← Книги сунны

Книги сунны · id 13251

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد

صهيب عبد الجبار

Полный текст (18 585 стр.). Показаны 10921–10960 · переход к 10926.

стр. 10921

مِنَ الْمُتَّصِل بِالْحَيَوَانِ النَّجِس: الرِّيش قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٥٦: وَقَالَ حَمَّادٌ: «لَا بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ» الشَّرْح: حَمَّادٌ: هُوَ بن أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ. فتح (١/ ٣٤٣) (لَا بَأسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) أَيْ: لَيْسَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ المَاء بملاقاته سَوَاء كَانَ ريش مَأكُول أوغيره وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. فتح (١/ ٣٤٣) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الرِّيشَ يُوَافِقُ الشَّعْرَ فِي أَحْكَامِهِ، وَمَقِيسٌ عَلَيْهِ، وَاتَّفَقُوا عَلَى طَهَارَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأكُولِ حَالَ حَيَاتِهِ إِذَا كَانَ مُتَّصِلا بِالطَّيْرِ، أَمَّا إِذَا نُتِفَ أَوْ تَسَاقَطَ فَيَرَى الْجُمْهُورُ - أَيْضًا - طَهَارَتَهُ، أَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَيَرَوْنَ أَنَّ الطَّاهِرَ مِنْهُ هُوَ الزَّغَبُ، وَهُوَ مَا يُحِيطُ بِقَصَبِ الرِّيشِ، أَمَّا الْقَصَبُ فَنَجِسٌ، وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ فِي رِوَايَةٍ أَنَّ الرِّيشَ الْمُتَسَاقِطَ وَالْمَنْتُوفَ نَجِسٌ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ " وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَيْهَا، وَلَوْ قُصِرَ الانْتِفَاعُ عَلَى مَا يَكُونُ عَلَى الْمُذَكَّى لَضَاعَ مُعْظَمُ الشُّعُورِ وَالأَصْوَافِ، قَالَ بَعْضُهُمْ: وَهَذَا. أَحَدُ مَوْضِعَيْنِ خُصِّصَتِ السُّنَّةُ فِيهِمَا بِالْكِتَابِ، فَإِنَّ عُمُومَ قَوْلِهِ ﷺ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ ". خُصَّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا﴾. الآيَةَ. وَمَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ - فِي الْجُمْلَةِ - طَهَارَةُ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأكُولِ إِذَا مَاتَ. (١) وَلَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ: قَالَ صَاحِبُ الاخْتِيَارِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ: شَعْرُ الْمَيْتَةِ وَعَظْمُهَا طَاهِرٌ، لأَنَّ الْحَيَاةَ لا يُحِلُّهُمَا، حَتَّى لا يَتَأَلَّمَ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِمَا، فَلا يُحِلُّهُمَا الْمَوْتُ، وَهُوَ الْمُنَجِّسُ، وَكَذَلِكَ الْعَصَبُ وَالْحَافِرُ وَالْخُفُّ وَالظِّلْفُ وَالْقَرْنُ وَالصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالرِّيشُ وَالسِّنُّ وَالْمِنْقَارُ وَالْمِخْلَبُ لِمَا ذَكَرْنَا، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ امْتَنَّ بِهَا عَلَيْنَا مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمَأخُوذِ مِنَ الْحَيِّ أَوِ الْمَيِّتِ. (٢) وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ ﷺ " فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ: ﵂ إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا " وَفِي رِوَايَةٍ " لَحْمُهَا " فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَا عَدَا اللَّحْمَ لا يَحْرُمُ، فَدَخَلَتِ الأَجْزَاءُ الْمَذْكُورَةُ، وَفِيهَا أَحَادِيثُ أُخَرُ صَرِيحَةٌ؛ وَلأَنَّ الْمَعْهُودَ فِيهَا قَبْلَ الْمَوْتِ الطَّهَارَةُ فَكَذَا بَعْدَهُ؛ لأَنَّهُ لا يُحِلُّهَا. (٣) وَقَيَّدَهَا فِي الدُّرِّ الْمُخْتَارِ: بِأَنْ تَكُونَ خَالِيَةً مِنَ الدُّسُومَةِ. (٤) وَمَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِرِيشِ الْمَيْتَةِ كَمَذْهَبِهِمْ بِالنِّسْبَةِ لِلرِّيشِ الْمَنْتُوفِ وَالْمُنْفَصِلِ، وَهُوَ أَنَّ الزَّغَبَ طَاهِرٌ دُونَ الْقَصَبِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ مَشْرُوطٌ بِجَزِّ الزَّغَبِ وَلَوْ بَعْدَ نَتْفِ الرِّيشِ، وَيُسْتَحَبُّ غَسْلُهُ بَعْدَ جَزِّهِ. (٥) وَكَذَا الْحَنَابِلَةُ يُوَافِقُونَ الْجُمْهُورَ فِي طَهَارَةِ رِيشِ الْمَيْتَةِ، غَيْرَ أَنَّهُمْ يَسْتَثْنُونَ مِنْ ذَلِكَ أُصُولَ الرِّيشِ إِذَا نُتِفَ سَوَاءٌ أَكَانَ رَطْبًا أَمْ يَابِسًا؛ لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ، أَشْبَهَ سَائِرَهَا؛ وَلأَنَّ أُصُولَ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ، لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَعْرًا وَلا رِيشًا. (٦) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ أَنَّ أَصْلَ الرِّيشِ إِذَا كَانَ رَطْبًا، وَنُتِفَ مِنَ الْمَيْتَةِ، فَهُوَ نَجِسٌ؛ لأَنَّهُ رَطْبٌ فِي مَحَلٍّ نَجِسٍ، وَهَلْ يَكُونُ طَاهِرًا بَعْدَ غَسْلِهِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ طَاهِرٌ كَرُءُوسِ الشَّعْرِ إِذَا تَنَجَّسَ. وَالثَّانِي: أَنَّهُ نَجِسٌ لأَنَّهُ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَعْرًا وَلا رِيشًا (٧) وَهُوَ الْمُعْتَمَدُ كَمَا سَبَقَ. وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ - فِي الصَّحِيحِ - أَنَّ رِيشَ الْمَيْتَةِ نَجِسٌ، لأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَنَجُسَ بِالْمَوْتِ كَالأَعْضَاءِ، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وَهَذَا عَامٌّ يَشْمَلُ الشَّعْرَ وَالرِّيشَ وَغَيْرَهُمَا. وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنَ السَّلَفِ إِلَى أَنَّ الرِّيشَ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ، وَلَكِنَّهُ يَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَاسْتَدَلُّوا بِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ: " لا بَأسَ بِمَسْكِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَ، وَلا بَأسَ بِصُوفِهَا وَشَعْرِهَا وَقُرُونِهَا إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ ". (٨) أَمَّا الطَّيْرُ غَيْرُ الْمَأكُولِ فَمَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فِي رِيشِهِ كَمَذْهَبِهِمْ فِي رِيشِ الطَّيْرِ الْمَأكُولِ أَنَّهُ طَاهِرٌ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى نَجَاسَةِ رِيشِ الطَّيْرِ الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمَأكُولِ، إِلا أَنَّ الْحَنَابِلَةَ لَهُمْ تَفْصِيلٌ فِي ذَلِكَ. قَالَ فِي الْمُغْنِي: وَكُلُّ حَيَوَانٍ فَشَعْرُهُ - أَيْ وَرِيشُهُ - مِثْلُ بَقِيَّةِ أَجْزَائِهِ، مَا كَانَ طَاهِرًا فَشَعْرُهُ وَرِيشُهُ طَاهِرٌ، وَمَا كَانَ نَجِسًا فَشَعْرُهُ - رِيشُهُ - كَذَلِكَ، وَلا فَرْقَ فِي حَالَةِ الْحَيَاةِ وَحَالَةِ الْمَوْتِ، إِلا أَنَّ الْحَيَوَانَاتِ الَّتِي حَكَمْنَا بِطَهَارَتِهَا لِمَشَقَّةِ الاحْتِرَازِ مِنْهَا، كَالسِّنَّوْرِ وَمَا دُونَهُ فِي الْخِلْقَةِ، فِيهَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَجْهَانِ: أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا نَجِسَةٌ، لأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً مَعَ وُجُودِ عِلَّةِ التَّنْجِيسِ لِمُعَارِضٍ، وَهُوَ الْحَاجَةُ إِلَى الْعَفْوِ عَنْهَا لِلْمَشَقَّةِ، وَقَدِ انْتَفَتِ الْحَاجَةُ، فَتَنْتَفِي الطَّهَارَةُ. وَالثَّانِي: هِيَ طَاهِرَةٌ، وَهَذَا أَصَحُّ؛ لأَنَّهَا كَانَتْ طَاهِرَةً فِي الْحَيَاةِ، وَالْمَوْتُ لا يَقْتَضِي تَنْجِيسَهَا، فَتَبْقَى الطَّهَارَةُ. (٩)

стр. 10922

الْخَارِج مِنْ اَلْحَيَوَان النَّجِس اللَّبَن إِنْ خَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ حَيَوَانٍ حَيٍّ فَهُوَ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ فِي إِبَاحَةِ التَّنَاوُلِ وَكَرَاهَتِهِ وَتَحْرِيمِهِ. وَيُسْتَثْنَى مِنَ الْمُحَرَّمِ: الآدَمِيِّ، فَلَبَنُهُ مُبَاحٌ، وَإِنْ كَانَ لَحْمُهُ مُحَرَّمًا، لأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِلتَّكْرِيمِ لا لِلاسْتِخْبَاثِ. وَعَلَى هَذَا اتَّفَقَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ. وَاسْتَثْنَى الْحَنَفِيَّةُ مِنَ الْمُحَرَّمِ أَوِ الْمَكْرُوهِ الْخَيْلُ، بِنَاءً عَلَى مَا نُقِلَ عَنِ الإِمَامِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ، فَفِي لَبَنِهَا عَلَى هَذَا رَأيَانِ: (أَحَدُهُمَا) أَنَّهُ تَابِعٌ لِلَّحْمِ فَيَكُونُ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا. (وَثَانِيهِمَا): - وَهُوَ الصَّحِيحُ - أَنَّهُ مُبَاحٌ، لأَنَّ تَحْرِيمَ الْخَيْلِ أَوْ كَرَاهَتَهَا لِكَوْنِهَا آلَةَ الْجِهَادِ لا لاسْتِخْبَاثِ لَحْمِهَا، وَاللَّبَنُ لَيْسَ آلَةَ الْجِهَادِ. وَنُقِلَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَالزُّهْرِيِّ أَنَّهُمْ رَخَّصُوا فِي لَبَنِ الْحُمُرِ الأَهْلِيَّةِ. وَإِنْ خَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ حَيَوَانٍ مَأكُولٍ بَعْدَ تَذْكِيَتِهِ فَهُوَ مَأكُولٌ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ. وَإِنْ خَرَجَ مِنْ آدَمِيَّةٍ مَيِّتَةٍ فَهُوَ مَأكُولٌ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الآدَمِيَّ لا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ. (١) وَكَذَا أَيْضًا عِنْدَ بَعْضِ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ كَأَبِي حَنِيفَةَ، فَإِنَّهُ مَعَ قَوْلِهِ بِنَجَاسَةِ الآدَمِيِّ الْمَيِّتِ يَقُولُ: إِنَّ لَبَنَ الْمَرْأَةِ الْمَيْتَةِ طَاهِرٌ مَأكُولٌ، خِلافًا لِلصَّاحِبَيْنِ. وَإِنْ خَرَجَ اللَّبَنُ مِنْ مَيِّتَةِ الْمَأكُولِ، كَالنَّعْجَةِ مَثَلا، فَهُوَ طَاهِرٌ مَأكُولٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ. وَيَرَى صَاحِبَاهُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ حَرَامٌ لِتَنَجُّسِهِ بِنَجَاسَةِ الْوِعَاءِ، وَهُوَ ضَرْعُ الْمَيْتَةِ الَّذِي تَنَجَّسَ بِالْمَوْتِ. وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِطَهَارَتِهِ وَإِبَاحَتِهِ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةٌ نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. (٢) وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ خَالِصًا فَلا يَتَنَجَّسُ بِنَجَاسَةِ مَجْرَاهُ، وَوَصَفَهُ بِكَوْنِهِ سَائِغًا وَهَذَا يَقْتَضِي الْحِلَّ، وَامْتَنَّ عَلَيْنَا بِهِ، وَالْمِنَّةُ بِالْحَلالِ لا بِالْحَرَامِ. (٣)

стр. 10923

مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: اللُّعَاب التاج والإكليل (دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى-١٤١٦هـ-١٩٩٤م) ج١ ص١٢٩: قال ابْنُ عَرَفَةَ: الدَّمْعُ وَالْعَرَقُ وَالْبُصَاقُ وَالْمُخَاطُ كَلَحْمِهِ قَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ: لا بَأسَ بِلُعَابِ الْكَلْبِ يُؤْكَلُ صَيْدُهُ فَكَيْفَ يُكْرَهُ لُعَابُهُ البحر الرائق (دار الكتاب الإسلامي-الطبعة الثانية-د. ت) ج١ ص١٢٢ - ١٢٤: وَإِنْ كَانَ مِمَّا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالطُّيُورِ فَفِيهِ اخْتِلافُ الْمَشَايِخِ وَالأَصَحُّ عَدَمُ التَّجْنِيسِ وَكَذَلِكَ فِي الْحِمَارِ وَالْبَغْلِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لا يَصِيرُ الْمَاءُ مَشْكُوكًا فِيهِ وَقِيلَ يُنْزَحُ مَاءُ الْبِئْرِ كُلُّهُ، وَإِنْ وَصَلَ لُعَابُهُ فَحُكْمُ الْمَاءِ حُكْمه فَيَجِبُ نَزْحُ الْجَمِيعِ إذَا وَصَلَ لُعَابُ الْبَغْلِ أَوْ الْحِمَارِ إلَى الْمَاءِ كَذَا فِي فَتَاوَى قَاضِي خان وَغَيْرِهِمَا لَكِنَّ فِي الْمُحِيطِ، وَلَوْ وَقَعَ سُؤْرُ الْحِمَارِ فِي الْمَاءِ يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ مَا لَمْ يَغْلِبْ عَلَيْهِ؛ لأَنَّهُ طَاهِرٌ غَيْرُ طَهُورٍ كَالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ اهـ. المجموع (مكتبة الإرشاد-السعودية- ومكتبة المطيعي-د. ط-د. ت) ج١ ص٢٥٠: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ: لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ شَيْءٌ مِنْ لُعَابِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَعَرَقِهَا جَازَتْ صَلاتُهُ فِيهِ قَالَ لأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لا تَزَالُ تَتَمَرَّغُ فِي الأَمْكِنَةِ النَّجِسَةِ وَتَحُكُّ بِأَفْوَاهِهَا قَوَائِمُهَا الَّتِي لا تَخْلُو مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّا لا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ عَرَقِهَا وَلُعَابِهَا لأَنَّهَا تَخُوضُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ وَتَكْرَعُ فِيهِ كَثِيرًا فَغَلَّبْنَا أَصْلَ الطَّهَارَةِ فِي لُعَابِهَا وَعَرَقِهَا قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الأَسْفَارِ وَلا يَكَادُ يَنْفَكُّ الرَّاكِبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ عَرَقِهَا أَوْ لُعَابِهَا وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي ثِيَابِهِمْ الَّتِي رَكِبُوا فِيهَا، وَلَمْ يُعِدُّوا ثَوْبَيْنِ ثَوْبًا لِلرُّكُوبِ وَثَوْبًا لِلصَّلاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. المغني (مكتبة القاهرة-د. ط -١٣٨٨هـ ١٩٦٨م) ج١ ص٣٩: كُلُّ حَيَوَانٍ حُكْمُ جِلْدِهِ وَشَعْرِهِ وَعَرَقِهِ وَدَمْعِهِ وَلُعَابِهِ حُكْمُ سُؤْرِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ؛ لأَنَّ السُّؤْرَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْجُسُ لِمُلاقَاتِهِ لُعَابَ الْحَيَوَانِ وَجِسْمَهُ، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا، وَإِذَا كَانَ نَجِسًا كَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا. المحلى (دار الكتب العلمية-بيروت-د. ط-د. ت) ج١ ص١٣٧ - ١٣٨: وَلُعَابُ كُلِّ مَا لا يَحِلُّ أَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ طَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَأرٍ، حَاشَا الضَّبُعَ فَقَطْ، وَعَرَقُ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَدَمْعُهُ - حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ.

стр. 10924

غَائِطُ وَبَوْلُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ مَأكُولِ اللَّحْم (خ جة خز) , عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَائِطَ , فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " , فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ , وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ , فَأَخَذْتُ رَوْثَةً وفي رواية: (رَوْثَةَ حِمَارٍ) (١) فَأَتَيْتُهُ بِهَا , " فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ (٢) " (٣) وفي رواية: (" هِيَ رِجْسٌ ") (٤) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ وَرَوْثِ الْحَيَوَانِ، سَوَاءٌ أَكَانَ مِمَّا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَمْ لا، وَمِنَ الْحَيَوَانِ: الْبُدْنُ. لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ " أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا، أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ " وَالرِّكْسُ: النَّجَسُ. وَأَمَّا نَجَاسَةُ الْبَوْلِ فَلِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : " تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ " حَيْثُ يَدْخُلُ فِيهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الأَبْوَالِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: بِتَغْلِيظِ نَجَاسَةِ الأَرْوَاثِ لِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الرَّوْثَةِ: " إِنَّهَا رِكْسٌ " أَيْ نَجَسٌ، وَلا اعْتِبَارَ عِنْدَهُ بِالْبَلْوَى فِي مَوْضِعِ النَّصِّ. (٥) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى طَهَارَةِ بَوْلِ وَرَوْثِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، لأَنَّهُ " ﷺ أَمَرَ الْعُرَنِيِّينَ أَنْ يَلْحَقُوا بِإِبِلِ الصَّدَقَةِ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا " وَالنَّجَسُ لا يُبَاحُ شُرْبُهُ، وَلأَنَّهُ " ﷺ كَانَ يُصَلِّي فِي مَرَابِضِ الْغَنَمِ، وَأَمَرَ بِالصَّلاةِ فِيهَا ". (٦) وَقَدْ صَرَّحَ الْمَالِكِيَّةُ بِنَجَاسَةِ رَوْثِ مَكْرُوهِ الأَكْلِ كَمُحَرَّمِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْتَعْمِلِ النَّجَاسَةَ. (٧) وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ، فَإِذَا أَصَابَ الْخُفَّ شَيْءٌ مِنْ رَوْثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا فَإِنَّهُ يُعْفَى عَنْهُ إِنْ دُلِكَ بِتُرَابٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ نَحْوِهِ حَتَّى زَالَتِ الْعَيْنُ، وَكَذَا إِنْ جَفَّتِ النَّجَاسَةُ بِحَيْثُ لَمْ يَبْقَ شَيْءٌ يُخْرِجُهُ الْغُسْلُ سِوَى الْحُكْمِ. وَقَيَّدَ بَعْضُهُمُ الْعَفْوَ بِأَنْ تَكُونَ إِصَابَةُ الْخُفِّ أَوِ النَّعْلِ بِالنَّجَاسَةِ بِمَوْضِعٍ يَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا - كَالطُّرُقِ - لِمَشَقَّةِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ. قَالَ الدُّسُوقِيُّ نَقْلا عَنِ الْبُنَانِيِّ: وَهَذَا الْقَيْدُ نَقَلَهُ فِي التَّوْضِيحِ، وَالظَّاهِرُ اعْتِبَارُهُ، وَفِي كَلامِ ابْنِ الْحَاجِبِ إِشَارَةٌ إِلَيْهِ لِتَعْلِيلِهِ بِالْمَشَقَّةِ، كَمَا ذَكَرَ خَلِيلٌ أَنَّ الْعَفْوَ إِنَّمَا هُوَ لِعُسْرِ الاحْتِرَازِ، وَعَلَى هَذَا فَلا يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ الْخُفَّ وَالنَّعْلَ مِنْ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ بِمَوْضِعٍ لا تَطْرُقُهُ الدَّوَابُّ كَثِيرًا وَلَوْ دَلْكًا. وَإِنْ أَصَابَ الْخُفَّ أَوِ النَّعْلَ شَيْءٌ مِنَ النَّجَاسَاتِ غَيْرِ أَرْوَاثِ الدَّوَابِّ وَأَبْوَالِهَا، كَخُرْءِ الْكِلابِ أَوْ فَضْلَةِ الآدَمِيِّ أَوْ دَمٍ، فَإِنَّهُ لا يُعْفَى عَنْهُ، وَلا بُدَّ مِنْ غَسْلِهِ. قَالَ الْحَطَّابُ نَقْلا عَنِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ: وَالْعِلَّةُ نُدُورُ ذَلِكَ فِي الطُّرُقَاتِ، فَإِنْ كَثُرَ ذَلِكَ فِيهَا صَارَ كَرَوْثِ الدَّوَابِّ. (٨) اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي بَوْلِ الْفَأرَةِ وَخُرْئِهَا، فَفِي الْخَانِيَّةِ: إِنَّ بَوْلَ الْهِرَّةِ وَالْفَأرَةِ وَخُرْءَهَا نَجِسٌ فِي أَظْهَرِ الرِّوَايَاتِ، يُفْسِدُ الْمَاءَ وَالثَّوْبَ، وَلَوْ طُحِنَ بَعْرُ الْفَأرَةِ مَعَ الْحِنْطَةِ وَلَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ يُعْفَى عَنْهُ لِلضَّرُورَةِ. وَقَالَ الْحَصْكَفِيُّ: بَوْلُ الْفَأرَةِ طَاهِرٌ لِتَعَذُّرِ التَّحَرُّزِ عَنْهُ، وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى. وَخُرْؤُهَا لا يُفْسِدُ مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُهُ، وَفِي الْحُجَّةِ: الصَّحِيحُ أَنَّهُ نَجِسٌ. وَقَالَ ابْنُ عَابِدِينَ: وَالْحَاصِلُ أَنَّ ظَاهِرَ الرِّوَايَةِ نَجَاسَةُ الْكُلِّ، لَكِنَّ الضَّرُورَةَ مُتَحَقَّقَةٌ فِي بَوْلِ الْهِرَّةِ فِي غَيْرِ الْمَائِعَاتِ، كَالثِّيَابِ، وَكَذَا فِي خُرْءِ الْفَأرَةِ فِي نَحْوِ الْحِنْطَةِ، دُونَ الثِّيَابِ وَالْمَائِعَاتِ، وَأَمَّا بَوْلُ الْفَأرَةِ فَالضَّرُورَةُ فِيهِ غَيْرُ مُتَحَقَّقَةٍ. (٩) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ بَوْلَ الْحَيَوَانِ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ نَجِسٌ وَكَذَلِكَ رَوْثُهُ، وَكَذَا ذَرْقُ الطَّيْرِ، لِمَا وَرَدَ " أَنَّهُ ﷺ لَمَّا جِيءَ لَهُ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ لِيَسْتَنْجِيَ بِهَا أَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَرَدَّ الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ "، وَالرِّكْسُ النَّجَسُ. وَأَمَّا أَمْرُهُ ﷺ الْعُرَنِيِّينَ بِشُرْبِ أَبْوَالِ الإِبِلِ فَكَانَ لِلتَّدَاوِي، وَالتَّدَاوِي بِالنَّجِسِ جَائِزٌ عِنْدَ فَقْدِ الطَّاهِرِ إِلا خَالِصَ الْخَمْرِ، وَلأَنَّ أَبْوَالَ مَأكُولِ اللَّحْمِ وَأَرْوَاثَهَا مِمَّا اسْتَحَالَ بِالْبَاطِنِ، وَكُلُّ مَا اسْتَحَالَ بِالْبَاطِنِ نَجِسٌ. (١٠)

стр. 10925

حُكْمُ ذَرْقَ الطُّيُورِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ ذَرْقَ الطُّيُورِ الَّتِي لا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا كَالْبَازِ وَالشَّاهِينِ وَالرَّخَمِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ نَجَسٌ، وَهَذَا قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ الأَصَحُّ وَالْمُعْتَمَدُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ؛ لأَنَّهُ مِمَّا أَحَالَهُ طَبْعُ الْحَيَوَانِ إِلَى نَتْنٍ وَفَسَادٍ. (١) وَفِي رِوَايَةِ الْكَرْخِيِّ أَنَّهُ طَاهِرٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ خِلافًا لِمُحَمَّدٍ. وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَتِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ لِمَا يَنْفَصِلُ مِنَ الطُّيُورِ نَتْنٌ وَخَبَثُ رَائِحَةٍ. وَلا يُنَحَّى شَيْءٌ مِنَ الطُّيُورِ عَنِ الْمَسَاجِدِ فَعَرَفْنَا أَنَّ خَرْءَ الْجَمِيعِ طَاهِرٌ؛ وَلأَنَّهُ لا فَرْقَ فِي الْخَرْءِ بَيْنَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ وَمَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ. (٢) وَعَلَى الْقَوْلِ بِنَجَاسَتِهِ - كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْجُمْهُورُ - قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُعْفَى عَمَّا أَصَابَ مِنْهُ الثَّوْبَ أَوِ الْبَدَنَ مِقْدَارَ مَا يَصْعُبُ وَيَشُقُّ الاحْتِرَازُ عَنْهُ، بِأَنْ يَكُونَ مِقْدَارَ الدِّرْهَمِ أَوْ أَقَلَّ فِي الْمِسَاحَةِ. (٣) وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يُعْفَى عَنْ قَلِيلِهِ لِعُمُومِ الْبَلْوَى وَلِعُسْرِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ، وَلا يُعْفَى عَنْ كَثِيرِهِ لِنُدْرَتِهِ وَعَدَمِ مَشَقَّةِ الاحْتِرَازِ عَنْهُ. (٤) وَتُعْرَفُ الْكَثْرَةُ وَالْقِلَّةُ عِنْدَهُمْ بِالْعَادَةِ الْغَالِبَةِ، فَمَا يَغْلِبُ عَادَةً التَّلَطُّخُ بِهِ وَيَعْسُرُ الاحْتِرَازُ عَنْهُ عَادَةً قَلِيلٌ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِ كَثِيرٌ. (٥) وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: لا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَاتِ إِلا إِذَا كَانَتْ دَمًا أَوْ قَيْحًا يَسِيرًا مِمَّا لا يَفْحُشُ فِي نَظَرِ الشَّخْصِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ عَدَمُ الْعَفْوِ عَنِ النَّجَاسَةِ إِلا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ، وَلَمْ يُوجَدْ إِلا فِي الدَّمِ وَالْقَيْحِ فَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ: (مَا كَانَ لإِحْدَانَا إِلا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِرِيقِهَا) وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْجُدُ فَيُخْرِجُ يَدَيْهِ فَيَضَعُهُمَا بِالأَرْضِ، وَهُمَا يَقْطُرَانِ دَمًا مِنْ شِقَاقٍ كَانَ فِي يَدَيْهِ، وَعَصَرَ بَثْرَةً فَخَرَجَ مِنْهَا شَيْءٌ مِنْ دَمٍ وَقَيْحٍ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَصَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأ. وَعَلَى ذَلِكَ إِنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ أَعَادَ. (٦) وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ الْقَيْءِ وَالْمَذْيِ وَرِيقِ الْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ وَسِبَاعِ الطَّيْرِ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى: وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي أَبْوَالِهَا وَأَرْوَاثِهَا لأَنَّهُ يَشُقُّ التَّحَرُّزُ عَنْهُ. (٧) أَمَّا الْحَنَفِيَّةُ فَعَلَى الرِّوَايَةِ بِنَجَاسَةِ الذَّرْقِ، اعْتَبَرَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ لأَنَّهَا تَذْرِقُ فِي الْهَوَاءِ وَالتَّحَامِي عَنْهُ مُتَعَذِّرٌ، وَاعْتَبَرَهُ مُحَمَّدٌ مِنَ النَّجَاسَةِ الْغَلِيظَةِ؛ لأَنَّ التَّخْفِيفَ لِلضَّرُورَةِ وَلا ضَرُورَةَ هُنَا؛ لِعَدَمِ مُخَالَطَةِ هَذِهِ الطُّيُورِ لِلنَّاسِ. (٨) وَالْفَرْقُ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ وَالْغَلِيظَةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ بِاعْتِبَارِ كَثْرَةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنَ الْخَفِيفَةِ وَقِلَّةِ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ مِنَ الْغَلِيظَةِ، لا فِي كَيْفِيَّةِ التَّطْهِيرِ، لأَنَّهُ لا يَخْتَلِفُ بِالْغِلَظِ وَالْخِفَّةِ. وَعَلَى ذَلِكَ فَيُعْفَى قَدْرُ مَا دُونَ رُبْعِ الثَّوْبِ أَوِ الْبَدَنِ الْمُصَابِ بِذَرْقِ الطُّيُورِ غَيْرِ مَأكُولَةِ اللَّحْمِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَلا يُعْفَى أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِ الدِّرْهَمِ عِنْدَ مُحَمَّدٍ بِنَاءً عَلَى أَصْلِ الْحَنَفِيَّةِ مِنَ التَّفْرِيقِ بَيْنَ النَّجَاسَةِ الْخَفِيفَةِ وَالنَّجَاسَةِ الْغَلِيظَةِ. وَيُعْرَفُ قَدْرُ الدِّرْهَمِ عِنْدَهُمْ فِي النَّجَاسَةِ الْمُتَجَسِّدَةِ بِالْوَزْنِ، وَفِي الْمَائِعَةِ بِالْمِسَاحَةِ بِأَنْ تَكُونَ قَدْرَ مُقَعَّرِ الْكَفِّ دَاخِلَ مَفَاصِلِ الأَصَابِعِ. (٩) مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: الْعَرَق التاج والإكليل (دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى-١٤١٦هـ-١٩٩٤م) ج١ ص١٢٩: قال ابْنُ عَرَفَةَ: الدَّمْعُ وَالْعَرَقُ وَالْبُصَاقُ وَالْمُخَاطُ كَلَحْمِهِ. وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّهُ لَوْ غَلَبَتِ النَّجَاسَةُ فِي شَيْءٍ وَالأَصْلُ فِيهِ الطَّهَارَةُ كَثِيَابِ مُدْمِنِي الْخَمْرِ، وَالنَّجَاسَةُ كَالْمَجُوسِ وَالْمَجَانِينِ وَالصِّبْيَانِ وَالْجَزَّارِينَ. . حُكِمَ لَهُ بِالطَّهَارَةِ عَمَلا بِالأَصْلِ، وَكَذَا مَا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى كَعَرَقِ الدَّوَابِّ وَلُعَابِهَا. . وَنَحْوِ ذَلِكَ. (١٠) المجموع (مكتبة الإرشاد-السعودية- ومكتبة المطيعي-د. ط-د. ت) ج١ ص٢٥٠: قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي التَّبْصِرَةِ: لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ أَوْ غَيْرَهُ شَيْءٌ مِنْ لُعَابِ الْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَعَرَقِهَا جَازَتْ صَلاتُهُ فِيهِ قَالَ لأَنَّهَا وَإِنْ كَانَتْ لا تَزَالُ تَتَمَرَّغُ فِي الأَمْكِنَةِ النَّجِسَةِ وَتَحُكُّ بِأَفْوَاهِهَا قَوَائِمُهَا الَّتِي لا تَخْلُو مِنْ النَّجَاسَةِ فَإِنَّا لا نَتَيَقَّنُ نَجَاسَةَ عَرَقِهَا وَلُعَابِهَا لأَنَّهَا تَخُوضُ الْمَاءَ الْكَثِيرَ وَتَكْرَعُ فِيهِ كَثِيرًا فَغَلَّبْنَا أَصْلَ الطَّهَارَةِ فِي لُعَابِهَا وَعَرَقِهَا قَالَ: وَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَهُمْ يَرْكَبُونَ الْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ فِي الْجِهَادِ وَالْحَجِّ وَسَائِرِ الأَسْفَارِ وَلا يَكَادُ يَنْفَكُّ الرَّاكِبُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنْ عَرَقِهَا أَوْ لُعَابِهَا وَكَانُوا يُصَلُّونَ فِي ثِيَابِهِمْ الَّتِي رَكِبُوا فِيهَا، وَلَمْ يُعِدُّوا ثَوْبَيْنِ ثَوْبًا لِلرُّكُوبِ وَثَوْبًا لِلصَّلاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. المغني (مكتبة القاهرة-د. ط -١٣٨٨هـ ١٩٦٨م) ج١ ص٣٩: كُلُّ حَيَوَانٍ حُكْمُ جِلْدِهِ وَشَعْرِهِ وَعَرَقِهِ وَدَمْعِهِ وَلُعَابِهِ حُكْمُ سُؤْرِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَالنَّجَاسَةِ؛ لأَنَّ السُّؤْرَ إنَّمَا يَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُ النَّجَاسَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي يَنْجُسُ لِمُلاقَاتِهِ لُعَابَ الْحَيَوَانِ وَجِسْمَهُ، فَلَوْ كَانَ طَاهِرًا كَانَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا، وَإِذَا كَانَ نَجِسًا كَانَ سُؤْرُهُ نَجِسًا. المحلى (دار الكتب العلمية-بيروت-د. ط-د. ت) ج١ ص١٣٧ - ١٣٨: وَلُعَابُ كُلِّ مَا لا يَحِلُّ أَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ طَائِرٍ أَوْ غَيْرِهِ، مِنْ خِنْزِيرٍ أَوْ كَلْبٍ أَوْ هِرٍّ أَوْ سَبُعٍ أَوْ فَأرٍ، حَاشَا الضَّبُعَ فَقَطْ، وَعَرَقُ كُلِّ مَا ذَكَرْنَا وَدَمْعُهُ - حَرَامٌ وَاجِبٌ اجْتِنَابُهُ.

стр. 10926

مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: الدَّم بداية المجتهد ونهاية المقتصد (دار الحديث - القاهرة-د. ط-١٤٢٥هـ- ٢٠٠٤ م) ج١ ص٨٦ - ٨٧: اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ دَمَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ نَجِسٌ .. وَكَذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي الدَّمِ الْقَلِيلِ مِنْ دَمِ الْحَيَوَانِ غَيْرِ الْبَحْرِيِّ، فَقَالَ قَوْمٌ: إِنَّ قَلِيلَ الدِّمَاءِ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. وَقَالَ قَوْمٌ: بَلِ الْقَلِيلُ مِنْهَا وَالْكَثِيرُ حُكْمُهُ وَاحِدٌ، وَالأَوَّلُ عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. وَالسَّبَبُ فِي اخْتِلافِهِمْ فِي كَثِيرِ الدَّمِ وَقَلِيلِهِ , فَسَبَبُهُ اخْتِلافُهُمْ فِي الْقَضَاءِ بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ أَوْ بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَذَلِكَ أَنَّهُ وَرَدَ تَحْرِيمُ الدَّمِ مُطْلَقًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ وَوَرَدَ مُقَيَّدًا فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾. فَمَنْ قَضَى بِالْمُقَيَّدِ عَلَى الْمُطْلَقِ وَهُمُ الْجُمْهُورُ قَالَ: الْمَسْفُوحُ هُوَ النَّجِسُ الْمُحَرَّمُ فَقَطْ، وَمَنْ قَضَى بِالْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ; لأَنَّ فِيهِ زِيَادَةً قَالَ: الْمَسْفُوحُ وَهُوَ الْكَثِيرُ، وَغَيْرُ الْمَسْفُوحِ وَهُوَ الْقَلِيلُ، كُلُّ ذَلِكَ حَرَامٌ، وَأَيَّدَ هَذَا بِأَنَّ كُلَّ مَا هُوَ نَجِسٌ لِعَيْنِهِ فَلا يَتَبَعَّضُ. مواهب الجليل (دار الفكر-الطبعة الثالثة-١٤١٢هـ-١٩٩٢م) ج٣ ص٢٣٤: شَمِلَ قَوْلُهُ: وَالْمُحَرَّمُ النَّجِسُ الدَّمَ؛ لأَنَّهُ قَدَّمَ فِي فَصْلِ الطَّاهِرِ مَيِّتُ مَا لا دَمَ لَهُ أَنَّ الدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَلَوْ مِنْ سَمَكٍ وَذُبَابٍ نَجِسٌ وَقَالَ فِي الذَّخِيرَةِ: قَالَ اللَّخْمِيُّ: وَدَمُ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ يَحْرُمُ قَلِيلُهُ وَكَثِيرُهُ. وَلَيْسَ أَعْلَى رُتْبَةً مِنْ لَحْمِهِ ذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ إِلَى أَنَّهُ لا يُعْفَى عَنِ الدَّمِ الْخَارِجِ مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسٍ كَالْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ، وَيُضَمُّ مُتَفَرِّقٌ فِي ثَوْبٍ مِنْ دَمٍ وَنَحْوِهِ، فَإِنْ فَحُشَ لَمْ يُعْفَ عَنْهُ، وَيُعْفَى عَنْ دَمِ بَقٍّ وَقَمْلٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ كُلِّ مَا لا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً. (١)

стр. 10927

الْمِسْكُ وَالزَّبَادُ وَالْعَنْبَرُ ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكَ طَاهِرٌ حَلالٌ، فَيُؤْكَلُ بِكُلِّ حَالٍ، وَكَذَا نَافِجَتُهُ طَاهِرَةٌ مُطْلَقًا عَلَى الأَصَحِّ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ رَطْبِهَا وَيَابِسِهَا، وَبَيْنَ مَا انْفَصَلَ مِنَ الْمَذْبُوحَةِ وَغَيْرِهَا، وَبَيْنَ كَوْنِهَا بِحَالِ لَوْ أَصَابَهَا الْمَاءُ فَسَدَتْ أَوْ لا. وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ لاسْتِحَالَتِهِ إِلَى الطِّيبِيَّةِ. وَكَذَا الْعَنْبَرُ كَمَا فِي الدُّرِّ الْمُنْتَقَى، قَالَ فِي خِزَانَةِ الرِّوَايَاتِ نَاقِلا عَنْ جَوَاهِرِ الْفَتَاوَى: الزَّبَادُ طَاهِرٌ، وَفِي الْمِنْهَاجِيَّةِ مِنْ مُخْتَصَرِ الْمَسَائِلِ: الْمِسْكُ طَاهِرٌ لأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ دَمًا لَكِنَّهُ تَغَيَّرَ، وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ، وَكَذَا الْعَنْبَرُ. (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ الْمِسْكَ - كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ - طَاهِرٌ، وَفِي فَأرَتِهِ الْمُنْفَصِلَةِ فِي حَيَاةِ الظَّبْيَةِ وَجْهَانِ: الأَصَحُّ الطَّهَارَةُ كَالْجَنِينِ، فَإِنِ انْفَصَلَتْ بَعْدَ مَوْتِهَا فَنَجِسَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ كَاللَّبَنِ، وَطَاهِرَةٌ فِي وَجْهٍ كَالْبَيْضِ الْمُتَصَلِّبِ. وَالزَّبَادُ طَاهِرٌ لأَنَّهُ لَبَنُ سِنَّوْرٍ بَحْرِيٍّ أَوْ عَرَقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَهُوَ الأَصَحُّ، وَيُعْفَى عَنْ قَلِيلِ شَعَرٍ فِيهِ عُرْفًا فِي مَأخُوذٍ جَامِدٍ، وَفِي مَأخُوذٍ مِنْهُ مَائِعٍ. وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ لأَنَّهُ نَبَاتٌ بَحْرِيٌّ عَلَى الأَصَحِّ، نَعَمْ مَا يَبْتَلِعُهُ مِنْهُ حَيَوَانُ الْبَحْرِ ثُمَّ يُلْقِيهِ نَجِسٌ لأَنَّهُ مِنَ الْقَيْءِ وَيُعْرَفُ بِسَوَادِهِ. (٢) وَيَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ: إِنَّهُ لا خِلافَ فِي طَهَارَةِ الْمِسْكِ وَحِلِّ أَكْلِهِ، وَهُوَ الدَّمُ الْمُنْعَقِدُ يُوجَدُ عِنْدَ بَعْضِ الْحَيَوَانِ كَالْغَزَالِ وَاسْتَحَالَ إِلَى صَلاحٍ، وَكَذَا فَأرَتُهُ وَهِيَ وِعَاؤُهُ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَخْصُوصِ، لأَنَّه ﵊ تَطَيَّبَ بِذَلِكَ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا مَا تَطَيَّبَ بِهِ. (٣) وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: الْمِسْكُ وَفَأرَتُهُ طَاهِرَانِ وَهُوَ سُرَّةُ الْغَزَالِ، وَكَذَا الزَّبَادُ طَاهِرٌ لأَنَّهُ عَرَقُ سِنَّوْرٍ بَرِّيٍّ، وَفِي الإِقْنَاعِ نَجِسٌ، لأَنَّهُ عَرَقُ حَيَوَانٍ أَكْبَرَ مِنَ الْهِرِّ، وَالْعَنْبَرُ طَاهِرٌ. (٤)

стр. 10928

مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: الْبَيْض بَيْضُ الطُّيُورِ الَّتِي يُؤْكَلُ لَحْمُهَا المغني (مكتبة القاهرة-د. ط -١٣٨٨هـ ١٩٦٨م) ج١ ص٥٥: وَإِنْ مَاتَتْ الدَّجَاجَةُ، وَفِي بَطْنِهَا بَيْضَةٌ قَدْ صَلُبَ قِشْرُهَا، فَهِيَ طَاهِرَةٌ. وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ. وَكَرِهَهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، وَابْنُ عُمَرَ، وَرَبِيعَةُ، وَمَالِكٌ، وَاللَّيْثُ، وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ؛ لأَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الدَّجَاجَةِ. وَلَنَا أَنَّهَا بَيْضَةٌ صُلْبَةُ الْقِشْرِ، طَرَأَتْ النَّجَاسَةُ عَلَيْهَا، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ وَقَعَتْ فِي مَاءٍ نَجِسٍ. وَقَوْلُهُمْ: إنَّهَا جُزْءٌ مِنْهَا. غَيْرُ صَحِيحٍ، وَإِنَّمَا هِيَ مُودَعَةٌ فِيهَا، غَيْرُ مُتَّصِلَةٍ بِهَا، فَأَشْبَهَتْ الْوَلَدَ إذَا خَرَجَ حَيًّا مِنْ الْمَيْتَةِ؛ وَلأَنَّهَا خَارِجَةٌ مِنْ حَيَوَانٍ يُخْلَقُ مِنْهَا مِثْلُ أَصْلِهَا، أَشْبَهَتْ الْوَلَدَ الْحَيَّ، وَكَرَاهَةُ الصَّحَابَةِ لَهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ، اسْتِقْذَارًا لَهَا، وَلَوْ وُضِعَتْ الْبَيْضَةُ تَحْتَ طَائِرٍ، فَصَارَتْ فَرْخًا، كَانَ طَاهِرًا بِكُلِّ حَالٍ. فَإِنْ لَمْ تَكْمُلْ الْبَيْضَةُ، فَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا: مَا كَانَ قِشْرُهُ أَبْيَضَ، فَهُوَ طَاهِرٌ. وَمَا لَمْ يَبْيَضَّ قِشْرُهُ فَهُوَ نَجِسٌ؛ لأَنَّهُ لَيْسَ عَلَيْهِ حَائِلٌ حَصِينٌ. وَاخْتَارَ ابْنُ عَقِيلٍ أَنَّهُ لا يَنْجُسُ؛ لأَنَّ الْبَيْضَةَ عَلَيْهَا غَاشِيَةٌ رَقِيقَةٌ كَالْجِلْدِ، وَهُوَ الْقِشْرُ قَبْلَ أَنْ يَقْوَى، فَلا يَنْجُسُ مِنْهَا إلا مَا كَانَ لاقَى النَّجَاسَةَ، كَالسَّمْنِ الْجَامِدِ إذَا مَاتَتْ فِيهِ فَأرَةٌ، إلا أَنَّ هَذِهِ تَطْهُرُ إذَا غَسَلَهَا؛ لأَنَّ لَهَا مِنْ الْقُوَّةِ مَا يَمْنَعُ تَدَاخُلَ أَجْزَاءِ النَّجَاسَةِ فِيهَا، بِخِلافِ السَّمْنِ. شرح مختصر خليل للخرشي (دار الفكر-د. ط-د. ت) ج١ ص٨٥: وَالْخَارِجُ بَعْدَ الْمَوْتِ (ش) أَيْ وَمِنْ النَّجَسِ الْخَارِجِ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ دَمْعٍ وَعَرَقٍ وَلُعَابٍ وَمُخَاطٍ وَبَيْضٍ وَمَحَلُّ نَجَاسَةِ هَذِهِ الأُمُورِ غَيْرُ الْبَيْضِ حَيْثُ خَرَجَتْ بَعْدَ الْمَوْتِ مِنْ حَيَوَانٍ يُنَجَّسُ بِهِ، فَإِنْ كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ مَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ فَلا يَكُونُ نَجَسًا، وَأَمَّا الْبَيْضُ الْخَارِجُ بَعْدَ الْمَوْتِ مِمَّا مَيْتَتُهُ طَاهِرَةٌ، فَإِنْ كَانَ لا يَفْتَقِرُ إلَى ذَكَاةٍ كَالتِّمْسَاحِ وَالتُّرْسِ فَكَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ يَفْتَقِرُ لَهَا كَالْجَرَادِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِنَجَاسَتِهِ كَجَنِينِ مَا ذُكِّيَ إذَا لَمْ يَتِمَّ خَلْقُهُ وَلَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِطَهَارَتِهِ كَطَهَارَةِ مَيْتَةِ مَا خَرَجَ مِنْهُ وَلَكِنَّهُ لا يُؤْكَلُ إلا بِذَكَاةٍ أَشَارَ لِهَذَا التَّفْصِيلِ بَعْضٌ.

стр. 10929

بَيْضُ الطُّيُورِ الَّتِي لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهَا البيان في مذهب الشافعي (دار المنهاج-الطبعة الأولى-١٤٢١ هـ- ٢٠٠٠ م) ج١ ص٤١٩ - ٤٢١: وفي نجاسة بيض ما لا يؤكل لحمه وجهان، كمنيه. تحفة المحتاج (دار إحياء التراث العربي-د. ط-د. ت) ج١ ص٢٩٧ - ٢٩٩: وَمِثْلُهُ بَيْضُ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَهُوَ طَاهِرٌ مُطْلَقًا يَحِلُّ أَكْلُهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ ضَرَرُهُ وَبَيْضُ الْمَيْتَةِ إنْ تَصَلَّبَ طَاهِرٌ وَإِلا فَنَجِسٌ. فتاوى الرملي (دار الفكر-د. ط-١٤٠٣هـ-١٩٨٣م) ج٤ ص٧٣: (سُئِلَ) هَلْ بَيْضُ غَيْرِ الْمَأكُولِ كَالرَّخَمِ طَاهِرٌ، وَيَحِلُّ أَكْلُهُ؟ (فَأَجَابَ) بِأَنَّهُ طَاهِرٌ وَيَحِلُّ أَكْلُهُ عَلَى الْمَذْهَبِ. (قَوْلُهُ وَلَبَنِ مَا لا يُؤْكَلُ) أَيْ بِخِلافِ بَيْضِهِ وَمَنِيِّهِ، فَإِنَّهُمَا طَاهِرَانِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنِيِّ وَبَيْضِ مَا لا يُؤْكَلُ حَيْثُ حُكِمَ بِطَهَارَتِهِمَا وَبَيْنَ لَبَنِهِ حَيْثُ حُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ أَنَّ كُلا مِنْ الْمَنِيِّ وَالْبَيْضِ أَصْلُ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ بِخِلافِ اللَّبَنِ، فَإِنَّهُ مُرَبَّاهُ وَالأَصْلُ أَقْوَى مِنْ الْمُرَبِّي مطالب أولي النهى (المكتب الإسلامي-الطبعة الثانية-١٤١٥هـ-١٩٩٤م) ج١ ص٢٣٤: (وَبَيْضٌ وَقَيْءٌ وَوَدْيٌ) لِغَيْرِ مَأكُولٍ نَجِسٌ.

стр. 10930

مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنْ الْحَيَوَانِ (ت) , عَنْ أَبِي وَاقِدٍ اللَّيْثِيِّ ﵁ قَالَ: قَدِمَ النَّبِيُّ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ , وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ , فَقَالَ: " مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ " (١) الشرح: (قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الْمَدِينَةَ وَهُمْ يَجُبُّونَ أَسْنِمَةَ الْإِبِلِ) الجَبّ: القطع , والسنام: أعلى كل شيء وذروته , وسنام البعير أو الحيوان: الجزء المرتفع من ظهره. (وَيَقْطَعُونَ أَلْيَاتِ الْغَنَمِ) أَلْيات: جمع أَلْية , وهي طَرَفُ الشاة. (فَقَالَ: " مَا قُطِعَ مِنْ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِي مَيْتَةٌ ") أَيْ: حَرَامٌ كَالْمَيْتَةِ , لَا يَجُوزُ أكله قال ابن الْمَلِكِ: أَيْ: كُلُّ عُضْوٍ قُطِعَ فَذَلِكَ الْعُضْوُ حَرَامٌ لِأَنَّهُ مَيِّتٌ بِزَوَالِ الْحَيَاةِ عَنْهُ وَكَانُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي حَالِ الْحَيَاةِ فَنُهُوا عَنْهُ. تحفة١٤٨٠ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: لا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي أَنَّ الْعُضْوَ الْمُبَانَ مِنَ الْحَيَوَانِ الْحَيِّ مَأكُولِ اللَّحْمِ (غَيْرِ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ) قَبْلَ ذَبْحِهِ يُعْتَبَرُ مَيْتَةً لا يَحِلُّ أَكْلُهُ (٢) وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ " وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾. أَمَّا مَا أُبِينَ مِنَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ فَيَحِلُّ أَكْلُهُ، وَذَلِكَ؛ لأَنَّ مَيْتَةَ السَّمَكِ وَالْجَرَادِ يَحِلُّ أَكْلُهَا. (٣) فَقَدْ قَالَ ﷺ : " أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ أَمَّا الْمَيْتَتَانِ: فَالْجَرَادُ وَالْحُوتُ، وَأَمَّا الدَّمَانِ فَالطِّحَالُ وَالْكَبِدُ ".

стр. 10931

حُكْمُ جُزْءِ الْمَصِيدِ إِذَا رَمَى صَيْدًا فَأَبَانَ مِنْهُ عُضْوًا، وَبَقِيَ الصَّيْدُ حَيًّا حَيَاةً مُسْتَقِرَّةً يَحْرُمُ الْعُضْوُ الْمُبَانُ بِلا خِلافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَمَا قُطِعَ مِنْهَا فَهُوَ مَيْتَةٌ ". أَمَّا الْمَقْطُوعُ مِنْهُ، وَهُوَ الْحَيَوَانُ الْحَيُّ، فَلا بُدَّ فِيهِ مِنْ ذَكَاةٍ، وَإِلا يَحْرُمُ - أَيْضًا - بِاتِّفَاقٍ. وَإِذَا رَمَاهُ فَقَطَعَ رَأسَهُ، أَوْ قَدَّهُ نِصْفَيْنِ أَوْ أَثْلاثًا - وَالأَكْثَرُ مِمَّا يَلِي الْعَجُزَ - حَلَّ كُلُّهُ، لأَنَّ الْمُبَانَ مِنْهُ حَيٌّ صُورَةً لا حُكْمًا، إِذْ لا يُتَوَهَّمُ سَلامَتُهُ وَبَقَاؤُهُ حَيًّا بَعْدَ هَذِهِ الْجِرَاحَةِ، فَوَقَعَ ذَكَاةً فِي الْحَالِ فَحَلَّ كُلُّهُ. (١) أَمَّا إِذَا قَطَعَ مِنْهُ يَدًا أَوْ رِجْلا أَوْ فَخِذًا، أَوْ نَحْوَهَا وَلَمْ تَبْقَ فِيهِ حَيَاةٌ مُسْتَقِرَّةٌ فَفِيهِ التَّفْصِيلُ الآتِي: قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِذَا قَطَعَ يَدًا أَوْ رِجْلا أَوْ فَخِذًا أَوْ ثُلُثَهُ مِمَّا يَلِي الْقَوَائِمَ أَوْ أَقَلَّ مِنْ نِصْفِ الرَّأسِ يَحْرُمُ الْمُبَانُ مِنْهُ، لأَنَّهُ يُتَوَهَّمُ بَقَاءُ الْحَيَاةِ فِي الْبَاقِي. (٢) وَلَوْ ضَرَبَ صَيْدًا فَقَطَعَ يَدَهُ أَوْ رِجْلَهُ وَلَمْ يَنْفَصِلْ، ثُمَّ مَاتَ، إِنْ كَانَ يُتَوَهَّمُ الْتِئَامُهُ وَانْدِمَالُهُ حَلَّ أَكْلُهُ، لأَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ أَجْزَائِهِ، وَإِنْ كَانَ لا يُتَوَهَّمُ، بِأَنْ بَقِيَ مُتَعَلِّقًا بِجِلْدٍ حَلَّ مَا سِوَاهُ دُونَهُ، لِوُجُودِ الإِبَانَةِ مَعْنًى، وَالْعِبْرَةُ لِلْمَعَانِي. (٣) وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: إِذَا كَانَ الْمَقْطُوعُ النِّصْفَ فَأَكْثَرَ جَازَ أَكْلُ الْجَمِيعِ، وَلَوْ قَطَعَ الْجَارِحُ دُونَ النِّصْفِ كَيَدٍ أَوْ رِجْلٍ فَهُوَ مَيْتَةٌ، وَيُؤْكَلُ مَا سِوَاهُ، إِلا أَنْ يَحْصُلَ بِالْقَطْعِ إِنْفَاذُ مَقْتَلٍ كَالرَّأسِ فَلَيْسَ بِمَيْتَةٍ فَيُؤْكَلَ كَالْبَاقِي. (٤) وَصَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ: بِأَنَّهُ لَوْ أَبَانَ مِنَ الصَّيْدِ عُضْوًا كَيَدِهِ بِجُرْحٍ مُذَفِّفٍ (أَيْ مُسْرِعٍ لِلْقَتْلِ) فَمَاتَ حَلَّ الْعُضْوُ وَالْبَدَنُ كُلُّهُ. (٥) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَانِ: أَشْهَرُهُمَا عَنْ أَحْمَدَ إِبَاحَتُهُمَا. قَالَ أَحْمَدُ: إِنَّمَا حَدِيثُ النَّبِيِّ ﷺ : " مَا قَطَعْتَ مِنَ الْحَيِّ مَيْتَةٌ ". إِذَا قَطَعْتَ وَهِيَ حَيَّةٌ تَمْشِي وَتَذْهَبُ، أَمَّا إِذَا كَانَتِ الْبَيْنُونَةُ وَالْمَوْتُ جَمِيعًا أَوْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ إِذَا كَانَ فِي عِلاجِ الْمَوْتِ فَلا بَأسَ بِهِ، أَلا تَرَى الَّذِي يَذْبَحُ رُبَّمَا مَكَثَ سَاعَةً، وَرُبَّمَا مَشَى حَتَّى يَمُوتَ. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ: لا يُبَاحُ مَا بَانَ مِنْهُ، عَمَلا بِقَوْلِهِ ﷺ : " مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ ". وَلأَنَّ هَذِهِ الْبَيْنُونَةَ لا تَمْنَعُ بَقَاءَ الْحَيَوَانِ فِي الْعَادَةِ فَلَمْ يُبَحْ أَكْلُ الْبَائِنِ. (٦) وَهَذِهِ الشُّرُوطُ كُلُّهَا إِنَّمَا تُشْتَرَطُ فِي الْمَصِيدِ الْبَرِّيِّ، إِذَا عَقَرَتْهُ الْجَوَارِحُ أَوِ السِّلاحُ أَوْ أَنْفَذَتْ مَقَاتِلَهُ، فَإِنْ أَدْرَكَهُ حَيًّا غَيْرَ مَنْفُوذِ الْمَقَاتِلِ ذُكِّيَ، وَيُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ مَا يُشْتَرَطُ فِي الذَّبْحِ. أَمَّا الْمَصِيدُ الْبَحْرِيُّ فَلا تُشْتَرَطُ فِيهِ هَذِهِ الشُّرُوطُ. أَمَّا الْعُضْوُ الْمُبَانُ مِنَ الْحَيَوَانِ غَيْرِ مَأكُولِ اللَّحْمِ أَوْ مِنَ الْمَيْتَةِ فَهُوَ حَرَامٌ بِلا خِلافٍ.

стр. 10932

مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: مَنِيّ الْحَيَوَانِ حاشية ابن عابدين (دار الفكر-بيروت-الطبعة الثانية-١٤١٢هـ-١٩٩٢م) ج١ ص٣١٢ - ٣١٥: وَفِي حَاشِيَةِ أَبِي السُّعُودِ: لا فَرْقَ بَيْنَ مَنِيِّ الآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا فِي الْفَيْضِ وَالْقُهُسْتَانِيِّ أَيْضًا، خِلافًا لِمَا نَقَلَهُ الْحَمَوِيُّ عَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ مِنْ تَقْيِيدِهِ بِمَنِيِّ الآدَمِيِّ. اهـ. أَقُولُ: الْمَنْقُولُ فِي الْبَحْرِ والتتارخانية أَنَّ مَنِيَّ كُلِّ حَيَوَانٍ نَجِسٌ، وَأَمَّا عَدَمُ الْفَرْقِ فِي التَّطْهِيرِ فَمُحْتَاجٌ إلَى نَقْلٍ، وَمَا مَرَّ عَنْ السَّمَرْقَنْدِيِّ مُتَّجَهٌ وَلِذَا قَالَ: ح إنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي مَنِيِّ الآدَمِيِّ عَلَى خِلافِ الْقِيَاسِ فَلا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ، فَإِنَّ الْحَقَّ دَلالَةً يَحْتَاجُ إلَى بَيَانِ أَنَّ مَنِيَّ غَيْرِ الآدَمِيِّ خُصُوصًا مَنِيَّ الْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ وَالْفِيلِ الدَّاخِلَ فِي عُمُومِ كَلامِهِ فِي مَعْنَى مَنِيِّ الآدَمِيِّ وَدُونَهُ خَرْطُ الْقَتَادِ. اهـ حاشية الدسوقي (دار الفكر-د. ط-د. ت) ج١ ص٥٦ - ٥٨: (وَ) مِنْ النَّجِسِ (مَنِيٌّ وَمَذْيٌ وَوَدْيٌ) وَلَوْ مِنْ مُبَاحِ الأَكْلِ فِي الثَّلاثَةِ لِلاسْتِقْذَارِ وَالاسْتِحَالَةِ إلَى فَسَادٍ وَلأَنَّ أَصْلَهَا دَمٌ وَلا يَلْزَمُ مِنْ الْعَفْوِ عَنْ أَصْلِهَا الْعَفْوُ عَنْهَا المجموع (مكتبة الإرشاد-السعودية- ومكتبة المطيعي-د. ط-د. ت) ج٢ ص٥٧٣ - ٥٧٤: (وَأَمَّا مَنِيُّ غَيْرِ الآدَمِيِّ فَفِيهِ ثَلاثَةُ أَوْجُهٍ (أَحَدُهَا): الْجَمِيعُ طَاهِرٌ إلا مَنِيَّ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ؛ لأَنَّهُ خَارِجٌ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ يُخْلَقُ مِنْهُ مِثْلُ أَصْلِهِ فَكَانَ طَاهِرًا كَالْبَيْضِ وَمَنِيِّ الآدَمِيِّ (وَالثَّانِي): الْجَمِيعُ نَجِسٌ؛ لأَنَّهُ مِنْ فُضُولِ الطَّعَامِ الْمُسْتَحِيلِ، وَإِنَّمَا حُكِمَ بِطَهَارَتِهِ مِنْ الآدَمِيِّ لَحُرْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ، وَهَذَا لا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ (وَالثَّالِثُ): مَا أُكِلَ لَحْمُهُ فَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ كَلَبَنِهِ، وَمَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَمَنِيُّهُ نَجِسٌ كَلَبَنِهِ). (الشَّرْحُ): هَذِهِ الأَوْجُهُ مَشْهُورَةٌ وَدَلائِلُهَا ظَاهِرَةٌ، وَالأَصَحُّ طَهَارَةُ الْجَمِيعِ غَيْرَ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَفَرْعِ أَحَدِهِمَا، وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِتَصْحِيحِهِ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ. وَأَشَارَ الْمُصَنِّفُ فِي التَّنْبِيهِ إلَى تَرْجِيحِهِ وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ النَّجَاسَةَ مُطْلَقًا، وَالْمَذْهَبُ الأَوَّلُ. أَمَّا مَنِيُّ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْ أَحَدِهِمَا، فَإِنَّهُ نَجِسٌ بِلا خِلافٍ، كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْمُصَنِّفُ. شرح منتهى الإرادات (عالم الكتب-الطبعة الأولى-١٤١٤هـ-١٩٩٣م) ج١ ص١٠٧ - ١٠٨: (وَلَبَنُ) غَيْرِ آدَمِيٍّ وَمَأكُولٍ كَلَبَنِ هِرٍّ نَجَسٌ (وَمَنِيُّ غَيْرِ آدَمِيٍّ وَمَأكُولٍ) نَجَسٌ. وَأَمَّا مَنِيُّ الْمَأكُولِ فَطَاهِرٌ. وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ مِنْ غَيْرِ مُبَاحِ الأَكْلِ نَجِسَةٌ، أَمَّا مِنْ مُبَاحِ الأَكْلِ فَطَاهِرَةٌ مَا لَمْ يَتَغَذَّ بِنَجِسٍ، وَرُطُوبَةُ فَرْجِ الآدَمِيِّ نَجِسَةٌ عَلَى الرَّاجِحِ خِلافًا لِمَنْ قَالَ بِطَهَارَتِهِ. (١) وَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إِلَى أَنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ مِنَ الآدَمِيِّ أَوْ مِنْ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ وَلَوْ غَيْرِ مَأكُولٍ لَيْسَتْ بِنَجِسٍ فِي الأَصَحِّ بَلْ طَاهِرَةٌ لأَنَّهَا كَعَرَقِهِ، وَمُقَابِلُ الأَصَحِّ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، لأَنَّهَا مُتَوَلِّدَةٌ مِنْ مَحَلِّ النَّجَاسَةِ يَنْجُسُ بِهَا ذَكَرُ الْمُجَامِعِ. (٢) وَذَهَبَ الْحَنَابِلَةُ فِي الصَّحِيحِ مِنَ الْمَذْهَبِ إِلَى أَنَّ رُطُوبَةَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ طَاهِرَةٌ لِلْحُكْمِ بِطَهَارَةِ مَنِيِّهَا، فَلَوْ حَكَمْنَا بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِهَا لَزِمَ الْحُكْمُ بِنَجَاسَةِ مَنِيِّهَا. وَقَالُوا فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ - اخْتَارَهَا أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ شَاقِلا وَجَزَمَ بِهِ فِي الإِفَادَاتِ - إِنَّ رُطُوبَةَ الْفَرْجِ نَجِسَةٌ، وَقَالَ الْقَاضِي: مَا أَصَابَ مِنْهُ فِي حَالِ الْجِمَاعِ نَجِسٌ لأَنَّهُ لا يَسْلَمُ مِنَ الْمَذْيِ. (٣)

стр. 10933

مِنَ الْخَارِج مِنْ الْحَيَوَان النَّجِس: رُطُوبَةُ فَرْجِ الْحَيَوَانِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْحَيَوَانِ الطَّاهِرِ، وَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ السَّخْلَةِ إِذَا خَرَجَتْ مِنْ أُمِّهَا وَكَذَا الْبَيْضَةُ، فَلا يَتَنَجَّسُ بِهَا الثَّوْبُ وَلا الْمَاءُ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ، وَإِنْ كَرِهُوا التَّوَضُّؤَ بِهِ لِلاخْتِلافِ. وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ رُطُوبَةُ الْفَرْجِ طَاهِرَةٌ مِنْ كُلِّ حَيَوَانٍ طَاهِرٍ , وَلَوْ غَيْرَ مَأكُولٍ. وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ طَهَارَةَ رُطُوبَةِ فَرْجِ الْحَيَوَانِ بِالْمُبَاحِ الأَكْلِ فَقَطْ، وَقَيَّدُوهُ بِقَيْدَيْنِ: أَحَدُهُمَا: أَلا يَتَغَذَّى عَلَى نَجَسٍ، وَثَانِيهُمَا: أَنْ يَكُونَ مِمَّا لا يَحِيضُ كَالإِبِلِ، وَإِلا كَانَتْ نَجِسَةً عَقِبَ حَيْضِهِ، وَأَمَّا بَعْدَهُ فَطَاهِرَةٌ. (١)

стр. 10934

سُؤْرُ الْحَيَوَانِ غَيْرِ مَأكُولِ اللَّحْم يأتي بيانه في باب الأَسْآر

стр. 10935

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْجَلَّالَة الْجَلَّالَةُ: الدَّابَّةُ الَّتِي تَتْبَعُ النَّجَاسَاتِ وَتَأكُلُ الْجِلَّةَ، وَهِيَ الْبَعْرَةُ وَالْعَذِرَةُ. وَأَصْلُهُ مِنْ جَلَّ فُلانٌ الْبَعْرَ جَلا الْتَقَطَهُ فَهُوَ جَالٌّ، وَجَلَّالٌ مُبَالَغَةٌ , وَمِنْهُ الْجَلَّالَةُ. (١) وَالْمُرَادُ بِالْجَلَّالَةِ عَلَى مَا نَصَّ الشَّافِعِيَّةُ: كُلُّ دَابَّةٍ عُلِفَتْ بِنَجِسٍ , وَلَوْ مِنْ غَيْرِ الْعَذِرَةِ، كَالسَّخْلَةِ الَّتِي ارْتَضَعَتْ بِلَبَنِ نَحْوِ كَلْبَةٍ أَوْ أَتَانٍ. (٢) قِيلَ إِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ فَهِيَ جَلَّالَةٌ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا الطَّاهِرَ فَلَيْسَتْ جَلَّالَةً وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي تَصْحِيحِ التَّنْبِيهِ وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا اعْتِدَادَ بِالْكَثْرَةِ بَلْ بِالرَّائِحَةِ وَالنَّتْنِ فَإِنْ تَغَيَّرَ رِيحُ مَرَقِهَا أَوْ لَحْمِهَا أَوْ طَعْمُهَا أَوْ لَوْنُهَا فَهِيَ جَلَّالَةٌ كَذَا فِي النَّيْلِ. تحفة١٨٢٤

стр. 10936

لُحُومُ الْجَلَّالَة (ت) , عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ أَكْلِ الْجَلَّالَةِ وَأَلْبَانِهَا " (١) أَيْ: وَعَنْ شُرْبِ أَلْبَانِهَا. تحفة١٨٢٤

стр. 10937

لَبَن الْجَلَّالَة (د) , عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لَبَنِ الْجَلَّالَةِ " (١) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ أَكْلَ لَحْمِ الْجَلالَةِ - وَهِيَ الدَّابَّةُ الَّتِي تَأكُلُ الْعَذِرَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ النَّجَاسَاتِ - وَشُرْبَ لَبَنِهَا وَأَكْلَ بَيْضِهَا مَكْرُوهٌ، إِذَا ظَهَرَ تَغَيُّرُ لَحْمِهَا بِالرَّائِحَةِ، وَالنَّتْنُ فِي عَرَقِهَا. (٢) وَفِي قَوْلٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ: يَحْرُمُ لَحْمُهَا، وَلَبَنُهَا. (٣) وَالأَصْلُ فِي ذَلِكَ: حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا: قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الإِبِلِ الْجَلالَةِ أَنْ يُؤْكَلَ لَحْمُهَا، وَلا يُشْرَبُ لَبَنُهَا وَلا يُحْمَلُ عَلَيْهَا إِلا الأَدَمُ، وَلا يُذَكِّيهَا النَّاسُ حَتَّى تُعْلَفَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ". أَمَّا إِذَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا تَغَيُّرٌ بِرِيحٍ، أَوْ نَتْنٍ، فَلا كَرَاهَةَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَإِنْ كَانَتْ لا تَأكُلُ إِلا النَّجَاسَةَ. (٤) وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: يُكْرَهُ أَكْلُ لَحْمِهَا وَشُرْبُ لَبَنِهَا إِذَا كَانَ أَكْثَرُ عَلَفِهَا النَّجَاسَةَ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ مِنْهَا نَتْنٌ أَوْ تَغَيُّرٌ، وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنِ اللَّيْثِ قَوْلَهُ: " إِنَّمَا كَانُوا يَكْرَهُونَ الْجَلالَةَ الَّتِي لا طَعَامَ لَهَا إِلا الرَّجِيعُ (الرَّوْثُ وَالْعَذِرَةُ) وَمَا أَشْبَهَهُ. (٥) وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إِلَى أَنَّ لَحْمَ الْجَلالَةِ لا كَرَاهَةَ فِيهِ وَإِنْ تَغَيَّرَ مِنْ ذَلِكَ. (٦)

стр. 10938

رُكُوبُ الْجَلَّالَةِ (د) , عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: " نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ رُكُوبِ الْجَلَّالَةِ " (١) الشَّرْح: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: كَرِهَ ﷺ رُكُوبهَا كَمَا نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومهَا، وَيُقَال إِنَّ الْإِبِل إِذَا اِجْتَلَّتْ أَنْتَنَ رَوَائِحهَا إِذَا عَرِقَتْ كَمَا أَنْتَنَ لُحُومهَا اِنْتَهَى. عون٢٥٥٧ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهَذَا إِذَا كَانَ غَالِب عَلَفهَا مِنْهَا حَتَّى ظَهَرَ عَلَى لَحْمهَا وَلَبَنهَا وَعَرَقهَا، فَيَحْرُم أَكْلهَا وَرُكُوبهَا إِلَّا بَعْد أَنْ حُبِسَتْ أَيَّامًا اِنْتَهَى. قَالَ فِي النِّهَايَة: وَأَمَّا رُكُوبهَا فَلَعَلَّهُ لِمَا يَكْثُر مِنْ أَكْلهَا الْعَذِرَة وَالْبَعْرَة وَتَكْثُر النَّجَاسَة عَلَى أَجْسَامهَا وَأَفْوَاههَا وَتَلْحَس رَاكِبهَا بِفَمِهَا وَثَوْبه بِعَرَقِهَا وَفِيهِ أَثَر النَّجَس فَيَتَنَجَّس اِنْتَهَى. عون٣٧١٩ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: يُكْرَهُ رُكُوبُ الْجَلالَةِ بِلا حَائِلٍ، لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ , وَلأَنَّهَا رُبَّمَا عَرِقَتْ فَتَلَوَّثَ بِعَرَقِهَا. (٢)

стр. 10939

التَّضْحِيَةُ بِالْجَلَّالَةِ صَرَّحَ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْجَلالَةَ لا تُجْزِئُ فِي الأُضْحِيَّةِ: إِذَا كَانَتْ لا تَأكُلُ غَيْرَ النَّجَاسَةِ , مَا لَمْ تُسْتَبْرَأ بِأَنْ تُحْبَسَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إِنْ كَانَتْ مِنَ الإِبِلِ، أَوْ عِشْرِينَ يَوْمًا إِنْ كَانَتْ مِنَ الْبَقَرِ، أَوْ عَشْرَةً إِنْ كَانَتْ مِنَ الْغَنَمِ. (١)

стр. 10940

تَطْهِيرُ الْجَلَّالَة (عب) , عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَبيَحْبِسُ الدَّجَاجَةَ الْجَلَّالَةَ ثَلَاثًا إِذَا أَرَادَ أَن يَأكُلَ بَيْضَهَا. (١) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: لا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ الَّذِينَ يَقُولُونَ بِحُرْمَةِ أَكْلِ لَحْمِ الْجَلالَةِ، أَوْ كَرَاهَتِهِ فِي أَنَّ الْحُرْمَةَ أَوِ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِالْحَبْسِ عَلَى الْعَلَفِ الطَّاهِرِ. ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ: فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: يَحْبِسُ النَّاقَةَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا، وَالْبَقَرَةَ ثَلاثِينَ، وَالشَّاةَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَالدَّجَاجَةَ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ. (٢) وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ: تُحْبَسُ الدَّجَاجَةُ ثَلاثَةَ أَيَّامٍ، وَالشَّاةُ أَرْبَعَةً، وَالنَّاقَةُ وَالْبَقَرَةُ عَشَرَةَ أَيَّامٍ. (٣) وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ فِي ذَلِكَ: إِحْدَاهُمَا: تُحْبَسُ الْجَلالَةُ ثَلاثًا، سَوَاءٌ أَكَانَتْ طَيْرًا أَوْ بَهِيمَةً، وَقَالُوا: إِنَّ مَا طَهَّرَ حَيَوَانًا فِي مُدَّةِ حَبْسِهِ وَعَلَفِهِ طَهَّرَ الآخَرَ؛ وَلأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَحْبِسُهَا ثَلاثًا إِذَا أَرَادَ أَكْلَهَا. وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ تُحْبَسُ الْبَدَنَةُ، وَالْبَقَرَةُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا. (٤) وَنَقَلَ صَاحِبُ الْمُغْنِي عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ: أَنَّهُ رَخَّصَ فِي لُحُومِهَا، وَأَلْبَانِهَا، لأَنَّ الْحَيَوَانَ لا يَتَنَجَّسُ بِأَكْلِ النَّجَاسَاتِ بِدَلِيلِ أَنَّ شَارِبَ الْخَمْرِ، لا يُحْكَمُ بِتَنْجِيسِ أَعْضَائِهِ، وَالْكَافِرَ الَّذِي يَأكُلُ الْخِنْزِيرَ وَالْمُحَرَّمَاتِ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِنَجَاسَةِ ظَاهِرِهِ، وَلَوْ نَجُسَ بِذَلِكَ لَمَا طَهُرَ بِالإِسْلامِ وَالاغْتِسَالِ. وَلَوْ نَجُسَتِ الْجَلالَةُ لَمَا طَهُرَتْ بِالْحَبْسِ. (٥)

стр. 10941

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ مَيْتَةُ الْحَيَوَان قَالَ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ (١) وَقَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ (٢) تُطْلَقُ الْمَيْتَةُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَا مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ مِنَ الْمَوْتِ الَّذِي هُوَ مُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْجَسَدَ. أَمَّا الْمِيتَةُ - بِكَسْرِ الْمِيمِ - فَهِيَ لِلْحَالِ وَالْهَيْئَةِ. يُقَالُ: مَاتَ مِيتَةً حَسَنَةً، وَمَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً، وَنَحْوَ ذَلِكَ. (٣) وَفِي الاصْطِلاحِ قَالَ الْجَصَّاصُ: الْمَيْتَةُ فِي الشَّرْعِ اسْمُ الْحَيَوَانِ الْمَيِّتِ غَيْرِ الْمُذَكَّى، وَقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً بِأَنْ يَمُوتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ لآدَمِيِّ فِيهِ، وَقَدْ يَكُونُ مَيْتَةً بِسَبَبِ فِعْلِ الآدَمِيِّ إِذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ فِيهِ عَلَى وَجْهِ الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ لَهُ. (٤)

стр. 10942

مَيْتَة مَا لَهُ نَفْس سَائِلَة (الدَّمُ السَّائِل) (خ س) , عَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَأرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ) (١) (جَامِدٍ) (٢) (فَمَاتَتْ , فَقَالَ: " خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا فَأَلْقُوهُ) (٣) (وَكُلُوا سَمْنَكُمْ ") (٤) الشَّرْح: (عَنْ مَيْمُونَةَ) هِيَ بِنْتُ الْحَارِثِ , خَالَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ. فتح٢٣٥ (سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ فَأرَةٍ سَقَطَتْ فِي سَمْنٍ جَامِدٍ فَمَاتَتْ) أَيْ: فِيهِ. (فَقَالَ: خُذُوهَا وَمَا حَوْلَهَا) أَيْ مِنَ السَّمْنِ. فتح٢٣٥ وَقَدْ تَمَسَّكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِقَوْلِهِ " وَمَا حَوْلَهَا " عَلَى أَنَّهُ كَانَ جَامِدًا، قَالَ: لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَائِعًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَوْلٌ، لِأَنَّهُ لَوْ نُقِلَ مِنْ أَيٍّ جَانِبٍ مَهْمَا نُقِلَ لَخَلَفَهُ غَيْرُهُ فِي الْحَالِ فَيَصِيرُ مِمَّا حَوْلَهَا فَيُحْتَاجُ إِلَى إِلْقَائِهِ كُلِّهِ، كَذَا قَالَفتح٥٥٤٠ (فَأَلْقُوهُ) أَيْ: أَخْرِجُوا الْفَأرَةَ وَاطْرَحُوهَا وَمَا حَوْلَهَا. تحفة١٧٩٨ لَمْ يَرِدْ فِي طَرِيقٍ صَحِيحَةٍ تَحْدِيدُ مَا يُلْقَى، لَكِنْ أَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ مُرْسَلِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ يَكُونُ قَدْرَ الْكَفِّ وَسَنَدُهُ جَيِّدٌ لَوْلَا إِرْسَالُهُ، وَقَدْ وَقَعَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " فَأَمَرَ أَنْ يُقَوَّرَ مَا حَوْلَهَا فَيُرْمَى بِهِ " وَهَذَا أَظْهَرُ فِي كَوْنِهِ جَامِدًا مِنْ قَوْلِهِ " وَمَا حَوْلَهَا " فَيَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ , وَأَمَّا مَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ مَرْفُوعًا مِنَ التَّقْيِيدِ فِي الْمَاخُوذِ مِنْهُ ثَلَاثُ غُرُفَاتٍ بِالْكَفَّيْنِ فَسَنَدُهُ ضَعِيفٌ، وَلَوْ ثَبَتَ لَكَانَ ظَاهِرًا فِي الْمَائِعِ. فتح٥٥٤٠ (وَكُلُوا سَمْنَكُمْ) يَعْنِي: بَاقِيَهُ. (فَائِدَةٌ): رَوَى هذا الحديث عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، وَلَهُ فِيهِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ إِسْنَادٌ آخَرُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَفْظُهُ " ﴿سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ -عَنِ الْفَارَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ قَالَ: إِذَا كَانَ جَامِدًا فَأَلْقُوهَا وَمَا حَوْلَهَا وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ﴾ " (٥).فتح٢٣٦ قَوْلِهِ: (فَلَا تَقْرَبُوهُ) قال في فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أي: أَكْلًا وَطُعْمًا لَا اِنْتِفَاعًا. تحفة١٧٩٨ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ مَعْمَرٍ هَذِهِ: هِيَ خَطَأٌ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ عَنْ أَبِيهِ: إِنَّهَا وَهْمٌ. وَأَشَارَ التِّرْمِذِيُّ إِلَى أَنَّهَا شَاذَّةٌ وَقَالَ الذُّهْلِيُّ فِي الزُّهْرِيَّاتِ: الطَّرِيقَانِ عِنْدَنَا مَحْفُوظَانِ لَكِنَّ طَرِيقَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ مَيْمُونَةَ أَشْهَرُ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فتح٢٣٦ قالا البخاري: حَدَّثَنَا عَبْدَانُ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ عَنْ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ ﴿عَنْ الدَّابَّةِ تَمُوتُ فِي الزَّيْتِ وَالسَّمْنِ وَهُوَ جَامِدٌ أَوْ غَيْرُ جَامِدٍ الْفَارَةِ أَوْ غَيْرِهَا قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَ بِفَارَةٍ مَاتَتْ فِي سَمْنٍ فَأَمَرَ بِمَا قَرُبَ مِنْهَا فَطُرِحَ ثُمَّ أُكِلَ﴾ (خ) ٥٥٣٩ قَالَ الْحَافِظُ: الزُّهْرِيَّ كَانَ فِي هَذَا الْحُكْمِ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ السَّمْنِ وَغَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ الْجَامِدِ مِنْهُ وَالذَّائِبِ، لِأَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي السُّؤَالِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ فِي السَّمْنِ، فَأَمَّا غَيْرُ السَّمْنِ , فَإِلْحَاقُهُ بِهِ فِي الْقِيَاسِ عَلَيْهِ وَاضِحٌ، وَأَمَّا عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ الذَّائِبِ وَالْجَامِدِ , فَلِأَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ فِي اللَّفْظِ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ، وَهَذَا يَقْدَحُ فِي صِحَّةِ مَنْ زَادَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنِ الزُّهْرِيِّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالذَّائِبِ , كَمَا ذُكِرَ قَبْلُ عَنْ إِسْحَاقَ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَصَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّهُ اخْتُلِفَ عَنْ مَعْمَرٍ فِيهِ، فَأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ بِغَيْرِ تَفْصِيلٍ، نَعَمْ وَقَعَ عِنْدَ النَّسَائِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَصْفُ السَّمْنِ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ جَامِدٌ، وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي الطَّهَارَةِ وَكَذَا وَقَعَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنِ الزُّهْرِيِّ، وَكَذَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ مِنْ رِوَايَةِ حَجَّاجِ بْنِ مِنْهَالٍ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، وَكَذَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ سُفْيَانَ وَتَقَدَّمَ التَّنْبِيهُ عَلَى الزِّيَادَةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَانَ وَأَنَّهُ تَفَرَّدَ بِالتَّفْصِيلِ عَنْ سُفْيَانَ دُونَ حُفَّاظِ أَصْحَابِهِ مِثْلِ أَحْمَدَ وَالْحُمَيْدِيِّ وَمُسَدَّدٍ وَغَيْرِهِمْ، وَوَقَعَ التَّفْصِيلُ فِيهِ أَيْضًا فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّوَابَ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَهَذَا الَّذِي يَنْفَصِلُ بِهِ الْحُكْمُ فِيمَا يَظْهَرُ لِي بِأَنَّ التَّقْيِيدَ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِنْ قَوْلِهِ، وَالْإِطْلَاقُ مِنْ رِوَايَتِهِ مَرْفُوعًا، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ عِنْدَهُ مَرْفُوعًا مَا سَوَّى فِي فَتْوَاهُ بَيْنَ الْجَامِدِ وَغَيْرِ الْجَامِدِ، وَلَيْسَ الزُّهْرِيُّ مِمَّنْ يُقَالُ فِي حَقِّهِ لَعَلَّهُ نَسِيَ الطَّرِيقَ الْمُفَصَّلَةَ الْمَرْفُوعَةَ لِأَنَّهُ كَانَ أَحْفَظَ النَّاسِ فِي عَصْرِهِ فَخَفَاءُ ذَلِكَ عَنْهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ. فتح٥٥٣٩ وقد أَخَذَ الْجُمْهُورُ بِحَدِيثِ مَعْمَرٍ الدَّالِّ عَلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالذَّائِبِ , وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْجَامِدَ إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ مَيْتَةٌ طُرِحَتْ وَمَا حَوْلَهَا مِنْهُ إِذَا تُحُقِّقَ أَنَّ شَيْئًا مِنْ أَجْزَائِهَا لَمْ يَصِلْ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْهُ وَأَمَّا الْمَائِعُ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إِلَى أَنَّهُ يَنْجُسُ كُلُّهُ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ وَخَالَفَ فَرِيقٌ: مِنْهُمُ الزُّهْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ. فتح٢٣٦ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْمُفَصَّلَةِ " وَإِنْ كَانَ مَائِعًا فَلَا تَقْرَبُوهُ " عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهِ فِي شَيْءٍ، فَيَحْتَاجُ مَنْ أَجَازَ الِانْتِفَاعَ بِهِ فِي غَيْرِ الْأَكْلِ كَالشَّافِعِيَّةِ وَأَجَازَ بَيْعَهُ كَالْحَنَفِيَّةِ إِلَى الْجَوَابِ - أَعْنِي الْحَدِيثَ - فَإِنَّهُمُ احْتَجُّوا بِهِ فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْجَامِدِ وَالْمَائِعِ، وَقَدِ احْتَجَّ بَعْضُهُمْ بِمَا وَقَعَ فِي رِوَايَةِ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيِّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ " ﴿إِنْ كَانَ السَّمْنُ مَائِعًا انْتَفَعُوا بِهِ وَلَا تَاكُلُوهُ﴾ " وَعِنْدَهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ مِثْلُهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الصَّحِيحَ وَقْفُهُ , وَعِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ فِي فَارَةٍ وَقَعَتْ فِي زَيْتٍ قَالَ: " اسْتَصْبِحُوا بِهِ وَادْهُنُوا بِهِ أُدُمَكُمْ " وَهَذَا السَّنَدُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ , إِلَّا أَنَّهُ مَوْقُوفٌ. فتح٥٥٤٠ وَأَمَّا ذِكْرُ السَّمْنِ وَالْفَارَةِ فَلَا عَمَلَ بِمَفْهُومِهِمَ. وَجَمَدَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى عَادَتِهِ فَخَصَّ التَّفْرِقَةَ بِالْفَارَةِ، فَلَوْ وَقَعَ غَيْرُ جِنْسِ الْفَارِ مِنَ الدَّوَابِّ فِي مَائِعٍ لَمْ يَنْجُسْ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ. وَضَابِطُ الْمَائِعِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ أَنْ يَتَرَادَّ بِسُرْعَةٍ إِذَا أُخِذَ مِنْهُ شَيْءٌ. وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ " فَمَاتَتْ " عَلَى أَنَّ تَاثِيرَهَا فِي الْمَائِعِ إِنَّمَا يَكُونُ بِمَوْتِهَا فِيهِ الفأر فِي السمن فَلَوْ وَقَعَتْ فِيهِ وَخَرَجَتْ بِلَا مَوْتٍ لَمْ يَضُرَّهُ، وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ التَّقْيِيدُ بِالْمَوْتِ، فَيَلْزَمُ مَنْ لَا يَقُولُ بِحَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَنْ يَقُولَ بِالتَّاثِيرِ وَلَوْ خَرَجَتْ وَهِيَ فِي الْحَيَاةِ، وَقَدِ الْتَزَمَهُ ابْنُ حَزْمٍ فَخَالَفَ الْجُمْهُورَ أَيْضًا. فتح٥٥٤٠ قَالَ الْحَافِظُ: قَوْلُهُ (بَابُ إِذَا وَقَعَتِ الْفَارَةُ فِي السَّمْنِ الْجَامِدِ أَوِ الذَّائِبِ) أَيْ هَلْ يَفْتَرِقُ الْحُكْمُ أَوْ لَا؟ وَكَأَنَّهُ (البخاري) تَرَكَ الْجَزْمَ بِذَلِكَ لِقُوَّةِ الِاخْتِلَافِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الطَّهَارَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يُخْتَارُ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ. فتح٥٥٣٨ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْفَارَةَ طَاهِرَةُ الْعَيْنِ، وَأَغْرَبَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَحَكَى عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ. فتح٥٥٤٠

стр. 10943

لَبَن الْمَيْتَة وَإِنْفَحَتهَا لَبَنُ مَيْتَةِ مَأكُولِ اللَّحْمِ مِنَ الْحَيَوَانِ نَجِسٌ وَذَلِكَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، وَذَلِكَ لأَنَّ اللَّبَنَ مَائِعٌ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ فَكَانَ نَجِسًا كَمَا لَوْ حُلِبَ فِي وِعَاءٍ نَجِسٍ. وَعِنْدَ أبي حَنِيفَةَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ لَبَنُ مَيْتَةِ مَأكُولِ اللَّحْمِ طَاهِرٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾ "، وَصَفَ اللَّبَنَ مُطْلَقًا بِالْخُلُوصِ وَالسُّيُوغِ مَعَ خُرُوجِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ، وَهَذَا آيَةُ الطَّهَارَةِ، وَكَذَا الآيَةُ خَرَجَتْ مَخْرَجَ الامْتِنَانِ، وَالْمِنَّةُ فِي مَوْضِعِ النِّعْمَةِ تَدُلُّ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَكَلُوا الْجُبْنَ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِالإِنْفَحَةِ، وَهِيَ تُؤْخَذُ مِنْ صِغَارِ الْمَعْزِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ اللَّبَنِ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ. (١) مَا سَبَقَ إِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ لِلْحَيَوَانِ الْحَيِّ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ وَمَيْتَتِهِ، وَذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ لَبَنَ الْحَيَوَانَاتِ الْمُتَّفَقِ عَلَى حُرْمَةِ أَكْلِهَا نَجِسٌ حَيَّةً كَانَتْ أَوْ مَيِّتَةً، يَقُولُ ابْنُ قُدَامَةَ: حُكْمُ الأَلْبَانِ حُكْمُ اللُّحْمَانِ. (٢) وَفِي نِهَايَةِ الْمُحْتَاجِ: لَبَنُ مَا لا يُؤْكَلُ كَلَبَنِ الأَتَانِ نَجِسٌ لِكَوْنِهِ مِنَ الْمُسْتَحِيلاتِ فِي الْبَاطِنِ فَهُوَ نَجِسٌ (٣) وَفِي جَوَاهِرِ الإِكْلِيلِ: لَبَنُ غَيْرِ الآدَمِيِّ الْمَحْلُوبِ فِي حَالِ الْحَيَاةِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ تَابِعٌ لِلَحْمِهِ فِي الطَّهَارَةِ وَعَدَمِهَا، (٤) وَفِي الْفَتَاوَى الْهِنْدِيَّةِ: الْحِمَارُ الأَهْلِيُّ لَحْمُهُ حَرَامٌ فَكَذَلِكَ لَبَنُهُ. (٥) الإِنْفَحَةُ: مَادَّةٌ بَيْضَاءُ صَفْرَاوِيَّةٌ فِي وِعَاءٍ جِلْدِيٍّ يُسْتَخْرَجُ مِنْ بَطْنِ الْجَدْيِ أَوِ الْحَمَلِ الرَّضِيعِ يُوضَعُ مِنْهَا قَلِيلٌ فِي اللَّبَنِ الْحَلِيبِ فَيَنْعَقِدُ وَيَتَكَاثَفُ وَيَصِيرُ جُبْنًا، وَجِلْدَةُ الإِنْفَحَةِ هِيَ الَّتِي تُسَمَّى كَرِشًا إِذَا رَعَى الْحَيَوَانُ الْعُشْبَ. (٦) وَالإِنْفَحَةُ إِنْ أُخِذَتْ مِنْ مُذَكًّى ذَكَاةً شَرْعِيَّةً فَهِيَ طَاهِرَةٌ مَأكُولَةٌ بِالاتِّفَاقِ، وَقَيَّدَ الشَّافِعِيَّةُ ذَلِكَ بِأَلا يُطْعَمَ الْمُذَكَّى غَيْرُ اللَّبَنِ. وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ مَيِّتٍ، أَوْ مِنْ مُذَكًّى ذَكَاةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ فَهِيَ نَجِسَةٌ غَيْرُ مَأكُولَةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ، وَطَاهِرَةٌ مَأكُولَةٌ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ صُلْبَةً أَمْ مَائِعَةً قِيَاسًا عَلَى اللَّبَنِ. وَقَالَ الصَّاحِبَانِ: إِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُغْسَلُ ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَلُ، وَإِنْ كَانَتْ مَائِعَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ وِعَائِهَا بِالْمَوْتِ فَلا تُؤْكَلُ. (٧) اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْحُكْمِ بِنَجَاسَةِ إِنْفَحَةِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْحَيَوَانِ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ، حَيْثُ إِنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي صِنَاعَةِ الْجُبْنِ، وَذَلِكَ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: أَحَدُهَا: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَنَّهَا نَجِسَةٌ، وَالْجُبْنُ الْمَعْقُودُ بِهَا مُتَنَجِّسٌ، لا يَحِلُّ أَكْلُهُ، لأَنَّ تَحْرِيمَ الْمَيْتَةِ تَحْرِيمٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا، وَمِنْهَا الإِنْفَحَةُ. وَالثَّانِي: لأَبِيْ يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ صَاحِبَيْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَهُوَ أَنَّهَا إِنْ كَانَتْ مَائِعَةً فَهِيَ نَجِسَةٌ لِنَجَاسَةِ وِعَائِهَا، وَإِنْ كَانَتْ صُلْبَةً يُغْسَلُ ظَاهِرُهَا وَتُؤْكَلُ. وَالثَّالِثُ: لأَبِيْ حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ رَجَّحَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ، لأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمَّا دَخَلُوا الْمَدَائِنَ أَكَلُوا الْجُبْنَ، وَهُوَ يُعْمَلُ بِالإِنْفَحَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ صِغَارِ الْمَعْزِ، وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ. (٨)

стр. 10944

شَحْم الْمَيْتَة الشَّحْمُ فِي الْحَيَوَانِ: هُوَ جَوْهَرُ السِّمَنِ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي سَنَامَ الْبَعِيرِ شَحْمًا وَبَيَاضَ الْبَطْنِ شَحْمًا. وَالْجَمْعُ شُحُومٌ. (١) وَلا يَخْرُجُ الْمَعْنَى الاصْطِلاحِيُّ عَنِ الْمَعْنَى اللُّغَوِيِّ. وَالشَّحْمُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ: هُوَ الَّذِي يَكُونُ فِي الْجَوْفِ مِنْ شَحْمِ الْكُلَى أَوْ غَيْرِهِ. وَيَقُولُ الْبَعْضُ: الشَّحْمُ كُلُّ مَا يَذُوبُ بِالنَّارِ مِمَّا فِي الْحَيَوَانِ. (٢)

стр. 10945

(حم) , عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ (سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: " إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ " , فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ , فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ , وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ , وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ (١) فَقَالَ: " لَا , هُوَ حَرَامٌ " , ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ , إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ , جَمَلُوهَا (٢) ثُمَّ بَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا) (٣) (وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ") (٤) الشَّرْح: (عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ) فِيهِ بَيَانُ تَارِيخِ ذَلِكَ; وَكَانَ ذَلِكَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ مِنَ الْهِجْرَةِ, وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ التَّحْرِيمُ وَقَعَ قَبْلَ ذَلِكَ ثُمَّ أَعَادَهُ ﷺ لِيَسْمَعَهُ مَنْ لَمْ يَكُنْ سَمِعَهُ. فتح٢٢٣٦ (إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ) هَكَذَا وَقَعَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِسْنَادِ الْفِعْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْوَاحِدِ وَكَانَ الْأَصْلُ ... "حَرَّمَا" فَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: إِنَّهُ ﷺ تَأَدَّبَ فَلَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اسْمِ اللَّهِ فِي ضَمِيرِ الِاثْنَيْنِ؛ لِأَنَّهُ مِنْ نَوْعِ مَا رَدَّ بِهِ عَلَى الْخَطِيبِ الَّذِي قَالَ: "وَمَنْ يَعْصِهِمَا" كَذَا قَالَ, وَلَمْ تَتَّفِقِ الرُّوَاةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحِ: "إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ" لَيْسَ فِيهِ "وَرَسُولَهُ" وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ مَرْدَوْيهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنِ اللَّيْثِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَا" وَقَدْ صَحَّ حَدِيثُ أَنَسٍ فِي النَّهْيِ عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ: "إِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يَنْهَيَانِكُمْ" وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ "يَنْهَاكُمْ" وَالتَّحْقِيقُ جَوَازُ الْإِفْرَادِ فِي مِثْلِ هَذَا, وَوَجْهُهُ الْإِشَارَةُ إِلَى أَنَّ أَمْرَ النَّبِيِّ نَاشِئٌ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ, وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ: ﴿وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ﴾ وَالْمُخْتَارُ فِي هَذَا أَنَّ الْجُمْلَةَ الْأُولَى حُذِفَتْ لِدَلَالَةِ الثَّانِيَةِ عَلَيْهَا، وَالتَّقْدِيرُ عِنْدَ سِيبَوَيْهِ: وَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ, وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ. فتح٢٢٣٦ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ) نَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى تَحْرِيمِ بَيْعِ الْمَيْتَةِ, وَيُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ السَّمَكُ وَالْجَرَادُ. فتح٢٢٣٦ (وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ) أَيْ: وَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَهَبٍ أَوْ فِضَّةٍ. تحفة١٢٩٧ الْأَصْنَامُ: جَمْعُ صَنَمٍ , قَالَ الْجَوْهَرِيُّ: هُوَ الْوَثَنُ, وَفَرَّقَ بَيْنهمَا فِي النِّهَايَة فَقَالَ الْوَثَن كُلّ مَا لَهُ جُثَّة مَعْمُولَة مِنْ جَوَاهِر الْأَرْض أَوْ مِنْ الْخَشَب أَوْ مِنْ الْحِجَارَة كَصُورَةِ الْآدَمِيّ تُعْمَل وَتُنْصَب فَتُعْبَد، وَالصَّنَم الصُّورَة بِلَا جُثَّة. قَالَ: وَقَدْ يُطْلَق الْوَثَن عَلَى غَيْر الصُّورَة. عون٣٤٨٦ قلت: قد قال ﴿إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً﴾ [الأنعام: ٧٤] وقال ﴿لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٢] وقال تعالى ﴿فَجَعَلَهُمْ جُذَاذًا إِلَّا كَبِيرًا لَهُمْ لَعَلَّهُمْ إِلَيْهِ يَرْجِعُونَ﴾ [الأنبياء: ٥٨] فدلت هذه الآيات على أن الصنم: تمثال وله جثة. ع (فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ , فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ , وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ , (وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ) أَيْ: يَجْعَلُونَهَا فِي سُرُجِهمْ وَمَصَابِيحهمْ يَسْتَضِيئُونَ بِهَا , أَيْ فَهَل يَحِلّ بَيْعهَا لِمَا ذُكِرَ مِنْ الْمَنَافِع , فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَة لِصِحَّةِ الْبَيْع. عون٣٤٨٦ أَيْ: فَهَلْ يَحِلُّ بَيْعُهَا لِمَا ذُكِرَ مِنَ الْمَنَافِعِ فَإِنَّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِصِحَّةِ الْبَيْعِ. فتح٢٢٣٦ (فَقَالَ: " لَا , هُوَ حَرَامٌ ") أَيِ: الْبَيْعُ, هَكَذَا فَسَّرَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ كَالشَّافِعِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ, وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَ قَوْلَهُ: "وَهُوَ حَرَامٌ" عَلَى الِانْتِفَاعِ فَقَالَ: يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهَا وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ, فَلَا يُنْتَفَعُ مِنَ الْمَيْتَةِ أَصْلًا عِنْدَهُمْ إِلَّا مَا خُصَّ بِالدَّلِيلِ وَهُوَ الْجِلْدُ الْمَدْبُوغُ, وَاخْتَلَفُوا فِيمَا يَتَنَجَّسُ مِنَ الْأَشْيَاءِ الطَّاهِرَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى الْجَوَازِ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ: لَا يُنْتَفَعُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ، وَاسْتَدَلَّ الْخَطَّابِيُّ عَلَى جَوَازِ الِانْتِفَاعِ بِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ مَنْ مَاتَتْ لَهُ دَابَّةٌ سَاغَ لَهُ إِطْعَامُهَا لِكِلَابِ الصَّيْدِ فَكَذَلِكَ يَسُوغُ دَهْنُ السَّفِينَةِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ وَلَا فَرْقَ. فتح٢٢٣٦ (ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ) أَيْ: أَهْلَكَهُمْ وَلَعَنَهُمْ , إِخْبَارٌ أَوْ دُعَاءٌ. تحفة١٢٩٧ (إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ) أَيْ: شُحُومَ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ﴿وَمِنْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا﴾.تحفة١٢٩٧ (جَمَلُوهَا) جَمَلَ الشحمَ: أذابه وأخرج ما به من دهن. قَالَ الْخَطَّابِيّ أَيْ: أَذَابُوهَا حَتَّى تَصِير وَدِكًا , فَيَزُول عَنْهَا اِسْم الشَّحْم. عون٣٤٨٦ ثُمَّ بَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا) (وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ") سِيَاقُهُ مُشْعِرٌ بِقُوَّةِ مَا أَوَّلَهُ الْأَكْثَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ "هُوَ حَرَامٌ" الْبَيْعُ لَا الِانْتِفَاعُ. فتح٢٢٣٦ قَالَ النووي: قَالَ أَصْحَابنَا: الْعِلَّة فِي مَنْع بَيْع الْمَيْتَة وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير النَّجَاسَة، فَيَتَعَدَّى إِلَى كُلّ نَجَاسَة، وَالْعِلَّة فِي الْأَصْنَام كَوْنهَا لَيْسَ فِيهَا مَنْفَعَة مُبَاحَة، فَإِنْ كَانَتْ بِحَيْثُ إِذَا كُسِرَتْ يُنْتَفَع بِرُضَاضِهَا فَفِي صِحَّة بَيْعهَا خِلَاف مَشْهُور لِأَصْحَابِنَا؛ مِنْهُمْ مَنْ مَنَعَهُ لِظَاهِرِ النَّهْي وَإِطْلَاقه، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوَّزَهُ اِعْتِمَادًا عَلَى الِانْتِفَاع، وَتَأَوَّلَ الْحَدِيث عَلَى مَا لَمْ يَنْتَفِع بِرُضَاضِهِ، أَوْ عَلَى كَرَاهَة التَّنْزِيه فِي الْأَصْنَام خَاصَّة. وَأَمَّا الْمَيْتَة وَالْخَمْر وَالْخِنْزِير: فَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيم بَيْع كُلّ وَاحِد مِنْهَا. وَاَللَّه أَعْلَم. النووي (٧١ - (١٥٨١) فَوائِدُ الْحَدِيث: (إِنَّ اللَّه حَرَّمَ بَيْع الْخَمْر): الْعِلَّة فِيهِ السُّكْر , فَيَتَعَدَّى ذَلِكَ إِلَى كُلّ مُسْكِر. عون٣٤٨٦ قَالَ الْعُلَمَاء: وَفِي عُمُوم تَحْرِيم بَيْع الْمَيْتَة أَنَّهُ يَحْرُم بَيْع جُثَّة الْكَافِر إِذَا قَتَلْنَاهُ، وَطَلَب الْكُفَّار شِرَاءَهُ، أَوْ دَفْع عِوَض عَنْهُ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيث: أَنَّ نَوْفَل بْن عَبْد اللَّه الْمَخْزُومِيّ قَتَلَهُ الْمُسْلِمُونَ يَوْم الْخَنْدَق، فَبَذَلَ الْكُفَّار فِي جَسَده عَشْرَة آلَاف دِرْهَم لِلنَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَأخُذهَا، وَدَفَعَهُ إِلَيْهِمْ، وَذَكَرَ التِّرْمِذِيّ حَدِيثًا نَحْو هَذَا. قَالَ الْقَاضِي: تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيث أَنَّ مَا لَا يَحِلّ أَكْله وَالِانْتِفَاع بِهِ لَا يَجُوز بَيْعه، وَلَا يَحِلّ أَكْل ثَمَنه، كَمَا فِي الشُّحُوم الْمَذْكُورَة فِي الْحَدِيث، فَاعْتَرَضَ بَعْض الْيَهُود وَالْمَلَاحِدَة بِأَنَّ الِابْن إِذَا وَرِثَ مِنْ أَبِيهِ جَارِيَة كَانَ الْأَب وَطِئَهَا فَإِنَّهَا تَحْرُم عَلَى الِابْن، وَيَحِلّ لَهُ بَيْعهَا بِالْإِجْمَاعِ وَأَكْل ثَمَنهَا، قَالَ الْقَاضِي: وَهَذَا تَمْوِيه عَلَى مَنْ لَا عِلْم عِنْده؛ لِأَنَّ جَارِيَة الْأَب لَمْ يَحْرُم عَلَى الِابْن مِنْهَا غَيْر الِاسْتِمْتَاع عَلَى هَذَا الْوَلَد دُون غَيْره مِنْ النَّاس، وَيَحِلّ لِهَذَا الِابْن الِانْتِفَاع بِهَا فِي جَمِيع الْأَشْيَاء سِوَى الِاسْتِمْتَاع، وَيَحِلّ لِغَيْرِهِ الِاسْتِمْتَاع وَغَيْره، بِخِلَافِ الشُّحُوم فَإِنَّهَا مُحَرَّمَة، الْمَقْصُود مِنْهَا، وَهُوَ الْأَكْل مِنْهَا عَلَى جَمِيع الْيَهُود، وَكَذَلِكَ شُحُوم الْمَيْتَة مُحَرَّمَة الْأَكْل عَلَى كُلّ أَحَد، وَكَانَ مَا عَدَا الْأَكْل تَابِعًا لَهُ، بِخِلَافِ مَوْطُوءَة الْأَب. وَاَللَّه أَعْلَم. النووي (٧١ - (١٥٨١) قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى بُطْلَانِ كُلِّ حِيلَةٍ تُحْتَالُ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى مُحَرَّمٍ وَأَنَّهُ لَا يَتَغَيَّرُ حُكْمُهُ بِتَغَيُّرِ هَيْئَتِهِ وَتَبْدِيلِ اِسْمِهِ. تحفة١٢٩٧ وفيه دليل أن من احتال في استعمال الأشياء المحرمة كان ملعونا , لكونه سلك مسلك اليهود الذين لعنهم الله تعالى , لانتهاكهم ما حرم الله تعالى بالاحتيال. ذخيرة٤٢٥٦ قوله: (وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ) فيه دليل على أن شرع من قبلنا شرع لنا , سيما أنه استدل بعد قوله هذه الجملة بما أُمِر به اليهود من تحريم الشحوم , وكيف أنهم انتفعوا بأثمانها , فذكر الأمم السابقة بعد ذكر الحكم , وتعميم قوله تعالى (وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ) يدل على ما أشرنا إليه. ع مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: شَحْمُ الْحَيَوَانِ الْمُذَكَّى حَلالٌ مِنْ أَيِّ مَكَانٍ أُخِذَ. وَأَمَّا الْحَيَوَانَاتُ غَيْرُ الْمَأكُولَةِ كَالْخِنْزِيرِ فَشَحْمُهَا حَرَامٌ كَغَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ أَكْلُ شُحُومِ الْمَيْتَةِ فَلا تُؤَثِّرُ التَّذْكِيَةُ فِيهِ. أَمَّا الانْتِفَاعُ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي غَيْرِ الأَكْلِ فَقَدْ ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى عَدَمِ جَوَازِهِ فِي شَيْءٍ أَصْلا، سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِلأَدِلَّةِ التَّالِيَةِ: أَوَّلا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " لَمَّا سُئِلَ عَنْ الانْتِفَاعِ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ بِاسْتِصْبَاحٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: لا، هُوَ حَرَامٌ ". ثَانِيًا: وَقَوْلُهُ ﷺ : " لا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ ". ثَالِثًا: وَلأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّلَوُّثِ بِهِ، وَلِكَرَاهَةِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ. (٥) وَيَرَى الشَّافِعِيَّةُ جَوَازَ الانْتِفَاعِ بِشَحْمِ الْمَيْتَةِ فِي طَلْيِ السُّفُنِ وَالاسْتِصْبَاحِ بِهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلا فِي بَدَنِ الآدَمِيِّ. وَبِهَذَا قَالَ أَيْضًا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ (٦) وَرَأَوْا أَنَّ الضَّمِيرَ فِي " هُوَ حَرَامٌ " يَرْجِعُ إِلَى الْبَيْعِ لا إِلَى مُطْلَقِ الانْتِفَاعِ. قال النووي: قَوْله ﷺ : (لَا هُوَ حَرَام) فَمَعْنَاهُ: لَا تَبِيعُوهَا فَإِنَّ بَيْعهَا حَرَام، وَالضَّمِير فِي (هُوَ) يَعُود إِلَى الْبَيْع، لَا إِلَى الِانْتِفَاع، هَذَا هُوَ الصَّحِيح عِنْد الشَّافِعِيّ وَأَصْحَابه أَنَّهُ يَجُوز الِانْتِفَاع بِشَحْمِ الْمَيْتَة فِي طَلْي السُّفُن وَالِاسْتِصْبَاح بِهَا، وَغَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِأَكْلٍ وَلَا فِي بَدَن الْآدَمِيّ، وَبِهَذَا قَالَ أَيْضًا عَطَاء بْن أَبِي رَبَاح وَمُحَمَّد بْن جَرِير الطَّبَرِيّ. وَأَمَّا الزَّيْت وَالسَّمْن وَنَحْوهمَا مِنْ الْأَدْهَان الَّتِي أَصَابَتْهَا نَجَاسَة فَهَلْ يَجُوز الِاسْتِصْبَاح بِهَا وَنَحْوه مِنْ الِاسْتِعْمَال فِي غَيْر الْأَكْل وَغَيْر الْبَدَن، أَوْ يَجْعَل مِنْ الزَّيْت صَابُونًا أَوْ يُطْعِم الْعَسَل الْمُتَنَجِّس لِلنَّحْلِ، أَوْ يُطْعِم الْمَيْتَة لِكِلَابِهِ، أَوْ يُطْعِم الطَّعَام النَّجِس لِدَوَابِّهِ فِيهِ خِلَاف بَيْن السَّلَف، الصَّحِيح مِنْ مَذْهَبنَا: جَوَاز جَمِيع ذَلِكَ، وَنَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاض عَنْ مَالِك وَكَثِير مِنْ الصَّحَابَة وَالشَّافِعِيّ وَالثَّوْرِيّ وَأَبِي حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث بْن سَعْد، قَالَ: وَرُوِيَ نَحْوه عَنْ عَلِيّ وَابْن عُمَر وَأَبِي مُوسَى وَالْقَاسِم بْن مُحَمَّد وَسَالِم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر، قَالَ: وَأَجَازَ أَبُو حَنِيفَة وَأَصْحَابه وَاللَّيْث وَغَيْرهمْ بَيْع الزَّيْت النَّجِس إِذَا بَيَّنَهُ. النووي (٧١ - (١٥٨١)

стр. 10946

عَظْم الْمَيْتَة قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٥٦: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ فِي عِظَامِ المَوْتَى، نَحْوَ الفِيلِ وَغَيْرِهِ: " أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ سَلَفِ العُلَمَاءِ يَمْتَشِطُونَ بِهَا، وَيَدَّهِنُونَ فِيهَا، لَا يَرَوْنَ بِهِ بَأسًا " وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ: «وَلَا بَأسَ بِتِجَارَةِ العَاجِ» الشَّرْح: قوله (فِي عِظَامِ الْمَوْتَى نَحْوِ الْفِيلِ وَغَيْرِهِ) أَيْ: مِمَّا لَا يُؤْكَلُ. (أَدْرَكْتُ نَاسًا) أَيْ: كَثِيرًا , وَالتَّنْوِينُ لِلتَّكْثِيرِ قَوْلُهُ وَيَدَّهِنُونَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مِنْ بَابِ الِافْتِعَالِ وَيَجُوزُ ضَمُّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانُ الدَّالِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَقُولُونَ بِطَهَارَتِهِ وَسَنَذْكُرُ الْخِلَافَ فِيهِ قَرِيبا قَوْله وَقَالَ بن سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمُ لَمْ يَذْكُرِ السَّرْخَسِيُّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِوَايَتِهِ وَلَا أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنِ الْفَرَبْرِيِّ وَأَثَرُ بن سِيرِينَ وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بِالتِّجَارَةِ فِي الْعَاجِ بَأسًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرَاهُ طَاهِرًا لِأَنَّهُ لَا يُجِيزُ بَيْعَ النَّجِسِ وَلَا الْمُتَنَجِّسِ الَّذِي لَا يُمْكِنُ تَطْهِيرُهُ بِدَلِيلِ قِصَّتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي الزَّيْت والعاج هُوَ نَاب الْفِيل قَالَ بن سِيدَهْ لَا يُسَمَّى غَيْرُهُ عَاجًا وَقَالَ الْقَزَّازُ أَنْكَرَ الْخَلِيلُ أَنْ يُسَمَّى غَيْرُ نَابِ الْفِيلِ عاجا وَقَالَ بن فَارِسٍ وَالْجَوْهَرِيُّ الْعَاجُ عَظْمُ الْفِيلِ فَلَمْ يُخَصِّصَاهُ بِالنَّابِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ تَبَعًا لِابْنِ قُتَيْبَةَ الْعَاجُ الذَّبْلُ وَهُوَ ظَهْرُ السُّلَحْفَاءِ الْبَحْرِيَّةِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَفِي الصِّحَاحِ الْمِسْكُ السِّوَارُ مِنْ عَاجٍ أَوْ ذَبْلٍ فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا لَكِنْ قَالَ الْقَالِي الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ عَظْمٍ عَاجًا فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَلَا حُجَّةَ فِي الْأَثَرِ الْمَذْكُورِ عَلَى طَهَارَةِ عَظْمِ الْفِيلِ لَكِنَّ إِيرَادَ الْبُخَارِيِّ لَهُ عَقِبَ أَثَرِ الزُّهْرِيِّ فِي عَظْمِ الْفِيلِ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ مَا قَالَ الْخَلِيلُ. فتح (١/ ٣٤٣) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اخْتَلَفُوا فِي عَظْمِ الْمَيْتَةِ أَوِ الْمَذْبُوحِ الَّذِي لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَالشَّافِعِيَّةُ، وَالْحَنَابِلَةُ، وَإِسْحَاقُ إِلَى أَنَّ عِظَامَ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ سَوَاءٌ كَانَتْ مَيْتَةَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ أَوْ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، وَسَوَاءٌ فِي غَيْرِ مَأكُولِ اللَّحْمِ ذُبِحَ أَوْ لَمْ يُذْبَحْ، وَأَنَّهَا لا تَطْهُرُ بِحَالٍ، وَيَحْرُمُ اسْتِعْمَالُهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾؛ وَلأَنَّ ابْنَ عُمَرَ ﵄: كَرِهَ أَنْ يَدَّهِنَ فِي عَظْمِ فِيلٍ؛ لأَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ، كَمَا يَقُولُ النَّوَوِيُّ. وَكَذَا مَا أُبِينَ مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسِ الْمَيْتَةِ مِنَ الْعِظَامِ سَوَاءٌ كَانَ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا؛ لأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَأَشْبَهَ الأَعْضَاءَ، وَكَرِهَ عَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵃ عِظَامَ الْفِيَلَةِ، وَرَخَّصَ فِي الانْتِفَاعِ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى طَهَارَةِ عِظَامِ الْمَيْتَةِ. (١) وَالثَّانِي: لِلْحَنَفِيَّةِ وَابْنُ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ اخْتَارَهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ وَهُوَ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهَا، وَذَلِكَ لأَنَّهَا أَجْسَامٌ مُنْتَفَعٌ بِهَا، غَيْرُ مُتَعَرِّضَةٍ لِلتَّعَفُّنِ وَالْفَسَادِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِطَهَارَتِهَا، كَالْجُلُودِ الْمَدْبُوغَةِ، وَلأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ لَيْسَتْ لأَعْيَانِهَا، بَلْ لِمَا فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ السَّائِلَةِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ، وَهِيَ لَيْسَتْ مَوْجُودَةً فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ. (٢) اخْتَلَفَتْ أَقْوَالُ الْفُقَهَاءِ فِي طَهَارَةِ الْعَاجِ أَوْ نَجَاسَتِهِ عَلَى ثَلاثَةِ أَقْوَالٍ: الأَوَّلُ: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَهُوَ الْمَذْهَبُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ، قَالُوا: إِنَّ الْعَاجَ الْمُتَّخَذَ مِنْ عَظْمِ الْفِيلِ نَجِسٌ لأَنَّ عَظْمَهُ نَجِسٌ، وَسَوَاءٌ أُخِذَ الْعَظْمُ مِنَ الْفِيلِ وَهُوَ حَيٌّ أَوْ وَهُوَ مَيِّتٌ، لأَنَّ مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ، وَسَوَاءٌ أُخِذَ مِنْهُ بَعْدَ ذَكَاتِهِ أَوْ بَعْدَ مَوْتِهِ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى نَجَاسَتِهِ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وَالْعَظْمُ مِنْ جُمْلَتِهَا فَيَكُونُ مُحَرَّمًا وَالْفِيلُ لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَهُوَ نَجِسٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ. وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ كَذَلِكَ بِمَا رَوَى عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُدْهِنَ فِي عَظْمِ فِيلٍ، لأَنَّهُ مَيْتَةٌ، وَالسَّلَفُ يُطْلِقُونَ الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ، وَلأَنَّهُ جُزْءٌ مُتَّصِلٌ بِالْحَيَوَانِ اتِّصَالَ خِلْقَةٍ فَأَشْبَهَ الأَعْضَاءَ. وَأَمَّا مَا رُوِيَ مِنْ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ امْتَشَطَ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ " (٣)، وَمَا رُوِيَ مِنْ " أَنَّهُ ﷺ طَلَبَ مِنْ ثَوْبَانَ أَنْ يَشْتَرِيَ لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهَا قِلادَةً مِنْ عَصَبٍ وَسِوَارَيْنِ مِنْ عَاجٍ " (٤)، فَلا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ عَلَى الطَّهَارَةِ، لأَنَّ الْعَاجَ هُوَ الذَّبْلُ وَهُوَ عَظْمُ ظَهْرِ السُّلَحْفَاةِ الْبَحْرِيَّةِ، كَذَا قَالَهُ الأَصْمَعِيُّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُمَا مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ: الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ عَظْمٍ عَاجًا. (٥) - الْقَوْلُ الثَّانِي: أَنَّهُ طَاهِرٌ، قَالَ بِذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ - غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ - وَهُوَ طَرِيقٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ، ذَكَرَهَا صَاحِبُ الْفُرُوعِ، وَخَرَّجَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا الطَّهَارَةَ، قَالَ فِي الْفَائِقِ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ، قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ: الْقَوْلُ بِالطَّهَارَةِ هُوَ الصَّوَابُ. وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ الْعَظْمَ لَيْسَ بِمَيِّتٍ؛ لأَنَّ الْمَيْتَةَ مِنَ الْحَيَوَانِ فِي عُرْفِ الشَّرْعِ اسْمٌ لِمَا زَالَتْ حَيَاتُهُ لا بِصُنْعِ أَحَدٍ مِنَ الْعِبَادِ، أَوْ بِصُنْعٍ غَيْرِ مَشْرُوعٍ وَلا حَيَاةَ فِي الْعَظْمِ فَلا يَكُونُ مَيْتَةً، كَمَا أَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ لَيْسَتْ لأَعْيَانِهَا، بَلْ لِمَا فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ السَّائِلَةِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ، وَلَمْ تُوجَدْ فِي الْعَظْمِ. (٦) وَاسْتَدَلُّوا مِنَ السُّنَّةِ بِمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: " ﴿قُلْ لا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ﴾، أَلا كُلُّ شَيْءٍ مِنَ الْمَيْتَةِ حَلالٌ إِلا مَا أُكِلَ مِنْهَا " (٧) وَبِمَا رُوِيَ عَنْ أَنَسٍ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ ". الْقَوْلُ الثَّالِثُ: وَهُوَ التَّفْصِيلُ بَيْنَ ذَكَاةِ الْحَيَوَانِ الْمَأخُوذِ مِنْهُ الْعَاجُ - وَهُوَ الْفِيلُ - أَوْ عَدَمِ ذَكَاتِهِ، وَهُوَ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ، جَاءَ فِي الدَّرْدِيرِ وَحَاشِيَةِ الدُّسُوقِيِّ: الظَّاهِرُ مَا ذُكِّيَ مِنَ الْحَيَوَانِ ذَكَاةً شَرْعِيَّةً، وَكَذَلِكَ جُزْؤُهُ مِنْ عَظْمِ لَحْمٍ وَظُفْرٍ وَسِنٍّ وَجِلْدٍ إِلا مُحَرَّمُ الأَكْلِ كَالْخَيْلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ وَالْخِنْزِيرِ، فَإِنَّ الذَّكَاةَ لا تَنْفَعُ فِيهَا (٨) وَالنَّجِسُ مَا أُبِينَ مِنْ حَيَوَانٍ نَجِسِ الْمَيْتَةِ حَيًّا أَوْ مَيِّتًا مِنْ قَرْنٍ وَعَظْمٍ وَظِلْفٍ وَظُفْرٍ وَعَاجٍ أَيْ سِنِّ فِيلٍ. (٩) وَفِي الْمَوَّاقِ: قَالَ ابْنُ شَاسٍ: كُلُّ حَيَوَانٍ غَيْرِ الْخِنْزِيرِ يَطْهُرُ بِذَكَاتِهِ كُلُّ أَجْزَائِهِ مِنْ لَحْمٍ وَعَظْمٍ وَجِلْدٍ. (١٠) وَعَلَى ذَلِكَ فَإِذَا أُخِذَ الْعَاجُ مِنْ عِظَامِ الْفِيلِ وَهُوَ حَيٌّ، أَوْ وَهُوَ مَيِّتٌ لَمْ يُذَكَّ فَهُوَ نَجِسٌ، وَإِذَا أُخِذَ بَعْدَ ذَكَاتِهِ فَهُوَ طَاهِرٌ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ. وَهُوَ وَجْهٌ شَاذٌّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: فِي بَابِ الأَطْعِمَةِ: وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّ الْفِيلَ يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَعَلَى هَذَا إِذَا ذُكِّيَ كَانَ عَظْمُهُ طَاهِرًا. (١١)

стр. 10947

وَبَر الْمَيْتَة وَرِيشهَا قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٥٦: وَقَالَ حَمَّادٌ: «لَا بَأسَ بِرِيشِ المَيْتَةِ» الشَّرْح: حَمَّادٌ: هُوَ بن أَبِي سُلَيْمَانَ الْفَقِيهُ الْكُوفِيُّ. فتح (١/ ٣٤٣) (لَا بَأسَ بِرِيشِ الْمَيْتَةِ) أَيْ: لَيْسَ نَجِسًا وَلَا يَنْجُسُ المَاء بملاقاته سَوَاء كَانَ ريش مَأكُول أوغيره وَأَثَرُهُ هَذَا وَصَلَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ. فتح (١/ ٣٤٣) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: إِذَا دُبِغَ جِلْدُ الْمَيْتَةِ وَعَلَيْهِ شَعْرٌ (أَوْ رِيش) قَالَ فِي الأُمِّ: لا يَطْهُرُ لأَنَّ الدِّبَاغَ لا يُؤَثِّرُ فِي تَطْهِيرِهِ. وَرَوَى الرَّبِيعُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْجِيزِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَطْهُرُ؛ لأَنَّهُ شَعْرٌ - رِيشٌ - نَابِتٌ عَلَى جِلْدٍ طَاهِرٍ فَكَانَ كَالْجِلْدِ فِي الطَّهَارَةِ، كَشَعْرِ الْحَيَوَانِ حَالَ الْحَيَاةِ، وَالأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ. (١)

стр. 10948

شَعْر الْمَيْتَة وَصُوفهَا اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي حُكْمِ الانْتِفَاعِ بِصُوفِ وَشَعْرِ وَوَبَرِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ عَلَى قَوْلَيْنِ: (١) الأَوَّلُ: لِجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَذْهَبِ، وَهُوَ أَنَّ صُوفَ الْمَيْتَةِ وَشَعْرَهَا وَوَبَرَهَا طَاهِرٌ يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِهِ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ ألمُنْذِرِ وَغَيْرِهِمْ. وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾، فَعَمَّ اللَّهُ الْجَمِيعَ بِالإِبَاحَةِ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ الْمُذَكَّى مِنْهَا وَبَيْنَ الْمَيْتَةِ، وَلأَنَّهُ ذَكَرَ هَذِهِ الأَشْيَاءَ فِي مَعْرِضِ الْمِنَّةِ، وَالْمِنَّةُ لا تَقَعُ بِالنَّجِسِ الَّذِي لا يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهِ. وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِهِ ﷺ فِي الْمَيْتَةِ: " إِنَّمَا حُرِّمَ أَكْلُهَا ". قَالَ الْجَصَّاُصُ: فَأَبَانَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِتَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ، فَلَمَّا لَمْ يَكُنِ الشَّعْرُ وَالصُّوفُ وَالْعَظْمُ وَنَحْوُهَا مِنَ الْمَأكُولِ لَمْ يَتَنَاوَلْهَا التَّحْرِيمُ. (٢) كَمَا اسْتَدَلُّوا بِأَنَّ هَذِهِ الشُّعُورَ وَالأَصْوَافَ وَالأَوْبَارَ أَجْسَامٌ مُنْتَفَعٌ بِهَا، لِعَدَمِ تَعَرُّضِهَا لِلتَّعَفُّنِ وَالْفَسَادِ، فَوَجَبَ أَنْ يُقْضَى بِطَهَارَتِهَا كَالْجُلُودِ الْمَدْبُوغَةِ، وَلأَنَّ نَجَاسَةَ الْمَيْتَاتِ لَيْسَتْ لأَعْيَانِهَا، بَلْ لِمَا فِيهَا مِنَ الدِّمَاءِ السَّائِلَةِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ، وَهِيَ غَيْرُ مَوْجُودَةٍ فِي هَذِهِ الأَشْيَاءِ. قَالَ الْقَرَافِيُّ: وَحُجَّتُنَا أَنَّهَا طَاهِرَةٌ قَبْلَ الْمَوْتِ، فَتَكُونُ طَاهِرَةً بَعْدَهُ، عَمَلا بِالاسْتِصْحَابِ (٣) وَلأَنَّ الْمَوْتَ لا يَلْحَقُهَا، إِذِ الْمَوْتُ عِبَارَةٌ عَنْ مَعْنًى يَحِلُّ بَعْدَ عَدَمِ الْحَيَاةِ، وَلَمْ تَكُنِ الْحَيَاةُ فِي الصُّوفِ وَالْوَبَرِ وَالشَّعْرِ، فَيَخْلُفَهَا الْمَوْتُ فِيهَا. (٤) الثَّانِي: لِلشَّافِعِيَّةِ فِي الْمَذْهَبِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ صُوفَ الْمَيْتَةِ وَشَعْرَهَا وَوَبَرَهَا نَجِسٌ لا يَحِلُّ الانْتِفَاعُ بِهِ، وَذَلِكَ لأَنَّهَا جُزْءٌ مِنَ الْمَيْتَةِ، وقَوْله تَعَالَى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ عَامٌّ فِي تَحْرِيمِ سَائِرِ أَجْزَائِهَا. ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إِلَى أَنَّ شَعْرَ الْمَيْتَةِ غَيْرَ الْخِنْزِيرِ وَعَظْمَهَا وَعَصَبَهَا - عَلَى الْمَشْهُورِ - وَحَافِرَهَا وَقَرْنَهَا الْخَالِيَةَ عَنِ الدُّسُومَةِ، وَكَذَا كُلُّ مَا لا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ وَهُوَ مَا لا يَتَأَلَّمُ الْحَيَوَانُ بِقَطْعِهِ كَالرِّيشِ وَالْمِنْقَارِ وَالظِّلْفِ طَاهِرٌ. وَاخْتُلِفَ فِي أُذُنَيْهِ فَفِي الْبَدَائِعِ نَجِسَةٌ، وَفِي الْخَانِيَةِ: لا، وَفِي الأَشْبَاهِ: الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْحَيِّ كَمَيْتَتِهِ إِلا فِي حَقِّ صَاحِبِهِ فَطَاهِرٌ وَإِنْ كَثُرَ. (٥) وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: أَجْزَاءُ الْمَيْتَةِ نَجِسَةٌ إِلا الشَّعْرَ وَشِبْهَهَا مِنَ الرِّيشِ. وَأَمَّا أَجْزَاءُ الْحَيَوَانِ فَإِنْ قُطِعَتْ مِنْهُ فِي حَالِ حَيَاتِهِ فَهِيَ نَجِسَةٌ إِجْمَاعًا إِلا الشَّعْرَ وَالصُّوفَ وَالْوَبَرَ. وَإِنْ قُطِعَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ فَإِنْ قِيلَ بِطَهَارَتِهِ فَأَجْزَاؤُهُ كُلُّهَا طَاهِرَةٌ، وَإِنْ قِيلَ بِالنَّجَاسَةِ فَلَحْمُهُ نَجِسٌ. وَأَمَّا الْعَظْمُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَالْقَرْنِ وَالسِّنِّ وَالظِّلْفِ فَهِيَ نَجِسَةٌ مِنَ الْمَيْتَةِ، وَأَمَّا الصُّوفُ وَالْوَبَرُ وَالشَّعْرُ فَهِيَ طَاهِرَةٌ مِنَ الْمَيْتَةِ. (٦) وَيَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ: الْجُزْءُ الْمُنْفَصِلُ مِنَ الْحَيِّ كَمَيْتَةِ ذَلِكَ الْحَيِّ: إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَطَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ نَجِسًا فَنَجِسٌ لِخَبَرِ: " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ "، فَالْمُنْفَصِلُ مِنَ الآدَمِيِّ أَوِ السَّمَكِ أَوِ الْجَرَادِ طَاهِرٌ، وَمِنْ غَيْرِهَا نَجِسٌ إِلا شَعْرَ الْمَأكُولِ أَوْ صُوفَهُ أَوْ رِيشَهُ أَوْ وَبَرَهُ فَطَاهِرٌ بِالإِجْمَاعِ وَلَوْ نُتِفَ مِنْهَا. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا أُخِذَ بَعْدَ التَّذْكِيَةِ أَوْ فِي الْحَيَاةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ. (٧) وَقَالُوا: دَخَلَ فِي نَجَاسَةِ الْمَيْتَةِ جَمِيعُ أَجْزَائِهَا مِنْ عَظْمٍ وَشَعْرٍ وَصُوفٍ وَوَبَرٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ لأَنَّ كُلا مِنْهَا تُحِلُّهُ الْحَيَاةُ. (٨) وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ: عَظْمُ الْمَيْتَةِ وَقَرْنُهَا وَظُفْرُهَا وَعَصَبُهَا وَحَافِرُهَا، وَأُصُولُ شَعْرِهَا إِذَا نُتِفَ، وَأُصُولُ رِيشِهَا إِذَا نُتِفَ وَهُوَ رَطْبٌ أَوْ يَابِسٌ نَجِسٌ، لأَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ أَشْبَهَ سَائِرَهَا، وَلأَنَّ أُصُولَ الشَّعْرِ وَالرِّيشِ جُزْءٌ مِنَ اللَّحْمِ لَمْ يَسْتَكْمِلْ شَعْرًا وَلا رِيشًا. وَصُوفُ مَيْتَةٍ طَاهِرَةٍ فِي الْحَيَاةِ كَالْغَنَمِ طَاهِرٌ، وَشَعْرُهَا وَوَبَرُهَا وَرِيشُهَا طَاهِرٌ وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ مَأكُولَةٍ كَهِرٍّ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَمِنْ أَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إِلَى حِينٍ﴾ وَالآيَةُ سِيقَتْ لِلامْتِنَانِ، فَالظَّاهِرُ شُمُولُهَا لِحَالَتَيِ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ، وَالرِّيشُ مَقِيسٌ عَلَى هَذِهِ الثَّلاثَةِ. وَمَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ مِنْ قَرْنٍ وَإِلْيَةٍ وَنَحْوِهِمَا كَحَافِرٍ وَجِلْدٍ فَهُوَ كَمَيْتَتِهِ طَهَارَةً أَوْ نَجَاسَةً (٩)، لِقَوْلِهِ ﷺ : " مَا قُطِعَ مِنَ الْبَهِيمَةِ وَهِيَ حَيَّةٌ فَهِيَ مَيْتَةٌ ".

стр. 10949

جِلْدُ الْمَيْتَةِ (خ م ت حم) , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ, " فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (١) (فَقَالَ: أَلَا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا؟ , ثُمَّ دَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟ ") (٢) (فَقَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ: نَأخُذُ مَسْكَ (٣) شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟ , فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً , أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا , أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ (٤) قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ) (٥) (وَإِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) (٦) (فَإِنْ تَدْبُغُوهُ) (٧) (فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ ") (٨) (قَالَ: فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهَا فَسَلَخَتْ مَسْكَهَا فَدَبَغَتْهُ , فَأَخَذَتْ مِنْهُ قِرْبَةً حَتَّى تَخَرَّقَتْ عِنْدَهَا) (٩). الشَّرْح: (تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ) هي ميمونة بنت الحارث الهلالية , أم المؤمنين , خالة ابن عباس. (فَمَاتَتْ, " فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: أَلَا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا؟ , ثُمَّ دَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ؟) أَيْ: اِسْتَنْفَعْتُمْ بِهِ. (فَقَالَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ: نَأخُذُ مَسْكَ شَاةٍ قَدْ مَاتَتْ؟) الْمَسْكُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ الْمُهْمَلَةِ الْجِلْدُ. فتح٥٥٣٢ كَأَنَّهُمْ قَالُوا كَيْفَ تَأمُرُنَا بِالِانْتِفَاعِ بِهَا وَقَدْ حُرِّمَتْ عَلَيْنَا؟ , فَبَيَّنَ لَهُمْ وَجْهَ التَّحْرِيمِ. فتح٥٥٣١ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنَّمَا قَالَ اللهُ : ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً , أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا , أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ﴾ قَالَ: فَإِنَّكُمْ لَا تَطْعَمُونَهُ) (وَإِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا) قال القرطبي: خرج على الغالب مما تُراد به اللحوم , وإلا فقد حرم حملُها في الصلاة , وبيعها , واستعمالها , وغير ذلك مما يحرم من النجاسات. المفهم ج١ص٦١٠ (فَإِنْ تَدْبُغُوهُ) الدِّبَاغُ: بِكَسْرِ الدَّالِ عِبَارَةٌ عَنْ إِزَالَةِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَالرُّطُوبَاتِ النَّجِسَةِ بِاسْتِعْمَالِ الْأَدْوِيَةِ أَوْ بِغَيْرِهَا , وَقَدْ أَخْرَجَهُ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي كِتَابِ الْآثَارِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ , عَنْ حَمَّادٍ , عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كُلُّ شَيْءٍ يَمْنَعُ الْجِلْدَ مِنْ الْفَسَادِ فَهُوَ دِبَاغٌ. تحفة١٧٢٧ (فَإِنَّهُ ذَكَاتُهُ ") فَوائِدُ الْحَدِيث: (تُصُدِّقَ عَلَى مَوْلَاةٍ لِمَيْمُونَةَ) استُدلَّ به على جواز دفع الزكاة لموالي أزواج النبي وقد ترجم له البخاري في صحيحه بقوله: باب الصدقة على موالي أزواج النبي , ثم أورد حديث ابن عباس هذا. ذخيرة٤٢٣٦ قَالَ الْحَافِظُ: نَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُنَّ - أَيِ الْأَزْوَاجَ - لَا يَدْخُلْنَ فِي ذَلِكَ (أَيْ: تحريم الصدقة على آل البيت) بِاتِّفَاقِ الْفُقَهَاءِ، وَفِيهِ نَظَرٌ , فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ الْخَلَّالَ أَخْرَجَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّا آلَ مُحَمَّدٍ لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ. قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهَا. قُلْتُ: وَإِسْنَادُهُ إِلَى عَائِشَةَ حَسَنٌ، وأَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا، وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا نَقَلَهُ ابْنُ بَطَّالٍ، وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ حِبَّانَ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَرْفُوعًا: ﴿إِنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ، وَأَنَّ مَوَالِيَ الْقَوْمِ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾. وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ، كَابْنِ الْمَاجِشُونِ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ... . وَقَالَ الْجُمْهُورُ: يَجُوزُ لَهُمْ لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْهُمْ حَقِيقَةً، وَلِذَلِكَ لَمْ يُعَوَّضُوا بِخُمُسِ الْخُمُسِ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ قَوْلُهُ: " مِنْهُمْ ". أَوْ: " مِنْ أَنْفُسِهِمْ ". هَلْ يَتَنَاوَلُ الْمُسَاوَاةَ فِي حُكْمِ تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ أَوْ لَا؟ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ الْأَحْكَامِ فَلَا دَلِيلَ فِيهِ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ، لَكِنَّهُ وَرَدَ عَلَى سَبَبِ الصَّدَقَةِ، وَقَدِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يُخْرِجُ السَّبَبَ، وَإِنِ اخْتَلَفُوا: هَلْ يُخَصُّ بِهِ أَوْ لَا؟ وَيُمْكِنُ أَنْ يُسْتَدَلَّ لَهُمْ بِحَدِيثِ الْبَابِ، لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِهَا لِمَوَالِي الْأَزْوَاجِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَيْسُوا فِي ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ الْآلِ فَمَوَالِيهِمْ أَحْرَى بِذَلِكَ، قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي الْحَاشِيَةِ: إِنَّمَا أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ لِيُحَقِّقَ أَنَّ الْأَزْوَاجَ لَا يَدْخُلُ مَوَالِيهِنَّ فِي الْخِلَافِ وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنَّ الصَّدَقَةُ قَوْلًا وَاحِدًا لِئَلَّا يَظُنَّ الظَّانُّ أَنَّهُ لَمَّا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ بِدُخُولِ الْأَزْوَاجِ فِي الْآلِ أَنَّهُ يَطَّرِدُ فِي مَوَالِيهنَّ، فَبَيَّنَ أَنَّهُ لَا يَطَّرِدُ. فتح١٤٩٢ (د) , قَالَ مَعْمَرٌ: وَكَانَ الزُّهْرِيُّ يُنْكِرُ الدِّبَاغَ، وَيَقُولُ: " يُسْتَمْتَعُ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ" (١٠) هَذَا هُوَ الْمَشْهُور مِنْ مَذْهَب الزُّهْرِيّ أَنَّهُ يَقُول يُنْتَفَع بِجُلُودِ الْمَيْتَة عَلَى كُلّ حَال دُبِغَتْ أَوْ لَمْ تُدْبَغ، وَتَمَسَّكَ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْر الدِّبَاغ، وَيُجَاب بِأَنَّهَا مُطْلَقَة وَجَاءَتْ الرِّوَايَات الْبَاقِيَة بِبَيَانِ الدِّبَاغ وَأَنَّ دِبَاغه طَهُوره. عون٤١٢٢ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَقَدْ يَحْتَجّ الزُّهْرِيّ بِقَوْلِهِ ﷺ (أَلَا اِنْتَفَعْتُمْ بِإِهَابِهَا) وَلَمْ يَذْكُر دِبَاغهَا، وَيُجَاب عَنْهُ بِأَنَّهُ مُطْلَق وَجَاءَتْ الرِّوَايَات الْبَاقِيَة بِبَيَانِ الدِّبَاغ، وَأَنَّ دِبَاغه طَهُوره. وَاَلله أَعْلَم. (م) ١٠٠ - (٣٦٣) قَوْلُهُ: (أَلَا نَزَعْتُمْ جِلْدَهَا ثُمَّ دَبَغْتُمُوهُ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جُلُودَ الْمَيْتَةِ لَا يَجُوزُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا أَيَّ اِسْتِمْتَاعٍ كَانَ إِلَّا بَعْدَ الدِّبَاغِ، وَأَمَّا قَبْلَ الدِّبَاغِ فَلَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ كَالْبَيْعِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الْقَوْلُ الرَّاجِحُ الْمُعَوَّلُ عَلَيْهِ. وَلَمْ يَقَعْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ ذِكْرُ الدِّبَاغِ فَهِيَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُقَيَّدَةِ بِالدِّبَاغِ. تحفة١٧٢٧ قَالَ ابْنُ أَبِي جَمْرَةَ: فِيهِ مُرَاجَعَةُ الْإِمَامِ فِيمَا لَا يَفْهَمُ السَّامِعُ مَعْنَى مَا أَمَرَهُ. فتح٥٥٣١ قَالَ الْبَغَوِيُّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي قَوْلِهِ ﷺ فِي شَاةِ مَيْمُونَةَ " إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ". يُسْتَدَلُّ بِهِ لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ مَا عَدَا مَا يُؤْكَلُ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَيْتَةِ لَا يَحْرُمُ الِانْتِفَاعُ بِهِ. فتح (١/ ٢٧٢) وَيُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ تَخْصِيصِ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ، لِأَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ﴾ وَهُوَ شَامِلٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا فِي كُلِّ حَالٍ، فَخَصَّتِ السُّنَّةُ ذَلِكَ بِالْأَكْلِ. فتح٥٥٣١

стр. 10950

(خ) , وَعَنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا , ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ حَتَّى صَارَتْ شَنًّا (١). (٢) الشَّرْح: (مَاتَتْ لَنَا شَاةٌ فَدَبَغْنَا مَسْكَهَا , ثُمَّ مَا زِلْنَا نَنْبِذُ فِيهِ) أَيْ: نلقي فيه التمرات ونحوها , حتى تكون نبيذا. ذخيرة٤٢٤٢ (حَتَّى صَارَتْ شَنًّا) الشَّنّ: القربة القديمة البالية. فَوائِدُ الْحَدِيث: قَالَ ابن أَبِي جَمْرَةَ: فِي حَدِيثِ سَوْدَةَ الرَّدُّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنَّ الزُّهْدَ لَا يَتِمُّ إِلَّا بِالْخُرُوجِ عَنْ جَمِيعِ مَا يُتَمَلَّكُ لِأَنَّ مَوْتَ الشَّاةِ يَتَضَمَّنُ سَبْقَ مِلْكِهَا وَاقْتِنَائِهَا وَفِيهِ جَوَازُ تَنْمِيَةِ الْمَالِ لِأَنَّهُمْ أَخَذُوا جِلْدَ الْمَيْتَةِ فَدَبَغُوهُ فَانْتَفَعُوا بِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ مَطْرُوحًا وَفِيهِ جَوَازُ تَنَاوُلِ مَا يَهْضِمُ الطَّعَامَ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ الِانْتِبَاذُ وَفِيهِ إِضَافَةُ الْفِعْلِ إِلَى الْمَالِكِ وان بَاشرهُ غَيره كالخادم. فتح٦٦٨٦

стр. 10951

(م س حم) , وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ: (رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوًا , فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ , قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ب) (١) (فَقُلْتُ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ , وَإِنَّهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ , وَلَهُمْ قِرَبٌ يَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَالْمَاءُ) (٢) وفي رواية: (وَعَامَّةُ أَسْقِيَتِهِمْ الْمَيْتَةُ) (٣) (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ ") (٤) الشَّرْح: وَعَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ أَبَا الْخَيْرِ حَدَّثَهُ قَالَ: (رَأَيْتُ عَلَى ابْنِ وَعْلَةَ السَّبَئِيِّ فَرْوًا , فَمَسِسْتُهُ، فَقَالَ: مَا لَكَ تَمَسُّهُ؟ , قَدْ سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَبَّاسٍ ب) (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ) هو عبد الرحمن بن وعلة، السَّبَئي المصري , الطبقة: ٤ طبقة تلي الوسطى من التابعين , روى له: م د ت س ق رتبته عند ابن حجر: صدوق , رتبته عند الذهبي: وثقه ابن معين والنسائي. وقال ابن يونس: كان شريفا بمصر في أيامه , وله وفادة على معاوية , وصار إلى أفريقية , وبها مسجده ومواليه. ذخيرة٤٢٤٣ قَالَ: (سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقُلْتُ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ) أَيْ: القُطر المعروف. (إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ) قَالَ النَّوَوِيّ: اِخْتَلَفَ أَهْل اللُّغَة فِي الْإِهَاب، فَقِيلَ هُوَ الْجِلْد مُطْلَقًا، وَقِيلَ هُوَ الْجِلْد قَبْل الدِّبَاغ، فَأَمَّا بَعْده فَلَا يُسَمَّى إِهَابًا اِنْتَهَى. وَسَيَجِيءُ عَنْ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغ فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَال لَهُ إِهَاب. عون٤١٢٠ فَوائِدُ الْحَدِيث: قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِي حَدِيث اِبْن وَعْلَة عَنْ اِبْن عَبَّاس دَلَالَة لِمَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَطْهُر ظَاهِره وَبَاطِنه فَيَجُوز اِسْتِعْمَاله فِي الْمَائِعَات فَإِنَّ جُلُود مَا ذَكَّاهُ الْمَجُوس نَجِسَة، وَقَدْ نُصَّ عَلَى طَهَارَتهَا بِالدِّبَاغِ، وَاسْتِعْمَالُهَا فِي الْمَاء وَالْوَدَك. (م) ١٠٠ - (٣٦٣)

стр. 10952

(س) , وَعَنْ مَيْمُونَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِصَانِ , فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا (١) " , فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ (٢) " (٣) الشَّرْح: (مَرَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ يَجُرُّونَ شَاةً لَهُمْ مِثْلَ الْحِصَانِ) أَيْ: مِثْلَ جَرِّ الحصان إذا مات , لإبعاده عن الناس لئلا يتضرروا بجيفته , أَوْ التشبيه في كَوْنُهَا مَيْتَةً مُنْتَفِخَةً مِثلَه. ذخيرة٤٢٥٠ (فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " لَوْ أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا " , فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ) أَيْ: محرمة بنص الكتاب حيث قال تعالى حرمت عليكم الميتة. ذخيرة٤٢٥٠ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ ") (الْقَرَظُ) وَرَقُ السَّلَمِ يُدْبَغُ بِهِ , وَقِيلَ: شَجَرٌ عِظَام كَشَجَرِ الْجَوْزِ , لَهَا شَوْكٌ غِلَاظٌ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقَرَظ شَجَر يُدْبَغ بِهِ الْأُهُب وَهُوَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعُفُوصَة وَالْقَبْض , يُنَشِّف الْبِلَّة وَيُذْهِب الرَّخَاوَة وَيُجَفِّف الْجِلْد وَيُصْلِحهُ وَيُطَيِّبهُ فَكُلّ شَيْء عَمِلَ عَمَل الْقَرَظ كَانَ حُكْمه فِي التَّطْهِير حُكْمه. وَذِكْر الْمَاء مَعَ الْقَرَظ قَدْ يَحْتَمِل أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَرَظ يَخْتَلِط بِهِ حِين يُسْتَعْمَل فِي الْجِلْد وَيَحْتَمَل أَنْ يَكُون إِنَّمَا أَرَادَ أَنَّ الْجِلْد إِذَا خَرَجَ مِنْ الدِّبَاغ غُسِلَ بِالْمَاءِ حَتَّى يَزُول عَنْهُ مَا خَالَطَهُ مِنْ وَضَر الدَّبْغ وَدَرَنه. عون٤١٢٦ فَوائِدُ الْحَدِيث: (يُطَهِّرُهَا الْمَاءُ وَالْقَرَظُ) فيه بيان لما تُدبغ به جلود الميتة , وهو القرظ والماء. ذخيرة٤٢٥٠ ومنها: أنه يدل على وجوب استعمال الماء في أثناء الدباغ. ذخيرة٤٢٥٠ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِيهِ حُجَّة لِمَنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّ غَيْر الْمَاء لَا يُزِيل النَّجَاسَة وَلَا يُطَهِّرهَا فِي حَال مِنْ الْأَحْوَال. عون٤١٢٦ قال الأثيوبي: وفي كلامه هذا نظر , فقد تقدَّم أن غير الماء يُطهِّر أيضا إذا أمر به الشارع , كطهارة النعل بالمسح. ذخيرة٤٢٥٠

стр. 10953

(س) , وَعَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ ﵁ قَالَ: " دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ " , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدِي إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ , فَقَالَ: " أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ " , قَالَتْ: بَلَى , قَالَ " فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا " (١) وفي رواية: " دِبَاغُهَا طُهُورُهَا " (٢) الشَّرْح: (سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبَّقِ): سَلَمَة بْن الْمُحَبَّق لَهُ صُحْبَة وَهُوَ هُذَلِيّ سَكَنَ الْبَصْرَة كُنْيَته أَبُو سِنَان، وَاسْم الْمُحَبَّق صَخْر وَهُوَ بِضَمِّ الْمِيم وَفَتْح الْحَاء الْمُهْمَلَة وَبَعْدهَا بَاء مُوَحَّدَة وَقَاف وَأَصْحَاب الْحَدِيث يَفْتَحُونَ الْبَاء وَيَقُول بَعْض أَهْل اللُّغَة هِيَ مَكْسُورَة وَإِنَّمَا سَمَّاهُ أَبُوهُ الْمُحَبَّق تَفَاؤُلًا بِشَجَاعَتِهِ أَنَّهُ يُضْرِط أَعْدَاءَهُ. عون٤١٢٥ (" دَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ " , فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ مَا عِنْدِي إِلَّا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ) أَيْ: ما عندي ماءٌ إلا في تلك القربة من جلد شاة ميتة. (فَقَالَ: " أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ " , قَالَتْ: بَلَى , قَالَ " فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا) أَيْ: ذبحها , يعني أن دباغ جلد الميتة طهارة لها , جعل الدباغ بمنزلة ذبح الحيوان في تحليله وتطهيره. ذخيرة٤٢٤٥ (دِبَاغُهَا طُهُورُهَا) أَيْ: طَهَارَتهَا. عون٤١٢٥ فَوائِدُ الْحَدِيث: قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِم: هَذَا يَدُلّ عَلَى بُطْلَان قَوْل مَنْ زَعَمَ أَنَّ إِهَاب الْمَيْتَة إِذَا مَسَّهُ الْمَاء بَعْد الدِّبَاغ يَنْجُس وَيُبَيِّن أَنَّهُ طَاهِر كَطَهَارَةِ الْمُذَكَّى وَأَنَّهُ إِذَا بُسِطَ وَصُلِّيَ عَلَيْهِ، أَوْ خُرِزَ مِنْهُ خُفٌّ فَصُلِّيَ فِيهِ جَازَ. عون٤١٢٥

стр. 10954

(س) , عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (" أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يُسْتَمْتَعَ بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ) (١) وَ (قَالَ: ذَكَاةُ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهَا ") (٢) الشَّرْح: (" أَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أَيْ: أَذِن ورخَّص. ذخيرة٤٢٥٤ (أَنْ يُسْتَمْتَعَ) أَيْ: يُنتفع. (بِجُلُودِ الْمَيْتَةِ إِذَا دُبِغَتْ) وَ (قَالَ: ذَكَاةُ الْمَيْتَةِ دِبَاغُهَا ") فَوائِدُ الْحَدِيث: هَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلُودَ الْمَيْتَةِ كُلَّهَا طَاهِرَةٌ بَعْدَ الدِّبَاغِ يَحِلُّ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا. عون٤١٢٤

стр. 10955

(ت) , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ " (١)

стр. 10956

(ت) , وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: (" نَهَى رَسُولُ ﷺ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) (١) (أَنْ تُفْتَرَشَ ") (٢) الشَّرْح: (أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ) هُوَ أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عَامِرٍ الْأُقَيْشِرُ الْهُذَلِيُّ , صَحَابِيٌّ. تحفة١٧٧٠

стр. 10957

(جة) , وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ الْأَزْدِيِّ ﵁ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ " (١) الشَّرْح: النُّمُورُ جَمْعُ نَمِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ سُكُونُهَا مَعَ كَسْرِ النُّونِ، هُوَ سَبُعٌ أَجْرَأُ وَأَخْبَثُ مِنْ الْأَسَدِ وَهُوَ مُنَقَّطُ الْجِلْدِ سُودٌ وَبِيضٌ وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْأَسَدِ إِلَّا أَنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ وَرَائِحَةُ فَمِهِ طَيِّبَةٌ بِخِلَافِ الْأَسَدِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسَدِ عَدَاوَةٌ، وَهُوَ بَعِيدُ الْوَثْبَةِ فَرُبَّمَا وَثَبَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. تحفة١٧٧٠ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ اِسْتِعْمَال جُلُوده لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّينَة وَالْخُيَلَاء وَلِأَنَّهُ زِيّ الْعَجَم، وَعُمُوم النَّهْي شَامِل لِلْمُذَكَّى وَغَيْره. عون٤٢٣٩

стр. 10958

(د) , وَعَنْ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ وَعَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ , وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمِقْدَامِ: أَعَلِمْتَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَ؟ , فَرَجَّعَ الْمِقْدَامُ (١) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرَاهَا مُصِيبَةً؟ , فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ لَا أَرَاهَا مُصِيبَةً؟ , " وَقَدْ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَقَالَ: هَذَا مِنِّي, وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ (٢) " فَقَالَ الْأَسَدِيُّ: جَمْرَةٌ أَطْفَأَهَا اللهُ فَقَالَ الْمِقْدَامُ (٣): أَمَّا أَنَا فلَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ حَتَّى أُغِيظَكَ وَأُسْمِعَكَ مَا تَكْرَهُ (٤) ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ , إِنْ أَنَا صَدَقْتُ فَصَدِّقْنِي , وَإِنْ أَنَا كَذَبْتُ فَكَذِّبْنِي قَالَ: أَفْعَلُ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ , هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ؟ " , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ , هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ " , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْكَ يَا مِقْدَامُ , قَالَ خَالِدٌ: فَأَمَرَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بِمَا لَمْ يَأمُرْ لِصَاحِبَيْهِ , وَفَرَضَ لِابْنِهِ فِي الْمِائَتَيْنِ , فَفَرَّقَهَا الْمِقْدَامُ فِي أَصْحَابِهِ (٥) وَلَمْ يُعْطِ الْأَسَدِيُّ أَحَدًا شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ: أَمَّا الْمِقْدَامُ , فَرَجُلٌ كَرِيمٌ بَسَطَ يَدَهُ , وَأَمَّا الْأَسَدِيُّ , فَرَجُلٌ حَسَنُ الْإِمْسَاكِ لِشَيْئِهِ. (٦) الشَّرْح: (وَفَدَ) أَيْ: قَدِمَ. عون٤١٣١ (الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ) هُوَ اِبْن عَمْرو الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور نَزَلَ الشَّام. عون٤١٣١ (وَعَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ): الْعَنْسِيّ حِمْصِيّ مُخَضْرَم ثِقَة عَابِد. عون٤١٣١ (وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ): كُورَة بِالشَّامِ. عون٤١٣١ (إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁): حِين إِمَارَتِه. عون٤١٣١ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمِقْدَامِ: أَعَلِمْتَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَ؟) أَيْ: مَاتَ وَكَانَ الْحَسَن ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَة بَعْد قَتْل أَبِيهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ وَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ وَبَايَعَهُ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا ثُمَّ جَرَى مَا جَرَى بَيْن الْحَسَن بْن عَلِيّ وَبَيْن مُعَاوِيَة ﵄ وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة مِنْ الشَّام إِلَى الْعِرَاق، وَسَارَ هُوَ إِلَى مُعَاوِيَة فَلَمَّا تَقَارَبَا رَأَى الْحَسَن ﵁ الْفِتْنَة وَأَنَّ الْأَمْر عَظِيم تُرَاق فِيهِ الدِّمَاء وَرَأَى اِخْتِلَاف أَهْل الْعِرَاق، وَعَلِمَ الْحَسَن ﵁ أَنَّهُ لَنْ تُغْلَب إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حَتَّى يُقْتَل أَكْثَر الْأُخْرَى فَأَرْسَلَ إِلَى مُعَاوِيَة يُسَلِّم لَهُ أَمْر الْخِلَافَة وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَة، فَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَة فِي قَوْله ﷺ " إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد يُصْلِح اللَّه بِهِ بَيْن فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ " وَأَيّ شَرَف أَعْظَم مِنْ شَرَف مَنْ سَمَّاهُ رَسُول اللَّه ﷺ سَيِّدًا. عون٤١٣١ وَكَانَت وَفَاة الْحَسَن ﵁ مَسْمُومًا , سَنَة تِسْع وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَنَة خَمْسِينَ أَوْ بَعْدهَا , وَكَانَتْ مُدَّة خِلَافَته سِتَّة أَشْهُر وَشَيْئًا وَعَلَى قَوْل نَحْو ثَمَانِيَة أَشْهُر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ جَمِيع أَهْل الْبَيْت. عون٤١٣١ (فَرَجَّعَ الْمِقْدَامُ) أَيْ: قَالَ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. عون٤١٣١ (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرَاهَا مُصِيبَةً؟) أَيْ: أَتَعُدُّ يَا أَيّهَا الْمِقْدَام حَادِثَة مَوْت الْحَسَن رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ مُصِيبَة , وَالْعَجَب كُلّ الْعَجَب مِنْ (هذا الرجل) فَإِنَّهُ مَا عَرَفَ قَدْر أَهْل الْبَيْت حَتَّى قَالَ مَا قَالَ، فَإِنَّ مَوْت الْحَسَن بْن عَلِيّ ﵁ مِنْ أَعْظَم الْمَصَائِب. عون٤١٣١ (فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ لَا أَرَاهَا مُصِيبَةً؟ , " وَقَدْ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَقَالَ: هَذَا مِنِّي, وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ ") أَيْ: الْحَسَنُ يُشْبِهنِي , وَالْحُسَيْن يُشْبِه عَلِيًّا، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْحَسَنِ الْحِلْم وَالْأَنَاة كَالنَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى الْحُسَيْن الشِّدَّة كَعَلِيٍّ. عون٤١٣١ (فَقَالَ الْأَسَدِيُّ:) أَيْ: طَلَبًا لِرِضَاءِ مُعَاوِيَة وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ. عون٤١٣١ (جَمْرَةٌ أَطْفَأَهَا اللهُ ) أَيْ: أَخْمَدَ اللَّه تَعَالَى تِلْكَ الْجَمْرَة وَأَمَاتَهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْء وَمَعْنَى قَوْله وَالْعِيَاذ بِاَللَّهِ أَنَّ حَيَاة الْحَسَن ﵁ كَانَتْ فِتْنَة فَلَمَّا تَوَفَّاهُ اللَّه تَعَالَى سَكَنَتْ الْفِتْنَة، فَاسْتَعَارَ مِنْ الْجَمْرَة بِحَيَاةِ الْحَسَن وَمِنْ إِطْفَائِهَا بِمَوْتِهِ ﵁. عون٤١٣١ (فَقَالَ الْمِقْدَامُ): مُخَاطِبًا لِمُعَاوِيَة. عون٤١٣١ (أَمَّا أَنَا , فلَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ حَتَّى أُغِيظَكَ وَأُسْمِعَكَ مَا تَكْرَهُ): أَيْ: لَا أَقُولُ قَوْلًا بَاطِلًا يَسْخَطُ بِهِ الرَّبُّ كَمَا قَالَ الْأَسَدِيُّ طَلَبًا لِلدُّنْيَا , وَتَقَرُّبًا إِلَيْكَ , وَمُرِيدًا لِرِضَاك , بَلْ أَقُولُ كَلَامًا صَحِيحًا , وَقَوْلًا حَقًّا , فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِسَخَطِك وَغَضَبك وَإِنِّي جَرِيء عَلَى إِظْهَار الْحَقّ فَأَقُول عِنْدك مَا هُوَ الْحَقّ وَإِنْ كُنْت تَكْرَه وَتَغْضَب عَلَيَّ. عون٤١٣١ (ثُمَّ قَالَ) أي: الْمِقْدَامُ. عون٤١٣١ (يَا مُعَاوِيَة) أَيْ: اِسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُول. عون٤١٣١ (إِنْ أَنَا صَدَقْتُ) أَيْ: فِي كَلَامِي. عون٤١٣١ (فَصَدِّقْنِي , وَإِنْ أَنَا كَذَبْتُ) أَيْ: فِي كَلَامِي. عون٤١٣١ (فَكَذِّبْنِي قَالَ: أَفْعَلُ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ) أَيْ: أَسْأَلك بِهِ وَأُذَكِّرك إِيَّاهُ. عون٤١٣١ (هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ؟ " , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ , هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ ") أَيْ: نهى عن لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ , وأن تُفرَش جُلودها في السُّرُج والرِّحال للجلوس عليها. ذخيرة٤٢٥٦ (قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا كُلَّهُ) أَيْ: الْمَذْكُور مِنْ لُبْس الذَّهَب وَالْحَرِير وَلُبْس جُلُود السِّبَاع وَالرُّكُوب عَلَيْهَا. عون٤١٣١ (فِي بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ) أَيْ: فَإِنَّ أَبْنَاءَك وَمَنْ تَقْدِر عَلَيْهِ لَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ اِسْتِعْمَالهَا وَأَنْتَ لَا تُنْكِر عَلَيْهِمْ وَتَطْعَن فِي الْحَسَن بْن عَلِيّ. عون٤١٣١ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْكَ يَا مِقْدَامُ) أَيْ: لِأَنَّ كَلَامك حَقّ صَحِيح. عون٤١٣١ (قَالَ خَالِدٌ: فَأَمَرَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) أَيْ: لِلْمِقْدَامِ مِنْ الْعَطَاء وَالْإِنْعَام. عون٤١٣١ (بِمَا لَمْ يَأمُرْ لِصَاحِبَيْهِ): وَهُمَا عَمْرو بْن الْأَسْوَد , وَالرَّجُل الْأَسَدِيُّ. عون٤١٣١ (وَفَرَضَ لِابْنِهِ) أَيْ: لِابْنِ الْمِقْدَام. عون٤١٣١ (فِي الْمِائَتَيْنِ) أَيْ: قَدْر هَذَا الْمِقْدَار مِنْ بَيْت الْمَال , رِزْقًا لَهُ. عون٤١٣١ (فَفَرَّقَهَا الْمِقْدَامُ فِي أَصْحَابِهِ) أَيْ: قَسَمَ الْعَطِيَّة الَّتِي أَعْطَاهَا مُعَاوِيَةُ عَلَى أَصْحَابه. عون٤١٣١ (وَلَمْ يُعْطِ الْأَسَدِيُّ أَحَدًا شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ: أَمَّا الْمِقْدَامُ , فَرَجُلٌ كَرِيمٌ بَسَطَ يَدَهُ , وَأَمَّا الْأَسَدِيُّ , فَرَجُلٌ حَسَنُ الْإِمْسَاكِ لِشَيْئِهِ) أَيْ: حَسَن الْإِمْسَاك لِمَالِهِ وَمَتَاعه. عون٤١٣١ وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى النَّهْي عَنْ لُبْس الذَّهَب وَالْحَرِير، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِالرِّجَالِ، وَعَلَى النَّهْي عَنْ لُبْس جُلُود السِّبَاع وَالرُّكُوب عَلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْ إِيرَاد الْحَدِيث. عون٤١٣١ فَوائِدُ أَحَادِيثِ الْبَابِ: أَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلُودَ السِّبَاعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ , فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنَّ النَّهْيَ وَقَعَ لِمَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّهْيَ عَمَّا لَمْ يُدْبَغْ مِنْهَا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ أَنَّهَا مَرَاكِبُ أَهْلِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ. تحفة١٧٧٠ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُ جُلُودَ السِّبَاعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ عَلَى الْعُمُومِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهَا مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَافْتِرَاشِهَا وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ كَمَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَنَجَاسَتِهِمَا فَلَا مُعَارَضَةَ بَلْ يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِالدِّبَاغِ مَعَ مَنْعِ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ أَعَمُّ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ لِشُمُولِهَا لِمَا كَانَ مَدْبُوغًا مِنْ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَدْبُوغٍ. نيل٥٥

стр. 10959

(ت س د ن) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: (" أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١) (قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ) (٢) (فَقُرِئَ عَلَيْنَا) (٣) (بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ) (٤) (أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ (٥) ") (٦) وفي رواية: " قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ , أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ " (٧)

стр. 10960

الشرح: (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ الْجُهَنِيِّ) قِيْلَ: لَهُ صُحْبَةٌ , وَقَدْ أَسْلَمَ بِلَا رَيْبٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ. قَالَ هِلَالٌ الوَزَّانُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عُكَيْمٍ يَقُوْلُ: بَايَعْتُ عُمَرَ بِيَدِي هَذِهِ. وَعَنِ الحَكَمِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبِي لَيْلَى قَدَّمَ عَبْدَ اللهِ بنَ عُكَيْمٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أُمِّهِ، وَكَانَ إِمَامَهُم. تُوُفِّيَ ابْنُ عُكَيْمٍ فِي وِلَايَةِ الحَجَّاجِ. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٣/ ٥١٢) قال البخاريّ: أدرك زمان النبيّ ﷺ ، ولا يعرف له سماع صحيح. الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٥٥) (" أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ) (فَقُرِئَ عَلَيْنَا) (بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ) (أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ") عَصَبُ الإِنسانِ والدابةِ , والأَعْصابُ: أَطنابُ المَفاصِل التي تُلائمُ بَيْنَها وتَشُدُّها. لسان العرب (١/ ٦٠٢) الأطناب: جمع طُنُب , وهو الحبل الذي تشد به الخيمة ونحوها (المصباح). مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا آخِرُ الْأَمْرِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ، وَكَذَا قَالَ الْخَلَّالُ نَحْوَهُ. وَرَدَّ ابْنُ حِبَّانَ عَلَى مَنِ ادَّعَى فِيهِ الِاضْطِرَابَ وَقَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُكَيْمٍ الْكِتَابَ يُقْرَأُ وَسَمِعَهُ مِنْ مَشَايِخَ مِنْ جُهَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا اضْطِرَابَ، وَأَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِالِانْقِطَاعِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَبَعْضُهُمْ بِكَوْنِهِ كِتَابًا وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ؛ وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى رَاوِيَهُ عَنِ ابْنِ عُكَيْمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ لِمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَنَّهُ " انْطَلَقَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: فَدَخَلُوا وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخْبَرُونِي " فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ فِي السَّنَدِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، وَلَكِنْ صَحَّ تَصْرِيحُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِسَمَاعِهِ مِنَ ابْنِ عُكَيْمٍ فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَيْضًا، قال الأثيوبي في الذخيرة٤٢٣٦: هذا الذي ذكره الحافظ من أن الذي قعد على الباب هو ابن أبي ليلى , غير صحيح , فإن القصة للحكم بن عتيبة , لا لابن أبي ليلى , كما هو في سنن أبي داود (٤١٢٨) " عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ - رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ -قَالَ الْحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ " , فالصواب أن القصة للحكم , لا لابن أبي ليلى , فتنبَّه. أ. هـ قال الحافظ: وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ لَمْ يَاخُذْ بِظَاهِرِهِ مُعَارَضَةُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لَهُ وَأَنَّهَا عَنْ سَمَاعٍ وَهَذَا عَنْ كِتَابَةٍ وَأَنَّهَا أَصَحُّ مَخَارِجَ، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْإِهَابِ عَلَى الْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَأَنَّهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ لَا يُسَمَّى إِهَابًا إِنَّمَا يُسَمَّى قِرْبَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ كَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاهِينَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَبْعَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِكَوْنِهِمَا لَا يُدْبَغَانِ، وَكَذَا مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى بَاطِنِ الْجِلْدِ وَالْإِذْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ " وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَاتَ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ سَنَةٌ، وَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ".فتح٥٥٣١ قَالَ الشَّيْخ اِبْن الْقَيِّم ﵀: قَالَ أَبُو الْفَرَج بْن الْجَوْزِيّ: حَدِيث بْن عُكَيْم مُضْطَرِب جِدًّا. فَلَا يُقَاوِم الْأَوَّل وَاخْتَلَفَ مَالِك وَالْفُقَهَاء فِي حَدِيث اِبْن عُكَيْم وَأَحَادِيث الدِّبَاغ. فَطَائِفَة قَدَّمَتْ أَحَادِيث الدِّبَاغ عَلَيْهِ، لِصِحَّتِهَا، وَسَلَامَتهَا مِنْ الِاضْطِرَاب، وَطَعَنُوا فِي حَدِيث اِبْن عُكَيْم بِالِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَاده. وَطَائِفَة قَدَّمَتْ حَدِيث اِبْن عُكَيْم لِتَأَخُّرِهِ، وَثِقَة رُوَاته، وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَاب لَا يَمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُكَيْم فَحَدِيث مَحْفُوظ. قَالُوا: وَيُؤَيِّدهُ: مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِنْ النَّهْي عَنْ اِفْتِرَاش جُلُود السِّبَاع وَالنُّمُور، كَمَا سَيَأتِي. وَطَائِفَة عَمِلَتْ بِالْأَحَادِيثِ كُلّهَا، وَرَأَتْ أَنَّهُ لَا تَعَارُض بَيْنهَا، فَحَدِيث اِبْن عُكَيْم إِنَّمَا فِيهِ النَّهْي عَنْ الِانْتِفَاع بِإِهَابِ الْمَيْتَة. وَالْإِهَاب: هُوَ الْجِلْد الَّذِي لَمْ يُدْبَغ، كَمَا قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: الْإِهَاب الْجِلْد مَا لَمْ يُدْبَغ، وَالْجَمْع: أُهُب. وَأَحَادِيث الدِّبَاغ: تَدُلّ عَلَى الِاسْتِمْتَاع بِهَا بَعْد الدِّبَاغ، فَلَا تَنَافِي بَيْنهَا. وَهَذِهِ الطَّرِيقَة حَسَنَة لَوْلَا أَنَّ قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُكَيْم " كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُود الْمَيْتَة فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب " وَاَلَّذِي كَانَ رَخَّصَ فِيهِ هُوَ الْمَدْبُوغ. بِدَلِيلِ حَدِيث مَيْمُونَة. وَقَدْ يُجَاب عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدهمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ يَذْكُرهَا أَحَد مِنْ أَهْل السُّنَن فِي هَذَا الْحَدِيث، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا قَوْله " لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة الْحَدِيث " وَإِنَّمَا ذَكَرهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ خَالِد الْحَذَّاء وَشُعْبَة عَنْ الْحَكَم، فَلَمْ يَذْكُرَا " كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ " فَهَذِهِ اللَّفْظَة فِي ثُبُوتهَا شَيْء. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّ الرُّخْصَة كَانَتْ مُطْلَقَة غَيْر مُقَيَّدَة بِالدِّبَاغِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ ذِكْر الدِّبَاغ، وَلِهَذَا كَانَ يُنْكِرهُ، وَيَقُول " نَسْتَمْتِع بِالْجِلْدِ عَلَى كُلّ حَال " فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَخِيرًا، وَأَحَادِيث الدِّبَاغ قِسْم آخَر، لَمْ يَتَنَاوَلهَا النَّهْي وَلَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ وَلَا مَنْسُوخَة، وَهَذِهِ أَحْسَن الطُّرُق. وَلَا يُعَارِض مِنْ ذَلِكَ نَهْيه عَنْ جُلُود السِّبَاع، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ مُلَابَسَتهَا بِاللُّبْسِ وَالِافْتِرَاش كَمَا نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومهَا، لِمَا فِي أَكْلهَا وَلُبْس جُلُودهَا مِنْ الْمَفْسَدَة، وَهَذَا حُكْم لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَلَا نَاسِخ أَيْضًا، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْم اِبْتِدَائِيّ رَافِع لِحُكْمِ الِاسْتِصْحَاب الْأَصْلِيّ. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَة تَأتَلِف السُّنَن، وَتَسْتَقِرّ كُلّ سَنَة مِنْهَا فِي مُسْتَقَرّهَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. عون٤١٢٦ قال الألباني في الصحيحة (٣١٣٣): (لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ). أخرجه البخاري في "التاريخ " (٤/ ١/١٦٧) وابن عساكر (١٤/ ٣٧٠) عنه، وابن حبان في "صحيحه " (٢/ ٢٨٦/١٢٧٦) من طريق هشام بن عمار عن صدقة ابن خالد عن يزيد بن أبي مريم عن القاسم بن مُخَيمرَة عن عبد الله بن عُكيم قال: نا مشيخة لنا من جهينة أن النبي ﷺ كتب إليهم: أن لا ... الحديث. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال "الصحيح "، وفي هشام بن عمار كلام معروف مع كونه من شيوخ البخاري، لكنه قد تابعه جمع: ١ - محمد بن المبارك: ثنا صدقة بن خالد به. أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٧١) و"مشكل الآثار" (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١). ٢ - الحكم بن موسى: ثنا صدقة به. أخرجه البيهقي في "سننه " (١/ ٢٥). ومحمد بن المبارك ثقة من رجال الشيخين. والحكم بن موسى ثقة من رجال مسلم. ثم إن صدقة بن خالد قد تابعه أيوب بن حسان , ثنا يزيد بن أبي مريم به. أخرجه البيهقي (١/ ٢٥). وأيوب بن حسان صدوق، كما قال الحافظ تبعاً لأبي حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/ ١٢٧). قلت: فالسند صحيح , لا يُعَلُّ بهشام بن عمار لهذه المتابعات، وقد أعله الطحاوي في "المشكل " دون "معاني الآثار"؛ فقال: "الأشياخ من جهينة لم يُسَمَّوْا، ولا نعلم أنهم من أصحاب النبي ﷺ ". قلت: وهذا ليس بشيء، لأنهم إن لم يكونوا كلهم من الصحابة- وهذا ما أستبعده- فهم بلا شك من أتباعهم كعبد الله بن عكيم، فقد ذكره ابن حبان في " الصحابة " من كتابه "الثقات " (٣/ ٢٤٧)، وقال: "أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئاً .. "، ثم ذكر حديثه هذا. وقد ترجمه الخطيب في "التاريخ " (١٠/ ٣ - ٤) بسماعه عن جمع من الصحابة، وعنه جمع من التابعين الثقات غير القاسم بن مخيمرة، ثم قال: "وكان ثقة ". فأشياخه في الحديث- على فرض أنه ليس فيهم صحابي- هم من التابعين المخضرمين، وأعلى طبقة من ابن عكيم، فإن لم يكونوا ثقات مثله- وهذا مما أستبعده أيضاً-؛ فهم مستورون، ولكنهم جمع تنجبر جهالتهم بكثرتهم، كما قال السخاوي وغيره في غير هذا الحديث؛ فقال- ﵀ في حديث رواه عدة من أبناء الصحابة: "وسنده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يُسمَّ من أبناء الصحابة؛ فإنهم عدد تنجبر به جهالتهم ". فراجعه في "غاية المرام " (٢٧٢/ ٤٧١). قلت: وحينئذٍ؛ فالحديث صحيح موصول؛ لأنهم يروون عن كتاب النبي ﷺ الذي أرسله إليهم، وهم واثقون بأنه كتابه، كما نروي نحن اليوم عن كتب السنة ولم نر مؤلفيها ولا سمعناها منهم، فالحديث إذن داخل في حكم "الوجادة" المذكورة في "علم المصطلح "، وقد تقرر فيه وجوب العمل بها، فراجع لذلك كتاب "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث " للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى-. قلت: فإعلال الحديث بالإرسال كما فعل الخطابي وغيره غير وارد إذن , لأنه خلاف هذا المتقرَّر، والله أعلم. ولعل هذا الذي ذكرته من الرد لهذا الإعلال هو الذي لحظه المحقق الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه "تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق " حين أورد الحديث فيه (١/ ٢٧٨) من رواية البخاري في "تاريخه "، وابن حبان في "صحيحه "، ثم لم يُعِلَّهُ بما أعلّه الطحاوي. وأما إعلال البعض إياه بالاضطراب؛ فهو بخصوص غير رواية القاسم بن مخيمرة هذه , كما هو تقدم شرحه في "الإرواء" (١/ ٧٩)؛ فتنبه. وإن مما يزيد الحديث قوة: أن له شاهداً من رواية زَمْعَة بن صالح قال: حدثنا أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول ... فذكره مرفوعاً باللفظ المذكور أعلاه، وفيه قصة. أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ٤٨) بسند صحيح عن أبي نعيم قال: حدثنا زمعة بن صالح به. قلت: وهذا إسناد صالح للاستشهاد به؛ فقد صرح أبو الزبير بالتحديث، فأمنا بذلك شر تدليسه. وزمعة بن صالح- وإن كان ضعيفاً - فإنه ليس شديد الضعف، كما أشار إلى ذلك الذهبي بقوله في "الكاشف ": "ضعفه أحمد، وقرنه (م) بآخر". بل قال في "المغني ": "صالح الحديث، ضعفه أحمد وأبو حاتم، ووثقة ابن معين ". واعلم أيها القارئ الكريم! أنني كنت خرَّجت حديث جابر هذا منذ أكثر من ثلاثين سنة في المجلد الأول من "الضعيفة" برقم (١١٨) من رواية ابن وهب عن زمعة عن أبي الزبير عن جابر معنعناً، وفيه القصة أيضاً، فلما شرعنا في إعادة طبع هذا المجلد، ووصلت في تصحيح تجاربه إلى هذا الحديث؛ تذكرت أنني كنت خرجت في "الإرواء" ما يشبهه، وكان تأليفه بعد "الضعيفة" بنحو خمسة عشر عاماً، فوجدت فيه حديث عبد الله بن عُكيم من طريقين عنه بلفظين، أحدهما بلفظ الترجمة، والآخر مثله إلا أنه قال: " .. بإهاب ولا عصب ". وملت فيه إلى تصحيح إسناده، وصرحت بأن إسناد الأول صحيح، فخشيت أن يكون في هذا التصحيح شيء من الوهم، فأعدت النظر فيه بطريقة أوسع- كما ترى- مما هناك، فتأكدت من صحته، وازددت قناعة به، والحمد لله، وعليه؛ رأيت لزاماً عليّ أن أنبه القراء الأفاضل أن الحديث- بشاهد حديث ابن عكيم- صار صحيحاً لغيره، وأنني نقلته إلى هنا، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم طريق. وأريد أن أنبه هنا على أمرين اثنين: الأول: أن المعلق على "شرح السنة" (٢/ ٩٩) قد كان أعل الحديث فيه بالاضطراب متجاهلاً جوابي عنه في "الإرواء" (١/ ٧٩). ثم رجع عن ذلك في تعليقه "الإحسان " (٤/ ٩٥ - المؤسسة)؛ فجزم بصحة إسناده من الطريقين عن عبد الله بن عكيم، فأصاب، لكن كان عليه أن ينبه على تراجعه عن إعلاله بالاضطراب؛ لأن ذلك ينافي الجزم المذكور. على أن بعضهم يقول: إن التعليق على "الإحسان " ليس للمعلق على "الشرح "، وإنما هو لبعض الموظفين عنده! فإذا صح هذا، فهو السبب في عدم التنبيه على الخطأ السابق؛ لأنه من غير المصحِّح في التعليق على "الإحسان ". والآخر: سبق في تخريج الحديث أنه من رواية القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم، هكذا هو عند البخاري عن هشام، وعند غيره عن غير هشام من المتابعين، ووقع عند ابن حبان: "عن القاسم بن مخيمرة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم "، فزاد بين القاسم وابن عكيم: الحكم وابن أبي ليلى، وأظن أن هذه الزيادة خطأ من بعض النساخ؛ لمخالفتها لرواية البخاري والآخرين، ولأن الذين ترجموا للقاسم والحكم- وهو ابن عتيبة- لم يذكروا له رواية عنه. ويبدو أنه خطأ قديم؛ فقد عزاه الزيلعي "في نصب الراية" (١/ ١٢٠) لابن حبان هكذا! الأمر الذي يبعد عن الذهن أن يكون ذلك من الطابع؛ فإن هذا الخطأ وقع أيضاً في طبعة مؤسسة الرسالة (٤/ ٩٥) وهي أصح بكثير من طبعة دار الكتب العلمية. وتنبيه ثالث: وهو أن الحديث- بلفظيه- قد سقط من "زوائد ابن حبان " (ص ٦١) فليُلحق به، وله أمثلة كثيرة أنا في صدد جمعها- إن شاء الله تعالى-. هذا؛ ولعل مما يفيد القراء الكرام أن أذكر بأن مثل هذا التصحيح لغيره بعد ذاك التضعيف لذاته مما يثير حفيظة بعض الجهلة الأغرار، ويعدُّه تناقضاً وجهلاً؛ كذاك المسمى (بفلان)، الشاطر في قلب الحق باطلاً، والصواب خطأ، وقد نذر نفسه، وجعل دأبه الرد على الألباني، فكم له من رسالة في ذلك، منها ما أظهره أخيراً بعنوان؛ "تناقضات الألباني .. "، وقد كفاني مؤنة الرد عليه والكشف عن زوره وبهتانه، وجهله وضلاله: الأخ الفاضل علي الحلبي في كتابه القيم "الأنوار الكاشفة لـ "تناقضات " الخساف الزائفة , وكشف ما فيها من الزيغ والتحريف والمجازفة"؛ فإليها ألفت الأنظار؛ فقد نفع الله بها كثيراً، حتى بعض المغرورين به سابقاً حينما علموا وأنصفوا. ولكني أريد هنا أن أقول له (قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى): أولاً: هل أنت معصوم فلا يقع منك خطأ علمي ما؟ , فإن أجاب بأنه ليس بمعصوم، وأن الخطأ منه وارد- كما هو الواجب على المؤمن حقّاً- قلت: ثانياً: فإذا تبين لك الصواب فيما بعد؛ هل ترجع إليه- كما يفعل الألباني- أم تصرُّ عليه؟ فإن أجبت بالإيجاب- كما هو جواب المؤمن- فلماذا تسمي إذن تراجع الألباني إلى الصواب خطأ، بديل أن تشجعه على الرجوع إلى الصواب دائماً وأبداً، وإن كان هو بفضل الله ليس بحاجة إلى تشجيع واحد مثلك؟!!! أليس "تناقضك "! وعدم تراجعك عنه من أكبر الأدلة على أن وراء الأكمة ما وراءها؟! وختاماً أسأل الله ﵎ أن يهديك إلى أن تتعلم علم الكتاب والسنة معاً وعلى منهج السلف الصالح، حتى ينجو المغرر بهم من ضلالك، وإلا ... فعلى نفسها جنت براقش. وأما أنا؛ فإني أرجو منه تعالى أن يزيدني توفيقاً في خدمة الحديث والسنة والانتصار لها، وأن يسدد في ذلك خطاي، وأن يجعل ذلك سبباً ليغفر لي خطيئتي يوم الدين. وأما الخلاص من كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وطعن الطاعنين؛ فلا سبيل إليه إلا بالوفاة على الإيمان إن شاء الله تعالى. وما أحسن ما قيل: ولستَ بناجٍ من مقالة طاعن ... ولو كنت في غارٍ على جبل وَعْرِ ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً ... ولو غاب عنهم بين خافِيَتَيْ نَسْرِ
следующие страницы →