قوله: إن فعلت كذا وكذا فأنت طالق قول مطلق في كل حال وكل زمان فإذا وجدت المخالفة وجب أن يكون حنثًا وتنحل اليمين وتسقط كما لو فعله في النكاح الأول ولأن اليمين إذا وقعت على الزوجة على صفة من الصفات فإن الاعتبار بوجود الصفة وإن لم توجد على الصفة التي عقد اليمين عليها. ألا ترى أنه لو قال: إن دخلت الدار فأنت طالق وهي مكتسية، فدخلت الدار وهي عريانة حدث بوجود الفعل دون الصفة التي هي عليها كذلك ها هنا.
ووجه من قال: لا تسقط اليمين لوجود الصفة في حال البينونة أن قوله: أنت طالق إن دخلت الدار معناه وأنت زوجتي لأنه منعها من الدخول بيمين
стр. 547
الطلاق ولا غرض له في دخولها وهي أجنبية ولم يتعلق بدخولها في حال البينونة حكم ووجب أن تكون اليمين مقصورة على حال النكاح دون البينونة، ولأن الطلاق يقع بسببين بعقد اليمين ووجود الصفة ثم ثبت أن العقد يفتقر إلى وجود الملك كذلك الصفة لأنها أحد مقصودي الطلاق. وقد احتج أبو عبد الله بن بطة من أصحابنا في أن الحيلة بالخلع لا تسقط اليمين بأخبار منها ما روى أبو هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فاستحلوا محارم الله بأدنى الحيل (١). وما روى عمرو بن شعيب قال: سمعت شعيبًا يقول: سمعت عبد الله بن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: أيما رجل ابتاع من رجل بيعًا فإن كل واحد منها بالخيار حتى يفترقا من مكانها ولا يحل لأحدهما أن يفارق صاحبه مخافة أن يستقيله (٢).
وروى أبو موسى قال: قال رسول الله ﷺ -: (ما بال أقوام يلعبون بحدود الله ويستهزئون بآياته خلعتك راجعتك، طلقتك راجعتك (٣)). وهذا حديث جيد في المسألة لأنه يقتضي ذم من تلاعب بحدود الله واستهزأ بآياته ثم وصف ذلك بالرجعة بعد الخلع والطلاق بهذه الصفة.
فالظاهر يقتضي أنه متى قصد إبطاله بالخلع والرجعة أنه متلاعب بحدود الله ومستهزئ بها. وعن العمري عن أبيه قال: قال عمر: اليمين حنث أو مذمة فقسم اليمين قسمين: إما حنث في يمينه بوجود مخالفة الصفة أو مذمة على مقامة على اليمين بالصفة فتلحقه الندامة على ما يفوته من الفعل الذي منع نفسه باليمين. فمن قال: إن الخلع والرجعة تسقط اليمين خرج عن القسمين ولم يلحقه حنث لأنها تعود معه كما كانت ولا مذمة لأنه ايقاع للفعل الذي منع به نفسه.
стр. 548
خلع الوكيل بأقل مما حدد له الموكل:
٧٥ - مسألة: إذا وكل رجلًا أن يخالع زوجته بمال معلوم فخالعها بأقل من ذلك مثل أن قال: خالعها بألف فخالعها بمائة.
فقال شيخنا أبو عبد الله الخلع باطل والطلاق غير واقع لأنه أوقع طلاقًا غير مأذون فيه كما لو قال له طلقها على عبد فطلقها على ثوب.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف: الطلاق واقع لأنه استهلك والزيادة على الوكيل والنقصان للآمر وذكر من قول أحمد في رواية أحمد بن القاسم: إذا أمره أن يخالع بمائة فخالع بخمسين الخلع جائز والخمسون للآمر ولو خالعها بخمسين وقد أمره بثلاثين كانت الزيادة عليه والأول أصح.
الخلع بغير عوض:
٧٦ - مسألة: اختلفت الرواية هل يصح الخلع بغير عوض ويكون خلعًا يقع به البينونة؟ على روايتين:
نقل عبد الله: الخلع على غير شيء تفتدي به نفسها ويكون على فدى.
ونقل مهنا: إذا قال اخلعي نفسك فقالت: قد خلعت لم يكن خلعًا إلا على شيء إلا أن ينوي به الطلاق فيكون ما نوى.
وجه الأولى: أن الخلع نوع بينونة فيصح بغير عوض كالرضاع، ولأنه لو قال: خلعتك على ألف فقالت: خلعتني على غير شيء صح في مدخول بها لم يستوف عدد الطلاق فلم يقع بائنًا دليله الطلقة الواحدة بلفظ الطلاق.
الطلاق قبل النكاح:
٧٧ - مسألة: في الطلاق قبل النكاح هل ينعقد ويتعلق به حكم أم لا؟
نقل أبو طالب وأبو الحارث والمروذين إذا قال: إن تزوجت فلانة فهي طالق فتزوج لا طلاق قبل نكاح وقت أو لم يوقت. فظاهر هذا أنه لا حكم له قبل النكاح بحال من الأحوال.
стр. 549
ونقل ابن منصور عنه في رجل طلق امرأته تطليقة فقال: إذا راجعتك فأنت طالق ثلاثًا فإن كان أراد بهذا القول أن يغلظ عليها ولا تعود إليه فمتى راجعها في العدة أو بعد العدة طلقت وإن كان أراد الرجعة فهي على ما أراد ولا يحنث بعد العدة.
وكذلك نقل إسحاق بن إبراهيم في رجل تحته امرأة فقال: أنت طالق إن فعلت كذا وكذا وأنت طالق إن تزوجت بك فإن كان قد حنث فلا يعجبني أن يتزوجها لأنه حلف وهي ملك يمين.
ونقل عنه أيضًا: إذا كان له جارية فيقول: أنت حرة ثم يتبع هذا الكلام فيقول وأنت طالق إن تزوجت بك فلا يحل له أن يتزوجها إن كان الطلاق ثلاثًا وإن كان واحدة ثم تزوجها فلها نصف الصداق وقال: وليس هذا بمنزلة الرجل يطلق ما لا يملك هذا فرج قد وطئه والذي يطلق قبل الملك لم يطأها. فظاهر ما نقله ابن منصور وابن إبراهيم إنها إذا كانت في عدة منه من طلاق رجعي فقال لها: أنت طالق إن راجعتك أو كانت أمة قد دخل بها فأعتقها وعقب العتق بالطلاق فإن الصفة تنعقد
وجه ما أطلقه في رواية أبي الحارث وأبي طالب والمروذي في أنه لا حكم له قول النبي ﷺ : (لا طلاق فيما لا يملك (١)) وهذا عام ولأنه عقد طلاقًا بغير صفة في غير ملك فلم ينعقد كما لو قال لأجنبية: أنت طالق إذا دخلت الدار فتزوج بها ودخلت الدار فإن الطلاق لا يقع كذلك إذا قال لها: إذا دخلت الدار وأنت زوجتي فأنت طالق، وكما لو قال لمن ليست في عدة منه: إن تزوجتك فأنت طالق فإنه لا يقع الطلاق إذا تزوجها، كذلك إذا كانت محبوسة عليه بحق الملك.
ووجه ما نقل ابن منصور وابن إبراهيم أنه إذا قال لها في حال الرجعة: إن
стр. 550
راجعتك فأنت طالق ثم ارتجعها بعد العقد فقد عقد الصفة حال يقع طلاقه المباشر فانعقدت صفته كما لو وجد العقد والصفة في حالة يملك العقد عليها بغير اختيارها فهو كما لو عقد الصفة وهي رجعية فإن الصفة تنعقد لأنها وجدت في حال يملك العقد عليها بغير اختيارها وهي الرجعة كذلك هاهنا، يملك العقد عليها في هذه الحال بغير اختيارها وهو أن يقول: أعتقتك وجعلت عتقك صداقك فينعقد النكاح في هذه الحال على قولنا وإن كرهت، فإن كانت له زوجة فقال لها: إن تزوجت فلانة فهي طالق فنقل أبو الحارث: إذا قال: إن تزوجت عليك امرأة فهي طالق لم آمره أن يفارقها لا يكون طلاقًا قبل النكاح.
ونقل الحسن بن ثواب: إذا قال لامرأته إن تزوجت فلانة فهي طالق فإن تزوج يلزمه لأن اليمين لها فقوله: إن تزوج يلزمه يحتمل أن يريد به يلزمه الطلاق فتكون المسألة على روايتين.
إحداهما: لا تنعقد به الصفة على ما نقل أبو الحارث لأنه عقد الصفة في ملك هو كما لو قال ان تزوجت امرأة فهي طالق.
والثانية: يلزمه الطلاق على ما قاله في رواية الحسن وفيها ضعف ويحتمل أن معنى قوله يلزمه على أنه تزوج الأولى بشرط أن لا يتزوج عليها فإذا تزوج بهذه الثانية لزمه الوفاء للأولى بالشرط وهو أن يطلق هذه الثانية أو تملك هي الفرقة إن اختارت لأن من أصلنا أن هذا شرط صحيح، فإن قال: إن ملكت فلانًا فهو حر فملكه هل يعتق؟
نقل الجماعة منهم أبو طالب والمروذي وأبو الحارث: يقع العتق بخلاف الطلاق. ونقل محمد بن الحسن بن هارون: لا يعتق.
قال شيخنا أبو عبد الله: المسألة على روايتين.
وقال أبو بكر الخلال وصاحبه: ما نقله محمد بن الحسن سهو في النقل.
فمن ذهب إلى أنه لا يعتق فوجهه أن العتق لفظ يزيل الملك فإذا وجد في غير ملك لم يثبت له حكم كالطلاق.
ومن قال: يعتق فوجهه أن العتق قد يسري في غير ملك، وهو إذا أعتق
стр. 551
شركًا له في عبد وهو موسر عتق عليه جميعه، وإن لم يكن له ملك فأولى أن تنعقد الصفة في غير ملك ولأن العتق قربة بدليل أنه لو قال إن اشتريت فلانًا فلله على أن أعتقه فإن العتق يلزمه بموجب النذر، ولو نذر طلاقًا فإنه يكفر عن يمينه ولا يطلق وقد قال النبي ﷺ : "أبغض الحلال إلى الله الطلاق (١) ".
وإنما تنعقد الصفة في العتق قبل إذا كانت مضافة إلى الملك نحو قوله: إن ملكت فلانًا فهو حر وأما إن كانت مطلقة ثم ملكه لم يعتق نحو قوله إذا دخل هذا العبد الدار فهو حر ثم دخل بعد أن ملكه لم يعتق.
وقد قال أحمد في رواية يعقوب بن بختان في رجل قال الجارية امرأته: أنت حرة في مالي ثم ماتت ليس بشيء.
وكذلك نقل ابن إبراهيم وقال أيضًا في رواية ابن منصور في رجل قال لعبد رجل أنت حر في مالي فبلغ ذلك سيد العبد فقال: قد رضيت وأبى الآخر ليس بشيء.
وقت وقوع الطلاق المعلق على الحيض:
٧٨ - مسألة: إذا قال لها: إذا حضت حيضة فأنت طالق، فحاضت ثم انقطع دمها، فهل يقع الطلاق بانقطاع الدم أم بالغسل؟
قال أبو بكر: على قولين:
أحدهما: تطلق بانقطاع الدم وإن لم تغتسل، وهو ظاهر كلام أحمد في رواية إبراهيم الحربي ﵀، فقال: إذا قال لها إذا حضت حيضة فأنت طالق، فإذا رأت النقاء آخر الدم طلقت.
والثاني: لا تطلق حتى تغتسل لأن حكم الحيض باق ألا ترى أن المعتدة لا تباح للأزواج بعد انقطاع الدم حتى تغتسل، كذلك هاهنا.
стр. 552
والأول أصح، لأن قوله حيضة عبارة عن أول الدم وآخره.
السراح والفراق من كنايات الطلاق الظاهرة:
٧٩ - مسألة: لفظة السراح والفراق هل هي صريح أم كناية؟
فقال الخرقي هي صريح.
وقال شيخنا أبو عبد الله: هي من كنايات الطلاق الظاهرة لأنه لفظ لا يشتمل على لفظ الطلاق، فلم يكن صريحًا كقوله: الحقي بأهلك ولأن الصريح ما لا يحتمل وقوله فارقتك يحتمل الفراق إلى السفر إلى أهلي ويحتمل الطلاق وليس أحدهما أولى من الآخر، فوقف ولم يكن صريحا.
ووجه قول الخرقي: أن الفراق والسراح قد يثبت لها عرف الشرع بقوله: (فمتعوهن وسرحوهن سراحًا جميلا (١)) وقال تعالى: (فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان (٢)) وقال تعالى (فامسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف) (٣) فإذا ثبت لها عرف الشرع وجب أن يكون صريحًا كلفظة الطلاق ولأن كناية الطلاق لا يقف على لفظه.
اعتبار النية في كنايات الطلاق:
٨٠ - مسألة: إذا قال لزوجته: أنت خلية وبرية وبائن وحبلك على غاربك والحقي بأهلك وأنت حرة في حال الرضا ولم ينو به الطلاق فهل يقع به الطلاق أم لا؟
فنقل أبو الحارث إذا قال لها أنت خلية وبرية وبائن ولم (يرد) بينهم ذكر الطلاق ولا غضب وقال الزوج لم أرد الطلاق يصدق.
وكذلك نقل الأثرم إذا قال: الحقي بأهلك وقال: لم أنو به طلاقًا ليس بشيء ظاهر هذا اعتبار النية.
стр. 553
وقال الخرقي: إذا قال لها أنت خلية وبرية وبائن وحبلك على غاربك والحقي بأهلك هذا ثلاث ولم تعتبر النية.
وجه الأولى: وهو ظاهر كلام أحمد ﵁ أنه من كنايات الطلاق فاعتبر فيه النية دليله إذا قال لها: اخرجي واعتدي وتقنعي ونحو ذلك.
ووجه الثانية: أن هذه الألفاظ قد ثبت لها عرف الشرع والاستعمال.
أما الشرع فروي أن النبي ﷺ تزوج امرأة فرأى بكشحها بياضًا لي. فقال: الحقي بأهلك (١). وأما الاستعمال فلأن العرب كانت تطلق بهذه الألفاظ ويفارق هذا: اعتدي واخرجي وتقنعي لأنه لم يثبت لها العرفان فلهذا كانت النية معتبرة.
كراهية الطلاق بلا حاجة:
٨١ - مسألة: إذا كان الحال بين الزوجين ساكنة وكل واحد منهما قائم بحق صاحبه، فهل يكره للزوج الطلاق في هذه الحال أم لا؟
قال في رواية إبراهيم الحربي في رجل حلف بالطلاق الثلاث أن لا بد يطأ امرأته وكانت حائضًا فقال: تطلق ولا يطأ قد أباح الله الطلاق وحرم وطء الحائض. فظاهر هذا أنه غير مكروه.
وقال في رواية أبي طالب في رجل نذر أن يطلق امرأته فقال: لا يطلق ويكفر قيل له: هو معصية؟ قال وأي شيء من المعصية أكثر من الطلاق إذا طلقها فقد أهلكها. فظاهر هذا أنه مكروه.
وجه الأولى: وهي الصحيحة حديث ابن عمر ﵁ أن النبي ﷺ طلق حفصة وراجعها حين عاتبه الله عليها وقال: إنها صوامة
стр. 554
قوامة (١) ". وعن المغيرة بن شعبة أنه كان يجمع أربعًا من النساء فيصيبهن جميعا فيقول: إن كنتن كريمات الأحساب حسنات الأخلاق طويلات الأعناق، ولكنى رجل مطلاق، أنتن طوالق (٢).
ووجه الثانية: قوله تعالى: (ولا تخرجوهن من بيوتهن ولا يخرجن إلا أن يأتين بفاحشة مبينة (٣)).
وروى محارب بن دثار عن ابن عمر أن النبي ﷺ قال: "أبغض الحلال إلى الله الطلاق (٤) ". وعن معاذ بن جبل قال: "ما خلق الله على وجه الأرض شيئًا أبغض إليه من الطلاق ولا أحب إليه من العتاق (٥) ".
الطلاق الثلاث في طهر واحد:
٨٢ - مسألة: اختلف الرواية في الطلاق الثلاث في طهر واحد هل هو بدعة أم لا؟
فنقل أبو طالب طلاق السنة ما أمر النبي ﷺ ابن عمر به ظاهرة من غير جماع واحدة واثنتين (٦) وثلاث فظاهر أنه للسنة وليس ببدعة.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: طلاق السنة طلقة من غير جماع ويدعها حتى
стр. 555
تحيض ثلاث حيض ولا تطلق عند كل حيضة فإن طلاق ثلاثًا بلفظ واحد لم يكن طلاقًا للسنة لقوله تعالى: (ولعل الله يحدث بعد ذلك أمر (١)).
وجه الأولى وهي اختيار الخرقي ما روى سهل بن سعد الساعدي أن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته فقال العجلاني وامرأته فقال العجلاني: إن أمسكتها فقد كذبت عليها هي طالق ثلاثًا، وقال له النبي ﷺ : (لا سبيل لك عليها (٢)).
ووجه الثانية أنه كان يعتقد أن الزوجية بعد اللعان باقية وإن الطلاق، غير محرم ولم ينكر النبي ﷺ ذلك عليه ولو كان معصية لم يقره على ذلك، ولأن الطلقة الثانية والثالثة طلاق في عدة من غير ريبة مباحًا دليله الطلقة الواحدة، ولأن الطلاق عدد محصور يملكه الزوج، فله الجمع والتفريق، كالنكاح في المنكوحات والرجعة في المطلقات.
ووجه الثانية: وهو اختيار أبي بكر وهو الصحيح ما روى الحسن عن ابن عمر قال: طلقت امرأتي وهي حائض طلقة واردت أن اتبعها الطلقتين الأخريين فسألت النبي ﷺ فقال: "راجعها، فقلت: أرأيت لو أطلقتها ثلاثًا؟ فقال: إذن بانت امرأتك وعصيت ربك (٣) ".
стр. 556
فوجه الدلالة أنه طلق في الحيض طلقة فأمره بالمراجعة وأخبره أنه محرم فسأله عن الطلاق الثلاث فقال: إذن عصيت ربك ولا يجوز أن يكون سؤاله عن الثلاث في الحيض لأنه قد عرف تحريم ذلك بالطلقة الأولى فعلم أنه سأل عن الثلاث في الجملة فأخبره بأنه يعصي بذلك ولأن الجماع والطلاق يجريان مجرى واحد ألا ترى أن كل واحد منهما منهي عنه في حال الحيض ثم اتفق أن الجماع إذا حصل في طهر منع إيقاع الطلاق في ذلك الطهر؟ كذلك الطلاق إذا حصل في طهر يجب أن يمنع إيقاع طلاق آخر في ذلك الطهر ولأنه عقد يقع بمجموعة البينونة فوجب أن يكرر آحاده دليله اللعان.
صرف صريح الطلاق عن مقتضى الظاهر:
٨٣ - مسألة: إذا أتى الطلاق ونوي به شيئًا يخالف الظاهر هل بصريح يصدق في الحكم أم لا؟ مثل أن قال: أنت مطلقة أو مطلقة وقال: نويت من زوج قبلي أو قال: أنت طالق وقال: نويت من عقال أو قال أنت طالق، وقال: نويت إن دخلت الدار، أو قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وقال: نويت شهرًا، أو قال: أنت طالق، وقال: أردت أن اقول: أنت طاهر أو قال: طلقتك ثم قال: أردت أمسكتك فسبق لساني فقلت: طلقتك ونحو ذلك فإنه يصدق فيما بينه وبين الله ، وهل يصدق في الحكم؟ على روايتين:
إحداهما: يصدق لأنه لا خلاف أنه لو قال لمدخول بها: أنت طالق طالق وقال أردت بالثانية إفهامها ان قد وقع بها طلقة قبل منه ذلك، كذلك هاهنا ولأنها يمين يصدق فيها في الباطن فصدق فيها في الظاهر دليله كنايات الطلاق إذا نوى بها غير الطلاق فإنه يصدق فيها ظاهرًا وباطنًا. وقد نص على هذه الرواية في مواضع فقال في رواية حرب في رجل قال لامرأته: يا مطلقة فإن كان أراد من الزوج الأول رجوت وإن كان يريد خفت عليه فظاهر هذا أنه قبل قوله في ذلك، وقال أيضًا في رواية أبي الحارث إذا قال أنت طالق وقال نويت من عقال فإن كان على حد الغضب لم يقبل منه فظاهر هذا أنه إذا لم يكن على حد الغضب قبل منه وإنما لم يقبل منه على حال الغضب لأن دلالة
стр. 557
الحال بخلاف ما ذكره. وقال في رواية إسحاق بن إبراهيم: إذا قال: أنت طالق إن دخلت الدار، وقال نويت شهرًا قبل منه، وقال في رواية ابن منصور فيمن حلف فجرى على لسانه غير ما في قلبه وأراد أنه يتكلم: فأرجو أن يكون الأمر فيه واسعًا.
والرواية الثانية: لا يصدق في الحكم لأن ما قاله خلاف الظاهر فلم يصدق في حقها كما لو أقر بألف درهم ثم رجع وقال: كذبت في اقراري وليس له قبلي شيء فإنه يحتمل ما قال ولكن لا يصدق في الحكم لأنه خلاف الظاهر، كذلك هاهنا، وقد نص على هذه الرواية في مواضع، فقال في رواية مهنا فيمن قال لزوجته: أنت طالق، وقال: نويت إن دخلت الدار لم يقبل منه، وقال أيضًا في رواية أبي داود في رجل كانت له امرأتان أسماهما فاطمة فماتت إحداهما فقال فلانة طالق سوى الميتة، فقال: الميتة تطلق كأن أحمد أراد ألا يصدق في الحكم ونقل مهنا: إذا قال لزوجته أنت طالق غدًا تطلق إذا طلع الفجر، قيل له: فإن نوى آخر النهار فإن ناسًا يقولون لا يدين فقال: هي طالق إذا طلع الفجر فظاهر هذا هذا أنه لم يقبل منه.
وقوع الثلاث بلفظ أنت الطلاق:
٨٤ - مسألة: إذا قال أنت الطلاق هل ذلك صريح في الثلاث أم لا؟ على روايتين:
إحداهما أنه صريح في الثلاث نوى الثلاث أو دونها نص عليه في رواية حنبل والفضل بن زياد والميموني أيضًا إذا قال: أنت الطلاق هل هي بينونة فقال: قد جمع.
ونقل الأثرم أيضًا أنت علي حرام أعني به الطلاق فهو ثلاث ولا يكون إلا ثلاثًا، وكذلك نقل عبد الله.
والرواية الثانية: إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى ثنتين فثنتين وإن نوى واحدة فواحدة، وإن أطلق فواحدة، نقل ذلك الأثرم وأبو الحارث إذا قال لامرأته: أنت الطلاق فإن قال: أردت ثلاثًا فهي ثلاث وإن قال أردت واحدة فهي واحدة.
стр. 558
وجه الأولى: أن الألف واللام تدخل في الكلام لأحد شيئين.
إما للمعهود أو الاستغراق، وليس هاهنا معهود ينصرف إليه، فلم يبق إلا استغراق الجنس وهو الثلاث.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة - أنه يحتمل أن يريد لها الجنس ويحتمل أن يريد بها المعهود، وهي طلقة واحدة، فلم يجز حمله على الجنس دون المعهود إلا ببينة.
ما يقع من عدد الطلاق بلفظ: انكحي من شئت واعتدي:
٨٥ - مسألة: إذا قال لزوجته: انكحي من شئت ونوى به الطلاق في الجملة أو لم ينو به لكن كانا في ذكر الطلاق.
ففيه روايتان:
إحداهما: أنه تقع به الثلاث، وإن لم ينو الثلاث نقلها حرب فقال: هي مثل الخلية، ونقل أبو الحارث أنها واحدة.
وجه الأولى: أنها كناية ظاهرة، فكانت ثلاثًا كالخلية والبرية، ومعنى قولنا: ظاهرة أن الاعتداد لا يكون إلا عن طلاق، ويفارق الخفية مثل قوله: اخرجي وتقنعي لأن هذا يحتمل أن يكون عن طلاق وعن غيره وليس الطلاق فيه ظاهرًا فلهذا لم يكن ثلاثًا.
ووجه الثانية: أنها قد تباح للزوج بالطلقة الواحدة والثلاث، فإن قال لها: اعتدي ففيه أيضًا روايتان.
نقل الأثرم: إن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى اثنتين فاثنتان، وإن نوى ثلاثًا فثلاث، قال: وكذلك إن قال: لا سبيل لي عليك، ونقل أبو طالب وأبو الحارث والميموني: إنه ثلاث مثل الخلية والبرية.
وجه الأولى: ما احتج به أحمد وهو ما روي عبد الله بن عبيد بن عمير أن رجلًا قال لامرأته: حبلك على غاربك ثلاث مرات. فسأل عمر بن الخطاب عنها علي بن أبي طالب فقال: هو ما نوى (١).
стр. 559
ووجه الثانية: أنها كناية ظاهرة أشبه الخلية والبرية، فيها معنى فيها معنى البينونة.
عدم وقوع الطلاق على المخيرة إذا اختارت زوجها:
٨٦ - مسألة: إذا خير زوجته فاختارت زوجها فهل يقع الطلاق؟
نقل الجماعة منهم أبو الحارث، وأبو طالب، والمشكاتي: لا يقع الطلاق، ونقل ابن منصور، أنها طلقة رجعية.
قال أبو بكر: العمل على ما رواه الجماعة.
ووجه رواية ابن منصور: انه قول جماعة من السلف فروى جماعة منهم عن الشعبي عن علي: إن اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها (١). وروى زاذان قال: كنا عند علي بن أبي طالب ﵁ بالكوفة فقال: سألني أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ عن الخيار فقلت: لا بد من واحدة، فإن اختارت زوجها فواحدة، وهو أحق بها، (٢) وروى الحسن عن زيد بن ثابت إن اختارت زوجها فواحدة وهو أحق بها (٣)، وروى ذلك عن الحسن وقتادة (٤). والوجه في أنه لا يقع بها طلاق ان اختيارها زوجها ضد اختيارها نفسها فلما كان اختيارها نفسها طلاقًا لم يكن ضده طلاقًا، ولأن الأمة إذ أعتقت
стр. 560
تحت عبد كان لها الخيار فإذا اختارت زوجها لم يكن فرقة، كذلك هاهنا.
طلاق المخيرة إذا اختارت نفسها في المجلس متراخيًا عن التخيير:
٨٧ - مسألة: إذا خيرها فاختارت نفسها في مجلسها، فهل يقع الطلاق أم لا؟
فنقل أبو الحارث: لها الخيار ما دامت في مجلسها، أو تأخذ في حديث آخر غير ما كانا فيه.
وقال الخرقي: إذا خيرها فاختارت فراقه في وقتها وإلا فلا خيار لها، وظاهر كلامه أن الخيار يجب أن يكون عقب التخيير، فإن تراخى سقط خيارها، وإن كان في المجلس.
ووجه قوله: أنها لم تختر نفسها عقب التخيير فلم يصح خيارها كما لو اختارته بعد المجلس، ولأن الخيار قبول منها والقبول يجب أن يكون عقب الإيجاب لأنه جواب عنه.
والوجه: في أنه يصح الاختيار: إجماع الصحابة، وروى عن عمر وعثمان أنهما قالا: أيما رجل ملك امرأته أو خيرها فافترقا من ذلك المجلس ولم يحدثا حدثًا فأمرها إلى زوجها (١)، وفي لفظ آخر عن عمر: "إذا خير امرأته فلم تقض في مجلسها فليس بشيء (٢). وعن جابر: "إذا خير الرجل امرأته فلم تختر في مجلسها ذلك فلا خيار لها (٣) ".
وعن ابن مسعود: "إذا جعل أمر امرأته إليها فافترقا من مجلسهما فليس لها (٤)، ولأنها اختارت نفسها في مجلسلها فصح اختيارها كما لو اختارته عقب التخيير.
стр. 561
الطلاق المعلق بوقت إذا نوى به من حين التعليق إلى الوقت المعلق عليه:
٨٨ - مسألة: إذا قال: أنت طالق إلى رأس الشهر، أو إلى رأس السنة، ونوى بذلك من الساعة إلى رأس الشهر، ورأس السنة، هل يقع الطلاق في الحال؟
فنقل حرب وغيره: إذا قال لها: أنت طالق إلى سنة، فإذا جاءت السنة فهي طالق، ونقل الأثرم إذا قال: أنت طالق رأس الشهر فإن كان أراد من الساعة إلى رأس الشهر فهي طالق من الساعة، وإن كان أراد به رأس الشهر فهي طالق رأس الشهر، قال أبو بكر: قد روي عنه: إذا قال: أنت طالق إلى رأس الشهر أنها تطلق إلى رأس الشهر إلا أن ينوي قبل ذلك، قال: والعمل على ما ذكرت يعني لا تطلق قبل رأس الشهر وظاهر كلامه أنه جعل المسألة على روايتين:
إحداهما: لا يقع الطلاق في الحال وإن نواه، وهو اختيار أبي بكر لأنه لو أطلق ولم ينو الطلاق في الحال لم يقع قبل الشهر، فإذا نوى به الحال يجب ألا يقع قبل الشهر كما لو قال أنت طالق بعد شهر أو قال: إذا جاء رأس الشهر فأنت طالق، وقال: نويت الساعة.
والثانية: يقع - وهي الصحيحة - لأن "إلى" يد تكون غاية لانتهاء الفعل عند الشهر فتقديره أنت طالق من الساعة إلى شهر فيقع الطلاق في الحال، ومنه قوله: سرت من الكوفة إلى البصرة يقتضي انتهاء السير إلى البصرة، وقد
يكون لابتداء الفعل عند انتهاء الغاية فيقول: قدوم زيد إلى شهر، وقدوم الأمير والحاج إلى شهر فلا يقع الطلاق في الحال لأن الأصل بقاء النكاح فلا يوقعه الاحتمال، فإذا نوى الحال يجب أن يصح لأنه نوى ما يحتمله اللفظ، ويفارق قوله: أنت طالق بعد شهر لأن ذلك لا يحتمل الحال فلهذا لم يقع الطلاق بمجرد النية.
الطلاق المعلق على قدوم شخص إذا جيء به ميتًا:
مسألة: إذا قال: إذا قدم فلان فأنت طالق فجيء به ميتًا هل تطلق أم لا؟
стр. 562
قال الخرقي: لا تطلق لأن القدوم لم يوجد منه وإنما قدم به.
وقال أبو بكر في كتاب الخلاف تطلق، وذكر عن أحمد كلامًا في رواية محمد ابن الحكم: إذا قال: إذا قدم فلان فأنت طالق فجاؤوا به ميتًا يحنث، واحتج أبو بكر في ذلك بأنه جعل القدوم صفة في الطلاق، وبالموت قد تعذر وجود الصفة من جهته فيجب أن يحنث كما قال أحمد، في رواية صالح إذا قال: أنت طالق إن لم تشربي من هذا الماء فصب أو طعامًا فأكله الكلب حنث لفوات الصفة كذلك هاهنا، ويبين صحة هذا أن الحج يبطل بالفوات كذلك هاهنا.
وعندي أن هذه المسألة لا تشبه ما ذكره لأنه إذا قال: إن قدم زيد فأنت طالق فقد جعل قدومه في وقوع الطلاق ولم يوجد ذلك من جهته، فالصفة لم توجد فلم يقع الطلاق كما لو لم يمت ولم يقدم وليس كذلك إذا قال: إن لم تأكلي من هذا الخبز أو تشربي من هذا الماء فأنت طالق لأنه علق وقوع الطلاق بعدم الأكل من جهتها وعدم الشرب. فإذا أكله الكلب وانقلب الماء فقد عدم ذلك من جهتها والصفة قد وجدت، فلهذا حنث فبان الفرق بينها.
فعل المحلوف على تركه نسيانًا أو إكراهًا:
٩٠ - مسألة: إذا حلف بالطلاق والعتاق والظهار واليمين بالله ألا يفعل شيئًا ثم فعله ناسيًا فهل يحنث في يمينه أم لا؟
فنقل محمد بن الحسن بن هارون إذا حلف بالله أو بالطلاق والعتاق لا يفعل شيئًا ففعله ناسيًا: لم يحنث فظاهر هذا أنه لا يحنث في شيء من ذلك.
ونقل أبو طالب في رجل حلف بالطلاق ثلاثا لا يدخل الدار فحمل كرهًا: ليس عليه شيء فإن دخلها ناسيًا لزمه لأن الناسي تلزمه الكفارة في كل شيء فظاهر هذا أنه يحنث في الطلاق لأنه قد نص عليه ويحنث في اليمين بالله لأنه قال: الكفارة تلزمه في كل شيء.
ونقل حرب وأحمد بن هشام إذا حلف بالطلاق ألا يدخل هذه الدار فدخلها ناسيًا وجب عليه الطلاق وإن كان الحلف بالله فدخل ناسيًا فلا كفارة عليه فقد نص على الفرق بين الطلاق والعتاق وبين اليمين بالله
стр. 563
فإن قلنا: يحنث في جميع ذلك فوجهه أنه خالف بين فعله وقوله في يمين مقصودة فيجب أن يحنث، دليله العامد.
ولأن الكفارات في الأصول تجب بسببين:
قول وهو اليمين وفعل وهو القتل والوطء والإتلاف في الإحرام، ثم ثبت أن الكفارة التي يوجبها الفعل يستوي فيها العمد والسهو وكذلك التي يوجبها القول فجاز أن يستوي فيها العمد والسهو، وإذا قلنا: لا يحنث في جميع ذلك فوجهه أن من حلف لا يدخل الدار فقد منع نفسه من ذلك وإنما يمكنه منع نفسه من ذلك على جهة العمد واما حالة النسيان فلا يمكنه فحصلت تلك الحال مستثناة فلم تدخل تحت اليمين، ولأنه منع نفسه من ذلك بلفظ فهو كما لو منع نفسه بالشرع والمنع بالشرع مختلف حكمه بالعمد والسهو كذلك هاهنا، ويفارق هذا سائر الكفارات لأن تلك طريقها الإتلاف والافساد فجاز أن يستوي فيها حال العمد والنسيان كإتلاف أموال الآدميين، فإذا قلنا: يحنث في الطلاق والعتاق ولا يحنث في اليمين بالله ولا في يمين الظهار - وهو الصحيح - في المذهب، وبه قال الخرقي ﵀ وأبو بكر الخلال وصاحبه فوجهه أن العتاق والطلاق يتعلق بها حق لآدمي فاستوى فيه العمد والسهو كإتلاف أموال الآدميين وليس كذلك اليمين بالله لأنه لا تعلق لآدمي بها وإنما هي الله خالصة فجاز أن يفرق بين عمدها وسهوها كالأكل في الصيام.
تكليم من حلف على عدم تكليمه في حال لا يعقل فيها الكلام:
٩١: مسألة: إذا حلف لا كلمت فلانًا فكلمه ميتًا أو نائمًا أو مغلوبًا على عقله بجنون أو إغماء فهل يحنث أم لا؟
قال أبو بكر في كتاب الخلاف يحنث وحكى عن أحمد في رواية أحمد بن سعيد أنه يحنث لأنه لا اعتبار بسماع المحلوف عليه ولا يفهمه ألا ترى أنه لو كلمه وهو سكران لا يعقل أو أطرش لا يسمع ما يقول فإنه يحنث كذلك هاهنا. وعندي أنه لا يحنث في ذلك لأن الاعتبار في الإيمان بالأسباب ومعلوم أن من حلف لا يكلم فلانًا فإنما قصد كلامًا يقع به الفهم وهذا لا يقع به الفهم
стр. 564
ولا يسمى كلامًا فلم يحنث، ويفارق هذا إذا كلمه بحيث يسمع الكلام ولأنه لا يسمع لأنه يقال كلمته ولم يسمع فالاسم يقع عليه، وأما السكران فهو كالصاحي في أحكامه فلهذا حنث بكلامه
فعل المحلوف على تركه اكراها:
٩٢ - مسألة: إذا حلف لا يفعل شيئًا فأكره على فعله هل يحنث؟
فنقل أبو الحارث في الرجل يحلف لا يدخل هذه الدار فحمل وأدخل الدار وهو عاقل لا يريد الدخول أخاف أن يكون قد حنث، فظاهر هذا أنه يحنث بالإكراه على الفعل لأنه أكثر ما فيه أنه فعل محمول عليه بغير حق وهذا لا يمنع التزام حكمه كالمكره على قتل غيره وعلى الزنا وعلى إتلاف مال الغير، ونقل أبو طالب عنه فيمن حلف بطلاق امرأته ثلاثًا ألا يدخل دارًا فحمل كرهًا ليس عليه شيء فإن دخلها ناسيًا لزمه وهذه الرواية أصح، وهي اختيار الخرقي لأن المكره لا يضاف الفعل إليه واليمين على فعل نفسه، وإذا لم يضف الفعل إليه فالصفة لم توجد فيجب إلا يحنث ويفارق هذا الإكراه على القتل لأن الضرورة لا تبيحه فلهذا لم يؤثر الإكراه فيه كذلك الزنا مع أن الزنا لا يتصور الإكراه فيه لأنه لا يطأ إلا عن شهوة، وكذلك شرب الخمر لا تبيحه الضرورة فالإكراه لا يؤثر فيه على إحدى الروايتين وكذلك إتلاف مال الغير لا تبيح الضرورة إتلافه من غير ضمان كذلك في الإكراه لا يسقط عنه الضمان.
حد الإكراه الذي يرفع حكم اليمين:
٩٣ - مسألة: في صفة الإكراه الذي يمنع إيقاع الطلاق والعتاق وغيره.
نقل الجماعة منهم الأثرم والمروذي وصالح وغيرهم أن التوعد ليس بإكراه، وقال: حد الإكراه ان يضرب أو يفعل به كما فعل بأصحاب النبي ﷺ وهو اختيار الخرقي، ونقل ابن منصور: حد المكره إذا خاف القتل أو ضربًا شديدًا، ووجدت بخط أبي إسحاق بن شاقلا قال: أخبرني أبو بكر محمد بن الحسن العمري مولى "أبو دجانة" سماك بن خرشة الأنصاري إجازة حدثنا محمد بن عبد الرحمن أبو عبد الله بهراة من ولد شامة بن لؤي قال: حضرت أبا
стр. 565
عبد الله أحمد بن حنبل ﵀ وسئل عن هذه المسائل وأنا أسمع، وذكر من جملتها، وقد سئل عن طلاق المكره فقال: إذا خشي القتل أو الضرب فلا يجوز.
وجه الأولى: وهي الصحيحة أن التوعد غير متحقق لأنه يجوز أن يوقع به الوعيد ويجوز ألا يوقع وليس كذلك الضرب لأنه متحقق. وإذا ثبت أنه غير متحقق فالطلاق الواقع منه متحقق، لم يزل حكمه غير متحقق، ألا ترى أن من تيقن الطهارة وغلب عليه ظنه الحدث. أو تيقن النكاح وغلب على ظنه أنه طلق فإنه يرجع في جميع ذلك إلى اليقين المتحقق، ويطرح غالب الظن كذلك هاهنا، ولأنه متوعد على المكروه فلم يكن إكراها، دليله إذا لم يكن المتوعد له قاهرًا مقتدرًا، يبين صحة هذا أن الفعل لما كان إكراها لم تفترق الحال بين كونه قاهرًا مقتدرًا كالسلطان واللصوص أو كونه رجلًا من عرض الناس.
ووجه الثانية: أنه إذا كان التوعد من قاهر مقتدر وغلب على ظن المكره أنه إن امتنع من المراد منه وقع به ما هو متوعد به فالظاهر وجوده، وما غلب على الظن جرى مجرى الوجود بدليل أنه إذا غلب على ظنه أن قاطع الطريق يقتله ويأخذ ماله جاز أن يقتله، وكذلك لو غلب على ظنه في صول الفحل أنه يقتله جاز له قتله، فإن كان التوعد بالقتل وكان ذلك من قاهر مقتدر فيجب أن يقال انه إكراه، رواية واحدة لأن الفعل إذا وقع لم يمكن رفعه، وليس كذلك إذا كان التوعد بضرب وحبس لأن الفعل إذا وقع يمكن رفعه، ومن نصر الأولى يقول: إذا كان التوعد بالقتل فإنه متى وقع الفعل لم يمكن رفعه الجاز أن يكون إكراهًا لامتناع رفعه، وليس كذلك الحبس والضرب وأخذ المال فإنه يمكن رفعه ابتداء الفعل به.
طلاق السكران:
٩٤ - مسألة: اختلفت الرواية في طلاق السكران هل يقع؟
فنقل صالح وابن بدينا: ليس بمرفوع عنه القلم وهذا يقتضي إيقاع الطلاق. وكذلك نقل أبو طالب فقال: إذا شتم إنسانًا يقام عليه الحد وإن قَتَلَ قُتِل