Полный текст (18 585 стр.). Показаны 10816–10855 · переход к 10821.
стр. 10816
(خ م حم) , وَفِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ : قَالَ جَابِرٌ ﵁: (" دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَوَجَدَهَا تَبْكِي , فَقَالَ: مَا شَأنُكِ؟ " قَالَتْ: شَأنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ) (١) (وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ) (٢) (وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ , وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) (٣) (وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) (٤) (فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ) (٥) (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ) (٦) (لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ) (٧) (قَالَ: " فلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) (٨) (فَاغْتَسِلِي) (٩) وَ (انْقُضِي رَأسَكِ (١٠) وَامْتَشِطِي (١١) وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ) (١٢) (وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ , غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي) (١٣) (حَتَّى تَطْهُرِي (١٤) ") (١٥) وفي رواية: (حَتَّى تَغْتَسِلِي) (١٦) (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) (١٧) الحواشي
(١) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٢) (خ) ٣١٣ , (م) ١١٢ -(٣) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٤) (خ) ١٤٨١(٥) (خ) ١٤٨٥ , (م) ١٢٣ -(٦) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٧) (خ) ٢٩٩ , (د) ١٧٧٨(٨) (خ) ١٤٨٥ , (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٩) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(١٠) النقض: فك الضفائر وإرخاء الشعر.(١١) قال الألباني: كنت أقول بأن فيه دليلا على وجوب نقض الشعر عند الغسل من الحيض خاصة، ثم اتضح لي أن غُسل عائشة لم يكن للتطهر من الحيض، وإلا لَمَا امتنعت عن أداء عمرتها. أ. هـ(١٢) (خ) ١٤٨١ , (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٣٦٢(١٣) (د) ١٧٨٥ , (خ) ٢٩٩ , (ت) ٩٤٥ , (س) ٣٤٨(١٤) فيه رد على من أجاز طواف الحائض بالبيت للضرورة، وكذلك قوله ﷺ عَنْ صفية: " أحابستنا هي ".ع(١٥) (خ) ٢٩٩(١٦) (م) ١١٩ -(١٧) (خ) ١٤٨٥ , (م) ١٢٣ -стр. 10817
(م س) , وَفِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ : قَالَ جَابِرٌ ﵁: (حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ , وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ , فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ , فَقَالَ: " اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي (١) بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي) (٢) (ثُمَّ تُهِلُّ بِالْحَجِّ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ , إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) (٣) الحواشي
(١) الاستثفار: هو أن تَشُدّ المرأة فرجها بخرقة عريضة بعد أن تَحْتَشي قُطْنا، وتُوثِقَ طرَفَيْها في شيء تَشُدّه على وسَطها، فتمنع بذلك سَيْل الدَّم.(٢) (م) ١٤٧ -(١٢١٨) , (د) ١٩٠٥ , (جة) ٣٠٧٤ , (حم) ١٤٤٨٠(٣) (س) ٢٦٦٤ , (جة) ٢٩١٢стр. 10818
(د) , وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَتَا عَلَى الْوَقْتِ , تَغْتَسِلَانِ وَتُحْرِمَانِ , وَتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ " (١)
الشَّرْح:
(عَلَى الْوَقْتِ) أَيِ: الْمِيقَاتِ. عون١٧٤٤ الحواشي
(١) (د) ١٧٤٤ , (ت) ٩٤٥ , (حم) ٣٤٣٥ , (طس) ٦٤٩٨ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٣١٦٦ , الصحيحة: ١٨١٨стр. 10819
الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَر (١)
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ , وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢) الحواشي
(١) إنما قلت (بغير وضوء) , لِما رواه (سعيد) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَلَاةِ. أخرجه (سنن سعيد بن منصور) ح٦١٥ (وإسناده صحيح، انظر الثمر المستطاب ج١ ص٧٥٤)(٢) [النساء/٤٣]стр. 10820
(خ م ت س) , وَعَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: (كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا) (١) (وَجَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ) (٢) (فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) (٣) (فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟) (٤) (فِي كَذَا وَكَذَا؟ , قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي) (٥) (- وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ ﷺ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي - سَمِعْتُهُ يَقُولُ:) (٦) (" لِيَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ) (٧) (فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ) (٨) (وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى ") (٩) (فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ , هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟) (١٠) (قَالَ: " فَلْتُعِرْهَا أُخْتُهَا مِنْ جَلَابِيبِهَا) (١١) (وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ ") (١٢) (قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: الْحُيَّضُ؟ , فَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نَعَمْ , أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟) (١٣) .
الشَّرْح:
(عَوَاتِقَنَا) الْعَوَاتِقُ جَمْعُ عَاتِقٍ وَهِيَ مَنْ بَلَغَتِ الْحُلُمَ أَوْ قَارَبَتْ أَوِ اسْتَحَقَّتِ التَّزْوِيجَ أَوْ هِيَ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَهْلِهَا أَوِ الَّتِي عَتَقَتْ عَنِ الِامْتِهَانِ فِي الْخُرُوجِ لِلْخِدْمَةِ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَ الْعَوَاتِقَ مِنَ الْخُرُوجِ لِمَا حَدَثَ بَعْدَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَسَادِ وَلَمْ تُلَاحِظِ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ بَلْ رَأَتِ اسْتِمْرَارَ الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فتح٣٢٤
(وَجَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ , فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى , فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ , فِي كَذَا وَكَذَا؟ , قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي , وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ ﷺ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي)
كَانَتْ أَيْ: أُمُّ عَطِيَّةَ لَا تَذْكُرُهُ أَيِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي أَيْ هُوَ مُفَدًّى بِأَبِي. فتح٣٢٤
(ذَوَاتُ الْخُدُورِ) جَمْعُ خِدْرِ , وَهُوَ سِتْرٌ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَقْعُدُ الْبِكْرُ وَرَاءَهُ , وَبَيْنَ الْعَاتِقِ وَالْبِكْرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ. فتح٣٢٤
(فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ , وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى) أَيْ: وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَسْنَ بِحُيَّضٍ. فتح٣٥١
حَمَلَ الْجُمْهُورُ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ عَلَى النَّدْبِ لِأَنَّ الْمُصَلَّى لَيْسَ بِمَسْجِدٍ فَيَمْتَنِعُ الْحُيَّضُ مِنْ دُخُولِهِ.
وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ الِاعْتِزَالُ وَاجِبٌ وَالْخُرُوجُ وَالشُّهُودُ مَنْدُوبٌ مَعَ كَوْنِهِ نَقَلَ عَنِ النَّوَوِيِّ تصويب عدم وُجُوبه.
وَقَالَ بن الْمُنِيرِ الْحِكْمَةُ فِي اعْتِزَالِهِنَّ أَنَّ فِي وُقُوفِهِنَّ وَهُنَّ لَا يُصَلِّينَ مَعَ الْمُصَلِّيَاتِ إِظْهَارَ اسْتِهَانَةٍ بِالْحَالِ فَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ اجْتِنَابُ ذَلِكَ. فتح٣٢٤
قلت: في الحديث دليل واضح على حرمة دخول الحائض والنفساء إلى المساجد , فإذا كُنَّ مأمورات باعتزال المصلى , فالمسجد أولى بالاعتزال. ع
(فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ , هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟) (١٤)
(قَالَ: " فَلْتُعِرْهَا أُخْتُهَا مِنْ جَلَابِيبِهَا) الْمُرَادُ بِالْأُخْتِ الصَّاحِبَةُ. فتح الباري (٢/ ٤٦٩)
أَيْ: تُعِيرُهَا مِنْ ثِيَابِهَا مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَالْجِلْبَابِ: وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ قِيلَ هُوَ الْمُقَنَّعَةُ أَوِ الْخِمَارُ أَوْ أَعْرَضُ مِنْهُ وَقِيلَ الثَّوْبُ الْوَاسِعُ يَكُونُ دُونَ الرِّدَاءِ وَقِيلَ الْإِزَارُ وَقِيلَ الْمِلْحَفَةُ وَقِيلَ الْمُلَاءَةُ وَقِيلَ الْقَمِيصُ. فتح٣٢٤
(وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ , قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: الْحُيَّضُ؟) كَأَنَّهَا تَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ. فتح٣٢٤
(فَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نَعَمْ , أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟) أَيْ: وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى , وَغَيْرَهُمَا. فتح٣٢٤
فَوائِدُ الْحَدِيث:
وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ وَلَا مَوَاطِنَ الْخَيْرِ كَمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ سِوَى الْمَسَاجِدِ وَفِيهِ امْتِنَاعُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ جِلْبَابٍ. فتح٣٢٤
وَفِيه جَوَازُ مُدَاوَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ إِذَا كَانَتْ بِإِحْضَارِ الدَّوَاءِ مَثَلًا وَالْمُعَالَجَةُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ , إِلَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
وَفِيهِ أَنَّ مِنْ شَأنِ الْعَوَاتِقِ وَالْمُخَدَّرَاتِ عَدَمُ الْبُرُوزِ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُنَّ فِيهِ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِعْدَادِ الْجِلْبَابِ لِلْمَرْأَةِ , وَمَشْرُوعِيَّةُ عَارِيَّةِ الثِّيَابِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعِيدِ , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُمِرَ بِذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ , فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الِاجْتِمَاعِ , وَلِتَعُمَّ الْجَمِيعَ الْبَرَكَةُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ , سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَمْ لَا , وَذَوَات هيآت أَمْ لَا , وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ. فتح٩٨١
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْعِيدَيْنِ عَلَى أَقْوَالٍ إِحْدَاهَا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى النَّدْبِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالْجُرْجَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُنَّ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أحمد فيما نقله عنه بن قُدَامَةَ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَحَكَاهُ بن قُدَامَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وروى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ لِلشَّابَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَى النِّسَاءِ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدِ حَكَاهُ القاضي عياض عن أبي بكر وعلي وبن عمر
وقد روى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ انْتَهَى
وَالْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِطْلَاقِ رَدٌّ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَتَخْصِيصُ الثَّوَابِ يَأبَاهُ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ. تحفة٥٣٩
قال الحافظ: قَوْلُهُ حَقٌّ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَيَحْتَمِلُ تَأَكُّدَ الِاسْتِحْبَابِ , روى بن أبي شيبَة أَيْضا عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوب أَيْضا , بل قد روى عَن بن عُمَرَ الْمَنْعُ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَيْنِ.
نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُم يقتضى اسْتِثْنَاء ذَوَات الهيآت , قَالَ: وَأُحِبُّ شُهُودَ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الصَّلَاةَ , وَإِنَّا لِشُهُودِهِنَّ الْأَعْيَادَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ..
ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ يُتْرَكْنَ إِلَى الْعِيدَيْنِ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا قُلْتُ بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ ثَبَتَ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا , فَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَوْلُ بِهِ وَنَقله بن الرِّفْعَةِ عَنِ الْبَنْدَنِيجِيِّ , وَقَالَ إِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ.
وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ النَّسْخَ فِيهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَأَمْرُهُ ﵇ بِخُرُوجِ الْحُيَّضِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ إِلَى الْعِيدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِحُضُورِهِنَّ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَارِيخُ الْوَقْتِ لَا يُعْرَفُ.
قُلْتُ: بل هُوَ مَعْرُوف بِدلَالَة حَدِيث بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَهِدَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الطَّحَاوِيِّ , وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَهُوَ شُهُودُهُنَّ الْخَيْرَ وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَاءُ بَرَكَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتِهِ وَقَدْ أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُدَّةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَتُهَا فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ لَوْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ , مَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِالْمَنْعِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً. فتح٩٨١
قال صاحب التحفة: وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى إِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ
وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَكَانَ مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا كَالْأَسْوَاقِ أَوْلَى , وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِيهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ فَيُجْتَنَبَ لِإِشَارَتِهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ. تحفة٥٣٩
وَفِي قَوْلِهِ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِنْصَارَ بِالنِّسَاءِ وَالتَّكَثُّرَ بِهِنَّ فِي الْحَرْبِ دَالٌّ عَلَى الضَّعْفِ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا وَبِهَا الْفِتْنَةُ , وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حُضُورِهَا مَحْذُورٌ , وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ فِي الطُّرُقِ , وَلَا فِي الْمَجَامِعِ. فتح٩٨١
قال الترمذي: (وَيُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ الْيَوْمَ الْخُرُوجَ لِلنِّسَاءِ إِلَى الْعِيدِ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي حَقِّ الشَّوَابِّ , وأما العجائز فقد جوز الشيخ بن الهمام وغيره خروجهن إلى العيد
قال بن الْهُمَامِ وَتَخْرُجُ الْعَجَائِزُ لِلْعِيدِ لَا الشَّوَابُّ انْتَهَى
قال القارىء في المرقاة بعد نقل كلام بن الْهُمَامِ هَذَا مَا لَفْظُهُ وَهُوَ قَوْلٌ عَدْلٌ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ بِإِذْنِ حَلِيلِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ بِأَنْ لَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ أَوْ يَكُنَّ خَالِيَاتٍ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالْبَخُورِ وَالشُّمُومِ وَالتَّبَخْتُرِ وَالتَّكَشُّفِ وَنَحْوِهَا مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْمَفَاسِدِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مُلَازِمَاتُ الْبُيُوتِ لَا يَخْرُجْنَ انْتَهَى
قُلْتُ: لَا دَلِيلَ عَلَى مَنْعِ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدِ لِلشَّوَابِّ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْمَفَاسِدِ مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ لَهُنَّ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ كَمَا عَرَفْتَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تحفة٥٣٩
قَوْلُهَا فِي الْحَيْضِ يُكَبِّرْنَ مَعَ النِّسَاءِ فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ وَقَوْلُهَا يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي الْعِيدَيْنِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ وَحَالَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبَعَةُ مَوَاطِنَ فِي السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَى حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَالتَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فَكَانُوا يُكَبِّرُونَ إِذَا خَرَجُوا حَتَّى يَبْلُغُوا الْمُصَلَّى يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَزَادَ اسْتِحْبَابُهُ لَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكَبِّرُ فِي الْخُرُوجِ لِلْأَضْحَى دُونَ الْفِطْرِ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ فَمَالِكٌ يَرَاهُ وَغَيْرُهُ يَأبَاهُ. النووي (١٠ - (٨٩٠)
وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى حُضُورِ الْعِيدِ لِكُلِّ أَحَدٍ. النووي (١٠ - (٨٩٠)
قَوْلُهَا وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ حُضُورِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ وَدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِ ذلك. النووي (١٠ - (٨٩٠) الحواشي
(١) (خ) ٣١٨(٢) (خ) ٩٣٧(٣) (م) ١٢ -(٤) (خ) ٣١٨(٥) (خ) ٩٣٧(٦) (خ) ٣١٨ , (س) ٣٩٠(٧) (خ) ٩٣٧ , (م) ١٢ -(٨) (خ) ٣١٨ , (م) ١٢ -(٩) (س) ١٥٥٨ , (خ) ٩٣٧ , (م) ١٢ -(٨٩٠) , (ت) ٥٣٩(١٠) (خ) ١٥٦٩(١١) (ت) ٥٣٩ , (خ) ١٥٦٩ , (م) ١٢ -(٨٩٠) , (د) ١١٣٦(١٢) (خ) ١٥٦٩(١٣) (خ) ٩٣٧ , (حم) ٢٠٨٠٨(١٤) (خ) ١٥٦٩стр. 10821
مَسُّ الْمُحْدِثِ لِلْمُصْحَف
(ك) , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلَّا طَاهِرٌ " (١) الحواشي
(١) (ك) ١٤٤٧ , (ط) ٥٣٤ , (هق) ٤١٤ , (طب) ١٣٢١٧ , (قط) ج١ص١٢١ح٣ , وصححه الألباني في الإرواء: ١٢٢ , وصَحِيح الْجَامِع: ٧٧٨٠стр. 10822
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٧: وَكَانَ أَبُو وَائِلٍ: «يُرْسِلُ خَادِمَهُ وَهِيَ حَائِضٌ إِلَى أَبِي رَزِينٍ، فَتَأتِيهِ بِالْمُصْحَفِ، فَتُمْسِكُهُ بِعِلَاقَتِهِ»
الشَّرْح:
(أَبُو وَائِل) هُوَ التَّابِعِيّ الْمَشْهُور صَاحب ابن مَسْعُود وأثره هَذَا وَصله بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ
قَوْلُهُ (يُرْسِلُ خَادِمَهُ) أَيْ جَارِيَتَهُ وَالْخَادِمُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى
(إِلَى أَبِي رَزِينٍ) هُوَ التَّابِعِيُّ الْمَشْهُورُ أَيْضًا
(بِعِلَاقَتِهِ) بِكَسْرِ الْعَيْنِ أَيِ الْخَيْطِ الَّذِي يُرْبَطُ بِهِ كِيسُهُ وَذَلِكَ مُصَيَرٌ مِنْهُمَا إِلَى جَوَازِ حَمْلِ الْحَائِضِ الْمُصْحَفَ لَكِنْ مِنْ غَيْرِ مَسِّهِ. فتح (١/ ٤٠٢)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ مَسُّ الْمُصْحَفِ لِغَيْرِ الطَّاهِرِ طَهَارَةً كَامِلَةً مِنَ الْحَدَثَيْنِ الأَصْغَرِ وَالأَكْبَرِ (١)
رُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمِّدٍ وَالْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ: وَلا نَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي ذَلِكَ إِلا دَاوُدَ. (٢)
وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْجَنَابَةُ وَالْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ، فَلا يَجُوزُ لأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِ هَذِهِ الأَحْدَاثِ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ حَتَّى يَتَطَهَّرَ، إِلا مَا يَأتِي اسْتِثْنَاؤُهُ.
وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿لا يَمَسُّهُ إِلا الْمُطَهَّرُونَ﴾.
وَبِمَا فِي كِتَابِ النَّبِيّ ﷺ لِعَمْرِو بْنِ حَزْمٍ ﵁ إِلَى أَهْلِ الْيُمْنِ، وَهُوَ قَوْلُهُ " لا يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِلا طَاهِرٌ ".
وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَقِيلَ: يَجُوزُ مَسُّهُ بِغَيْرِ وُضُوءٍ، وَقَالَ الْقَلْيُوبِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: وَحَكَى ابْنُ الصَّلاحِ قَوْلا غَرِيبًا بِعَدِمِ حُرْمَةِ مَسِّهِ مُطْلَقًا. (٣)
وَلا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّ الْمُصْحَفِ إِلَّا إِذَا أَتَمَّ طَهَارَتَهُ، فَلَوْ غَسَلَ بَعْضَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ لَمْ يَجُزْ مَسُّ الْمُصْحَفِ بِهِ قَبْلَ أَنْ يُتِمَّ وُضُوءَهُ، وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يَجُوزُ مَسُّهُ بِالْعُضْوِ الَّذِي تَمَّ غَسْلُهُ. (٤)
مَسُّ الْجُنُبِ وَالْمُحْدِثِ لِلْمُصْحَفِ بِغَيْرِ بَاطِنِ الْيَدِ:
يُسَوِّي عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ بَيْنَ مَسِّ الْمُصْحَفِ بِبَاطِنِ الْيَدِ، وَبَيْنَ مَسِّهِ بِغَيْرِهَا مِنَ الأَعْضَاءِ، لأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ لاقَى شَيْئًا، فَقَدْ مَسَّهُ إِلا الْحَكَمَ وَحَمَّادًا، فَقَدْ قَالا: يَجُوزُ مَسُّهُ بِظَاهِرِ الْيَدِ وَبِغَيْرِ الْيَدِ مِنَ الأَعْضَاءِ، لأَنَّ آلَةَ الْمَسِّ الْيَدُ.
وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: يُمْنَعُ مَسُّهُ بِأَعْضَاءِ الطَّهَارَةِ وَلا يُمْنَعُ مَسُّهُ بِغَيْرِهَا، وَنُقِلَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ عَنِ الزَّاهِدِيَّ أَنَّ الْمَنْعَ أَصَحُّ. (٥)
مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ وَمَا لا كِتَابَةَ فِيهِ مِنْ وَرَقِهِ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ إِلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ عَلَى غَيْرِ الْمُتَطَهِّرُ مَسُّ جِلْدِ الْمُصْحَفِ الْمُتَّصِلِ، وَالْحَوَاشِي الَّتِي لا كِتَابَةَ فِيهَا مِنْ أَوْرَاقِ الْمُصْحَفِ، وَالْبَيَاضِ بَيْنَ السُّطُورِ، وَكَذَا مَا فِيهِ مِنْ صَحَائِفَ خَالِيَةٍ مِنَ الْكِتَابَةِ بِالْكُلِّيَّةِ، وَذَلِكَ لأَنَّهَا تَابِعَةٌ لِلْمَكْتُوبِ وَحَرِيمٌ لَهُ، وَحَرِيمُ الشَّيْءِ تَبَعٌ لَهُ وَيَأخُذُ حُكْمَهُ. (٦)
وَذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ إِلَى جَوَازِ ذَلِكَ. (٧)
حَمْلُ غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ لِلْمُصْحَفِ وَتَقْلِيبُهُ لأَوْرَاقِهِ وَكِتَابَتُهُ لَهُ
وذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْقَاسِمِ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ، إِلَى أَنَّهُ لا بَأسَ أَنْ يَحْمِلَ الْجُنُبُ أَوِ الْمُحْدِثُ الْمُصْحَفَ بِعِلاقَةٍ، أَوْ مَعَ حَائِلٍ غَيْرِ تَابِعٍ لَهُ، لأَنَّهُ لا يَكُونُ مَاسًّا لَهُ فَلا يَمْنَعُ مِنْهُ كَمَا لَوْ حَمَلَهُ فِي مَتَاعِهِ، وَلأَنَّ النَّهْيَ الْوَارِدَ إِنَّمَا هُوَ عَنِ الْمَسِّ وَلا مَسَّ هُنَا، قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: فَلَوْ حَمَلَهُ بِغِلافِ غَيْرِ مَخِيطٍ بِهِ، أَوْ فِي خَرِيطَةٍ - وَهِيَ الْكِيسُ - أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ، لَمْ يُكْرَهْ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالأَوْزَاعِيُّ، وَهُوَ رِوَايَةٌ خَرَّجَهَا الْقَاضِي عَنْ أَحَمْدَ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ ذَلِكَ، قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: وَلا يَحْمِلْهُ غَيْرُ الطَّاهِرِ وَلَوْ عَلَى وِسَادَةٍ أَوْ نَحْوِهَا، كَكُرْسِيِّ الْمُصْحَفِ، أَوْ فِي غِلافٍ أَوْ بِعِلاقَةِ، وَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيَّةُ فِي الأَصَحِّ عِنْدَهُمْ: لا يَجُوزُ لَهُ حَمْلُ وَمَسُّ خَرِيطَةٍ أَوْ صُنْدُوقٍ فِيهِمَا مُصْحَفٌ، أَيْ إِنْ أُعِدَّا لَهُ، وَلا يَمْتَنِعُ مَسُّ أَوْ حَمْلُ صُنْدُوقٍ أُعِدَّ لِلأَمْتِعَةِ وَفِيهِ مُصْحَفٌ.
وَلَوْ قَلَّبَ غَيْرُ الْمُتَطَهِّرِ أَوْرَاقَ الْمُصْحَفِ بِعُودٍ فِي يَدِهِ جَازَ عِنْدَ كُلٍّ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَلَمْ يَجُزْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى الرَّاجِحِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ جَوَازَ ذَلِكَ لأَنَّهُ لَيْسَ بِمَسٍّ وَلا حَمْلٍ، قَالَ: وَبَهْ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ.
وَقَالَ التَّتَائِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: لا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي يَكْتُبُ الْقُرْآنَ عَلَى طَهَارَةٍ لِمَشَقَّةِ الْوُضُوءِ كُلَّ سَاعَةٍ.
وَنُقِلَ عَنْ مُحَمِّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يَكْتُبَ الْمُصْحَفَ الْمُحْدِثُ وَلَوْ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ بِالْيَدِ، لأَنَّهُ يَكُونُ مَاسًّا بِالْقَلَمِ.
وَفِي تَقْلِيبِ الْقَارِئِ غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ أَوْرَاقَ الْمُصْحَفِ بِكُمِّهِ أَوْ غَيْرِهِ مِنَ الثِّيَابِ الَّتِي هُوَ لابِسُهَا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ اخْتِلافٌ. قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْمَنْعُ أَوْلَى لأَنَّ الْمَلْبُوسَ تَابِعٌ لِلابِسِهِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيَّةِ.
وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لَوْ وَضَعَ عَلَى يَدِهِ مِنْدِيلا أَوْ نَحْوَهُ مِنْ حَائِلٍ لَيْسَ تَابِعًا لِلْمُصْحَفِ وَلا هُوَ مِنْ مُلابَسِ الْمَاسِّ فَلا بَأسَ بِهِ، وَمَنَعَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَلَوِ اسْتَخْدَمَ لِذَلِكَ وِسَادَةً أَوْ نَحْوَهَا. (٨)
عَلَى أَنَّهُ يُبَاحُ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ عِنْدَ الْمَانِعِينَ حَمْلُ الْمُصْحَفِ وَمَسُّهُ لِلضَّرُورَةِ، قَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ حَمْلُهُ لِخَوْفِ حَرْقٍ أَوْ غَرَقٍ أَوْ تَنَجُّسٍ أَوْ خِيفَ وُقُوعُهُ فِي يَدِ كَافِرٍ أَوْ خِيفَ ضَيَاعُهُ أَوْ سَرِقَتُهُ، وَيَجِبُ عِنْدَ إِرَادَةِ حَمْلِهِ التَّيَمُّمُ أَيْ حَيْثُ لا يَجِدُ الْمَاءَ، وَصَرَّحَ بِمِثْلِ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ. (٩)
مَنْ يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ مَسِّ الْمُصْحَفِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ:
أ - الصَّغِيرُ:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلصَّغِيرِ غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ أَنْ يَمَسَّ الْمُصْحَفَ، قَالُوا: لِمَا فِي مَنْعِ الصِّبْيَانِ مِنْ مَسِّهِ إِلا بِالطَّهَارَةِ مِنَ الْحَرَجِ، لِمَشَقَّةِ اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَلأَنَّهُ لَوْ مُنِعُوا مِنْ ذَلِكَ لأَدَّى إِلَى تَنْفِيرِهِمْ مِنْ حِفْظِ الْقُرْآنِ وَتَعَلُّمِهِ، وَتَعَلُّمُهُ فِي حَالِ الصِّغَرِ أَرْسَخُ وَأَثْبَتُ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: وَلا بَأسَ لِلْكَبِيرِ الْمُتَطَهِّرِ أَنْ يَدْفَعَ الْمُصْحَفَ إِلَى صَبِيٍّ.
وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ فِي قَوْلٍ آخَرَ عِنْدَهُمْ إِلَى أَنَّ الصَّغِيرَ لا يَمَسُّ الْمُصْحَفَ إِلا بِالطَّهَارَةِ، كَالْبَالِغِ. (١٠)
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لا يُمْنَعُ الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ الْمُحْدِثُ وَلَوْ حَدَثًا أَكْبَرَ مِنْ مَسِّ وَلا مِنْ حَمْلِ لَوْحٍ وَلا مُصْحَفٍ يَتَعَلَّمُ مِنْهُ، أَيْ لا يَجِبُ مَنْعُهُ مِنْ ذَلِكَ لِحَاجَةِ تَعَلُّمِهِ وَمَشَقَّةِ اسْتِمْرَارِهِ مُتَطَهِّرًا، بَلْ يُسْتَحَبُّ.
قَالُوا: وَذَلِكَ فِي الْحَمْلِ الْمُتَعَلِّقِ بِالدِّرَاسَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِغَرَضٍ، أَوْ كَانَ لِغَرَضٍ آخَرَ مُنِعَ مِنْهُ جَزْمًا.
أَمَّا الصَّبِيُّ غَيْرُ الْمُمَيِّزِ فَيَحْرُمُ تَمْكِينُهُ مِنْ ذَلِكَ لِئَلا يَنْتَهِكَهُ. (١١)
وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلصَّبِيِّ مَسُّ الْمُصْحَفِ، أَيْ لا يَجُوزُ لِوَلِيِّهِ تَمْكِينُهُ مِنْ مَسِّهِ، وَذَكَرَ الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْجَوَازِ وَهُوَ وَجْهٌ فِي الرِّعَايَةِ وَغَيْرِهَا.
وَأَمَّا الأَلْوَاحُ الْمَكْتُوبُ فِيهَا الْقُرْآنُ فَلا يَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ عِنْدَهُمْ مَسُّ الصَّبِيِّ الْمَكْتُوبِ فِي الأَلْوَاحِ، وَعَنْهُ يَجُوزُ، وَأَطْلَقَهُمَا فِي التَّلْخِيصِ.
وَأَمَّا مَسُّ الصَّبِيِّ اللَّوْحَ أَوْ حَمْلُهُ فَيَجُوزُ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ. (١٢)
ب - الْمُتَعَلِّمُ وَالْمُعَلِّمُ وَنَحْوُهُمَا:
يَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَرْأَةِ الْحَائِضِ الَّتِي تَتَعَلَّمُ الْقُرْآنَ، أَوْ تُعَلِّمُهُ حَالَ التَّعْلِيمِ مَسَّ الْمُصْحَفِ سَوَاءٌ كَانَ كَامِلا أَوْ جُزْءًا مِنْهُ أَوِ اللَّوْحِ الَّذِي كُتِبَ فِيهِ الْقُرْآنُ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَلَيْسَ ذَلِكَ لِلْجُنُبِ، لأَنَّ رَفْعَ حَدَثِهِ بِيَدِهِ وَلا يَشُقُّ، كَالْوُضُوءِ، بِخِلافِ الْحَائِضِ فَإِنَّ رَفْعَ حَدَثِهَا لَيْسَ بِيَدِهَا، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْجُنُبَ رَجُلا كَانَ أَوِ امْرَأَةً، صَغِيرًا كَانَ أَوْ بَالِغًا يَجُوزُ لَهُ الْمَسُّ وَالْحَمْلُ حَالَ التَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ لِلْمَشَقَّةِ.
وَسَوَاءٌ كَانَتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمُصْحَفِ لِلْمُطَالَعَةِ، أَوْ كَانَتْ لِلتَّذَكُّرِ بِنِيَّةِ الْحِفْظِ. (١٣)
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَسِّ الْمُحْدِثِ كُتُبَ التَّفْسِيرِ:
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لا يَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ لأَنَّهُ يَصِيرُ بِمَسِّهِ مَاسًّا لِلْقُرْآنِ وَقَالَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَيُكْرَهُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَّةِ وَلا بَأسَ بِمَسِّهَا بِالْكُمِّ. (١٤)
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَحَمْلُهَا وَالْمُطَالَعَةُ فِيهَا لِلْمُحْدِثِ وَلَوْ كَانَ جُنُبًا، لأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ التَّفْسِيرِ مَعَانِي الْقُرْآنِ لا تِلاوَتُهُ وَظَاهِرُهُ وَلَوْ كُتِبَتْ فِيهِ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ مُتَوَالِيَةٌ وَقَصَدَهَا، خِلافًا لابْنِ عَرَفَةَ الْقَائِلِ بِمَنْعِ مَسِّ تِلْكَ التَّفَاسِيرِ الَّتِي فِيهَا الآيَاتُ الْكَثِيرَةُ مُتَوَالِيَةٌ مَعَ قَصْدِ الآيَاتِ بِالْمَسِّ. (١٥)
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: بِحُرْمَةِ حَمْلِ التَّفْسِيرِ وَمَسِّهِ إِذَا كَانَ الْقُرْآنُ أَكْثَرَ مِنَ التَّفْسِيرِ، وَكَذَلِكَ إِنْ تَسَاوَيَا عَلَى الأَصَحِّ، وَيَحِلُّ مَسُّهُ إِذَا كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ عَلَى الأَصَحِّ، وَفِي رِوَايَةٍ: يَحْرُمُ لإِخْلالِهِ بِالتَّعْظِيمِ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ: إِنْ كَانَ التَّفْسِيرُ أَكْثَرَ فَفِيهِ أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا لا يَحْرُمُ، لأَنَّهُ لَيْسَ بِمُصْحَفٍ. (١٦)
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: بِجَوَازِ مَسِّ كِتَابِ التَّفْسِيرِ وَنَحْوِهِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الأَصْحَابُ وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْمَنْعِ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ مَسِّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ بِدَلِيلِ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ "، وَلأَنَّهَا لا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ وَلا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ. (١٧)
مَسُّ غَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ الْمُصْحَفَ الْمَكْتُوبَ بِحُرُوفٍ أَعْجَمِيَّةٍ وَكُتُبَ تَرْجَمَةِ مَعَانِي الْقُرْآنِ:
الْمُصْحَفُ إِنْ كُتِبَ عَلَى لَفْظِهِ الْعَرَبِيِّ بِحُرُوفِ غَيْرِ عَرَبِيَّةٍ فَهُوَ مُصْحَفٌ وَلَهُ أَحْكَامُ الْمُصْحَفِ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ فَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ وَتَنْوِيرِ الأَبْصَارِ: يُكْرَهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لِغَيْرِ الْمُتَطَهِّرِ مَسُّ الْمُصْحَفِ وَلَوْ مَكْتُوبًا بِالْفَارِسِيَّةِ، وَكَذَا عِنْدَ الصَّاحِبَيْنِ عَلَى الصَّحِيحِ.
وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مِثْلُ ذَلِكَ، قَالَ الْقَلْيُوبِيُّ: تَجُوزُ كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ لا قِرَاءَتُهُ بِهَا، وَلَهَا حُكْمُ الْمُصْحَفِ فِي الْمَسِّ وَالْحَمْلِ.
أَمَّا تَرْجَمَةُ مَعَانِي الْقُرْآنِ بِاللُّغَاتِ الأَعْجَمِيَّةِ فَلَيْسَتْ قُرْآنًا، بَلْ هِيَ نَوْعٌ مِنَ التَّفْسِيرِ عَلَى مَا صَرَّحَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ، وَعَلَيْهِ فَلا بَأسَ أَنْ يَمَسَّهَا الْمُحْدِثُ، عِنْدَ مَنْ لا يَمْنَعُ مَسَّ الْمُحْدِثِ لِكُتُبِ التَّفْسِيرِ. (١٨)
كِتَابَةُ الْمُحْدِثِ الْمُصْحَفَ:
يَرَى جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ لَكِنْ تَخْتَلِفُ عِبَارَاتُهُمْ فِي الشُّرُوطِ وَالتَّفْصِيلِ.
فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ: يُكْرَهُ لِلْمُحْدِثِ الْكِتَابَةُ وَمَسُّ الْمَوْضِعِ الْمَكْتُوبِ مِنَ الْقُرْآنِ وَأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مَا يُفْرَشُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَرْكِ التَّعْظِيمِ، وَكَذَا عَلَى الْمَحَارِيبِ وَالْجُدْرَانِ لِمَا يُخَافُ مِنْ سُقُوطِ الْكِتَابَةِ. (١٩)
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لا يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ كَتْبُهُ عَلَى الرَّاجِحِ أَيْ لَيْسَ لِلنَّاسِخِ أَنْ يَكْتُبَ وَيَمَسَّ الْمُصْحَفَ مُحْدِثًا، وَقِيلَ: يَجُوزُ كِتَابَةُ الْمُحْدِثِ لِمَشَقَّةِ الْوُضُوءِ كُلَّ سَاعَةٍ. (٢٠)
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: لا يَجُوزُ كِتَابَةُ الْقُرْآنِ بِشَيْءٍ نَجَسٍ وَإِذَا كَتَبَ الْمُحْدِثُ أَوِ الْجُنُبُ مُصْحَفًا نُظِرَ إِنْ حَمَلَهُ أَوْ مَسَّهُ فِي حَالِ كِتَابَتِهِ حَرُمَ، وَإِلا فَالصَّحِيحُ جَوَازُهُ لأَنَّهُ غَيْرُ حَامِلٍ وَلا مَاسٍّ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ يَحْرُمُ، وَوَجْهٌ ثَالِثٌ يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ دُونَ الْمُحْدِثِ.
وَإِذَا كَتَبَ الْقُرْآنَ فِي لَوْحٍ فَلَهُ حُكْمُ الْمُصْحَفِ فَيَحْرُمُ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ عَلَى الْبَالِغِ الْمُحْدِثِ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ وَبِهِ قَطَعَ الأَكْثَرُونَ، وَفِيهِ وَجْهٌ مَشْهُورٌ أَنَّهُ لا يَحْرُمُ لأَنَّهُ لا يُرَادُ لِلدَّوَامِ بِخِلافِ الْمُصْحَفِ فَعَلَى هَذَا يُكْرَهُ وَلا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَكْتُوبُ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا فَيَحْرُمُ عَلَى الصَّحِيحِ قَالَ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ: لَوْ كَانَ عَلَى اللَّوْحِ آيَةٌ أَوْ بَعْضُ آيَةٍ كُتِبَ لِلدِّرَاسَةِ حَرُمَ مَسُّهُ وَحَمْلُهُ. (٢١)
وَيُكْرَهُ نَقْشُ الْحِيطَانِ وَالثِّيَابِ بِالْقُرْآنِ وَبِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَإِذَا كَتَبَ قُرْآنًا عَلَى حَلْوَى فَلا بَأسَ بِأَكْلِهِ. وَإِنْ كَانَ عَلَى خَشَبَةٍ كُرِهَ إِحْرَاقُهَا. (٢٢)
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ كَمَا فِي الإِنْصَافِ: يَجُوزُ كِتَابَةُ الْمُصْحَفِ مِنْ غَيْرِ مَسٍّ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ جَزَمَ بِهِ الْمُصَنِّفُ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلامِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَالَهُ الْقَاضِي وَغَيْرُهُ، وَعَنْهُ يَحْرُمُ وَأَطْلَقَهُمَا فِي الْفُرُوعِ. وَقِيلَ: هُوَ كَالتَّقْلِيبِ بِالْعُودِ. وَقِيلَ لا يَجُوزُ وَإِنْ جَازَ التَّقْلِيبُ بِالْعُودِ. وَلِلْمَجْدِ احْتِمَالٌ بِالْجَوَازِ لِلْمُحْدِثِ دُونَ الْجُنُبِ. (٢٣) الحواشي
(١) بدائع الصنائع ١/ ١٥٦، والفتاوى الهندية ١/ ٣٨ ـ ٣٩، والهداية مع الفتح ١/ ١٦٨، والمدونة ١/ ١١٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥، ومواهب الجليل ١/ ٣٧٤، ونهاية المحتاج ١/ ١٢٣ وما بعدها، وشرح روض الطالب ١/ ٦٠ ـ ٦١، والمغني ١/ ١٤٧، والإنصاف ١/ ٢٢٢، وكشاف القناع ١/ ١٣٤، والفروع ١/ ١٨٨. والمجموع شرح المهذب ١/ ٦٩(٢) ابن عابدين ١/ ١١٦، ١٩٥، والفتاوى الهندية ١/ ٣٨، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١/ ١٢٥، وتفسير القرطبي ١٧/ ٢٢٥، والمغني ١/ ١٤٧، القاهرة، دار المنار ١٩٦٧م، وشرح منتهى الإرادات ١/ ١٠٥، ٧٢، القاهرة، مطبعة أنصار السنة.(٣) تفسير القرطبي ١٧/ ٢٢٦، والدسوقي ١/ ١٢٥، وحاشية ابن عابدين ١/ ١١٦، والفتاوى الهندية ١/ ٣٨، والمغني ١/ ١٤٧، وشرح المنتهى ١/ ٧٢، وشرح المنهاج بحاشية القليوبي ١/ ٣٥.(٤) المغني ١/ ١٤٩، وشرح المنتهى ١/ ٧٣، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩.(٥) المغني ١/ ١٤٧، وشرح المنتهى ١/ ٧٢، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٥.(٦) قاله ابن العربي المالكي كما في تفسير القرطبي ١٧/ ٢٢٦، وانظر قاعدة: " حريم الشيء له حكم ما هو حريم له " في الأشباه والنظائر الفقهية للسيوطي ص ١٢٤ القاهرة، مصطفى الحلبي، ١٣٧٨هـ.(٧) حاشية ابن عابدين ١/ ١٩٥، والفتاوى الهندية ١/ ٣٨، والدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥، والقليوبي على شرح منهاج الطالبين ١/ ٣٥، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٧٢.(٨) حاشية ابن عابدين ١/ ١١٧، ١١٨، والفتاوى الهندية ١/ ٣٨، وتفسير القرطبي ١٧/ ٢٢٧، وشرح المنهاج ١/ ٣٦، والمغني ١/ ١٤٨، وشرح المنتهى ١/ ٧٢.(٩) حاشية القليوبي ١/ ٣٥ ـ ٣٧، ومغني المحتاج ١/ ٣٧، والدسوقي ١/ ١٢٥، ١٢٦.(١٠) تفسير القرطبي ١٧/ ٢٢٧، وابن عابدين ١/ ١١٧، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩، وشرح المنهاج وحاشية القليوبي ١/ ٣٧، والمغني ١/ ١٤٨.(١١) مغني المحتاج ١/ ٣٨.(١٢) الإنصاف ١/ ٢٢٣، وكشاف القناع ١/ ١٣٤.(١٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٦.(١٤) بدائع الصنائع ١/ ٣٣، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩.(١٥) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥.(١٦) روضة الطالبين ١/ ٨٠، ونهاية المحتاج ١/ ١٢٥ ـ ١٢٦، والمجموع ٢/ ٦٩، وشرح روض الطالب ١/ ٦١.(١٧) كشاف القناع ١/ ١٣٥، والإنصاف ١/ ٢٢٥، والمغني ١/ ١٤٨، والفروع ١/ ١٩٠.(١٨) تفسير القرطبي ٢/ ٣٦٨، والدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥، وحاشية ابن عابدين ١/ ١٨، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩، والقليوبي ١/ ٣٦.(١٩) تبيين الحقائق ١/ ٥٨، وبدائع الصنائع ١/ ١٥٦، ورد المحتار على الدر المختار ١/ ١٩٥.(٢٠) حاشية الدسوقي ١/ ١٢٥، ومواهب الجليل ١/ ٣٠٥.(٢١) المجموع ٢/ ٧٢، وشرح روض الطالب ١/ ٦١ ـ ٦٢.(٢٢) المجموع ٢/ ٧٢، وشرح روض الطالب ١/ ٦١ ـ ٦٢.(٢٣) الإنصاف ١/ ٢٢٥ ـ ٢٢٦، والفروع ١/ ١٩١، وكشاف القناع ١/ ١٣٥ ـ ١٣٧.стр. 10823
مَسُّ الْمُحْدِثِ كُتُبَ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا:
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٤٦: وَقَالَ مَنْصُورٌ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ: «لَا بَأسَ بِالقِرَاءَةِ فِي الحَمَّامِ، وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ»
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَنْصُورٌ) أَيِ: ابْنُ الْمُعْتَمِرِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ: النَّخَعِيِّ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلِهِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ فَقَالَ: لَمْ يُبْنَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ أَبِي عَوَانَةَ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الْجَوَازِ وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ فَقَالَ يُكْرَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُنْزَعُ فِيهِ الْحَيَاءُ، وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِمَا هُوَ الْوَاقِعُ بِأَنَّ شَانَ مَنْ يَكُونُ فِي الْحَمَّامِ أَنْ يَلْتَهِيَ عَنِ الْقِرَاءَةِ.
وَحُكِيَتِ الْكَرَاهَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ فَقَالَا لَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ عَنِ الْأَصْحَابِ: لَا تُكْرَهُ، فَأَطْلَقَ. لَكِنْ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلصَّيْمَرِيِّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ. وَسَوَّى الْحَلِيمِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَطْلُوبَةٌ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهَا مَطْلُوبٌ وَالْحَدَثَ يَكْثُرُ، فَلَوْ كُرِهَتْ لَفَاتَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: حُكْمُ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ إِنْ كَانَ الْقَارِئُ فِي مَكَانٍ نَظِيفٍ وَلَيْسَ فِيهِ كَشْفُ عَوْرَةٍ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْتُبُ الرِّسَالَةَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِلَفْظِ مُضَارِعِ كَتَبَ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ " بِكَتْبِ " بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَكَافٍ مَفْتُوحَةٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِالْقِرَاءَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ: أَأَكْتُبُ الرِّسَالَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ لَا بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَانِ الرَّسَائِلِ أَنْ تُصَدَّرَ بِالْبَسْمَلَةِ تَوَهَّمَ السَّائِلُ أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ لِمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كَاتِبَ الرِّسَالَةِ لَا يَقْصِدُ الْقِرَاءَةَ فَلَا يَسْتَوِي مَعَ الْقِرَاءَةِ. فتح (١/ ٢٨٧)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ: إِلَى جَوَازِ مَسِّ الْمُحْدِثِ كُتُبَ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ.
وَهُوَ أَصَحُّ وَجْهَيْنِ مَشْهُورَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. غَيْرَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: وَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ لا يَفْعَلَ. (١)
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ كِتَابًا قَالَ فِيهِ آيَةً "، وَلأَنَّهَا لا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ، وَلا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ. (٢)
مَسُّ الْمُحْدِثِ كُتُبَ الْحَدِيثِ
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى جَوَازِ مَسِّ الْمُحْدِثِ كُتُبَ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ فِي الْجُمْلَةِ.
جَاءَ فِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: وَيُكْرَهُ لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ مَسُّ كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ وَالسُّنَنِ، وَلا بَأسَ بِمَسِّهَا بِالْكُمِّ لأَنَّهَا لا تَخْلُو عَنْ آيَاتِ الْقُرْآنِ. (٣)
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالتَّفْسِيرِ وَالْفِقْهِ. (٤)
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَأَمَّا كُتُبُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّه ﷺ فَأَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ جَوَازَ مَسِّهَا وَحَمْلِهَا مَعَ الْحَدَثِ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي وَالرُّويَانِيُّ: يُكْرَهُ، وَالْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ آخَرُونَ: إِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ جَازَ، وَالأَوْلَى أَنْ لا يَفْعَلَ إِلا بِطَهَارَةٍ، وَإِنْ كَانَ فِيهَا قُرْآنٌ فَعَلَى الْوَجْهَيْنِ. (٥)
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يَجُوزُ مَسُّ كُتُبِ الْحَدِيثِ وَإِنْ كَانَ فِيهَا آيَاتٌ مِنَ الْقُرْآنِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ وَعَلَيْهِ الأَصْحَابُ، وَحَكَى الْقَاضِي رِوَايَةً بِالْمَنْعِ. (٦)
وَاسْتَدَلَّ الْجُمْهُورُ لِجَوَازِ مَسِّ كُتُبِ الْحَدِيثِ " بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى قَيْصَرَ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ "، وَلأَنَّهَا لا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ وَلا تَثْبُتُ لَهَا حُرْمَتُهُ.
مَسُّ الْمُحْدِثِ لِلنُّقُودِ الْمَكْتُوبِ عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ مَسِّ الْمُحْدِثِ الدَّرَاهِمَ وَالدَّنَانِيرَ الَّتِي عَلَيْهَا شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ فَأَجَازَ ذَلِكَ الْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَفِي وَجْهٍ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدَهُمْ. (٧)
وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ كِتَابًا إِلَى هِرَقْلَ وَفِيهِ آيَةُ ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلا نَعْبُدَ إِلا اللَّهَ﴾ "، وَلَمْ يَأمُرْ حَامِلَهَا بِالْمُحَافَظَةِ عَلَى الطَّهَارَةِ وَلأَنَّ هَذِهِ الأَشْيَاءَ لا تُقْصَدُ بِإِثْبَاتِ الْقُرْآنِ فِيهَا قِرَاءَتُهُ فَلا تَجْرِي عَلَيْهَا أَحْكَامُ الْقُرْآنِ (٨) ، وَلأَنَّ الدَّرَاهِمَ لا يَقَعُ عَلَيْهَا اسْمُ الْمُصْحَفِ فَأَشْبَهَتْ كُتُبَ الْفِقْهِ، وَلأَنَّ فِي الاحْتِرَازِ مِنْهَا مَشَقَّةً أَشْبَهَتْ أَلْوَاحَ الصِّبْيَانِ (٩) وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: لا يَجُوزُ مَسُّ الدَّرَاهِمِ بِيَدِهِ وَإِنْ كَانَتْ فِي صُرَّةٍ فَلا بَأسَ. (١٠)
وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْوَجْهِ الثَّانِي إِلَى عَدَمِ جَوَازِ مَسِّ شَيْءٍ مَكْتُوبٍ فِيهِ شَيْءٌ مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ لَوْحٍ أَوْ دَرَاهِمَ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ إِذَا كَانَ آيَةً تَامَّةً، وَلَوْ كَانَ الْقُرْآنُ مَكْتُوبًا بِالْفَارِسِيَّةِ يُكْرَهُ لَهُمْ مَسُّهُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَكَذَا عِنْدَهُمَا عَلَى الصَّحِيحِ، لأَنَّ حُرْمَةَ الْمُصْحَفِ كَحُرْمَةِ مَا كُتِبَ فِيهِ فَيَسْتَوِي فِيهِ الْكِتَابَةُ فِي الْمُصْحَفِ وَعَلَى الدَّرَاهِمِ، وَكَرِهَ ذَلِكَ عَطَاءٌ وَالْقَاسِمُ وَالشَّعْبِيُّ، لأَنَّ الْقُرْآنَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا فَأَشْبَهَتِ الْوَرَقَ. (١١) الحواشي
(١) بدائع الصنائع ١/ ١٥٦، فتح القدير ١/ ١٥٠، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥، وشرح الزرقاني على مختصر خليل ١/ ٩٤، والمجموع شرح المهذب ٢/ ٧٠، ونهاية المحتاج ١/ ١٢٦، والإنصاف ١/ ٢٢٥، والمغني ١/ ١٤٨.(٢) المغني ١/ ١٤٨.(٣) بدائع الصنائع ١/ ٣٣، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩، وفتح القدير لابن الهمام ١/ ١٥٠.(٤) شرح الزرقاني على مختصر خليل ١/ ٩٤، ومواهب الجليل ١/ ٣٠٤، وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٥ ـ ١٢٦.(٥) المجموع شرح المهذب ١/ ٧٢، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١/ ٦١.(٦) المغني ١/ ١٤٨، والإنصاف ١/ ٢٢٥، وكشاف القناع (١/ ١٣٥).(٧) شرح الزرقاني على مختصر خليل ١/ ٩٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥ ـ ١٢٦، ونهاية المحتاج ١/ ١٢٦، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١/ ٦١، والمجموع شرح المهذب ٢/ ٧٠، والفروع ١/ ١٩٠، والمغني ١/ ١٤٨، وكشاف القناع ١/ ١٣٥، والإنصاف ١/ ٢٢٤.(٨) نهاية المحتاج ١/ ١٢٦، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١/ ٦١، والمجموع ٢/ ٧٠.(٩) شرح روض الطالب ١/ ٦١، والفروع ١/ ١٩٠، والمغني ١/ ١٤٨، وكشاف القناع ١/ ١٣٥.(١٠) الفروع ١/ ١٩٠، والإنصاف ١/ ٢٢٤.(١١) بدائع الصنائع ١/ ١٥٦، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩، والمغني ١/ ١٤٨.стр. 10824
مَسُّ الْمُحْدِثِ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ:
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى جَوَازِ مَسِّ الْمُحْدِثِ التَّوْرَاةَ وَالإِنْجِيلَ وَالزَّبُورَ فِي الْجُمْلَةِ.
قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: لا مَانِعَ مِنْ مَسِّ الْكُتُبِ السَّمَاوِيَّةِ الأُخْرَى الْمُبَدَّلَةِ، لَكِنْ يُكْرَهُ لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ قِرَاءَةُ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ لأَنَّ الْكُلَّ كَلامُ اللَّهِ تَعَالَى إِلا مَا بُدِّلَ مِنْهَا، وَمَا بُدِّلَ مِنْهَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ. (١)
وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مُبَدَّلَةٍ. (٢)
وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَجُوزُ لِلْمُحْدِثِ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَحَمْلُهُمَا وَكَذَا قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ وَالرُّويَانِيُّ فِيهِ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: لا يَجُوزُ، وَالثَّانِي: قَالا - وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا -: يَجُوزُ لأَنَّهَا مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ، قَالَ الْمُتَوَلِّي: فَإِنْ ظَنَّ أَنَّ فِيهَا شَيْئًا غَيْرَ مُبَدَّلٍ كُرِهَ مَسُّهُ وَلا يَحْرُمُ. (٣)
وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: وَلَهُ مَسُّ التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالزَّبُورِ وَصُحُفِ إِبْرَاهِيمَ إِنْ وُجِدَتْ لأَنَّهَا لَيْسَتْ قُرْآنًا، وَقَالَ فِي الإِنْصَافِ: يَجُوزُ مَسُّ الْمَنْسُوخِ تِلاوَتُهُ وَالْمَأثُورُ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى وَالتَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ، وَقِيلَ: لا يَجُوزُ ذَلِكَ. (٤) الحواشي
(١) تبيين الحقائق ١/ ٥٧ وفتح القدير ١/ ١٤٩، ورد المحتار على الدر المختار ١/ ١٩٥، والفتاوى الهندية ١/ ٣٩، والبحر الرائق ١/ ٢١٠ وما بعدها.(٢) شرح الزرقاني ١/ ٩٣، وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٥.(٣) المجموع ٢/ ٧٢، وشرح روض الطالب ١/ ٦١.(٤) كشاف القناع ١/ ١٣٥، والإنصاف ١/ ٢٢٥.стр. 10825
مَسُّ الْكَافِرِ الْمُصْحَفَ
ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى مَنْعِ الْكَافِرِ مِنْ مَسِّ الْمُصْحَفِ لأَنَّ الْكَافِرَ نَجِسٌ فَيَجِبُ تَنْزِيهُ الْمُصْحَفِ عَنْ مَسِّهِ. (١)
وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدٌ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ فَقَالَ: لا بَأسَ أَنْ يَمَسَّ الْقُرْآنَ إِذَا اغْتَسَلَ لأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْحَدَثُ وَقَدْ زَالَ بِالْغُسْلِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ نَجَاسَةُ اعْتِقَادِهِ وَذَلِكَ فِي قَلْبِهِ لا فِي يَدِهِ. (٢)
قال الألباني في تمام المنة (ج١ / ص١٠٧):
ذكر (السيد سابق) فيما يجب له الوضوء حديث: " لَا يمس القرآن إِلَّا طاهر "
قال المؤلف: فالحديث يدل على أنه لَا يجوز مس المصحف إِلَّا لمن كان طاهرا , ولكن الطاهر لفظ مشترك يُطلق على الطاهر من الحدث الأكبر والطاهر من الحدث الأصغر , ويُطلق على المؤمن , وعلى من ليس على بدنه نجاسة , ولا بد لحمله على معين من قرينة , فلا يكون الحديث نَصًّا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف "
قال الألباني: هذا الكلام اختصره المؤلف من كلام الشوكاني على الحديث في " نيل الأوطار " (١/ ١٨٠ - ١٨١) وهو كلام مستقيم لَا غُبار عليه , إِلَّا قوله في آخره: " فلا يكون الحديث نصا في منع المحدث حدثا أصغر من مس المصحف " , فإنه من كلام المؤلف , ومفهومه أن الحديث نصٌّ في منع المحدث حدثا أكبر من مس المصحف , وهو على هذا غير منسجم مع سياق كلامه , لأنه قال فيه: " ولا بد لحمله على معين من قرينة " فهاهو قد حمله على المحدث حدثا أكبر فأين القرينة؟ , فالأقرب - والله أعلم - أن المراد بالطاهر في هذا الحديث هو المؤمن , سواء أكان مُحْدثا حدثا أكبر أو أصغر أو حائضا أو على بدنه نجاسة , لقوله ﷺ : " المؤمن لَا يَنْجُس " وهو متفق على صحته , والمراد عدم تمكين المشرك من مسه , فهو كحديث: " نهى رَسُولُ اللهِ ﷺ عن السفر بالقرآن إلى أرض العدو " متفق عليه. أ. هـ الحواشي
(١) بدائع الصنائع ١/ ١٦٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٢٥ ـ ١٢٦، وشرح روض الطالب من أسنى المطالب ١/ ٦٢، والمجموع شرح المهذب ٢/ ٧٤، وكشاف القناع ١/ ١٣٥.(٢) بدائع الصنائع ١/ ١٦٥.стр. 10826
مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَصْغَر
قِرَاءَةُ الْقُرْآن
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٤٧: بَاب قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ وَغَيْرِهِ
الشَّرْح:
قَوْلُهُ: (بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ بَعْدَ الْحَدَثِ) أَيِ: الْأَصْغَرِ (وَغَيْرِهِ) أَيْ: مِنْ مَظَانِّ الْحَدَثِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: الضَّمِيرُ يَعُودُ عَلَى الْقُرْآنِ، وَالتَّقْدِيرُ بَابُ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِهِ أَيِ: الذِّكْرِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِهِمَا بَعْدَ الْحَدَثِ، وَيَلْزَمُ مِنْهُ الْفَصْلُ بَيْنَ الْمُتَعَاطِفَيْنِ؛ وَلِأَنَّهُ إِنْ جَازَتِ الْقِرَاءَةُ بَعْدَ الْحَدَثِ فَجَوَازُ غَيْرِهَا مِنَ الْأَذْكَارِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، فَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْ ذِكْرِهِ بِخِلَافِ غَيْرِ الْحَدَثِ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ.
стр. 10827
(م) أَبُو الْمُتَوَكِّلِ، أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ حَدَّثَهُ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ " فَقَامَ نَبِيُّ اللهِ ﷺ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ فِي السَّمَاءِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ فِي آلِ عِمْرَانَ ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ﴾ [البقرة: ١٦٤] حَتَّى بَلَغَ ﴿فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: ١٩١] ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْبَيْتِ فَتَسَوَّكَ وَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ثُمَّ اضْطَجَعَ ثُمَّ قَامَ، فَخَرَجَ فَنَظَرَ إِلَى السَّمَاءِ فَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ، ثُمَّ رَجَعَ فَتَسَوَّكَ فَتَوَضَّأَ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى " , (م) ٤٨ - (٢٥٦)
стр. 10828
(حم) , وَعَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ بَالَ ثُمَّ تَلَا شَيْئًا مِنْ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ مَاءً " (١) الحواشي
(١) (حم) ١٨٠٩٩ , وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.стр. 10829
(ط) , وعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَانَ فِي قَوْمٍ وَهُمْ يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ فَذَهَبَ لِحَاجَتِهِ، ثُمَّ رَجَعَ وَهُوَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، أَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَلَسْتَ عَلَى وُضُوءٍ؟ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَنْ أَفْتَاكَ بِهَذَا؟ , أَمُسَيْلِمَةُ؟. (١) стр. 10830
ذِكْرُ اللهِ
(م) , عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ " (١)
الشَّرْح:
(يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ) أَيْ فِي كُلِّ أَوْقَاتِهِ مُتَطَهِّرًا وَمُحْدِثًا وَجُنُبًا وَقَائِمًا وَقَاعِدًا وَمُضْطَجِعًا وَمَاشِيًا
قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ: وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُكْرَهُ الذِّكْرُ فِي حَالَةِ الْجُلُوسِ عَلَى الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَفِي حَالَةِ الْجِمَاعِ فيكون الحديث مخصوصا بما سوى هذا الْأَحْوَالِ انْتَهَى مُلَخَّصًا
وَقَالَ فِي آخِرِ بَابِ التَّيَمُّمِ يُكْرَهُ لِلْقَاعِدِ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ أَنْ يَذْكُرَ اللَّهَ تَعَالَى بِشَيْءٍ مِنَ الْأَذْكَارِ فَلَا يُسَبِّحُ وَلَا يُهَلِّلُ وَلَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَلَا يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى إِذَا عَطَسَ وَلَا يَقُولُ مِثْلَ مَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ وَكَذَلِكَ لَا يَأتِي بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَذْكَارِ فِي حَالِ الْجِمَاعِ وَإِذَا عَطَسَ فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ يَحْمَدُ اللَّهَ تَعَالَى فِي نَفْسِهِ وَلَا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ كَرَاهَةِ الذِّكْرِ فِي حَالِ الْبَوْلِ وَالْجِمَاعِ هُوَ كَرَاهَةُ تَنْزِيَةٍ لَا تَحْرِيمٍ فَلَا إِثْمَ عَلَى فَاعِلِهِ وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ الْكَلَامُ عَلَى قَضَاءِ الْحَاجَةِ بِأَيِّ نَوْعٍ كَانَ مِنْ أَنْوَاعِ الْكَلَامِ وَيُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَوْضِعُ الضَّرُورَةِ كَمَا إِذَا رأى ضريرا يكاد أَنْ يَقَعَ فِي بِيرٍ أَوْ رَأَى حَيَّةً أَوْ عَقْرَبًا أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ يَقْصِدُ إِنْسَانًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ لَيْسَ بِمَكْرُوهٍ بَلْ هُوَ وَاجِبٌ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَا مِنَ الْكَرَاهَةِ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ هو مذهبنا ومذهب الأكثرين وحكاه بن المنذر عن بن عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَمَعْبَدٍ الْجُهَنِيِّ وَعِكْرِمَةَ ﵃ وحكى عن ابراهيم النخعي وبن سيرين أنهما قالا بَأسَ بِهِ انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ. تحفة٣٣٨٤
فَوائِدُ الْحَدِيث:
فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدَثُ الْأَصْغَرُ لَا يَمْنَعُهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَفْضَلُ الذِّكْرِ كَانَ جَوَازُ مَا عَدَاهُ مِنَ الْأَذْكَارِ بِالطَّرِيقِ الْأَوْلَى وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَائِشَةَ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ مُشْعِرٌ بِوُقُوعِ الذِّكْرِ مِنْهُ حَالَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ لِأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَحْيَانِ الْمَذْكُورَةِ
وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْبَابِ وَالْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ بِاسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَالرُّخْصَةِ فِي تَرْكِهَا. عون٩
قال الألباني في الإرواء تحت حديث ٤٨٥: وقوله ﷺ : (إني كرهت أن أذكر الله إِلَّا على طهر أو قال: على طهارة) صريح في كراهة قراءة الجنب , لأن الحديث ورد في السلام كما رواه أبو داود وغيره بسند صحيح , فالقرآن أولى من السلام كما هو ظاهر , والكراهة لَا تُنافي الجواز كما هو معروف , فالقول بها لهذا الحديث الصحيح واجب , وهو أعدل الأقوال إن شاء الله تعالى. أ. هـ الحواشي
(١) (م) ١١٧ -(٣٧٣) , (خم) ج١ص٦٨ , (ت) ٣٣٨٤ , (د) ١٨ , (جة) ٣٠٢стр. 10831
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٤٧: وَقَالَ مَنْصُورٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: لَا بَأسَ بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ وَبِكَتْبِ الرِّسَالَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ
وَقَالَ حَمَّادٌ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ إِزَارٌ فَسَلِّمْ وَإِلَّا فَلَا تُسَلِّمْ.
الشَّرْح:
قَوْلُهُ: (وَقَالَ مَنْصُورٌ) أَيِ: ابْنُ الْمُعْتَمِرِ
(عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ: النَّخَعِيِّ، وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ مَنْصُورٍ مِثْلِهِ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ فَقَالَ: لَمْ يُبْنَ لِلْقِرَاءَةِ فِيهِ. قُلْتُ: وَهَذَا لَا يُخَالِفُ رِوَايَةَ أَبِي عَوَانَةَ، فَإِنَّهَا تَتَعَلَّقُ بِمُطْلَقِ الْجَوَازِ وَقَدْ رَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبَانَ عَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ عَنِ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ فَقَالَ يُكْرَهُ ذَلِكَ، انْتَهَى. وَالْإِسْنَادُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ.
وَرَوَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: بِئْسَ الْبَيْتُ الْحَمَّامُ يُنْزَعُ فِيهِ الْحَيَاءُ، وَلَا يُقْرَأُ فِيهِ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ. وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى كَرَاهَةِ الْقِرَاءَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ بِمَا هُوَ الْوَاقِعُ بِأَنَّ شَانَ مَنْ يَكُونُ فِي الْحَمَّامِ أَنْ يَلْتَهِيَ عَنِ الْقِرَاءَةِ.
وَحُكِيَتِ الْكَرَاهَةُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَخَالَفَهُ صَاحِبُهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَمَالِكٌ فَقَالَا لَا تُكْرَهُ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ خَاصٌّ، وَبِهِ صَرَّحَ صَاحِبَا الْعُدَّةِ وَالْبَيَانِ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي التِّبْيَانِ عَنِ الْأَصْحَابِ: لَا تُكْرَهُ، فَأَطْلَقَ. لَكِنْ فِي شَرْحِ الْكِفَايَةِ لِلصَّيْمَرِيِّ: لَا يَنْبَغِي أَنْ يَقْرَأَ. وَسَوَّى الْحَلِيمِيُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِرَاءَةِ حَالَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ. وَرَجَّحَ السُّبْكِيُّ الْكَبِيرُ عَدَمَ الْكَرَاهَةِ وَاحْتَجَّ بِأَنَّ الْقِرَاءَةَ مَطْلُوبَةٌ وَالِاسْتِكْثَارَ مِنْهَا مَطْلُوبٌ وَالْحَدَثَ يَكْثُرُ، فَلَوْ كُرِهَتْ لَفَاتَ خَيْرٌ كَثِيرٌ. ثُمَّ قَالَ: حُكْمُ الْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ إِنْ كَانَ الْقَارِئُ فِي مَكَانٍ نَظِيفٍ وَلَيْسَ فِيهِ كَشْفُ عَوْرَةٍ لَمْ يُكْرَهْ، وَإِلَّا كُرِهَ.
قَوْلُهُ: (وَيَكْتُبُ الرِّسَالَةَ) كَذَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِ بِلَفْظِ مُضَارِعِ كَتَبَ، وَفِي رِوَايَةِ كَرِيمَةَ " بِكَتْبِ " بِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَكَافٍ مَفْتُوحَةٍ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ بِالْقِرَاءَةِ. وَهَذَا الْأَثَرُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ الثَّوْرِيِّ أَيْضًا عَنْ مَنْصُورٍ قَالَ: سَأَلْتُ إِبْرَاهِيمَ: أَأَكْتُبُ الرِّسَالَةَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ؟ قَالَ: نَعَمْ. وَتَبَيَّنَ بِهَذَا أَنَّ قَوْلَهُ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ يَتَعَلَّقُ بِالْكِتَابَةِ لَا بِالْقِرَاءَةِ فِي الْحَمَّامِ. وَلَمَّا كَانَ مِنْ شَانِ الرَّسَائِلِ أَنْ تُصَدَّرَ بِالْبَسْمَلَةِ تَوَهَّمَ السَّائِلُ أَنَّ ذَلِكَ يُكْرَهُ لِمَنْ كَانَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ، لَكِنْ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ كَاتِبَ الرِّسَالَةِ لَا يَقْصِدُ الْقِرَاءَةَ فَلَا يَسْتَوِي مَعَ الْقِرَاءَةِ.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ حَمَّادٌ) هُوَ ابْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ فَقِيهُ الْكُوفَةِ (عَنْ إِبْرَاهِيمَ) أَيِ: النَّخَعِيِّ (إِنْ كَانَ عَلَيْهِمْ) أَيْ: عَلَى مَنْ فِي الْحَمَّامِ (إِزَارٌ) الْمُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ أَيْ: عَلَى كُلٍّ مِنْهُمْ إِزَارٌ. وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ الثَّوْرِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْهُ، وَالنَّهْيُ عَنِ السَّلَامِ عَلَيْهِمْ إِمَّا إِهَانَةٌ لَهُمْ لِكَوْنِهِمْ عَلَى بِدْعَةٍ، وَإِمَّا لِكَوْنِهِ يَسْتَدْعِي مِنْهُمُ الرَّدَّ، وَالتَّلَفُّظُ بِالسَّلَامِ فِيهِ ذِكْرُ اللَّهِ؛ لِأَنَّ السَّلَامَ مِنْ أَسْمَائِهِ، وَأَنَّ لَفْظَ " سَلَامٌ عَلَيْكُمْ " مِنَ الْقُرْآنِ، وَالْمُتَعَرِّي عَنِ الْإِزَارِ مُشَابِهٌ لِمَنْ هُوَ فِي الْخَلَاءِ. وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَتَوَجَّهُ ذِكْرُ هَذَا الْأَثَرِ فِي هَذِهِ التَّرْجَمَةِ.
قَال النَّوَوِيُّ (م) ١٠٠ - (٢٨٥) : أَجْمَع الْمُسْلِمُونَ عَلَى جَوَاز الْجُلُوس فِي الْمَسْجِد لِلْمُحْدِثِ، فَإِنْ كَانَ جُلُوسه لِعِبَادَةٍ مِنْ اِعْتِكَاف أَوْ قِرَاءَة عِلْمٍ أَوْ سَمَاع مَوْعِظَة أَوْ اِنْتِظَار صَلَاة أَوْ نَحْو ذَلِكَ كَانَ مُسْتَحَبًّا، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ كَانَ مُبَاحًا، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابنَا: إِنَّهُ مَكْرُوه، وَهُوَ ضَعِيف.
стр. 10832
مَا يُبَاحُ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَر
قِرَاءَةُ الْقُرْآن
(خ) , القَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ، يَقُولُ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ تَقُولُ: خَرَجْنَا لَا نَرَى إِلَّا الحَجَّ، فَلَمَّا كُنَّا بِسَرِفَ حِضْتُ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَنَا أَبْكِي، قَالَ: «مَا لَكِ أَنُفِسْتِ؟». قُلْتُ: نَعَمْ، قَالَ: «إِنَّ هَذَا أَمْرٌ كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاقْضِي مَا يَقْضِي الحَاجُّ، غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ» (١)
الشَّرْح:
قَالَ ابن رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ إِنَّ مُرَادَ البخاري الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأوِيلِ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيره كالطبري وبن الْمُنْذِرِ وَدَاوُدَ بِعُمُومِ حَدِيثِ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ. فتح الباري (١/ ٤٠٨) стр. 10833
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٨: وَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: «كُنَّا نُؤْمَرُ أَنْ يَخْرُجَ الحُيَّضُ فَيُكَبِّرْنَ بِتَكْبِيرِهِمْ وَيَدْعُونَ»
الشَّرْح:
وَأَمَّا حَدِيثُ أُمِّ عَطِيَّةَ فَوَصَلَهُ الْمُؤَلِّفُ فِي الْعِيدَيْنِ وَقَوْلُهُ فِيهِ وَيَدْعُونَ كَذَا لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ وَلِلْكُشْمِيهَنِيِّ يَدْعِينَ بِيَاءٍ تَحْتَانِيَّةٍ بَدَلَ الْوَاوِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَغَيْرِهَا ثُمَّ أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ طَرَفًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سُفْيَانَ فِي قِصَّةِ هِرَقْلَ وَهُوَ مَوْصُولٌ عِنْدَهُ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ وَغَيْرِهِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَتَبَ إِلَى الرُّومِ وَهُمْ كُفَّارٌ وَالْكَافِرُ جُنُبٌ كَأَنَّهُ يَقُولُ إِذَا جَازَ مَسُّ الْكِتَابِ لِلْجُنُبِ مَعَ كَوْنِهِ مُشْتَمِلًا عَلَى آيَتَيْنِ فَكَذَلِكَ يجوز لَهُ قِرَاءَته كَذَا قَالَه بن رَشِيدٍ وَتَوْجِيهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ إِنَّمَا هِيَ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ إِنَّمَا كَتَبَ إِلَيْهِمْ لِيَقْرَءُوهُ فَاسْتَلْزَمَ جَوَاز الْقِرَاءَة بِالنَّصِّ لَا بالاستنباط وَقد أُجِيب مِمَّن مَنَعَ ذَلِكَ وَهُمُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ الْكِتَابَ اشْتَمَلَ عَلَى أَشْيَاءَ غَيْرِ الْآيَتَيْنِ فَأَشْبَهَ مَا لَوْ ذَكَرَ بَعْضَ الْقُرْآنِ فِي كِتَابٍ فِي الْفِقْهِ أَوْ فِي التَّفْسِيرِ فَإِنَّهُ لَا يَمْنَعُ قِرَاءَتَهُ وَلَا مَسَّهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ مِنْهُ التِّلَاوَةُ وَنَصَّ أَحْمَدُ أَنَّهُ يَجُوزُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُكَاتَبَةِ لِمَصْلَحَةِ التَّبْلِيغِ وَقَالَ بِهِ كَثِيرٌ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَمِنْهُمْ مَنْ خَصَّ الْجَوَازَ بِالْقَلِيلِ كَالْآيَةِ وَالْآيَتَيْنِ قَالَ الثَّوْرِيُّ لَا بَأسَ أَنْ يُعَلِّمَ الرَّجُلُ النَّصْرَانِيَّ الْحَرْفَ مِنَ الْقُرْآنِ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ وَأَكْرَهُ أَنْ يُعَلِّمَهُ الْآيَةَ هُوَ كَالْجُنُبِ وَعَنْ أَحْمَدَ أَكْرَهُ أَنْ يَضَعَ الْقُرْآنَ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَعَنْهُ إِنْ رَجَى مِنْهُ الْهِدَايَةَ جَازَ وَإِلَّا فَلَا وَقَالَ بَعْضُ مَنْ مَنَعَ لَا دَلَالَةَ فِي الْقِصَّةِ عَلَى جَوَازِ تِلَاوَةِ الْجُنُبِ الْقُرْآنَ لِأَنَّ الْجُنُبَ إِنَّمَا مُنِعَ التِّلَاوَةَ إِذَا قَصَدَهَا وَعَرَفَ أَنَّ الَّذِي يقرأه قُرْآنٌ أَمَّا لَوْ قَرَأَ فِي وَرَقَةٍ مَا لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مِنَ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا يُمْنَعُ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ. فتح (١/ ٤٠٨)
стр. 10834
(م) , عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَذْكُرُ اللهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ " (١) الحواشي
(١) (م) ١١٧ -(٣٧٣) , (ت) ٣٣٨٤ , (د) ١٨ , (جة) ٣٠٢стр. 10835
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٨: وَلَمْ يَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِالقِرَاءَةِ لِلْجُنُبِ بَأسًا.
الشَّرْح:
أثر بن عَبَّاس وَقد وَصله ابن الْمُنْذر بِلَفْظ إِن ابن عَبَّاس كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ. فتح (١/ ٤٠٨)
стр. 10836
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٨: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: «لَا بَأسَ أَنْ تَقْرَأَ الآيَةَ»
الشَّرْح:
أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ أَثَرَ إِبْرَاهِيم وَهُوَ النَّخعِيّ إشعارا بِأَنَّ مَنْعَ الْحَائِضِ مِنَ الْقِرَاءَةِ لَيْسَ مُجْمَعًا عَلَيْهِ وَقَدْ وَصَلَهُ الدَّارِمِيُّ وَغَيْرُهُ بِلَفْظِ أَرْبَعَةٌ لَا يقرؤون الْقُرْآنَ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَعِنْدَ الْخَلَاءِ وَفِي الْحَمَّامِ إِلَّا الْآيَةَ وَنَحْوَهَا لِلْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ نَحْوُ قَوْلِ إِبْرَاهِيمَ وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَرُوِيَ عَنْهُ الْجَوَازُ لِلْحَائِضِ دُونَ الْجُنُبِ وَقَدْ قِيلَ إِنَّهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ. فتح (١/ ٤٠٧)
стр. 10837
, وَعَنْ حماد بن أبي سليمان قال: سألت سعيد بن جبير عن الجنب يقرأ؟ , فلم يَرَ به بأسا وقال: أليس في جوفه القرآن؟. (١) الحواشي
(١) قال الألباني في تمام المنة ص١١٨: هذا جيد , لكن لَا يخفى أن الأمر لَا يخلو من كراهة , لحديث: " إني كرهت أن أذكر الله إِلَّا على طُهر " انظر (الصحيحة: ٨٣٤)стр. 10838
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٨: وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، أَخْبَرَنِي أَبُو سُفْيَانَ، أَنَّ هِرَقْلَ دَعَا بِكِتَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَرَأَ فَإِذَا فِيهِ: " بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَ ﴿يَا أَهْلَ الكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ .. الآيَةَ﴾ " (١)
الشَّرْح:
أثر بن عَبَّاس وَقد وَصله بن الْمُنْذر بِلَفْظ إِن بن عَبَّاس كَانَ يَقْرَأُ وِرْدَهُ وَهُوَ جُنُبٌ. فتح (١/ ٤٠٨) الحواشي
(١) [آل عمران: ٦٤]стр. 10839
ذِكْرُ اللهِ
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٨: وَقَالَ الحَكَمُ: " إِنِّي لَأَذْبَحُ وَأَنَا جُنُبٌ، وَقَالَ اللَّهُ : ﴿وَلَا تَأكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ﴾ (١)
الشَّرْح:
الْحَكَمِ وَهُوَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ فَوَصَلَهُ الْبَغَوِيُّ فِي الْجَعْدِيَّاتِ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ أَنَّ الذَّبْحَ مُسْتَلْزِمٌ لِذِكْرِ اللَّهِ بِحُكْمِ الْآيَةِ الَّتِي سَاقَهَا. فتح (١/ ٤٠٨)
ومَقْصُودُ الْبُخَارِيِّ بِمَا ذَكَرَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنَ الْأَحَادِيثِ وَالْآثَارِ أَنَّ الْحَيْضَ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْجَنَابَةِ لَا يُنَافِي جَمِيعَ الْعِبَادَاتِ بَلْ صَحَّتْ مَعَهُ عِبَادَاتٌ بَدَنِيَّةٌ مِنْ أَذْكَارٍ وَغَيْرِهَا فَمَنَاسِكُ الْحَجِّ مِنْ جُمْلَةِ مَا لَا يُنَافِيهَا إِلَّا الطَّوَافَ فَقَطْ وَفِي كَوْنِ هَذَا مُرَادَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ كَوْنَ مَنَاسِكِ الْحَجِّ كَذَلِكَ حَاصِلٌ بِالنَّصِّ فَلَا يَحْتَاجُ إِلَى الِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ وَالْأَحْسَنُ مَا قَالَه بن رَشِيدٍ تَبَعًا لِابْنِ بَطَّالٍ وَغَيْرِهِ إِنَّ مُرَادَهُ الِاسْتِدْلَالُ عَلَى جَوَازِ قِرَاءَةِ الْحَائِضِ وَالْجُنُبِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ لِأَنَّهُ ﷺ لَمْ يَسْتَثْنِ مِنْ جَمِيعِ مَنَاسِكِ الْحَجِّ إِلَّا الطَّوَافَ وَإِنَّمَا اسْتَثْنَاهُ لِكَوْنِهِ صَلَاةً مَخْصُوصَةً وَأَعْمَالُ الْحَجِّ مُشْتَمِلَةٌ عَلَى ذِكْرٍ وَتَلْبِيَةٍ وَدُعَاءٍ وَلَمْ تُمْنَعِ الْحَائِضُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَكَذَلِكَ الْجُنُبُ لِأَنَّ حَدَثَهَا أَغْلَظُ مِنْ حَدَثِهِ وَمَنْعُ الْقِرَاءَةِ إِنْ كَانَ لِكَوْنِهِ ذِكْرًا لِلَّهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ذُكِرَ وَإِنْ كَانَ تَعَبُّدًا فَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ شَيْءٌ مِنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مَجْمُوعُ مَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ عِنْدَ غَيْرِهِ لَكِنَّ أَكْثَرَهَا قَابِلٌ لِلتَّأوِيلِ كَمَا سَنُشِيرُ إِلَيْهِ وَلِهَذَا تَمَسَّكَ الْبُخَارِيُّ وَمَنْ قَالَ بِالْجَوَازِ غَيره كالطبري وبن الْمُنْذِرِ وَدَاوُدَ بِعُمُومِ حَدِيثِ كَانَ يَذْكُرُ اللَّهَ عَلَى كُلِّ أَحْيَانِهِ لِأَنَّ الذِّكْرَ أَعَمُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بِالْقُرْآنِ أَوْ بِغَيْرِهِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالتِّلَاوَةِ بِالْعُرْفِ وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَصَلَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ. فتح (١/ ٤٠٧)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
يَحْرُمُ عَلَى الْجُنُبِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ (٢)
وَلا خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْبَسْمَلَةَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى حُرْمَةِ قِرَاءَتِهَا عَلَى الْجُنُبِ وَالْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ بِقَصْدِ التِّلاوَةِ؛ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ: " لا يَقْرَأُ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ شَيْئًا مِنَ الْقُرْآنِ " (٣) .
وَرُوِيَتْ كَرَاهَةُ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ، وَرَوَى أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَخْرُجُ مِنَ الْخَلَاءِ فَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَيَأكُلُ مَعَنَا اللَّحْمَ، وَلَمْ يَكُنْ يَحْجُبُهُ عَنِ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لَيْسَ الْجَنَابَةَ. (٤)
فَلَوْ قَصَدَ الدُّعَاءَ أَوِ الثَّنَاءَ أَوِ افْتِتَاحَ أَمْرٍ تَبَرُّكًا، وَلَمْ يَقْصِدِ الْقِرَاءَةَ، فَلا بَأسَ. وَفِي أَحَدِ قَوْلَيْنِ لِلْمَالِكِيَّةِ: لا يَحْرُمُ قِرَاءَةُ آيَةٍ لِلتَّعَوُّذِ أَوِ الرُّقْيَةِ، وَلَوْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ.
كَمَا ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لا يَمْنَعُ الْحَيْضُ وَالنِّفَاسُ قِرَاءَةَ الْقُرْآنِ، مَا دَامَتِ الْمَرْأَةُ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ بِقَصْدِ التَّعَلُّمِ أَوِ التَّعْلِيمِ؛ لأَنَّهَا غَيْرُ قَادِرَةٍ عَلَى إِزَالَةِ الْمَانِعِ، أَمَّا إِذَا انْقَطَعَ وَلَمْ تَتَطَهَّرْ، فَلا تَحِلُّ لَهَا قِرَاءَتُهُ كَمَا لا تَحِلُّ لِلْجُنُبِ.
وَالدَّلِيلُ عَلَى اسْتِثْنَاءِ التَّسْمِيَةِ مِنَ التَّحْرِيمِ: أَنَّ لَهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ، وَيَحْتَاجُونَ إِلَى التَّسْمِيَةِ عِنْدَ اغْتِسَالِهِمْ، وَلا يُمْكِنُهُمُ التَّحَرُّزُ عَنْهَا؛ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَذْكُرُ اللَّهَ فِي كُلِّ أَحْيَانِهِ ".
وَإِنْ قَصَدُوا بِهَا الْقِرَاءَةَ، فَفِيهِ رِوَايَتَانِ: إِحْدَاهُمَا لا يَجُوزُ؛ لِمَا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الْجُنُبِ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: لا وَلَوْ حَرْفًا؛ لِعُمُومِ الْخَبَرِ فِي النَّهْيِ، وَالثَّانِيَةُ: لا يُمْنَعُ مِنْهُ؛ لأَنَّهُ لا يَحْصُلُ بِهِ الإِعْجَازُ، وَيَجُوزُ إِذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْقُرْآنَ. (٥) الحواشي
(١) [الأنعام: ١٢١](٢) البدائع ١/ ٣٣، ٣٧، وجواهر الإكليل ١/ ٢١، ٢٣، ومغني المحتاج ١/ ٣٦، ٧١، والمجموع ٢/ ٦٨، ٦٩، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٧٢، ٨٣(٣) (جة) ٥٩٦ , (ت) ١٣١ , وقال الألباني: منكر
قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٨): ضَعِيفٌ مِنْ جَمِيعِ طُرُقِهِ.(٤) (س) ٢٦٥ , (ت) ١٤٦ , (د) ٢٢٩ , وقال الألباني: ضعيف
قال الحافظ في الفتح (١/ ٤٠٨): وَالْحَقُّ أَنَّهُ مِنْ قَبِيلِ الْحَسَنِ , يَصْلُحُ لِلْحُجَّةِ , لَكِنْ قِيلَ: فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ , لِأَنَّهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ , فَلَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا عَدَاهُ , وَأَجَابَ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ جمعا بَين الأدلة.(٥) حاشية ابن عابدين١/ ١١٦، ١٩٥، وبدائع الصنائع ١/ ٢٠٣، وشرح الزرقاني ١/ ١٠٤، ١٠٥، ١٣٨، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ١/ ١٣٨، ١٣٩، ١٧٤، ١٧٥، وقليوبي وعميرة ١/ ٦٢، ٦٥، ١٩٩، ونهاية المحتاج ١/ ٢٠١، ٢٠٤، ٣٣٩، والمغني ١/ ١٤١، ١٤٤.стр. 10840
النَّوْمُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاع
(خ م ت د س جة حم) , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَيْسٍ قَالَ: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ؟ , أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ , قَالَتْ: " كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ) (١) (رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلَ اللَّيْلِ) (٢) (فَنَامَ) (٣) (وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ) (٤) (وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ) (٥) (غَسَلَ فَرْجَهُ) (٦) (وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ) (٧) ([وَرُبَّمَا] يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ) (٨) (كَهَيْئَتِهِ لَا يَمَسُّ مَاءً) (٩) (فَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَادَ إِلَى أَهْلِهِ) (١٠) (فَيَأتِيهِ بِلَالٌ فَيُؤْذِنُه (١١) بِالصَّلَاةِ، فَيَقُومُ فَيَغْتَسِلُ، فَأَنْظُرُ إِلَى تَحَدُّرِ الْمَاءِ مِنْ رَأسِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَأَسْمَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ (١٢) ") (١٣) (فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً) (١٤) (قَالَتْ: " وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأكُلَ أَوْ يَشْرَبَ) (١٥) (وَهُوَ جُنُبٌ) (١٦) (غَسَلَ كَفَّيْهِ) (١٧) وفي رواية: (تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) (١٨) (ثُمَّ يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ إِنْ شَاءَ ") (١٩)
الشَّرْح:
(سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ فَقُلْتُ: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَصْنَعُ فِي الْجَنَابَةِ؟ أَكَانَ يَغْتَسِلُ قَبْلَ أَنْ يَنَامَ؟ , أَمْ يَنَامُ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ؟ , قَالَتْ: " كُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ يَفْعَلُ) (رُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي أَوَّلَ اللَّيْلِ فَنَامَ)
(وَرُبَّمَا اغْتَسَلَ فِي آخِرِهِ) قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٥: بَابُ كَيْنُونَةِ الجُنُبِ فِي البَيْتِ، إِذَا تَوَضَّأَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ
قَالَ الْحَافِظُ: قِيلَ أَشَارَ الْمُصَنِّفُ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ إِلَى تَضْعِيفِ مَا وَرَدَ عَنْ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا إِنَّ الْمَلَائِكَةَ لَا تَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ وَلَا صُورَةٌ وَلَا جُنُبٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَفِيهِ نُجَيٌّ بِضَمِّ النُّونِ وَفَتْحِ الْجِيمِ الْحَضْرَمِيُّ مَا رَوَى عَنْهُ غَيْرُ ابْنِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَهُوَ مَجْهُولٌ لَكِنْ وَثَّقَهُ الْعجلِيّ وَصحح حَدِيثه بن حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ فَيُحْتَمَلُ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْجُنُبِ مَنْ يَتَهَاوَنُ بِالِاغْتِسَالِ وَيَتَّخِذُ تَرْكَهُ عَادَةً لَا مَنْ يُؤَخِّرُهُ لِيَفْعَلَهُ قَالَ وَيُقَوِّيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْكَلْبِ غَيْرُ مَا أُذِنَ فِي اتِّخَاذِهِ وَبِالصُّورَةِ مَا فِيهِ رُوحٌ وَمَا لَا يُمْتَهَنُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي الْكَلْبِ نَظَرٌ انْتَهَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْجُنُبِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ مَنْ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهُ كُلُّهُ وَلَا بَعْضُهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْبَابِ مُنَافَاةٌ لِأَنَّهُ إِذَا تَوَضَّأَ ارْتَفَعَ بَعْضُ حَدَثِهِ عَلَى الصَّحِيحِ كَمَا سَيَأتِي تَصْوِيرُهُ. فتح (١/ ٣٩٢)
(وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) أَيْ تَوَضَّأَ وُضُوءًا كَمَا لِلصَّلَاةِ وَلَيْسَ الْمَعْنَى أَنَّهُ تَوَضَّأَ لِأَدَاءِ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَوَضَّأَ وُضُوءًا شَرْعِيًّا لَا لُغَوِيًّا. فتح٢٨٨
قَالَ الْحَافِظُ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى من حمل الْوضُوء هُنَا على التَّنْظِيف. فتح٢٨٦
قال الشوكاني: وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا وُضُوءُ الصَّلَاةِ لِمَا عَرَّفْنَاك غَيْرَ مَرَّةٍ أَنَّهُ هُوَ الْحَقِيقَةُ الشَّرْعِيَّةُ وَأَنَّهَا مُقَدَّمَةٌ عَلَى غَيْرِهَا.
وَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَهُوَ يَرُدُّ مَا جَنَحَ إلَيْهِ الطَّحَاوِيُّ مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوُضُوءِ التَّنْظِيفُ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ عُمَرَ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ: (كَانَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ) كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ نَافِعٍ. وَيُرَدُّ أَيْضًا بِأَنَّ مُخَالَفَةَ الرَّاوِي لِمَا رَوَى لَا تَقْدَحُ فِي الْمَرْوِيِّ وَلَا تَصْلُحُ لِمُعَارَضَتِهِ. وَأَيْضًا قَدْ وَرَدَ تَقْيِيدُ الْوُضُوءِ بِوُضُوءِ الصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَتِهِ، وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ فَيُعْتَمَدُ ذَلِكَ، وَيُحْمَلُ تَرْكُ ابْنِ عُمَرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْجُمْهُورُ. نيل٢٨٠
(وَرُبَّمَا يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ كَهَيْئَتِهِ لَا يَمَسُّ مَاءً) قال النووي: وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسَّ مَاءً رَوَاهُ أَبُو داود والترمذى والنسائى وبن مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ فَقَالَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَهَمَ أَبُو إِسْحَاقَ فِي هَذَا يَعْنِي فِي قَوْلِهِ لَا يَمَسُّ مَاءً وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ يَرَوْنَ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ مِنْ أَبِي إِسْحَاقَ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ طَعَنَ الْحُفَّاظُ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَبَانَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ ضَعْفُ الْحَدِيثِ وَإِذَا ثبت ضعفه لم يبق فيه ما يعترض به على ما قدمناه ولوصح لَمْ يَكُنْ أَيْضًا مُخَالِفًا بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا جَوَابُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ شُرَيْحٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَمَسَّ مَاءً لِلْغُسْلِ وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا يَمَسَّ مَاءً أَصْلًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ وُجُوبُهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النووي (٢١ - ٣٠٥)
قال الشوكاني: ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى اسْتِحْبَابِهِ وَعَدَمِ وُجُوبِهِ. وَتَمَسَّكُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَ هَذَا: «أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً» وَهُوَ غَيْرُ صَالِحٍ لِلتَّمَسُّكِ بِهِ مِنْ وُجُوهٍ. أَحَدُهَا: أَنَّ فِيهِ مَقَالًا لَا يَنْتَهِضُ مَعَهُ لِلِاسْتِدْلَالِ وَسَنُبَيِّنُهُ فِي شَرْحِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. وَثَانِيهَا: أَنَّ قَوْلَهُ (لَا يَمَسُّ مَاءً)، نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ، فَتَعُمُّ مَاءَ الْغُسْلِ وَمَاءَ الْوُضُوءِ وَغَيْرَهُمَا، وَحَدِيثُهَا الْمَذْكُورُ فِي الْبَابِ بِلَفْظِ: «كَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ فَرْجَهُ وَتَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ» خَاصٌّ بِمَاءِ الْوُضُوءِ فَيُبْنَى الْعَامُّ عَلَى الْخَاصِّ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ (لَا يَمَسُّ مَاءً) غَيْرَ مَاءِ الْوُضُوءِ، وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ سُرَيْجٍ وَالْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَاءِ مَاءُ الْغُسْلِ.
وَقَدْ أَخْرَجَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «كَانَ يَجْنُبُ مِنْ اللَّيْلِ ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ وَلَا يَمَسُّ مَاءً». وَثَالِثُهَا أَنَّ تَرْكَهُ ﷺ لَمْسَ الْمَاءِ لَا يُعَارِضُ قَوْلَهُ الْخَاصَّ بِنَا كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ فَيَكُونُ التَّرْكُ عَلَى تَسْلِيمِ شُمُولِهِ لِمَاءِ الْوُضُوءِ خَاصًّا بِهِ. وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا: «إنَّمَا أُمِرْت بِالْوُضُوءِ إذَا قُمْت إلَى الصَّلَاةِ» أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ. وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحَةِ. قَالَ الْحَافِظُ: وَقَدْ قَدَحَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ابْنُ زُبَيْدٍ الْمَالِكِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ. قُلْت: فَيَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ بِحَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ، وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ أَخْرَجَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ: أَنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ «أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ: نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ إنْ شَاءَ».نيل٢٧٩
قَالَ الْحَافِظُ: وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرَانِ صَحِيحَيْنِ قَالَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ. التلخيص الحبير١٨٧
قال في الذخيرة٢٥٥: الذين ضعفوا هذه الرواية , منهم من عللها بالمخالفة كما تقدم , ومنهم من عللها بأن أبا إسحاق لما اختصر حديث عائشة الطويل , أخطأ في اختصاره , وممن قال بهذا: الطحاوي , وابن العربي المالكي , فقد ذكرا الحديث بطوله , ثم بينا وجه خطئه , ودعواهما هذه غير مقبولة , فإن أبا إسحاق حافظ عارف بكيفية اختصار الحديث , وقد تثبَّتَ في روايته وصرح بالسماع , ويؤيده كما قال الحافظ في التلخيص: ما رواه هشيم , عن عبد الملك , عن عطاء , عن عائشة , مثل روايته.
وقد رد العلامة أحمد شاكر فيما كتبه على الترمذي دعوى خطأ أبي إسحاق في اختصار الحديث بأبلغ رد , ج١ص٢٠٥ - ٢٠٦.
والحاصل أن رواية أبي إسحاق صحيحة , صححها الأئمة , البيهقي والدارقطني , وغيرهما , والجمع بينها وبين أحاديث تقديم الوضوء بأحد أمرين: إما بحمل الأمر على الاستحباب , والفعل على الجواز , كما قال ابن قتيبة , وابن التركماني , وإما بحمل (لا يمس ماء) على ماء الغسل , كما قال أبو العباس ابن سريج , وتبعه البيهقي , فزال الإشكال من دون دعوى تغليط حافظ راسخ جبل من الجبال. أ. هـ
(فَإِذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ عَادَ إِلَى أَهْلِهِ , فَيَأتِيهِ بِلَالٌ فَيُؤْذِنُه بِالصَّلَاةِ، فَيَقُومُ فَيَغْتَسِلُ، فَأَنْظُرُ إِلَى تَحَدُّرِ الْمَاءِ مِنْ رَأسِهِ، ثُمَّ يَخْرُجُ فَأَسْمَعُ صَوْتَهُ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ " , فَقُلْتُ: الْحَمْدُ للهِ الَّذِي جَعَلَ فِي الْأَمْرِ سَعَةً , قَالَتْ: وَكَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأكُلَ أَوْ يَشْرَبَ وَهُوَ جُنُبٌ غَسَلَ كَفَّيْهِ)
وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَهُ أَنْ يَأكُلَ أَوْ يَشْرَبَ مِنْ غَيْرِ التَّوَضِّي وَالِاغْتِسَالِ وَالْبَابُ الْآتِي يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّوَضِّي فَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ. عون٢٢٣
وفي رواية: (تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) قَالَ الْحَافِظُ: لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إذَا كَانَ جُنُبًا وَأَرَادَ أَنْ يَأكُلَ أَوْ يَنَامَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " .. وَرَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ عَنْ الْقَطَّانِ قَالَ تَرَكَ شُعْبَةُ حَدِيثَ الْحَكَمِ " فِي الْجُنُبِ إذَا أَرَادَ أَنْ يَأكُلَ " قُلْتُ قَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِهِ فَلَعَلَّهُ تَرَكَهُ بَعْدَ أَنْ كَانَ يُحَدِّثُ بِهِ لِتَفَرُّدِهِ بِذِكْرِ الْأَكْلِ كَمَا حَكَاهُ الْخَلَّالُ عَنْ أَحْمَدَ. التلخيص الحبير١٨٧
(ثُمَّ يَأكُلُ أَوْ يَشْرَبُ إِنْ شَاءَ ")
فَوائِدُ الْحَدِيث:
وَأَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ وَيَأكُلَ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ مُعَاوَدَةُ الْأَهْلِ كَمَا سَيَأتِي فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ، وَكَذَلِكَ الشُّرْبُ كَمَا يَأتِي فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَهَذَا كُلُّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ، قَالَهُ النَّوَوِيُّ. نيل٢٨١ الحواشي
(١) (م) ٢٦ -(٣٠٧) , (ت) ٢٩٢٤ , (س) ٤٠٤ , (حم) ٢٤٤٩٧(٢) (د) ٢٢٦ , (س) ٢٢٢ , (حم) ٢٥١١٤(٣) (م) ٢٦ -(٣٠٧) , (د) ١٤٣٧ , (س) ٤٠٤ , (حم) ٢٤٤٩٧(٤) (د) ٢٢٦ , (س) ٢٢٣ , (حم) ٢٥١١٤(٥) (م) ٢١ -(٣٠٥) , (س) ٢٥٨ , (د) ٢٢٤(٦) (خ) ٢٨٤ , (حم) ٢٥٨٥٦(٧) (م) ٢١ -(٣٠٥) , (خ) ٢٨٤ , (س) ٢٥٨ , (د) ٢٢٤ , (حم) ٢٤٧٥٨(٨) (ت) ١١٨ , (د) ٢٢٨(٩) (جة) ٥٨٢ , (ت) ١١٨ , (د) ٢٢٨ , (حم) ٢٤٢٠٧(١٠) (حم) ٢٤٧٩٩ , وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: رجاله ثقات.(١١) آذن: أعلَمَ وأخبر.(١٢) قَالَ مُطَرِّفٌ: فَقُلْتُ لِعَامِرٍ: أَفِي رَمَضَانَ؟ قَالَ: رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ سَوَاءٌ (جة) ١٧٠٣، وانظر آداب الزفاف ص٤٥(١٣) (جة) ١٧٠٣ , (حم) ٢٦٢١٣، انظر آداب الزفاف ص٤٥(١٤) (م) ٢٦ -(٣٠٧) , (ت) ٢٩٢٤ , (س) ٢٢٢ , (د) ٢٢٦(١٥) (س) ٢٥٧ , (م) ٢٢ -(٣٠٥) , (حم) ٢٤٩١٦(١٦) (س) ٢٥٥ , (د) ٢٢٤ , (جة) ٥٩١(١٧) (حم) ٢٤٧٥٨ (س) ٢٥٧ , (جة) ٥٩٣(١٨) (م) ٢٢ -(٣٠٥) , (س) ٢٥٥ , (د) ٢٢٤ , (جة) ٥٩١(١٩) (حم) ٢٤٧٥٨ , (س) ٢٥٧ , وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.стр. 10841
(طس) , وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا وَاقَعَ بَعْضَ أَهْلِهِ فَكَسِلَ أَنْ يَقُومَ، ضَرَبَ يَدَهُ عَلَى الْحَائِطِ فَتَيَمَّمَ " (١)
الشَّرْح:
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَمَسُّ مَاءً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ والنسائي وبن مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صُحِّحَ لَمْ يكن مخالفا يعني لحديث بن عُمَرَ الْمَذْكُورِ فِي الْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ بَلْ كَانَ لَهُ جَوَابَانِ أَحَدُهُمَا جَوَابُ الْإِمَامَيْنِ الْجَلِيلَيْنِ أَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ سُرَيْجٍ وَأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِيِّ أَنَّ الْمُرَادَ لَا يَمَسُّ مَاءً لِلْغُسْلِ وَالثَّانِي وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا يَمَسُّ مَاءً أَصْلًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ إِذْ لَوْ وَاظَبَ عَلَيْهِ لَتُوُهِّمَ وُجُوبُهُ انْتَهَى. تحفة١٢٠ الحواشي
(١) (طس) ٦٤٥، انظر صَحِيح الْجَامِع: ٤٧٩٤ , آداب الزفاف: ص٤٦стр. 10842
(هق) , وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَجْنَبَ فَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ " (١)
الشَّرْح:
وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُ ﷺ كَانَ إِذَا أَجْنَبَ فَأَرَادَ أَنْ يَنَامَ تَوَضَّأَ أَوْ تَيَمَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ هُنَا عِنْدَ عُسْرِ وُجُودِ الْمَاءِ وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يَنْشَطُ إِلَى الْعَوْدِ أَوْ إِلَى الْغسْل. فتح٢٩٠ الحواشي
(١) (هق) ٩١٥، انظر آداب الزفاف ص٤٣стр. 10843
(خ م حم خز) , وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: (اسْتَفْتَى عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: هَلْ يَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ؟) (١) (قَالَ: " نَعَمْ إِذَا تَوَضَّأَ) (٢) (وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ) (٣) وفي رواية: (نَعَم، وَيَتَوَضَّأُ إِنْ شَاءَ) (٤) وفي رواية: (اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأ) (٥) (ثُمَّ نَمْ ") (٦) (قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَفْعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ تَوَضَّأَ وُضُوءَهُ لِلصَلَاةِ مَا خَلَا رِجْلَيْهِ) (٧) .
الشَّرْح:
(اغْسِلْ ذَكَرَكَ ثُمَّ تَوَضَّأ) هَذَا يَرُدُّ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِوُضُوءٍ يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَإِنَّمَا هُوَ لِلتَّعَبُّدِ إِذِ الْجَنَابَةُ أَشَدُّ مِنْ مَسِّ الذَّكَرِ فَتَبَيَّنَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُوحٍ أَنَّ غسله مقدم على الْوضُوء. فتح٢٩٠
فَوائِدُ الْحَدِيث:
وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا يتضيق عِنْد الْقيام الىلصلاة واستحباب التَّنْظِيف عِنْد النّوم قَالَ ابن الْجَوْزِيِّ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْمَلَائِكَةَ تَبْعُدُ عَنِ الْوَسَخِ وَالرِّيحِ الْكَرِيهَةِ بِخِلَافِ الشَّيَاطِينِ فَإِنَّهَا تَقْرُبُ من ذَلِك وَالله أعلم. فتح٢٩٠
وَقَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ نَصَّ الشَّافِعِيُّ ﵀ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْحَائِضِ لِأَنَّهَا لَوِ اغْتَسَلَتْ لَمْ يَرْتَفِعْ حَدَثُهَا بِخِلَافِ الْجُنُبِ لَكِنْ إِذَا انْقَطَعَ دَمُهَا اسْتُحِبَّ لَهَا ذَلِكَ. فتح٢٩٠
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
قَالَ بن دَقِيقِ الْعِيدِ جَاءَ الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ وَجَاءَ بِصِيغَةِ الشَّرْطِ وَهُوَ مُتَمَسَّكٌ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إِلَى إِيجَابِهِ وَهُوَ شُذُوذٌ وَقَالَ بن الْعَرَبِيِّ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ قَبْلَ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَاسْتَنْكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ هَذَا النَّقْلَ وَقَالَ لَمْ يَقُلِ الشَّافِعِيُّ بِوُجُوبِهِ وَلَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَهُوَ كَمَا قَالَ. فتح٢٩٠
وَقَالَ الزُّرْقَانِيُّ وَلَا يُعْرَفُ عَنْهُمَا وُجُوبُهُ وَقَدْ نَصَّ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ. عون٢٢١
لَكِن كَلَام بن الْعَرَبِيِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ نَفْيَ الْإِبَاحَةِ الْمُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ لَا إِثْبَاتَ الْوُجُوبِ أَوْ أَرَادَ بِأَنَّهُ وَاجِبٌ وُجُوبَ سُنَّةٍ أَيْ مُتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابِ وَيدل عَلَيْهِ أَنه قابله بقول بن حَبِيبٍ هُوَ وَاجِبٌ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي عبارَة الْمَالِكِيَّة كثيرا وَأَشَارَ بن الْعَرَبِيّ إِلَى تَقْوِيَة قَول بن حَبِيبٍ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ إِيجَاب الْوضُوء على الْجُنُبِ إِذَا أَرَادَ النَّوْمَ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بَعْدَ ذَلِك هُوَ وبن خُزَيْمَة على عدم الْوُجُوب بِحَدِيث بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا إِنَّمَا أُمِرْتُ بِالْوُضُوءِ إِذَا قُمْتُ إِلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي بَابِ إِذَا جَامَعَ ثُمَّ عَادَ وَقَدْ قَدَحَ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَال بن رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ وَنَقَلَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ وَتَمَسَّكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يُجْنِبُ ثُمَّ يَنَامُ وَلَا يَمَسُّ مَاءً رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ الْحُفَّاظَ قَالُوا إِنَّ أَبَا إِسْحَاقٍ غَلِطَ فِيهِ وَبِأَنَّهُ لَوْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ تَرَكَ الْوُضُوءَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ لِئَلَّا يُعْتَقَدَ وُجُوبُهُ أَوْ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ لَا يَمَسُّ مَاءً أَيْ لِلْغُسْلِ وَأَوْرَدَ الطَّحَاوِيُّ مِنَ الطَّرِيقِ الْمَذْكُورَةِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ جَنَحَ الطَّحَاوِيُّ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْوضُوءِ التَّنْظِيف وَاحْتج بِأَن بن عُمَرَ رَاوِيَ الْحَدِيثِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصَّةِ كَانَ يَتَوَضَّأُ وَهُوَ جُنُبٌ وَلَا يَغْسِلُ رِجْلَيْهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ نَافِعٍ وَأُجِيبُ بِأَنَّهُ ثَبَتَ تَقْيِيدُ الْوُضُوءِ بِالصَّلَاةِ مِنْ رِوَايَتِهِ وَمِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فَيُعْتَمَدُ وَيُحْمَلُ ترك بن عُمَرَ لِغَسْلِ رِجْلَيْهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِعُذْرٍ وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ الْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ هُنَا الشَّرْعِيُّ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ يُخَفِّفُ الْحَدَثَ وَلَا سِيَّمَا عَلَى الْقَوْلِ بِجَوَازِ تَفْرِيقِ الْغُسْلِ فَيَنْوِيهِ فَيَرْتَفِعُ الْحَدَثُ عَنْ تِلْكَ الْأَعْضَاءِ الْمَخْصُوصَةِ عَلَى الصَّحِيح وَيُؤَيِّدهُ مَا رَوَاهُ بن أَبِي شَيْبَةَ بِسَنَدٍ رِجَالُهُ ثِقَاتٌ عَنْ شَدَّادِ بْنِ أَوْسٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ إِذَا أَجْنَبَ أَحَدُكُمْ مِنَ اللَّيْلِ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَنَامَ فَلْيَتَوَضَّأ فَإِنَّهُ نِصْفُ غُسْلِ الْجَنَابَةِ وَقِيلَ الْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّهُ إِحْدَى الطِّهَارَتَيْنِ فَعَلَى هَذَا يَقُومُ التَّيَمُّمُ مَقَامَهُ. فتح٢٩٠
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ بِحَمْلِ الْأَمْرِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ويؤيد ذلك أنه أخرج بن خزيمة وبن حبان في صحيحهما من حديث بن عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ أَيَنَامُ أَحَدُنَا وَهُوَ جُنُبٌ قَالَ نَعَمْ وَيَتَوَضَّأُ إِنْ شَاءَ انْتَهَى. تحفة١٢٠
قال النووي: حَاصِلُ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَنَامَ وَيَأكُلَ وَيَشْرَبَ وَيُجَامِعَ قَبْلَ الِاغْتِسَالِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَأَجْمَعُوا عَلَى أن بدن الجنب وغرقه طَاهِرَانِ وَفِيهَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَيَغْسِلَ فَرْجَهُ لِهَذِهِ الْأُمُورِ كُلِّهَا وَلَا سِيَّمَا إِذَا أَرَادَ جِمَاعَ مَنْ لَمْ يُجَامِعْهَا فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ ذَكَرِهِ وَقَدْ نَصَّ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ النَّوْمُ وَالْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالْجِمَاعُ قَبْلَ الْوُضُوءِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّ هَذَا الْوُضُوءَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَبِهَذَا قَالَ مالك والجمهور وذهب بن حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إِلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ دَاوُدَ الظَّاهِرِيِّ وَالْمُرَادُ بِالْوُضُوءِ وُضُوءُ الصلاة الكامل. النووي (٢١ - ٣٠٥) الحواشي
(١) (م) ٢٤ -(٣٠٦) , (خ) ٢٨٥(٢) (خ) ٢٨٣ , (م) ٢٣ -(٣٠٦) , (جة) ٥٨٥ , (حم) ٤٦٦٢(٣) (حم) ٤٩٢٩ , وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.(٤) (خز) ٢١١ , (حب) ١٢١٦ , صححه الألباني في آداب الزفاف ص٤٣، وقال: وهذه الرواية تدل على عدم وجوب هذا الوضوء , وهو مذهب جمهور العلماء، وإذا كان كذلك , فبالأولى أن لَا يجب هذا الوضوء على غير الجنب , فتنبه. أ. هـ(٥) (حم) ٣٥٩ , (خ) ٢٨٦ , (م) ٢٥ -(٣٠٦) , (ت) ١٢٠(٦) (خ) ٢٨٦ , (م) ٢٥ -(٣٠٦) , (س) ٢٦٠ , (د) ٢٢١(٧) (حم) ٤٩٢٩стр. 10844
(خ م جة حم) , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: (" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَى) (١) (جَمِيعِ نِسَائِهِ) (٢) (فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) (٣) (ويَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا) (٤) (وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ) (٥) وفي رواية: وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ (٦) (قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لَأَنَسٍ: وَهَلْ كَانَ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ , قَالَ: " كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ) (٧) (رَجُلًا ") (٨)
الشَّرْح:
(" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَطُوفُ عَلَى جَمِيعِ نِسَائِهِ) أَيْ: يُجَامِعُهُنَّ. تحفة الأحوذي (ج ١ / ص ١٦٨)
(فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ مِنْ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) الْمُرَاد بِهَا قَدْر مِنْ الزَّمَانِ لَا مَا اِصْطَلَحَ عَلَيْهِ أَصْحَابُ الْهَيْئَةِ. فتح٢٦٨
(ويَغْتَسِلُ غُسْلًا وَاحِدًا) قال النووي: وَأَمَّا طَوَافُهُ ﷺ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ ﷺ كَانَ يَتَوَضَّأُ بَيْنَهُمَا أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ بَيَانَ جَوَازِ تَرْكِ الْوُضُوءِ وَقَدْ جَاءَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنَّهُ ﷺ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ذَاتَ لَيْلَةٍ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا فَقَالَ هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ قَالَ أَبُو دَاوُدَ وَالْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ قُلْتُ وَعَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ يَكُونُ هَذَا فِي وَقْتٍ وَذَاكَ فِي وَقْتٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. النووي (٢١ - (٣٠٥)
(وَلَهُ يَوْمَئِذٍ تِسْعُ نِسْوَةٍ وفي رواية: وَهُنَّ إِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ قَتَادَةُ: فَقُلْتُ لَأَنَسٍ: وَهَلْ كَانَ يُطِيقُ ذَلِكَ؟ , قَالَ: " كُنَّا نَتَحَدَّثُ أَنَّهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ ثَلَاثِينَ , رَجُلًا ")
وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاسْتِكْثَارِ مِنَ النِّسَاءِ وَأَشَارَ فِيهِ إِلَى أَنَّ الْقَسْمَ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ طَوَائِفَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ جَزَمَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّة. فتح٢٦٨
قال في الذخيرة٢٦٣: وهو الراجح لقوله تعالى: ﴿تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ وَتُؤْوِي إِلَيْكَ مَنْ تَشَاءُ﴾ (الأحزاب: ٥١)
لكنه من كريم أخلاقه , كان يقسم بينهن. أ. هـ
وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّة وَعِنْدَ الْأَكْثَرِينَ الْوُجُوبُ وَيَحْتَاجُ مَنْ قَالَ بِهِ إِلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ بِرِضَا صَاحِبَةِ النَّوْبَةِ كَمَا اسْتَأذَنَهُنَّ أَنْ يُمَرَّضَ فِي بَيْتِ عَائِشَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَحْصُلُ عِنْدَ اسْتِيفَاءِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ يَسْتَأنِفُ الْقِسْمَةَ. فتح٢٦٨
وَقَالَ بن عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ سَفَرٍ وَنَحْوِهِ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ يَوْمٌ مُعَيَّنٌ مَعْلُومٌ فَجَمَعَهُنَّ يَوْمَئِذٍ ثُمَّ دَارَ بِالْقَسْمِ عَلَيْهِنَّ بَعْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ
لِأَنَّهُنَّ كُنَّ حَرَائِرَ وَسُنَّتُهُ ﷺ فِيهِنَّ الْعَدْلُ بِالْقَسْمِ وَأَنْ لَا يَمَسَّ الْوَاحِدَةَ فِي يَوْمِ الْأُخْرَى انْتَهَى. تحفة١٤٠
قال الحافظ: وَهُوَ أَخَصُّ مِنَ الِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَالْأَوَّلُ أَلْيَقُ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَكَذَا الثَّانِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَانَ يَقَعُ قَبْلَ وُجُوبِ الْقِسْمَةِ ثُمَّ تَرَكَ بَعْدَهَا. فتح٢٦٨
وَذَكَرَ عِيَاضٌ فِي الشِّفَا أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي طَوَافِهِ عَلَيْهِنَّ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ كَانَ لِتَحْصِينِهِنَّ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِهِ عَدَمَ تَشَوُّفِهِنَّ لِلْأَزْوَاجِ إِذِ الْإِحْصَانُ لَهُ مَعَانٍ مِنْهَا الْإِسْلَامُ وَالْحُرِّيَّةُ وَالْعِفَّةُ وَالَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا كَانَ لِإِرَادَةِ الْعَدْلِ بَيْنَهُنَّ فِي ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَمَا تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ كَثْرَةِ النِّسَاءِ وَفِي التَّعْلِيلِ الَّذِي ذَكَرَهُ نَظَرٌ لِأَنَّهُنَّ حَرُمَ عَلَيْهِنَّ التَّزْوِيجُ بَعْدَهُ وَعَاشَ بَعْضُهُنَّ بَعْدَهُ خَمْسِينَ سَنَةً فَمَا دُونَهَا وَزَادَتْ آخِرُهُنَّ موتا على ذَلِك. فتح٥٢١٥
وَأغْرب بن الْعَرَبِيِّ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ خَصَّ نَبِيَّهُ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا أَنَّهُ أَعْطَاهُ سَاعَةً فِي كُلِّ يَوْمٍ لَا يَكُونُ لِأَزْوَاجِهِ فِيهَا حَقٌّ يَدْخُلُ فِيهَا عَلَى جَمِيعِهِنَّ فَيَفْعَلُ مَا يُرِيدُ ثُمَّ يَسْتَقِرُّ عِنْدَ مَنْ لَهَا النَّوْبَةُ وَكَانَتْ تِلْكَ السَّاعَةُ بَعْدَ الْعَصْرِ فَإِنْ اشْتَغَلَ عَنْهَا كَانَتْ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَيَحْتَاجُ إِلَى ثُبُوتِ مَا ذَكَرَهُ مُفَصَّلًا. فتح٢٦٨
ثُمَّ وَجَدْتُ حَدِيثَ عَائِشَةَ الَّذِي فِي الْبَابِ بَعْدَ هَذَا بِلَفْظِ كَانَ إِذَا انْصَرَفَ مِنَ الْعَصْرِ دَخَلَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدْنُو مِنْ إِحْدَاهُنَّ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ فِيهِ بَقِيَّةُ مَا ذُكِرَ مِنْ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ هِيَ الَّتِي لَمْ يَكُنِ الْقَسْمُ وَاجِبًا عَلَيْهِ فِيهَا وَأَنَّهُ تَرَكَ إِتْيَانَ نِسَائِهِ كُلِّهِنَّ فِي سَاعَة وَاحِدَة على تِلْكَ السَّاعَة وَيَرُدُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ فِي اللَّيْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ لَهُ تَوْجِيهَاتٌ غَيْرُ هَذِهِ هُنَاكَ. فتح٥٢١٥
قلت: لكن يرد عليه حديث عروة عن عَائِشَة قَالَتْ: "يَا ابْنَ أُخْتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لَا يُفَضِّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ، مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا، وَكَانَ قَلَّ يَوْمٌ إِلَّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا، " فَيَدْنُو مِنْ كُلِّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ "، حَتَّى يَبْلُغَ إِلَى الَّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتَ عِنْدَهَا " , (د) ٢١٣٥ , وقال الألباني: حسن صحيح
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْفَوَائِدِ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ مَا أُعْطِيَ النَّبِيُّ ﷺ مِنَ الْقُوَّةِ على الجماع وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ الْبِنْيَةِ وَصِحَّةِ الذُّكُورِيَّةِ وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ وَمِنْ ثَمَّ فَضَّلَهَا بَعْضُهُمْ عَلَى الْبَاقِيَاتِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ بن التِّينِ لِقَوْلِ مَالِكٍ بِلُزُومِ الظِّهَارِ مِنَ الْإِمَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالزَّائِدَتَيْنِ عَلَى التِّسْعِ مَارِيَةُ وَرَيْحَانَةُ وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَى الْجَمِيعِ لَفْظَ نِسَائِهِ وَتعقب بِأَنَّ الْإِطْلَاقَ الْمَذْكُورَ لِلتَّغْلِيبِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَيْسَ فِيهِ حجَّة لما ادّعى وَاسْتدلَّ بِهِ بن الْمُنِيرِ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْحُرَّةِ بَعْدَ الْأَمَةِ مِنْ غَيْرِ غَسْلٍ بَيْنَهُمَا وَلَا غَيْرِهِ وَالْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَأَكَّدُ الِاسْتِحْبَابُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ وَقَعَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ فَلَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الِاسْتِحْبَابِ. فتح٢٦٨
فَوائِدُ الْحَدِيث:
الْحَدِيثُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بَيْن الْجِمَاعَيْنِ , سَوَاءٌ كَانَ لِتِلْكَ الْمُجَامَعَةِ أَوْ لِغَيْرِهَا , وَيَدُلُّ عَلَى اِسْتِحْبَابِهِ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي رَافِعٍ أَنَّهُ ﷺ " طَافَ ذَاتَ يَوْمٍ عَلَى نِسَائِهِ يَغْتَسِلُ عِنْدَ هَذِهِ وَعِنْدَ هَذِهِ " , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ أَلَا تَجْعَلُهُ غُسْلًا وَاحِدًا , قَالَ: هَذَا أَزْكَى وَأَطْيَبُ وَأَطْهَرُ " ,
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى مَا أُعْطِيَ النَّبِيّ ﷺ مِنْ الْقُوَّةِ عَلَى الْجِمَاع، وَالْحِكْمَةُ فِي كَثْرَةِ أَزْوَاجِهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ الَّتِي لَيْسَتْ ظَاهِرَةً , يَطَّلِعْنَ عَلَيْهَا فَيَنْقُلْنَهَا، وَقَدْ جَاءَ عَنْ عَائِشَة ﵂ مِنْ ذَلِكَ الْكَثِيرُ الطَّيِّبُ، وَمَنْ ثَمَّ فُضِّلَ بَعْضُهُنَّ عَلَى الْبَاقِيَات. عون٢١٨
قال الحافظ (٥٠٦٩) : وَالَّذِي تَحَصَّلَ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الْحِكْمَةِ فِي اسْتِكْثَارِهِ مِنَ النِّسَاءِ عَشَرَةُ أَوْجُهٍ تَقَدَّمَتِ الْإِشَارَةُ إِلَى بَعْضِهَا أَحَدُهَا أَنْ يُكْثِرَ مَنْ يُشَاهد أَحْوَاله الْبَاطِنَة فَيَنْتَفِي عِنْدَمَا يَظُنُّ بِهِ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَنَّهُ سَاحِرٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ثَانِيهَا لِتَتَشَرَّفَ بِهِ قَبَائِلُ الْعَرَبِ بِمُصَاهَرَتِهِ فِيهِمْ ثَالِثُهَا لِلزِّيَادَةِ فِي تَأَلُّفِهِمْ لِذَلِكَ رَابِعُهَا لِلزِّيَادَةِ فِي التَّكْلِيفِ حَيْثُ كُلِّفَ أَنْ لَا يَشْغَلَهُ مَا حُبِّبَ إِلَيْهِ مِنْهُنَّ عَنِ الْمُبَالَغَةِ فِي التَّبْلِيغِ خَامِسُهَا لِتَكْثُرَ عَشِيرَتُهُ مِنْ جِهَةِ نِسَائِهِ فَتُزَادَ أَعْوَانُهُ عَلَى مَنْ يُحَارِبُهُ سَادِسُهَا نَقْلُ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا الرِّجَالُ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا يَقَعُ مَعَ الزَّوْجَةِ مِمَّا شَأنُهُ أَنْ يَخْتَفِيَ مِثْلُهُ سَابِعُهَا الِاطِّلَاعُ عَلَى مَحَاسِنِ أَخْلَاقِهِ الْبَاطِنَةِ فَقَدْ تَزَوَّجَ أُمَّ حَبِيبَةَ وَأَبُوهَا إِذْ ذَاكَ يُعَادِيهِ وَصَفِيَّةَ بَعْدَ قَتْلِ أَبِيهَا وَعَمِّهَا وَزَوْجِهَا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ أَكْمَلَ الْخَلْقِ فِي خُلُقِهِ لَنَفَرْنَ مِنْهُ بَلِ الَّذِي وَقَعَ أَنَّهُ كَانَ أَحَبَّ إِلَيْهِنَّ مِنْ جَمِيعِ أَهْلِهِنَّ ثَامِنُهَا مَا تَقَدَّمَ مَبْسُوطًا مِنْ خَرْقِ الْعَادَةِ لَهُ فِي كَثْرَةِ الْجِمَاعِ مَعَ التَّقَلُّلِ مِنَ الْمَأكُولِ وَالْمَشْرُوبِ وَكَثْرَةِ الصِّيَامِ وَالْوِصَالِ وَقَدْ أَمَرَ مَنْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُؤَنِ النِّكَاحِ بِالصَّوْمِ وَأَشَارَ إِلَى أَنَّ كَثْرَتَهُ تَكْسِرِ شَهْوَتَهُ فَانْخَرَقَتْ هَذِهِ الْعَادَةُ فِي حَقِّهِ ﷺ تَاسِعُهَا وَعَاشِرُهَا مَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ صَاحِبِ الشِّفَاءِ مِنْ تَحْصِينِهِنَّ وَالْقِيَامِ بِحُقُوقِهِنَّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ..
وَفِي الحَدِيث الحض على التَّزْوِيج وَترك الرهبانية. أ. هـ الحواشي
(١) (خ) ٤٧٨١(٢) (جة) ٥٨٩(٣) (خ) ٢٦٥(٤) (حم) ١٢١١٨ , (م) ٣٠٩ , وقال شعيب الأرناءوط: إسناده صحيح.(٥) (خ) ٤٧٨١ , (س) ٣١٩٨(٦) (خ) ٢٦٥ , وقد جَمَعَ اِبْن حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ بِأَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى حَالَتَيْنِ , لَكِنَّهُ وَهِمَ فِي قَوْلِهِ " أَنَّ الْأُولَى كَانَتْ فِي أَوَّلِ قُدُومِهِ الْمَدِينَة حَيْثُ كَانَ تَحْتَهُ تِسْع نِسْوَة , وَالْحَالَةَ الثَّانِيَةَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ , حَيْثُ اِجْتَمَعَ عِنْدَهُ إِحْدَى عَشْرَةَ اِمْرَأَة " , وَمَوْضِع الْوَهْمِ مِنْهُ أَنَّهُ ﷺ لَمَّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَكُنْ تَحْتَهُ اِمْرَأَةٌ سِوَى سَوْدَة , ثُمَّ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ بِالْمَدِينَةِ , ثُمَّ تَزَوَّجَ أُمّ سَلَمَة وَحَفْصَةَ وَزَيْنَب بِنْت خُزَيْمَة فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ , ثُمَّ تَزَوَّجَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ فِي الْخَامِسَةِ , ثُمَّ جُوَيْرِيَة فِي السَّادِسَةِ , ثُمَّ صَفِيَّة وَأُمّ حَبِيبَة وَمَيْمُونَة فِي السَّابِعَةِ , وَهَؤُلَاءِ جَمِيعُ مَنْ دَخَلَ بِهِنَّ مِنْ الزَّوْجَاتِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ , وَاخْتُلِفَ فِي رَيْحَانَةَ , وَكَانَتْ مِنْ سَبْيِ بَنِي قُرَيْظَة , فَجَزَمَ اِبْنُ إِسْحَاق بِأَنَّهُ عَرَضَ عَلَيْهَا أَنْ يَتَزَوَّجَهَا وَيَضْرِبَ عَلَيْهَا الْحِجَابَ , فَاخْتَارَتْ الْبَقَاءَ فِي مِلْكِهِ , وَالْأَكْثَرُ عَلَى أَنَّهَا مَاتَتْ قَبْلَهُ فِي سَنَة عَشْرٍ , وَكَذَا مَاتَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ خُزَيْمَة بَعْدَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ بِقَلِيلٍ , قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: مَكَثَتْ عِنْدَهُ شَهْرَيْنِ أَوْ ثَلَاثَة , فَعَلَى هَذَا لَمْ يَجْتَمِعْ عِنْدَهُ مِنْ الزَّوْجَاتِ أَكْثَر مِنْ تِسْعٍ , مَعَ أَنَّ سَوْدَةَ كَانْتْ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَة , فَرَجَحَتْ رِوَايَةُ سَعِيد , لَكِنْ تُحْمَلُ رِوَايَةُ هِشَامٍ عَلَى أَنَّهُ ضَمَّ مَارِيَة وَرَيْحَانَة إِلَيْهِنَّ , وَأَطْلَقَ عَلَيْهِنَّ لَفْظَ
" نِسَائِهِ " تَغْلِيبًا. فتح الباري (ج ١ / ص ٤٢٢)(٧) (خ) ٢٦٥ , (حم) ١٤١٤١(٨) (خز) ٢٣١стр. 10845
(ش) , وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إذَا جَامَعَ الرَّجُلُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ , فلَا بَأسَ أَنْ يُؤَخِّرَ الْغُسْلَ. (١)
وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْبَابِ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنَّمَا يَتَضَيَّقُ عَلَى الْإِنْسَانِ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلَاةِ وَهَذَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ. النووي (٢١ - ٣٠٥) الحواشي
(١) (ش) ٦٨٣ , حسنه الألباني في كتاب آداب الزفاف ص٤٤стр. 10846
(د جة حم) , وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: (" طَافَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ , وَكَانَ يَغْتَسِلُ عِنْدَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ ") (١) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ, لَوْ اغْتَسَلْتَ غُسْلًا وَاحِدًا) (٢) (قَالَ: " هَذَا أَزْكَى , وَأَطْيَبُ , وَأَطْهَرُ ") (٣)
الشَّرْح:
(لَوْ اغْتَسَلْتَ غُسْلًا وَاحِدًا) أَيْ: فِي آخِرِ الْجِمَاعِ. عون٢١٩
(قَالَ: " هَذَا أَزْكَى , وَأَطْيَبُ , وَأَطْهَرُ ")
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْغُسْلِ قَبْلَ الْمُعَاوَدَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ
قَالَ النَّسَائِيُّ لَيْسَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ اخْتِلَافٌ بَلْ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا وَذَلِكَ أُخْرَى انْتَهَى
وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ فَعَلَ الْأَمْرَيْنِ فِي وَقْتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَالَّذِي قَالَاهُ هُوَ حَسَنٌ جِدًّا وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا فَمَرَّةً تَرَكَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيَانًا لِلْجَوَازِ وَتَخْفِيفًا عَلَى الْأُمَّةِ وَمَرَّةً فَعَلَهُ لِكَوْنِهِ أَزْكَى وَأَطْهَرَ. عون٢١٩
قال أبو داود: "حديث أنس أصحُّ من هذا ".
قال الألباني في صحيح أبي داود - (١/ ٣٩٧): وهو كما قال؛ فإن هذا إسناده حسن، ولكن لا تَعارُض بينهما؛ بل كان يَفعل تارة هذا، وتارة ذلك، كما قال النسائي وغيره , والحديث قوَّاه الحافظ ابن حجر. أ. هـ الحواشي
(١) (جة) ٥٩٠ , (د) ٢١٩(٢) (حم) ٢٧٢٣١ , (د) ٢١٩(٣) (د) ٢١٩ , (جة) ٥٩٠ , (حم) ٢٣٩١٣ , حسنه الألباني في المشكاة: ٤٧٠ , الثمر المستطاب - (١/ ٢٦) , (آداب الزفاف) ص٣٦стр. 10847
(م حم خز) , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ , فَلْيَتَوَضَّأ) (١) (وُضُوءَهُ لِلصَلَاةِ) (٢) (فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لَهُ فِي الْعَوْدِ ") (٣)
الشَّرْح:
(" إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُعَاوِدَ) أَيْ: أراد أن يجامع زوجته مرة أخرى.
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْوُضُوءِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا يُسْتَحَبُّ وَقَالَ الجمهور يستحب وقال بن حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ يَجِبُ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَابِ
وَقَالَ الْجُمْهُورُ إِنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلِاسْتِحْبَابِ لَا لِلْوُجُوبِ
وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُجَامِعُ ثم يعود ولا يتوضأ واستدل بن خُزَيْمَةَ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ بِالْوُضُوءِ لِلنَّدَبِ بِمَا رَوَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ فَإِنَّهُ أَنْشَطُ لِلْعَوْدِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْإِرْشَادِ أَوْ لِلنَّدَبِ وَحَدِيثُ الْبَابِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي يُوسُفَ. تحفة١٤١ الحواشي
(١) (م) ٢٧ -(٣٠٨) , (ت) ١٤١ , (س) ٢٦٢ , (د) ٢٢٠(٢) (حم) ١١٢٤٣ , انظر صحيح أبي داود - (١/ ٤٠٠) , وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده حسن.(٣) (خز) ٢٢١ , (حب) ١٢١١ , صَحِيح الْجَامِع: ٢٦٣ , (آداب الزفاف) ص٣٥ , وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.стр. 10848
عُبُورُ المْسْجِدِ لِحَاجَة
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ , وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (١) стр. 10849
(م) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " بَيْنَمَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي الْمَسْجِدِ إِذْ قَالَ: يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي الثَّوْبَ " , فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ، فَقَالَ: " إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ " , فَنَاوَلَتْهُ. (١)
الشَّرْح:
(يَا عَائِشَةُ نَاوِلِينِي) أَيْ: أَعْطِينِي من الحجرة.
(فَقَالَتْ: إِنِّي حَائِضٌ) قولها: إني حائض، فيه دليل على أنها كانت تعلم أنه لَا يجوز للحائض أن تدخل المسجد، وإلا لَمَا أخبرته أنها حائض عندما أمرها أن تحضر له الثوب، وأما جوابه لها أن حيضتك ليست في يدك، فهذا من باب: ﴿إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ﴾ والله أعلم. ع
(إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ) أَيْ: أَنَّ النَّجَاسَةَ الَّتِي يُصَانُ الْمَسْجِدُ عَنْهَا وَهِيَ دَمُ الْحَيْضِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ. عون٢٦١
قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِلْحَائِضِ أَنْ تَتَنَاوَلَ شَيْئًا مِنَ الْمَسْجِدِ وَأَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَدْخُلَ دَارًا أَوْ مَسْجِدًا فَإِنَّهُ لَا يَحْنَثُ بِإِدْخَالِ بَعْضِ جَسَدِهِ فِيهِ انتهى. تحفة١٣٤
ذَهَبَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إِلَى أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهَا مِنَ الْمَسْجِدِ أَيْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ لِتُنَاوِلَهُ إِيَّاهَا مِنْ خَارِجِ الْمَسْجِدِ , لَا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهَا أَنْ تُخْرِجَ الْخُمْرَةَ مِنَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ ﷺ كَانَ مُعْتَكِفًا فِي الْمَسْجِدِ وَكَانَتْ عَائِشَةُ فِي حُجْرَتِهَا وَهِيَ حَائِضٌ لِقَوْلِهِ ﷺ إِنَّ حَيْضَتَكِ لَيْسَتْ فِي يَدِكِ فَإِنَّمَا خَافَتْ مِنْ إِدْخَالِ يَدِهَا الْمَسْجِدَ وَلَوْ كَانَ أَمَرَهَا بِدُخُولِ الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْيَدِ مَعْنًى قَالَهُ النَّوَوِيُّ
وَذَهَبَ أبوداود والنسائي والترمذي وابن مَاجَهْ وَالْخَطَّابِيُّ وَأَكْثَرُ الْأَئِمَّةِ أن (نَاوِلِينِي) متعلقة بالمسجد ,
قُلْتُ: هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ لَيْسَ فِيهِ خَفَاءٌ وَهُوَ الصَّوَابُ وَعَلَيْهِ تُحْمَلُ رِوَايَةُ النَّسَائِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَنْبُوزٍ عَنْ أُمِّهِ أَنَّ مَيْمُونَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَضَعُ رَأسَهُ فِي حِجْرِ إِحْدَانَا فَيَتْلُو الْقُرْآنَ وَهِيَ حَائِضٌ وَتَقُومُ إِحْدَانَا بِالْخُمْرَةِ إِلَى الْمَسْجِدِ فَتَبْسُطَهَا وَهِيَ حَائِضٌ وَالْحَدِيثُ إِسْنَادُهُ قَوِيٌّ
وَالْمَعْنَى أنه تقوم إحدانا بالخمرة إلى المسجد وتقف خَارِجَ الْمَسْجِدِ فَتَبْسُطُهَا وَهِيَ حَائِضٌ خَارِجَةٌ مِنَ الْمَسْجِدِ. عون٢٦١
قال في الذخيرة٢٧١: وما ذكره بعضهم احتمالا: أن المراد: ادخلي المسجد , وأعطيني إياها من غير مكث ولا تردد فيه , فحل هذا للحائض إذا أمنت التلويث.
فهذا بعيد كل البعد عن مقتضى حديث عائشة , يبطله قوله: " ليست حيضتك في يدك " فإنه صريح أنه ما أراد إلا إدخال يدها فقط , فتبصَّرْ. الحواشي
(١) (م) ١٣ -(٢٩٩) , (ت) ١٣٤ , (س) ٣٨٣ , (د) ٢٦١ , (حم) ٢٥٤٤٣стр. 10850
قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٦٥: بَابٌ: الجُنُبُ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ ,
وَقَالَ عَطَاءٌ: «يَحْتَجِمُ الجُنُبُ، وَيُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ، وَيَحْلِقُ رَأسَهُ، وَإِنْ لَمْ يَتَوَضَّأ.
الشَّرْح:
قَوْلُهُ: (بَابُ الْجُنُبِ يَخْرُجُ وَيَمْشِي فِي السُّوقِ وَغَيْرِهِ) أَيْ وَغَيْرِ السُّوقِ وَيُحْتَمَلُ الرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى يَخْرُجُ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
قَوْلُهُ: (وَقَالَ عَطَاءٌ) كَذَا التَّعْلِيقُ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْهُ وَزَادَ " وَيَطْلِي بِالنُّورَةِ " وَلَعَلَّ هَذِهِ الْأَفْعَالَ هِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ " وَغَيْرِهِ " بِالرَّفْعِ فِي التَّرْجَمَةِ.
стр. 10851
مِنْ شُرُوط وُجُوب الطَّهَارَة دُخُول وَقْت اَلصَّلَاة وَتَذَكُّر اَلْفَائِتَة
إِنَّ وُجُوبَ الاسْتِنْجَاءِ إِنَّمَا هُوَ لِصِحَّةِ الصَّلاةِ. وَلِذَا قَالَ الشَّبْرَامَلُّسِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ: لا يَجِبُ الاسْتِنْجَاءُ عَلَى الْفَوْرِ، بَلْ عِنْدَ الْقِيَامِ إِلَى الصَّلاةِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا، بِأَنْ دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ وَإِنْ لَمْ يُرِدْ فِعْلَهَا فِي أَوَّلِهِ. فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الصَّلاةِ وَجَبَ وُجُوبًا مُوَسَّعًا بِسَعَةِ الْوَقْتِ، وَمُضَيَّقًا بِضِيقِهِ.
ثُمَّ قَالَ: نَعَمْ، إِنْ قَضَى حَاجَتَهُ فِي الْوَقْتِ، وَعَلِمَ أَنَّهُ لا يَجِدُ الْمَاءَ فِي الْوَقْتِ، وَجَبَ اسْتِعْمَالُ الْحَجَرِ فَوْرًا. (١) الحواشي
(١) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ١/ ١٢٨ ـ ١٢٩.стр. 10852
مِنْ شُرُوط وُجُوب الطَّهَارَة ضِيق اَلْوَقْت
نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ ضِيقَ الْوَقْتِ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ، وَقَالُوا: إِنَّ هَذَا شَرْطٌ لِلْوُجُوبِ الْمُضَيَّقِ، لِتَوَجُّهِ الْخِطَابِ مُضَيَّقًا حِينَئِذٍ وَمُوَسَّعًا فِي ابْتِدَائِهِ، بِمَعْنَى أَنَّ وُجُوبَ الْوُضُوءِ مُوَسَّعٌ بِدُخُولِ الْوَقْتِ كَالصَّلاةِ، فَإِذَا ضَاقَ الْوَقْتُ صَارَ الْوُجُوبُ فِيهِمَا مُضَيَّقًا. (١)
وَنَصَّ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى أَنَّ مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الْوُضُوءِ دُخُولَ وَقْتِ الصَّلاةِ الْحَاضِرَةِ وَتَذَكُّرَ الْفَائِتَةِ.
وَقَالَ فِي الْفُرُوعِ: وَيُتَوَجَّهُ قِيَاسُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِدُخُولِ الْوَقْتِ، لِوُجُوبِ الصَّلاةِ إِذَنْ وَوُجُوبِ الشَّرْطِ بِوُجُوبِ الْمَشْرُوطِ. (٢) الحواشي
(١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ٣٤، والدر المختار ١/ ٥٩.(٢) مواهب الجليل ١/ ١٨٢، والفروع ١/ ١٥٧، وكشاف القناع ١/ ٨٤.стр. 10853
مِنْ شُرُوط وُجُوب الطَّهَارَة بُلُوغ دَعْوَة اَلنَّبِيّ
صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الْوُضُوءِ وَوُجُوبِهِ بُلُوغَ دَعْوَةِ النَّبِيِّ ﷺ إِلَى الْمُكَلَّفِ. (١) الحواشي
(١) مواهب الجليل ١/ ١٨٢стр. 10854
الْبَابُ الرَّابِع: شُرُوطُ صِحَّةِ الطَّهَارَة
مِنْ شُرُوطِ صِحَّةِ الطَّهَارَةِ النِّيَّةُ وَمَحَلُّهَا الْقَلْب
(خ م د) , عَنْ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ (١) وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى (٢) " (٣)
الشَّرْح:
(إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ) كَذَا أُورِدَ هُنَا وَهُوَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ , أَيْ: كُلُّ عَمَلٍ بِنِيَّتِهِ.
وَقَالَ الْحَرْبِيُّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ النِّيَّةَ تَتَنَوَّعُ كَمَا تَتَنَوَّعُ الْأَعْمَالُ , كَمَنْ قَصَدَ بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللهِ , أَوْ تَحْصِيلَ مَوْعُودِهِ , أَوْ الِاتِّقَاءَ لِوَعِيدِهِ , وَوَقَعَ فِي مُعْظَمِ الرِّوَايَاتِ بِإِفْرَادِ النِّيَّةِ , وَوَجْهُهُ أَنَّ مَحَلَّ النِّيَّةِ الْقَلْبُ , وَهُوَ مُتَّحِدٌ فَنَاسَبَ إِفْرَادَهَا بِخِلَافِ الْأَعْمَالِ , فَإِنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِالظَّوَاهِرِ , وَهِيَ مُتَعَدِّدَةٌ فَنَاسَبَ جَمْعَهَا , وَلِأَنَّ النِّيَّةَ تَرْجِعُ إِلَى الْإِخْلَاصِ , وَهُوَ وَاحِدٌ لِلْوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ. فتح١
فَتَقْدِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ: إِنَّ الْأَعْمَالَ تُحْسَبُ بِنِيَّةٍ، وَلَا تُحْسَبُ إِذَا كَانَتْ بِلَا نِيَّة. النووي (١٥٥ - ١٩٠٧)
والْحَدِيث مَتْرُوك الظَّاهِر , لِأَنَّ الذَّوَاتَ غَيْرُ مُنْتَفِيَة، إِذْ التَّقْدِيرُ: لَا عَمَل إِلَّا بِالنِّيَّةِ، فَلَيْسَ الْمُرَادُ نَفْيَ ذَاتِ الْعَمَل , لِأَنَّهُ قَدْ يُوجَدُ بِغَيْرِ نِيَّة، بَلْ الْمُرَاد: نَفْيُ أَحْكَامِهَا , كَالصِّحَّةِ وَالْكَمَال، لَكِنَّ الْحَمْلَ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّة أَوْلَى , لِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِنَفْيِ الشَّيْءِ نَفْسِهِ ..
وَقَالَ اِبْن السَّمْعَانِيّ فِي أَمَالِيهِ: أَفَادَتْ أَنَّ الْأَعْمَالَ الْخَارِجَةَ عَنْ الْعِبَادَةِ لَا تُفِيدُ الثَّوَاب إِلَّا إِذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرْبَةَ، كَالْأَكْلِ , إِذَا نَوَى بِهِ الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَة. فتح١
ويُستَثنَى مِن عُمُومِ الخَبَرِ ما يَحصُلُ مِن جِهَةِ الفَضلِ الإِلَهِيِّ بِالقَصدِ مِن غَيرِ عَمَلٍ , كالأَجرِ الحاصِلِ لِلمَرِيضِ بِسَبَبِ مَرَضِهِ عَلَى الصَّبرِ , لِثُبُوتِ الأخْبارِ بِذَلِكَ , خِلافًا لِمَن قالَ: إِنَّما يَقَعُ الأَجرُ عَلَى الصَّبرِ وحُصُولِ الأَجرِ بِالوعْدِ الصّادِقِ لِمَن قَصَدَ العِبادَةَ , فَعاقَهُ عَنْها عائِقٌ بِغَيرِ إِرادَتِهِ , وكَمَن لَهُ أَورادٌ فَعَجَزَ عَن فِعلِها لِمَرَضٍ مَثَلاً , فَإِنَّهُ يُكتَبُ لَهُ أَجرُها كَمَنْ عَمِلَها. فتح٦٩٥٣
(وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: فِيهِ تَحْقِيقٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ , وَالْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ , فَجَنَحَ إِلَى أَنَّهَا مُؤَكَّدَةٌ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: بَلْ تُفِيدُ غَيْرَ مَا أَفَادَتْهُ الْأُولَى , لِأَنَّ الْأُولَى نَبَّهَتْ عَلَى أَنَّ الْعَمَلَ يَتْبَعُ النِّيَّةَ وَيُصَاحِبُهَا , فَيَتَرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى ذَلِكَ , وَالثَّانِيَةُ أَفَادَتْ أَنَّ الْعَامِلَ لَا يَحْصُلُ لَهُ الا مَا نَوَاه.
وَقَالَ ابن دَقِيقِ الْعِيدِ: الْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ مَنْ نَوَى شَيْئًا يَحْصُلُ لَهُ , يَعْنِي إِذَا عَمِلَهُ بِشَرَائِطِهِ , أَوْ حَالَ دُونَ عَمَلِهِ لَهُ مَا يُعْذَرُ شَرْعًا بِعَدَمِ عَمَلِهِ , وَكُلُّ مَا لَمْ يَنْوِهِ , لَمْ يَحْصُلْ لَهُ , وَمُرَادُهُ بِقَوْلِهِ: " مَا لَمْ يَنْوِهِ " , أَيْ: لَا خُصُوصًا , وَلَا عُمُومًا ..
وَقَالَ اِبْن عَبْد السَّلَام: الْجُمْلَة الْأُولَى: لِبَيَانِ مَا يُعْتَبَرُ مِنْ الْأَعْمَال،
وَالثَّانِيَة: لِبَيَانِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا. فتح١
فَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ الْبَيْعِ الرِّبَا , وَقَعَ فِي الرِّبَا , وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنَ الْإِثْمِ صُورَةُ الْبَيْعِ , وَمَنْ نَوَى بِعَقْدِ النِّكَاحِ التَّحْلِيلَ , كَانَ مُحَلِّلًا , وَدَخَلَ فِي الْوَعِيدِ عَلَى ذَلِكَ بِاللَّعْنِ , وَلَا يُخَلِّصُهُ مِنْ ذَلِكَ صُورَةُ النِّكَاحِ , وَكُلُّ شَيْءٍ قَصَدَ بِهِ تَحْرِيمَ مَا أَحَلَّ اللهُ , أَوْ تَحْلِيلَ مَا حَرَّمَ اللهُ , كَانَ إِثْمًا , وَلَا فَرْقَ فِي حُصُولِ الْإِثْمِ فِي التَّحَيُّلِ عَلَى الْفِعْلِ الْمُحَرَّمِ بَيْنَ الْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لَهُ , وَالْفِعْلِ الْمَوْضُوعِ لِغَيْرِهِ , إِذَا جُعِلَ ذَرِيعَةً لَهُ ..
وَفِي الْجُمْلَةِ , فَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ الْعَقْدِ فِي الظَّاهِرِ , رَفْعُ الْحَرَجِ عَمَّنْ يَتَعَاطَى الْحِيلَةَ الْبَاطِلَةَ فِي الْبَاطِنِ , وَاللهُ أَعْلَمُ. فتح٦٩٥٣ الحواشي
(١) قَالَ النَّوَوِيّ: النِّيَّة الْقَصْد، وَهِيَ عَزِيمَة الْقَلْب , والتَّقْدِير: لَا عَمَل إِلَّا بِالنِّيَّةِ , قَالَ الْخُوبِيّ: كَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إِلَى أَنَّ النِّيَّة تَتَنَوَّع كَمَا تَتَنَوَّع الْأَعْمَال. (فتح الباري - ح١)(٢) قَالَ الْقُرْطُبِيّ: فِيهِ تَحْقِيقٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّة وَالْإِخْلَاص فِي الْأَعْمَال.(٣) (د) ٢٢٠١ , (خ) ١ , (م) ١٩٠٧стр. 10855
مسائل تتعلق بالنية
إِخْفَاءُ النِّيَّةِ:
لَمْ يُؤْثَرْ عَنِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ مَشْرُوعِيَّةُ التَّلَفُّظِ بِالنِّيَّةِ، وَلِهَذَا اسْتُحِبَّ إِخْفَاؤُهَا، لأَنَّ مَحَلَّهَا الْقَلْبُ وَلأَنَّ حَقِيقَتَهَا الْقَصْدُ مُطْلَقًا، وَخُصَّتْ فِي الشَّرْعِ بِالإِرَادَةِ الْمُتَوَجِّهَةِ نَحْوَ الْفِعْلِ مُقْتَرِنَةً بِهِ ابْتِغَاءَ رِضَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَامْتِثَالِ حُكْمِهِ. وَقِيلَ: يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِهَا بِاللِّسَانِ. (١)
لَكِنْ لِلنِّيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ حُكْمٌ خَاصٌّ فَقَدْ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ: يُسَنُّ التَّلَفُّظُ بِالنِّيَّةِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ وَهُوَ رَأيٌ لِلْمَالِكِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ النُّطْقُ بِمَا جَزَمَ بِهِ لِيَزُولَ الالْتِبَاسُ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي رَأيٍ لَهُمْ: إِنَّ تَرْكَ التَّلَفُّظِ بِهَا أَفْضَلُ وَفِي رَأيٍ آخَرَ كَرَاهَةُ التَّلَفُّظِ بِهَا. (٢)
وَقِيلَ يُسْتَحَبُّ التَّلَفُّظُ بِاللِّسَانِ.
الانْسِحَابُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ
الأَصْلُ فِي الْعِبَادَةِ الْوَاحِدَةِ ذَاتِ الأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّدَةِ أَنْ يَكْتَفِيَ بِالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِهَا، وَلا يَحْتَاجُ إِلَى تَجْدِيدِهَا فِي كُلِّ فِعْلٍ، اكْتِفَاءً بِانْسِحَابِهَا عَلَيْهَا. (٣)
فَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ، قَالَ فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: الْمُعْتَمَدُ أَنَّ الْعِبَادَةَ ذَاتَ الأَفْعَالِ تَنْسَحِبُ نِيَّتُهَا عَلَى كُلِّهَا.
قَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَاحْتَرَزَ بِذَاتِ الأَفْعَالِ عَمَّا هِيَ فِعْلٌ وَاحِدٌ كَالصَّوْمِ، فَإِنَّهُ لا خِلافَ فِي الاكْتِفَاءِ بِالنِّيَّةِ فِي أَوَّلِهِ، وَيَرِدُ عَلَيْهِ الْحَجُّ، فَإِنَّهُ ذُو أَفْعَالٍ مِنْهَا طَوَافُ الإِفَاضَةِ لا بُدَّ فِيهِ مِنْ أَصْلِ نِيَّةِ الطَّوَافِ، وَإِنْ لَمْ يُعَيِّنْهُ عَنِ الْفَرْضِ، حَتَّى لَوْ طَافَ نَفْلا فِي أَيَّامِهِ وَقَعَ عَنْهُ، وَالْجَوَابُ أَنَّ الطَّوَافَ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ فِي ذَاتِهِ كَمَا هُوَ رُكْنٌ لِلْحَجِّ، فَبِاعْتِبَارِ رُكْنِيَّتِهِ يَنْدَرِجُ فِي نِيَّةِ الْحَجِّ، فَلا يُشْتَرَطُ تَعْيِينُهُ، وَبِاعْتِبَارِ اسْتِقْلالِهِ اشْتُرِطَ فِيهِ أَصْلُ نِيَّةِ الطَّوَافِ، حَتَّى لَوْ طَافَ هَارِبًا أَوْ طَالِبًا لِغَرِيمٍ لا يَصِحُّ، بِخِلافِ الْوُقُوفِ بِعَرَفَةَ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ إِلا فِي ضِمْنِ الْحَجِّ، فَيَدْخُلُ فِي نِيَّتِهِ، وَعَلَى هَذَا الرَّمْيُ وَالْحَلْقُ وَالسَّعْيُ. وَأَيْضًا فَإِنَّ طَوَافَ الإِفَاضَةِ يَقَعُ بَعْدَ التَّحَلُّلِ بِالْحَلْقِ، حَتَّى إِنَّهُ يَحِلُّ لَهُ سِوَى النِّسَاءِ، وَبِذَلِكَ يَخْرُجُ مِنَ الْحَجِّ مِنْ وَجْهٍ دُونَ وَجْهٍ، فَاعْتُبِرَ فِيهِ الشَّبَهَانِ. (٤) الحواشي
(١) الأشباه والنظائر لابن نجيم ٤٨، والأشباه والنظائر للسيوطي ١/ ٢٦، وابن عابدين ١/ ٧٤، والحطاب ١/ ٥١٥، والمغني ٢/ ٦٣٨، ٢٣٩ نشر المكتبة الحديثة بالرياض.(٢) المغني٣/ ٢٨١، وابن عابدين ٢/ ١٥٨، والقليوبي ٣/ ٩٧، والحطاب ٣/ ٤٠(٣) ابن عابدين ١/ ٢٩٤ ط الأولى، والأشباه لابن نجيم ص٤٥ ط الهلال.(٤) ابن عابدين ١/ ٢٧٤، وانظر أيضا الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٢٧.следующие страницы →