Полный текст (18 585 стр.). Показаны 10781–10820 · переход к 10786.
стр. 10781
(صم) , وَعَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: ﴿الصَّمَدْ﴾: الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ. (١)
وقَالَ الْبُخَارِيُّ ج٦ص١٨٠: ﴿اللهُ الصَّمَدُ﴾ العَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا: الصَّمَدَ.
وقَالَ أَبُو وَائِلٍ: هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُودَدُهُ. الحواشي
(١) صححه الألباني في ظلال الجنة: ٦٧٤стр. 10782
فَضْلُ الْمُعَوِّذَات
(خ م) , عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (" سُحِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى كَانَ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ صَنَعَ شَيْئًا وَلَمْ يَصْنَعْهُ) (١) (فَيَرَى أَنَّهُ يَأتِي النِّسَاءَ وَلَا يَأتِيهِنَّ (٢) ) (٣) (حَتَّى إذَا كَانَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ عِنْدِي , دَعَا وَدَعَا، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ , أَشَعَرْتِ أَنَّ اللهَ أَفْتَانِي فِيمَا اسْتَفْتَيْتُهُ فِيهِ (٤) ؟، أَتَانِي رَجُلَانِ , فَقَعَدَ أَحَدُهُمَا عِنْدَ رَأسِي , وَالْآخَرُ عِنْدَ رِجْلَيَّ , فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ: مَا وَجَعُ الرَّجُلِ؟، قَالَ: مَطْبُوبٌ (٥) قَالَ: وَمَنْ طَبَّهُ؟) (٦) (قَالَ: يَهُودِيٌّ مِنْ يَهُودِ بَنِي زُرَيْقٍ , يُقَالُ لَهُ: لَبِيدُ بْنُ الْأَعْصَمِ) (٧) (قَالَ: فِي أَيِّ شَيْءٍ؟، قَالَ: فِي مُشْطٍ (٨) وَمُشَاطَةٍ (٩) ) (١٠) (قَالَ: فَأَيْنَ هُوَ؟، قَالَ: فِي جُفِّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ (١١) تَحْتَ رَاعُوفَةٍ (١٢) فِي بِئْرِ ذَرْوَانَ (١٣) ) (١٤) وفي رواية: (فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ , وَقَالَ: إِنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَهُودِ سَحَرَكَ، وَالسِّحْرُ فِي بِئْرِ فُلَانٍ) (١٥) (قَالَتْ: فَأَتَاهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ) (١٦) (حَتَّى اسْتَخْرَجَهُ) (١٧) (فَأَمَرَهُ جِبْرِيلُ أَنْ يَحُلَّ الْعُقَدَ , وَيَقْرَأَ آيَةً، فَجَعَلَ يَقْرَأُ وَيَحُلُّ، حَتَّى قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ كَأَنَّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ) (١٨) (ثُمَّ رَجَعَ, قَالَتْ: فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ رَجَعَ) (١٩) (يَا عَائِشَةُ, كَأَنَّ مَاءَهَا نُقَاعَةُ الْحِنَّاءِ (٢٠) ) (٢١) (وَكَأَنَّ نَخْلُهَا رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ (٢٢) ") (٢٣) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ ﷺ أَفَلَا أَحْرَقْتَهُ؟) (٢٤) وفي رواية: (أَفَلَا اسْتَخْرَجْتَهُ؟) (٢٥) وفي رواية: (أَفَلَا تَنَشَّرْتَ (٢٦) ؟) (٢٧) (فَقَالَ: " لَا , أَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ وَخَشِيتُ أَنْ يُثِيرَ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ شَرًّا (٢٨) ) (٢٩) (ثُمَّ أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِالْبِئْرِ فَدُفِنَتْ) (٣٠) (قَالَتْ: فَكَانَ الرَّجُلُ بَعْدُ يَدْخُلُ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ شَيْئًا مِنْهُ , وَلَمْ يُعَاتِبْهُ (٣١) ") (٣٢) الحواشي
(١) (خ) ٣٠٠٤(٢) قَالَ الْمَازِرِيّ: أَنْكَرَ الْمُبْتَدِعَةُ هَذَا الْحَدِيث , وَزَعَمُوا أَنَّهُ يَحُطُّ مَنْصِبَ النُّبُوَّةِ وَيُشَكِّكُ فِيهَا، قَالُوا: وَكُلّ مَا أَدَّى إِلَى ذَلِكَ فَهُوَ بَاطِل، وَزَعَمُوا أَنَّ تَجْوِيز هَذَا يُعْدِمُ الثِّقَةَ بِمَا شَرَعَهُ مِنْ الشَّرَائِع , إِذْ يُحْتَمَلُ عَلَى هَذَا أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَرَى جِبْرِيلَ , وَلَيْسَ هُوَ ثَمَّ، وَأَنَّهُ يُوحِي إِلَيْهِ بِشَيْءٍ , وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ بِشَيْءٍ.
قَالَ الْمَازِرِيّ: وَهَذَا كُلّه مَرْدُودٌ، لِأَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ قَامَ عَلَى صِدْقِ النَّبِيِّ ﷺ فِيمَا يُبَلِّغُهُ عَنْ الله تَعَالَى , وَعَلَى عِصْمَتُهُ فِي التَّبْلِيغِ، وَالْمُعْجِزَاتُ شَاهِدَاتٌ بِتَصْدِيقِهِ، وَأَمَّا مَا يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ أُمُورِ الدُّنْيَا الَّتِي لَمْ يُبْعَثْ لِأَجْلِهَا وَلَا كَانَتْ الرِّسَالَةُ مِنْ أَجْلهَا , فَهُوَ فِي ذَلِكَ عُرْضَةٌ لِمَا يَعْتَرِضُ الْبَشَرَ , كَالْأَمْرَاضِ، فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي أَمْرٍ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ , مَعَ عِصْمَتِهِ عَنْ مِثْلِ ذَلِكَ فِي أُمُورِ الدِّين.
قَالَ: وَقَدْ قَالَ بَعْض النَّاس: إِنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ ﷺ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ وَطِئَ زَوْجَاتِهِ , وَلَمْ يَكُنْ وَطِأَهُنَّ، وَهَذَا كَثِيرًا مَا يَقَعُ تَخَيُّلُهُ لِلْإِنْسَانِ فِي الْمَنَامِ , فَلَا يَبْعُدُ أَنْ يُخَيَّلَ إِلَيْهِ فِي الْيَقِظَةِ.
وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الْقَصَّارِ عَلَى أَنَّ الَّذِي أَصَابَهُ كَانَ مِنْ جِنْس الْمَرَض , لِقَوْلِهِ فِي آخِر الْحَدِيث: " فَأَمَّا أَنَا فَقَدْ شَفَانِي اللهُ " فتح الباري (ج ١٦ / ص ٢٩٦)(٣) (خ) ٥٤٣٢(٤) أَيْ: أَجَابَنِي فِيمَا دَعَوْتُهُ، فَأَطْلَقَ عَلَى الدُّعَاءِ اِسْتِفْتَاءً لِأَنَّ الدَّاعِي طَالِبٌ , وَالْمُجِيبُ مُفْتٍ، أَوْ الْمَعْنَى: أَجَابَنِي بِمَا سَأَلْتُهُ عَنْهُ، لِأَنَّ دُعَاءَهُ كَانَ أَنْ يُطْلِعَهُ اللهُ عَلَى حَقِيقَةِ مَا هُوَ فِيهِ , لِمَا اِشْتَبَهَ عَلَيْهِ مِنْ الْأَمْر. (فتح الباري) (ج١٦ص٢٩٦)(٥) أَيْ: مَسْحُورٌ , يُقَالُ: كَنَّوْا عَنْ السِّحْر بِالطِّبِّ تَفَاؤُلًا , كَمَا قَالُوا لِلَّدِيغِ: سَلِيم.(٦) (خ) ٥٤٣٠(٧) (م) ٢١٨٩(٨) (الْمُشْط): الْآلَة الْمَعْرُوفَة الَّتِي يُسَرَّح بِهَا شَعْر الرَّأس وَاللِّحْيَة. فتح (١٦/ ٢٩٦)(٩) (الْمُشَاطَة) الشَّعْرُ الَّذِي سَقَطَ مِنْ الرَّأسِ إِذَا سُرِّحَ بِالْمُشْطِ، وَكَذَا مِنْ اللِّحْيَة. (فتح الباري) (ج١٦ / ص ٢٩٦)(١٠) (خ) ٥٤٣٠(١١) (الجُفّ): الْغِشَاءُ الَّذِي يَكُونُ عَلَى الطَّلْعِ , وَيُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى، فَلِهَذَا قَيَّدَهُ بِالذَّكَرِ فِي قَوْله " طَلْعَةُ ذَكَر ". (فتح الباري) - (ج ١٦ / ص ٢٩٦)(١٢) هِيَ صَخْرَةٌ تُنْزَلُ فِي أَسْفَلِ الْبِئْر إِذَا حُفِرَتْ , يَجْلِس عَلَيْهَا الَّذِي يُنَظِّفُ الْبِئْرَ، وَهُوَ حَجَرٌ يُوجَدُ صُلْبًا , لَا يُسْتَطَاعُ نَزْعُهُ فَيُتْرَك. فتح الباري (ج ١٦ / ص ٣٠٠)(١٣) (ذَرْوَان): بِئْر فِي بَنِي زُرَيْق. (فتح الباري) - (ج ١٦ / ص ٢٩٦)(١٤) (خ) ٥٤٣٢(١٥) (مسند عبد بن حميد): ٢٧١ , انظر الصَّحِيحَة: ٢٧٦١(١٦) (خ) ٥٤٣٠(١٧) (خ) ٥٤٣٢(١٨) (مسند عبد بن حميد): ٢٧١ , انظر الصَّحِيحَة: ٢٧٦١(١٩) (خ) ٣٠٩٥(٢٠) أَيْ: أَنَّ لَوْنَ مَاءِ الْبِئْرِ لَوْنُ الْمَاءِ الَّذِي يُنْقَعُ فِيهِ الْحِنَّاء , قَالَ اِبْن التِّين: يَعْنِي أَحْمَر.
قَالَ الْقُرْطُبِيّ: كَأَنَّ مَاءَ الْبِئْرِ قَدْ تَغَيَّرَ , إِمَّا لِرَدَاءَتِهِ بِطُولِ إِقَامَتِهِ، وَإِمَّا لِمَا خَالَطَهُ مِنْ الْأَشْيَاء الَّتِي أُلْقِيَتْ فِي الْبِئْر. (فتح الباري) - (ج ١٦ / ص ٢٩٦)(٢١) (خ) ٥٤٣٠(٢٢) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَبَّهَ طَلْعهَا فِي قُبْحِهِ بِرُءُوسِ الشَّيَاطِينِ , لِأَنَّهَا مَوْصُوفَةٌ بِالْقُبْحِ وَإِذَا قَبَّحُوا مُذَكَّرًا قَالُوا: شَيْطَان، أَوْ مُؤَنَّثًا قَالُوا: غُول. فتح (ج ١٦ / ص ٢٩٦)(٢٣) (خ) ٣٠٩٥(٢٤) (م) ٢١٨٩(٢٥) (خ) ٥٤٣٠(٢٦) ظَاهِرُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ أَنَّهُ مِنْ النَّشْرَة , ونَشْرُ الشَّيْءِ بِمَعْنَى إِظْهَارِهِ.
وَكَيْف يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلهَا (فَأُخْرِجَ) وَبَيْنَ قَوْلهَا فِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى (هَلَّا اِسْتَخْرَجْته)؟ , وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْإِخْرَاجَ الْوَاقِعَ كَانَ لِأَصْلِ السِّحْرِ , وَالِاسْتِخْرَاجُ الْمَنْفِيّ كَانَ لِأَجْزَاءِ السِّحْر. فتح الباري - (ج ١٧ / ص ٢٢٩)
قال ابن الأثير: النُّشْرة بالضم: ضرْبٌ من الرُّقْيةِ والعِلاجِ , يُعالَجُ به مَنْ كانَ يُظَنُّ أنَّ بِهِ مَسَّاً من الجِنّ , سُمِّيَت نُشْرةً لأنَّهُ يُنْشَر بها عَنْه ما خامَرَه من الدَّاء , أي: يُكْشَف ويُزَال. النهاية في غريب الأثر - (ج ٥ / ص ١٢٨)(٢٧) (خ) ٥٤٣٢(٢٨) قَالَ النَّوَوِيّ: خَشِيَ مِنْ إِخْرَاجه وَإِشَاعَتِهِ ضَرَرًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ , مِنْ تَذَكُّرِ السِّحْر وَتَعَلُّمه وَنَحْو ذَلِكَ؛ وَهُوَ مِنْ بَابِ تَرْك الْمَصْلَحَةِ خَوْفَ الْمَفْسَدَة , وَمِنْ ثَمَّ حَكَى عِيَاض فِي " الشِّفَاء " قَوْلَيْنِ: هَلْ قُتِلَ، أَمْ لَمْ يُقْتَل؟.
وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ: لَا حُجَّةَ عَلَى مَالِكٍ مِنْ هَذِهِ الْقِصَّة، لِأَنَّ تَرْكَ قَتْل لَبِيدِ بْن الْأَعْصَم كَانَ لِخَشْيَةِ أَنْ يُثِيرَ بِسَبَبِ قَتْلِهِ فِتْنَةً، أَوْ لِئَلَّا يُنَفِّر النَّاسَ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ، وَهُوَ مِنْ جِنْسِ مَا رَاعَاهُ النَّبِيّ ﷺ مِنْ مَنْعِ قَتْلِ الْمُنَافِقِينَ , حَيْثُ قَالَ: " لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَه ".فتح (ج ١٦ / ص ٢٩٦)(٢٩) (خ) ٣٠٩٥(٣٠) (خ) ٥٤٣٣ , (م) ٢١٨٩(٣١) قَالَ اِبْن الْقَيِّم: مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ , وَأَقْوَى مَا يُوجَدُ مِنْ النُّشْرَة , مُقَاوَمَةُ السِّحْرِ الَّذِي هُوَ مِنْ تَأثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَة , بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيَّة , مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالْقِرَاءَةِ، فَالْقَلْبُ إِذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنْ اللهِ , مَعْمُورًا بِذِكْرِهِ , وَلَهُ وِرْد مِنْ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ وَالتَّوَجُّهِ لَا يُخِلُّ بِهِ , كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَم الْأَسْبَابِ الْمَانِعَةِ مِنْ إِصَابَةِ السِّحْر لَهُ , فَسُلْطَانُ تَأثِير السِّحْرِ عَلَى الْقُلُوبِ الضَّعِيفَة، وَلِهَذَا غَالِبُ مَا يُؤَثِّر فِي النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجُهَّالِ، لِأَنَّ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ إِنَّمَا تَنْشَطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدَّة لِمَا يُنَاسِبهَا.
قال الحافظ: وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْبَاب، وَجَوَازُ السِّحْرِ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ مَعَ عَظِيمِ مَقَامِهِ وَصِدْقِ تَوَجُّهِهِ , وَمُلَازَمَةِ وِرْدِهِ.
وَلَكِنْ يُمْكِنُ الِانْفِصَالُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِب، وَأَنَّ مَا وَقَعَ بِهِ ﷺ لِبَيَانِ تَجْوِيز ذَلِكَ، وَالله أَعْلَم. (فتح الباري) - (ج ١٦ / ص ٣٠٠)(٣٢) (ك) ٨٠٧٤ , (طب) ٥٠١٨ , انظر الصَّحِيحَة: ٢٧٦١стр. 10783
(ت) , وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: " كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ (١) حَتَّى نَزَلَتْ الْمُعَوِّذَتَانِ (٢) فَلَمَّا نَزَلَتَا , أَخَذَ بِهِمَا وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا (٣) " (٤) الحواشي
(١) أَيْ: يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللهِ مِنْ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ. تحفة (ج ٥ / ص ٣٣٢)(٢) أَيْ: (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ) وَ (قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ).تحفة (٥/ ٣٣٢)(٣) أَيْ: مِمَّا كَانَ يَتَعَوَّذُ بِهِ مِنْ الْكَلَامِ غَيْرِ الْقُرْآنِ , لِمَا تَضَمَّنَتَاهُ مِنْ الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ كُلِّ مَكْرُوهٍ. تحفة الأحوذي - (ج ٥ / ص ٣٣٢)(٤) (ت) ٢٠٥٨ , (س) ٥٤٩٤ , صَحِيح الْجَامِع: ٤٩٠٢ , الكلم الطيب: ٢٤٧стр. 10784
(ت حم) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ خُبَيْبٍ (١) ﵁ قَالَ: (خَرَجْنَا فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ , وَظُلْمَةٍ شَدِيدَةٍ , نَطْلُبُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يُصَلِّي لَنَا) (٢) (" فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَأَخَذَ بِيَدِي , فَقَالَ: قُلْ (٣) ") (٤) (فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا , ثُمَّ قَالَ: " قُلْ " , فَلَمْ أَقُلْ شَيْئًا , ثُمَّ قَالَ: " قُلْ ", فَقُلْتُ: مَا أَقُولُ؟ , قَالَ: " قُلْ: ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ وَالْمُعَوِّذَتَيْنِ حِينَ تُمْسِي وَحِينَ تُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ , تَكْفِيكَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ (٥) ") (٦) الحواشي
(١) هو عَبْدُ اللهِ بْنُ خُبَيْبٍ الْجُهَنِيِّ , حَلِيفُ الْأَنْصَارِ , صَحَابِيٌّ. تحفة (٨/ ٤٧٣)(٢) (ت) ٣٥٧٥(٣) أَيْ: اِقْرَأ. تحفة الأحوذي - (ج ٨ / ص ٤٧٣)(٤) (حم) ٢٢٧١٦ , وقال الشيخ شعيب الأرناءوط: إسناده حسن.(٥) أَيْ: تَدْفَعُ عَنْكَ كُلَّ سُوءٍ. تحفة الأحوذي - (ج ٨ / ص ٤٧٣)(٦) (ت) ٣٥٧٥ , (س) ٥٤٢٨ , انظر صحيح الجامع: ٤٤٠٦ , صحيح الترغيب والترهيب: ٦٤٩стр. 10785
(س) , وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : " اقْرَأ يَا جَابِرُ " , فَقُلْتُ: وَمَاذَا أَقْرَأُ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللهِ؟ , قَالَ: " اقْرَأ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ , وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ " فَقَرَأتُهُمَا , فَقَالَ: " اقْرَأ بِهِمَا , وَلَنْ تَقْرَأَ بِمِثْلِهِمَا " (١) الحواشي
(١) (س) ٥٤٤١ , (حب) ٧٩٦، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ١٤٨٦стр. 10786
(حب) , وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: تَبِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ رَاكِبٌ، فَجَعَلْتُ يَدِي عَلَى قَدَمِهِ , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَقْرِئْنِي سُورَةِ هُودٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ، إِنَّكَ لَنْ تَقْرَأَ سُورَةً أَحَبَّ إِلَى اللهِ وَلَا أَبْلَغَ عِنْدَهُ مِنْ أَنْ تَقْرَأَ: ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، فَإِنِ اسْتَطَعْتَ أَنْ لَا تَفُوتَكَ فِي صَلَاةٍ فَافْعَلْ " (١) الحواشي
(١) (حب) ١٨٤٢، (س) ٥٤٣٩، (حم) ١٧٤٥٤، انظر صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ١٤٨٥стр. 10787
(س د حم) , وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيِّ ﵁ قَالَ: (بَيْنَمَا أَنَا أَقُودُ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ رَاحِلَتَهُ فِي غَزْوَةٍ , إِذْ قَالَ:) (١) (" يَا عُقْبَةُ بْنَ عَامِرٍ , أَلَا أُعَلِّمُكَ سُوَرًا مَا أُنْزِلَتْ فِي التَّوْرَاةِ وَلَا فِي الزَّبُورِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الْفُرْقَانِ مِثْلُهُنَّ؟ , لَا يَأتِيَنَّ عَلَيْكَ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأتَهُنَّ فِيهَا , ﴿قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ﴾ , وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾ , وَ ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾) (٢) (ثُمَّ قَالَ: مَا تَعَوَّذَ بِمِثْلِهِنَّ أَحَدٌ) (٣) (قَالَ: فَلَمْ يَرَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ أُعْجِبْتُ بِهِمَا) (٤) (فَلَمَّا نَزَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ) (٥) (أَمَّنَا بِالْمُعَوِّذَتَيْنِ) (٦) (فَلَمَّا فَرَغَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مِنْ الصَلَاةِ الْتَفَتَ إِلَيَّ فَقَالَ: يَا عُقْبَةُ , كَيْفَ رَأَيْتَ؟) (٧) (اقْرَأ بِهِمَا كُلَّمَا نِمْتَ وَقُمْتَ) (٨) (فَمَا تَعَوَّذَ مُتَعَوِّذٌ بِمِثْلِهِمَا ") (٩) (قَالَ عُقْبَةُ: فَمَا أَتَتْ عَلَيَّ لَيْلَةٌ إِلَّا قَرَأتُهُنَّ فِيهَا , وَحُقَّ لِي أَنْ لَا أَدَعَهُنَّ , " وَقَدْ أَمَرَنِي بِهِنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ") (١٠) الحواشي
(١) (س) ٥٤٣٠(٢) (حم) ١٧٤٨٨ , (م) ٢٦٤ -(٨١٤) ، (ت) ٢٩٠٢، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.(٣) (س) ٥٤٣٠(٤) (حم) ١٧٣٨٨، (س) ٥٤٣٦ , وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.(٥) (س) ٥٤٣٦(٦) (س) ٩٥٢، (حم) ١٧٣٨٨(٧) (س) ٥٤٣٦، (د) ١٤٦٢، (حم) ١٧٣٨٨، انظر المشكاة: ٨٤٨(٨) (س) ٥٤٣٧، (حم) ١٧٣٣٥ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٧٩٤٨(٩) (د) ١٤٦٣، (س) ٥٤٣٨ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٧٩٤٩ , صَحِيح التَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيب: ١٤٨٥(١٠) (حم) ١٧٤٨٨стр. 10788
(جة طص هب) , وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (" لَدَغَتْ النَّبِيَّ ﷺ عَقْرَبٌ وَهُوَ يُصَلِّي، فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ: لَعَنَ اللهُ الْعَقْرَبَ) (١) (مَا تَدَعُ نَبِيًّا وَلَا غَيْرَهُ إِلَّا لَدَغَتْهُمْ) (٢) (اقْتُلُوهَا فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ) (٣) (ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ وَمِلْحٍ، وَجَعَلَ يَمْسَحُ عَلَيْهَا وَيَقْرَأُ بِـ ﴿قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾، و ﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ﴾ ") (٤) الحواشي
(١) (طص) ٨٣٠ , (جة) ١٢٤٦ , انظر الصَّحِيحَة: ٥٤٨(٢) (هب) ٢٥٧٦ , (ش) ٢٣٥٥٣ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٥٠٩٩(٣) (جة) ١٢٤٦ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٥٠٩٨(٤) (طص) ٨٣٠ , (ش) ٢٩٨٠١ , , (هب) ٢٥٧٥стр. 10789
تَفْسِيرُ سُورَةِ الْفَلَق
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ , مِنْ شَرِّ مَا خَلَقَ , وَمِنْ شَرِّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ , وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ﴾ (١)
(حم طب) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ النَّخْعِيِّ قَالَ: (كَانَ عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْعُودٍ ﵁ يَحُكُّ الْمُعَوِّذَتَيْنِ مِنْ مَصَاحِفِهِ , وَيَقُولُ: إِنَّهُمَا لَيْسَتَا مِنْ كِتَابِ اللهِ ﵎ (٢) (وَيَقُولُ: " إِنَّمَا أُمِرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَتَعَوَّذَ بِهِمَا، وَلَمْ يَكُنْ يَقْرَأُ بِهِمَا ") (٣) الحواشي
(١) [الفلق: ١ - ٤](٢) (حم): ٢١٢٢٦، (حب) ٤٤٢٩ , انظر الصَّحِيحَة تحت حديث ٢٩١٣، وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده صحيح.(٣) (طب) ج٩/ص٢٣٥ ح٩١٥٢стр. 10790
(خ حم) , وَعَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ: (سَأَلْتُ أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ ﵁ عَنْ الْمُعَوِّذَتَيْنِ , فَقُلْتُ: يَا أَبَا الْمُنْذِرِ , إِنَّ أَخَاكَ ابْنَ مَسْعُودٍ ﵁) (١) (لَا يَكْتُبُ الْمُعَوِّذَتَيْنِ فِي مُصْحَفِهِ) (٢) (فَقَالَ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " قِيلَ لِي , فَقُلْتُ "، فَنَحْنُ نَقُولُ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ (٣) ) (٤) . الحواشي
(١) (خ) ٤٦٩٢(٢) (حم) ٢١٢٢٤ , وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: إسناده حسن.(٣) لَيْسَ فِي جَوَاب أُبَيٍّ تَصْرِيحٌ بِالْمُرَادِ، إِلَّا أَنَّ فِي الْإِجْمَاعِ عَلَى كَوْنِهِمَا مِنْ الْقُرْآنِ غُنْيَةٌ عَنْ تَكَلُّفِ الْأَسَانِيدِ بِأَخْبَارِ الْآحَادِ، وَالله أَعْلَم بِالصَّوَابِ. فتح الباري - (ج ١٤ / ص ١٨١)(٤) (خ) ٤٦٩٢стр. 10791
(ت حم) , وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (" نَظَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الْقَمَرِ) (١) (حِينَ طَلَعَ) (٢) (فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ، اسْتَعِيذِي بِاللهِ مِنْ شَرِّ هَذَا , فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْغَاسِقُ إِذَا وَقَبَ (٣) ") (٤) الحواشي
(١) (ت) ٣٣٦٦(٢) (حم) ٢٤٣٦٨(٣) قَالَ فِي الْقَامُوسِ: الْغَسَقُ مُحَرَّكَةً: ظُلْمَةُ أَوَّلِ اللَّيْلِ , وَغَسَقَ اللَّيْلُ غَسَقًا: اِشْتَدَّتْ ظُلْمَتُهُ، وَالْغَاسِقُ: الْقَمَرُ , أَوْ اللَّيْلُ إِذَا غَابَ الشَّفَقُ.
وَوَقَبَ الظَّلَّامُ: دَخَلَ , وَغَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ: الْقَمَرُ إِذَا دَخَلَ فِي الْخُسُوفِ. اِنْتَهَى.
قَالَ الطِّيبِيُّ: إِنَّمَا اِسْتَعَاذَ مِنْ كُسُوفِهِ لِأَنَّهُ مِنْ آيَاتِ اللهِ الدَّالَّةِ عَلَى حُدُوثِ بَلِيَّةٍ وَنُزُولِ نَازِلَةٍ , كَمَا قَالَ ﷺ : " وَلَكِنْ يُخَوِّفُ اللهُ بِهِ عِبَادَهُ ".
وَقَالَ الْخَازِنُ: فَعَلَى هَذَا الْحَدِيثِ , الْمُرَادُ بِهِ: الْقَمَرُ إِذَا خَسَفَ وَاسْوَدَّ ,
وَمَعْنَى وَقَبَ: دَخَلَ فِي الْخُسُوفِ , أَوْ أَخَذَ فِي الْغَيْبُوبَةِ.
وَقِيلَ: سُمِّيَ بِهِ لِأَنَّهُ إِذَا خَسَفَ اِسْوَدَّ , وَذَهَبَ ضَوْءُهُ.
وَقِيلَ: ﴿إِذَا وَقَبَ﴾: دَخَلَ فِي الْمَحَاقِ , وَهُوَ آخِرُ الشَّهْرِ , وَفِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَتِمُّ السِّحَرُ الْمُورِثُ لِلتَّمْرِيضِ , وَهَذَا مُنَاسِبٌ لِسَبَبِ نُزُولِ هَذِهِ السُّورَةِ. تحفة الأحوذي (٩/ ٢١٣)(٤) (ت) ٣٣٦٦ , (حم) ٢٥٨٤٤، صَحِيح الْجَامِع: ٧٩١٦، الصَّحِيحَة: ٣٧٢стр. 10792
وقَالَ الْبُخَارِيُّ ج٦ص١٨١: قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الفَلَقُ﴾: الصُّبْحُ،
يُقَالُ: أَبْيَنُ مِنْ فَرَقِ وَفَلَقِ الصُّبْحِ.
وقَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿غَاسِقٍ﴾: اللَّيْلُ.
﴿إِذَا وَقَبَ﴾: غُرُوبُ الشَّمْسِ.
ويُقَالُ: ﴿وَقَبَ﴾: إِذَا دَخَلَ فِي كُلِّ شَيْءٍ وَأَظْلَمَ.
وقَالَ الْبُخَارِيُّ ج٧ص١٣٦: ﴿النَّفَّاثَاتُ﴾: السَّوَاحِرُ.
стр. 10793
سُورَةُ النَّاس
﴿مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ، الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ، مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾ (١)
(ش) عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ فِي قَوْلِهِ: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾، قَالَ: الشَّيْطَانُ جَاثِمٌ عَلَى قَلْبِ ابْنِ آدَمَ، فَإِذَا سَهَا وَغَفَلَ وَسْوَسَ، وَإِذَا ذَكَرَ اللهَ خَنَسَ (٢) . (٣) الحواشي
(١) [الناس: ٤ - ٦](٢) أَيْ: انقبض الشيطان وتأخر.(٣) (ش) ٣٤٧٧٤ , (عب) ٣٧٥٠ , (ك) ٣٩٩١ , (هب) ٦٧٦ , وصححه الألباني في هداية الرواة: ٢٢٢١стр. 10794
وقَالَ الْبُخَارِيُّ ج٦ص١٨١: يُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: ﴿الوَسْوَاسِ﴾: إِذَا وُلِدَ خَنَسَهُ الشَّيْطَانُ، فَإِذَا ذَكَرَ اللهَ ذَهَبَ، وَإِذَا لَمْ يَذْكُرِ اللهَ ثَبَتَ عَلَى قَلْبِهِ.
стр. 10795
تم بحمد الله الجزء الخامس
ويليه الجزء السادس
وهو كتاب الطهارة
************* ************* *************
стр. 10796
﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾
﴿كِتَابُ الْفِقْه﴾
الْقِسْمُ الْأَوَّلُ مِنْ كِتَابِ الْفِقْه: ﴿الْعِبَادَات﴾
وَيَشْتَمِلُ عَلَى أَحَد عَشَرَ فَصْلَاً وَهِيَ:
الطَّهَارَة
اَلصَّلَاة
الْجَنَائِز
اَلصِّيَامُ
اَلِاعْتِكَاف
اَلزَّكَاة
اَلْحَجّ
اَلْعُمْرَة
اَلْأُضْحِيَّة
اَلنَّذْر
اَلْوَقْف
стр. 10797
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ مِنْ كِتَابِ العِبَادَات
﴿الطَهَارَة﴾
ويشتمل على ستة عشر باباً وهي:
١) تَعْرِيف اَلطَّهَارَة
٢) حُكْم اَلطَّهَارَة
٣) شُرُوط وُجُوب اَلطَّهَارَة
٤) شُرُوط صِحَّة اَلطَّهَارَة
٥) اَلْأَعْيَان اَلطَّاهِرَة
٦) اَلتَّطْهِير مِنْ اَلنَّجَاسَات
٧) اَلْآنِيَة
٨) اَلتَّطْهِير بِالْمَاءِ
٩) اَلتَّطْهِير بِالْمَائِعَاتِ غَيْر اَلْمَاء
١٠) أَقْسَام اَلطَّهَارَة
١١) اَلتَّطْهِير بِالْمَسْحِ
١٢) اَلْجَنَابَة
١٣) اَلْحَيْض
١٤) اَلِاسْتِحَاضَة
١٥) اَلنِّفَاس
١٦) سُنَن اَلْفِطْرَة
стр. 10798
الْبَابُ الْأَوَّل: تَعْرِيفُ الطَّهَارَة
الطَّهَارَةُ فِي اللُّغَةِ: النَّظَافَةُ، يُقَال: طَهُرَ الشَّيْءُ , يَطْهُرُ , طَهَارَةً، وَالاِسْمُ: الطُّهْرُ، وَطَهَّرَهُ تَطْهِيرًا، وَتَطَهَّرَ بِالْمَاءِ، وَهُمْ قَوْمٌ يَتَطَهَّرُونَ , أَيْ: يَتَنَزَّهُونَ مِنَ الْأَدْنَاسِ، وَرَجُلٌ طَاهِرُ الثِّيَابِ، أَيْ: مُنَزَّهٌ. (١)
وَفِي الشَّرْعِ: تُطلقُ على معنيين: الأول: أصْل، وهو طهارة القلب من الشِّرك في عبادة الله، والغِلِّ والبغضاء لعباد الله المؤمنين، وهي أهمُّ من طهارة البدن؛ بل لا يمكن أن تقومَ طهارة البدن مع وجود نَجَس الشِّرك، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ [التوبة: ٢٨] , وقال النَّبيُّ ﷺ : «إنَّ المؤمن لا يَنْجُسُ» (خ) ٢٨٥ , (م) ٣٧١.
والثاني: فَرْع، وهي الطَّهارة الحسِّيَّةُ , وهي: ارتفاعُ الحَدَث - أي: زواله - ومَا في مَعْنَاهُ، وَزَوَالُ الخَبَثِ. فَالطَّهَارَةُ (الحسِّيَّةُ) تَنْقَسِمُ إِلَى قِسْمَيْنِ: طَهَارَةٌ مِنَ الْحَدَثِ، وَطَهَارَةٌ مِنَ النَّجِسِ، أَيْ: حُكْمِيَّةٌ وَحَقِيقِيَّةٌ.
والحَدَثُ: وصفٌ قائمٌ بالبدن يمنع من الصَّلاة ونحوها مما تُشْتَرَطُ له الطَّهارةُ. مثاله: رجل بَالَ واستنجى، ثم توضَّأ , فكان حين بوله لا يستطيع أن يُصلِّيَ، فلما توضأ ارتفع الحَدَثُ، فيستطيع بذلك أن يصلِّي لزوال الوصف المانع من الصَّلاة.
فَالْحَدَثُ هُوَ: الْحَالَةُ النَّاقِضَةُ لِلطَّهَارَةِ شَرْعًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْحَدَثَ إِنْ صَادَفَ طَهَارَةً نَقَضَهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ طَهَارَةً فَمِنْ شَأنِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ.
والنَّجاسة: كلُّ عَينٍ يَحْرُم تناولُها؛ لا لحرمتها؛ ولا لاستقذارها؛ ولا لضررٍ ببدَنٍ أو عقلٍ.
وإنْ شئت فقل: كلُّ عينٍ يجب التطهُّرُ منها , هكذا حدُّوها. (٢)
فقولنا: «يحرم تناولُها» خرج به المباحُ، فكلُّ مباحٍ تناولُه فهو طاهر.
وقولنا: «لا لضررها» خرج به السُّمُّ وشبهُه، فإنَّه حرام لضرره، وليس بنجس.
وقولنا: «ولا لاستقذارها»: خرج به المخاطُ وشبهُه، فليس بنجس؛ لأنَّه محرَّمٌ لاستقذاره.
وقولنا: «ولا لحرمتها» خرج به الصَّيْدُ في حال الإحرام، والصَّيْدُ داخلَ الحرمِ؛ فإِنه حرام لحرمته.
وزوالُهَا (النجاسة) طهارة، سواءٌ زالت بنفسها، أو زالَت بمُزيل آخر، فيُسمَّى ذلك طهارة.
فمثلاً: إذا فرضنا أن أرضاً نجسة بالبول، ثم جاء المطر وطَهَّرَها، فإِنها تَطْهُرُ بدون إزالةٍ مِنَّا. (٣)
وَالْأُولَى مِنْهُمَا - وَهِيَ الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ الْأَصْغَرِ وَالْأَكْبَرِ - شُرِعَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: ٦]
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : لَا تُقْبَل صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ. (٤)
وَالثَّانِيَةُ مِنْهُمَا - وَهِيَ طَهَارَةُ الْجَسَدِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلَّى عَلَيْهِ مِنَ النَّجِسِ - شُرِعَتْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ [المدثر: ٤] ,
وقَوْله تَعَالَى ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيل أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ [البقرة: ١٢٥]
وَبِقَوْلِهِ ﷺ : " اغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي " (٥)
وَبِقَوْلِهِ ﷺ : " طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ " (٦)
فالطهارة التي ذكرها رسول الله ﷺ لهذا الإناء ليست من الحدث , ولكنها طهارة من الخبث - وهي النجاسة - ومع ذلك اعتبرها الشارع طهارة شرعية.
بهذه الأدلة تبين لنا أن رفع الحدث طهارة , وزوال النجاسة طهارة أيضا.
وقد جمع الله طهارة الحدث وطهارة النجاسة في آية واحدة , قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ , فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ (٧)
فقوله سبحانه ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أَيْ: من النجاسة , التي هي دم الحيض.
وقوله سبحانه: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أَيْ: من الحدث الأكبر بالغسل بعد الطهارة من الحيض.
وهناك نوع ثالث من الطهارة لا يرتفع بها الحدث , ولا تُزال بها النجاسة , وهي مع ذلك طهارة شرعية , سماها الفقهاء: " في معنى ارتفاع الحدث " , أي: فلا يكون فيها ارتفاع حَدَث، ولكن فيها معناه.
ومن الطهارة التي في معنى ارتفاع الحدث: تجديد الوضوء , فهو طهارة مشروعة , ومع ذلك لم يرتفع بها الحدث , لأن الحدث قد ارتفع , ومثله: الأغسال المستحبة شرعا , ومثله: الغسلة الثانية والثالثة في الوضوء.
وكذلك طهارة المستحاضة , فإنه يُحكم لها بالطهارة , وإن كان الحدث مستمرا , ومثلها من به سلس بول.
ومن قال: إن هذه استباحة وليست طهارة , فالخلاف معه قريب من اللفظي , لأننا إذا أبحنا له فعل الصلاة , فقد حكمنا له بالطهارة. (٨)
وقد قال رسول الله ﷺ : " لَا تُقْبَلُ صَلَاةٌ بِغَيْرِ طُهُورٍ " (٩)
فلما أُذِن له شرعا بالصلاة , علم أن هذه طهارته. (١٠)
فصار معنى ارتفاع الحدث: هو كل طهارة لا يحصُل بها رفع الحَدَث، أو لا تكون عن حَدَث. (١١) الحواشي
(١) مختار الصحاح مادة: (طهر).(٢) «الإِقناع» (١/ ٦)(٣) الشرح الممتع على زاد المستقنع (١/ ٢٧ - ٢٦) (بتصرف يسير)(٤) (م) ٢٢٤ , (ت) ١(٥) (خ) ٣٠٠ , (م) ٦٢ -(٣٣٣) , (س) ٢١٨ , (د) ٢٨٢(٦) (م) ٩١ -(٢٧٩) , (خ) ١٣٥(٧) [البقرة: ٢٢٢](٨) الشرح الممتع على زاد المستقنع - (١/ ٢٦)(٩) (م) ٢٢٤ , (ت) ١(١٠) (الدبيان ج١ص٤٣)(١١) الشرح الممتع على زاد المستقنع - (١/ ٢٦)стр. 10799
الْبَابُ الثَّانِي: حُكْم اَلطَّهَارَة
الطهارة من الحدث حكمها: الْوُجُوبُ إذَا تَوَقَّفَتْ صِحَّةُ الْعِبَادَةِ عَلَيْهَا , أَوْ النَّدْبُ أَوْ السُّنِّيَّةُ إنْ لَمْ تَتَوَقَّفْ. (١)
وَلا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي أَنَّ تَطْهِيرَ النَّجَاسَاتِ وَاجِبٌ مِنْ بَدَنِ الْمُصَلِّي وَثَوْبِهِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾.
وَقَوْلِهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ الَّتِي سَأَلَتْهُ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ: " تَحُتُّهُ , ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ وَتَنْضَحُهُ، وَتُصَلِّي فِيهِ " (٢) الحواشي
(١) حاشية الصاوي (دار المعارف-د. ط-د. ت) ج١ ص٢٢ - ٢٧(٢) (خ) ٢٢٥ , (م) ١١٠ -(٢٩١) , (ت) ١٣٨ , (س) ٢٩٣стр. 10800
الْبَابُ الثَّالِث: شُرُوطُ وُجُوبِ الطَّهَارَة
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْإِسْلَام
قال ابن عثيمين: ١ - قال تعالى: ﴿وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَاّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللهِ﴾ [التوبة: ٥٤]، فإذا كانت النفقات مع كون نفعها متعدياً لا تقبل منهم، فالعبادات التي نفعها غير متعدٍ من باب أولى لا تقبل منهم.
٢ ـ قول النبي ﷺ لما بعث معاذاً إلى اليمن: «ليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله، فإن هم أجابوك لذلك، فأعلمهم أن الله فرض عليهم خمس صلوات في اليوم والليلة»، فجعل فرض الصلوات بعد الشهادتين.
فإن قال قائل: إذا كان من شرط وجوب الجمعة الإسلام، فهل يسلَم الكافر من الإثم؛ لأن الجمعة غير واجبة عليه؟
فالجواب: أنه لا يسلَم من الإثم؛ لأن القول الراجح من أقوال أهل العلم أن الكافر مخاطب بفروع الإسلام، كما هو مخاطب بأصوله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَاّ أَصْحَابَ الْيَمِينِ *فِي جَنَّاتٍ يَتَسَاءَلُونَ *عَنِ الْمُجْرِمِينَ *مَا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ *قَالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ *وَلَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ *وَكُنَّا نَخُوضُ مَعَ الْخَائِضِينَ *وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ *حَتَّى أَتَانَا الْيَقِينُ *﴾ [المدثر]، ووجه الدلالة من الآية: أنهم ذَكروا من أسباب دخولهم النار أنهم لم يكونوا من المصلين، ولا من المطعمين للمسكين، بل أقول: إن الكافر معاقَبٌ على أكله وشربه ولباسه، لكنه ليس حراماً عليه بحيث يُمنع منه , إنما هو معاقَب عليه. الشرح الممتع على زاد المستقنع - (٥/ ٩)
ودليل ذلك قوله تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا﴾ [المائدة: ٩٣]، فقوله: ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ﴾ يدل بمفهومه على أن غيرهم عليهم جناح فيما طعموا، والطعام يشمل الأكل والشرب؛ لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي﴾ [البقرة: ٢٤٩]، ودليل اللباس قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: ٣٢]، فقوله: ﴿لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يفهم منه أنها ليست للذين كفروا، وقوله: ﴿خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ يفهم منه أنها لغير المؤمنين ليست خالصة لهم، بل يعاقبون عليها.
والمعنى يقتضي ما دلت عليه النصوص من معاقبة الكافر على الأكل والشرب واللباس والنعمة والصحة، وكل شيء؛ وذلك لأن العقل يقتضي طاعة من أحسن إليك، وأنك إذا بارزته بالمعصية وهو يحسن إليك، فإن هذا خلاف الأدب والمروءة، وبه تستحق العقوبة، فصارت النصوص مؤيدة لما يقتضيه العقل.
قال ابن حزم: لَوْ اغْتَسَلَ الْكَافِرُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ , وَالْمَجْنُونُ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ , أَوْ غُسِّلَ الْمُغْمَى عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيقَ وَالسَّكْرَانُ لَمْ يُجْزِهِمْ ذَلِكَ مِنْ غُسْلِ الْجَنَابَةِ , وَعَلَيْهِمْ إعَادَةُ الْغُسْلِ , لِأَنَّهُمْ بِخُرُوجِ الْجَنَابَةِ مِنْهُمْ صَارُوا جُنُبًا وَوَجَبَ الْغُسْلُ بِهِ , وَلَا يَجْزِي الْفَرْضَ الْمَأمُورَ بِهِ إلَّا بِنِيَّةِ أَدَائِهِ قَصْدًا إلَى تَأدِيَةِ مَا أَمَرَ اللهُ تَعَالَى بِهِ , قَالَ اللهُ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾.
وَكَذَلِكَ لَوْ تَوَضَّئُوا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ لِلْحَدَثِ لَمْ يُجْزِهِمْ , وَلَا بُدَّ مِنْ إعَادَتِهِ بَعْدَ زَوَالِهَا لِمَا ذَكَرْنَا. المحلى (٢/ ٥)
وقال الشيخ زكريا الأنصاري: فَلَا يَصِحُّ الْغُسْلُ مِنْ الْكَافِرِ , كَالصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ , بِجَامِعِ أَنَّ كُلًّا عِبَادَةٌ مَحْضَةٌ (كَالْوُضُوْء) فِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ زَوَالُ الْخَبَثِ وَالْإِسْلَامُ عَلَى مَا مَرَّ فِي الْأَوَّلِ , (لَا فِي اغْتِسَالِ ذَاتِ كُفْرٍ) يَعْنِي كِتَابِيَّةً كَمَا قَدَّمَهُ أَوَّلَ الْكِتَابِ (عَنْ دَمِ) حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ (لِمُسْلِمٍ) أَيْ: لِحِلِّ وَطْءِ مُسْلِمٍ مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيِّدٍ , فَلَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْإِسْلَامُ لِلضَّرُورَةِ.
ويَجِبُ عَلَى الْكِتَابِيَّةِ إذَا أَسْلَمَتْ إعَادَةُ الْغُسْلِ لِمَا مَرَّ مِنْ عَدَمِ صِحَّةِ غُسْلِ الْكَافِرِ , وَإِنَّمَا صَحَّ مِنْهَا فِي حَقِّ الْآدَمِيِّ لَا فِي حَقِّ اللهِ تَعَالَى , وَهَذَا بِخِلَافِ مَا لَوْ لَزِمَهُ كَفَّارَةٌ فَأَدَّاهَا؛ ثُمَّ أَسْلَمَ لَا يَلْزَمُهُ إعَادَتُهَا.
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الْآيَةَ , وَخَبَرُ مُسْلِمٍ: ﴿الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ﴾ فَالْمُرَادُ بِهِمَا غُفْرَانُ الذُّنُوبِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْقُطُ عَنْ الذِّمِّيِّ مَا عَلَيْهِ مِنْ دَيْنٍ أَوْ قَوَدٍ بِإِسْلَامِهِ.
قَالَ فِي الْمَجْمُوعِ: وَفَارَقَ ذَلِكَ عَدَمَ إيجَابِ قَضَاءِ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بِأَنَّ إيجَابَ الْغُسْلِ عَلَيْهِ لَيْسَ مُؤَاخَذَةً بِالْوَاقِعِ فِي الْكُفْرِ , بَلْ بِالْحَاصِلِ فِي الْإِسْلَامِ , وَهُوَ كَوْنُهُ جُنُبًا إذَا لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ بِالْإِسْلَامِ بِخِلَافِهِمَا , وَبِأَنَّهُمَا يَكْثُرَانِ فَيَشُقُّ قَضَاؤُهُمَا وَيُنَفَّرُ عَنْ الْإِسْلَامِ , بِخِلَافِ الْغُسْلِ , فَإِنَّهُ وَاحِدٌ وَإِنْ كَثُرَتْ الْجَنَابَةُ. شرح البهجة الوردية (٢/ ١١٤)
стр. 10801
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْعَقْل
(س حم) , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ , وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) (١) (أَوْ يُفِيقَ؟ ") (٢)
الشَّرْح:
(رُفِعَ الْقَلَمُ): هُو كِنَايَة عَنْ عَدَم كِتَابَة الْآثَام عَلَيْهِمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال , وَهُوَ لَا يُنَافِي ثُبُوتَ بَعْضِ الْأَحْكَام الدُّنْيَوِيَّة وَالْأُخْرَوِيَّة لَهُمْ فِي هَذِهِ الْأَحْوَال , كَضَمَانِ الْمُتْلَفَات وَغَيْرِه , فَهَذَا الْحَدِيث " رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأ " مَعَ أَنَّ الْقَاتِلَ خَطَأٌ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَة , وَعَلَى الْعَاقِلَة الدِّيَة , وَلِهَذَا , الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّغِيرَ يُثَابُ عَلَى الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَعْمَال. شرح سنن النسائي (٦/ ١٥٦)
وحكى ابنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ بَعْضَ الْفُقَهَاءِ سُئِلَ عَنْ إِسْلَامِ الصَّبِيِّ , فَقَالَ: لَا يَصِحُّ , وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ , فَعُورِضَ بِأَنَّ الَّذِي ارْتَفَعَ عَنْهُ قَلَمُ الْمُؤَاخَذَةِ , وَأَمَّا قَلَمُ الثَّوَابِ فَلَا , لِقَوْلِهِ ﷺ لِلْمَرْأَةِ لَمَّا سَأَلَتْهُ: (أَلِهَذَا حَجٌّ؟ , قَالَ: نَعَمْ) ,
وَلِقَوْلِهِ ﷺ : (مُرُوهُمْ بِالصَّلَاةِ) , فَإِذَا جَرَى لَهُ قَلَمُ الثَّوَابِ , فَكَلِمَةُ الْإِسْلَامِ أَجَلُّ أَنْوَاعِ الثَّوَابِ , فَكَيْفَ يُقَالُ: إِنَّهَا تَقَعُ لَغْوًا , وَيُعْتَدُّ بِحَجِّهِ وَصَلَاتِهِ؟. (٣)
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَهَذَا فِي الصَّبِيِّ ظَاهِرٌ , وَأَمَّا فِي الْمَجْنُونِ , فَلَا تَتَّصِفُ أَفْعَالُهُ بِخَيْرٍ وَلَا شَرٍّ , إذْ لَا قَصْدَ لَهُ، وَالْمَوْجُودُ مِنْهُ مِنْ صُوَرِ الْأَفْعَالِ لَا حُكْمَ لَهُ شَرْعًا، وَأَمَّا فِي النَّائِمِ فَفِيهِ بُعْدٌ؛ لِأَنَّ قَصْدَهُ مُنْتَفٍ أَيْضًا , فَلَا حُكْمَ لِمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ الْأَفْعَالِ حَالَ نَوْمِهِ. وَلِلنَّاسِ كَلَامٌ فِي تَكْلِيفِ الصَّبِيِّ بِجَمِيعِ الْأَحْكَامِ أَوْ بِبَعْضِهَا لَيْسَ هَذَا مَحَلَّ بَسْطِهِ , وَكَذَلِكَ النَّائِمُ. (٤)
(عَنْ ثَلَاثٍ) أَيْ: ثلاثة أصناف من الناس.
(عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ) قَالَ السُّبْكِيُّ: الصَّبِيُّ: الْغُلَامُ.
وَقَالَ غَيْرُهُ: الْوَلَدُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ يُسَمَّى جَنِينًا , فَإِذَا وُلِدَ فَصَبِيٌّ , فَإِذَا فُطِمَ فَغُلَامٌ إِلَى سَبْعٍ , ثُمَّ يَصِيرُ يَافِعًا إِلَى عَشْرٍ , ثُمَّ حَزْوَرًا إِلَى خَمْسَ عَشْرَةَ.
وَالَّذِي يُقْطَعُ بِهِ أَنَّهُ يُسَمَّى صَبِيًّا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ كُلِّهَا , قَالَهُ السُّيُوطِيُّ. (٥)
(حَتَّى يَحْتَلِمَ) وفي رواية: (حَتَّى يَكْبُرَ) , قَالَ السُّبْكِيُّ: لَيْسَ فِيهَا مِنَ الْبَيَانِ , وَلَا فِي قَوْلِهِ (حَتَّى يَبْلُغَ) مَا فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ: (حَتَّى يَحْتَلِمَ) فَالتَّمَسُّكُ بِهَا أَوْلَى , لِبَيَانِهَا وَصِحَّةِ سَنَدِهَا.
وَقَوْلُهُ: (حَتَّى يَبْلُغَ) مُطْلَقٌ , وَالِاحْتِلَامُ مُقَيَّدٌ , فَيُحْمَلُ عليه , فإن الاحتلام بُلُوغٌ قَطْعًا وَعَدَمُ بُلُوغِ خَمْسَ عَشْرَةَ , لَيْسَ بِبُلُوغٍ قَطْعًا. (٦)
(وَعَنْ الْمَجْنُونِ) قَالَ فِي التَّلْوِيحِ: الْجُنُونُ: اخْتِلالُ الْقُوَّةِ الْمُمَيِّزَةِ بَيْنَ الأُمُورِ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ الْمُدْرِكَةِ لِلْعَوَاقِبِ , بِأَنْ لا تَظْهَرَ آثَارُهُ وَتَتَعَطَّلُ أَفْعَالُهَا , إمَّا لِنُقْصَانٍ جُبِلَ عَلَيْهِ دِمَاغُهُ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ , وَإِمَّا لِخُرُوجِ مِزَاجِ الدِّمَاغِ عَنْ الاعْتِدَالِ بِسَبَبِ خَلْطٍ أَوْ آفَةٍ , وَإِمَّا لاسْتِيلاءِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ وَإِلْقَاءِ الْخَيَالاتِ الْفَاسِدَةِ إلَيْهِ , بِحَيْثُ يَفْرَحُ وَيَفْزَعُ مِنْ غَيْرِ مَا يَصْلُحُ سَبَبًا. (٧)
(حَتَّى يَعْقِلَ) أَيْ: إلى أن يرجع إليه تدبُّرُه وفهمُه للأمور. (٨)
(أَوْ يُفِيقَ) وفي رواية لأبي داود: ٤٤٠٣ (زَادَ فِيهِ: وَالْخَرِفِ)
مِنَ الْخَرَفِ , وَهُوَ: فَسَادُ الْعَقْلِ مِنَ الْكِبَرِ.
قَالَ السُّبْكِيُّ: يَقْتَضِي أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى الثَّلَاثَةِ , وَهَذَا صَحِيحٌ , وَالْمُرَادُ بِهِ: الشَّيْخُ الْكَبِيرُ الَّذِي زَالَ عَقْلُهُ مِنْ كِبَرٍ , فَإِنَّ الشَّيْخَ الْكَبِيرَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُ اخْتِلَاطُ عَقْلٍ يَمْنَعُهُ مِنَ التَّمْيِيزِ , وَيُخْرِجُهُ عَنْ أَهْلِيَّةِ التَّكْلِيفِ , وَلَا يُسَمَّى جُنُونًا , لِأَنَّ الْجُنُونَ يَعْرِضُ مِنْ أَمْرَاضٍ سَوْدَاوِيَّةٍ , وَيَقْبَلُ الْعِلَاجَ , وَالْخَرَفُ بِخِلَافِ ذَلِكَ , وَلِهَذَا لَمْ يَقُلْ فِي الْحَدِيثِ: حَتَّى يَعْقِلَ , لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ لَا يَبْرَأُ مِنْهُ إِلَى الْمَوْتِ ,
ولو بَرَأَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بِرُجُوعِ عَقْلِهِ , تَعَلَّقَ بِهِ التَّكْلِيفُ فَسُكُوتُهُ عَنِ الْغَايَةِ فِيهِ لَا يَضُرُّ , كَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي الْمَجْنُونِ , وَهَذَا الْحَدِيثُ وَإِنْ كَانَ مُنْقَطِعًا , لَكِنَّهُ فِي مَعْنَى الْمَجْنُونِ , كَمَا أَنَّ الْمُغْمَى عَلَيْهِ فِي مَعْنَى النَّائِمِ , فَلَا يَفُوتُ الْحَصْرُ بِذَلِكَ إِذَا نَظَرْنَا إِلَى الْمَعْنَى , فَهُمْ فِي الصُّورَةِ خَمْسَةٌ: الصَّبِيُّ , وَالنَّائِمُ , وَالْمُغْمَى عَلَيْهِ , وَالْمَجْنُونُ , وَالْخَرِفُ , وَفِي الْمَعْنَى ثَلَاثَةٌ. (٩)
فَوائِدُ الْحَدِيث:
اسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: (حَتَّى يَحْتَلِمَ) عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ.
وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ: يُؤَاخَذُ قَبْلَ ذَلِكَ بِالرِّدَّةِ , وَكَذَا مَنْ قَالَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ: يُقَامُ الْحَدُّ عَلَى الْمُرَاهِقِ , وَيُعْتَبَرُ طَلَاقُهُ , لِقَوْلِهِ فِي الطَّرِيقِ الْأُخْرَى: (حَتَّى يَكْبُرَ) وَالْأُخْرَى: (حَتَّى يَشِبَّ).
وتعقَّبَه ابنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ (حَتَّى يَحْتَلِمَ) هِيَ الْعَلَامَةُ الْمُحَقَّقَةُ , فَيَتَعَيَّنُ اعْتِبَارُهَا وَحَمْلُ بَاقِي الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا. (١٠)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ - الْعَقْل وَالْبُلُوغِ - فِي وُجُوبِ الْغُسْل.
فَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى اشْتِرَاطِ التَّكْلِيفِ فِي وُجُوبِ الْغُسْل، فَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا مُكَلَّفًا فَعَلَيْهِ الْغُسْل فَقَطْ دُونَ الأخَرِ.
وَقَال الْمَالِكِيَّةُ: الْمُغَيِّبُ إِنْ كَانَ بَالِغًا وَجَبَ الْغُسْل عَلَيْهِ، وَكَذَا عَلَى الْمُغَيَّبِ فِيهِ إِنْ كَانَ بَالِغًا، وَإِلَاّ وَجَبَ عَلَى الْمُغَيِّبِ دُونَ الْمُغَيَّبِ فِيهِ , فَإِنْ كَانَ الْمُغَيِّبُ غَيْرَ بَالِغٍ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى مَنْ غَيَّبَ فِيهِ، سَوَاءٌ كَانَ بَالِغًا أَمْ لَا مَا لَمْ يُنْزِل بِذَلِكَ الْمُغَيَّبُ فِيهِ، وَإِلَاّ وَجَبَ عَلَيْهِ الْغُسْل لِلإِنْزَال. وَقَال الشَّافِعِيَّةُ: الصَّبِيُّ إِذَا أَوْلَجَ فِي امْرَأَةٍ أَوْ دُبُرِ رَجُلٍ، أَوْ أَوْلَجَ رَجُلٌ فِي دُبُرِهِ، يَجِبُ الْغُسْل عَلَى الْمَرْأَةِ وَالرَّجُل، وَكَذَا إِذَا اسْتَدْخَلَتِ امْرَأَةٌ ذَكَرَ صَبِيٍّ فَعَلَيْهَا الْغُسْل، وَيَصِيرُ الصَّبِيُّ فِي كُل هَذِهِ الصُّوَرِ جُنُبًا، وَكَذَا الصَّبِيَّةُ إِذَا أَوْلَجَ فِيهَا رَجُلٌ أَوْ صَبِيٌّ وَكَذَا لَوْ أَوْلَجَ صَبِيٌّ فِي صَبِيٍّ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا الصَّبِيُّ الْمُمَيِّزُ وَغَيْرُهُ، وَإِذَا صَارَ جُنُبًا لَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَغْتَسِل،
وَلَا يُقَال: يَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْل، كَمَا لَا يُقَال: يَجِبُ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ، بَل يُقَال: صَارَ مُحْدِثًا، وَيَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَأمُرَهُ بِالْغُسْل إِنْ كَانَ مُمَيِّزًا.
وَلَمْ يَشْتَرِطِ الْحَنَابِلَةُ التَّكْلِيفَ لِوُجُوبِ الْغُسْل، فَيَجِبُ الْغُسْل عَلَى الْمُجَامِعِ غَيْرِ الْبَالِغِ - إِنْ كَانَ يُجَامِعُ مِثْلَهُ كَابْنَةِ تِسْعٍ وَابْنِ عَشْرٍ - فَاعِلاً كَانَ أَوْ مَفْعُولاً بِهِ إِذَا أَرَادَ مَا يَتَوَقَّفُ عَلَى الْغُسْل.
قَال الْبُهُوتِيُّ: وَلَيْسَ مَعْنَى وُجُوبِ الْغُسْل فِي حَقِّ الصَّغِيرِ التَّأثِيمَ بِتَرْكِهِ، بَل مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرْطٌ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ أَوِ الطَّوَافِ أَوْ إِبَاحَةِ مَسِّ الْمُصْحَفِ، كَمَا نَصُّوا عَلَى وُجُوبِ الْغُسْل عَلَى الْمَجْنُونِ وَالْمَجْنُونَةِ، وَذَلِكَ لِأَنَّ مُوجِبَ الطَّهَارَةِ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقَصْدُ كَسَبْقِ الْحَدَثِ. (١١) . الحواشي
(١) (حم) ٢٤٧٣٨ , (خم) ج٨ص١٦٥ , (س) ٣٤٣٢ , (ت) ١٤٢٣ (د) ٤٤٠٢ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٣٥١٢ , المشكاة: ٣٢٨٧ ,
وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده جيد.(٢) (س) ٣٤٣٢ , (جة) ٢٠٤١ , (د) ٤٤٠٠(٣) عون٤٣٩٩(٤) نيل الأوطار (٢/ ٢٤)(٥) عون٤٣٩٨(٦) عون٤٣٩٨(٧) (ابن عابدين٣/ ٢٤٣)(٨) ذخيرة (ج٢٨ص٣٥٢)(٩) عون٤٤٠٣(١٠) عون٤٣٩٩(١١) حاشية ابن عابدين ١/ ١٠٩، وحاشية الدسوقي ١/ ١٢٨ - ١٢٩، والمجموع شرح المهذب ٢/ ١٣٢، وكشاف القناع ١/ ١٤٣стр. 10802
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْبُلُوغ
(س حم) , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" رُفِعَ الْقَلَمُ عَنْ ثَلَاثٍ: عَنْ النَّائِمِ حَتَّى يَسْتَيْقِظَ، وَعَنْ الصَّبِيِّ حَتَّى يَحْتَلِمَ , وَعَنْ الْمَجْنُونِ حَتَّى يَعْقِلَ) (١) (أَوْ يُفِيقَ ") (٢) الحواشي
(١) (حم) ٢٤٧٣٨ , (خم) ج٨ص١٦٥ , (س) ٣٤٣٢ , (ت) ١٤٢٣ , (د) ٤٤٠٢ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٣٥١٢ , المشكاة: ٣٢٨٧ , وقال الشيخ شعيب الأرناؤوط: إسناده جيد.(٢) (س) ٣٤٣٢ , (جة) ٢٠٤١ , (د) ٤٤٠٠стр. 10803
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ اَلطَّهَارَةِ وُجُود اَلْمَاء اَلطَّهُور اَلْكَافِي
(خ م) , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١)
فَوائِدُ الْحَدِيث:
قال النووي: قَوْله ﷺ : (فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأتُوا مِنْهُ مَا اِسْتَطَعْتُمْ) هَذَا مِنْ قَوَاعِد الْإِسْلَام الْمُهِمَّة، وَمِنْ جَوَامِع الْكَلِم الَّتِي أُعْطِيهَا ﷺ ، وَيَدْخُل فِيهِ مَا لَا يُحْصَى مِنْ الْأَحْكَام كَالصَّلَاةِ بِأَنْوَاعِهَا، فَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْض أَرْكَانهَا أَوْ بَعْض شُرُوطهَا أَتَى بِالْبَاقِي، وَإِذَا عَجَزَ عَنْ بَعْض أَعْضَاء الْوُضُوء أَوْ الْغُسْل غَسَلَ الْمُمْكِن، وَإِذَا وَجَدَ بَعْض مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاء لِطَهَارَتِهِ أَوْ لِغَسْلِ النَّجَاسَة فَعَلَ الْمُمْكِن، وَأَشْبَاه هَذَا غَيْر مُنْحَصِرَة، وَهِيَ مَشْهُورَة فِي كُتُبِ الْفِقْه، وَالْمَقْصُود التَّنْبِيه عَلَى أَصْل ذَلِكَ، وَهَذَا الْحَدِيث مُوَافِق لِقَوْلِ الله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ , وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى: ﴿اِتَّقُوا الله حَقّ تُقَاته﴾ فَفِيهَا مَذْهَبَانِ أَحَدهمَا: أَنَّهَا مَنْسُوخَة بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ , وَالثَّانِي - وَهُوَ الصَّحِيح أَوْ الصَّوَاب وَبِهِ جَزَمَ الْمُحَقِّقُونَ - أَنَّهَا لَيْسَتْ مَنْسُوخَة، بَلْ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاتَّقُوا الله مَا اِسْتَطَعْتُمْ﴾ مُفَسِّرَة لَهَا وَمُبَيِّنَة لِلْمُرَادِ بِهَا، قَالُوا: ﴿وَحَقّ تُقَاته﴾ هُوَ اِمْتِثَال أَمْرِهِ وَاجْتِنَاب نَهْيه، وَلَمْ يَأمُر إِلَّا بِالْمُسْتَطَاعِ، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا يُكَلِّف الله نَفْسًا إِلَّا وُسْعهَا﴾ , وَقَالَ تَعَالَى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّين مِنْ حَرَج﴾ وَالله أَعْلَم. (٢)
فالْأَمْر الْمُطْلَق لَا يَقْتَضِي دَوَام الْفِعْل , وَإِنَّمَا يَقْتَضِي جِنْس الْمَأمُور بِهِ , وَأَنَّهُ طَاعَة مَطْلُوبَة يَنْبَغِي أَنْ يَأتِي كُلّ إِنْسَان مِنْهُ عَلَى قَدْر طَاقَته , وَأَمَّا النَّهْي فَيَقْتَضِي دَوَام التَّرْك , وَالله تَعَالَى أَعْلَم. شرح سنن النسائي - (ج ٤ / ص ٩٥)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
قال العراقي: اُسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ: أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاءِ لِطَهَارَتِهِ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ سَوَاءٌ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ , وَالْأَصْغَرُ ; لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى بَعْضِ الْمَأمُورِ بِهِ , وَهُوَ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ , وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ بَعْضِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَطْعًا.
وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ; لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ كَمَالِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ. (طرح التثريب ج٢ص١٩٩)
فَقَالُوا: يَسْقُطُ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ؛ لأَنَّ عَدَمَ بَعْضِ الْمُبْدَلِ يُبِيحُ الانْتِقَالَ إلَى الْبَدَلِ. وَهُوَ التُّرَابُ , وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ. نيل الأوطار (٣٦٠)
وَأَمَّا إذَا وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ التُّرَابَ , فَأَظْهُرُ الطَّرِيقَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ: أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْبَعْضِ لَا مَحَالَةَ ; لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ , فَصَارَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ بَعْضَ السُّتْرَةِ , وَالطَّرِيقُ الثَّانِي طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ. (طرح التثريب ج٢ص١٩٩) الحواشي
(١) (خ) ٦٨٥٨ , (م) ١٣٣٧(٢) شرح النووي على مسلم (٤١٢ - ١٣٣٧)стр. 10804
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْقُدْرَةُ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاء
(خد د حم) , عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ﵁ قَالَ: (" بَعَثَ إِلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (١) (عَامَ ذَاتِ السَّلَاسِلِ) (٢) (فَقَالَ: خُذْ عَلَيْكَ ثِيَابَكَ وَسِلَاحَكَ ثُمَّ ائْتِنِي " , فَأَتَيْتُهُ " وَهُوَ يَتَوَضَّأُ , فَصَعَّدَ فِيَّ النَّظَرَ ثُمَّ طَأطَأَهُ) (٣) (ثُمَّ قَالَ: يَا عَمْرُو , إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَبْعَثَكَ عَلَى جَيْشٍ) (٤) (فَيُسَلِّمَكَ اللهُ وَيُغْنِمَكَ , وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً " , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنِّي مَا أَسْلَمْتُ مِنْ أَجْلِ الْمَالِ , وَلَكِنِّي أَسْلَمْتُ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ , وَأَنْ أَكُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ: " يَا عَمْرُو , نِعْمَ الْمَالُ الصَّالِحُ لِلْمَرْءِ الصَّالِحِ ") (٥) (قَالَ: فَاحْتَلَمْتُ فِي) (٦) (غَزْوَةِ ذَاتِ السُّلَاسِلِ) (٧) (فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ، فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ , فَتَيَمَّمْتُ , ثُمَّ صَلَّيْتُ بِأَصْحَابِي صَلَاةَ الصُّبْحِ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٨) (ذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ لِي: " يَا عَمْرُو , صَلَّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ؟ ") (٩) (فَقُلْتُ: نَعَمْ يَا رَسُولَ اللهِ , إِنِّي احْتَلَمْتُ فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ شَدِيدَةِ الْبَرْدِ فَأَشْفَقْتُ إِنْ اغْتَسَلْتُ أَنْ أَهْلَكَ , وَذَكَرْتُ قَوْلَ اللهِ : ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ , إِنَّ اللهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا﴾ (١٠) فَتَيَمَّمْتُ ثُمَّ صَلَّيْتُ , " فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ") (١١)
الشَّرْح:
(ذَاتِ السَّلَاسِلِ) فِي مَرَاصِدِ الِاطِّلَاعِ: السُّلَاسِلُ: جَمْعُ سِلْسِلَةٍ , مَاءٌ بِأَرْضِ جُذَامٍ , سُمِّيَتْ بِهِ غَزْوَةُ ذَاتِ السُّلَاسِلِ.
قَالَ الْعَيْنِيُّ وَهِيَ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى , بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ عَشْرَةُ أَيَّامٍ , وَكَانَتْ تِلْكَ الْغَزْوَةُ فِي
جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ. عون٣٣٤
(وَأَرْغَبُ لَكَ مِنْ الْمَالِ رَغْبَةً صَالِحَةً) أَيْ: أعطيك من المال شيئا لا بأس به.
فَوائِدُ الْحَدِيث:
قوله: (فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ شِدَّةِ الْبَرْدِ مِنْ وَجْهَيْنِ: الْأَوَّلُ: التَّبَسُّمُ وَالِاسْتِبْشَارُ , وَالثَّانِي: عَدَمُ الْإِنْكَارِ , لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَا يُقِرُّ عَلَى بَاطِلٍ , وَالتَّبَسُّمُ وَالِاسْتِبْشَارُ أَقْوَى دَلَالَةً مِنَ السُّكُوتِ عَلَى الْجَوَازِ.
قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ ﷺ جَعَلَ عَدَمَ إِمْكَانِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ كَعَدَمِ عَيْنِ الْمَاءِ , وَجَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَخَافُ الْعَطَشَ وَمَعَهُ مَاءٌ , فَأَبْقَاهُ لِيَشْرَبَهُ وَلِيَتَيَمَّمَ بِهِ خَوْفَ التَّلَفِ. عون٣٣٤ الحواشي
(١) (حم) ١٧٧٨٩ , (خد) ٢٩٩، وقال شعيب الأرنؤوط: إسناده صحيح.(٢) (حم) ١٧٨٤٥ , (خ) ٣٦٦٢، (م) ٨ -(٢٣٨٤) ، وقال الشيخ شعيب الأرنؤوط: حديث صحيح.(٣) (حم) ١٧٧٨٩ , (خد) ٢٩٩(٤) (خد) ٢٩٩، (حب) ٣٢١١، انظر صَحْيح الْأَدَبِ الْمُفْرَد: ٢٢٩(٥) (حم) ١٧٧٨٩ , (خد) ٢٩٩(٦) (حم) ١٧٨٤٥(٧) (د) ٣٣٤(٨) (حم) ١٧٨٤٥(٩) (د) ٣٣٤(١٠) [النساء/٢٩](١١) (حم) ١٧٨٤٥، (د) ٣٣٤ , (خم) ج١ص٧٧ , وقال الحافظ في الفتح (١/ ٤٥٤)
: وَإِسْنَادُهُ قَوِيٌّ , لَكِنَّهُ عَلَّقَهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ لِكَوْنِهِ اخْتَصَرَهُ.стр. 10805
(د جة) , وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: (خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ) (١) (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (٢) (فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأسِهِ , ثُمَّ احْتَلَمَ , فَسَأَلَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ: هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ؟ , فَقَالُوا: مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ , فَاغْتَسَلَ فَمَاتَ , فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ ﷺ أُخْبِرَ بِذَلِكَ فَقَالَ: " قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللهُ , أَلَا سَأَلُوا إِذْ لَمْ يَعْلَمُوا؟ , فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ , إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ , وَيَعْصِبَ , عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً , ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا , وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ ") (٣)
الشَّرْح:
(فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فَشَجَّهُ فِي رَأسِهِ) أَيْ: فَجَرَحَهُ فِي رَأسِهِ. عون (٣٣٦)
(مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ) حَمَلُوا الْوِجْدَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْوِجْدَانَ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فِي حُكْمِ الْفِقْدَانِ. عون (٣٣٦)
قوله ﷺ : (قَتَلُوهُ قَتَلَهُمْ اللهُ) أَسْنَدَ ﷺ الْقَتْلَ إِلَيْهِمْ لِأَنَّهُمْ تَسَبَّبُوا لَهُ بِتَكْلِيفِهِمْ لَهُ بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ مَعَ وُجُودِ الْجَرْحِ فِي رَأسِهِ , لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ. عون (٣٣٦)
(إِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالَ) الْعِيُّ: الْجَهْلُ , وَالْمَعْنَى أَنَّ الْجَهْلَ دَاءٌ وَشِفَاءَهَا السُّؤَالُ وَالتَّعَلُّمُ. عون (٣٣٦)
(وَيَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً) أَيْ: يَشُدُّ.
(ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا) أَيْ: يَمسَحُ عَلَى الْخِرْقَةِ بِالْمَاءِ. عون (٣٣٦)
فَوائِدُ الْحَدِيث:
قَالَ الْإِمَامُ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنَ الْعِلْمِ أنه عابهم بِالْفَتْوَى بِغَيْرِ عِلْمٍ وَأَلْحَقَ بِهِمُ الْوَعِيدَ بِأَنْ دَعَا عَلَيْهِمْ وَجَعَلَهُمْ فِي الْإِثْمِ قَتَلَةً لَهُ.
وَفِيهِ مِنَ الْفِقْهِ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالْجَمْعِ بَيْنَ التَّيَمُّمِ وَغَسْلِ سَائِرِ جَسَدِهِ بِالْمَاءِ وَلَمْ يَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ كَافِيًا دُونَ الْآخَرِ. أ. هـ
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: حَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ. أ. هـ
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى وُجُوبِ الْمَسْحِ عَلَى الْجَبَائِرِ. عون (٣٣٦)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إلَى أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ لِلْوُضُوءِ أَوِ الْغُسْل تَتَحَقَّقُ بِمَا يَأتِي:
أ - وُجُودُ الْمَاءِ الْكَافِي لِلطَّهَارَةِ وَالْفَائِضِ عَنِ الْحَاجَةِ الضَّرُورِيَّةِ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. سورة النساء / ٤٣.
ب - إمْكَانُ اسْتِعْمَال الْمَاءِ بِنَفْسِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَضُرُّهُ، أَوِ اسْتِعْمَالِهِ بِمُسَاعِدٍ وَلَوْ بِأَجْرٍ، لِأَنَّ الْعَاجِزَ عَنِ اسْتِعْمَال الْمَاءِ بِنَفْسِهِ إذَا وَجَدَ مَنْ يُوَضِّئُهُ بِأُجْرَةِ الْمِثْل يُعْتَبَرُ قَادِرًا بِقُدْرَةِ الْغَيْرِ.
فَإِذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ وُجُودُ الْمَاءِ أَوْ إمْكَانُ الاِسْتِعْمَال، فَلَا يُعْتَبَرُ الشَّخْصُ قَادِرًا، وَيَنْتَقِل مِنَ الطَّهَارَةِ الْمَائِيَّةِ إلَى التَّيَمُّمِ.
فتح القدير مع الكفاية والعناية ١/ ١١٧ - ١٢٥، وابن عابدين ١/ ١٥٥ - ١٥٨، ١٧٠، والدسوقي ١/ ١٤٧ وما بعدها، والمهذب ١/ ٣٩ - ٤١، وكشاف القناع ١/ ١٦٢ - ١٦٧.
قال ابن رَسْلَانَ فِي شَرْحِ السُّنَنِ: لَا يَتَيَمَّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ مَنْ أَمْكَنَهُ أَنْ يُسَخِّنَ الْمَاءَ , أَوْ يستعمله على درجة يَأمَنُ الضَّرَرَ , مِثْلَ أَنْ يَغْسِلَ عُضْوًا وَيَسْتُرَهُ , وكلما غسل عضوا ستره ودفاه مِنَ الْبَرْدِ , لَزِمَهُ ذَلِكَ , وَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ , تَيَمَّمَ وَصَلَّى فِي قَوْلِ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.
وَقَالَ الْحَسَنُ وَعَطَاءٌ: يَغْتَسِلُ وَإِنْ مَاتَ , وَلَمْ يَجْعَلَا له عُذرا.
ومقتضى قولِ ابن مَسْعُودٍ: " لَوْ رَخَّصْنَا لَهُمْ , لَأَوْشَكَ إِذَا بَرَدَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَيَمَّمُوا " , أَنَّهُ لَا يُتَيَمَّمُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ. انْتَهَى. عون٣٣٤
وقَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: حَدِيثُ جَابِرٍ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْعُدُولِ إِلَى التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ.
وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِ التَّيَمُّمِ لِخَشْيَةِ الضَّرَرِ , وَقَالُوا: لِأَنَّهُ وَاجِدٌ. عون (٣٣٦) الحواشي
(١) (د) ٣٣٦(٢) (جة) ٥٧٢ , (د) ٣٣٧(٣) (د) ٣٣٦ , (هق) ١٠١٨ , (جة) ٥٧٢ , (حم) ٣٠٥٧ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٤٣٦٣، الصحيحة تحت حديث: ٢٩٩٠
جملة: (إنما كان يكفيه ..) ضَعَّفها الألباني من رواية أبي داود، لكنه تراجع عن تضعيفها , فحسن الحديث لغيره في المشكاة: ٥٣١، وتمام المنة ص١٣١ , وأخرج لهذه الجملة عدة طرق في الثمر المستطاب ص٣٣ , وقال: وبالجملة فالحديث قوي ثابت بهذه المتابعات. أ. هـстр. 10806
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ انْقِطَاعُ مُوجِبِ الطَّهَارَةِ إِلَّا فِي حَقِّ أَصْحَابِ الْأَعْذَار
(خ م س) , عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ (أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ أَبِي حُبَيْشٍ ﵂ حَدَّثَتْهُ أَنَّهَا أَتَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَشَكَتْ إِلَيْهِ الدَّمَ) (١) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فلَا أَطْهُرُ , أَفَأَدَعُ الصَلَاةَ؟، فَقَالَ: " لَا , إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ , وَلَيْسَ بِحَيْضٍ) (٢) (إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدٌ يُعْرَفُ فَإِذَا كَانَ ذَلِكَ (وفي رواية: إِذَا أَتَاكِ قَرْؤُكِ) (٣) فَأَمْسِكِي عَنْ الصَلَاةِ , وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ , فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي) (٤) وفي رواية: (إِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ) (٥) (قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا) (٦) (فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا , فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) (٧) وفي رواية: (فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) (٨) (فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي (٩) ) (١٠) (وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ) (١١)
وفي رواية: (فَإِذَا مَرَّ قَرْؤُكِ فَتَطَهَّرِي , ثُمَّ صَلِّي مَا بَيْنَ الْقَرْءِ إِلَى الْقَرْءِ ") (١٢)
الشَّرْح:
(إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ) يُقَالُ: اسْتُحِيضَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا اسْتَمَرَّ بِهَا الدَّمُ بَعْدَ أَيَّامِهَا الْمُعْتَادَةِ فَهِيَ مُسْتَحَاضَةٌ وَالِاسْتِحَاضَةُ جَرَيَانُ الدَّمِ مِنْ فَرْجِ الْمَرْأَةِ فِي غَيْرِ أَوَانِهِ. فتح (٢٢٨)
وَأَنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ عِرْقٍ يُقَالُ لَهُ: الْعَاذِلُ , بِخِلَافِ دَمِ الْحَيْضِ , فَإِنَّهُ يَخْرُجُ مِنْ قَعْرِ الرَّحِمِ. النووي (٦٢ - ٣٣٣)
(فلَا أَطْهُرُ) قَالت: " إِنِّي لَا أَطْهُرُ " , وَالسَّبَبِ هُوَ قَوْلُهَا: " إِنِّي أُسْتَحَاضُ " , وَكَانَ عِنْدَهَا أَنَّ طَهَارَةَ الْحَائِضِ لَا تُعْرَفُ إِلَّا بِانْقِطَاعِ الدَّمِ فَكَنَّتْ بِعَدَمِ الطُّهْر عَن اتِّصَاله , وَكَانَت قد عَلِمَتْ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تُصَلِّي , فَظَنَّتْ أَنَّ ذَلِكَ الْحُكْمَ مُقْتَرِنٌ بِجَرَيَانِ الدَّمِ مِنَ الْفَرْجِ , فَأَرَادَتْ تَحَقُّقَ ذَلِكَ , فَقَالَتْ:.فتح (٣٠٦)
(أَفَأَدَعُ الصَلَاةَ) أَيْ: أَيَكُونُ لِي حُكْمُ الْحَائِضِ , فَأَتْرُكَ الصَّلَاةَ؟.تحفة١٢٥
(فَقَالَ: " لَا , إِنَّمَا ذَلِكِ عِرْقٌ) أَيْ: دَمُ عِرْقٍ انْشَقَّ وَانْفَجَرَ مِنْهُ الدَّمُ , أَوْ إِنَّمَا سَبَبُهَا عِرْقٌ مِنْهَا فِي أَدْنَى الرَّحِمِ. تحفة١٢٥
وَأَمَّا مَا يَقَعُ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ: " إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ انْقَطَعَ وَانْفَجَرَ " , فهي زيادةٌ لا تُعْرَف فِي الْحَدِيثِ , وَإِنْ كَانَ لَهَا مَعْنًى , وَاللهُ أَعْلَمُ. النووي (٦٢ - ٣٣٣)
(إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ دَمٌ أَسْوَدٌ يُعْرَفُ) قوله ﷺ (يُعْرَفُ) فِيهِ احْتِمَالَانِ , الْأَوَّلُ: أَنَّهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَجْهُولِ مِنَ المعرفة , قال ابنُ رَسْلَانَ: أَيْ: تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ: تَعْرِفُهُ النِّسَاءُ بِاعْتِبَارِ لَوْنِهِ وَثَخَانَتِهِ , كَمَا تَعْرِفُهُ بِاعْتِبَارِ عَادَتِهِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ عَلَى صِيغَةِ الْمَعْرُوفِ , مِنَ الْأَعْرَافِ , أَيْ: لَهُ عَرْفٌ وَرَائِحَةٌ. عون٢٨٦
(وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ) أَيِ: الَّذِي لَيْسَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ. عون٢٨٦
وفي رواية: (إِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) الْمُرَادُ بِالْإِقْبَالِ: ابْتِدَاءُ دَمِ الْحَيْضِ. فتح (٢٢٨)
(فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا) أَيْ: قَدْرُ الْحَيْضَةِ عَلَى مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ , أَوْ عَلَى مَا تَرَاهُ الْمَرْأَةُ بِاجْتِهَادِهَا , أَوْ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ عَادَتِهَا فِي حَيْضَتِهَا , فِيهِ احْتِمَالَاتٌ , ذَكَرَهُ الْبَاجِيُّ فِي شَرْحِ الْمُوَطَّأِ. عون٢٨٣
(فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي)
وفي رواية: (فَإِذَا ذَهَبَ قَدْرُهَا , فَاغْتَسِلِي وَصَلِّي) وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ , مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ , وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَال وَلم يذكر غَسْلَ الدَّم , وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ , وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ , لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ. فتح٣٠٦
فَوائِدُ الْحَدِيث:
قَوْلُهُ ﷺ : " لَا " , فِيهِ أنَّ المُسْتحاضة تُصَلِّي أَبَدًا , إلَّا في الزَّمَنِ الْمَحْكُومِ بِأَنَّهُ حَيْضٌ , وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ. (النووي) ٦٢ - (٣٣٣)
(إِذَا أَتَاكِ قَرْؤُكِ) قال النسائي: وهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ حَيْضٌ. (س) ٢١١
قَوْلُهُ ﷺ (إِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَاتْرُكِي الصَّلَاةَ) فِيهِ نَهْيٌ لَهَا عَنِ الصَّلَاةِ فِي زَمَنِ الْحَيْضِ , وَهُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ , وَيَقْتَضِي فَسَادَ الصَّلَاةِ هُنَا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ , وَسَوَاءٌ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ وَالنَّافِلَةِ , لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ , وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهَا الطَّوَافُ , وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ , وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ , وَسُجُودُ الشُّكْرِ , وَكُلُّ هَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ , وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ مُكَلَّفَةً بِالصَّلَاةِ , وَعَلَى أنه لا قضاء عَلَيْهَا , وَاللهُ أَعْلَمُ. (النووي) ٦٢ - (٣٣٣)
(قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا) فِيهِ دَلِيلٌ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ الِاعْتِبَارَ لِلْعَادَةِ , لَا لِلتَّمْيِيزِ. عون٢٨١
قال الحافظ: وَاسْتَنْبَطَ مِنْهُ الرَّازِيُّ الْحَنَفِيُّ أَنَّ مُدَّةَ أَقَلِّ الْحَيْضِ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ , وَأَكْثَرَهُ عَشَرَةٌ , لِقَوْلِهِ " قَدْرَ الْأَيَّامِ الَّتِي كُنْتِ تَحِيضِينَ فِيهَا " , لِأَنَّ أَقَلَّ مَا يُطْلَقُ عَلَيْهِ لَفْظُ " أَيَّامٌ " ثَلَاثَةٌ , وَأَكْثَرُهُ عَشَرَةٌ , فَأَمَّا دُونَ الثَّلَاثَةِ , فَإِنَّمَا يُقَالُ: يَوْمَانِ , وَيَوْمٌ , وَأَمَّا فَوْقَ عَشَرَةٍ , فَإِنَّمَا يُقَالُ: أَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا , وَهَكَذَا إِلَى عِشْرِينَ.
وَفِي الِاسْتِدْلَال بذلك نَظَرٌ. فتح٣٠٦
فِي قوله ﷺ (وَإِذَا كَانَ الْآخَرُ فَتَوَضَّئِي وَصَلِّي) دَلِيلٌ على أن المرأة إِذَا مَيَّزَتْ دَمَ الْحَيْضِ مِنْ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ تَعْتَبِرُ دَمَ الْحَيْضِ وَتَعْمَلُ عَلَى إِقْبَالِهِ وَإِدْبَارِهِ , فَإِذَا انْقَضَى قَدْرُهُ , اغْتَسَلَتْ عَنْهُ , ثُمَّ صَارَ حُكْمُ دَمِ الِاسْتِحَاضَةِ حُكْمَ الْحَدَثِ , فَتَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ. فتح٣٠٦
وَفِي الْحَدِيثِ: جَوَازُ اسْتِفْتَاءُ الْمَرْأَةِ بِنَفْسِهَا , وَمُشَافَهَتِهَا لِلرَّجُلِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ النِّسَاءِ , وَجَوَازُ سَمَاعِ صَوْتِهَا لِلْحَاجَةِ. فتح٣٠٦
وفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ , وَأَنَّ الدَّمَ نَجِسٌ , وَأَنَّ الصَّلَاةَ تَجِبُ لِمُجَرَّدِ انْقِطَاعِ الْحَيْضِ. (النووي) ٦٢ - (٣٣٣)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
وَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ علي بن أبي طالب , وعائشة , وابن عَبَّاسٍ ﵃ مِنَ الصَّحَابَةِ , وَالْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ , وَسَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ , وَعَطَاءً , وَمَكْحُولًا وَالنَّخَعِيَّ , وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ , وَالْقَاسِمَ مِنَ التَّابِعِينَ , كُلُّهُمْ قَالُوا: إِنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ تَدَعُ الصَّلَاةَ أَيَّامَ أَقْرَائِهَا , فَهَؤُلَاءِ مِنَ الْقَائِلِينَ بِمَا تَرْجَمَ بِهِ الْمُؤَلِّفُ (أبوداود) فِي الْبَابِ بِقَوْلِهِ: " وَمَنْ قَالَ: تَدَعُ الصَّلَاةَ فِي عِدَّةِ الْأَيَّامِ الَّتِي كَانَتْ تَحِيضُ " , فَعِنْدَ هَؤُلَاءِ , تَرْجِعُ الْمُسْتَحَاضَةُ إِلَى عَادَتِهَا الْمَعْرُوفَةِ إِنْ كَانَتْ لَهَا عَادَةٌ , وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. عون٢٨١
قَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ , فَأَبُو حَنِيفَةَ مَنَعَ اعْتِبَارَ التَّمْيِيزِ مُطْلَقًا وَالْبَاقُونَ عَمِلُوا بِالتَّمْيِيزِ فِي حَقِّ الْمُبْتَدَأَةِ , وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا تَعَارَضَتِ الْعَادَةُ وَالتَّمْيِيزُ.
فَاعْتَبَرَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِنَا التَّمْيِيزَ , وَلَمْ ينظروا إلى العادة , وَعَكَسَ ابنُ خَيْرَانَ. تحفة١٢٥
قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ: وَهَذَا الحديث فيه رَدُّ الْمُسْتَحَاضَةِ إِلَى صِفَةِ الدَّمِ بِأَنَّهُ إِذَا كَانَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ فَهُوَ حَيْضٌ , وَإِلَّا فَهُوَ اسْتِحَاضَةٌ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ ﷺ قَالَ لَهَا: (إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ , فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلَاةَ , وَإِذَا أَدْبَرَتْ , فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ وَصَلِّي) , ولا يُنَافِيهِ هَذَا الْحَدِيثُ , فَإِنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ: (إِنَّ دَمَ الْحَيْضِ أَسْوَدُ يُعْرَفُ) بَيَانًا لِوَقْتِ إِقْبَالِ الْحَيْضَةِ وَإِدْبَارِهَا , فَالْمُسْتَحَاضَةُ إِذَا مَيَّزَتْ أَيَّامَ حَيْضِهَا , إِمَّا بِصِفَةِ الدَّمِ , أَوْ بِإِتْيَانِهِ فِي وَقْتِ عَادَتِهَا إِنْ كَانَتْ مُعْتَادَةً , عَمِلَتْ بِعَادَتِهَا.
فَفَاطِمَةُ هَذِهِ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَادَةً, فَيَكُونُ قَوْلُهُ: (فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ) أَيْ: بِالْعَادَةِ.
أَوْ غَيْرَ مُعْتَادَةٍ , فَيُرَادُ بِإقْبَالِ حَيْضَتِهَا بِالصِّفَةِ , وَلَا مَانِعَ مِنِ اجْتِمَاعِ الْمَعْرِفَتَيْنِ فِي حَقِّهَا وَحَقِّ غَيْرِهَا. انْتَهَى كَلَامُهُ. عون٢٨٦
(وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ حَتَّى يَجِيءَ ذَلِكَ الْوَقْتُ) قال النووي (٦٢ - ٣٣٣):
اعْلَمْ أَنَّ مَذْهَبَنَا أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ لَا تُصَلِّي بِطَهَارَةٍ وَاحِدَةٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ , مُؤَدَّاةٍ كَانَتْ أَوْ مَقْضِيَّةٍ. أ. هـ
لِظَاهِرِ قَوْلِهِ: " ثُمَّ تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ " , وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ. فتح٣٠٦
قال النووي: وَتَسْتَبِيحُ مَعَهَا مَا شَاءَتْ مِنَ النَّوَافِلِ قَبْلَ الْفَرِيضَةِ وَبَعْدَهَا.
وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهَا لَا تَسْتَبِيحُ أَصْلًا , لِعَدَمِ ضَرُورَتِهَا إِلَيْهَا النَّافِلَةِ , وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ.
وَحُكِيَ مِثْلُ مَذْهَبِنَا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ , وَسُفْيَانِ الثوري , وأحمد , وأبي ثور. أ. هـ
وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْوُضُوءَ مُتَعَلِّقٌ بِوَقْتِ الصَّلَاةِ , فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهِ الْفَرِيضَةَ الْحَاضِرَةَ , وَمَا شَاءَتْ مِنَ الْفَوَائِتِ , مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ.
وَعَلَى قَوْلِهِمُ , الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " وَتَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ " أَيْ: لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فَفِيهِ مَجَازُ الْحَذْفِ , وَيَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ. فتح٣٠٦
قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: فَإِنْ قُلْتَ: قَالَ فِي الْهِدَايَةِ: لَنَا قَوْلُهُ ﷺ " الْمُسْتَحَاضَةُ تَتَوَضَّأُ لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ "
قُلْتُ: قَالَ الْحَافِظُ الزَّيْلَعِيُّ فِي تَخْرِيجِ الْهِدَايَةِ: غَرِيبٌ جِدًّا.
وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الدِّرَايَةِ: لَمْ أَجِدْهُ هَكَذَا , وَإِنَّمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: " تَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ "
فَإِنْ قُلْتَ: قال ابن الْهُمَامِ فِي فَتْحِ الْقَدِيرِ نَقْلًا عَنْ شَرْحِ مُخْتَصَرِ الطَّحَاوِيِّ: رَوَى أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ أَبِي حُبَيْشٍ: تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ " , فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ بِلَفْظِ: " تَوَضَّئِي لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ " , تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ: " تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ " أي: لِوَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ.
قُلْتُ: نَعَمْ , لَوْ كَانَ هَذَا اللَّفْظُ فِي هَذَا الطَّرِيقِ مَحْفُوظًا , لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى الْمَطْلُوبِ , لَكِنَّ فِي كَوْنِهِ مَحْفُوظًا كَلَامًا , فَإِنَّ الطُّرُقَ الصَّحِيحَةَ كُلَّهَا قَدْ وَرَدَتْ بِلَفْظِ: " تَوَضَّئِي لِكُلِّ صَلَاةٍ " , وَأَمَّا هَذَا اللَّفْظُ , فَلَمْ يَقَعْ فِي وَاحِدٍ مِنْهَا , وَقَدْ تَفَرَّدَ بِهِ الإمامُ أبو حنيفة , وَهُوَ سَيِّءُ الحِفْظِ , كما صَرَّحَ بِهِ الحافظُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ , وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تحفة١٢٥
قال النووي: وَقَالَ ربيعة , ومالك , وداود: دم الاستحاضة لا يَنقضُ الْوُضُوءَ , فَإِذَا تَطَهَّرَتْ , فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِطَهَارَتِهَا ما شاءت مِنَ الْفَرَائِضِ , إِلَى أَنْ تُحْدِثَ بِغَيْرِ الِاسْتِحَاضَةِ. أ. هـ
وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: يُسْتَحَبُّ لَهَا الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاة , وَلَا يجب إِلَّا بِحَدَث آخَرَ. فتح٣٠٦
قال ابن عبد البر: لَيْسَ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ ذِكْرُ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ عَلَى الْمُسْتَحَاضَةِ , وَذُكِرَ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ , فَلِذَا كَانَ مَالِكٌ يَسْتَحِبُّهُ لَهَا وَلَا يُوجِبُهُ , كَمَا لَا يُوجِبُهُ عَلَى صَاحِبِ السَّلَسِ. تحفة١٢٥
اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي وَقْتِ بُطْلانِ طَهَارَةِ صَاحِبِ الْعُذْرِ، فَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٌ إِلَى أَنَّهَا تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ مَا لَمْ يَطْرَأ عَلَيْهَا فِي الْوَقْتِ نَاقِضٌ آخَرُ، وَلَوْ كَانَ مُمَاثِلا لِلْعُذْرِ الأَوَّلِ، كَمَا لَوْ سَالَ أَحَدُ مَنْخِرَيْهِ فَتَوَضَّأَ لَهُ، ثُمَّ سَالَ الآخَرُ فِي الْوَقْتِ انْتَقَضَ الْوُضُوءُ بِالثَّانِي؛ لأَنَّهُ حَدَثٌ جَدِيدٌ، وَلا عِبْرَةَ بِالْمُمَاثَلَةِ؛ وَلأَنَّ الْحَدَثَ مُبْطِلٌ لِلطَّهَارَةِ، وَعِنْدَ الإِمَامِ أَحْمَدَ تَبْطُلُ بِخُرُوجِ الْوَقْتِ كَمَا تَبْطُلُ بِدُخُولِهِ (١٣) وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ (١٤) فَالْحَدَثُ الآخَرُ وَخُرُوجُ الْوَقْتِ أَوْ دُخُولُهُ يُبْطِلانِ طَهَارَةَ صَاحِبِ الْعُذْرِ.
قال النووي: قَالَ أَصْحَابُنَا: وَلَا يَصِحُّ وُضُوءُ المُسْتَحاضة لِفريضةٍ قبلَ دُخولِ وَقْتِها.
وقال أبو حنيفة: يَجُوزُ.
وَدَلِيلُنَا أَنَّهَا طَهَارَةُ ضَرُورَةٍ , فَلَا تَجُوزُ قَبْلَ وَقْتِ الْحَاجَةِ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَإِذَا تَوَضَّأَتْ بَادَرَتْ إِلَى الصَّلَاةِ عَقِبَ طَهَارَتِهَا , فَإِنْ أَخَّرَتْ , بِأَنْ تَوَضَّأَتْ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ , وَصَلَّتْ فِي وَسَطِهِ , نُظِرَ , إِنْ كَانَ التَّأخِيرُ لِلِاشْتِغَالِ بِسَبَبٍ مِنْ أَسْبَابِ الصَّلَاةِ , كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ , وَالْأَذَانِ , وَالْإِقَامَةِ , وَالِاجْتِهَادُ فِي الْقِبْلَةِ , وَالذَّهَابِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَعْظَمِ , وَالْمَوَاضِعِ الشَّرِيفَةِ , وَالسَّعْي فِي تَحْصِيلِ سُتْرَةٍ تُصَلِّي إِلَيْهَا , وَانْتِظَارِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ , وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ , جَازَ عَلَى الْمَذْهَبِ الصحيح المشهور ولنا وجهٌ: أنه لا يجوز , وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.
وَأَمَّا إِذَا أَخَّرَتْ بِغَيْرِ سَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا , فَفِيهِ ثلاثة أوجه: أصحُّها: لا يجوز , وتبطل طهارتها.
والثاني: يجوز , ولا تبطل طَهَارَتُهَا , وَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِهَا وَلَوْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ.
وَالثَّالِثُ: لَهَا التَّأخِيرُ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ , فَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ , فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ.
فَإِذَا قُلْنَا بالاصَحِّ , وأَنَّها إذا أخَّرَت لا تستبيح الْفَرِيضَةَ , فَبَادَرَتْ فَصَلَّتِ الْفَرِيضَةَ , فَلَهَا أَنْ تُصَلِّيَ النَّوَافِلَ مَا دَامَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ بَاقِيًا , فَإِذَا خَرَجَ وَقْتُ الْفَرِيضَةِ , فَلَيْسَ لَهَا أَنْ تُصَلِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ النَّوَافِلَ بِتِلْكَ الطَّهَارَةِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَاللهُ أَعْلَمُ.
قَالَ أَصْحَابُنَا: وَكَيْفِيَّةُ نِيَّةِ الْمُسْتَحَاضَةِ فِي وُضُوئِهَا: أَنْ تَنْوِيَ اسْتِبَاحَةَ الصَّلَاةِ , وَلَا تَقْتَصِرُ عَلَى نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ.
وَلَنَا وَجْهٌ أَنَّهُ يُجْزِئُهَا الِاقْتِصَارُ عَلَى نِيَّةِ رَفْعِ الْحَدَثِ.
وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهَا الْجَمْعُ بَيْنَ نِيَّةِ اسْتِبَاحَةِ الصَّلَاةِ وَرَفْعِ الْحَدَثِ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ , فَإِذَا تَوَضَّأَتِ الْمُسْتَحَاضَةُ , اسْتَبَاحَتِ الصَّلَاةَ.
وَهَلْ يُقَالُ: ارْتَفَعَ حَدَثُهَا؟ , فِيهِ أَوْجُهٌ لِأَصْحَابِنَا , الْأَصَحُّ: أنه لا يرتفع شَيْءٌ مِنْ حَدَثِهَا , بَلْ تَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ بِهَذِهِ الطَّهَارَةِ مَعَ وُجُودِ الْحَدَثِ , كَالْمُتَيَمِّمِ , فَإِنَّهُ مُحْدِثٌ عِنْدَنَا. وَالثَّانِي: يَرْتَفِعُ حَدَثُهَا السَّابِقُ وَالْمُقَارِنُ لِلطَّهَارَةِ دُونَ الْمُسْتَقْبَلِ.
وَالثَّالِثُ: يَرْتَفِعُ الْمَاضِي وَحْدَهُ. انتهى كلام النووي الحواشي
(١) (س) ٣٥٨ , (د) ٢٨٠ , (جة) ٦٢٠ , (حم) ٢٧٤٠٠(٢) (خ) ٢٢٦ , (م) ٦٢ -(٣) (س) ٢١١ , (د) ٢٨٠ , (جة) ٦٢٠ , (حم) ٢٧٤٠٠ ,
وقال النسائي: وهَذَا الدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ حَيْضٌ.(٤) (س) ٢١٦(٥) (خ) ٣٠٠ , (س) ٢١٨ , (د) ٢٨٢ , (م) ٦٢ -(٣٣٣) , (ت) ١٢٥(٦) (خ) ٣١٩ , (س) ٣٥٧(٧) (خ) ٣٠٠ , (س) ٢١٨ , (د) ٢٨٢ , (م) ٦٢ -(٣٣٣) , (ت) ١٢٥(٨) (س) ٢١٨(٩) وَهَذَا الِاخْتِلَافُ وَاقِعٌ بَيْنَ أَصْحَابِ هِشَامٍ , مِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ غَسْلَ الدَّمِ وَلَمْ يَذْكُرْ الِاغْتِسَالَ , وَمِنْهُمْ مَنْ ذَكَرَ الِاغْتِسَال وَلم يذكر غَسْلَ الدَّم , وَكُلُّهُمْ ثِقَاتٌ , وَأَحَادِيثُهُمْ فِي الصَّحِيحَيْنِ , فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ كُلَّ فَرِيقٍ اخْتَصَرَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ , لِوُضُوحِهِ عِنْدَهُ. فتح٣٠٦(١٠) (خ) ٣١٩ , (س) ٣٥٧(١١) (خ) ٢٢٦ , (د) ٢٩٨ , (جة) ٦٢٤، انظر الإرواء: ١٠٩ , ١١٠(١٢) (س) ٢١١ , (د) ٢٨٠ , (جة) ٦٢٠، انظر صَحِيح الْجَامِع: ٢٣٦٣ , صحيح سنن أبي داود(٢٧٢) ، الإرواء(١٣) كشاف القناع عن متن الإقناع ١/ ٢١٦، والمغني ١/ ٣٤١.(١٤) (الاختيار لتعليل المختار , ط دار الكتب العلمية) ١/ ٢٩.стр. 10807
مِنْ شُرُوطِ وُجُوبِ الطَّهَارَةِ الْحَدَث
تَعْرِيف اَلْحَدَث
الْحَدَثُ فِي اللُّغَةِ: مِنَ الْحُدُوثِ , وَهُوَ الْوُقُوعُ وَالتَّجَدُّدُ وَكَوْنُ الشَّيْءِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ، وَمِنْهُ يُقَال: حَدَثَ بِهِ عَيْبٌ إِذَا تَجَدَّدَ وَكَانَ مَعْدُومًا قَبْل ذَلِكَ , وَالْحَدَثُ اسْمٌ مِنْ أَحْدَثَ الأنْسَانُ إِحْدَاثًا, بِمَعْنَى الْحَالَةِ النَّاقِضَةِ لِلْوُضُوءِ , وَيَأتِي بِمَعْنَى الأَمْرِ الْحَادِثِ الْمُنْكَرِ الَّذِي لَيْسَ بِمُعْتَادٍ وَلا مَعْرُوفٍ، وَمِنْهُ مُحْدَثَاتُ الأُمُورِ. (١)
وَفِي الاِصْطِلَاحِ: الْوَصْفُ الشَّرْعِيُّ (أَوِ الْحُكْمِيُّ) الَّذِي يَحِل فِي الأَعْضَاءِ وَيُزِيل الطَّهَارَةَ وَيَمْنَعُ مِنْ صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَنَحْوِهَا.
وَهَذَا الْوَصْفُ يَكُونُ قَائِمًا بِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ فَقَطْ فِي الْحَدَثِ الأَصْغَرِ، وَبِجَمِيعِ الْبَدَنِ فِي الْحَدَثِ الأَكْبَرِ.
وَقَدْ وَرَدَ هَذَا التَّعْرِيفُ فِي كُتُبِ فُقَهَاءِ الْمَذَاهِبِ الأَرْبَعَةِ بِاخْتِلافٍ بَسِيطٍ فِي الْعِبَارَةِ (٢)
فَالْحَدَثُ هُوَ الْحَالَةُ النَّاقِضَةُ لِلطَّهَارَةِ شَرْعًا، بِمَعْنَى أَنَّ الْحَدَثَ إِنْ صَادَفَ طَهَارَةً نَقَضَهَا، وَإِنْ لَمْ يُصَادِفْ طَهَارَةً , فَمِنْ شَأنِهِ أَنْ يَكُونَ كَذَلِكَ. الحواشي
(١) لسان العرب، والمصباح المنير في المادة.(٢) ابن عابدين ١/ ٥٧، ٥٨، وحاشية الدسوقي ١/ ٣٢، ١١٤، وجواهر الإكليل ١/ ٥، ونهاية المحتاج ١/ ٥١، ٥٢، ٩٥، والمنثور في القواعد ٢/ ٤١، وكشاف القناع ١/ ٢٨، ٢٩.стр. 10808
أَنْوَاعُ الْحَدَث
الْحَدَثُ الْأَكْبَر
الْحَدَثُ الأَكْبَرُ هُوَ: الْجَنَابَةُ , وَالْحَيْضُ , وَالنِّفَاسُ.
وَزَوَالُ هَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ بِالْغُسْلِ.
قال تَعَالَى: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا﴾ (١)
وَقال تَعَالَى: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ , فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ﴾ (٢) الحواشي
(١) [المائدة/٦](٢) [البقرة/٢٢٢]стр. 10809
الْحَدَثُ الْأَصْغَر
الْحَدَثُ الأَصْغَرُ , مِنْهُ: الْبَوْلُ , وَالْغَائِطُ , وَالرِّيحُ , وَالْمَذْيُ , وَالْوَدْيُ , وَخُرُوجُ الْمَنِيِّ بِغَيْرِ لَذَّةٍ.
وَزَوَالُ هَذَا الْوَصْفِ يَكُونُ بِالْوُضُوءِ.
قال تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ (١) стр. 10810
(خ م حم) , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ ") (١) (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ حَضْرَمَوْتَ: مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟، قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) (٢) .
الشَّرْح:
(" لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ) الْمرَاد بِالْقبُولِ هُنَا: مَا يُرَادِفُ الصِّحَّةَ , وَهُوَ الْإِجْزَاءُ , وَحَقِيقَةُ الْقَبُولِ , ثَمَرَةُ وُقُوعِ الطَّاعَةِ مُجْزِئَةً رَافِعَةً لِمَا فِي الذِّمَّةِ , وَلَمَّا كَانَ الْإِتْيَانُ بِشُرُوطِهَا مَظِنَّةَ الْإِجْزَاءِ الَّذِي الْقَبُولُ ثَمَرَتُهُ , عَبَّرَ عَنْهُ بِالْقَبُولِ مَجَازًا.
وَأَمَّا الْقَبُولُ الْمَنْفِيُّ فِي مِثْلِ قَوْلِهِ ﷺ : (مَنْ أَتَى عَرَّافًا لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ) فَهُوَ الْحَقِيقِيُّ , لِأَنَّهُ قَدْ يَصِحُّ الْعَمَلُ , وَيَتَخَلَّفُ الْقَبُولُ لِمَانِعٍ , وَلِهَذَا كَانَ بَعْضُ السَّلَفِ يَقُولُ: " لَأَنْ تُقْبَلَ لِي صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ , أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ جَمِيعِ الدُّنْيَا " , قَالَه ابن عُمَرَ , قَالَ: لِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَالَ: ﴿إِنَّمَا يتَقَبَّلُ اللهُ من الْمُتَّقِينَ﴾.فتح (١/ ٢٣٥)
(إِذَا أَحْدَثَ) أَيْ: وُجِدَ مِنْهُ الْحَدَثُ , وَالْمُرَادُ بِهِ: الْخَارِجُ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ. فتح١٣٥
(فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ) فَسَّرَ أَبُو هُرَيْرَةَ الْحَدَثَ بِذَلِكَ تَنْبِيهًا بِالْأَخَفِّ عَلَى الْأَغْلَظِ , وَلِأَنَّهُمَا قَدْ يَقَعَانِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِمَا.
وَأَمَّا بَاقِي الْأَحْدَاثِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ , كَمَسِّ الذَّكَرِ , وَلَمْسِ الْمَرْأَةِ وَالْقَيْءِ مِلْءَ الْفَمِ , وَالْحِجَامَةِ , فَلَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ لَا يَرَى النَّقْضَ بِشَيْءٍ مِنْهَا , وَعَلَيْهِ مَشَى الْمُصَنِّفُ كَمَا سَيَأتِي فِي بَابِ مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا من المخرجَيْن.
وَقِيلَ: إِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ اقْتَصَرَ فِي الْجَوَابِ عَلَى مَا ذُكِرَ لِعِلْمِهِ أَنَّ السَّائِلَ كَانَ يَعْلَمُ مَا عَدَا ذَلِكَ. وَفِيهِ بُعْدٌ. فتح١٣٥
(حَتَّى يَتَوَضَّأُ) أَيْ: بِالْمَاءِ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ، وَقَدْ رَوَى النَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ قَوِيٍّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا " الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ وَضُوءُ الْمُسْلِمِ " (٣) فَأَطْلَقَ الشَّارِعُ عَلَى التَّيَمُّمِ أَنَّهُ وَضُوءٌ لِكَوْنِهِ قَامَ مَقَامَهُ. فتح١٣٥
فَوائِدُ الْحَدِيث:
اسْتُدِلَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْحَدَثِ , سَوَاءٌ كَانَ خُرُوجُهُ اخْتِيَارِيًّا أَمِ اضْطِرَارِيًّا.
وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ لَا يَجِبُ لِكُلِّ صَلَاةٍ , لِأَنَّ الْقَبُولَ انْتَفَى إِلَى غَايَةِ الْوُضُوءِ , وَمَا بَعْدَهَا مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا , فَاقْتَضَى ذَلِكَ قَبُولَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا. فتح١٣٥
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
قَالَ ابن بَطَّالٍ: فِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ: " إِنَّ الْمُحْدِثَ فِي صَلَاتِهِ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي " , وَوَافَقَهُ ابن أَبِي لَيْلَى.
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ: يَسْتَأنِفُ الصَّلَاةَ , وَاحْتَجَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ , وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ) , فَلَا يَخْلُو حَالَ انْصِرَافِهِ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرِ مُصَلٍّ , فَإِنْ قَالُوا: هُوَ مُصَلٍّ , رُدَّ , لِقَوْلُهُ: (لَا صَلَاةَ إِلَّا بِطُهُورٍ).
وَمِنْ جِهَةِ النَّظَرِ أَنَّ كُلَّ حَدَثٍ مَنَعَ مِنِ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ , مَنَعَ مِنَ الْبِنَاءِ عَلَيْهَا , بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ سَبَقَهُ الْمَنِيُّ , لَاسْتَأنَفَ اتِّفَاقًا. فتح (١٢/ ٣٢٩) الحواشي
(١) (خ) ٦٥٥٤ , (م) ٢٢٥(٢) (حم) ٨٠٦٤ , (خ) ١٣٥(٣) الترمذي الطهارة(١٢٤) ,النسائي الطهارةстр. 10811
مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْدِث
صَلَاةُ الْمُحْدِث
(خ م) , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَا يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إِذَا أَحْدَث حَتَّى يَتَوَضَّأَ " (١) الحواشي
(١) (خ) ٦٥٥٤ , (م) ٢٢٥стр. 10812
(خ م ت حم) , وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لِلنِّسَاءَ: (وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ) (١) (أَذْهَبَ لِقُلُوبِ ذَوِي الْأَلْبَابِ) (٢) (وَذَوِي الرَّأيِ مِنْكُنَّ) (٣) (قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ , وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ؟ , قَالَ: " أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ , فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ , تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ) (٤) (وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِكُنَّ , فَالْحَيْضَةُ الَّتِي تُصِيبُكُنَّ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَمْكُثَ , لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ) (٥)
وفي رواية: (وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ , فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ ") (٦)
الشَّرْح:
(مَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أَذْهَبَ لِلُبِّ الرَّجُلِ الحَازِمِ مِنْ إِحْدَاكُنَّ) قال الحافظ في الفتح: وَيَظْهَر لِي أَنَّ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَة أَسْبَاب كَوْنهنَّ أَكْثَر أَهْل النَّار؛ لِأَنَّهُنَّ إِذَا كُنَّ سَبَبًا لِإِذْهَابِ عَقْل الرَّجُل الْحَازِم حَتَّى يَفْعَل أَوْ يَقُول مَا لَا يَنْبَغِي , فَقَدْ شَارَكْنَهُ فِي الْإِثْم وَزِدْنَ عَلَيْهِ. فتح (١/ ٤٧٦)
قَوْله ﷺ : (أَمَّا نُقْصَان الْعَقْل فَشَهَادَة اِمْرَأَتَيْنِ تَعْدِل شَهَادَة رَجُل) تَنْبِيهٌ مِنْهُ ﷺ عَلَى مَا وَرَاءَهُ , وَهُوَ مَا نَبَّهَ الله تَعَالَى عَلَيْهِ فِي كِتَابه بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ أَيْ: أَنَّهُنَّ قَلِيلَات الضَّبْط. شرح النووي على مسلم - (ج ١ / ص ١٧٦)
(فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ) أَيْ: عَلَامَة نُقْصَانه. شرح النووي على مسلم - (ج ١ / ص ١٧٦)
(وَأَمَّا نُقْصَانُ دِينِكُنَّ , فَالْحَيْضَةُ الَّتِي تُصِيبُكُنَّ، تَمْكُثُ إِحْدَاكُنَّ مَا شَاءَ اللهُ أَنْ تَمْكُثَ , لَا تُصَلِّي وَلَا تَصُومُ) وفي رواية: (وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ , فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ ") أَيْ: تَمْكُث لَيَالِي وَأَيَّامًا لَا تُصَلِّي بِسَبَبِ الْحَيْض , وَتُفْطِر أَيَّامًا مِنْ رَمَضَان بِسَبَبِ الْحَيْض ,
فَإِنْ قِيلَ: فَإِنْ كَانَتْ مَعْذُورَةً فَهَلْ تُثَاب عَلَى الصَّلَاة فِي زَمَن الْحَيْض وَإِنْ كَانَتْ لَا تَقْضِيهَا كَمَا يُثَاب الْمَرِيضُ الْمُسَافِر وَيُكْتَب لَهُ فِي مَرَضه وَسَفَره , مِثْل نَوَافِل الصَّلَوَات الَّتِي كَانَ يَفْعَلهَا فِي صِحَّته وَحَضَرِهِ؟ ,
فَالْجَوَابُ: أَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّهَا لَا تُثَاب , وَالْفَرْق أَنَّ الْمَرِيض وَالْمُسَافِر كَانَ يَفْعَلهَا بِنِيَّةِ الدَّوَام عَلَيْهَا مَعَ أَهْلِيَّتِهِ لَهَا , وَالْحَائِض لَيْسَتْ كَذَلِكَ , بَلْ نِيَّتُهَا تَرْكُ الصَّلَاةِ فِي زَمَن الْحَيْض، بَلْ يَحْرُم عَلَيْهَا نِيَّة الصَّلَاة فِي زَمَن الْحَيْض , فَنَظِيرهَا مُسَافِرٌ أَوْ مَرِيض كَانَ يُصَلِّي النَّافِلَة فِي وَقْتٍ وَيَتْرُك فِي وَقْتٍ غَيْر نَاوٍ الدَّوَام عَلَيْهَا , فَهَذَا لَا يُكْتَب لَهُ فِي سَفَره وَمَرَضه فِي الزَّمَن الَّذِي لَمْ يَكُنْ يَنْتَفِل فِيهِ. شرح النووي على مسلم - (ج ١ / ص ١٧٦) الحواشي
(١) (خ) ١٣٩٣(٢) (حم) ٨٨٤٩ , (خ) ١٣٩٣(٣) (ت) ٢٦١٣ , (م) ٨٨٥(٤) (م) ٧٩ , (خ) ٢٩٨(٥) (حم) ٨٨٤٩ , (خ) ٢٩٨(٦) (م) ٧٩ , (خ) ٢٩٨стр. 10813
طَوَافُ الْمُحْدِث
(خ م) , وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: " قَدْ حَجَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ " , فَأَخْبَرَتْنِي عَائِشَةُ ﵂ " أَنَّ أَوَّلَ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ , أَنَّهُ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ (١) " (٢) الحواشي
(١) وقد ترجم البخاري لهذا الموضوع فقال: بَاب الطَّوَافِ عَلَى وُضُوءٍ.(٢) (م) ١٩٠ -(١٢٣٥) , (خ) ١٥٣٦ , (خز) ٢٦٩٩ , (حب) ٣٨٠٨стр. 10814
(ن ك) , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ، إِلَّا أَنَّ اللهَ أَحَلَّ لَكُمْ فِيهِ الْكَلامَ، فَمَنْ يَتَكَلَّمَ فلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ) (١) وفي رواية: (فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ ") (٢)
الشَّرْح:
(الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ) أَيْ: مثل الصلاة في الأحكام , أو مثلها في الثواب. ذخيرة٢٩٢٢
(إِلَّا أن تتكلمون فيه) أي: في الطواف
قال القارىء فِي الْمِرْقَاةِ أَيْ تَعْتَادُونَ الْكَلَامَ فِيهِ وَالِاسْتِثْنَاءُ مُتَّصِلٌ أَيْ مِثْلُهَا فِي كُلِّ مُعْتَبَرٍ فِيهَا وُجُودًا وَعَدَمًا إِلَّا التَّكَلُّمَ يَعْنِي وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنَ الْمُنَافِيَاتِ مِنَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَسَائِرِ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَإِمَّا مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ رُخِّصَ لَكُمْ فِي الْكَلَامِ وَفِي الْعُدُولِ عَنْ قَوْلِهِ إِلَّا الْكَلَامَ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ لَا تَخْفَى
ويُعْلَمُ مِنْ فِعْلِهِ ﵊ عَدَمُ شَرْطِيَّةِ الِاسْتِقْبَالِ وَلَيْسَ لِأَصْلِ الطَّوَافِ وَقْتٌ مَشْرُوطٌ وَبَقِيَ بَقِيَّةُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ مِنَ الطَّهَارَةِ الْحُكْمِيَّةِ وَالْحَقِيقِيَّةِ وَسِتْرِ الْعَوْرَةِ فَهِيَ مُعْتَبَرَةٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَالصَّلَاةِ وَوَاجِبَاتٌ عِنْدَنَا لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مِثْلِ الشَّيْءِ أَنْ يَكُونَ مُشَارِكًا لَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ مَعَ أَنَّ الْحَدِيثَ مِنَ الْآحَادِ وَهُوَ ظَنِّيٌّ لَا يَثْبُتُ بِهِ الْفَرْضِيَّةُ مَعَ الِاتِّفَاقِ أَنَّهُ يُعْفَى عَنِ النَّجَاسَةِ الَّتِي بالمطاف إذ شَقَّ اجْتِنَابُهَا لِأَنَّ فِي زَمَنِهِ ﵊ وَزَمَنِ أَصْحَابِهِ الْكِرَامِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ لَمْ تَزَلْ فِيهِ نَجَاسَةُ زَرْقِ الطُّيُورِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يَمْتَنِعْ أَحَدٌ مِنَ الطَّوَافِ بِهِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَلَا أَمَرَ مَنْ يُقْتَدَى بِهِ بِتَطْهِيرِ مَا هُنَالِكَ
(فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا بِخَيْرٍ) أَيْ مِنْ ذِكْرِ اللهِ وَإِفَادَةِ عِلْمٍ وَاسْتِفَادَتِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يُشَوِّشُ عَلَى الطَّائِفِينَ. تحفة٩٦٠
وفي رواية: (فَإِذَا طُفْتُمْ فَأَقِلُّوا الْكَلَامَ) أَيْ: فلا تكثروا فيه الكلام , وإن كان جائزا , لأن مماثلته بالصلاة تقتضي أن لا يُتكلم فيه أصلًا , كما لا يُتكلمُ فيها , فحيث أباح الله تعالى الكلام فيه رحمة بعباده , فلا أقل من أن لا يُكثروا فيه ذلك. ذخيرة٢٩٢٢
وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الطَّوَافُ عَلَى طَهَارَةٍ كَطَهَارَةِ الصَّلاةِ، وَفِيهِ خِلافٌ مَحَلُّهُ كِتَابُ الْحَجِّ. نيل الأوطار (٢٦٣)
فَوائِدُ الْحَدِيث:
منها ما ترجم له النسائي: باب إباحة الكلام في الطواف.
ومنها: بيان فضل الطواف , حيث أنه مثل الصلاة.
ومنها: أنه يُستحب فيه ذكر الله تعالى , فإن الصلاة كلها ذكر , ودعاء , وتضرع , فينبغي أن يكون الطواف في ذلك مثلها. ذخيرة٢٩٢٢ الحواشي
(١) (ك) ١٦٨٦ , (ت) ٩٦٠ , (س) ٢٩٢٢ , (حب) ٣٨٣٦ , صححه الألباني في الإرواء: ١٢١، وصَحِيح الْجَامِع: ٣٩٥٥، وصحيح موارد الظمآن: ٨٢٨(٢) (ن) ٣٩٤٥ , (حم) ١٥٤٦١، انظر صَحِيح الْجَامِع: ٣٩٥٦، الإرواء تحت حديث: ١٢١стр. 10815
(س) , وَعَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عُمَرَ: أَقِلُّوا الْكَلَامَ فِي الطَّوَافِ , فَإِنَّمَا أَنْتُمْ فِي الصَّلَاةِ. (١)
مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة:
جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ الطَّوَافِ لِلْمُحْدِثِ، سَوَاءٌ أَكَانَ الطَّوَافُ فَرْضًا , أَمْ وَاجِبًا , أَمْ نَفْلا، فِي نُسُكٍ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَيَعْتَبِرُونَ الطَّهَارَةَ شَرْطًا لِصِحَّةِ الطَّوَافِ، لأَنَّهُ فِي حُكْمِ الصَّلاةِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " الطَّوَافُ حَوْلَ الْبَيْتِ مِثْلُ الصَّلاةِ ".
وَالْحَنَفِيَّةُ فِي الصَّحِيحِ عِنْدَهُمْ عَدُّوا الطَّهَارَةَ فِي الطَّوَافِ مِنَ الْوَاجِبَاتِ،
وَبَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ عَلَى أَنَّهَا مِنَ السُّنَنِ. (٢)
قَالَ فِي الْبَدَائِعِ: فَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا جَازَ مَعَ النُّقْصَانِ، لأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ شَبِيهٌ بِالصَّلاةِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَيْسَ بِصَلاةٍ حَقِيقَةً، فَلِكَوْنِهِ طَوَافًا حَقِيقَةً يُحْكَمُ بِالْجَوَازِ، وَلِكَوْنِهِ شَبِيهًا بِالصَّلاةِ يُحْكَمُ بِالْكَرَاهَةِ. (٣) الحواشي
(١) (س) ٢٩٢٣ , والحديث صحيح موقوف , انفرد به المصنف , وهو لا يعارض المرفوع , فما سبق حديثُ النبي وهذا فتوى ابن عمر على أنه قد يُقال: إنه مرفوع حُكما , وإن لم يكن مرفوعا لفظًا , لأن مثله لا يُقال بالرأي كما قاله الحافظ العراقي في التثريب. ذخيرة٢٩٢٢(٢) بدائع الصنائع للكاساني ١/ ٣٤، وحاشية ابن عابدين ١/ ٦٠، ٢/ ١٤٩، وجواهر الإكليل ١/ ٢١، ١٧٣، ومغني المحتاج ١/ ٣٦، والمغني ٣/ ٣٧٧، وكشاف القناع ١/ ١٣٥.(٣) بدائع الصنائع للكاساني ١/ ٣٤стр. 10816
(خ م حم) , وَفِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ : قَالَ جَابِرٌ ﵁: (" دَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى عَائِشَةَ ﵂ فَوَجَدَهَا تَبْكِي , فَقَالَ: مَا شَأنُكِ؟ " قَالَتْ: شَأنِي أَنِّي قَدْ حِضْتُ) (١) (وَلَمْ أُهْلِلْ إِلَّا بِعُمْرَةٍ) (٢) (وَقَدْ حَلَّ النَّاسُ وَلَمْ أَحْلِلْ , وَلَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ) (٣) (وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ) (٤) (فَمُنِعْتُ الْعُمْرَةَ) (٥) (وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إِلَى الْحَجِّ الْآنَ) (٦) (لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنِّي لَمْ أَحُجَّ الْعَامَ) (٧) (قَالَ: " فلَا يَضِيرُكِ، إِنَّمَا أَنْتِ امْرَأَةٌ مِنْ بَنَاتِ آدَمَ، كَتَبَ اللهُ عَلَيْكِ مَا كَتَبَ عَلَيْهِنَّ) (٨) (فَاغْتَسِلِي) (٩) وَ (انْقُضِي رَأسَكِ (١٠) وَامْتَشِطِي (١١) وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ وَدَعِي الْعُمْرَةَ) (١٢) (وَاصْنَعِي مَا يَصْنَعُ الْحَاجُّ , غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا تُصَلِّي) (١٣) (حَتَّى تَطْهُرِي (١٤) ") (١٥) وفي رواية: (حَتَّى تَغْتَسِلِي) (١٦) (فَعَسَى اللهُ أَنْ يَرْزُقَكِيهَا) (١٧) الحواشي
(١) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٢) (خ) ٣١٣ , (م) ١١٢ -(٣) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٤) (خ) ١٤٨١(٥) (خ) ١٤٨٥ , (م) ١٢٣ -(٦) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٧) (خ) ٢٩٩ , (د) ١٧٧٨(٨) (خ) ١٤٨٥ , (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(٩) (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٩٨٥(١٠) النقض: فك الضفائر وإرخاء الشعر.(١١) قال الألباني: كنت أقول بأن فيه دليلا على وجوب نقض الشعر عند الغسل من الحيض خاصة، ثم اتضح لي أن غُسل عائشة لم يكن للتطهر من الحيض، وإلا لَمَا امتنعت عن أداء عمرتها. أ. هـ(١٢) (خ) ١٤٨١ , (م) ١٣٦ -(١٢١٣) , (د) ١٧٨٥ , (حم) ١٤٣٦٢(١٣) (د) ١٧٨٥ , (خ) ٢٩٩ , (ت) ٩٤٥ , (س) ٣٤٨(١٤) فيه رد على من أجاز طواف الحائض بالبيت للضرورة، وكذلك قوله ﷺ عَنْ صفية: " أحابستنا هي ".ع(١٥) (خ) ٢٩٩(١٦) (م) ١١٩ -(١٧) (خ) ١٤٨٥ , (م) ١٢٣ -стр. 10817
(م س) , وَفِي صِفَةِ حَجِّهِ ﷺ : قَالَ جَابِرٌ ﵁: (حَتَّى أَتَيْنَا ذَا الْحُلَيْفَةِ , وَلَدَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ , فَأَرْسَلَتْ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : كَيْفَ أَصْنَعُ؟ , فَقَالَ: " اغْتَسِلِي وَاسْتَثْفِرِي (١) بِثَوْبٍ وَأَحْرِمِي) (٢) (ثُمَّ تُهِلُّ بِالْحَجِّ وَتَصْنَعُ مَا يَصْنَعُ النَّاسُ , إِلَّا أَنَّهَا لَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ) (٣) الحواشي
(١) الاستثفار: هو أن تَشُدّ المرأة فرجها بخرقة عريضة بعد أن تَحْتَشي قُطْنا، وتُوثِقَ طرَفَيْها في شيء تَشُدّه على وسَطها، فتمنع بذلك سَيْل الدَّم.(٢) (م) ١٤٧ -(١٢١٨) , (د) ١٩٠٥ , (جة) ٣٠٧٤ , (حم) ١٤٤٨٠(٣) (س) ٢٦٦٤ , (جة) ٢٩١٢стр. 10818
(د) , وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " الْحَائِضُ وَالنُّفَسَاءُ إِذَا أَتَتَا عَلَى الْوَقْتِ , تَغْتَسِلَانِ وَتُحْرِمَانِ , وَتَقْضِيَانِ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ " (١)
الشَّرْح:
(عَلَى الْوَقْتِ) أَيِ: الْمِيقَاتِ. عون١٧٤٤ الحواشي
(١) (د) ١٧٤٤ , (ت) ٩٤٥ , (حم) ٣٤٣٥ , (طس) ٦٤٩٨ , انظر صَحِيح الْجَامِع: ٣١٦٦ , الصحيحة: ١٨١٨стр. 10819
الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ بِغَيْرِ وُضُوءٍ لِلْمُحْدِثِ حَدَثًا أَكْبَر (١)
قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ , وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا﴾ (٢) الحواشي
(١) إنما قلت (بغير وضوء) , لِما رواه (سعيد) عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: رَأَيْتُ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ يَجْلِسُونَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمْ مُجْنِبُونَ إذَا تَوَضَّئُوا وُضُوءَ الصَلَاةِ. أخرجه (سنن سعيد بن منصور) ح٦١٥ (وإسناده صحيح، انظر الثمر المستطاب ج١ ص٧٥٤)(٢) [النساء/٤٣]стр. 10820
(خ م ت س) , وَعَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ: (كُنَّا نَمْنَعُ عَوَاتِقَنَا) (١) (وَجَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ) (٢) (فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى) (٣) (فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟) (٤) (فِي كَذَا وَكَذَا؟ , قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي) (٥) (- وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ ﷺ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي - سَمِعْتُهُ يَقُولُ:) (٦) (" لِيَخْرُجْ الْعَوَاتِقُ وَذَوَاتُ الْخُدُورِ وَالْحُيَّضُ) (٧) (فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ) (٨) (وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى ") (٩) (فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ , هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟) (١٠) (قَالَ: " فَلْتُعِرْهَا أُخْتُهَا مِنْ جَلَابِيبِهَا) (١١) (وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ ") (١٢) (قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: الْحُيَّضُ؟ , فَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نَعَمْ , أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟) (١٣) .
الشَّرْح:
(عَوَاتِقَنَا) الْعَوَاتِقُ جَمْعُ عَاتِقٍ وَهِيَ مَنْ بَلَغَتِ الْحُلُمَ أَوْ قَارَبَتْ أَوِ اسْتَحَقَّتِ التَّزْوِيجَ أَوْ هِيَ الْكَرِيمَةُ عَلَى أَهْلِهَا أَوِ الَّتِي عَتَقَتْ عَنِ الِامْتِهَانِ فِي الْخُرُوجِ لِلْخِدْمَةِ وَكَأَنَّهُمْ كَانُوا يَمْنَعُونَ الْعَوَاتِقَ مِنَ الْخُرُوجِ لِمَا حَدَثَ بَعْدَ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَسَادِ وَلَمْ تُلَاحِظِ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ بَلْ رَأَتِ اسْتِمْرَارَ الْحُكْمِ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ . فتح٣٢٤
(وَجَوَارِيَنَا أَنْ يَخْرُجْنَ , فِي الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى , فَلَمَّا قَدِمَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ الْأَنْصَارِيَّةِ ﵂ سَأَلْتُهَا: أَسَمِعْتِ النَّبِيَّ ﷺ ؟ , فِي كَذَا وَكَذَا؟ , قَالَتْ: نَعَمْ بِأَبِي , وَكَانَتْ لَا تَذْكُرُهُ ﷺ إِلَّا قَالَتْ: بِأَبِي)
كَانَتْ أَيْ: أُمُّ عَطِيَّةَ لَا تَذْكُرُهُ أَيِ النَّبِيَّ ﷺ إِلَّا قَالَتْ بِأَبِي أَيْ هُوَ مُفَدًّى بِأَبِي. فتح٣٢٤
(ذَوَاتُ الْخُدُورِ) جَمْعُ خِدْرِ , وَهُوَ سِتْرٌ يَكُونُ فِي نَاحِيَةِ الْبَيْتِ تَقْعُدُ الْبِكْرُ وَرَاءَهُ , وَبَيْنَ الْعَاتِقِ وَالْبِكْرِ عُمُومٌ وَخُصُوصٌ وَجْهِيٌّ. فتح٣٢٤
(فَلْيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ , وَلْيَعْتَزِلِ الْحُيَّضُ الْمُصَلَّى) أَيْ: وَيَعْتَزِلُ الْحُيَّضُ عَنْ مُصَلَّى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَسْنَ بِحُيَّضٍ. فتح٣٥١
حَمَلَ الْجُمْهُورُ الْأَمْرَ الْمَذْكُورَ عَلَى النَّدْبِ لِأَنَّ الْمُصَلَّى لَيْسَ بِمَسْجِدٍ فَيَمْتَنِعُ الْحُيَّضُ مِنْ دُخُولِهِ.
وَأَغْرَبَ الْكِرْمَانِيُّ فَقَالَ الِاعْتِزَالُ وَاجِبٌ وَالْخُرُوجُ وَالشُّهُودُ مَنْدُوبٌ مَعَ كَوْنِهِ نَقَلَ عَنِ النَّوَوِيِّ تصويب عدم وُجُوبه.
وَقَالَ بن الْمُنِيرِ الْحِكْمَةُ فِي اعْتِزَالِهِنَّ أَنَّ فِي وُقُوفِهِنَّ وَهُنَّ لَا يُصَلِّينَ مَعَ الْمُصَلِّيَاتِ إِظْهَارَ اسْتِهَانَةٍ بِالْحَالِ فَاسْتُحِبَّ لَهُنَّ اجْتِنَابُ ذَلِكَ. فتح٣٢٤
قلت: في الحديث دليل واضح على حرمة دخول الحائض والنفساء إلى المساجد , فإذا كُنَّ مأمورات باعتزال المصلى , فالمسجد أولى بالاعتزال. ع
(فَقَالَتْ امْرَأَةٌ: يَا رَسُولَ اللهِ , هَلْ عَلَى إِحْدَانَا بَأسٌ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا جِلْبَابٌ أَنْ لَا تَخْرُجَ؟) (١٤)
(قَالَ: " فَلْتُعِرْهَا أُخْتُهَا مِنْ جَلَابِيبِهَا) الْمُرَادُ بِالْأُخْتِ الصَّاحِبَةُ. فتح الباري (٢/ ٤٦٩)
أَيْ: تُعِيرُهَا مِنْ ثِيَابِهَا مَا لَا تَحْتَاجُ إِلَيْهِ.
وَالْجِلْبَابِ: وَهُوَ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَبِمُوَحَّدَتَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ قِيلَ هُوَ الْمُقَنَّعَةُ أَوِ الْخِمَارُ أَوْ أَعْرَضُ مِنْهُ وَقِيلَ الثَّوْبُ الْوَاسِعُ يَكُونُ دُونَ الرِّدَاءِ وَقِيلَ الْإِزَارُ وَقِيلَ الْمِلْحَفَةُ وَقِيلَ الْمُلَاءَةُ وَقِيلَ الْقَمِيصُ. فتح٣٢٤
(وَلْتَشْهَدْ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُؤْمِنِينَ , قَالَتْ حَفْصَةُ: فَقُلْتُ لَهَا: الْحُيَّضُ؟) كَأَنَّهَا تَتَعَجَّبُ مِنْ ذَلِكَ. فتح٣٢٤
(فَقَالَتْ أُمُّ عَطِيَّةَ: نَعَمْ , أَلَيْسَ الْحَائِضُ تَشْهَدُ عَرَفَاتٍ؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟ , وَتَشْهَدُ كَذَا؟) أَيْ: وَمُزْدَلِفَةَ وَمِنًى , وَغَيْرَهُمَا. فتح٣٢٤
فَوائِدُ الْحَدِيث:
وَفِيهِ أَنَّ الْحَائِضَ لَا تَهْجُرُ ذِكْرَ اللَّهِ وَلَا مَوَاطِنَ الْخَيْرِ كَمَجَالِسِ الْعِلْمِ وَالذِّكْرِ سِوَى الْمَسَاجِدِ وَفِيهِ امْتِنَاعُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ بِغَيْرِ جِلْبَابٍ. فتح٣٢٤
وَفِيه جَوَازُ مُدَاوَاةِ الْمَرْأَةِ لِلرِّجَالِ الْأَجَانِبِ إِذَا كَانَتْ بِإِحْضَارِ الدَّوَاءِ مَثَلًا وَالْمُعَالَجَةُ بِغَيْرِ مُبَاشَرَةٍ , إِلَّا إِنِ احْتِيجَ إِلَيْهَا عِنْدَ أَمْنِ الْفِتْنَةِ.
وَفِيهِ أَنَّ مِنْ شَأنِ الْعَوَاتِقِ وَالْمُخَدَّرَاتِ عَدَمُ الْبُرُوزِ إِلَّا فِيمَا أُذِنَ لَهُنَّ فِيهِ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ إِعْدَادِ الْجِلْبَابِ لِلْمَرْأَةِ , وَمَشْرُوعِيَّةُ عَارِيَّةِ الثِّيَابِ.
وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ صَلَاةِ الْعِيدِ , وَفِيهِ نَظَرٌ , لِأَنَّ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ أُمِرَ بِذَلِكَ مَنْ لَيْسَ بِمُكَلَّفٍ , فَظَهَرَ أَنَّ الْقَصْدَ مِنْهُ إِظْهَارُ شِعَارِ الْإِسْلَامِ بِالْمُبَالَغَةِ فِي الِاجْتِمَاعِ , وَلِتَعُمَّ الْجَمِيعَ الْبَرَكَةُ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ.
وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى شُهُودِ الْعِيدَيْنِ , سَوَاءٌ كُنَّ شَوَابَّ أَمْ لَا , وَذَوَات هيآت أَمْ لَا , وَقَدِ اخْتَلَفَ فِيهِ السَّلَفُ. فتح٩٨١
قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي خُرُوجِ النِّسَاءِ إِلَى الْعِيدَيْنِ عَلَى أَقْوَالٍ إِحْدَاهَا أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَحَمَلُوا الْأَمْرَ فِيهِ عَلَى النَّدْبِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَامِدٍ مِنَ الْحَنَابِلَةِ وَالْجُرْجَانِيِّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ إِطْلَاقِ الشَّافِعِيِّ
وَالْقَوْلُ الثَّانِي التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ
قَالَ الْعِرَاقِيُّ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الشَّافِعِيَّةِ تَبَعًا لِنَصِّ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ
وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ أَنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ لَهُنَّ مُطْلَقًا وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْإِمَامِ أحمد فيما نقله عنه بن قُدَامَةَ وَالرَّابِعُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَدْ حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عن الثوري وبن الْمُبَارَكِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَحَكَاهُ بن قُدَامَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وروى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنِ النَّخَعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ لِلشَّابَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إِلَى الْعِيدِ
وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ أَنَّهُ حَقٌّ عَلَى النِّسَاءِ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدِ حَكَاهُ القاضي عياض عن أبي بكر وعلي وبن عمر
وقد روى بن أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا حَقٌّ عَلَى كُلِّ ذَاتِ نِطَاقٍ الْخُرُوجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ انْتَهَى
وَالْقَوْلُ بِكَرَاهَةِ الْخُرُوجِ عَلَى الْإِطْلَاقِ رَدٌّ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِالْآرَاءِ الْفَاسِدَةِ وَتَخْصِيصُ الثَّوَابِ يَأبَاهُ صَرِيحُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَغَيْرُهُ انْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ. تحفة٥٣٩
قال الحافظ: قَوْلُهُ حَقٌّ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَيَحْتَمِلُ تَأَكُّدَ الِاسْتِحْبَابِ , روى بن أبي شيبَة أَيْضا عَن بن عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُخْرِجُ إِلَى الْعِيدَيْنِ مَنِ اسْتَطَاعَ مِنْ أَهْلِهِ وَهَذَا لَيْسَ صَرِيحًا فِي الْوُجُوب أَيْضا , بل قد روى عَن بن عُمَرَ الْمَنْعُ , فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى حَالَيْنِ.
نَصُّ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُم يقتضى اسْتِثْنَاء ذَوَات الهيآت , قَالَ: وَأُحِبُّ شُهُودَ الْعَجَائِزِ وَغَيْرِ ذَوَاتِ الْهَيْئَةِ الصَّلَاةَ , وَإِنَّا لِشُهُودِهِنَّ الْأَعْيَادَ أَشَدُّ اسْتِحْبَابًا ..
ورَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنِ الرَّبِيعِ قَالَ قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ رُوِيَ حَدِيثٌ فِيهِ أَنَّ النِّسَاءَ يُتْرَكْنَ إِلَى الْعِيدَيْنِ فَإِنْ كَانَ ثَابِتًا قُلْتُ بِهِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَدْ ثَبَتَ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ يَعْنِي حَدِيثَ أُمِّ عَطِيَّةَ هَذَا , فَيَلْزَمُ الشَّافِعِيَّةَ الْقَوْلُ بِهِ وَنَقله بن الرِّفْعَةِ عَنِ الْبَنْدَنِيجِيِّ , وَقَالَ إِنَّهُ ظَاهِرُ كَلَامِ التَّنْبِيهِ.
وَقَدِ ادَّعَى بَعْضُهُمُ النَّسْخَ فِيهِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَأَمْرُهُ ﵇ بِخُرُوجِ الْحُيَّضِ وَذَوَاتِ الْخُدُورِ إِلَى الْعِيدِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمُونَ قَلِيلٌ فَأُرِيدَ التَّكْثِيرُ بِحُضُورِهِنَّ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ وَأَمَّا الْيَوْمُ فَلَا يُحْتَاجُ إِلَى ذَلِكَ.
وَتُعُقِّبَ بِأَنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ , قَالَ الْكِرْمَانِيُّ: تَارِيخُ الْوَقْتِ لَا يُعْرَفُ.
قُلْتُ: بل هُوَ مَعْرُوف بِدلَالَة حَدِيث بن عَبَّاسٍ أَنَّهُ شَهِدَهُ وَهُوَ صَغِيرٌ وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَمْ يَتِمَّ مُرَادُ الطَّحَاوِيِّ , وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أُمِّ عَطِيَّةَ بِعِلَّةِ الْحُكْمِ وَهُوَ شُهُودُهُنَّ الْخَيْرَ وَدَعْوَةُ الْمُسْلِمِينَ وَرَجَاءُ بَرَكَةِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَطُهْرَتِهِ وَقَدْ أَفْتَتْ بِهِ أُمُّ عَطِيَّةَ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ بِمُدَّةٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ , وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ مُخَالَفَتُهَا فِي ذَلِكَ.
وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ لَوْ رَأَى النَّبِيُّ ﷺ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسَاجِدَ فَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ لِنُدُورِهِ إِنْ سَلَّمْنَا أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّهَا أَفْتَتْ بِخِلَافِهِ , مَعَ أَنَّ الدَّلَالَةَ مِنْهُ بِأَنَّ عَائِشَةَ أَفْتَتْ بِالْمَنْعِ لَيْسَتْ صَرِيحَةً. فتح٩٨١
قال صاحب التحفة: وَرُدَّ بِأَنَّهُ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ تَغَيُّرُ الْحُكْمِ لِأَنَّهَا عَلَّقَتْهُ عَلَى شَرْطٍ لَمْ يُوجَدْ بِنَاءً عَلَى ظَنٍّ ظَنَّتْهُ فَقَالَتْ لَوْ رَأَى لَمَنَعَ فَيُقَالُ عَلَيْهِ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَمْنَعْ فَاسْتَمَرَّ الْحُكْمُ حَتَّى إِنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُصَرِّحْ بِالْمَنْعِ وَإِنْ كَانَ كَلَامُهَا يُشْعِرُ بِأَنَّهَا كَانَتْ تَرَى الْمَنْعَ
وَأَيْضًا فَقَدْ عَلِمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا سَيُحْدِثْنَ فَمَا أَوْحَى إِلَى نَبِيِّهِ بِمَنْعِهِنَّ وَلَوْ كَانَ مَا أَحْدَثْنَ يَسْتَلْزِمُ مَنْعَهُنَّ مِنَ الْمَسَاجِدِ لَكَانَ مَنْعُهُنَّ مِنْ غَيْرِهَا كَالْأَسْوَاقِ أَوْلَى , وَأَيْضًا فَالْإِحْدَاثُ إِنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ النِّسَاءِ لَا مِنْ جَمِيعِهِنَّ فَإِنْ تَعَيَّنَ الْمَنْعُ فَلْيَكُنْ لِمَنْ أَحْدَثَتْ قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ وَقَالَ فِيهِ وَالْأَوْلَى أَنْ يُنْظَرَ إِلَى مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ فَيُجْتَنَبَ لِإِشَارَتِهِ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِمَنْعِ التَّطَيُّبِ وَالزِّينَةِ وَكَذَلِكَ التَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ. تحفة٥٣٩
وَفِي قَوْلِهِ إِرْهَابًا لِلْعَدُوِّ نَظَرٌ لِأَنَّ الِاسْتِنْصَارَ بِالنِّسَاءِ وَالتَّكَثُّرَ بِهِنَّ فِي الْحَرْبِ دَالٌّ عَلَى الضَّعْفِ , وَالْأَوْلَى أَنْ يُخَصَّ ذَلِكَ بِمَنْ يُؤْمَنُ عَلَيْهَا وَبِهَا الْفِتْنَةُ , وَلَا يَتَرَتَّبُ عَلَى حُضُورِهَا مَحْذُورٌ , وَلَا تُزَاحِمُ الرِّجَالَ فِي الطُّرُقِ , وَلَا فِي الْمَجَامِعِ. فتح٩٨١
قال الترمذي: (وَيُرْوَى عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ الْيَوْمَ الْخُرُوجَ لِلنِّسَاءِ إِلَى الْعِيدِ) وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ فِي حَقِّ الشَّوَابِّ , وأما العجائز فقد جوز الشيخ بن الهمام وغيره خروجهن إلى العيد
قال بن الْهُمَامِ وَتَخْرُجُ الْعَجَائِزُ لِلْعِيدِ لَا الشَّوَابُّ انْتَهَى
قال القارىء في المرقاة بعد نقل كلام بن الْهُمَامِ هَذَا مَا لَفْظُهُ وَهُوَ قَوْلٌ عَدْلٌ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يُقَيَّدَ بِأَنْ تَكُونَ غَيْرَ مُشْتَهَاةٍ فِي ثِيَابٍ بِذْلَةٍ بِإِذْنِ حَلِيلِهَا مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْمَفْسَدَةِ بِأَنْ لَا يَخْتَلِطْنَ بِالرِّجَالِ أَوْ يَكُنَّ خَالِيَاتٍ مِنَ الْحُلِيِّ وَالْحُلَلِ وَالْبَخُورِ وَالشُّمُومِ وَالتَّبَخْتُرِ وَالتَّكَشُّفِ وَنَحْوِهَا مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ مِنَ الْمَفَاسِدِ
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مُلَازِمَاتُ الْبُيُوتِ لَا يَخْرُجْنَ انْتَهَى
قُلْتُ: لَا دَلِيلَ عَلَى مَنْعِ الْخُرُوجِ إِلَى الْعِيدِ لِلشَّوَابِّ مَعَ الْأَمْنِ مِنَ الْمَفَاسِدِ مِمَّا أَحْدَثْنَ فِي هَذَا الزَّمَانِ بَلْ هُوَ مَشْرُوعٌ لَهُنَّ وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ كَمَا عَرَفْتَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. تحفة٥٣٩
قَوْلُهَا فِي الْحَيْضِ يُكَبِّرْنَ مَعَ النِّسَاءِ فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْحَائِضِ وَالْجُنُبِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ عَلَيْهَا الْقُرْآنُ وَقَوْلُهَا يُكَبِّرْنَ مَعَ النَّاسِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْبِيرِ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي الْعِيدَيْنِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا يُسْتَحَبُّ التَّكْبِيرُ لَيْلَتَيِ الْعِيدَيْنِ وَحَالَ الْخُرُوجِ إِلَى الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي التَّكْبِيرُ فِي الْعِيدَيْنِ أَرْبَعَةُ مَوَاطِنَ فِي السَّعْيِ إِلَى الصَّلَاةِ إِلَى حِينَ يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَالتَّكْبِيرُ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْخُطْبَةِ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ أَمَّا الْأَوَّلُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَاسْتَحَبَّهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الصَّحَابَةِ وَالسَّلَفِ فَكَانُوا يُكَبِّرُونَ إِذَا خَرَجُوا حَتَّى يَبْلُغُوا الْمُصَلَّى يَرْفَعُونَ أَصْوَاتَهُمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَزَادَ اسْتِحْبَابُهُ لَيْلَةَ الْعِيدَيْنِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُكَبِّرُ فِي الْخُرُوجِ لِلْأَضْحَى دُونَ الْفِطْرِ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَأَمَّا التَّكْبِيرُ بِتَكْبِيرِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ فَمَالِكٌ يَرَاهُ وَغَيْرُهُ يَأبَاهُ. النووي (١٠ - (٨٩٠)
وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى حُضُورِ الْعِيدِ لِكُلِّ أَحَدٍ. النووي (١٠ - (٨٩٠)
قَوْلُهَا وَيَشْهَدْنَ الْخَيْرَ وَدَعْوَةَ الْمُسْلِمِينَ فِيهِ اسْتِحْبَابُ حُضُورِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ وَدُعَاءِ الْمُسْلِمِينَ وَحِلَقِ الذِّكْرِ وَالْعِلْمِ وَنَحْوِ ذلك. النووي (١٠ - (٨٩٠) الحواشي
(١) (خ) ٣١٨(٢) (خ) ٩٣٧(٣) (م) ١٢ -(٤) (خ) ٣١٨(٥) (خ) ٩٣٧(٦) (خ) ٣١٨ , (س) ٣٩٠(٧) (خ) ٩٣٧ , (م) ١٢ -(٨) (خ) ٣١٨ , (م) ١٢ -(٩) (س) ١٥٥٨ , (خ) ٩٣٧ , (م) ١٢ -(٨٩٠) , (ت) ٥٣٩(١٠) (خ) ١٥٦٩(١١) (ت) ٥٣٩ , (خ) ١٥٦٩ , (م) ١٢ -(٨٩٠) , (د) ١١٣٦(١٢) (خ) ١٥٦٩(١٣) (خ) ٩٣٧ , (حم) ٢٠٨٠٨(١٤) (خ) ١٥٦٩следующие страницы →