بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
المقدمة :
وتشمل:
١ - أسباب اختيار الموضوع.
٢ - التعريف بالمؤلف.
٣ - التعريف بالكتاب.
٤ - منهج التحقيق.
٥ - نبذة موجزة عن الاصطلاحات الفقهية عند الحنابلة.
أسباب اختيار الموضوع
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد الهادي الأمين، وعلى آله وأصحابه الغر الميامين ومن اهتدى بهداه إلى يوم الدين وبعد، فقد كان لاختياري هذا الموضوع عدة أسباب أذكر منها ما يلي:
الأول: قيمة الكتاب العلمية كما سأوضح ذلك عند التعريف به.
الثاني: مكانة المؤلف العلمية والاجتماعية وكثرة تصانيفه ومؤلفاته، وكثرة تلاميذه والآخذين عنه والمستفيدين منه كما سيأتي عند التعريف بالمؤلف.
الثالث: الخوف على هذا الكتاب من التلف، حيث لا يوجد له كاملًا غير نسخة واحدة كما سيأتي عند بيان نسخ الكتاب.
стр. 2
الرابع: المساهمة بجهد المقل في إحياء ونشر التراث الإسلامي الذي خلَّفه أسلافنا، والذي لا تزال المكتبات الإسلامية والباحثون الإسلاميون وطلاب العلم ورواد المكتبات بأمس الحاجة إليه. وبعد استشارة واستخارة عزمت عليه متوكلًا على الله ومستمدًا منه العون والتوفيق ..
стр. 3
التعريف بالمؤلف
ويشمل:
١ - اسمه ونسبه.
٢ - مولده.
٣ - نشأته وحياته العلمية ورحلاته في طلب العلم.
٤ - مشائخه وتلاميذه.
٥ - مكانته العلمية.
٦ - مكانته الاجتماعية.
٧ - آثاره العلمية.
٨ - زهده وورعه.
٩ - أعماله.
١٠ - وفاته ورثاء الناس له.
١١ - أولاده.
стр. 4
اسمه ونسبه
هو العالم العلامة شيخ الحنابلة وإمامهم في عصره: محمد بن الحسين بن محمد بن خلف أحمد بن الفراء القاضي، أبو يعلى البغدادي الحنبلي المعروف في زمانه بابن الفراء (١)، واشتهر بعد ذلك بأبي يعلى (٢).
مولده:
ولد لتسع وعشرين أو ثمان وعشرين خلت من شهر المحرم سنة ٣٨٠ ثمانين وثلاثمائة (٣)، وقيل: ولد لسبع وعشرين أو ثمان وعشرين من المحرم (٤).
نشأته وحياته العلمية ورحلاته في طلب العلم:
نشأ في بيت علم فكان أبوه على جانب كبير من العلم والفقه فحرص على تعليم ابنه وتنشئته تنشئة علمية صالحة، فكان يتولى تعليمه بنفسه.
كما نشأ في بيئة علمية، فكانت نشأته في بغداد حاضرة العالم الإسلامي،
_________
(١) الفراء نسبة إلى خياطة الفراء والتجارة بها.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣، وتاريخ بغداد ٢/ ٢٦٥، والمنهج الاحمد ٢/ ١٠٥، ومناقب الامام أحمد /٥٢٠، والمنتظم، ٨/ ٢٤٣، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٦، والأعلام ٤/ ٣٣١، وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٢.
(٣) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥.
(٤) تاريخ بغداد ٢/ ٢٩٦.
стр. 5
ومهد العلماء في عصره، وكانت النهضة العلمية في ذلك العصر مكتملة الأسباب متوافرة الدواعي، ولم تكن خاصة بعلم دون آخر بل كانت متعددة الجوانب ومتنوعة الفنون.
وكان الأساتذة متوافرين في كل علم، والمكتبات زاخرة بالمصادر والمراجع في كل فن.
وكانت مدرسة الحديث عامرة بشيوخها وأساتذتها.
فكان لهذا أثر كبير في نبوغه ورسوخ قدمه وعلو منزلته في العلم والمعرفة توفي والده سنة ثلاثمائة وتسعين، وعمر أبي يعلى عشر سنين (١)، وكان وصيه رجل يعرف بالحربي، وكان يسكن بدار القز (٢)، فانتقل أبو يعلى من باب الطاق الذي كان يسكن فيه مع والده إلى دار القز حيث يسكن وصيُّه، وكان بهذا الحي رجل صالح - يعرف بابن مفرحة المقرئ - يقرئ القرآن، ويلقن طلابه بعض العبارات من مختصر الخرقي، فقرأ عليه أبو يعلى، وأخذ عنه ما كان يلقنه لطلابه. ولم يكتف أبو يعلى بهذا القدر، بل طلب من معلمه الزيادة فقال له: هذا القدر الذي أحسنه، فإن أردت زيادة فعليك بالشيخ أبي عبد الله بن حامد، فإنه شيخ هذه الطائفة (٣)، يعني الحنابلة، فقصده أبو يعلى وتتلمذ عليه وصحبه إلى أن توفي. وبهذا انتقل من دور التلقين إلى دور الدارسة والتحمل. وقد نال إعجابه وحاز رضاه وفاق زملاءه وأقرانه، فحينما أراد ابن حامد الحج سنة اثنتين وأربعمائة سئل عمن يقوم بالتدريس أثناء غيابه أشار إلى أبي يعلى وقال: هذا الفنى (٤).
وقد رحل في طلب العلم إلى مكة، ودمشق وحلب، وهناك سمع الحديث من بعض محدثيها (٥).
_________
(١) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.
(٢) حي من أحياء بغداد.
(٣) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٤.
(٤) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.
стр. 6
مشائخه:
مشائخه ومن سمع منهم:
بدأ بالتلقي والسماع وهو لم يتجاوز الخامسة من عمره (١)، وكان أول سماعه من أبي الحسن علي بن معروف سنة خمس وثمانين وثلاثمائة (٢). وأبرز مشائخه الذين استفاد منهم أبو عبد الله بن حامد كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
وسمع من جماعة عن البغوي وحدَّث عن البغوي عن أحمد بن حنبل.
كما سمع من أبي الحسن السكري عن أحمد بن عبد الجبار الصوفي عن يحيى بن معين وغيره.
وسمع أيضا من أبي القاسم موسى بن عيسى السراج عن البغوي وغيره.
ومن أبي القاسم بن حبابة عن البغوي عن علي بن الجعد عن شعبة وغيره.
ومن أبي الطيب بن المنار عن البغوي وابن صاعد وغيرها.
ومن أبي طاهر المخلص عن البغوي وابن صاعد وغيرهم.
ومن أبي القاسم عيسى بن علي الوزير عن البغوي وغيره.
ومن أبي القاسم بن سويد عن ابن مجاهد وابن الأنباري وغيرها.
ومن أبي القاسم الصيدلاني عن ابن صاعد وغيره.
ومن أم الفتح بنت القاضي أبي بكر أحمد بن كامل.
ومن جده لأمه أبي القاسم بن حنيفا.
ومن أبي عبد الله عن أبي بكر محمد بن إسحاق بن عبد الرحيم السوسي وغيره.
ومن أبي محمد عبد الله بن أحمد بن مالك.
ومن القاضي أبي محمد الأكفاني.
ومن أبي نصر بن الشاه.
ومن أبي عبد الله النيسابوري.
ومن أبي الحسن الحمامي.
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥ وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.
(٢) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.
стр. 7
ومن أبي الفتح بن الفوارس.
وسمع آخرين بمكة ودمشق وحلب (١).
مكانته العلمية:
كان عالم زمانه، وفريد عصره، ونسيج وحده، وقريع دهره عالمًا ثقة وفقيهًا فاضلًا، معدودًا من الأماثل والأعيان، حظى بالتوقير والتقدير من المخالفين له والموافقين، انتهت إليه رئاسة مذهب الحنابلة في عصره، وعنه انتشر مذهبهم.
كان له القدم الرفيع والباع الطويل في كثير من الفنون، الأصول والفروع، عالمًا بالقرآن وعلومه، والحديث والفتوى انتشرت تصانيفه، وذاع صيته، فكثر تلاميذه وأصحابه، وقصده الناس من سائر الأقطار (٢).
قال ابنه القاضي أبو الحسين:
"ولقد حضر الناس مجلسه وهو يملي حديث رسول الله ﷺ بعد صلاة الجمعة بجامع المنصور على كرسي عبد الله بن إمامنا أحمد ﵁، وكان المبلّغون عنه في حلقته والمستملون ثلاثة أحدهم: أحدهم: خالي أبو محمد جابر، والثاني: أبو منصور الأنباري، والثالث: أبو علي البرداني.
وأخبرني جماعة من الفقهاء ممن حضر الإملاء أنهم سجدوا في حلقة الإملاء على ظهور الناس لكثرة الزحام في صلاة الجمعة في حلقة الإملاء، وما رأى الناس في زمانهم مجلسًا اجتمع فيه ذلك الجم الغفير والعدد الكثير.
وسمعت من يذكر أنه حزر العدد بالألوف، وذلك مع نباهة من حضره من
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥ و ١٩٦ وتاريخ بغداد ٢/ ٢٥٩. والمنتظم ٨/ ٢٤٣ وسير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٣ والبداية والنهاية ١٢/ ٩٤، والوافي بالوفيات ٣/ ٧ والكامل لابن الأثير ١٠/ ٥٢، ومناقب الإمام أحمد /٥٢٠ والأعلام ٦/ ٣٣٠، والمنتظم ٨/ ٢٤٣ وتاريخ بغداد ٢/ ٢٥٦، وشذرات الذهب ٣/ ٣٠٦،
стр. 8
الأعيان وأماثل هذا الزمان من النقباء وقاضي القضاة والشهود والفقهاء، كان يومًا مشهودًا (١) ".
مكانته الاجتماعية:
حاز رضى الناس عامتهم وخاصتهم بما كان عليه من مكانة علمية وما يتصف به من فضل وتقى وزهد وورع وحلم وتواضع فكانوا يجلونه ويقدرونه ويوقرونه. فلما توفي عطلت الأسواق وأغلقت المتاجر لشهود جنازته، واجتمع في جنازته جمع لم يرَ مثله بعد جنازة أبي الحسن القزويني الزاهد، وحضره القضاة والأعيان وأرباب الدولة وجماعة الفقهاء والشهود، ومشى في جنازته القاضي أبو عبد الله الدامغاني ونقيب الهاشميين أبو الفوارس طراد، وأبو منصور بن يوسف وأبو عبد الله بن جردة وأفطر جماعة ممن تبع جنازته من شدة الحر (٢) والفطر من أجل شهود الجنازة - وإن كان غير جائز - فإنه يعطى صورة واضحة لما له في النفوس من مكانة واحترام وتقدير، حيث لم تسمح بالتخلف عنه مع ما لحقها من التعب والمشقة.
آثاره العلمية:
يتجلى ذلك في تصانيفه ومؤلفاته التي دونها وتناقلها العلماء وانتفعوا بها بعده، وفي أصحابه وتلاميذه الذين نهلوا من علمه ونشروه في الناس بالفتوى والتدريس. وسنشير إلى بعض هؤلاء التلاميذ والأصحاب وبعض هذه المصنفات.
تلاميذه:
لما تولى التدريس بعد شيخه أبي عبد الله الحسن بن حامد انتشرت أخباره وذاع صيته وازدحم الناس عليه وانتفع به خلق كثير، وممن تفقه عليه وأخذ عنه:
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٠.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ٢١٦ والمنتظم ٨/ ٢٤٤.
стр. 9
أبو الحسين البغدادي، والشريف أبو جعفر، وأبو الغنائم بن الغباري وأبو علي بن البناء، وأبو الوفاء بن الفوارس، والقاضي علي البرديني، والقاضي أبو الفتح بن جبلة، وعلي بن عمرو الضرير الحراني، وأبو ياسر بن الحصري، وأبو عبد الله الأنماطي، والحسين البرداني، وأبو الحسن النهري أبو الفتح، وأبو البركات بن شبلي (١) وغير هؤلاء كثير.
وممن سمع منه الحديث:
أحمد بن علي بن ثابت، وعبد العزيز العاصي النخشبي، وعمر بن أبي الحسن الدهستاني الخياط، وهبة الله بن عبد الوارث الشيرازي، وإسحاق بن عبد الوهاب بن مندة الحافظ المقرئ، ومكي بن بجير الهمداني وعمر الأرسوي، وأحمد بن الحسن بن خيرون، وابنا خاله: أبو ظاهر، وأبو غالب، وأبو علي البرداني وأبو الغنائم بن النرس الكوفي، وأبو جعفر الأصفهاني، وأبو نصر، وأبو الحسين، وآخرون (٢).
مؤلفاته:
لم يقتصر في تأليفه على نوع خاص أو جانب معين من العلوم، بل تناول كثيرًا من العلوم وجوانب متعددة من المعارف، وكانت مؤلفاته كثيرة العدد جمة المنافع، عظيمة الفائدة، أثرى منها المذهب الحنبلي إثراءً واسعًا، حتى قيل: إنها التي حفظت على الحنابلة مذهبهم. ومن هذه التصانيف والمؤلفات:
١ - أحكام القرآن.
٢ - نقل القرآن.
٣ - إيضاح البيان.
٤ - مسائل الايمان.
٥ - المعتمد.
٦ - مختصر المعتمد.
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٤ و ٢٠٥.
(٢) المرجع السابق ٢/ ٢٠٤.
стр. 10
٧ - المقتبس.
٨ - مختصر المقتبس.
٩ - عيون المسائل.
١٠ - الرد على الأشعرية.
١١ - الرد على الكرامية.
١٢ - الرد على الباطنية.
١٣ - الرد على المجسمة.
١٤ - الرد على ابن اللبان.
١٥ - إبطال التأويلات لأخبار الصفات.
١٦ - مختصر إبطال التأويلات.
١٧ - الانتصار.
١٨ - الكلام في الدستور
١٩ - الكلام في حروف المعجم.
٢٠ - تبرئة معاوية.
٢١ - القطع على خلود الكفار في النار.
٢٢ - أربع مقدمات في الأصول والديانات.
٢٣ - العدة في أصول الفقه.
٢٤ - إثبات إمامة الخلفاء الأربعة.
٢٥ - الرسالة إلى إمام الوقت.
٢٦ - مختصر العدة.
٢٧ - جوابات مسائل وردت من الحرم.
٢٨ - جوابات مسائل وردت من تنيس.
٢٩ - الكفاية في أصول الفقه.
٣٠ - جوابات مسائل وردت من سيافارقين.
٣١ - جوابات مسائل وردت من اصفهان.
٣٢ - مختصر الكفاية.
٣٣ - إيجاب الصيام ليلة الإغماء.
стр. 11
٣٤ - تفضيل الفقر على الغناء.
٣٥ - الأحكام السلطانية.
٣٦ - فضائل أحمد.
٣٧ - مختصر الصيام.
٣٨ - مقدمة في الأدب.
٣٩ - كتاب اللباس.
٤٠ - الأمر بالمعروف.
٤١ - شروط أهل الذمة.
٤٢ - الاختلاف في الذبيح.
٤٣ - التوكل.
٤٤ - ذم الغناء.
٤٥ - فضل ليلة الجمعة على ليلة القدر.
٤٦ - إبطال الحيل.
٤٧ - تكذيب الخيايرة فيها يدعون من إسقاط الجزية.
٤٨ - الفرق بين الآل والأهل.
٤٩ - المجرد في المذهب.
٥٠ - شرح الخرقي.
٥١ - الجامع الصغير.
٥٢ - شرح المذهب.
٥٣ - الخصال والأقسام.
٥٤ - الخلاف الكبير.
٥٥ - قطعة من الجامع الكبير، فيها: الطهارة، وبعض الصلاة، والنكاح، والصداق والخلع، والوليمة، والطلاق (١).
زهده وورعه:
كان زاهدًا ورعًا، تقيًا، متعففًا، تعرضت له الدنيا بمفاتنها مرات عديدة
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٥ و ٢٠٦.
стр. 12
فرفضها ولم يقبلها، واكتفى منها بما يصلح حاله ويسد رمقه. فلم يقبل من حاكم صلة أو عطية، ذهب إلى الخليفة القائم بأمر الله يوما ليهنئه بالشفاء من مرض أصابه، فلما خرج من عنده أتبع بجائزة سنية فلم يقبلها (١).
ولم يعرف عنه أنه وقف بباب حاكم أو سلطان من أجل الدنيا (٢) مع فقره وحاجته، فقد كان يمر به أوقات يقتات الخبز اليابس يبله بالماء ويأكله حتى لحقه المرض بسبب ذلك (٣). وكان ينهي دائمًا مخالطة أبناء الدنيا والنظر إليهم والاجتماع بهم، ويأمر بمخالطة الصالحين والاشتغال بالعلم. لما قدم الوزير ابن دارست إلى بغداد ذهب أحد تلاميذ أبي يعلى، أبو الحسن النهري ليبصره، فلما علم عنفه وأنكر عليه إنكارًا شديدًا، وقال: ويحك تمضى وتنظر إلى الظلمة (٤).
وعرض عليه منصب القضاء عدة مرات فلم يقبله، وهذا أكبر دليل على ورعه وزهده في الدنيا وعدم الافتتان بمظاهرها، وإلا لما فوّت ما يمر به من فرصها الثمينة التي تضفي على من كان أقل منه مكانة العظمة والجلال.
وبزهده وورعه وفضله شهد العلماء.
قال فيه أبو نصر عبيد الله بن سعيد السجزي الحافظ:
حللت عن التصنع في وداد … فلم تر في توددك اعوجاجا
وقد كثر المداجي المرائي … فلا تحفل بمن راءى وداجا
حببت معمرا وجزيت خيرا … وعشت لدين ذي التقوى سراجا
وقال فيه الذهبي:
"… وكان ذا عبادة وتهجد وملازمة للتصنيف مع الجلالة والمهابة، وكان متعففًا، نزيه النفس، كبير القدر، ثخين الورع" (٥).
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٢٣.
(٢) المرجع السابق ٢/ ٢٠٣.
(٣) المرجع السابق ٢/ ٢٢٣.
(٤) المرجع السابق ٢/ ٢٢٢.
(٥) سير أعلام النبلاء ١٢/ ٣٣٣.
стр. 13
وقال فيه ابن الجوزي:
"… وجمع الإمامة والعفة والصدق وحسن الخلق والتعبد والتقشف والخضوع وحسن السمت والصمت عما لا يعني" (١).
أعماله:
قضى معظم عمره في التدريس والإملاء والقراءة والتأليف. وكان زاهدًا في أعمال الدولة ومناصبها، فلم يتول منها غير القضاء في آخر عمره بعد إلحاح شديد وبشروط اشترطها لنفسه كما سيأتي.
توليه التدريس:
كان الشيخ أبو عبد الله الحسن بن حامد هو الذي يقوم بتدريس الفقه والأصول على مذهب الإمام أحمد في وقت أبي يعلى، فقصده وتتلمذ عليه كما سبقت الإشارة إلى ذلك.
ولما أراد الشيخ ابن حامد أن يحج عام ٤٠٢ اثنتين وأربعمائة سئل عمن يتولى التدريس أثناء غيابه فأشار إلى القاضي أبي يعلى، وقال: هذا الفتى (٢).
ولما رجع ابن حامد من الحج توفى في الطريق وذلك عام ٤٠٣ ثلاث وأربعمائة (٣) فتولى أبو يعلى التدريس والإفتاء مكانه في جامع المنصور على كرسي عبد الله أحمد (٤).
وفي عام ٤١٤ أربع عشرة وأربعمائة سافر إلى مكة لأداء فريضة الحج ثم عاد - بعد رجوعه - إلى مواصلة التدريس والتأليف والإفتاء (٥) فذاع صيته وانتشرت أخباره وازدحم الناس عليه يسمعون منه ويسألون عما يشكل عليهم، ويقرأون عليه ويكتبون عنه، وقد نقلت عند ذكر مكانته العلمية عن ابنه
_________
(١) المنتظم ٨/ ٢٤٣ و ٢٤٤.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٥.
(٣) شذرات الذهب ٣/ ١٦٦ والمنتظم ٧/ ٢٦٧ وطبقات الحنابلة ٢/ ١٩٦.
(٤) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٠٠.
(٥) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٦.
стр. 14
أبي الحسين حكاية ما كان عليه مجلسه من الزحام وما كان يحضره من الأعيان والنقباء والشهود والقضاة والفقهاء.
وقد تخرج على يديه الجمع الفقير من فقهاء الحنابلة ومن أبرزهم أبو الوفاء بن عقيل، وأبو الخطاب الكولاذي، والخطيب البغدادي، وغيرهم ممن تقدم ذكر هم عند ذكر تلاميذه.
توليه القضاء:
لما توفي رئيس القضاة ابن ماكولا عام ٤٤٧ سبع وأربعين وأربعمائة (١) شعر منصبه في القضاء فخوطب أبو يعلى ليلي القضاء بدار الخلافة والحريم فامتنع ثم كرر عليه فقبل بشروط اشترطها لنفسه، منها:
١ - ألا يحضر أيام المواكب الشريفة.
٢ - ألا يخرج في الاستقبالات.
٣ - ألا يقصد دار السلطان.
٤ - وفي كل شهر يقصد نهر المعلى يومًا وباب الأزج يومًا ويستخلف من ينوب عنه في الحريم، فأجيب إلى ذلك (٢).
وقلد القضاء في الدماء، والفروج، والأموال، ثم أضيف إلى ولايته قضاء حران، وحلوان، فاستناب فيها (٣).
وقد استعان بمن يثق به فرد إليهم القضاء في بعض الأبواب، فجعل القضاء بباب الأزج إلى الجيلي. ثم عزله لعدم صلاحيته، وجعل النظر في عقود الأنكحة والمداينات بباب الأزج إلى تلميذه ابن علي يعقوب، وجعل النظر في العقارات بباب الأزج أيضًا إلى أبي عبد الله البقال، واستناب بدار الخلافة ونهر المعلى أبا الحسن السيبي.
_________
(١) شذرات الذهب ٣/ ٢٧٥.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ١٩٨.
(٣) المرجع السابق ٢/ ١٩٩.
стр. 15
وظل أبو يعلى على منصبه في القضاء إلى أن توفي (١).
وفاته:
بعد حياة حافلة بالعلم والعمل ونشر العلم بالتدريس والفتوى والكتابة والتأليف، توفي القاضي أبو يعلى بمدينة بغداد وذلك ليلة الاثنين التاسع عشر من شهر رمضان المبارك عام ٤٥٨ ثمان وخمسين وأربعمائة هجرية وصلى عليه ابنه أبو القاسم يوم الاثنين بجامع المنصور (٢) وقبر بمقبرة حرب (٣) وقد عطلت الأسواق واجتمع في جنازته جمع لم ير مثله، وحضره القضاة والأعيان وأرباب الدولة وجماعة الفقهاء والشهود وكان قد أوصى أن يغسله الشريف أبو جعفر وأن يكفن بثلاثة أثواب وألا يدفن معه إلا ما غزله لنفسه من الأكفان وألا يخرق عليه ثوب ولا يقعد لعزاء (٤).
رثاء الناس له:
لقد عظم المصاب بموته، وعمت الفاجعة وأحدثت وفاته فجوة عظيمة وفراغًا كبيرًا عند طلاب العلم خصوصًا طلابه الذين ذاقوا مشربه وتعودوا أن ينهلوا من موارده الغزيرة وينابيعه العذبة الصافية.
قال تلميذه علي بن أخي نصر يصف عظيم المصيبة التي أصابته هو وغيره من طلاب العلم بموت شيخه (٥):
أسف دائم وحزن مقيم … لمصاب به الهدى مهدوم
مات نجل الفراء أم رجت الأر … ض أم البدر كاسف والنجوم
لهف نفسي على إمام حوى الفض … ل وهو بالمشكلات عليم
خلق طاهر ووجه منير … وطريق إلى الهدى مستقيم
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢٠٠٢.
(٢) طبقات الحنابلة ٢/ ٢١٦.
(٣) تاريخ بغداد ٢/ ٢٥٩ والمنتظم ٨/ ٢٤٤.
(٤) المنتظم ٨/ ٢٤٤.
(٥) طبقات الحنابلة ٢/ ٢١٧.
стр. 16
كان للدين عدة ولأهل الدي … ن عدة في النائبات خل حميم
من يكن للدرس بعدك أم … من لجدال المخالفين يقوم
من لفهم الحديث والطرق يس … توضح منه صحيحه والسقيم
من لفصل القضاء إن أشكل الحك … م وضجت بالنازلات الخصوم
درست بعده المدارس فالعل … م طريد وحبله مصروم
وهكذا يذهب الزمان ويفنى العل … م فيه ويجهل المعلوم
إنَّ قبرًا حواك أيها الطو … د عجيب رحب الفناء عظيم
إن يكن شخصه محته يد الده … ر فذكراه في الدهور مقيم
فنحيا بذكره كل وقت … ومحيا هـ في التراب رميم
آمري بالسلو مهلًا ففي القل … ب غرام مبرح ما يريم
كلما رمت سلوة هيج الحز … ن صنيع له وفعل كريم
غير أن القضاء جار على الخلق … قضاء من ربهم محتوم
فعلى الشامتين خزى مقيم … وعليه الصلاة والتسليم
ورثاه محمد بن المسبح (١) فقال:
مات السدي والندى والمجد والكرم … والعالم ليقظ المستبصر العلم
مات الإمام أبو يعلى الذي ندبت … لفقده الكعبة الغراء والحرم
أيها العالم الحر الذي كسفت … شمس الهدى بعده بل عادها الظلم
لولاك ما كان للدنيا وساكنها … معنى ولا عرفت طرق الهدى الأمم
ولا روى عن رسول الله مأثرة … ولا قضى بصحيح غير فيك فم
لم يبلغ الحنبلي الحبر مرتبة … إلا على رأسها من جسمك القدم
أوضحت سبل الهدى من بعدما درست … عن الورى فقدتك العرب والعجم
مادت بنا الأرض وارتجَّت بساكنها … لما قبرت وكاد الدين ينهدم
_________
(١) المرجع السابق ٢/ ٢٢١ وفي الأبيات مغالاة واضحة لا تجوز.
стр. 17
أولاده:
خلف القاضي أبو يعلى ثلاثة أبناء.
أولهم:
أبو القاسم عبيد الله:
ولد يوم السبت السابع من شهر شعبان سنة ٤٤٣ ثلاث وأربعين وأربعمائة.
سمع الحديث من أبيه، وجده لأمه جابر بن ياسين وأبي محمد الجوهري وأبي الحسين بن المهتدي وأبي الحسن بن النقور وغيرهم، ورحل في طلب العلم إلى واسط والبصرة والكوفة والموصل والجزيرة وآمد وغيرها.
وتفقه على والده، وأبي الحسن البغدادي والشريف أبي جعفر. كان ذا عفة وصيانة، حسن التلاوة للقرآن كثير الدرس له عارفًا بعلومه، كما كان ذا معرفة بالجرح والتعديل وأسماء الرجال والكنى وغير ذلك، وقرأ القرآن بالروايات الكثيرة على الشيوخ الذين انتهى الإسناد إليهم، مثل: أبي الخطاب الصوفي، وأبي الخياط، وابن البنا، وأحمد بن الحسن اللحياني.
وكان يحضر مجالس النظر ويشارك فيها.
ولما ظهرت البدع في بغداد سنة ٤٦٩ تسع وستين وأربعمائة هاجر منها إلى البلد الحرام فتوفي بالطريق بموضع يقال له: عدن النقرة في أواخر شهر ذي القعدة من السنة التي سافر فيها، وله من العمر ٢٦ ست وعشرون سنة (١).
الثاني:
محمد أبو الحسين القاضي الشهيد الفقيه الأُصولي:
ولد ليلة النصف من شعبان سنة ٤٥١ أحدى وخمسين وأربعمائة، قرأ على أبي بكر الخياط، وسمع الحديث من أبيه وعبد الصمد بن المأمون وأبي الحسين بن المهتدي وأبي بكر الخطيب والفاطمي وطبقتهم، توفي والده وهو صغير
_________
(١) طبقات الحنابلة ٢/ ٢٣٥، وذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٢ و ١٣.
стр. 18
فتفقه على الشريف أبي جعفر، وبرع في الفقه وافتى وناظر. وسمع منه خلق كثير منهم:
أبو الحسين البراندس، والجنيد بن يعقوب الجيلي الفقيه، وحدثا عنه وعبد الغني بن الحافظ الهمداني ومعمر بن الفاخر وابن الخشاب وغيرهم له مؤلفات كثيرة في الأصول والفروع منها: المجموع في الفروع، ورؤوس المسائل والمفردات في الفقه، وطبقات الحنابلة، والتمام لكتاب الروايتين والوجهين وغيرها، مات مقتولًا ببغداد دخل عليه لصوص في بيته فقتلوه وأخذوا ماله وذلك ليلة الجمعة ليلة عاشوراء سنة ٥٢٦ ست وعشرين وخمسمائة، وصلي عليه يوم السبت الحادي عشر من محرم ودفن عند أبيه بمقبرة حرب (١).
الثالث:
محمد أبو خازم، بالخاء، والزاء المعجمتين:
ولد في صفر سنة ٤٥٧ سبع وخمسين وأربعمائة، وسمع الحديث من أبي جعفر بن المسلمة وابن المأمون وجابر بن ياسين. وسمع منه جماعة منهم:
ابن نعمة، وأبو المعمر الأنصاري ويحيى بن يونس. وتفقه على القاضي يعقوب ولازمه وعلق عنه، وبرع في معرفة المذهب والخلاف والأصول، وصنف تصانيف مفيدة منها:
التبصرة في الخلاف، وكتاب رؤوس المسائل، وشرح المختصر الخرقي وغير ذلك.
كان من الفقهاء الزاهدين والأخيار الصالحين، توفي ببغداد يوم الاثنين التاسع والعشرين من شهر صفر سنة ٥٢٧ سبع وعشرين وخمسمائة، وصلى عليه يوم الثلاثاء مستهل شهر ربيع الأول بجامع القصر ودفن بداره بباب الأزج، ثم نقل في سنة ٥٣٤ أربع وثلاثين وخمسمائة إلى مقبرة أحمد ودفن عند أبيه (٢).
_________
(١) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٧٦ و ١٧٧.
(٢) ذيل طبقات الحنابلة ١/ ١٨٤.
اسم الكتاب:
كتاب "الروايتين والوجهين"
نسبته إلى المؤلف:
تضافرت الأدلة على صحة نسبته إليه فمن ذلك:
أ - أنه منسوب إليه في نفس المخطوطة ولم أجد من نسبه إلى غيره أو ذكر خلافًا في نسبته إليه.
ب - نسبه إليه عدد من المتقنين، منهم:
١ - ابنه أبو الحسين صاحب طبقات الحنابلة في الطبقات (١) في ترجمة أبيه أبي يعلى.
٢ - أبو الفرج عبد الرحمن بن شهاب الدين أحمد البغدادي صاحب ذيل طبقات الحنابلة في ذيل الطبقات (٢) في ترجمة أبي الحسين محمد بن أبي يعلى.
٣ - العليمي في المنهج الأحمد (٣) في ترجمة القاضي أبي يعلي وترجمة ابنه أبي الحسين.
٤ - المرداوي في مقدمة الإنصاف (٤) ذكره ضمن المتون التي نقل منها.
٥ - ابن العماد في شذرات الذهب (٥) في ترجمة أبي الحسين محمد بن أبي يعلى.
_________
(١) ٢/ ٢٠٥.
(٢) ١/ ١٧٧.
(٣) ٢/ ١١٢ و ٢٣٦.
(٤) ١/ ١٣.
(٥) ٤/ ٧٩.
стр. 21
٦ - الذهبي في تاريخ الإسلام (١) في ترجمة أبي يعلى.
ج - كثيرًا ما يقول المؤلف: "قال شيخنا أبو عبد الله" وشيخ أبي يعلى هو: أبو عبد الله الحسن بن حامد.
د - نقل أبو الحسين محمد بن أبي يعلى في طبقات الحنابلة (٢) في ترجمة أحمد بن العباس بن الأشرس، نصًا من كتاب الروايتين منسوبًا إلى أبيه فقال: "فنقلت من كتاب الروايتين للوالد السعيد، قال: "واختلفت الرواية في الخنثى إذ مات".
فنقل أحمد بن أبي عبدة: أنه ييمم، لأنه يحتمل أن يكون ذكرًا فلا يغسّله النساء، ويحتمل أن يكون أُنثى فلا يغسِّله الرجال.
ونقل أحمد بن أشرس: أنه يغسله الرجال ويصلون عليه، ومعناه: أنه يغسل من فوق ثوب، كما قلنا في الرجل إذا مات بين النساء، والمرأة بين الرجال" انتهى.
وهذا نص عبارة كتاب الروايتين والوجهين (٣) في الجنائز، في مسألة تغسيل الخنثى.
ولعله بعد ما تقدم لا يبقى مجال للشك في أن كتاب "الروايتين والوجهين" للقاضي أبي يعلى.
نسخه:
لم أجد لهذه المخطوطة غير نسختين:
إحداهما كاملة، وبخط جيد، كتبت في القرن السابع الهجري بقلم: عبد الله بن سليمان بن خمرتاشي، الفراش بالمدرسة المستنصرية، وعدد أوراقها (٢٥٨) ثمان وخمسون ومائتا ورقة وأصلها في مكتبة أحمد الثالث باستانبول بتركيا
_________
(١) الورقة (١٩٤) من الجزء (١٢) من النسخة التركية رقم (٢٩١٧) مكتبة أحمد الثالث، الموجود صورتها في المكتبة المركزية بجامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية برقم (٨٠٢/ف).
(٢) ١/ ٥٣.
(٣) الورقة (٣٣) في المخطوطة وص ١٠٩ من المطبوع.
стр. 22
برقم ١١٢١، ولدي صورة منها، ولها صورة في المكتبة المركزية بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وأخرى في مكتبة جامعة الرياض وثالثة في معهد المخطوطات بالقاهرة، ورابعة في مكتبة الحرم المكي، وقد جعلت رمز هذه النسخة (أ).
والنسخة الثانية في مكتبة الأزهر بالقاهرة برقم ١٧/ ٤٣١٣ في المجلد الثاني من الفهرس، ص ٦٤٧ كتبت بخط واضح في القرن الثامن الهجري بقلم محمد بن عبد الوهاب بن محمد الحنبلي وعدد أوراقها (١١٢) ورقة وبها سقط من أولها يبلغ إحدى وثلاثين ورقة، ونقص كبير في آخرها يزيد على ٢٠ من أوراقها.
وأولها قول المؤلف في تارك الصلاة " … ولكن إذا ترك ثلاث صلوات … " وآخرها قوله: "مسألة إذا تظاهر من أربع نسائه بكلمة واحدة فقال: أنتن علي كظهر أمي ثم عاد من كل منهن فعليه كفارة واحدة رواية واحدة" وقد جعلت رمزها (ب).
قيمته العلمية:
هذا الكتاب - حسب معرفتي - هو الوحيد من نوعه، من حيث العناية بالروايات الواردة عن الإمام أحمد، وجمعها وإفرادها في مؤلف مستقل، مع توجيهها والاستدلال لها، وبيان الراجح منها جمع فيه المؤلف ما يقارب ألف مسألة، وذكر في كل مسألة روايتين أو وجهين مع الاستدلال لكل رواية أو وجه بدليل أو أكثر من الكتاب أو السنة أو أقوال الصحابة أو التابعين، أو ذكر وجه ذلك من قياس أو تعليل مع بيان ما أنه يري الراجح أو المذهب. ويذكر في بعض المسائل من يقول بكل رواية أو وجه من الأصحاب، لذا فهو - في نظري - يعتبر من أهم المصادر في الفقه الحنبلي التي لا تزال المكتبات الإسلامية والباحثون الإسلاميون ورواد المكتبات بأمس الحاجة إليها.
مادته العلمية:
ويشتمل الكتاب على:
стр. 23
١ - فقه.
٢ - أصول فقه.
٣ - عقائد.
الجزء الأول:
الفقه: وهو الجزء الأكبر من الكتاب وتبلغ صفحاته ٤٦٦ ستًا وستين وأربعمائة صفحة.
الجزء الثاني:
الأصول وتبلغ صفحاته ٣٠ ثلاثين صفحة.
الجزء الثالث:
العقائد: وتبلغ صفحاته ٢٠ عشرين صفحة.
وقد اقتصرت على تحقيق الجزء الفقهي وذلك لطول الكتاب، وضخامة الجهد الذي يتطلبه، لكثرة ما يشتمل عليه من الأحاديث والآثار التي تحتاج إلى تخريج، والأعلام الذين يحتاجون إلى ترجمة، والوقت المحدد لا يتسع لإنجاز كل ما ذكر؛ لذا اقتصرت على هذا الجزء - وهو ليس بقليل - مع العزم على إكمال الباقي - إن شاء الله - بعد إنجاز الجزء الذي أشتغل فيه.
стр. 24
منهج التحقيق
ويشتمل على:
١ - نسخ النص.
٢ - مقابلة النسخ.
٣ - تخريج الأحاديث والآثار.
٤ - الترجمة للأعلام.
٥ - الفهارس.
النسخ:
راعيت في نسخ النص: القواعد الإملائية الحديثة، ووضع الفواصل والنقط، وعلامات التنصيص، والبدء من أول السطر، ووضعت عنوانًا لكل مسألة، مستمدًا من الحكم الوارد في المسألة، تمييزًا لها عن كلام المؤلف.
وأجملت عناوين كل موضوع بصفحة مستقلة قبل الدخول فيه، لإعطاء القارئ فكرة موجزة عن مباحث كل موضوع تغنيه عن الرجوع إلى الفهارس من أجل هذا الغرض كما رقمت مسائل كل موضوع بأرقام خاصة تسهيلًا للرجوع إليها عند الإحالة.
المقابلة:
قابلت النص في النسختين ولم أجد كبير فرق بينهما سوى سقط يسير في إحداهما أحيانًا، ولم ألتزم نص نسخة معينة لأجعله أصلًا في مواضع الاختلاف
стр. 25
بل أثبت في الأصل العبارة الصحيحة، وأشرت إلى الاختلاف في الهامش، لأنه ما كل قارئ يقرأ الهامش، فلا يؤمن على من لا يرجع إلى الهامش من اعتقاد الخطأ، ما عدا المواضع التي لا يؤدي فيها اختلاف العبارة إلى اختلاف كبير في المعنى، فقد التزمت النسخة التركية لأنها أقدم وأضبط.
التخريج:
خرجت كل ما في المخطوطة من الأحاديث والآثار حسب الإمكان، سواء صرح بنص الحديث أو الأثر أو اكتفى بالإشارة إليه دون تصريح بنصه، وقد يتكرر تخريج الحديث أو الأثر بتكرر وروده تيسيرًا على القارئ، لأن ذلك أيسر عليه من الإحالة على موضع التخريج المتقدم، وأذكر الكتاب، والباب، والجزء، والصفحة، ورقم الحديث إذا كان المرجع مرقما، مبتدئا برقم الجزء ثم الصفحة ثم الحديث. هكذا:
سنن أبي داود - كتاب الصلاة باب المواقيت ١/ ٢٧٤ حديث ٣٩٣ وأحيانا أذكر في صحيح مسلم خاصة رقمين للحديث الواحد، بينها شرطة ماثلة، الرقم الأول رقم أحاديث الكتاب والرقم الثاني الرقم العام للأحاديث كلها، وذلك أن صحيح مسلم مرقم ترقيًا عامًا لجميع الأحاديث التي فيه، وترقيًا خاصًّا لأحاديث كل كتاب، أذكر ذلك إذا تكررت رواية الحديث عن صحابي واحد وكانت الرواية المطلوبة غير الرواية الأولى التي يذكر معها الرقم العام، مثل قوله ﷺ :
"وقت الظهر ما لم يحضر وقت العصر ووقت العصر ما لم تصفر الشمس" فإن هذه الرواية غير الرواية الأولى التي ذكر معها الرقم بل هي الرواية الثانية رقم (١٧٢) بالرقم الخاص، فقلت فيه: أخرجه مسلم - في كتاب المساجد ومواضع الصلاة - باب أوقات الصلوات الخمس. ١/ ٤٢٧ حديث ١٧٢/ ٦١٢، فالرقم الأول (١٧٢) الرقم الخاص، والرقم الثاني (٦١٢) الرقم العام.
стр. 26
التراجم:
ترجمت جميع الأعلام الذين مروا في الكتاب واهتديت إلى تراجمهم، سواء كانوا مشهورين أو غير مشهورين، وذلك:
١ - أن الكتاب ليس لطبقة معينة، أو مستوى مخصوص من الباحثين والدارسين، بل يحتاجه الطالب المبتدئ وذو المستوى الأعلى، وليس كل باحث أو دارس - يكون الكتاب بين يديه - يستغنى عن التعريف بالأعلام الذين يمر بهم ولو كانوا مشهورين.
(٢) وهناك جوانب عن المترجم قد يحتاج إليها ذوو المستويات العالية.
(٣) وكتب التراجم ليست متوفرة لدى الباحث في كل مكان أو في كل وقت ليتمكن من الرجوع إلى الترجمة عند إرادتها.
(٤) ووجود الترجمة في الكتاب يوفر على الباحث الرجوع إلى كتب التراجم ويبصره بمواضع الترجمة فيها إن أراد مزيدًا من البحث عن الشخص المترجم.
(٥) كما أن الترجمة للأعلام - ولو كانوا مشهورين - إن لم يكن لها جوانب إيجابية مفيدة، فليس لها من سلبيات تمنع من الترجمة.
وقد جعلت التراجم ملحقًا في آخر الكتاب لكثرتهم وتكرر مرورهم في صفحات متتالية بل في الصفحة الواحدة، مما يصعب معه الإشارة إلى موضع الترجمة للشخص كلما مر، وإذا لم يشر إلى موضع الترجمة لم يهتد إليها الباحث الذي تكون قراءته في غير موضع الترجمة، وجمع التراجم في ملحق خاص أسهل في الرجوع إلى الشخص المراد مما إذا كان الرجوع إليها يحتاج إلى مراجعة الفهرس ثم البحث عن الترجمة داخل الكتاب، وقد رتبتهم على حروف المعجم حسب أسمائهم كما هو المتبع في كتب التراجم ومن ذكره المؤلف بغير اسمه ذكرته مرة أخرى في الحرف المناسب حسب اللفظ الذي ذكره المؤلف مع عدم اعتبار الألف واللام وكلمة (أب) و (ابن) وذكرت اسمه ليعرف به موضع الترجمة.
стр. 27
الفهارس:
الفهرس الأول للآيات القرآنية وقد رتبتها حسب ترتيب السور وورود الآيات في السورة مبتدئا بسورة الفاتحة فالبقرة وهكذا.
الفهرس الثاني: للأحاديث والآثار مرتبة على حروف المعجم حسب أول الحديث أو الأثر أو حكاية الراوي لذلك.
الفهرس الثالث: للموضوعات.
أما الأعلام فقد اكتفيت بترتيبهم حين الترجمة عن الفهرسة لهم مرة أخرى.
стр. 28
الاصطلاحات الفقهية عند الحنابلة وتشمل
١ - الألفاظ الواردة عن الإمام أحمد في الفتوى وبيان الأحكام.
٢ - اصطلاحات الأصحاب وفقهاء المذهب في التعبير عن آراء الإمام أو آراء غيره من المجتهدين في مذهبه.
أولًا: ألفاظ الإمام:
تتفاوت ألفاظ الإمام أحمد ﵀ في الدلالة على المراد، فتارة تكون صريحة في الحكم بما لا يحتمل غيره، وتارة تكون ظاهرة فيه مع احتمال غيره، وتارة تحتمل الشيئين فأكثر على السواء (١).
وقد اجتهد أصحابه ﵏ في تحديد المراد من هذه الألفاظ، وبتتبع ما ورد عنه من عبارات، وما حملها عليه أصحابه نجد أنها لا تخرج غالبا عن خمسة أنواع:
١ - منع ٢ - إباحة ٣ - طلب ٤ - تسوية ٥ - توقف
وسأمثل للألفاظ المستعملة في كل نوع من هذه الأنواع.
الأول: المنع:
ومن الألفاظ المستعملة له ما يأتي:
١ - لا يجوز، ويحرم، وهما صريحان في التحريم.
_________
(١) الإنصاف ١٢/ ٢٤٠.
стр. 29
٢ - لا ينبغي، ولا يصلح، واستقبحه، وهو قبيح. ولا أراه ولفظ: "أكرهه" أو "لا يعجبني" بعد قوله: "هذا حرام" وهذه للتحريم عند جمهور الأصحاب. وحملها بعضهم على كراهة التنزيه (١).
٣ - "أكرهه" و"لا يعجبني" و"لا أحبه" و"لا أستحسنه" وفي المراد بهذه الألفاظ وجهان. أحدهما أنها للتنزيه (٢).
قدمه في الرعاية الكبرى، والحاوي، وقدمه في الرعاية الصغرى في قوله: "أكرهه" وقوله: "لا يعجبني" (٣). الثاني: أنها للتحريم (٤). اختاره الخلال وصاحبه، وابن حامد في قوله "أكرهه" وقوله: "لا يعجبني" (٥). وقيل: ينظر للقرائن (٦) قاله في الرعايتين، وآداب المفتي، والحاوي الكبير (٧). قال في تصحيح الفروع (٨): "وهو الصواب، وكلام أحمد يدل عليه".
الثاني: الإباحة:
ومن الألفاظ الدالة عليه قوله: "لا بأس" و "أرجو ألا بأس" و "أرجو ألا
يكون به بأس" و"لا أرى به بأسًا (٩) "ولم أر خلافًا في أن هذه الألفاظ
للاباحة.
الثالث:
الطلب، ومن الألفاظ المستعملة فيه، قوله:
١ - "أحب كذا" و"يعجبني كذا" و"هذا أعجب إلي" و"هذا حسن"
_________
(١) الإنصاف ١٢/ ٢٤٧ و ٨، والمسودة / ٥٢٩ و ٥٣٠ والمدخل / ٤٨، و ٤٩ والفروع / ٥ و ٦ و ٧.
(٢) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨، والمسودة / ٥٣٠ والمدخل ٤٩ وتصحيح الفروع ١/ ٦ هامش (٣).
(٣) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨.
(٤) المراجع السابقة.
(٥) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨ وتصحيح الفروع المطبوع بهامشة ١/ ٦ هامش (٣).
(٦) المرجعين السابقين، والمدخل /٤٩.
(٧) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨ وتصحيح الفروع ١/ ٦ هامش (٣).
(٨) ١/ ٦ هامش (٣).
(٩) صفة الفتوى لابن حمدان /٩١ والمسودة / ٥٢٩ والإنصاف ١٢/ ٢٤٩.
стр. 30
و "هذا أحسن" و "استحسن كذا" و "استحب كذا و استحب كذا". وهذه للندب، وقيل: للوجوب (١).
قال المرداوي وقوله: "أحب كذا" أو "يعجبني" أو "هذا أعجب إلي". للندب، على الصحيح من المذهب وعليه جماهير الأصحاب، وقيل: وكذا قوله: "هذا حسن" أو "أحسن" قاله في الفروع، قلت: قطع في الرعاية الكبرى والحاوي الكبير أن قوله: "هذا أحسن" أو "حسن" و "أحب كذا" ونحوه، وقال ابن حامد: إذا استحسن شيئًا، أو قال: "هو حسن" فهو للندب، وإن قال "يعجبني" فهو للوجوب (٢).
٢ - قوله: يفعل السائل كذا احتياطًا.
وهذه للوجوب.
وقيل: للندب (٣).
وقيل: ينظر للقرائن (٤).
قال المرداوي: وقال في الرعاية والحاوي: وإن قال: "يفعل السائل كذا احتياطًا" فهو للوجوب، وقيل: مندوب" (٥).
وقال في تصحيح الفروع (٦): "وقدم في الرعايتين والحاوي الكبير فيما إذا قال للسائل: "يفعل كذا احتياطًا "انه للوجوب" والحق بعض الباحثين بالألفاظ المتقدمة قوله: "ينبغي كذا" و"اختار كذا" و"الأحب إلى كذا".
الرابع: التسوية بين شيئين فأكثر:
ومن الألفاظ المستعملة في ذلك: إذا أجاب في شيء ثم قال في نحوه: "هذا أهون" و"هذا أشنع" أو "هذا أشد" ونحو ذلك.
_________
(١) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨ و ٢٤٩ والمسودة ٥٢٩ و ٥٣٠ والمدخل /٥١.
(٢) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨.
(٣) تصحيح الفروع ١/ ٦ هامش (٣) والإنصاف ١٢/ ٢٤٨.
(٤) تصحيح الفروع ١/ ٦ هامش (٣).
(٥) الإنصاف ١٢/ ٢٤٨.
(٦) ١/ ٦ هامش (٣).
стр. 31
وحمله بعضهم على التفريق.
وقيل: إن اتحد المعنى وكثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا (١).
وقيل: ينظر إلى القرائن (٢).
قال المرداوي: "وإن أجاب في شيء ثم قال في نحوه: "هذا أهون" أو "أشد" أو "أشنع" فقيل: هما عنده "سواء".
واختاره أبو بكر عبد العزيز، والقاضي.
وقيل بالفرق، قلت: وهو الظاهر، واختاره ابن حامد في تهذيب الأجوبة، وأطلقهما في الرعاية والفروع، قال في الرعاية: قلت: إن اتخذ المعنى وكثر التشابه فالتسوية أولى، وإلا فلا".
وقيل في قوله: "هذا أشنع عند الناس" يقتضي المنع وقيل: لا" (٣) انتهى.
الخامس: التوقف:
مثل بعضهم لهذا النوع بقوله: "أجبن عنه" و"أخشى أن يكون كذا" و"أخشى ألا يكون كذا" و"أخاف أن يكون كذا" و"أخاف إلا يكون كذا" (٤).
قال المرداوي بعد سياق الخلاف في الألفاظ السابقة: "ومع ذلك فكل ما أجاب فيه فإنك تجد البيان عنه كافيًا، فإن وجدت عنه المسألة ولا جواب بالبيان فإنه يؤذن بالتوقف من غير قطع" (٥) انتهى.
وقيل في "أخشى" و"أخاف" هي للمنغ (٦). قاله في الرعايتين، والحاوي.
وقدماه واختاره ابن حامد والقاضي (٧).
_________
(١) الإنصاف ١٢/ ٢٤٩ و ٢٥٠ والمسودة ٥٣٠ والمدخل / ٥١ والفروع ١/ ٦.
(٢) صفة الفتوى لابن حمدان / ٩٤.
(٣) الإنصاف ١٢/ ٢٤٩ و ٢٥٠.
(٤) الإنصاف ١٢/ ٢٤٩ و ٢٥٠ والمسودة ٥٢٩ /، والمدخل / ٥١.
(٥) الإنصاف ١٢/ ٢٥٠.
(٦) الإنصاف ١٢/ ٢٤٩ و ٢٥٠ والمسودة ٥٢٩ والمدخل /٥١.
(٧) الإنصاف ١٢/ ٢٥٠.
стр. 32
وقيل في "أجبن عنه": هي للجواز قدمه في الرعايتين.
وقيل: هي للكراهة، اختاره في الرعاية الصغرى وآداب المفتي (١).
وقيل ينظر للقرائن، قاله في الرعاية الكبرى (٢).
ثانيا: إصطلاحات الاصحاب:
لاصحاب الإمام أحمد اصطلاحات متعددة في النقل لآرائه أو آراء غيره من المجتهدين في مذهبه، تختلف مدلولاتها ومفاهيمها فيصعب على القارئ في كتبهم فهمها ما لم يكن لديه علم بمعاني هذه الاصطلاحات وذلك مثل:
النص - التنبيه - الإيماء - الإشارة - الرواية - القول - التخريج - النقل - الوجه - الاحتمال - المذهب - ظاهر المذهب - التوقف - الروايتان - القولان - الوجهان.
وفيما يلي بيان المراد بهذه الاصطلاحات:
الأول: النص: وهو القول الصريح في الحكم بما لا يحتمل غيره (٣).
الثاني: التنبيه: وهو القول الذي لم يصرح الإمام به في عبارة صريحة تحدد المراد بل فهم من عبارته بطريق اللزوم، مثل أن يسأل عن حكم فيسوق حديثا يدل عليه، ويحسنه ويقويه، ولا يصرح بهذا الحكم (٤)، وهو يشمل الإيماء والإشارة والتوقف (٥).
الثالث: الإيماء: وهو الإتيان بعبارة ليست صريحه في الحكم لكنه يفهم منها بطريق اللزوم - وهو داخل في معنى التنبيه، وذلك مثل: فهم الإجمال في قوله تعالى:
﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ … (٦) "الآية"﴾.
_________
(١) المرجع السابق ١٢/ ٢٥٠ وآداب المفتى ٩٥.
(٢) الإنصاف ١٢/ ٢٥٠.
(٣) الإنصاف ١٢/ ٢٤٠ و ١/ ٩.
(٤) أحمد بن حنبل لأبي زهرة / ٣٧٦.
(٥) المدخل /٥٥.
(٦) سورة الأنعام - ١٤٥.
стр. 33
وقوله تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ (١) … ﴾ الآية.
من قول أحمد بعد سياقه للآيتين: "فلما نهى رسول الله ﷺ عن أكل كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير، دلت أحكام رسول الله ﷺ على أن الآية ليست على ظاهرها، وأنه المعبر عما في كتاب الله تعالى، ومن لزم ظاهر الآية لزمه أن يبيح لحم الكلاب والهرر والفيل والفأر وغير ذلك مما نهي عنه. (٢). فإنه لم يصرح بأن الآيتين من قبيل المجمل لكن كلامه يدل على ذلك.
الرابع الإشارة: وهي الإتيان بكلام يفهم منه حكم غير الحكم المصرح به فيه عن طريق اللزوم. وهي داخلة في معنى التنبيه كالإيماء.
الخامس: الرواية: وهي نص الإمام المنقول عنه.
قال ابن تيمية: "الروايات المطلقة هي نصوص الإمام أحمد" (٣) ويدخل في الرواية قول أصحاب أحمد: وعنه لأن معناه وعن الإمام أحمد، لكنه اكتفى بالضمير اختصارًا لكونه معلومًا بين أصحابه والمشتغلين بمذهبه (٤).
السادس: القول: وهو الحكم المنسوب إلى الإمام أحمد (٥). ويشمل الوجه، والاحتمال، والتخريج، وقد يشمل الرواية (٦) والفرق بين القول والرواية: أن الحكم المنصوص عن الإمام أحمد، أما القول فهو الحكم المنسوب إليه، وجهًا أو احتمالًا أو تخريجًا، وقد يكون نصًا فيشمل الرواية كما تقدم، فهو أعم من الرواية، إذ انها مقصورة على النص.
السابع: التخريج وهو: نقل الحكم من مسألة إلى ما يشبهها والتسوية بينهما فيه، ولا يكون إلا إذا فهم المعنى (٧).
_________
(١) سورة المائدة - ٣.
(٢) العدة في أصول الفقه لأبي يعلى تحقيق الدكتور أحمد سمير ١/ ١٤٥ و ١٤٧.
(٣) المسودة ٥٣٢ وانظر أحمد بن حنبل لأبي زهرة ٣٧٦.
(٤) المطلع ٤٦٠.
(٥) أحمد بن حنبل لأبي زهرة ٣٧٨.
(٦) الإنصاف ١/ ٦ و ٧ والمسودة ٥٣٣.
(٧) الإنصاف ١/ ٦ و ١٢/ ٢٥٧ والمدخل / ٥٦ والمسودة /٥٣٣.
стр. 34
والفرق بين التخريج والقول أن القول يكون منسوبًا إلى الإمام على أنه قول له، أما التخريج فهو استخراج الحكم من أصوله الكلية (١) فإن كان الحكم المخرج مأخوذًا من نصوص الإمام كان قولا له مخرجًا من نصوصه، وهذا على القول: بأن ما قيس على كلامه مذهب له، أما على منع ذلك فيكون وجهًا لمن خرجه، ولا ينسب إلى الإمام على أنه قول له (٢).
والفرق بين التخريج والرواية: أن الرواية يكون الحكم فيها منصوصًا عن الإمام أما التخريج فإن الحكم فيه يكون مستنبطًا بالقياس، وقد يكون الحكم المخرج رواية بالتخريج. وهذا إذا كان مأخوذًا من نص الإمام، وقيل: إن ما قيس على كلامه مذهب له، أما إذا منع إثبات مذهبه بالقياس، أو كان الحكم مأخوذًا من قواعد الإمام أو إيمائه أو دليله أو تعليله أو سياق كلامه وقوته فلا يكون رواية بل يكون وجها لمن خرجه (٣) كما تقدم في بيان الفرق بين القول والتخريج.
الثامن: النقل: وهو: نقل نصوص الإمام والتخريجُ عليها. وبعبارة أخرى، هو: نقل الحكم من مسألة منصوص على الحكم فيها إلى مسألة تشبهها لم ينص فيها على الحكم.
وهو يلتقي مع التخريج في أن كلا منهما نقل حكم من مسألة إلى مسألة مشابهة لها، وينفرد التخريج عنه في أنه يكون من نصوص الإمام أو غيرها من قواعده الكلية، أو قواعد الشرع أو العقل، لان حاصل معناه بناء فرع على أصل بجامع مشترك بينهما، أما النقل فهو مقصور على النقل من نصوص الإمام.
فالفرق بين النقل والتخريج العموم والخصوص من وجه، فالتخريج أعم، والنقل أخص (٤).
_________
(١) أحمد بن حنبل /٣٧٨.
(٢) المسودة ٥٣٢ وانظر المدخل / ٥٥ والإنصاف ١٢/ ٢٤٤ و ٢٤٥.
(٣) المراجع السابقة.
(٤) المدخل ٥٣.
стр. 35
التاسع: الوجه: وهو الحكم المستنبط بالقياس من مسألة إلى مسألة تشبهها، جاريًا على قواعد الإمام بأصوله، أو إيمائه، أو دليله أو تعليله. أو سياق كلامه وقوته (١).
فإن كان الحكم مأخوذًا من نصوص الإمام ومخرجًا منها فهي روايات مخرجة له، ومنقولة من نصوصه في المسألة إلى ما يشبهها من المسائل، إن قيل: إن ما قيس على كلامه مذهب له، وإلا فهو وجه لمن خرجه رجه (٢).
وهذا يظهر الفرق بين الوجه والرواية.
وأما الفرق بين الوجه والقول فهو كالفرق بين القول والتخريج وقد تقدم عند بيان معنى التخريج.
والفرق بين الوجه والتخريج: أن التخريج هو نقل الحكم من مسألة إلى مسألة بالقياس، أما الوجه فهو ذلك الحكم المنقول بالتخريج، فالتخريج هو طريق إثبات الوجه.
وإذا كان في المسألة التي نقل الحكم إليها نص عن الإمام يخالف الحكم المنقول صار في المسألة التي نقل الحكم إليها رواية منصوصة ورواية مخرجة، إذا قيل إن المخرج من نص الإمام مذهب له، وإلا صار فيها رواية عن الإمام ووجه لمن خرجه. وإن لم يكن فيها نص يخالف الحكم المخرج من نص الإمام في غيرها كان فيها وجه لمن خرجه، ولم يكن فيها رواية.
وإن اختلف الأصحاب في الحكم المخرج دون طريق التخريج صار فيها وجهان، ويمكن جعلها قولًا للإمام بالتخريج دون النقل لعدم أخذهما من النص، وهذا إذا علم مُستند التخريج، أما إذا لم يعلم فليس أحد الوجهين قولا مخرجًا للإمام ولا مذهبًا له (٣).
العاشر: الاحتمال: وهو: قابلية المسألة لأن يقال فيها بحكم غير الحكم الذي
_________
(١) المطلع / ٤٦٠ والمسودة /٥٣٢ والإنصاف ١٢/ ٢٥٦.
(٢) الإنصاف ١٢/ ٢٥٦ و ٢٥٧ والمسودة /٥٣٢ والمدخل /٥٥.
(٣) المراجع السابقة.
стр. 36
قيل فيها، لدليل مرجوع بالنسبة إلى دليل الحكم الأول أو مساو له (١).
وهو بمعنى الوجه إلا أن الوجه مجزوم بالفتيا به، أما الإحتمال فهو كون المسألة صالحة لأن يكون فيها وجه (٢) من غير أن يجزم بالفتوى بذلك الوجه المحتمل، فإن أفتى به صار وجهًا لمن أفتى به (٣) ولا يكون الاحتمال إلا إذا فهم المعنى (٤).
الحادي عشر: المذهب: لم أقف - بعد البحث - على تعريف دقيق لهذا الاصطلاح يحدد المراد منه، ولكن المتبادر أنه المعمول به في المذهب، سواء كان عن الإمام أو عن غيره من الأصحاب المجتهدين في مذهبه، وسواءٌ كان بنص أو إيماء أو تخريج (٥).
الثاني عشر: ظاهر المذهب: الظاهر هو اللفظ المحتمل لمعنيين أحدهما الآخر وأحق باللفظ منه فيجب حله على أظهرهما ولا يجوز صرفه عنه إلا بما هو أقوى منه (٦). وظاهر المذهب: هو المشهور في المذهب (٧) ولا يقال ذلك إلا إذا كان هناك خلاف (٨).
الثالث عشر: التوقف: وهو عدم القول في المسألة بحكم لتعارض الأدلة وتكافئها عند التوقف، وهو تخرج من الحكم وليس حكما.
قال ابن تيمية: "وأما التوقف فهو ترك الأخذ بالأول والثاني والنفي والإثبات إن لم يكن فيها (٩) قول، لتعارض الأدلة وتكافئها عنده (١٠) فله حكم
_________
(١) المدخل / ٥٦ والمسودة / ٥٣٣ والإنصاف ١/ ٦ و ١٢/ ٢٥٧.
(٢) المطلع / ٤٦١.
(٣) الإنصاف ١٢/ ٢٥٧ و ١/ ٦.
(٤) الإنصاف ١/ ٦.
(٥) صفة الفتوى / ١١٣، والإنصاف ١٢/ ٢٦٦.
(٦) العدة في أصول الفقه تحقيق الدكتور أحمد سمير ١/ ١٤٠ و ١٤١.
(٧) الإنصاف ١/ ٧ والمطلع ٤٦١.
(٨) الإنصاف ١/ ٧.
(٩) يعني في المسألة.
(١٠) يعني الإمام أحمد.
стр. 37
ما قبل الشرع من حظر أو إباحة أو وقف" (١).
الرابع عشر: الروايتان تثنية رواية، وتقدم المعنى المراد بها. فإذا قيل: في المسألة روايتان، فإحداهما بنص والأخرى بإيماء أو تخريج من نص آخر أو بنص جهله منكره.
أما إذا قيل: هذه المسألة رواية واحدة، فالمراد النص (٢) أي نص الإمام على حكمها.
الخامس عشر: القولان: تثنية قول، وتقدم المراد به. ويكونان بنص من الإمام كما ذكره أبو بكر عبد العزيز في زاد المسافر، أو أحدهما بنص والآخر بإيماء، وقد يكون مع أحدهما وجه أو تخريج أو احتمال بخلافه (٣).
السادس عشر: الوجهان: تثنية وجه، وقد تقدم بيانه، وهو لا يكون إلا بالتخريج كما سبق.
فإذا قيل: في المسألة وجهان فإن المراد أنه ليس فيها نص عن الإمام، وإنما حكم أصحابه فيها بالتخريج، واختلف الاجتهاد فكان لكل اجتهاد فيها وجه.
وفي هذه الحالة يكون العمل بأصح الوجهين وأرجحها، سواء وقعا معًا أو لا، وسواءٌ كانا من واحد أو أكثر، وسواء علم التاريخ أو جهل (٤) وهناك ألفاظ أخرى ذكرها ابن حمدان في صفة الفتوى فقال: "فقول أصحابنا: وغيرهم: المذهب كذا، قد يكون بنص الإمام أو بإيمائه أو بتخريجهم ذلك، واستنباطهم من قول أو تعليله.
وقولهم: على الأصح أو الصحيح أو الظاهر أو الأظهر أو المشهور أو الأشهر أو الأقوى أو الأقيس، فقد يكون عن الإمام أو بعض أصحابه، ثم الأصح عن الإمام أو الأصحاب، قد يكون شهرة، وقد يكون نقلا، وقد يكون
_________
(١) المسودة /٥٣٣ والمدخل /٥٦.
(٢) المسودة /٥٣٢ والإنصاف ١٢/ ٢٥٧ والمدخل /٥٥
(٣) المسودة /٥٣٣ والمدخل ٥٥ والإنصاف ١٢/ ٢٥٧.
(٤) المراجع السابقة.
стр. 38
دليلا أو عند القائل، وكذا القول في الأشهر، والأظهر والأولى، والأقيس، ونحو ذلك، وقولهم: وقيل، قد يكون رواية بالإيماء أو وجهًا، أو خريجًا، أو احتمالًا، ثم الرواية: قد تكون نصًا، أو إيماء، أو تخريجًا، أو احتمالًا، ثم الرواية: قد تكون نصًا، أو إيماء، أو تخريجًا من الأصحاب" (١) انتهى.
стр. 39
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله المتقرَّب إليه به، حمد الراضي من عباده بشكره، وإياه أسأل التوفيق بمنه، وأن يصلي على محمد خيرته من خلقه، وعلى أهله وأصحابه من بعده، وبه أستعين على ما قصدته برحمته.
هذا كتاب يشتمل على ذكر المسائل التي اختلفت الرواية فيها عن أبي عبد الله أحمد بن حنبل الشيباني - رحمة الله عليه - وشرحها وبيانها، وذكر ما عرف من مواضعها وبيان صحيحها وضعيفها، وإيراد نكتة لكل رواية منها ويضاف إلى ذلك بيان المسائل التي اختلف أصحابنا فيها وإضافة كل قول إلى قائله، وذكر ما يعتمد عليه لصحة قوله، وتمييز الصحيح من غيره.
والله الموفق والمعين بمنه وفضله ....
стр. 40
كتاب الطهارة
الوضوء بالماء المتغير بمائع طاهر:
١ - مسألة: اختلفت الرواية عن أحمد في الماء إذا خالطه مائع طاهر فغير أحد صفاته.
فنقل جعفر بن محمد، وبكر بن محمد جواز الوضوء به لأنه تغير بطاهر لم يخرجه عن طبعه، أشبه إذا تغير بورق الشجر والطحلب والطين.
ونقل الصاغاني كلامًا يدل على أنه لا يجوز الوضوء به، وهو اختيار الخرقي وهو أصح، لأنه تغير بمخالطة ما ينفك عنه غالبًا، أشبه إذا تغير بالباقلاء المغلي.
الطهارة من ماء زمزم:
٢ - مسألة: واختلفت في كراهية الغسل والوضوء من ماء زمزم.
فنقل المروذي روايتين، إحداهما كراهية ذلك، لما روي عن العباس بن عبد المطلب ﵁ أنه قال: لا أحله لمغتسل لكن لشارب حل وبل (١)، ولأن النبي ﵇ قال: ماء زمزم لما شرب له (٢).