إلى حصة شريكه ونوى به الكفارة هل يجزيه عن كفارته؟
قال أبو بكر: لا يجزيه وذكر كلام أحمد في رواية علي بن سعيد إذا أعتق شركًا له في عبد لم يجزه وإن عتق في ماله وقال غيره من أصحابنا يجزيه وهو الصحيح عندي.
ووجه الأول: إن عتق نصيب شريكه مستحق بسبب متقدم وهو السراية فلم يجزه عن كفارته دليله ذو الرحم إذا اشتراه بشرط العتق.
ووجه الثاني: أنه وإن كان نصفه لغيره فإن الشرع قد جعله في حكم عبد كله له ولو أعتق عبدًا خالصًا أجزأه كذلك هاهنا.
إعتاق نصفي عبدين في الكفارة:
١٢٦ - مسألة: فإن كان له نصف عبدين وعليه واحدة فقال أعتقت ما أملكه منكما عن كفارتي عتق النصف منها وهل يجزيه عن كفارته أم لا؟
فقال أبو بكر لا تجزيه وهو قول شيخنا.
وقال الخرقي: يجزيه.
ووجه الأولى: أنه لو جاز عتق عبد من عبدين عن كفارته جاز أن يصوم أربعة أشهر كل شهرين عن كفارتين وأن يطعم مائة وعشرين مسكينًا كل ستين عن كفارتين فلما لم يجز هذا كذلك نصف عبد من عبدين.
ووجه الثانية: أن النصف من العبدين بمنزلة العبد الخاص المفرد بدليل أن عليه فطره نصف عبدين صاعًا كاملًا كما لو كان له عبد مفرد، وعليه زكاة نصف ثمانين شاة كما لو كان له أربعون شاة مفردة، فإذا كانت الإنصاف في هذا كالأصل الكامل كذلك في العتق.
وطء المظاهر منها في ليالي الصيام:
١٢٧ - مسألة: إذا وطيء المظاهر امرأته في خلال الشهرين ليلًا فهل يستقبل الصيام أم يبني عليه؟
стр. 597
على روايتين: نقل ابن منصور: يستقبل وهو المعروف من قول أصحابنا لأنه وطء في خلال صومه عن ظهارها فهو كما لو وطئها نهارًا عامدًا ونقلت من مسائل الأثرم وقد سئل عن المظاهر إذا صام بعض صيام ثم جامع قبل أن يتم كيف يصنع. قال: يتم صومه، لأنه وطء لم يصادف محل الصيام، فهو كما لو وطئ غير التي ظاهر منها.
عتق الأعور في الكفارة:
١٢٨ - مسألة: هل يجزى عتق الأعور في الكفارة؟
نقل يوسف بن موسى: يجزيه.
قال أبو بكر: وفيها قول آخر لا يجزيه.
وجه الأول: أنه نقص لا يضر بالعمل الضرر الكثير فإنه يعمل كل ما يعمله ذو العينين وإنما فقد الجمال بذهاب إحدى العينين فهو كما لو كان وحش الوجه.
ووجه الثانية: أن ذهاب العينين جميعًا يمنع. فذهاب إحداهما يمنع كما قلنا في ذهاب اليدين يمنع وذهاب إحداهما يمنع.
الحال المعتبرة في نوع الكفارة:
١٢٩ - مسألة: في الوقت الذي يعتبر فيه الكفارة. وفيه روايتان:
إحداهما: يعتبر بحالة الوجوب فإن كان فقيرًا ثم أيسر أجزأه الصيام وإن كان غنيًا ثم أعسر لم يجزه الصيام نص عليه في رواية المروذي وابن القاسم في المتمتع إذا لم يجد الهدي ثم قدم بلده ووجد يصوم. والثانية: الاعتبار فيها بأغلظ الأحوال فيراعي أمره ما بين الوجوب والفعل فأي وقت كان موسرًا تعينت عليه كفارة الموسرين نص عليه في رواية أبي طالب فمن حلف فحنث فلم يكن عنده ما يكفر ثم أيسر بعد فلم يكفر كفر (لأنه) قد أيسر فإن حنث وهو موسر فلم يكفر حتى افتقر فعليه الكفارة (لأنها) قد وجبت عليه وهو موسر.
стр. 598
ووجه الأولى: أنه حق وقع به التكفير فكان الاعتبار فيه بحالة الوجوب، كالحدود، أو نقول: طهرة عن ارتكاب محظور فوجب أن يكون الإعتبار بوقت الوجوب كالحدود.
يبين صحة هذا قول النبي ﷺ : الحدود كفارات لأهلها (١).
ووجه الثانية: وهي الصحيحة، أنه حق يجب في الذمة بوجوب مال، فوجب أن يكون الاعتبار فيه بأغلظ الأحوال كالحج فإن الاعتبار بأغلظ الأحوال من حين يبلغ حتى يموت كذلك هاهنا.
إخراج الخبز في الكفارة:
١٣٠ - مسألة: هل يجزئ إخراج الخبز في الكفارة على وجه المنصوص عليه؟.
على روايتين نقلها الأثرم قال في موضع وقد سئل إذا أخذ ثلاثة عشر رطلًا وثلثا دقيقًا فخبزه وقسم الخبز على عشرة مساكين: فأعجب إليَّ ما جاء به الخبز - مدبر. وهذا أرجو أن يجزئه فظاهر هذا الجوز. وقال في موضع، وقد سئل إن أطعمهم خبزًا وتمرًا، فقال: الخبز لا، ولكن التمر أو الدقيق، فظاهر هذا المنع.
وقال أيضًا في رواية إسحاق بن إبراهيم الذي روى عن النبي ﷺ في كفارة اليمين تمرًا أو دقيقًا أو حنطة (٢) قيل له فنجمعهم على خبز وآدم قال أكره ذلك بل يعطيهم تمرًا أو حنطة أو شعيرًا.
стр. 599
وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي عموم قوله تعالى: (فإطعام ستين مسكينا) (١) ولأنه بالخبز لم يخرج عن حد الاقتيات فأجزأ كما لو غسل الحنطة وقلاها فإنه يجزيه ويفارق هذا لو طحنها وصنع منها كبولة ونحو ذلك في أنه لا يجزيه لأنه يخرج بها في تلك الحال عن حد الإقتيات.
ووجه الثانية: لا يجزئ إخراجه في صدقة الفطر فلا يجزئ في الكفارة كالقيمة.
دفع الكفارة إلى من ظاهره الفقر وهو غني:
١٣١ - مسألة: فإن دفع الكفارة إلى من ظاهره الفقر ثم بان غنيًا.
فقال أبو بكر: فيها قولان: نقل مهنى: يجزئه، ونقل غيره: لا يجزيه واختار ذلك، وأصل هذا إذا دفع الزكاة إلى من ظاهره الفقر فبان غنيًا هل يجزيه؟ على روايتين، وذكرنا الوجه لكل رواية في مسائل الزكاة.
وطء المظاهر منها قبل التكفير إذا كان بالإطعام:
١٣٢ - مسألة: إذا كان المظاهر من أهل الإطعام فهل يجوز له المسيس قبل التكفير بالإطعام أم لا؟
ذكر أبو بكر في كتاب الخلاف كلامًا يقتضي جواز ذلك وتعلق بكلام أحمد في رواية ابن منصور: إذا ظاهر وأخذ في الصوم يجامع بالليل يستقبل فإن أطعم فوطئ يبني ليس هذا من نحو هذا. وقال غيره من أصحابنا: لا يجوز له الوطء قبل الإطعام كما لا يجوز في الصيام. وقول أحمد: ليس هذا مثل الصيام يعني أن الصيام يبطل التتابع فيه ولا يعتد بما مضى وفي الإطعام يعتد بما مضى ولم يقصد بذلك الفرق بينهما في جواز الوطء.
وجه الأول: أن الله تعالى بدأ في الكفارة بالعتق والصيام قبل المسيس وأطلقها قبل المسيس في التفكير بالإطعام فحملنا الآية على ما ورد به القرآن.
стр. 600
ووجه الثانية: وهو الصحيح، أنه تكفير عن ظهار فلم يجز له المسيس قبله كالعتق ولأنه إذا منع من المسيس قبل التكفير إذا كان من أهل العتق والصيام تغليظًا عليه لما ارتكبه من قول المنكر والزور.
وهذا المعنى موجود فيه إذا كان من أهل الإطعام.
(فيجب أن يمنع من المسيس حتى يكفر)
إخراج مدين دفعة واحدة لكل مسكين عن كفارتين:
١٣٣ - مسألة: إذا كان عليه كفارتان: كفارة عن ظهار وكفارة عن جماع فأطعم كل مسكين مدين من الكفارة فهل يجزيه أم لا؟
نقل مهنا عنه في رجل عليه أن يطعم عشرين ومائة مسكين عن ظهاره فأطعم ستين مسكينًا عن ظهار في يوم لكل مسكين نصف صاع جميعًا: لا يجزيه إلا أن يكون لا يجد مساكين فأما من يجد فلا فظاهر هذا أنه لا يجزيه.
ونقل أبو الحارث لا يجوز إعطاء خمسة مساكين لكل مسكين مدين فإن أعطى من جنسين أو ثلاثة أجزأه فظاهر هذا يقتضي جواز ذلك، وقد أومأ إليه في رواية صالح أيضًا في رجل عليه كفارات قال: إذا كان يجد مساكين فأحب أن يطعم ولا يكرر عليهم فإذا ضاق فلا بأس أن يجمع عشرة فيطعمهم فظاهره أنه منع من ذلك على طريق الاختيار.
قال الشيخ أبو عبد الله: المسألة على روايتين إحداهما:
لا يجزيه، لأنه مسكين استوفى قوت يوم من كفارة فلم يجز دفع الكفارة إليه ثانيًا في يومه. دليله إذا دفع إليه من كفارة واحدة مرتين، ويلزم على هذا أن لا يجوز لغير الدافع أن يدفع إليه عن كفارته في يومه لوجود هذه العلة.
ووجه الثانية: وهي الصحيحة، أن الله تعالى أمر بدفع كفارة الظهار إلى ستين مسكينًا وقد وجد ذلك، ولأنا نعتبر قدر المدفوع وعدد المدفوع إليه فإذا دفع إليه مدين منها فقد وجد الشرط في المدفوع وفي المدفوع إليه فوجب أن يجزيه فيها ويفارق هذا إذا كان من كفارة واحدة لأنه يحمل بالعدد فلهذا لم يجزئه.
стр. 601
إخراج القيمة في الكفارة:
١٣٤ - مسألة: إذا دفع القيمة في الكفارة هل يجزيه؟
نقل الأثرم والميموني: أخاف أن لا يجزى.
وقال في موضع آخر في مسائل الأثرم وقد سأله أنه أعطى لكل مسكين خمسة دوانيق فقال: لو استشرتني قبل أن تعطي لم أشر عليك، ولكن أعط ما بقي عليك من الإيمان على ما قلت لك، وسكت عن الذي مضى، فظاهر هذا أنه حكم بالأجزاء وإنما حكم بالأجزاء في حقه على مذهب غيره لا إنه مذهب له لأنه قد صرح بذلك في الكفارات والزكاة أنه لا يجزي إخراج القيمة لأنه لا يخلو إما أن يكون الاعتبار بالمنصوص عليه أو به وبما قام مقامه، فبطل أن يكون الاعتبار بما قام مقامه لأنه لو أعطاهم أربعين مدًا يساوي من ناحية مدًا الجودة ستين مدا من قدر الواجب عليه لم يجزه وإن كان مثله في القيمة والانتفاع وأكثر ثبت أن الاعتبار بالمنصوص عليه لا غيره.
لزوم كفارة الظهار للمرأة بلفظ الظهار:
١٣٥ - مسألة: في المرأة إذا قالت لزوجها: أنت على كظهر أبي فإنها لا تكون مظاهرة رواية واحدة ولكن هل يلزمها كفارة الظهار أم لا؟
نقل الأثرم، وصالح، وأبو طالب إذا قالت المرأة لزوجها: أنت عليَّ كظهر أبي أو أخي لزمها عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين مثل حديث عائشة بنت طلحة فظاهر هذا أنه قد لزمها كفارة الظهار.
ونقل ابن القاسم في المرأة تظاهر من الرجل، فقال: هذا بعيد جدًّا، القرآن إنما حكم على الذين يظاهرون ولم يبين في ذلك أمر النساء فظاهر هذا أنه لا يلزمها الكفارة.
قال أبو بكر: نقل الجماعة عنه: أن المرأة إذا ظاهرت عليها كفارة الظهار إلا ما رواه ابن القاسم وهو رجل يحفظ ما يقول.
ووجه الأولى: وهي الصحيحة، أن الله تعالى بين عن العلة التي لأجلها
стр. 602
وجبت الكفارة على الرجل وهو قول المنكر والزور فقال: (وإنهم ليقولون منكرًا من القول وزورًا) (١).
وهذا المعنى قد وجد من المرأة ولأن الظهار يمين بدليل قول النبي ﷺ لأوس بن الصامت وكفر عن يمينك (٢)، وإذا كان يمينًا فنقول: كل يمين وجبت بها كفارة على الرجل جاز أن يجب بها تلك الكفارة على المرأة كاليمين بالله ولأنها أحد الزوجين فتعلقت به كفارة الظهار كالرجل ولأنها عقوبة وجبت لقول المنكر والزور فاستوى فيها الرجل والمرأة كحد القذف.
ووجه الثانية: قوله تعالى: (والذين يظاهرون من نسائهم ثم يعودون لما قالوا فتحرير رقبة (٣))، فأوجب الكفارة بالعود وهو العزم على الوطء، وهذا لا يوجد منها.
ولأن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، فغير حكمه إلى الكفارة ثم ثبت أن الأصل المنقول يختص به الرجال دون النساء فوجب أن يكون الفرع المنقول إليه مثله.
الزوجان اللذان يصح اللعان منهما:
١٣٦ - مسألة في صفة الزوجين اللذان يصح اللعان منهما.
فنقل أبو طالب، والميموني، وابن منصور، وابن القاسم، بين كل زوجين لعان، حرين كانا أو مملوكين، أو ذميين، أو حر ومملكة، أو عبد وحرة، أو مسلم وذمية، فظاهر هذا أنهما إذا كانا مكلفين جرى بينها اللعان مسلمين كانا أو كافرين، أو أحدهما مسلم، والآخر كافر، أو حرين أو عبدين أو أحدهما حر، والأخر عبد، فعلى هذه الرواية اللعان يمين وليس بشهادة.
ونقل حرب عنه في يهودى قذف يهودية فليس لهذا وجه لأنه ليس بعدل، واللعان إنما هو شهادة كأنه لم ير بينهما لعانًا.
стр. 603
ونقل حنبل، ويعقوب بن بختان، في العبد إذا قذف زوجته بحد ولا يلاعن فظاهر هذا أنها إذا لم يكونا من أهل الشهادة أو أحدهما لم يجز اللعان بينها.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، أنه معنى يخرج به القاذف من قذفه إذا كان أهل الشهادة فوجب أن يخرج منه وإن كان من غير أهلها كالبينة، ولأنه محتاج إلى القذف محتاج إلى تحقيقه باللعان فكان له اللعان كما لو كان من أهل الشهادة، ولأن اللعان لو كان شهادة لما صح منه لأن أحدًا لا يشهد لنفسه ولما صح من الفاسق ولما افتقر إلى تكرار اللفظ ولم يكن للنساء مدخل فيه، ولما ثبت هذا دل على أنه ليس بشهادة.
ووجه الثانية: ما روي عن عمرو بن شعيب عن أبيه، عن جده، أن النبي ﷺ قال: (لا لعان بين اليهودي والنصراني وعبد مملوك تحته حرة وحر تحته مملوكة (١)). ولأن الحد لا يجب بقذف الكافر فلم يجب اللعان في حقها، كالصغيرة لأن الله تعالى سماه شهادة بقوله تعالى: (فشهادة أحدهم أربع شهادات بالله) (٢)، ولأنه لو لم تكن شهادة لم تفتقر إلى لفظ الشهادة فلما افتقر إلى لفظ الشهادة، دل على أنه شهادة، وهؤلاء لا تصح شهادتهم فلا يصح لعانهم.
إجبار الزوجة على اللعان:
١٣٧ - مسألة: إذا التعن الزوج ولم تلتعن الزوجة لم يجب عليها حد الزنا، رواية واحدة، وهل تحبس حتى تلاعن أو تقر؟
стр. 604
على روايتين، نقل ابن القاسم عنه أرأيت إن لم تلتعن أجبرتها؟. ومعنى الجبر هاهنا الحبس حتى تلتعن، قال أبو بكر: روى ابن القاسم أنها تجبر على اللعان، ووافقه غيره وروى الكوسج أنه يقال لها: اذهبي والولد لها. قال: وهو المعمول عليه عندي.
ووجه الأولى وهي الصحيحة عندي قوله تعالى: (ويدرأوا عنها العذاب أن تشهد أربع شهادات بالله أنه لمن الكاذبين (١)).
فأثبت إن عليها عذابًا يسقط باللعان وقد اتفقا على أن الحد لا يجب فلم يبق عذاب يجب غير الحبس.
ووجه الثانية: أن الحبس عذاب فلم يلزمها بلعان الزوج، دليله حد الزنا.
اللعان بنفي الولد:
١٣٨ - مسألة: في اللعان على الحمل هل يصح؟
نقل أبو طالب، والميمونى، وغيره: لا يلاعن بالحمل، لعله من علة ثم ينفش.
ونقل ابن منصور إذا تزوج العبد الحرة، أو الأمة، أو الحرة اليهودية، والنصرانية، يلاعن إنما هو نفي الولد وإذا كان قاذفًا وكانت حاملًا أو لم تكن حاملًا يلاعنها. قال أبو بكر الخلال: روى الجماعة: حنبل، وأبو طالب، وغيره: لا يلاعن بالحمل، وقول إسحاق قول أول، وعندي أن ما نقله إسحاق لا يدل على اللعان على الحمل لأن قوله: إذا كان قاذفًا وكانت حاملًا، أو لم تكن حاملًا لاعنها معناه يلاعن لإسقاط الحد لا لنفي النسب لأن اللعان وجوبه يتعلق بوجود الحمل والحمل غير متيقن لأنه يجوز أن يكون في جوفها ريح أو علة فيتوهم أنه حمل فلم يجز إيجاب اللعان بالشك.
ولأنه إذا لم يكن الحمل متيقنًا صار القذف معلقًا بشرط، وهو أن يقول: أن ولدت ولدًا فهو من الزنا وليس مني، ونفي الولد لا يتعلق بالشرط ألا ترى أنه لو نفاه بعد الوضع وعلقه بشرط مثل أن يقول: إن دخلت الدار فهذا الولد ليس مني لم يكن هذا نفيًا؟
стр. 605
ومن ذهب إلى رواية إسحاق فوجهه ما روى أن النبي ﷺ لاعن بين هلال بن أمية وبين امرأته وفرق بينهما وكانت حاملًا والحق الولد بالأم وأمر بأن لا يدعي لأب (١) ولأن كل حالة لو أقربه فيها لزمه فإنه إذا نفاه جاز أن ينفيه باللعان، دليله بعد الوضع والقائل الأول لا يسلم هذا الوصف لأنه لو أقر بالحمل لم يلزمه النسب نص عليه في رواية ابن القاسم فقال: إذا أقر بحمل ثم رجع بعد الولادة أو قبل لاعن بعد أن تضع، فأما إن ولدته فأقر به لم أقبل رجوعه أبدًا.
ثبوت الفرقة بين المتلاعنين بمجرد اللعان:
١٣٩ - مسألة: فرقة اللعان هل يفتقر إلى حكم الحاكم أم تحصل بلعان من الزوج؟
نقل إسماعيل بن سعيد: لا يحتاج إلى فرقة الحاكم في اللعان، فظاهر هذا أنها تقع بلعانها معًا ولا يفتقر إلى حكم الحاكم فإن حكم الحاكم تنفيذ لا إيقاع.
ونقل ابن القاسم: ينبغي للحاكم أن يقول: قد فرقت بينكما، فظاهر هذا أنه يتعلق بلعانهما وحكم الحاكم بعد ذلك فأما قبل الحكم فهما على الزوجية، ولكن الحاكم يحكم بالفرقة من غير مطالبة ويكون حكمه إيقاعًا لا تنفيذًا، وهو
стр. 606
اختيار الخرقي وأبي بكر ولا يختلف الرواية أن الفرقة لا تقع بلعان الزوج وحده.
ووجه الأولى: قول النبي ﷺ : المتلاعيان لا يجتمعان أبدًا (١)، فقد منع من اجتماعها باللعان وهما بعد الفراغ من اللعان متلاعنان فمن قال: هما مجتمعان ما لم يحكم الحاكم فقد ترك الخبر، ولأنه لما لم يصح البقاء على النكاح بعد التلاعن دل على أن الفرقة قد وقعت بينها، ألا ترى أنه لما أنه لما لم يصح البقاء عليه بعد الرضاع ووطء المرأة دل على وقوع الفرقة بينها؟
ووجه الثانية: ما روى أن النبي ﷺ لاعن بين العجلاني وامرأته قال: "إن أمسكتها فقد كذبت عليها فطلقها ثلاثًا (٢) " فأقره النبي ﷺ على هذا ولم ينكر عليه، فلو كانت الفرقة وقعت كان الطلاق محالًا فلما أقره على الطلاق ثبت أن الزوجية كانت باقية، ولأن سبب هذه الفرقة تفتقر إلى الحاكم، فالفرقة المتعلقة به لا تقع إلا بحكم الحاكم كفرقة العتيق، ولأنه سبب يفتقر إلى لفظ الشهادة فوجب أن لا يكون له حكم ينضم إليه حكم الحاكم. دليله الشهادة على سائر الحقوق.
ذكر الولد المنفي بالقذف في اللعان:
١٤٠ - مسألة: إذا قذفها ونفي الولد فهل عليه أن يذكر الولد في اللعان؟
قال الخرقي: يذكره. وقال أبو بكر - في كتاب الخلاف - ليس عليه ذلك.
стр. 607
ووجه ما قاله الخرقي - وهو الصحيح -: أن كل من سقط حقه باللعان كان ذكره شرطًا فيه كالزوجة.
ووجه قول أبي بكر: أن نفي الولد إنما يكون تبعًا لزوال الفراش والفراش يزول بلعانها جميعًا ونفى النسب تبعًا له فلم يكن عليه ذكره.
عدد الشهود الذين يثبت بهم الإقرار بالزنا:
١٤١ - مسألة: في الإقرار بالزنا بماذا يثبت؟
قال أبو بكر في كتاب الخلاف: على قولين: أحدهما: لا يثبت إلا بأربعة لأنه إقرار بفعل فلا يثبت إلا بما يثبت به ذلك الفعل، كالقتل.
والثاني: يثبت بشاهدين، لأنه يثبت بإقرار فوجب أن يثبت بشاهدين كسائر الإقرارات، ويفارق القتل لأنه فعل وفعل الشيء أقوى من الإقرار به، ألا ترى أنه لو قذفه كان عليه الحد، ولو أقر أنه زنا لم يكن قاذفًا؟
إباحة الملاعنة للملاعن إذا كذب نفسه:
١٤٢ - مسألة: إذا كذب الزوج نفسه بعد لعانه لزمه ما عليه من وجوب الحد ولحوق النسب لأنه إذا لحق وجبت النفقة، وهل يثبت ماله وهو رجوع الفراش بماله وزوال تحريم العقد؟
على روايتين: نقل حنبل، والميموني: أنه تحريم على التأبيد ولا يزول ذلك التحريم، ونقل حنبل في موضع آخر متى أكذب نفسه زال تحريم الفراش، وعادت مباحة كما كانت بالعقد الأول.
قال أبو بكر: جميع من روى عنه، أن المتلاعنين لا يجتمعان أبدًا أكذب نفسه أو لم يكذبها، وما رواه حنبل فهو قول آخر.
والعمل على ما روى الجماعة.
ووجه الأولى: وهي الصحيحة -ما روي عن النبي ﷺ قال: "المتلاعنان لا يجتمعان أبدًا" (١). ولأنه تحريم عقد لا يرتفع بغير تكذيب
стр. 608
فوجب أن لا يرتفع به كتحريم المصاهرة، والرضاعة، ولا يلزم عليه الطلاق لأنه لا يرتفع كتحريم بتكذيب، وإنما يترفع بالعقد والإصابة.
ووجه الثانية: أنه تحريم يختص بالزوجية فوجب أن لا يكون مؤيدًا كالطلاق ولا يدخل عليه الرضاع لأنه لا يختص بالزوجية.
اللعان لنفي الولد:
١٤٣ - مسألة: إذا قال لها: أكرهت علي نفسك وغضبت عليها وهذا الولد منه وما زنيت أنت فهل له اللعان على نفي النسب أم لا؟.
على روايتين: إحداهما: ليس له أن يلاعن أومأ إليه في رواية ابن القاسم، وأبي طالب، فقال في رواية ابن القاسم ولا يزول الولد إلا في الموضع الذي أزالته الشبهة وهو بالتعانها جميعًا، والفراش قائم حتى تلتعن هي أيضًا والولد للفراش ونقل أبو طالب: إذا قال: ليس هذا الحمل مني إنما هي كاذبة فإذا قذفها لعنها.
•
والرواية الثانية: له اللعان نص عليه في رواية ابن منصور إذا قال: لا أقذف امرأتي وليس مني فإذا كان الفراش له وولدت في ملكه يلاعن وقال في موضع آخر إذا قال ليس مني لحق به ولا ينتفي إلا باللعان.
وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي أن الرجل إذا لاعن يحتاج أن يقول أشهد بالله إني لمن الصادقين فيما رميتها به من الزنا.
وإذا لم يقذفها لم يمكنه اللعان فثبت أنه لا يلاعن حتى يقذف ولأنه من رمي أحد الواطئين لم يكن له أن يلاعن كما لو قذف الزوجة دون الواطئ فقال: وطئتك فلان بشبهة وكنت علمت بأنه أجنبي.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر وشيخنا أبي عبد الله وهو أصح أنه قذف بزنا لو أتت منه بولد لحقه، فكان له نفيه باللعان كما لو قذفها معًا، ولأنه إذا قال لها: هذا الولد ليس مني، ولم أصبك وما زنيت. لا يخلوا إما أن يستلحق الولد فيكون ولده أو يقذفها وينفيه، أو يقذف الواطئ ويلاعن، ولا يجوز أن يستلحقه ولأنه لا يحل له وبطل أن يقال يقذفها معًا، لأنه لا يمكنه
стр. 609
لأن الزاني هو الواطئ دونها فلم يبق إلا أن يقذف الواطئ وحده ويلاعن على نفي النسب.
قذف الأنثى بلفظ المذكر:
١٤٤ - مسألة: إذا قال لزوجته: يا زان هل يكون قذفًا؟
قال أبو بكر: يكون قذفًا كقوله يا زانية. قال الشيخ أبو عبد الله: لا يكون قاذفًا.
وجه قول أبي بكر - وهو الصحيح - أن الكلام إذا فهم معناه تعلق حكمه بقائله وإن كان لحنًا كما لو قال لرجل: زنيت بكسر التاء وللمرأة: زنيت بفتح التاء أو قال له على مائة درهمًا بفتح الهاء ونصب الدرهم ولأن الحد إنما يجب بإدخال المعرة على المقذوف بأي عبارة كانت بدليل أنه لو قذفه بالفارسية كان قذفًا كذلك هاهنا قد أدخل فيجب أن يكون قذفًا ولأن الهاء إنما تدخل للفرق بين المذكر، والمؤنث، والإشارة إليها بحرف التاء أبلغ من الهاء في الفرق بين المذكر والمؤنث ولأنه قد يحذف آخر الكلمة على سبيل الترخيم فيقال: لمالك: يا مال، والحارث: يا حار كذلك هاهنا.
ووجه قول شيخنا أبي عبد الله أن الهاء تدخل في زانية للفرق بين المذكر والمؤنث، لأنه يقال للمرأة زانية وللرجل زانٍ كما يقال: صادق وصادقة فكانت الهاء علامة المؤنث فيجب إذا أضاف الزنا إليه بلفظ المؤنث أن لا تصح الإضافة كما إذا أضافت الصدق إليه باللفظ المؤنث، أن لا تصح الإضافة.
قذف الذكر بلفظ المؤنث:
١٤٥ - مسألة: فإن قالت لزوجها: يا زانية أو قال له: أجنبي.
فقال أبو بكر هو قذف، وزيادة الحرف كنقصانه.
وقال الشيخ أبو عبد الله: لا يكون قذفًا.
ووجه قول أبي بكر وهو الصحيح، ما تقدم في المسألة التي قبلها وهو أن الكلمة إذا فهم معناها يتعلق حكمها بقائلها وإن كانت لحنًا كقوله لرجل:
стр. 610
زنيت بالكسر وللمرأة: زنيت بالفتح ولأن الحد يجب على القاذف بإدخال المعرة على المقذوف وهاهنا قد أدخل المعرة بهذه الإضافة والمواجهة، ولأن فعل الرجل إذا تقدم ذكره جاز أن يؤنث كقوله: رجل ضحكة، ولعنة، وهزأة.
وجه قول شيخنا بأن الهاء إنما تزاد في الكلمة للمبالغة في العلم، لتدل على التكرار منه، كما يقال: علامة، وحسابه، ونسابه، ليدل على كثرة العلم بذلك وإذا كانت لغة في علم الشيء وجب أن لا تكون قاذفة له كما لو قالت له أنت عالم بالزنا ولأن قوله زانية اسم وضع للتي تمكن من نفسها للوطء والزنا بها، وما كان موضوعًا لها لا يتصف الرجل به فوجب أن لا تكون قاذفة له.
القذف باللفظ المحتمل للزنا وغيره:
١٤٦ - مسألة: إذا قال لرجل زنأت في الجبل.
فقال أبو بكر: هو صريح في القذف فإن ذكر أنه لم يرد به القذف لم يقبل منه. وقال شيخنا أبو عبد الله: إن كان من أهل اللسان بالعربية عالمًا باللفظة لم يكن صريحًا في القذف وكان على ما أراد، وإن لم يكن له معرفة باللسان كان صريحًا في القذف وهو أصح لأن العامة لا تفرق في العادة بين قوله زنأت وزنيت وتعقل من هذا ما تعقله من هذا، فصارت كلغة قائمة فيما بينهم اصطلحوا عليها، فتعلق بها الحد مثل: أن يقذفه بالفارسية.
وليس كذلك إذا كان من أهل اللغة ويعرف الفرق بين زنأت وزنيت أن يصدق لأنه يفرق بينها والعامي لا يفرق.
ووجه قول أبي بكر أنه لما كان صريحًا في القذف في حق العامي، كان صريحًا في حق من هو من أهل اللغة كقوله: زنيت.
قذف المحصن بما قبل الإحصان:
١٤٧ - مسألة: إذا قال: زنيت وأنت نصرانية أو أمة فقالت: قد كنت نصرانية غير أني ما زنيت، فهو قاذف وهل يجب عليه الحد؟. على روايتين:
نقل الميموني في رجل قذف امرأة فقال: زنيت وأنت نصرانية أو أنت
стр. 611
مملوكة، هل يجلد الحد إن لم يأت بالبينة؟.
فقال: ويعلم أنها كانت نصرانية هذا أهون قيل له: فإن لم يعلم؟ فقال: دعها ولم يجب عنها، فظاهر هذا أنه لم يوجب عليه حد القذف.
ونقل ابن منصور في رجل رمى امرأته بما فعلت في الجاهلية، فقال: عليه الحد فظاهر هذا أنه أوجب الحد ولا تختلف الرواية أنها إذا لم تصدقه أنها كانت نصرانية أو أمة أن عليه الحد.
ووجه الأولى: - وهي الصحيحة - أنه قاذف النصرانية أو أمة، فلم يجب عليه حد القذف، دليله إذا كانت نصرانية أو أمة حال القذف.
ووجه الثانية: أنه أضاف الزنا إلى حالة الرق فلم يسقط حد القذف كما لو تصدقه أنها كانت نصرانية أو أمة.
ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأنها إذا لم تصدقه فهو قذف المسلمة لأن المغلب في دار الإسلام حكم الإسلام بدليل أنه لو وجد لقيط في دار الإسلام حكمنا بأنه مسلم وإذا حكمنا بإسلامها كان الحد على قاذفها والقائل الثاني يجيب عن هذا فيقول: الدار تجمع المسلمين والمشركين والأصل براءة ذمته عن الحد فكان يجب أن لا يلزمه الحد مع إنكارها حتى يعلم ذلك ولما أوجب عليها الحد مع هذا الاحتمال كذلك هاهنا.
تكرار الحد بتكرار القذف بعد الحد للقذف الأول:
١٤٨ - مسألة: إذا قذف أجنبيًا أو أجنبية فحد ثم قذفها ثانيًا بغير القذف الأول فقال: زنيت ثانيًا فهل يجب عليه حد ثاني؟
نقل الأثرم وأحمد بن منصور: لا حد عليه وهو اختيار أبي بكر الخلال. ونقل حنبل: يحد وهو اختيار أبي بكر، ولا تختلف الرواية أنه إذا قذفها بالقذف الأول أنه لا حد عليه لأن القذف ما احتمل الصدق والكذب، وهذا قد تحقق كذبه فلا حد عليه ولكن يعزر.
وجه الأولى: أنه قد حكم بكذبه في قذفها فلا يجد لها كما لو أعاد الأول ولأن المعرة لا تلحق بهذا القذف بحصول كذبه.
стр. 612
ووجه الثانية: أنه إذا استأنف قذفًا احتمل الصدق والكذب، فالمعرة تلحق فلهذا كان قذفًا، ويفارق هذا إذا أعاد الأول لأنه قد تحقق كذبه به فيه فلهذا لم تحد.
ولأنه لو زنى فحد أو سرق فقطع ثم زنى وسرق ثانيًا أقيم عليه الحد كذلك هاهنا، إذا قذف يحد ثم قذف ثانيًا أن يحد فإن قذف زوجته بزنا ولم يحقق بالبينة فحد، ثم قذفها ثانيًا فحكمه حكم قذفه لأجنبية إن كان القذف الثاني الزنا الأول فلا حد عليه.
وإن كان بزنا ثاني فعلى روايتين:
فإن قذفها وهي أجنبية فقبل أن يحد تزوج بها ثم قذفها بقذف ثاني في الزوجية، فإن طالبت بالأول فحد لها، فهل لها المطالبة بالثاني؟ على روايتين: كما قلنا في قذف الأجنبية إذا حد لها ثم قذفها ثانيًا، وإن طالبت بالثاني أو لأن أقام البينة عليها بالزنا فحدت لم يحد الزوج للأول ولا للثاني لأنه قد سقطت حصانتها، فإن لم تقم البينة لكن لاعنها سقط عنها الحد الأول بلعانها. نص عليه في رواية ابن منصور لأنه أسقط القذف فكان مسقطًا للقذف الأول كالبينة وإن لم يلتعن ولم تقم البينة فقد تكرر منه قذفها قبل الزوجية وبعد الزوجية فيجب حد واحد. نص عليه في رواية ابن منصور لأنها حدان من جنس واحد فوجب إذا ترادفا ان يتداخلا كحد الزنا.
قذف كل من الزوجين لصاحبه:
١٤٩ - مسألة: إذا قال لزوجته: يا زانية فقالت: بل أنت زان فكل واحد منها قاذف لصاحبه
قال أبو بكر: على الزوج الحد إلا أن يقيم البينة أو يلتعن وعليها الحد إلا أن تقيم البينة.
ونقل حنبل عن أحمد ﵀: أنه لا لعان بينهما وعليها الحد فأسقط عن الزوج الحد واللعان، وأوجب على الزوجة حد القذف، وعندي أن هذه الرواية سهو في النقل لأن أكثر ما فيه أنه محدود في قذف والمحدود في القذف
стр. 613
يلاعن. نص عليه في رواية ابن منصور، والصحيح ما قاله أبو بكر لأنهما قاذفان لو انفرد كل واحد منهما بالقذف كان له حكم قذفه فإذا قذف كل واحد منهما وجب أن يكون له حكم قذفه كالأجنبيين إذا قذف كل واحد منهما صاحبه.
قذف الجماعة بكلمة واحدة:
١٥٠ - مسألة: إذا قذف جماعة نسوة أو جماعة رجال قذفًا واحدًا بكلمة واحدة، فهل يجب عليه حد واحد أم حدود؟
نقل أبو الحارث، والفضل، وأبو طالب، ويعقوب بن بختان، ومهنا، وعبد الله: عليه حد واحد وإن تفرقوا لأنها كلمة واحدة، وإن قذفهم متفرقين حد لكل واحد حدًا فقد نص على أن عليه حدًا واحدًا سواء طالبوا بالحد متفرقين أو مجتمعين.
ونقل أبو الصقر عنه فيمن قال: يا ناكح أمه، يحد للرجل حدًا ولأمة حدًا فقد أوجب حدين بكلمة واحدة سواء طالبوا جميعًا أو متفرقين.
ونقل أبو الحارث، وحنبل، وابن منصور: إذا قذف جماعة فإن قدموه إلى كم، واحدا واحدًا حد لكل واحد منهم حدًا وإن قدموه جميعًا مرة واحدة ضرب لهم حدًا واحدًا، ولا تختلف الرواية أنه إذا قذفهم بكلمات وأفرد كل واحد أن عليه لكل واحد حدًا كاملًا وقد حكينا في الظهار عكس هذا وهو أنه إذا ظاهر منهن بكلمة واحدة ثم عاد من كلهن فعليه كفارة واحدة رواية واحدة، وإن ظاهر من كل واحدة بكلمة مفردة ثم عاد منهن فعلى روايتين فها هنا إذا أفرد كل واحدة بكلمة واحدة فعليه لكل واحدة حد وإن جمعهن بكلمة واحدة فعلى الروايات، وكان الفرق بينهما أن الكفارة حق الله تعالى بدليل أنه لا مطالبة للزوجة فيها فجاز أن يبني أمره على التداخل بالكلمة والكلمات كحد الزنا، والسرقة، وليس كذلك حد القذف لأنه حق لآدمي بدليل أنه لا يستوفى إلا بمطالبة المقذوف فكان أبعد في التداخل ألا ترى أنه لو جرح ثم جرح لم يتداخل أو أتلف مالًا ثم أتلف مالًا ثانيًا لم يتداخل وكان
стр. 614
يلزم على هذا أن لا يتداخل وإن كان بكلمة واحدة لكن وجدنا في الأصول فرقًا بين الكلمة الواحدة والكلمات. ألا ترى أنه لو حلف يمينًا واحدة على جماعة نساء أن لا يكلمهن فكلمهن فكفارة واحدة ولو أفرد كل واحدة بيمين وحنث في جميعهن لزمه لكل يمين كفارة كذلك هاهنا.
وجه الرواية الأولى: وأنه يتداخل إذا كان بكلمة واحدة وهي الرواية الصحيحة، أنها حدود ترادفت من جنس واحد فجاز أن يتداخل كالزنا، والسرقة، وشرب الخمر ولا يلزم على هذا إذا أفرد كل واحدة بقذف لأن التعليل لجواز التداخل في الجملة، فلا يلزم عليه التفضيل، ولأنه قذف بكلمة واحدة، فكان فيه حد واحد كما لو قذف واحدًا.
ووجه الثانية: أنه يجب لكل واحدة حد أنها حقوق مقصودة لآدميين فإذا أمكن استيفاؤها لم يتداخل كما لو جرح ثم جرح أو خرق ثوبًا ثم خرق ثوبًا.
ووجه الثالثة: وأنه إذا جاءوا متفرقين فحدود وإن جاءوا مجتمعين فحد واحد ان حد القذف جعل للتشفي لما دخل عليه من المعرة فإذا جاءوا جميعًا يطالبون بذلك فاقيم الحد، فالظاهر أن التشفي قد حصل لجميعهم لأن الحد أقيم في مقابلة المطالبة من جهة جميعهم. وليس كذلك إذا جاءوا متفرقين فأقيم الحد لأحدهم ثم جاء الآخر يطالب فإن التشفي لا يحصل للثاني بالحد الأول، ولأنه لم يقم له ولا عن مطالبته والتشفي لا يحصل له. فإن كان المقذوف زوجاته وأراد اللعان أفرد كل واحدة منهن بلعان لأن لكل واحدة منهن حقًّا في الرمي، واللعان يمين، واليمين الواحدة لا يسقط بها حق لاثنين كما لو ادعى رجلان حقين فأنكر فإنه يحلف لكل واحد يمينًا ولا يحلف لهما يمينًا واحدة عليه كذلك هاهنا.
ولأن اللعان موضوع على التغليظ، ولهذا كرر اللفظ وجيء باللعن فيه ومن التغليظ أن يفرد كل واحدة بلعان.
قذف الزوجة وأجنبية بكلمة واحدة:
١٥١ - مسألة: فإن قذف زوجته وأجنبية بكلمة فقال: زنيتا ولم يقم البينة، ولم يلتعن فهل يحد لهما حدًا واحدًا أم حدين؟
стр. 615
يخرج على ما مضى من الروايات وهو إذا قذف أجنبيتين بكلمة واحدة واختار أبو بكر هاهنا أن عليه حدًا واحدًا وعندي أن الصحيح هاهنا أن يجب لكل واحدة حد كامل وهو المنصوص عن أحمد ﵁ في رواية مهنا: إذا رمى زوجته وأجنبية بالزنا، فإنه يلاعن عن زوجته، ويحد للأجنبية وذلك لأن حد الزوجة يخرج منه بأحد أمرين: إما بالبينة أو باللعان، وحد الأجنبية لا يسقط إلا بالبينة فقط فلما اختلفا في المسقط لهما كانا كا المختلفين، ودخلا في جملة حدين من جنسين فلهذا كان الأظهر هذا.
ما يوجب قذف الزوجة برجل بعينه:
١٥٢ - مسألة: فإن قذف زوجته برجل بعينه فقال: زنا بك فلان، ولم يلا عن فإنه يحد لها حدًا واحدًا رواية واحدة، لأنه قال: إذا لاعنها لم يحد للأجنبي إذا طالب. وهذا يدل على أنه لم يجب إلا حد واحد لأن هذا قذف بزنا واحد، ويفارق هذا إذا قذف الجماعة بكلمة واحدة لأن هذا قذف بعدد من الزنا فلهذا تكرر الحد فيه على إحدى الروايتين.
التعريض بالقذف:
١٥٣ - مسألة: إذا عرض بالقذف مثل أن يقول حال الغضب والخصومة: يا حلال ابن الحلال خلقت من نطفة حلال ما أنا زاني، ولا أمي زانية فهل يكون ذلك قذفًا يجب به حد القذف؟
نقل الأثرم، والمرذوي، وأبو الحارث، وابن منصور: في التعريض بالزنا. الحد ونقل جنبل في التعريض التعزير، ولا يبلغ الحد إلا في القذف
وجه الأولى: - وهي الصحيحة - أن دلالة الحال تنقل حكم الكلام إلى ضد ما أوجب لفظه في حقيقة اللغة، نحو قوله: ﴿اعملوا ما شئتم﴾ (١) ظاهره الأمر والمراد به النهاية في الزجر وكذلك قوله: ومن شاء فليؤمن ومن شاء
стр. 616
فليكفر (١) وقوله: ﴿واستفزز من استطعت منهم بصوتك﴾ (٢). ونحو ذلك فلو ورد هذا اللفظ مبتدأ عاريًا من دلالة الحال لكان ظاهره يقتضي إباحة جميع الأفعال، وهو في هذه الحال وعيد، وزجر، بخلاف ما يقتضيه اللفظ المعلق العاري من دلالة الحال ومن نظائر ذلك قول النجاشي:
إذا الله عادى أهل لؤم وقلة … فعاد بني العجلان رهط ابن مقبل
قبيلة لا يغدرون بذمة … ولا يظلمون الناس حبة خردل
ومعلوم أن الناس يتمدحون بدفع الظلم والغدر عن أنفسهم وهو في هذا الموضع ذم وهجاء لخروج اللفظ مخرج الهجاء فكان معناه أنهم أقل من أن يوثق بهم بذمة يغدرون بها وأعجز من أن يظلموا أحدًا فكانت دلالة الحال ناقلة لحكم اللفظ إلى ضد مقتضاه هـ وموجبه لو كان ورد مطلقًا وقد اعتبر قوم في هذا المعنى مسائل في الفقه فيمن قامت امرأته لتخرج فقال لها: إن خرجت فأنت طالق أنها إن قعدت ثم خرجت بعد ذلك لم يحنث وكذلك لو قال لرجل تغد عندي اليوم فقال إن تغديت فعبدي حر، أن هذا على ذلك الغداء بعينه. فإن تغدى عنده بعد ذلك لم يحنث فصارت اليمين على الفور لدلالة الحال عليها وكذلك لو خالعها بغير عوض ونوى به الطلاق كان طلاقًا ولو خالعها بعوض ونوى به الطلاق لم يكن طلاقًا. لدلالة الحال وهو بذل العوض كذلك هاهنا يجب أن يكون قوله في حال الغضب والخصومة يا حلال بن الحلال خلقت من نطفة حلال أن يكون قذفًا لدلالة الحال ولأن أكثر ما في التعريض أنه كناية عن القذف وقد أجمعنا على أن قذف الأخرس ولعانه يصح وإشارة الأخرس بالقذف إنما هي كناية عن القذف وقد صحت كذلك في الناطق.
ووجه الثانية أن كلما كان كناية في حال الرضا كان كناية في حال الغضب فلو قال ما أنا بزانٍ ولا أمي زانية لم يكن اعتراضًا فوجب أن لا يكون لغيره قذفًا ولأن الله تعالى أباح التعريض بخطبة النساء في العدة فقال: ﴿ولا جناح
стр. 617
عليكم فيما عرضتم به من خطبة النساء﴾ (١) وحرم التصريح به فلو كان التصريح كالتعريض لما أباحه وحرم التصريح.
نسبة الزنا إلى إحدى الجوارح:
١٥٤ - مسألة: فإن قال: زنى فرجك أو قال زنى يدك أو رجلك فقال شيخنا أبو عبد الله ﵀ في قوله زنى فرجك: صريح في القذف لأنه محل الفعل فيه يضاف الزنا إليه فلهذا كان قذفًا واما قوله زنى يدك أو رجلك فليس بصريح لأنه يحتمل صريح الزنا الذي هو الفاحشة والفجور ويحتمل زنا اليد والرجل وهو النظر واللمس والسعي قال ﷺ : العينان تزنيان واليدان تزنيان ويكذب ذلك ويصدقه الفرج (٢).
قال أبو بكر في قوله: زنى فرجك ويدك ورجلك واحد وفيهما قولان بناء على التعريض هل يوجب الحد أم لا؟ فيها روايتان والمذهب على ما حكاه الشيخ وليس هذا من التعريض في شيء لأن التعريض إنما كان قذفًا لدلالة الحال وهذا المعنى معدوم هاهنا.
معنى الإقراء:
١٥٥ - مسألة: اختلفت الرواية في الإقراء هل هي الحيض أم الإطهار؟
نقل صالح عنه أنه قال من الناس من يقول: القرء هو الطهر وهو قول زيد وابن عمر وعائشة. ومنهم من يقول: هو الحيض وهو قول عمر وعبد الله بن مسعود قيل له إلى أي شيء تذهب؟ قال: فيه إختلاف وكأنه ذهب إلى أنه الإطهار.
ونقل ابن القاسم عنه في المطلقة تطهر من الحيضة الثالثة قد كنت أقول
стр. 618
بقول زيد بن ثابت وعائشة وابن عمر فهبته فظاهر هذا أنه رجع عن قوله بالإطهار وإن القرء هو الحيض وقد صرح في رواية عبد الله النيسابوري فقال: قد كنت أقول به إلا أني أذهب اليوم إلى أن الإقراء الحيض إلا أن أصحابنا قالوا: إن المسألة على روايتين:
إحداهما: أنها الإطهار.
والثانية: أنها الحيض وهي الصحيحة وإليه ذهب أصحابنا.
وجه الأولى حديث ابن عمر أنه طلق امرأته وهي حائض فقال النبي ﷺ لعمر: مره فليراجعها ثم ليمسكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسكها وإن شاء طلقها فتلك العدة التي أمر الله أن تطلق لها النساء (١).
فوجه الدلالة أنه أمره بمراجعتها وإمساكها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم بعد ذلك يطلق أو يمسك وكان قوله تلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء راجعًا إلى الطهر فثبت أن الاعتبار به ولأنه إذا طلقها وهي طاهر فذلك الطهر عدة وجبت عقيب طلاق مباح مجرد فوجب أن تعتد بها، أصله عدة الآيسة والصغيرة التي لم تحض والحامل ولا يدخل عليه الطلاق في حال الحيض لأنه ليس بمباح بل هو محرم فلذلك لم يعتد به. وقولنا: مجردًا احتراز من الخلع فإنه مباح في الحيض ولا يعتد به لأنه ليس بمجرد وإنما هو طلاق بعوض، ولأنه دم يحرم الجماع فوجب أن لا يعتد بزمانه أصله بقية الحيضة التي طلقها فيها.
ووجه الثانية أن القرء يقع على الطهر والحيض جميعًا إلا أنه حقيقة من
стр. 619
الحيض بدليل أن التي لا تحيض لا تسمى من ذوات الإقراء وإن كان الطهر موجودًا فيها، وتسمى التي تحيض من ذوات الإقراء لوجود الحيض فيها وأسماء الحقائق لا تنتفي عن مسمياتها ولأنه أشبه بلغة النبي ﷺ .
قال ﷺ : (دعي الصلاة أيام إقرائك) (١) ومعناه أيام حيضك، وقوله ﵇: (دعي الصلاة من القرء إلى القرء) (٢).
وروت عائشة ﵂ أن النبي ﷺ قال: طلاق الأمة طلقتان،
وعدتها حيضتان (٣)، ولأنها عدة تتعلق بخروج يخرج من الرحم فوجب أن
стр. 620
يتعلق بالظهور، دليله عدة الحامل. فإذا قلنا الإقراء الحيض فإذا حاضت ثلاثًا ولم تغتسل فهل تحل للأزواج أم لا حتى تغتسل قال في رواية ابن القاسم عمر وعلي وابن مسعود يقولون قبل أن تغتسل من الحيضة الثالثة، قيل لأبي عبد الله فإن أخرت الغسل متعمدة فينبغي إن كان الغسل من إقرائها أن لا تبين وإن أخرته، قال هكذا كان يقول شريك، فظاهر هذا أنه أخذ بقول عمر وعلي وابن مسعود، وأنها لا تحل للأزواج ما لم تغتسل لأن الضحاك روى عن عمر وابن مسعود أنها قالا: زوجها أحق بها ما لم تغتسل من الحيضة الثالثة (١).
قال أبو بكر: وقد روي عن أبي عبد الله إذا وجبت عليها الصلاة ولم يخرج الوقت يعني بذلك أنها لا تباح ما لم تجب عليها الصلاة فإذا وجبت أبيحت.
وحكى شيخنا في المسألة روايتين إحداهما تباح بانقطاع الدم من الحيضة الثالثة وإن لم تغتسل.
والثانية: لا تباح حتى تغتسل وعلى هذا يملك الرجعة عليها ما لم تغتسل، وهو ظاهر كلام الخرقي ﵀ لأنه قال فإذا اغتسلت من الحيضة الثالثة أبيحت للأزواج وقد نص عليه أحمد في رواية حنبل فقال: هو أحق بها ما لم تغتسل.
وجه الأولى: وأنها لا تباح حتى تغتسل ما ذكره أحمد عن عمر وعلي وابن مسعود وأبي موسى الأشعري، فإن الحسن روي عنه أنه قال: هو أحق بها ما لم تغتسل ولأنها ممنوعة من الصلاة بحكم حدث الحيض فلم تبح للأزواج قياسًا على زمان الحيض ولأنها ممنوعة من الأزواج لأجل الحيض فوجب أن لا يرتفع ذلك التحريم إلا بالغسل كوطء الزوج الزوجة بعد الحيض.
ووجه الثانية: وإن الغسل ليس بشرط في الإباحة عموم قوله تعالى:
стр. 621
﴿والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء﴾ (١) والقرء عبارة عن الحيض وكذلك قول النبي ﷺ : طلاق الأمة طلقتان وعدتها حيضتان (٢). فمن أوجب الغسل اعتبر معناه زائدًا على ذلك ولأنها أكملت ثلاثة أقراء فأشبه لو اغتسلت ولأنها إذا وجبت عليها الصلاة حصلت في حكم الطاهرات وقبل أن يجب عليها فهي في حكم الحيض، فلهذا لم يبح.
عدة من لم تحض:
١٥٦ - مسألة: إذا أتى على الجارية زمان الحيض فلم تحض تعتد بثلاثة أشهر أم تعتد بسنة؟
نقل أبو طالب في البكر التي لم تحض: تعتد سنة، قال أبو بكر: قد خالف أبو طالب أصحابه في الرواية لأنهم قالوا عنه البكر تعتد بثلاثة أشهر قال: وهو الذي اعتمد عليه في رواية جنبل عدة المطلقة ثلاث حيض فإن كانت ممن لا تحيض أو ارتفع حيضها أو صغيرة فعدتها ثلاثة أشهر.
وجه الأولى وإن عدتها سنة: أنه إذا أتى عليها زمان الحيض فلم تحض حصلت مرتابة لجواز أن يكون بها حمل منع من ظهور الحيض لأن المسألة يتصور فيها إذا كانت مدخولًا بها لأن غير المدخول بها لا عدة عليها وإذا كانت مرتابة من هذا الوجه وجب أن يعلم براءة رحمها بغالب مدة الحمل.
ووجه الثانية: وهي اختيار أبي بكر وظاهر كلام الخرقي، لأنه قال وإن كانت من الآيسات أو ممن لم تحض فعدتها ثلاثة أشهر لقوله تعالى: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر ﴿(٣) واللائي لم يحضن كالآيسة باعتبار الثلاثة أشهر، ولأن كلما كان الاعتداد به إذا كان على العادة كان الاعتداد به، وإن خالف الأمر المعتاد كالإقراء والحمل فإن عادة التي لم تيأس من المحيض والإقراء فلو عاودها الدم بعد الإياس اعتدت به وإن كان خلاف العادة وجب أن يكون عدة هذه بالشهور وإن كانت خلاف العادة.
стр. 622
انقضاء العدة بوضع ما تشهد القوابل أنه مبتدأ خلق إنسان:
١٥٧ - مسألة: إذا ألقت جنينًا ولما يتبين فيه خلق الإنسان ولا تخطيط بل شهدت القوابل أن هذا مبتدأ خلق آدمي وأنه لو بقي لصار منه آدمي حي فهل تنقضي العدة وتصير به أم ولد أم لا؟
فنقل أبو طالب: أن عدتها لا تنقضي به ولا تصير به أم ولد.
ونقل حنبل: تصير به أم ولد، فالمسألة على روايتين:
إحداهما: تنقضي به العدة وتصير به أم ولد على ما نقله حنبل.
والثانية: لا تنقضي به العدة ولا تصير به أم ولد ولا يتعلق به شيء من الأحكام على ما نقل أبو طالب والأثرم وهي اختيار أبي بكر وهو أصح.
وجه الأولى: في أن العدة تنقضي به، أنها تنقضي بالدم الجاري فإن تنقضي بهذا الجسم المنعقد أولى، ولأن العدة بالوضع تراد لبراءة الرحم وقد علمنا براءة رحمها بوضعه فلذلك انقضت العدة.
ويدل على أنها تصير أم ولد أنه قد تحكم بالشيء من جهة الظاهر فإن كان في الباطن بخلافه، ألا ترى أن زوجة الرجل إذا أتت بولد لستة أشهر من حين العقد الحقناه هـ به، بحكم الظاهر وإن جاز أن يكون في الباطن بخلاف ذلك كذلك هاهنا نحكم بأنها أم ولد من جهة الظاهر وإن كان في الباطن بخلافه.
ووجه الثانية: أنها لا تصير أم ولد ان الحرية تسري من الولد إلى الأم لأنه ينعقد حرًا فيصير الأم أم ولد فأما هاهنا فما انعقد الولد حرًا فلا حرية هناك فلم تصر أم ولد ولأن أم الولد تضاف إلى الولد فيقال: أم ولد فإذا لم يوجد هناك ولد حقيقة لم تصح الإضافة فلم يثبت الحرية.
ويدل على أنه لا تنقضي به العدة أن العدة إنما تنقضي بوضع الحمل أو بالإقراء ولم يوجد هاهنا حمل ولا إقراء فلم تنقض العدة.
أكثر مدة يلحق الولد فيها بالزوج المطلق:
١٥٨ - مسألة: اختلفت الرواية في أكثر مدة يلحق الولد فيها بالزوج المطلق.
стр. 623
فنقل صالح وحرب وقد سئل في كم يلحق الولد؟ فقال: إلى أربع سنين.
ونقل ابن مشيش وقد سئل: كم مدة الحمل؟ فقال: الذي نعرف سنتين، وأهل المدينة يقولون: أربع.
ووجه الأولى - وهي الصحيحة - ما روي أن عمر ضرب لامرأة المفقود أجلًا أربع سنين (١) ولم يكن ذلك إلا لأنه غاية الحمل وروي ذلك عن عثمان (٢) وعلي (٣) ولأن ذلك لا حد له في اللغة، ولا في الشريعة فوجب الرجوع فيه إلى العادة وقد وجد ذلك معتادًا لأنه كان مستفيضًا بالمدينة أن نساء الماجشون كن يلدن لأربع سنين.
وروي أنه قيل لمالك: إن عائشة قالت أكثر الحمل سنتان (٤)، فقال: من يروي هذا عن عائشة؟ هذه امرأة ابن عجلان جارتنا ولدت بطونا بقي كل حمل في بطنها أربع سنين. وروى الشافعي عن حماد بن سلمة عن علي بن زيد القرشي أن: سعيد بن المسيب أراه رجالًا، فقال: إن أبا هذا غاب عن أمه أربع سنين ثم قدم فوضعت هذا وله ثنايا.
ووجه الثانية: ما روي عن عائشة أنها قالت: لا يبقى الولد في بطن الأم أكثر من سنتين مقدار فركة مغزل (٥)، وهذا لا يقال إلا توقيفًا ولا مدخل للاجتهاد فيه فصار كأنها قالت سمعت النبي ﷺ يقول ذلك ولأن هذه المقادير لا سبيل إلى إثباتها إلا من طريق التوقيف أو الاتفاق وقد حصل الاتفاق على سنتين وما زاد فهو مختلف فيه وليس فيه توقيف ولا اتفاق فلا نثبته.
стр. 624
تخيير الولد في الانتساب إلى من يشاء ممن أشكل إلحاقه بواحد منهما:
١٥٩ - مسألة: إذا نكحت في العدة وأتت بولد لستة أشهر فصاعدًا من حين دخل بها الثاني ولأربع سنين فما دون من طلاق الأول فالولد يمكن أن يكون منها فنريه القافه فإن ألحقته بالأول ألحق به وانقضت عدتها من الأول واستأنفت عدتها من الثاني وإن لم تلحقه القافه بواحد منهما بل أشكل أمره أو لم يكن قافه فقد اختلف أصحابنا. فقال أبو بكر يضيع نسبه ولا يقف حتى يبلغ فينتسب إلى من يشاء منهما قال: لأنه متهم في ذلك وهو أنه قد ينتسب إلى أشرفها وأيسرهما.
وقال شيخنا أبو عبد الله يترك حتى يبلغ فينتسب إلى أيهما مال طبعه إليه لأنه أعرف بنفسه فيرجع إليه كما رجع إلى المرأة في انقضاء عدتها فإذا انتسب لحق به دون الثاني ولكن بعد أن وضعته تستأنف ثلاثة أقراء لأنه إن كان من الأول فقد أتت بما عليها وإن كان من الثاني فعليها أن تكمل عدة الأول.
ابتداء عدة المفارقة في الغيبة:
١٦٠ - مسألة: إذا طلقها أو مات عنها وهو غائب عنها فهل تحسب عدتها من يوم الفرقة أم من حين العلم؟.
فنقل صالح عدتها من حين الفرقة.
ونقل إسحق بن إبراهيم: في عدتها روايتان:
إحداهما: مثل الذي روى صالح.
والثانية: إن كان بلغها بالبينة فالعدة من حين الفرقة موتًا كان أو طلاقًا وإن كان بثبوتها بالخبر فالعدة من حين بلغها، قال أبو بكر: لا خلاف عن أبي عبد الله أن العدة تجب من حين الموت أو الطلاق إلا ما رواه إسحاق وهو إذا لم تعلم البينة، فإن قامت البينة فمن يوم يموت أو يطلق.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، وبها قال عبد الله بن الزبير (١) وابن
стр. 625
مسعود (١) وعبد الله بن محمد وعبد الله بن عباس (٢) لأنه زمان عقيب طلاق مباح مجرد فوجب أن تعتد به كما لو كان حاضرًا، وقولنا: مباح احتراز من الطلاق حال الحيض، وقولنا: مجردًا احتراز من الخلع في الحيض، ولأن الفرقة إذا وقعت ومضى زمان العدة ولم تعلم به لم يفقد إلا القصد، وفقد القصد لا يؤثر في صحتها ألا ترى أنها لو كانت مجنونة أو صغيرة انقضت عدتها ولا قصد لها كذلك هاهنا لم يفقد إلا القصد فوجب أن تنقضي العدة.
ووجه الثانية: أن العدة لترك الطيب ولبس الزينة ونحوه وما فعلت هذا فوجب أن لا تنقضي عدتها.
عدة الأمة ذات الشهور في فرقة الطلاق:
١٦١ - مسألة: في عدة الأمة المطلقة إذا كانت حائلًا من ذوات الشهور مثل أن كانت صغيرة لم تحض أو كبيرة يئست من المحيض، روايات:
نقل صالح: عدتها شهران.
ونقل الميموني: عدتها شهر ونصف.
ونقل حرب وأبو داود وابن القاسم وابن إبراهيم في استبراء الأمة إذا كانت آيسة: تستبرأ بثلاثة أشهر فيجب أن ينقل كلامه في الاستبراء إلى العدة لا لاتفاقها في المعنى، فيخرج فيها رواية ثالثة أنها تعتد بثلاثة أشهر.
وجه الأولى: وهي اختيار الخرقي وأبي بكر أن كل شهر في العدة يقابل القرء، بدليل الحرة تعتد بثلاثة أقراء وإذا كانت من ذوات الشهور بثلاثة أشهر فإذا كان كذلك وقد تقرر أن الأمة لو كانت من ذوات الإقراء اعتدت بقرءين فإذا كانت من ذوات الشهور وجب أن تعتد بشهرين.
стр. 626
ووجه الثانية: أنه أمر بني على المفاضلة فالقياس يقتضي أن تكون الأمة فيه على النصف من الحرة كالحدود انها إذا كانت من ذوات الإقراء أن تعتد بقرء ونصف فلم يمكن تبعيضه فكملناه قرءين فلما أمكن تبعيض الشهور وجب أن تعتد بشهر ونصف والأصول على هذا وهو أن كل أمر بني على المفاضلة فإن كان مما لا يتبعض سقط العدد فيه رأسًا كالرجم، والميراث، وإن كان مما يتبعض كان على النصف من الحر كالحدود فلما كان هذا مما يتبعض وجب أن يكون على النصف.
ووجه الثالثة: أن العدة تراد البراءة الرحم وأقل ما يعرف به براءة الرحم بالشهور ثلاثة أشهر لأن الولد يكون في بطن أمه أربعين يومًا نطفة، ثم أربعين يومًا علقة، ثم يخلق بعد ذلك، ويكبر الجوف وتظهر الإشارات على الحمل، فإذا لم يظهر شيء من هذا دل على براءة الرحم فإذا لم يدل على براءة الرحم أقل هذا ساوت فيه الحرة كالحمل سواء، فهذا حكم الأمة المطلقة إذا كانت ممن لا تحيض وهكذا الحكم في استبراء الأمة إذًا فتخرج على ثلاث روايات:
إحداها: تستبرأ بشهر، نقلها الميموني، والثانية: بثلاثة أشهر نقلها الجماعة، حرب وابن القاسم وإبراهيم، ويتخرج الثالثة شهر ونصف كالمطلقة والمشهور عنه في الاستبراء ثلاثة أشهر، والمشتهر في المطلقة شهران.
بناء الرجعية على عدة الطلاق الأول إذا روجعت ثم طلقت قبل الدخول:
١٦٢ - مسألة: إذا طلق زوجته رجعية ثم راجعها وطلقها بعد الرجعة وقبل الدخول بها فهل تستأنف العدة أم تبنى على ما مضى من العدة الأولى؟
على روايتين: نقل الميموني: أنها تبنى وهو اختيار الخرقي ﵀ ونقل ابن منصور: تستأنف وهو اختيار أبي بكر.
وجه الأولى: أنه إذا طلقها لم يخل إما أن يكون العدة من الطلاق الثاني أو الأول فبطل أن يكون من الثاني لأنه لو كانت منه اقتضى أن لا عدة عليها لأنه طلاق قبل الدخول وإذا افضى إلى هذا ثبت أن العدة عن الأول وإذا كانت عنه فليس غير البناء. ولأنه لو خالعها ثم نكحها ثم طلقها قبل الدخول
стр. 627
بها بنت على العدة رواية واحدة كذلك إذا طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
ووجه الثانية: أنه إذا طلقها رجعية فقد شعث النكاح بثلمة أوقعها فيه بدليل أنها ما بانت به منه فإذا راجعها رم الشعث وسد الثلمة وعاد النكاح إلى ما كان عليه قبل الطلاق فكأنه نكاح واحد لم يقع فيه طلاق فإذا طلقها بعده كان عليها أن تستأنف العدة كأنه أول طلاق وقع بها بعد الدخول لأنه صار كأنه نكاح موصول بالدخول مثل هذا ما قلناه إذا ارتدت زوجته فإنها تجري إلى الفسخ. فإذا رجعت إلى الإسلام زال ما حدث في النكاح وعاد بمعناه الأول فلو طلقها بعد ذلك استأنفت العدة، كذلك هاهنا.
نفقة المتوفى عنها وسكناها:
١٦٣ - مسألة: في الحامل المتوفى عن زوجها. هل لها السكنى والنفقة أم لا؟.
فنقل المروذي، وأبو طالب، وحنبل: نفقتها من نصيبها. ونقل مهنا ينفق عليها من جميع المال.
وجه الأولى: الأولى: وهي الصحيحة، أنها معتدة من وفاة فلا نفقة لها كالحائل ولأنه لا يخلو إما أن تكون النفقة لها أو للحمل فبطل أن يكون للحمل لأن نفقة الأقارب تسقط بالوفاة وبطل أن يكون لها لأنه لو كان لها لكانت لها وإن كانت حائلًا [فإذا] لم تجب لواحد منها بطل وجوبها.
ووجه الثانية: قوله تعالى ﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ (١).
ولأنها معتدة بالحمل عن نكاح فكان لها النفقة كالمطلقة الحامل ومن قال بالأول أجاب عن هذا بأن المطلقة الحامل لما وجب لها أجرة الرضاع والحضانة بعد الوضع وجبت لها النفقة والسكنى حال الحمل وليس كذلك في مسألتنا لأنها لما لم يجب لها أجرة الحضانة بعد الوضع كذلك النفقة حال الحمل ولأن النفقة تجب لأجل الحمل وإذا كانت مطلقة فالزوج هو المنفق وإذا كانت متوفى عنها فقد مات الزوج ونفقة الأقارب تسقط بالموت فلهذا فرق بينها.
стр. 628
سكنى المبتوتة الحائل:
١٦٤ - مسألة: في المبتوتة الحائل لا نفقة لها رواية واحدة وهل لها السكني؟
على روايتين: نقل المروذي وأبو طالب وأبو الحارث والفضل بن زياد: لا سكنى ولا نفقة.
ونقل ابن منصور عنه السكنى للمطلقة ثلاثًا أوكد من النفقة لقوله: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾ (١).
وجه الأولى: - وهي الصحيحة - ما روت فاطمة ابنة قيس أن زوجها طلقها ثلاثًا وأن أخاه أخرجها فقال لها النبي ﷺ انظري يا ابنة قيس إنما النفقة للمرأة على زوجها ما كانت له عليها الرجعة (٢).
فإذا لم يكن له عليها الرجعة فلا نفقة لها ولا سكنى. وروى أبو بكر بإسناده عن فاطمة بنت قيس عن رسول الله ﷺ قال: "للمطلقة ثلاثًا لا سكنى لها ولا نفقة" (٣) وقال أبو بكر في حديث مجالد: إنما السكنى والنفقة لمن
стр. 629
يملك الرجعة (١) ولأن السكنى حق يجب على الزوج يومًا فيوم فبطل بالبينونة كالنفقة ولأنها لما لم تستحق النفقة لم تستحق السكنى دليله الحائل المتوفى عنها.
ووجه الثانية أن السكنى حق الله يدل عليه قوله تعالى: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم من وجدكم﴾ (٢) والمراد بها المعتدات، والدليل عليه ما قبل الآية وبعدها اما قبلها فقال: ﴿واللائي يئسن من المحيض من نسائكم إن ارتبتم فعدتهن ثلاثة أشهر واللائي لم يحضن﴾ (٣) ثم قال: ﴿أسكنوهن من حيث سكنتم﴾. قال: ظاهر هذا أنها كناية عادت على مذكور تقدم، وإنما تقدم ذكر المعتدات لا غير ثبت أنه أراد المعتدات وأما بعدها فقال:
﴿وإن كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن حملهن﴾ فشرط في الإنفاق الحمل وإنما أراد به البائن بالطلاق لأن الزوجة والمطلقة الرجعية لها النفقة حائلًا كانت أو حاملًا، وإذا ثبت بهذا أنها حق الله تعالى لم تسقط بالطلاق ويفارق النفقة لأنها حق للزوجة في مقابلة التمكين من المنفعة وقد عدم ذلك بالبينونة، فلهذا سقطت، ويفارق هذا الحائل المتوفى عنها زوجها أنها لا سكنى لها لأن المغلب في عدة الوفاة التعبد لا الاستبراء بدليل أنها تجب على الصغيرة وعلى غير المدخول بها وإذا كان المغلب هذا والسكنى تراد الاستبراء والمغلب غيره سقط وعدة الطلاق المغلب فيها الاستبراء لأنها لا تجب على غير المدخول بها فلهذا وجب ولأن ملكه زال بوفاته إلى وارثه فكيف تستحق السكنى على غير زوجها؟.
والمبتوتة بخلاف ذلك.
إحداد البائن المفارقة في الحياة:
١٦٥ - مسألة: من بانت بطلاق أو خلع أو فسخ هل عليها إحداد أم لا؟
على روايتين: نقل صالح: المتوفى عنها والمطلقة ثلاثًا والمحرمة يجتنبن الطيب، فظاهر هذا أن عليها الإحداد - وهو اختيار الخرقي.
стр. 630
والثانية: لا إحداد عليها، أومأ إليه في رواية أبي الحارث، فقال: كل ما روي في الإحداد إنما هو في المتوفى عنها ولم يرد في المطلقة شيء.
ونقل الأثرم عنه وقيل له: المتوفى عنها والمطلقة ثلاثًا تدعان الزينة والطيب؟ قال: نعم. قيل له: هما في التوكيد سواء، قال: لا لعمري لأن الأحاديث في الوفاة فظاهر هذا أنه لا إحداد عليها وهو اختيار أبي بكر في كتاب الخلاف.
وجه الأولى: أنها معتدة عن نكاح فوجب أن يكون عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها، ولأن عدة المبتوتة أضيق من عدة المتوفى عنها زوجها، بدليل أنها ممنوعة من الخروج في حوائجها والمتوفى عنها زوجها (غير ممنوعة) فكانت المبتوتة أولى.
ووجه الثانية: أنها معتدة عن طلاق فوجب أن لا يكون عليها إحداد كالرجعية. ولأن الإحداد إظهار الحزن والأسف على فراقه والفائت بوفاته والوفاة تقتضي هذا فإنه لا صنع له بفراقها والمطلقة لا أسف لها عليه ولا حزن لأنه هو الذي طلقها فلا معنى لتكليفها الحزن عليه وهي من أبغض الناس له.
تحريم المرأة على من نكحها في العدة تحريمًا مؤبدًا:
١٦٦ - مسألة: إذا عقد على امرأته في عدتها ودخل بها فهل تحرم عليه على التأييد أم لا؟
نقل حرب: أنها لا تحرم وأن للثاني أن يتزوج بها بعد انقضاء العدتين وهو اختيار الخرقي، وحكى شيخنا فيها رواية أخرى أنها تحرم عليه وقد أومأ إليه أحمد ﵀ في رواية أبي الحارث، وقد سأله إذا نكحها في العدة ثم أراد أن يجدد النكاح فقال فيه اختلاف وقد صرح به في رواية حنبل فقال: إذا تزوجت المرأة في عدتها فرق بينهما وكان لها المهر بما استحل من فرجها ولا يجتمعان أبدًا ومن ذهب إلى هذا احتج بأنه استعجل الحق قبل وقته فحرمه في وقته كالميراث إذا قتل الرجل مورثه فإنه لا يرث لأنه استعجل الحق قبل
стр. 631
وقته فحرمه في وقته ولأنه يفسد النسب فوجب أن يوقع التحريم على التأبيد كاللعان.
والوجه في أنها لا تحرم أنه وطء لو كان مباحًا لم تحرم به على التأبيد فإذا كان حرامًا لم تحرم به على التأبيد كالذي لا يفسد النسب.
ولأنه وطء فلم يحرم الموطوءة على التأبيد كالموطوءة بشبهة، بل هذا أولى، لأن الوطء إنما يحرم الموطوءة على غير الواطئ، فأما عليه فلا.
تربص زوجة المفقود وعدتها:
١٦٧ - مسألة: في المفقود وهو إذا غاب عن زوجته وكان الظاهر من حاله الهلاك مثل أن يفقد من بين أهله ليلًا أو يكون في البحر فيكسر بهم البحر ويغرق قوم ويسلم قوم ولا يعرف خبره أو يكون بين الصفين في حرب فيفقد أو يكون في طريق مكة فيلحقهم شدة ويهلك قوم ويسلم قوم ولا يعرف خبره.
فنقل الجماعة منهم ابن منصور وحنبل: أن زوجته تتربص أربع سنين أكثر مدة الحمل وأربعة أشهر وعشرًا مدة عدة الوفاء وتحل للأزواج بعد ذلك.
ونقل أبو الحارث عنه وقد سئل عن امرأة المفقود، إذا تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا ثم تزوجت فجاء الزوج الأول وكيف تصنع؟ فقال: قد كنت أقول: إذا تربصت أربع سنين ثم اعتدت أربعة أشهر وعشرًا تزوجت وقد ارتبت فيها اليوم وهبت الجواب فيها لما قد اختلف الناس فيها فكأني أحب السلامة ونقل مهنا عنه: اختلف الناس في امرأة المفقود فظاهر هذا التوقف عن اباحتها للأزواج وأنها تكون زوجته حتى تستبين أمره وفقده أو تمضي مدة الغالب في مثلها أن لا يعيش.
وقد قال في رواية المزني: تبقى إلى أن يمضي عليها تسعون سنة.
وجه الأولى: وهي الصحيحة، إجماع الصحابة روي عن ستة من الصحابة: عمر وعثمان وعلي وابن عمر وابن عباس وابن الزبير، فروى سعيد بن المسيب أن عمر وعليًا قالا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين ثم تعتد عدة الوفاة ثم تتزوج من بدا لها فإن قدم زوجها خير بين امرأته وبين الصداق، فإن اختار
стр. 632
امرأته عزلت عن زوجها الأخير ثم ترد إلى زوجها الأول وإن اختار الصداق كانت عند زوجها الأخير وأعطي الزوج الأول صداقه (١).
وبإسناده عن عمر وعثمان قضيا في امرأة المفقود: تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرًا بعد ذلك ثم تتزوج فإن جاء زوجها الأول خير بين الصداق وبين امرأته (٢)، وروى جابر بن زيد عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس قالا في امرأة المفقود تنتظر أربع سنين (٣)، وروى ابن القاسم قال قضى فينا ابن الزبير في مولاة لهم غاب زوجها عنها فتزوجت فجاء الأول: أنه مخير بين المرأة إن شاء وبين صداقها (٤)، ولأن المعسر بالنفقة والمولى والعنين تملك امرأته فسخ النكاح لما عليها من الضرر بمنع النفقة وعدم الوطء فأولى أن تملك هاهنا الفسخ وقد عدمت الاستمتاع والإيواء والسكنى والنفقة أيضًا.
ووجه الثانية: ما روى المغيرة بن شعبة أن النبي ﷺ قال: امرأة المفقود إمرأته حتى يأتيها زوجها (٥) ولأنه إذا جهل موته وقع الملك في زوال الزوجية والشك إذا وقع في زوال الزوجية بنى الأمر فيها على اليقين كمن شك هل طلق أم لا؟ وهل طلق ثلاثًا أم واحدة؟ فإنه يبنى على اليقين كذلك ها هنا.
стр. 633
فإن قلنا انها تتربص وتتزوج فهل يجب عليها أن تصير إلى الحاكم حتى يحكم بفرقتها بوفاته ثم تعتد بعد ذلك أربعة أشهر وعشرًا أم لا؟
نقل ابن منصور إذا فقدت تربصت أربع سنين وأربعة أشهر ثم تزوجت قيل له وإن لم تأت السلطان قال: أحب إلي أن تأتي السلطان، فظاهر هذا أن فرقة الحاكم ليست بشرط في ذلك.
ونقل الأثرم وقد سئل هل تتربص من يوم فقدت زوجها أم من يوم ترفع أمرها إلى السلطان؟. فقال: أما حديث حماد بن سلمة عن ثابت عن ابن أبي ليلى قال: فارتفعت إلى عمر فقال: متى فقدت فقالت: من أربع سنين. فأجلها عمر أربع سنين أخرى (١). وهذا بين جدًّا. وليس هو في حديث آخر غيره البتة فظاهر هذا أنه أخذ به فتكون المسألة على روايتين:
وجه الأولى: في أن ضرب الحاكم المدة ليس بشرط أن المفقود ضربنا له المدة وحملنا أمره على حكم الموت بمنزلة شاهدين شهدا بوفاته ثم ثبت أن الموت لا يفتقر في ضرب المدة فيه إلى حكم حاكم فبان لا يفتقر الفرع المبنى عليه أولى.
ووجه الثانية: أن في ذلك شرطًا وإن فقد الزوج يفتقر إلى استبحاث واجتهاد وما كان هذا طريقه لم تنفرد الزوجه به كفرقة العنة والإعسار بالنفقة.
فأما ولي الزوج فهل طلاقه معتبر بعد مدة التربص أم لا؟
نقل حنبل لفظين: أحدهما قال: تتربص أربع سنين وأربعة أشهر وعشرة أيام ثم يقال للولي: طلق بعد ذلك.
ووجه الأولى: ما تقدم من الأخبار وليس فيها ذكر طلاق الولي ولأن حكم الحاكم بتفريقها يكفي.
ووجه الثانية: ما روى جلاس أن عليًا قال في امرأة المفقود تتربص أربع
стр. 634
سنين ثم يطلقها ولى زوجها ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا (١).
وروي جابر بن زيد قال تذاكر ابن عمر وابن عباس امرأة المفقود فقال: تتربص أربع سنين ثم يطلقها ولي زوجها ثم تعتد أربعة أشهر وعشرًا (٢) والأول اختيار أبي بكر وشيخنا.
وقد اختلفت الرواية عن أحمد في هذه الرواية المروية في طلاق الولي هل هي صحيحة أم لا؟
فنقل ابن منصور عنه في حديث عبد الله بن عمر: تتربص أربعة أشهر وعشرًا ثم يدعى ولي الزوج فيطلقها ثم تعتد عدة المطلقة ثم تزوج. هذا أكثر ما فيه وهو حديث ضعيف.
ونقل الأثرم عنه: حديث عبيد الله بن عمير أحسنها وفيه الطلاق. فإن عاد الزوج الأول وقد تزوجت ودخل بها الثاني فإن الأول مخير بين فسخ نكاح الثاني وإمساكها بالعقد الأول، وبين تركها على نكاح الثاني، وأخذ الصداق وإن عاد قبل الدخول بها فعلى روايتين:
نقل أبو الحارث: إذا تزوجت امرأته فجاء خير بين الصداق وبين امرأته، فظاهر هذا أنه يخير قبل الدخول وبعده.
ونقل الأثرم: إذا قدم الأول فإن كان قبل الدخول فهي امرأته ولا تخيير وإن كان بعد الدخول خير بين الزوجة والصداق. فظاهر هذا أن النكاح الثاني يتبين أنه كان باطلًا وهي زوجة الأول.
وجه الأولى: ما روي عن عمر وعثمان أنها قضيا بالتخيير بين أن يسمكها ويرد المهر أو يردها ويأخذ المهر ولم يفرقا بين قبل الدخول وبعده (٣)، ولأن
стр. 635
الرجوع الأول لا يمنع الثاني التخيير كما لو كان الثاني قد دخل بها فعلى هذه الرواية يجب أن يقال: أن نكاح الثاني مراعى. فإن فسخه تبين أنه كان فاسدًا وإن عقد الأول كان باقيًا وإن أمضاه تبينا أنه كان صحيحًا. وأن نكاح الأول قد انفسخ وليس يمتنع أن نقول: ان نكاح الثاني مراعى ويستبيح الوطء كما لو وجد كل واحد من الزوجين بصاحبه عيبًا فإنه يستبيح الوطء وإن كان هذا النكاح مراعي بمعنى أنه يملك فسخه.
ووجه الثانية: وهي أصح عندي، أنا نتبين أن الفرقة كانت باطلة في الباطن وإن عقده كان باقيًا لأنه صادف امرأة ذات زوج فلهذا كان للأول إمساكها بالعقد الأول دون الثاني ويفارق هذا إذا جاء وقد دخل بها، لأن الصحابة قضوا بذلك ولأن العقدين قد تساويا لأن كل واحد منهما عقده وهو ممن يجوز له عقده في الظاهر ومع الثاني مزية الدخول الذي يتعلق به وجوب المهر والعدة ولحوق النسب فقدم لأجل هذه المزية، ولا هكذا إذا لم يكن دخول لأن المزية للأول فلهذا لم يصح نكاح الثاني. فإذا قلنا: أن الأول بخير بعد الدخول بين إمساكها وبين تركها وأخذ الصداق فكم قدر الصداق؟
فنقل أبو الحارث: إذا جاء زوجها وقد تزوجت خير بين الصداق وبين امرأته: إما أن يأخذ الصداق الذي ساقه إليها وإلا فهي امرأته. فظاهر هذا أنه يأخذ الصداق الأول دون الثاني.
ونقل إسحاق بن إبراهيم: إذا كان الأول أمهرها ألفين فأمهرها الثاني ألفًا فإنه يؤخذ بالمهر الأخير.
وجه الأولى: وهي اختيار أبي بكر - وهو أصح - ما روى مكحول أن عمر قضى ان جاء زوجها خير بين امرأته وبين صداقها الذي أصدقها (١)، وروى السائب عن عثمان بن عفان قال: إن جاء زوجها خير بين الصداق الأول وبين