← Книги сунны

Книги сунны · id 13251

الجامع الصحيح للسنن والمسانيد

صهيب عبد الجبار

Полный текст (18 585 стр.). Показаны 10956–10995 · переход к 10961.

стр. 10956

(ت) , وَعَنْ أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ ﵁ قَالَ: (" نَهَى رَسُولُ ﷺ عَنْ جُلُودِ السِّبَاعِ) (١) (أَنْ تُفْتَرَشَ ") (٢) الشَّرْح: (أُسَامَةَ بْنِ عُمَيْرٍ الْهُذَلِيِّ) هُوَ أُسَامَةُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عَامِرٍ الْأُقَيْشِرُ الْهُذَلِيُّ , صَحَابِيٌّ. تحفة١٧٧٠

стр. 10957

(جة) , وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ الْأَزْدِيِّ ﵁ قَالَ: " كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْهَى عَنْ رُكُوبِ النُّمُورِ " (١) الشَّرْح: النُّمُورُ جَمْعُ نَمِرٍ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْمِيمِ، وَيَجُوزُ سُكُونُهَا مَعَ كَسْرِ النُّونِ، هُوَ سَبُعٌ أَجْرَأُ وَأَخْبَثُ مِنْ الْأَسَدِ وَهُوَ مُنَقَّطُ الْجِلْدِ سُودٌ وَبِيضٌ وَفِيهِ شَبَهٌ مِنْ الْأَسَدِ إِلَّا أَنَّهُ أَصْغَرُ مِنْهُ وَرَائِحَةُ فَمِهِ طَيِّبَةٌ بِخِلَافِ الْأَسَدِ، وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَسَدِ عَدَاوَةٌ، وَهُوَ بَعِيدُ الْوَثْبَةِ فَرُبَّمَا وَثَبَ أَرْبَعِينَ ذِرَاعًا. تحفة١٧٧٠ وَإِنَّمَا نَهَى عَنْ اِسْتِعْمَال جُلُوده لِمَا فِيهَا مِنْ الزِّينَة وَالْخُيَلَاء وَلِأَنَّهُ زِيّ الْعَجَم، وَعُمُوم النَّهْي شَامِل لِلْمُذَكَّى وَغَيْره. عون٤٢٣٩

стр. 10958

(د) , وَعَنْ خَالِدٍ بْنِ مَعْدَانَ قَالَ: وَفَدَ الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ ﵁ وَعَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ , وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمِقْدَامِ: أَعَلِمْتَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَ؟ , فَرَجَّعَ الْمِقْدَامُ (١) فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرَاهَا مُصِيبَةً؟ , فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ لَا أَرَاهَا مُصِيبَةً؟ , " وَقَدْ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَقَالَ: هَذَا مِنِّي, وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ (٢) " فَقَالَ الْأَسَدِيُّ: جَمْرَةٌ أَطْفَأَهَا اللهُ فَقَالَ الْمِقْدَامُ (٣): أَمَّا أَنَا فلَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ حَتَّى أُغِيظَكَ وَأُسْمِعَكَ مَا تَكْرَهُ (٤) ثُمَّ قَالَ: يَا مُعَاوِيَةُ , إِنْ أَنَا صَدَقْتُ فَصَدِّقْنِي , وَإِنْ أَنَا كَذَبْتُ فَكَذِّبْنِي قَالَ: أَفْعَلُ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ , هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ؟ " , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ , هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ " , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا كُلَّهُ فِي بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْكَ يَا مِقْدَامُ , قَالَ خَالِدٌ: فَأَمَرَ لَهُ مُعَاوِيَةُ بِمَا لَمْ يَأمُرْ لِصَاحِبَيْهِ , وَفَرَضَ لِابْنِهِ فِي الْمِائَتَيْنِ , فَفَرَّقَهَا الْمِقْدَامُ فِي أَصْحَابِهِ (٥) وَلَمْ يُعْطِ الْأَسَدِيُّ أَحَدًا شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ: أَمَّا الْمِقْدَامُ , فَرَجُلٌ كَرِيمٌ بَسَطَ يَدَهُ , وَأَمَّا الْأَسَدِيُّ , فَرَجُلٌ حَسَنُ الْإِمْسَاكِ لِشَيْئِهِ. (٦) الشَّرْح: (وَفَدَ) أَيْ: قَدِمَ. عون٤١٣١ (الْمِقْدَامُ بْنُ مَعْدِيكَرِبَ) هُوَ اِبْن عَمْرو الْكِنْدِيّ الصَّحَابِيّ الْمَشْهُور نَزَلَ الشَّام. عون٤١٣١ (وَعَمْرُو بْنُ الْأَسْوَدِ): الْعَنْسِيّ حِمْصِيّ مُخَضْرَم ثِقَة عَابِد. عون٤١٣١ (وَرَجُلٌ مِنْ بَنِي أَسَدٍ مِنْ أَهْلِ قِنَّسْرِينَ): كُورَة بِالشَّامِ. عون٤١٣١ (إِلَى مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ ﵁): حِين إِمَارَتِه. عون٤١٣١ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ لِلْمِقْدَامِ: أَعَلِمْتَ أَنَّ الْحَسَنَ بْنَ عَلِيٍّ تُوُفِّيَ؟) أَيْ: مَاتَ وَكَانَ الْحَسَن ﵁ وَلِيَ الْخِلَافَة بَعْد قَتْل أَبِيهِ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب ﵁ وَكَانَ مُسْتَحِقًّا لِلْخِلَافَةِ وَبَايَعَهُ أَكْثَر مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفًا ثُمَّ جَرَى مَا جَرَى بَيْن الْحَسَن بْن عَلِيّ وَبَيْن مُعَاوِيَة ﵄ وَسَارَ إِلَيْهِ مُعَاوِيَة مِنْ الشَّام إِلَى الْعِرَاق، وَسَارَ هُوَ إِلَى مُعَاوِيَة فَلَمَّا تَقَارَبَا رَأَى الْحَسَن ﵁ الْفِتْنَة وَأَنَّ الْأَمْر عَظِيم تُرَاق فِيهِ الدِّمَاء وَرَأَى اِخْتِلَاف أَهْل الْعِرَاق، وَعَلِمَ الْحَسَن ﵁ أَنَّهُ لَنْ تُغْلَب إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ حَتَّى يُقْتَل أَكْثَر الْأُخْرَى فَأَرْسَلَ إِلَى مُعَاوِيَة يُسَلِّم لَهُ أَمْر الْخِلَافَة وَعَادَ إِلَى الْمَدِينَة، فَظَهَرَتْ الْمُعْجِزَة فِي قَوْله ﷺ " إِنَّ اِبْنِي هَذَا سَيِّد يُصْلِح اللَّه بِهِ بَيْن فِئَتَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ " وَأَيّ شَرَف أَعْظَم مِنْ شَرَف مَنْ سَمَّاهُ رَسُول اللَّه ﷺ سَيِّدًا. عون٤١٣١ وَكَانَت وَفَاة الْحَسَن ﵁ مَسْمُومًا , سَنَة تِسْع وَأَرْبَعِينَ أَوْ سَنَة خَمْسِينَ أَوْ بَعْدهَا , وَكَانَتْ مُدَّة خِلَافَته سِتَّة أَشْهُر وَشَيْئًا وَعَلَى قَوْل نَحْو ثَمَانِيَة أَشْهُر رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ وَعَنْ جَمِيع أَهْل الْبَيْت. عون٤١٣١ (فَرَجَّعَ الْمِقْدَامُ) أَيْ: قَالَ: إِنَّا للهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ. عون٤١٣١ (فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ: أَتَرَاهَا مُصِيبَةً؟) أَيْ: أَتَعُدُّ يَا أَيّهَا الْمِقْدَام حَادِثَة مَوْت الْحَسَن رَضِيَ اللَّه تَعَالَى عَنْهُ مُصِيبَة , وَالْعَجَب كُلّ الْعَجَب مِنْ (هذا الرجل) فَإِنَّهُ مَا عَرَفَ قَدْر أَهْل الْبَيْت حَتَّى قَالَ مَا قَالَ، فَإِنَّ مَوْت الْحَسَن بْن عَلِيّ ﵁ مِنْ أَعْظَم الْمَصَائِب. عون٤١٣١ (فَقَالَ لَهُ: وَلِمَ لَا أَرَاهَا مُصِيبَةً؟ , " وَقَدْ وَضَعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ فَقَالَ: هَذَا مِنِّي, وَحُسَيْنٌ مِنْ عَلِيٍّ ") أَيْ: الْحَسَنُ يُشْبِهنِي , وَالْحُسَيْن يُشْبِه عَلِيًّا، وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى الْحَسَنِ الْحِلْم وَالْأَنَاة كَالنَّبِيِّ ﷺ وَعَلَى الْحُسَيْن الشِّدَّة كَعَلِيٍّ. عون٤١٣١ (فَقَالَ الْأَسَدِيُّ:) أَيْ: طَلَبًا لِرِضَاءِ مُعَاوِيَة وَتَقَرُّبًا إِلَيْهِ. عون٤١٣١ (جَمْرَةٌ أَطْفَأَهَا اللهُ ) أَيْ: أَخْمَدَ اللَّه تَعَالَى تِلْكَ الْجَمْرَة وَأَمَاتَهَا فَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا شَيْء وَمَعْنَى قَوْله وَالْعِيَاذ بِاَللَّهِ أَنَّ حَيَاة الْحَسَن ﵁ كَانَتْ فِتْنَة فَلَمَّا تَوَفَّاهُ اللَّه تَعَالَى سَكَنَتْ الْفِتْنَة، فَاسْتَعَارَ مِنْ الْجَمْرَة بِحَيَاةِ الْحَسَن وَمِنْ إِطْفَائِهَا بِمَوْتِهِ ﵁. عون٤١٣١ (فَقَالَ الْمِقْدَامُ): مُخَاطِبًا لِمُعَاوِيَة. عون٤١٣١ (أَمَّا أَنَا , فلَا أَبْرَحُ الْيَوْمَ حَتَّى أُغِيظَكَ وَأُسْمِعَكَ مَا تَكْرَهُ): أَيْ: لَا أَقُولُ قَوْلًا بَاطِلًا يَسْخَطُ بِهِ الرَّبُّ كَمَا قَالَ الْأَسَدِيُّ طَلَبًا لِلدُّنْيَا , وَتَقَرُّبًا إِلَيْكَ , وَمُرِيدًا لِرِضَاك , بَلْ أَقُولُ كَلَامًا صَحِيحًا , وَقَوْلًا حَقًّا , فَإِنِّي لَا أُبَالِي بِسَخَطِك وَغَضَبك وَإِنِّي جَرِيء عَلَى إِظْهَار الْحَقّ فَأَقُول عِنْدك مَا هُوَ الْحَقّ وَإِنْ كُنْت تَكْرَه وَتَغْضَب عَلَيَّ. عون٤١٣١ (ثُمَّ قَالَ) أي: الْمِقْدَامُ. عون٤١٣١ (يَا مُعَاوِيَة) أَيْ: اِسْمَعْ مِنِّي مَا أَقُول. عون٤١٣١ (إِنْ أَنَا صَدَقْتُ) أَيْ: فِي كَلَامِي. عون٤١٣١ (فَصَدِّقْنِي , وَإِنْ أَنَا كَذَبْتُ) أَيْ: فِي كَلَامِي. عون٤١٣١ (فَكَذِّبْنِي قَالَ: أَفْعَلُ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ) أَيْ: أَسْأَلك بِهِ وَأُذَكِّرك إِيَّاهُ. عون٤١٣١ (هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ؟ " , قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَأَنْشُدُكَ بِاللهِ , هَلْ تَعْلَمُ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ نَهَى عَنْ لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ وَالرُّكُوبِ عَلَيْهَا؟ ") أَيْ: نهى عن لُبْسِ جُلُودِ السِّبَاعِ , وأن تُفرَش جُلودها في السُّرُج والرِّحال للجلوس عليها. ذخيرة٤٢٥٦ (قَالَ: نَعَمْ , قَالَ: فَوَاللهِ لَقَدْ رَأَيْتُ هَذَا كُلَّهُ) أَيْ: الْمَذْكُور مِنْ لُبْس الذَّهَب وَالْحَرِير وَلُبْس جُلُود السِّبَاع وَالرُّكُوب عَلَيْهَا. عون٤١٣١ (فِي بَيْتِكَ يَا مُعَاوِيَةُ) أَيْ: فَإِنَّ أَبْنَاءَك وَمَنْ تَقْدِر عَلَيْهِ لَا يَحْتَرِزُونَ عَنْ اِسْتِعْمَالهَا وَأَنْتَ لَا تُنْكِر عَلَيْهِمْ وَتَطْعَن فِي الْحَسَن بْن عَلِيّ. عون٤١٣١ (فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: قَدْ عَلِمْتُ أَنِّي لَنْ أَنْجُوَ مِنْكَ يَا مِقْدَامُ) أَيْ: لِأَنَّ كَلَامك حَقّ صَحِيح. عون٤١٣١ (قَالَ خَالِدٌ: فَأَمَرَ لَهُ مُعَاوِيَةُ) أَيْ: لِلْمِقْدَامِ مِنْ الْعَطَاء وَالْإِنْعَام. عون٤١٣١ (بِمَا لَمْ يَأمُرْ لِصَاحِبَيْهِ): وَهُمَا عَمْرو بْن الْأَسْوَد , وَالرَّجُل الْأَسَدِيُّ. عون٤١٣١ (وَفَرَضَ لِابْنِهِ) أَيْ: لِابْنِ الْمِقْدَام. عون٤١٣١ (فِي الْمِائَتَيْنِ) أَيْ: قَدْر هَذَا الْمِقْدَار مِنْ بَيْت الْمَال , رِزْقًا لَهُ. عون٤١٣١ (فَفَرَّقَهَا الْمِقْدَامُ فِي أَصْحَابِهِ) أَيْ: قَسَمَ الْعَطِيَّة الَّتِي أَعْطَاهَا مُعَاوِيَةُ عَلَى أَصْحَابه. عون٤١٣١ (وَلَمْ يُعْطِ الْأَسَدِيُّ أَحَدًا شَيْئًا مِمَّا أَخَذَ , فَبَلَغَ ذَلِكَ مُعَاوِيَةُ , فَقَالَ: أَمَّا الْمِقْدَامُ , فَرَجُلٌ كَرِيمٌ بَسَطَ يَدَهُ , وَأَمَّا الْأَسَدِيُّ , فَرَجُلٌ حَسَنُ الْإِمْسَاكِ لِشَيْئِهِ) أَيْ: حَسَن الْإِمْسَاك لِمَالِهِ وَمَتَاعه. عون٤١٣١ وَالْحَدِيث يَدُلّ عَلَى النَّهْي عَنْ لُبْس الذَّهَب وَالْحَرِير، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ النَّهْي خَاصّ بِالرِّجَالِ، وَعَلَى النَّهْي عَنْ لُبْس جُلُود السِّبَاع وَالرُّكُوب عَلَيْهَا، وَهَذَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْ إِيرَاد الْحَدِيث. عون٤١٣١ فَوائِدُ أَحَادِيثِ الْبَابِ: أَحَادِيثُ الْبَابِ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ جُلُودَ السِّبَاعِ لَا يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِهَا. وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي حِكْمَةِ النَّهْيِ , فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ: إِنَّ النَّهْيَ وَقَعَ لِمَا يَبْقَى عَلَيْهَا مِنْ الشَّعْرِ لِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: يَحْتَمِلُ أَنَّ النَّهْيَ عَمَّا لَمْ يُدْبَغْ مِنْهَا لِأَجْلِ النَّجَاسَةِ، أَوْ أَنَّ النَّهْيَ لِأَجْلِ أَنَّهَا مَرَاكِبُ أَهْلِ السَّرَفِ وَالْخُيَلَاءِ. تحفة١٧٧٠ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِأَحَادِيثِ الْبَابِ عَلَى أَنَّ الدِّبَاغَ لَا يُطَهِّرُ جُلُودَ السِّبَاعِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مُخَصِّصَةٌ لِلْأَحَادِيثِ الْقَاضِيَةِ بِأَنَّ الدِّبَاغَ مُطَهِّرٌ عَلَى الْعُمُومِ فَغَيْرُ ظَاهِرٍ، لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهَا مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَافْتِرَاشِهَا وَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ النَّجَاسَةِ كَمَا لَا مُلَازَمَةَ بَيْنَ النَّهْيِ عَنْ الذَّهَبِ وَالْحَرِيرِ وَنَجَاسَتِهِمَا فَلَا مُعَارَضَةَ بَلْ يُحْكَمُ بِالطَّهَارَةِ بِالدِّبَاغِ مَعَ مَنْعِ الرُّكُوبِ عَلَيْهَا وَنَحْوِهِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: إنَّ أَحَادِيثَ هَذَا الْبَابِ أَعَمُّ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ مِنْ وَجْهٍ لِشُمُولِهَا لِمَا كَانَ مَدْبُوغًا مِنْ جُلُودِ السِّبَاعِ، وَمَا كَانَ غَيْرَ مَدْبُوغٍ. نيل٥٥

стр. 10959

(ت س د ن) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ الْجُهَنِيِّ قَالَ: (" أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ ) (١) (قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ) (٢) (فَقُرِئَ عَلَيْنَا) (٣) (بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ) (٤) (أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ (٥) ") (٦) وفي رواية: " قُرِئَ عَلَيْنَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِنْ أَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلامٌ شَابٌّ , أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ " (٧)

стр. 10960

الشرح: (عَبْدِ اللهِ بْنِ عُكَيْمٍ الْجُهَنِيِّ) قِيْلَ: لَهُ صُحْبَةٌ , وَقَدْ أَسْلَمَ بِلَا رَيْبٍ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ ﷺ وَصَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيْقِ. قَالَ هِلَالٌ الوَزَّانُ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ بنَ عُكَيْمٍ يَقُوْلُ: بَايَعْتُ عُمَرَ بِيَدِي هَذِهِ. وَعَنِ الحَكَمِ: أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بنَ أَبِي لَيْلَى قَدَّمَ عَبْدَ اللهِ بنَ عُكَيْمٍ فِي الصَّلَاةِ عَلَى أُمِّهِ، وَكَانَ إِمَامَهُم. تُوُفِّيَ ابْنُ عُكَيْمٍ فِي وِلَايَةِ الحَجَّاجِ. سير أعلام النبلاء ط الرسالة (٣/ ٥١٢) قال البخاريّ: أدرك زمان النبيّ ﷺ ، ولا يعرف له سماع صحيح. الإصابة في تمييز الصحابة (٤/ ١٥٥) (" أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ) (فَقُرِئَ عَلَيْنَا) (بِأَرْضِ جُهَيْنَةَ وَأَنَا غُلَامٌ شَابٌّ) (أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ ") عَصَبُ الإِنسانِ والدابةِ , والأَعْصابُ: أَطنابُ المَفاصِل التي تُلائمُ بَيْنَها وتَشُدُّها. لسان العرب (١/ ٦٠٢) الأطناب: جمع طُنُب , وهو الحبل الذي تشد به الخيمة ونحوها (المصباح). مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: قَالَ التِّرْمِذِيُّ: كَانَ أَحْمَدُ يَذْهَبُ إِلَيْهِ وَيَقُولُ: هَذَا آخِرُ الْأَمْرِ، ثُمَّ تَرَكَهُ لَمَّا اضْطَرَبُوا فِي إِسْنَادِهِ، وَكَذَا قَالَ الْخَلَّالُ نَحْوَهُ. وَرَدَّ ابْنُ حِبَّانَ عَلَى مَنِ ادَّعَى فِيهِ الِاضْطِرَابَ وَقَالَ: سَمِعَ ابْنُ عُكَيْمٍ الْكِتَابَ يُقْرَأُ وَسَمِعَهُ مِنْ مَشَايِخَ مِنْ جُهَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فَلَا اضْطِرَابَ، وَأَعَلَّهُ بَعْضُهُمْ بِالِانْقِطَاعِ وَهُوَ مَرْدُودٌ، وَبَعْضُهُمْ بِكَوْنِهِ كِتَابًا وَلَيْسَ بِعِلَّةٍ قَادِحَةٍ؛ وَبَعْضُهُمْ بِأَنَّ ابْنَ أَبِي لَيْلَى رَاوِيَهُ عَنِ ابْنِ عُكَيْمٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ لِمَا وَقَعَ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَنَّهُ " انْطَلَقَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ قَالَ: فَدَخَلُوا وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخْبَرُونِي " فَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ فِي السَّنَدِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ، وَلَكِنْ صَحَّ تَصْرِيحُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى بِسَمَاعِهِ مِنَ ابْنِ عُكَيْمٍ فَلَا أَثَرَ لِهَذِهِ الْعِلَّةِ أَيْضًا، قال الأثيوبي في الذخيرة٤٢٣٦: هذا الذي ذكره الحافظ من أن الذي قعد على الباب هو ابن أبي ليلى , غير صحيح , فإن القصة للحكم بن عتيبة , لا لابن أبي ليلى , كما هو في سنن أبي داود (٤١٢٨) " عَنِ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ، أَنَّهُ انْطَلَقَ هُوَ وَنَاسٌ مَعَهُ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ - رَجُلٍ مِنْ جُهَيْنَةَ -قَالَ الْحَكَمُ: فَدَخَلُوا وَقَعَدْتُ عَلَى الْبَابِ، فَخَرَجُوا إِلَيَّ فَأَخْبَرُونِي أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُكَيْمٍ أَخْبَرَهُمْ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ كَتَبَ إِلَى جُهَيْنَةَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِشَهْرٍ أَنْ لَا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلَا عَصَبٍ " , فالصواب أن القصة للحكم , لا لابن أبي ليلى , فتنبَّه. أ. هـ قال الحافظ: وَأَقْوَى مَا تَمَسَّكَ بِهِ مَنْ لَمْ يَاخُذْ بِظَاهِرِهِ مُعَارَضَةُ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ لَهُ وَأَنَّهَا عَنْ سَمَاعٍ وَهَذَا عَنْ كِتَابَةٍ وَأَنَّهَا أَصَحُّ مَخَارِجَ، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْإِهَابِ عَلَى الْجِلْدِ قَبْلَ الدِّبَاغِ وَأَنَّهُ بَعْدَ الدِّبَاغِ لَا يُسَمَّى إِهَابًا إِنَّمَا يُسَمَّى قِرْبَةً وَغَيْرَ ذَلِكَ، وَقَدْ نُقِلَ ذَلِكَ عَنْ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ كَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ، وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ابْنِ شَاهِينَ وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْبَيْهَقِيِّ، وَأَبْعَدَ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِحَمْلِ النَّهْيِ عَلَى جِلْدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ لِكَوْنِهِمَا لَا يُدْبَغَانِ، وَكَذَا مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى بَاطِنِ الْجِلْدِ وَالْإِذْنَ عَلَى ظَاهِرِهِ " وَحَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمَّا مَاتَ كَانَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُكَيْمٍ سَنَةٌ، وَهُوَ كَلَامٌ بَاطِلٌ فَإِنَّهُ كَانَ رَجُلًا ".فتح٥٥٣١ قَالَ الشَّيْخ اِبْن الْقَيِّم ﵀: قَالَ أَبُو الْفَرَج بْن الْجَوْزِيّ: حَدِيث بْن عُكَيْم مُضْطَرِب جِدًّا. فَلَا يُقَاوِم الْأَوَّل وَاخْتَلَفَ مَالِك وَالْفُقَهَاء فِي حَدِيث اِبْن عُكَيْم وَأَحَادِيث الدِّبَاغ. فَطَائِفَة قَدَّمَتْ أَحَادِيث الدِّبَاغ عَلَيْهِ، لِصِحَّتِهَا، وَسَلَامَتهَا مِنْ الِاضْطِرَاب، وَطَعَنُوا فِي حَدِيث اِبْن عُكَيْم بِالِاضْطِرَابِ فِي إِسْنَاده. وَطَائِفَة قَدَّمَتْ حَدِيث اِبْن عُكَيْم لِتَأَخُّرِهِ، وَثِقَة رُوَاته، وَرَأَوْا أَنَّ هَذَا الِاضْطِرَاب لَا يَمْنَع الِاحْتِجَاج بِهِ. وَقَدْ رَوَاهُ شُعْبَة عَنْ الْحَكَم عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي لَيْلَى عَنْ عُبَيْد اللَّه بْن عُكَيْم فَحَدِيث مَحْفُوظ. قَالُوا: وَيُؤَيِّدهُ: مَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيّ ﷺ مِنْ النَّهْي عَنْ اِفْتِرَاش جُلُود السِّبَاع وَالنُّمُور، كَمَا سَيَأتِي. وَطَائِفَة عَمِلَتْ بِالْأَحَادِيثِ كُلّهَا، وَرَأَتْ أَنَّهُ لَا تَعَارُض بَيْنهَا، فَحَدِيث اِبْن عُكَيْم إِنَّمَا فِيهِ النَّهْي عَنْ الِانْتِفَاع بِإِهَابِ الْمَيْتَة. وَالْإِهَاب: هُوَ الْجِلْد الَّذِي لَمْ يُدْبَغ، كَمَا قَالَهُ النَّضْر بْن شُمَيْلٍ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيّ: الْإِهَاب الْجِلْد مَا لَمْ يُدْبَغ، وَالْجَمْع: أُهُب. وَأَحَادِيث الدِّبَاغ: تَدُلّ عَلَى الِاسْتِمْتَاع بِهَا بَعْد الدِّبَاغ، فَلَا تَنَافِي بَيْنهَا. وَهَذِهِ الطَّرِيقَة حَسَنَة لَوْلَا أَنَّ قَوْله فِي حَدِيث اِبْن عُكَيْم " كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ فِي جُلُود الْمَيْتَة فَإِذَا أَتَاكُمْ كِتَابِي فَلَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة بِإِهَابٍ وَلَا عَصَب " وَاَلَّذِي كَانَ رَخَّصَ فِيهِ هُوَ الْمَدْبُوغ. بِدَلِيلِ حَدِيث مَيْمُونَة. وَقَدْ يُجَاب عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ. أَحَدهمَا: أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَة لَمْ يَذْكُرهَا أَحَد مِنْ أَهْل السُّنَن فِي هَذَا الْحَدِيث، وَإِنَّمَا ذَكَرُوا قَوْله " لَا تَنْتَفِعُوا مِنْ الْمَيْتَة الْحَدِيث " وَإِنَّمَا ذَكَرهَا الدَّارَقُطْنِيُّ، وَقَدْ رَوَاهُ خَالِد الْحَذَّاء وَشُعْبَة عَنْ الْحَكَم، فَلَمْ يَذْكُرَا " كُنْت رَخَّصْت لَكُمْ " فَهَذِهِ اللَّفْظَة فِي ثُبُوتهَا شَيْء. وَالْوَجْه الثَّانِي: أَنَّ الرُّخْصَة كَانَتْ مُطْلَقَة غَيْر مُقَيَّدَة بِالدِّبَاغِ، وَلَيْسَ فِي حَدِيث الزُّهْرِيِّ ذِكْر الدِّبَاغ، وَلِهَذَا كَانَ يُنْكِرهُ، وَيَقُول " نَسْتَمْتِع بِالْجِلْدِ عَلَى كُلّ حَال " فَهَذَا هُوَ الَّذِي نَهَى عَنْهُ أَخِيرًا، وَأَحَادِيث الدِّبَاغ قِسْم آخَر، لَمْ يَتَنَاوَلهَا النَّهْي وَلَيْسَتْ بِنَاسِخَةٍ وَلَا مَنْسُوخَة، وَهَذِهِ أَحْسَن الطُّرُق. وَلَا يُعَارِض مِنْ ذَلِكَ نَهْيه عَنْ جُلُود السِّبَاع، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ مُلَابَسَتهَا بِاللُّبْسِ وَالِافْتِرَاش كَمَا نَهَى عَنْ أَكْل لُحُومهَا، لِمَا فِي أَكْلهَا وَلُبْس جُلُودهَا مِنْ الْمَفْسَدَة، وَهَذَا حُكْم لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ، وَلَا نَاسِخ أَيْضًا، وَإِنَّمَا هُوَ حُكْم اِبْتِدَائِيّ رَافِع لِحُكْمِ الِاسْتِصْحَاب الْأَصْلِيّ. وَبِهَذِهِ الطَّرِيقَة تَأتَلِف السُّنَن، وَتَسْتَقِرّ كُلّ سَنَة مِنْهَا فِي مُسْتَقَرّهَا، وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيق. عون٤١٢٦ قال الألباني في الصحيحة (٣١٣٣): (لا تنتَفِعُوا من الميْتةِ بشيءٍ). أخرجه البخاري في "التاريخ " (٤/ ١/١٦٧) وابن عساكر (١٤/ ٣٧٠) عنه، وابن حبان في "صحيحه " (٢/ ٢٨٦/١٢٧٦) من طريق هشام بن عمار عن صدقة ابن خالد عن يزيد بن أبي مريم عن القاسم بن مُخَيمرَة عن عبد الله بن عُكيم قال: نا مشيخة لنا من جهينة أن النبي ﷺ كتب إليهم: أن لا ... الحديث. وهذا إسناد صحيح رجاله ثقات رجال "الصحيح "، وفي هشام بن عمار كلام معروف مع كونه من شيوخ البخاري، لكنه قد تابعه جمع: ١ - محمد بن المبارك: ثنا صدقة بن خالد به. أخرجه الطحاوي في "شرح معاني الآثار" (١/ ٢٧١) و"مشكل الآثار" (٤/ ٢٦٠ - ٢٦١). ٢ - الحكم بن موسى: ثنا صدقة به. أخرجه البيهقي في "سننه " (١/ ٢٥). ومحمد بن المبارك ثقة من رجال الشيخين. والحكم بن موسى ثقة من رجال مسلم. ثم إن صدقة بن خالد قد تابعه أيوب بن حسان , ثنا يزيد بن أبي مريم به. أخرجه البيهقي (١/ ٢٥). وأيوب بن حسان صدوق، كما قال الحافظ تبعاً لأبي حاتم، وذكره ابن حبان في "الثقات " (٨/ ١٢٧). قلت: فالسند صحيح , لا يُعَلُّ بهشام بن عمار لهذه المتابعات، وقد أعله الطحاوي في "المشكل " دون "معاني الآثار"؛ فقال: "الأشياخ من جهينة لم يُسَمَّوْا، ولا نعلم أنهم من أصحاب النبي ﷺ ". قلت: وهذا ليس بشيء، لأنهم إن لم يكونوا كلهم من الصحابة- وهذا ما أستبعده- فهم بلا شك من أتباعهم كعبد الله بن عكيم، فقد ذكره ابن حبان في " الصحابة " من كتابه "الثقات " (٣/ ٢٤٧)، وقال: "أدرك النبي ﷺ ولم يسمع منه شيئاً .. "، ثم ذكر حديثه هذا. وقد ترجمه الخطيب في "التاريخ " (١٠/ ٣ - ٤) بسماعه عن جمع من الصحابة، وعنه جمع من التابعين الثقات غير القاسم بن مخيمرة، ثم قال: "وكان ثقة ". فأشياخه في الحديث- على فرض أنه ليس فيهم صحابي- هم من التابعين المخضرمين، وأعلى طبقة من ابن عكيم، فإن لم يكونوا ثقات مثله- وهذا مما أستبعده أيضاً-؛ فهم مستورون، ولكنهم جمع تنجبر جهالتهم بكثرتهم، كما قال السخاوي وغيره في غير هذا الحديث؛ فقال- ﵀ في حديث رواه عدة من أبناء الصحابة: "وسنده لا بأس به، ولا يضره جهالة من لم يُسمَّ من أبناء الصحابة؛ فإنهم عدد تنجبر به جهالتهم ". فراجعه في "غاية المرام " (٢٧٢/ ٤٧١). قلت: وحينئذٍ؛ فالحديث صحيح موصول؛ لأنهم يروون عن كتاب النبي ﷺ الذي أرسله إليهم، وهم واثقون بأنه كتابه، كما نروي نحن اليوم عن كتب السنة ولم نر مؤلفيها ولا سمعناها منهم، فالحديث إذن داخل في حكم "الوجادة" المذكورة في "علم المصطلح "، وقد تقرر فيه وجوب العمل بها، فراجع لذلك كتاب "الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث " للشيخ أحمد شاكر - رحمه الله تعالى-. قلت: فإعلال الحديث بالإرسال كما فعل الخطابي وغيره غير وارد إذن , لأنه خلاف هذا المتقرَّر، والله أعلم. ولعل هذا الذي ذكرته من الرد لهذا الإعلال هو الذي لحظه المحقق الحافظ ابن عبد الهادي في كتابه "تنقيح التحقيق في أحاديث التعليق " حين أورد الحديث فيه (١/ ٢٧٨) من رواية البخاري في "تاريخه "، وابن حبان في "صحيحه "، ثم لم يُعِلَّهُ بما أعلّه الطحاوي. وأما إعلال البعض إياه بالاضطراب؛ فهو بخصوص غير رواية القاسم بن مخيمرة هذه , كما هو تقدم شرحه في "الإرواء" (١/ ٧٩)؛ فتنبه. وإن مما يزيد الحديث قوة: أن له شاهداً من رواية زَمْعَة بن صالح قال: حدثنا أبو الزبير قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول ... فذكره مرفوعاً باللفظ المذكور أعلاه، وفيه قصة. أخرجه ابن عبد البر في "التمهيد" (٩/ ٤٨) بسند صحيح عن أبي نعيم قال: حدثنا زمعة بن صالح به. قلت: وهذا إسناد صالح للاستشهاد به؛ فقد صرح أبو الزبير بالتحديث، فأمنا بذلك شر تدليسه. وزمعة بن صالح- وإن كان ضعيفاً - فإنه ليس شديد الضعف، كما أشار إلى ذلك الذهبي بقوله في "الكاشف ": "ضعفه أحمد، وقرنه (م) بآخر". بل قال في "المغني ": "صالح الحديث، ضعفه أحمد وأبو حاتم، ووثقة ابن معين ". واعلم أيها القارئ الكريم! أنني كنت خرَّجت حديث جابر هذا منذ أكثر من ثلاثين سنة في المجلد الأول من "الضعيفة" برقم (١١٨) من رواية ابن وهب عن زمعة عن أبي الزبير عن جابر معنعناً، وفيه القصة أيضاً، فلما شرعنا في إعادة طبع هذا المجلد، ووصلت في تصحيح تجاربه إلى هذا الحديث؛ تذكرت أنني كنت خرجت في "الإرواء" ما يشبهه، وكان تأليفه بعد "الضعيفة" بنحو خمسة عشر عاماً، فوجدت فيه حديث عبد الله بن عُكيم من طريقين عنه بلفظين، أحدهما بلفظ الترجمة، والآخر مثله إلا أنه قال: " .. بإهاب ولا عصب ". وملت فيه إلى تصحيح إسناده، وصرحت بأن إسناد الأول صحيح، فخشيت أن يكون في هذا التصحيح شيء من الوهم، فأعدت النظر فيه بطريقة أوسع- كما ترى- مما هناك، فتأكدت من صحته، وازددت قناعة به، والحمد لله، وعليه؛ رأيت لزاماً عليّ أن أنبه القراء الأفاضل أن الحديث- بشاهد حديث ابن عكيم- صار صحيحاً لغيره، وأنني نقلته إلى هنا، والله ولي التوفيق، وهو الهادي إلى أقوم طريق. وأريد أن أنبه هنا على أمرين اثنين: الأول: أن المعلق على "شرح السنة" (٢/ ٩٩) قد كان أعل الحديث فيه بالاضطراب متجاهلاً جوابي عنه في "الإرواء" (١/ ٧٩). ثم رجع عن ذلك في تعليقه "الإحسان " (٤/ ٩٥ - المؤسسة)؛ فجزم بصحة إسناده من الطريقين عن عبد الله بن عكيم، فأصاب، لكن كان عليه أن ينبه على تراجعه عن إعلاله بالاضطراب؛ لأن ذلك ينافي الجزم المذكور. على أن بعضهم يقول: إن التعليق على "الإحسان " ليس للمعلق على "الشرح "، وإنما هو لبعض الموظفين عنده! فإذا صح هذا، فهو السبب في عدم التنبيه على الخطأ السابق؛ لأنه من غير المصحِّح في التعليق على "الإحسان ". والآخر: سبق في تخريج الحديث أنه من رواية القاسم بن مخيمرة عن عبد الله بن عكيم، هكذا هو عند البخاري عن هشام، وعند غيره عن غير هشام من المتابعين، ووقع عند ابن حبان: "عن القاسم بن مخيمرة عن الحكم عن عبد الرحمن بن أبي ليلى عن عبد الله بن عكيم "، فزاد بين القاسم وابن عكيم: الحكم وابن أبي ليلى، وأظن أن هذه الزيادة خطأ من بعض النساخ؛ لمخالفتها لرواية البخاري والآخرين، ولأن الذين ترجموا للقاسم والحكم- وهو ابن عتيبة- لم يذكروا له رواية عنه. ويبدو أنه خطأ قديم؛ فقد عزاه الزيلعي "في نصب الراية" (١/ ١٢٠) لابن حبان هكذا! الأمر الذي يبعد عن الذهن أن يكون ذلك من الطابع؛ فإن هذا الخطأ وقع أيضاً في طبعة مؤسسة الرسالة (٤/ ٩٥) وهي أصح بكثير من طبعة دار الكتب العلمية. وتنبيه ثالث: وهو أن الحديث- بلفظيه- قد سقط من "زوائد ابن حبان " (ص ٦١) فليُلحق به، وله أمثلة كثيرة أنا في صدد جمعها- إن شاء الله تعالى-. هذا؛ ولعل مما يفيد القراء الكرام أن أذكر بأن مثل هذا التصحيح لغيره بعد ذاك التضعيف لذاته مما يثير حفيظة بعض الجهلة الأغرار، ويعدُّه تناقضاً وجهلاً؛ كذاك المسمى (بفلان)، الشاطر في قلب الحق باطلاً، والصواب خطأ، وقد نذر نفسه، وجعل دأبه الرد على الألباني، فكم له من رسالة في ذلك، منها ما أظهره أخيراً بعنوان؛ "تناقضات الألباني .. "، وقد كفاني مؤنة الرد عليه والكشف عن زوره وبهتانه، وجهله وضلاله: الأخ الفاضل علي الحلبي في كتابه القيم "الأنوار الكاشفة لـ "تناقضات " الخساف الزائفة , وكشف ما فيها من الزيغ والتحريف والمجازفة"؛ فإليها ألفت الأنظار؛ فقد نفع الله بها كثيراً، حتى بعض المغرورين به سابقاً حينما علموا وأنصفوا. ولكني أريد هنا أن أقول له (قولاً ليناً لعله يتذكر أو يخشى): أولاً: هل أنت معصوم فلا يقع منك خطأ علمي ما؟ , فإن أجاب بأنه ليس بمعصوم، وأن الخطأ منه وارد- كما هو الواجب على المؤمن حقّاً- قلت: ثانياً: فإذا تبين لك الصواب فيما بعد؛ هل ترجع إليه- كما يفعل الألباني- أم تصرُّ عليه؟ فإن أجبت بالإيجاب- كما هو جواب المؤمن- فلماذا تسمي إذن تراجع الألباني إلى الصواب خطأ، بديل أن تشجعه على الرجوع إلى الصواب دائماً وأبداً، وإن كان هو بفضل الله ليس بحاجة إلى تشجيع واحد مثلك؟!!! أليس "تناقضك "! وعدم تراجعك عنه من أكبر الأدلة على أن وراء الأكمة ما وراءها؟! وختاماً أسأل الله ﵎ أن يهديك إلى أن تتعلم علم الكتاب والسنة معاً وعلى منهج السلف الصالح، حتى ينجو المغرر بهم من ضلالك، وإلا ... فعلى نفسها جنت براقش. وأما أنا؛ فإني أرجو منه تعالى أن يزيدني توفيقاً في خدمة الحديث والسنة والانتصار لها، وأن يسدد في ذلك خطاي، وأن يجعل ذلك سبباً ليغفر لي خطيئتي يوم الدين. وأما الخلاص من كيد الكائدين، وحسد الحاسدين، وطعن الطاعنين؛ فلا سبيل إليه إلا بالوفاة على الإيمان إن شاء الله تعالى. وما أحسن ما قيل: ولستَ بناجٍ من مقالة طاعن ... ولو كنت في غارٍ على جبل وَعْرِ ومن ذا الذي ينجو من الناس سالماً ... ولو غاب عنهم بين خافِيَتَيْ نَسْرِ

стр. 10961

مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: لا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاء ِ فِي نَجَاسَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ الدِّبَاغِ (١) وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ بَعْدَهُ. وَعَرَّفُوا الْمَيْتَةَ بِأَنَّهَا الْمَيِّتُ مِنَ الْحَيَوَانِ الْبَرِّيِّ الَّذِي لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ، مَأكُولَةُ اللَّحْمِ أَوْ غَيْرُهُ، مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ أَوْ بِذَكَاةٍ غَيْرِ شَرْعِيَّةٍ، كَمُذَكَّى الْمَجُوسِيِّ أَوِ الْكِتَابِيِّ لِصَنَمِهِ، أَوِ الْمُحْرِمِ لِصَيْدٍ، أَوِ الْمُرْتَدِّ أَوْ نَحْوِهِ. (٢) وَاخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ عَلَى التَّفْصِيلِ التَّالِي: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ - وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ فِي جِلْدِ مَيْتَةِ مَأكُولِ اللَّحْمِ - إِلَى أَنَّ الدِّبَاغَةَ وَسِيلَةٌ لِتَطْهِيرِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ، سَوَاءٌ أَكَانَتْ مَأكُولَةَ اللَّحْمِ أَمْ غَيْرَ مَأكُولَةِ اللَّحْمِ، فَيَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَيْتَةِ سَائِرِ الْحَيَوَانَاتِ إِلا جِلْدَ الْخِنْزِيرِ عِنْدَ الْجَمِيعِ لِنَجَاسَةِ عَيْنِهِ، وَجِلْدُ الآدَمِيِّ لِكَرَامَتِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾ وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا جِلْدَ الْكَلْبِ، كَمَا اسْتَثْنَى مُحَمَّدٌ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ جِلْدَ الْفِيلِ. (٣) قَالَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ ﵀ فِي مُوَطَّئِهِ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ: إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ , وَبِهَذَا نَأخُذُ إِذَا دُبِغَ إِهَابُ الْمَيْتَةِ فَقَدْ طَهُرَ وَهُوَ ذَكَاتُهُ وَلَا بَأسَ بِالِانْتِفَاعِ بِهِ وَلَا بَأسَ بِبَيْعِهِ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْعَامَّةِ مِنْ فُقَهَائِنَا ﵏. تحفة١٧٢٨ قال النووي: مَذْهَب الشَّافِعِيّ أَنَّهُ يَطْهُر بِالدِّبَاغِ جَمِيع جُلُود الْمَيْتَة إِلَّا الْكَلْب وَالْخِنْزِير وَالْمُتَوَلِّد مِنْ أَحَدهمَا وَغَيْره، وَيَطْهُر بِالدِّبَاغِ ظَاهِر الْجِلْد وَبَاطِنه، وَيَجُوز اِسْتِعْمَاله فِي الْأَشْيَاء الْمَائِعَة وَالْيَابِسَة، وَلَا فَرْق بَيْن مَأكُول اللَّحْم وَغَيْره، وَرُوِيَ هَذَا الْمَذْهَب عَنْ عَلِيّ بْن أَبِي طَالِب، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ﵄. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) وَاسْتَدَلُّوا لِطَهَارَةِ جُلُودِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ بِأَحَادِيثَ، مِنْهَا: أ - قَوْلُهُ ﷺ : " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ ". قَالَ الْخَطَّابِيُّ: وَزَعَمَ قَوْم أَنَّ جِلْد مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه لَا يُسَمَّى إِهَابًا وَذَهَبُوا إِلَى أَنَّ الدِّبَاغ لَا يَعْمَل مِنْ الْمَيْتَة إِلَّا فِي جِلْد الْجِنْس الْمَأكُول اللَّحْم. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِسْم الْإِهَاب يَتَنَاوَل جِلْد مَا لَا يُؤْكَل لَحْمه كَتَنَاوُلِهِ جِلْد الْمَأكُول اللَّحْم قَوْل عَائِشَة حِين وَصَفَتْ أَبَاهَا وَحَقَنَ الدِّمَاء فِي أُهُبهَا تُرِيد بِهِ النَّاس، وَقَدْ قَالَ ذُو الرُّمَّة يَصِف كَلْبَيْنِ: لَا يَذْخَرَانِ مِنْ الْإِيغَال بَاقِيَة حَتَّى يَكَاد تُفَرَّى عَنْهُمَا الْأُهُبُ، اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. عون٤١٢٣ قال الحافظ: وَقَدْ تَمَسَّكَ بَعْضُهُمْ بِخُصُوصِ هَذَا السَّبَبِ فَقَصَرَ الْجَوَازَ عَلَى الْمَأكُولِ لِوُرُودِ الْخَبَرِ فِي الشَّاةِ وَيَتَقَوَّى ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ بِأَنَّ الدِّبَاغَ لَا يَزِيدُ فِي التَّطْهِيرِ عَلَى الذَّكَاةِ وَغَيْرُ الْمَأكُولِ لَوْ ذُكِّيَ لَمْ يَطْهُرْ بِالذَّكَاةِ عِنْدَ الْأَكْثَرِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ وَأَجَابَ مَنْ عَمَّمَ بِالتَّمَسُّكِ بِعُمُومِ اللَّفْظِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ خُصُوصِ السَّبَبِ وَبِعُمُومِ الْإِذْنِ بِالْمَنْفَعَةِ وَلِأَنَّ الْحَيَوَانَ طَاهِرٌ يُنْتَفَعُ بِهِ قَبْلَ الْمَوْتِ فَكَانَ الدِّبَاغُ بَعْدَ الْمَوْتِ قَائِمًا لَهُ مَقَامَ الْحَيَاةِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. فتح٥٥٣٢ ب - وَبِمَا رَوَى سَلَمَةُ بْنُ الْمُحَبِّقِ " أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ دَعَا بِمَاءٍ مِنْ عِنْدِ امْرَأَةٍ، قَالَتْ: مَا عِنْدِي إِلا فِي قِرْبَةٍ لِي مَيْتَةٍ. قَالَ: أَلَيْسَ قَدْ دَبَغْتِهَا؟ قَالَتْ: بَلَى. قَالَ: فَإِنَّ دِبَاغَهَا ذَكَاتُهَا ". ج - وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: " تَصَدَّقَ عَلَى مَوْلاةٍ لِمَيْمُونَةَ بِشَاةٍ فَمَاتَتْ، فَمَرَّ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ: هَلا أَخَذْتُمْ إِهَابَهَا فَدَبَغْتُمُوهُ فَانْتَفَعْتُمْ بِهِ؟ فَقَالُوا: إِنَّهَا مَيْتَةٌ، فَقَالَ: إِنَّمَا حَرُمَ أَكْلُهَا ". وَاسْتَدَلُّوا بِالْمَعْقُولِ أَيْضًا، وَهُوَ أَنَّ الدَّبْغَ يُزِيلُ سَبَبَ النَّجَاسَةِ وَهُوَ الرُّطُوبَةُ وَالدَّمُ، فَصَارَ الدَّبْغُ لِلْجِلْدِ كَالْغَسْلِ لِلثَّوْبِ، وَلأَنَّ الدِّبَاغَ يَحْفَظُ الصِّحَّةَ لِلْجِلْدِ وَيُصْلِحُهُ لِلانْتِفَاعِ بِهِ كَالْحَيَاةِ، ثُمَّ الْحَيَاةُ تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْجُلُودِ فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. (٤) أَمَّا اسْتِثْنَاءُ جِلْدِ الْخِنْزِيرِ فَلأَنَّهُ نَجِسُ الْعَيْنِ، أَيْ أَنَّ ذَاتَهُ بِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا نَجِسَةٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، فَلَيْسَتْ نَجَاسَتُهُ لِمَا فِيهِ مِنَ الدَّمِ أَوِ الرُّطُوبَةِ كَنَجَاسَةِ غَيْرِهِ مِنْ مَيْتَةِ الْحَيَوَانَاتِ، فَلِذَا لَمْ يَقْبَلِ التَّطْهِيرَ. (٥) وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيَّةُ لاسْتِثْنَاءِ الْكَلْبِ بِأَنَّهُ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: " طَهُورُ إِنَاءِ أَحَدِكُمْ إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولاهُنَّ بِالتُّرَابِ ". وَالطَّهَارَةُ تَكُونُ لِحَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ، وَلا حَدَثَ عَلَى الإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْوُلُوغَ سَبَبٌ لِلْخَبَثِ بِسَبَبِ نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ، فَبَقِيَّةُ أَجْزَاءِ الْكَلْبِ أَوْلَى بِالنَّجَاسَةِ، وَإِذَا كَانَتِ الْحَيَاةُ لا تَدْفَعُ النَّجَاسَةَ عَنِ الْكَلْبِ فَالدِّبَاغُ أَوْلَى، لأَنَّ الْحَيَاةَ أَقْوَى مِنَ الدِّبَاغِ بِدَلِيلِ أَنَّهَا سَبَبٌ لِطَهَارَةِ الْجُمْلَةِ، وَالدِّبَاغُ وَسِيلَةٌ لِطَهَارَةِ الْجِلْدِ فَقَطْ. (٦) وَاسْتَدَلَّ الْحَنَفِيَّةُ لِطَهَارَةِ جِلْدِ الْكَلْبِ بِالدِّبَاغَةِ بِعُمُومِ الأَحَادِيثِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ. (٧) وَالْكَلْبُ لَيْسَ نَجِسَ الْعَيْنِ عِنْدَهُمْ فِي الأَصَحِّ، وَكَذَلِكَ الْفِيلُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ، وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " كَانَ يَمْتَشِطُ بِمُشْطٍ مِنْ عَاجٍ " (٨) وَفَسَّرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ بِعَظْمِ الْفِيلِ. وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ الْمُعْتَمَدِ عِنْدَهُمْ وَالْحَنَابِلَةُ فِي الْمَذْهَبِ بِعَدَمِ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ، لِمَا رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُكَيْمٍ قَالَ: " أَتَانَا كِتَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَبْلَ وَفَاتِهِ بِشَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ: أَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ ". وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْهُ ﷺ قَالَ: " كُنْتُ رَخَّصْتُ لَكُمْ فِي جُلُودِ الْمَيْتَةِ، فَإِذَا جَاءَكُمْ كِتَابِي هَذَا فَلا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِإِهَابٍ وَلا عَصَبٍ ". وَأَجَابَ الْمَالِكِيَّةُ عَنِ الأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي طَهَارَةِ الْجِلْدِ بِالدِّبَاغِ بِأَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى الطَّهَارَةِ اللُّغَوِيَّةِ أَيِ النَّظَافَةِ، وَلِذَا جَازَ الانْتِفَاعُ بِهِ فِي حَالاتٍ خَاصَّةٍ كَمَا سَيَأتِي. وَرُوِيَ عَنْ سَحْنُونَ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلُهُمَا: بِطَهَارَةِ جِلْدِ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ بِالدِّبَاغَةِ حَتَّى الْخِنْزِيرِ. (٩) وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يَطْهُرُ بِالدِّبَاغَةِ جِلْدُ مَيْتَةِ مَا كَانَ طَاهِرًا فِي الْحَيَاةِ، مِنْ إِبِلٍ وَبَقَرٍ وَظِبَاءٍ وَنَحْوِهَا، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ مَأكُولِ اللَّحْمِ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ ﷺ : " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ " فَيَتَنَاوَلُ الْمَأكُولَ وَغَيْرَهُ، وَخَرَجَ مِنْهُ مَا كَانَ نَجِسًا فِي حَالِ الْحَيَاةِ لِكَوْنِ الدَّبْغِ إِنَّمَا يُؤَثِّرُ فِي دَفْعِ نَجَاسَةٍ حَادِثَةٍ بِالْمَوْتِ فَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى قَضِيَّةِ الْعُمُومِ. كَمَا رُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ قَوْلُهُ: بِطَهَارَةِ جُلُودِ مَيْتَةِ مَأكُولِ اللَّحْمِ فَقَطْ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " ذَكَاةُ الأَدِيمِ دِبَاغُهُ " وَالذَّكَاةُ إِنَّمَا تَعْمَلُ فِيمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، فَكَذَلِكَ الدِّبَاغُ. (١٠) جِلْدُ الْمَيْتَةِ بَعْدَ الدِّبَاغِ لا خِلافَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي نَجَاسَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ قَبْلَ دَبْغِهِ، وَلَكِنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَتِهِ بِالدِّبَاغِ عَلَى خَمْسَةِ أَقْوَالٍ (١١): الأَوَّلُ: لِلْحَنَفِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّ جُلُودَ الْمَيْتَةِ تَطْهُرُ كُلُّهَا بِالدِّبَاغِ إِلا الْخِنْزِيرَ، وَاسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ أَيْضًا جِلْدَ الْكَلْبِ. الثَّانِي: لِلْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ فِي الْمَشْهُورِ وَهُوَ عَدَمُ طَهَارَةِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغَةِ، قَالَ الْمَالِكِيَّةُ: لَكِنْ يَجُوزُ الانْتِفَاعُ بِذَلِكَ الْجِلْدِ الْمَدْبُوغِ وَاسْتِعْمَالُهُ مَعَ نَجَاسَتِهِ فِي الْيَابِسَاتِ وَفِي الْمَاءِ وَحْدَهُ دُونَ سَائِرِ الْمَائِعَاتِ. الثَّالِثُ: لأَبِيْ يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَلِسَحْنُونٍ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ، وَهُوَ أَنَّ جَمِيعَ الْجُلُودِ تَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ حَتَّى الْخِنْزِيرُ. وَالْمَذْهَب السَّادِس يَطْهُر الْجَمِيع وَالْكَلْب وَالْخِنْزِير ظَاهِرًا وَبَاطِنًا وَهُوَ مَذْهَب دَاوُدَ وَأَهْل الظَّاهِر، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُف. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) الرَّابِعُ: لأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ أَنَّهُ إِنَّمَا يَطْهُرُ بِالدِّبَاغِ جِلْدُ مَيْتَةِ مَا كَانَ طَاهِرًا حَالَ الْحَيَاةِ. الْخَامِسُ: لِلأَوْزَاعِيِّ وَأَبِيْ َثْورٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ، وَهُوَ طَهَارَةُ جُلُودِ مَيْتَةِ الْحَيَوَانِ الْمَأكُولِ اللَّحْمِ فَقَطْ. قال النووي: وَالْمَذْهَب الثَّالِث يَطْهُر بِالدِّبَاغِ جِلْد مَأكُول اللَّحْم، وَلَا يَطْهُر غَيْره، وَهُوَ مَذْهَب الْأَوْزَاعِيِّ، وَابْن الْمُبَارَك، وَأَبِي ثَوْر، وَإِسْحَاق بْن رَاهْوَيْهِ. النووي (١٠٠ - (٣٦٣) (قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ: إِنَّمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ، إِنَّمَا يَعْنِي بِهِ جِلْدَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ هَكَذَا فَسَّرَهُ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ، وَقَالَ: إِنَّمَا يُقَالُ إِهَابٌ لِجِلْدِ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ) (ت) ١٧٢٨ قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: هَذَا يُخَالِفُ مَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ: إِنَّمَا يُسَمَّى إِهَابًا مَا لَمْ يُدْبَغْ فَإِذَا دُبِغَ لَا يُقَالُ لَهُ إِهَابٌ إِنَّمَا يُسَمَّى شَنًّا وَقِرْبَةً. فَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ تَخْصِيصُهُ بِجِلْدِ الْمَأكُولِ، وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ عَنْهُ أَرْجَحُ لِمُوَافَقَتِهَا مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ كَصَاحِبِ الصِّحَاحِ وَالْقَامُوسِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهَا وَالْمَبْحَثُ لُغَوِيٌّ فَيُرَجَّحُ مَا وَافَقَ اللُّغَةَ وَلَمْ نَجِدْ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ اللُّغَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَخْصِيصِ الْإِهَابِ بِإِهَابِ مَأكُولِ اللَّحْمِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ اِنْتَهَى كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ. نيل٥٦ مَسَائِلُ تَتَعَلَّقُ بِالْبَاب قال النووي: يَجُوز الدِّبَاغ بِكُلِّ شَيْء يُنَشِّف فَضَلَات الْجِلْد وَيُطَيِّبهُ، وَيَمْنَع مِنْ وُرُود الْفَسَاد عَلَيْهِ. وَذَلِكَ كَالشَّتِّ وَالشَّبّ وَالْقَرْظ وَقُشُور الرُّمَّان وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَة الطَّاهِرَة، وَلَا يَحْصُل بِالتَّشْمِيسِ عِنْدنَا، وَقَالَ أَصْحَاب أَبِي حَنِيفَة: يَحْصُل، وَلَا يَحْصُل عِنْدنَا بِالتُّرَابِ وَالرَّمَاد وَالْمِلْح عَلَى الْأَصَحّ فِي الْجَمِيع. وَهَلْ يَحْصُل بِالْأَدْوِيَةِ النَّجِسَة كَذَرْقِ الْحَمَام وَالشَّبّ الْمُتَنَجِّس؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحّهمَا عِنْد الْأَصْحَاب حُصُوله، وَيَجِب غَسْله بَعْد الْفَرَاغ مِنْ الدِّبَاغ بِلَا خِلَاف، وَلَوْ كَانَ دَبْغه بِطَاهِرٍ فَهَلْ يَحْتَاج إِلَى غَسْله بَعْد الْفَرَاغ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. وَهَلْ يُحْتَاج إِلَى اِسْتِعْمَال الْمَاء فِي أَوَّل الدِّبَاغ؟ فِيهِ وَجْهَانِ. قَالَ أَصْحَابنَا: وَلَا يَفْتَقِر الدِّبَاغ إِلَى فِعْل فَاعِل. فَلَوْ أَطَارَتْ الرِّيح جِلْد مَيْتَة فَوَقَعَ فِي مَدْبَغه طَهُرَ. وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِذَا طَهُرَ بِالدِّبَاغِ جَازَ الِانْتِفَاع بِهِ بِلَا خِلَاف. وَهَلْ يَجُوز بَيْعه؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحّهمَا يَجُوز. وَهَلْ يَجُوز أَكْله؟ فِيهِ ثَلَاثَة أَوْجُه أَوْ أَقْوَال: أَصَحّهَا لَا يَجُوز بِحَالٍ، وَالثَّانِي يَجُوز، وَالثَّالِث يَجُوز أَكْل جِلْد مَأكُول اللَّحْم، وَلَا يَجُوز غَيْره. وَاَللَّه أَعْلَم. وَإِذَا طَهُرَ الْجِلْد بِالدِّبَاغِ فَهَلْ يَطْهُر الشَّعْر الَّذِي عَلَيْهِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ إِذَا قُلْنَا بِالْمُخْتَارِ فِي مَذْهَبنَا إِنَّ شَعْر الْمَيْتَة نَجَس فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ: أَصَحّهمَا وَأَشْهَرهمَا لَا يَطْهُر لِأَنَّ الدِّبَاغ لَا يُؤَثِّر فِيهِ بِخِلَافِ الْجِلْد. قَالَ أَصْحَابنَا: لَا يَجُوز اِسْتِعْمَال جِلْد الْمَيْتَة قَبْل الدِّبَاغ فِي الْأَشْيَاء الرَّطْبَة. وَيَجُوز فِي الْيَابِسَات مَعَ كَرَاهَته وَاللَّه أَعْلَم. النووي (١٠٠ - (٣٦٣)

стр. 10962

طَهَارَةُ مَيْتَةِ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَة (خ د جة حم) , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ أَوْ شَرَابِهِ فَلْيَغْمِسْهُ) (١) (كُلَّهُ) (٢) (فِيهِ) (٣) (ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ , فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً) (٤) (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ , فَلْيَغْمِسْهُ كُلُّهُ ") (٥) وفي رواية: " إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ (٦) فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ السُّمَّ وَيُؤَخِّرُ الشِّفَاءَ " (٧) وفي رواية: " فَإِذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ فَأَرْسِبُوهُ , فَيَذهبُ شِفَاؤهُ بِدَائِه " (٨) الشَّرْح: (" إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي طَعَامِ أَحَدِكُمْ أَوْ شَرَابِهِ فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ فِيهِ) أَمْرُ إِرْشَادٍ لِمُقَابَلَةِ الدَّاءِ بِالدَّوَاءِ. وَفِي قَوْلِهِ: كُلُّهُ رَفْعُ تَوَهُّمِ الْمَجَازِ فِي الِاكْتِفَاءِ بِغَمْسِ بَعْضِهِ. فتح٥٧٨٢ (ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ , فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالْأُخْرَى شِفَاءً) لَمْ يَقَعْ لِي فِي شَيْءٍ مِنَ الطُّرُقِ تَعْيِينُ الْجَنَاحِ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ مِنْ غَيْرِهِ، لَكِنْ ذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ تَأَمَّلَهُ فَوَجَدَهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الْأَيْسَرِ فَعُرِفَ أَنَّ الْأَيْمَنَ هُوَ الَّذِي فِيهِ الشِّفَاءُ. فتح٥٧٨٢ (وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ) يَحْفَظ نَفْسه بِتَقْدِيمِ ذَلِكَ الْجَنَاح مِنْ أَذِيَّة تَلْحَقهُ مِنْ حَرَارَة ذَلِكَ الطَّعَام. عون٣٨٤٤ وفي رواية: (إِذَا وَقَعَ فِي الطَّعَامِ فَامْقُلُوهُ) أَيْ: اِغْمِسُوهُ فِي الطَّعَام أَوْ الشَّرَاب، وَالْمَقْل: الْغَمْس. عون٣٨٤٤ فَوائِدُ الْحَدِيث: اسْتُدِلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْقَلِيلَ لَا يَنْجَسُ بِوُقُوعِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ فِيهِ وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ - كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّافِعِيِّ - أَنَّهُ ﷺ لَا يَأمُرُ بِغَمْسِ مَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ إِذَا مَاتَ فِيهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِفْسَادٌ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ: لَا يَلْزَمُ مِنْ غَمْسِ الذُّبَابِ مَوْتُهُ فَقَدْ يَغْمِسُهُ بِرِفْقٍ فَلَا يَمُوتُ، وَالْحَيُّ لَا يُنَجِّسُ مَا يَقَعُ فِيهِ كَمَا صَرَّحَ الْبَغَوِيُّ بِاسْتِنْبَاطِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. وَقَالَ أَبُو الطَّيِّبِ الطَّبَرِيُّ: لَمْ يَقْصِدِ النَّبِيُّ ﷺ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَيَانَ النَّجَاسَةِ وَالطَّهَارَةِ، وَإِنَّمَا قَصَدَ بَيَانَ التَّدَاوِي مِنْ ضَرَرِ الذُّبَابِ، وَكَذَا لَمْ يَقْصِدْ بِالنَّهْيِ عَنِ الصَّلَاةِ فِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَالْإِذْنِ فِي مَرَاحِ الْغَنَمِ طَهَارَةً وَلَا نَجَاسَةً وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ الْخُشُوعَ لَا يُوجَدُ مَعَ الْإِبِلِ دُونَ الْغَنَمِ. قُلْتُ: وَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ، إِلَّا أَنَّهُ لَا يَمْنَعُ أَنْ يُسْتَنْبَطَ مِنْهُ حُكْمٌ آخَرُ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِغَمْسِهِ يَتَنَاوَلُ صُوَرًا مِنْهَا أَنْ يَغْمِسَهُ مُحْتَرِزًا عَنْ مَوْتِهِ كَمَا هُوَ الْمُدَّعَى هُنَا، وَأَنْ لَا يَحْتَرِزَ بَلْ يَغْمِسُهُ سَوَاءً مَاتَ أَوْ لَمْ يَمُتْ. وَيَتَنَاوَلُ مَا لَوْ كَانَ الطَّعَامُ حَارًّا فَإِنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَمُوتُ بِخِلَافِ الطَّعَامِ الْبَارِدِ، فَلَمَّا لَمْ يَقَعِ التَّقْيِيدُ حُمِلَ عَلَى الْعُمُومِ، لَكِنْ فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ يُصَدَّقُ بِصُورَةٍ فَإِذَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى صُورَةٍ مُعَيَّنَةٍ حُمِلَ عَلَيْهَا. وَاسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إِلْحَاقَ غَيْرِ الذُّبَابِ بِهِ فِي الْحُكْمِ الْمَذْكُورِ بِطَرِيقٍ آخَرَ فَقَالَ: وَرَدَ النَّصُّ فِي الذُّبَابِ فَعَدُّوهُ إِلَى كُلِّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ، وَفِيهِ نَظَرٌ، لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي الذُّبَابِ قَاصِرَةً وَهِيَ عُمُومُ الْبَلْوَى، وَهَذِهِ مُسْتَنْبَطَةٌ. أَوِ التَّعْلِيلُ بِأَنَّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ شِفَاءً، وَهَذِهِ مَنْصُوصَةٌ، وَهَذَانِ الْمَعْنَيَانِ لَا يُوجَدَانِ فِي غَيْرِهِ فَيَبْعُدُ كَوْنُ الْعِلَّةِ مُجَرَّدَ كَوْنِهِ لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ، بَلِ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّهُ جُزْءُ عِلَّةٍ لَا عِلَّةٌ كَامِلَةٌ انْتَهَى. وَقَدْ رَجَّحَ جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ مَا يَعُمُّ وُقُوعُهُ فِي الْمَاءِ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ لَا يُنَجِّسُ الْمَاءَ، وَمَا لَا يَعُمُّ كَالْعَقَارِبِ يُنَجِّسُ، وَهُوَ قَوِيٌّ. فتح٥٧٨٢ وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ عَلَى أَنَّهَا تَنْجَسُ بِالْمَوْتِ كَمَا هُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ لِلشَّافِعِيِّ، وَالْقَوْلُ الْآخَرُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، أَنَّهَا لَا تَنْجَسُ، وَاللهُ أَعْلَمُ. فتح٥٧٨٢ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فَقَالَ: كَيْفَ يَجْتَمِعُ الشِّفَاءُ وَالدَّاءُ فِي جَنَاحَيِ الذُّبَابِ، وَكَيْفَ يَعْلَمُ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهِ حَتَّى يُقَدِّمَ جَنَاحَ الشِّفَاءِ، وَمَا أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِكَ؟ قَالَ: وَهَذَا سُؤَالُ جَاهِلٍ أَوْ مُتَجَاهِلٍ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْحَيَوَانِ قَدْ جَمَعَ الصِّفَاتِ الْمُتَضَادَّةَ. وَقَدْ أَلَّفَ اللهُ بَيْنَهَا وَقَهَرَهَا عَلَى الِاجْتِمَاعِ وَجَعَلَ مِنْهَا قُوَى الْحَيَوَانِ، وَإِنَّ الَّذِي أَلْهَمَ النَّحْلَةَ اتِّخَاذَ الْبَيْتِ الْعَجِيبِ الصَّنْعَةِ لِلتَّعْسِيلِ فِيهِ، وَأَلْهَمَ النَّمْلَةَ أَنْ تَدَّخِرَ قُوتَهَا أَوَانَ حَاجَتِهَا، وَأَنْ تَكْسِرَ الْحَبَّةَ نِصْفَيْنِ لِئَلَّا تَسْتَنْبِتَ، لَقَادِرٌ عَلَى إِلْهَامِ الذُّبَابَةِ أَنْ تُقَدِّمَ جَنَاحًا وَتُؤَخِّرَ آخَرَ. وَقَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ: مَا نُقِلَ عَنْ هَذَا الْقَائِلِ لَيْسَ بِعَجِيبٍ، فَإِنَّ النَّحْلَةَ تُعَسِّلُ مِنْ أَعْلَاهَا وَتُلْقِي السُّمَّ مِنْ أَسْفَلِهَا، وَالْحَيَّةُ الْقَاتِلُ سُمُّهَا تَدْخُلُ لُحُومَهَا فِي التِّرْيَاقِ الَّذِي يُعَالَجُ بِهِ السُّمُّ. فتح٥٧٨٢ قال الألباني في الصحيحة: قد ثبت الحديث بهذه الأسانيد الصحيحة عن هؤلاء الصحابة الثلاثة: أبي هريرة , وأبي سعيد , وأنس، ثبوتا لا مجال لردِّه ولا للتشكيك فيه , كما ثبت صِدْقُ أبي هريرة ﵁ في روايته إياه عن رسول الله ﷺ خلافا لبعض غُلاة الشيعة من المعاصرين، ومن تبعهم من الزائغين، حيث طعنوا فيه ﵁ لروايته إياه , واتهموه بأنه يكذب فيه على رسول الله ﷺ وحاشاه من ذلك فهذا هو التحقيق العلمي يُثبت أنه بريء من كل ذلك, وأن الطاعنَ فيه هو الحقيق بالطعن فيه، لأنهم رموا صحابيًّا بالبَهْت، وردُّوا حديثَ رسول الله ﷺ لِمجرد عدم انطباقه على عقولهم المريضة! , وقد رواه عنه جماعة من الصحابة كما علمتَ، وليت شعري , هل عَلِمَ هؤلاء بعدم تفرُّد أبي هريرة بالحديث - وهو حجة ولو تفرَّد - أم جهلوا ذلك؟، فإن كان الأول , فلماذا يتعللون برواية أبي هريرة إياه , ويوهمون الناس أنه لم يُتابعْهُ أحد من الأصحاب الكرام؟. وإن كان الآخر , فهلا سألوا أهلَ الاختصاص والعلم بالحديث الشريف؟ , وما أحسن ما قيل: فإن كنت لا تدري فتلك مصيبةٌ ... وإن كنت تدري فالمصيبة أعظمُ ثم إن كثيرا من الناس يتوهمون أن هذا الحديث يخالف ما يقرره الأطباء , وهو أن الذباب يحمل بأطرافه الجراثيم، فإذا وقع في الطعام أو في الشراب علقت به تلك الجراثيم، والحقيقة أن الحديث لا يخالف الأطباء في ذلك، بل هو يؤيدهم , إذ يُخبر أن في أحد جناحيه داء، ولكنه يزيد عليهم فيقول: " وفي الآخر شفاء " فهذا مما لم يُحِيطوا بعلمه، فوجب عليهم الإيمان به إن كانوا مسلمين، وإلا فالتوقُّفُ إذا كانوا من غيرهم , إن كانوا عقلاءَ علماءَ! ذلك لأن العلمَ الصحيح يشهد أن عدم العلمِ بالشيء لا يستلزمُ العلمَ بعدمِه , نقول ذلك على افتراض أن الطبَّ الحديث لم يشهدْ لهذا الحديث بالصحة , وقد اختلفت آراء الأطباء حوله، وقرأتُ مقالات كثيرة في مجلات مختلفة , كلٌّ يؤيد ما ذهب إليه تأييدا أو ردًّا، ونحن بصفتنا مؤمنين بصحة الحديث وأن النبي ﷺ ﴿لا ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى﴾، لا يهمُّنا كثيرا ثبوت الحديث من وجهة نظر الطب، لأن الحديث برهانٌ قائم في نفسه , لا يحتاج إلى دعم خارجي , ومع ذلك , فإن النفس تزداد إيمانا حين ترى الحديث الصحيح يوافقه العلم الصحيح، ولذلك فلا يخلو من فائدة أن أنقلَ إلى القراء خُلاصة محاضرة ألقاها أحد الأطباء في جمعية الهداية الإسلامية في مصر حول هذا الحديث , قال: " يقع الذباب على المواد القذرة المملؤة بالجراثيم التي تنشأ منها الأمراض المختلفة، فينقُل بعضَها بأطرافه، ويأكلُ بعضا، فيتكون في جسمه من ذلك مادة سامة , يسميها علماء الطب بـ " مُبْعِد البكتيريا " وهي تقتل كثيرا من جراثيم الأمراض، ولا يمكن لتلك الجراثيم أن تبقى حية أو يكون لها تأثير في جسم الإنسان في حال وجود " مُبْعِد البكتيريا " , وأن هناك خاصية في أحد جناحي الذباب، هي أنه يحوِّلُ البكتريا إلى ناحيته، وعلى هذا , فإذا سقط الذباب في شراب أو طعام , وألقى الجراثيم العالقة بأطرافه في ذلك الشراب، فإن أقربَ مبيدٍ لتلك الجراثيم , وأول واقٍ منها هو " مُبْعِد البكتيريا " الذي يحمله الذباب في جوفه , قريبا من أحد جناحيه، فإذا كان هناك داء , فدواؤه قريب منه وغمْسُ الذبابِ كلِّه وطرحُه كافٍ لقتل الجراثيم التي كانت عالقة، وكافٍ في إبطال عملها ". وقد قرأتُ قديما في هذه المجلة بحثا إضافيا في هذا المعنى للطبيب الأستاذ سعيد السيوطي (مجلد العام الأول) , وقرأت كلمة في مجلد العام الفائت (ص ٥٠٣) كلمة للطَّبِيبيْن: محمود كمال , ومحمد عبد المنعم حسين , نقلا عن مجلة الأزهر , ثم وقفتُ على العدد (٨٢) من " مجلة العربي " الكويتية ص١٤٤ تحت عنوان: " أنت تسأل ونحن نجيب " بقلم المدعو (..)، جوابا له على سؤال عما لهذا الحديث من الصحة والضعف , فقال: " أما حديثُ الذباب وما في جناحيه من داء وشفاء، فحديثٌ ضعيف، بل هو عَقْلا حديثٌ مفترى، فمن المُسَلَّمِ به أن الذباب يحمل من الجراثيم والأقذار ... ولم يقلْ أحدٌ قط أن في جناحي الذبابة داءً وفي الآخر شفاء، إلَّا من وَضَع هذا الحديث أو افتراه، ولو صح ذلك لكشف عنه العلم الحديث الذي يقطع بمضارِّ الذباب , ويحضُّ على مكافحته ". وفي الكلام على اختصاره من الدَّسِّ والجهل ما لا بد من الكشف عنه , دفاعا عن حديث رسول الله ﷺ وصيانةً له أن يَكْفُرَ به من قد يغترُّ بزخرف القول , فأقول: أولا: لقد زَعَمَ أن الحديثَ ضعيف، يعني من الناحية العلمية الحديثية , بدليل قوله: " بل هو عَقْلا حديثٌ مُفْتَرَى " , وهذا الزعمُ واضح البطلان، تعرف ذلك مما سبق من تخريج الحديث من طرق ثلاث عن رسول الله ﷺ وكلها صحيحة , وحسْبُك دليلا على ذلك أن أحدا من أهل العلم لم يقُلْ بِضَعْف الحديث كما فعل هذا الكاتب الجريء!. ثانيا: لقد زعم أنه عَقْلا حديثٌ مُفْتَرَى , وهذا الزعمُ ليس وضوحُ بطلانِهِ بأقلَّ من سابقِه، لأنه مجرد دعوى , لم يَسُقْ دليلًا يؤيده به سوى الجهل بالعلم الذي لا يمكنه الإحاطة به، ألست تراه يقول: " ولم يقل أحد ... ، ولو صَحَّ لكَشفَ عنه العلمُ الحديث ... " فهل العلمُ الحديثُ - أيها المسكين - قد أحاطَ بكل شيء علما، أم أن أهله الذين لم يُصابوا بالغرور - كما أُصِيبَ من يُقلِّدُهُم مِنَّا - يقولون: إننا كلما ازددنا علما بما في الكون وأسراره، ازددنا معرفة بجهلنا! , وأن الأمر بحق كما قال الله ﵎: ﴿وما أوتيتم من العلم إلا قليلا﴾. وأما قوله: " إن العلم يقطع بمضار الذباب , ويحض على مكافحته " فمغالطة مكشوفة، لأننا نقول: إن الحديث لم يَقُلْ نقيضَ هذا، وإنما تحدَّث عن قضية أخرى لم يكن العلم يعرف مُعالجتَها، فإذا قال الحديث: " إذا وقع الذباب .. " فلا أحد يَفهم، لا من العرب , ولا من العجم - اللهم إلا العُجْم في عقولهم وأفهامهم - أن الشرعَ يبارك في الذباب ولا يكافحه. ثالثا: قد نقلنا لك فيما سبق ما أثبته الطب اليوم، من أن الذباب يحمل في جوفه ما سموه بـ " مبعد البكتريا " , القاتل للجراثيم , وهذا وإن لم يكن موافقا لما في الحديث على وجه التفصيل، فهو في الجملة موافق لما استنكره الكاتب المُشَار إليه وأمثالُه من اجتماع الداء والدواء في الذباب، ولا يبْعُدُ أن يأتي يوم تَنْجَلي فيه معجزة الرسول ﷺ في ثبوت التفاصيل المشار إليها علميا ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾ , وإن من عجيب أمر هذا الكاتب وتناقضه أنه في الوقت الذي ذهبَ فيه إلى تضعيف هذا الحديث، ذهبَ إلى تصحيح حديث " طَهُورُ الإناء الذي يَلِغُ فيه الكلب أن يُغْسَل سبع مرات إحداهن بالتراب " , فقال: " حديث صحيح متفق عليه " , فإنه إذا كانت صحته جاءت من اتفاق العلماء أو الشيخين على صحته , فالحديث الأول أيضا صحيح عند العلماء بدون خلاف بينهم، فكيف جازَ له تضعيف هذا وتصحيح ذاك؟! , ثم تأويله تأويلا باطلا يؤدي إلى أن الحديث غير صحيح عنده في معناه، لأنه ذَكَر أن المقصود من العدد مجرد الكثرة، وأن المقصود من التراب هو استعمال مادة مع الماء من شأنها إزالة ذلك الأثر! , وهذا تأويل باطل بَيِّنُ البطلان - وإن كان عزاه للشيخ محمود شلتوت عفا الله عنه -. فلا أدري أي خَطَأَيْه أعظم، أهو تضعيفه للحديث الأول وهو صحيح، أم تأويله للحديث الآخر , وهو تأويل باطل!. وبهذه المناسبة، فإني أنصح القراء الكرام بأن لا يَثِقُوا بكل ما يُكتَب اليوم في بعض المجلات السائرة، أو الكُتُب الذائعة من البحوث الإسلامية، وخصوصا ما كان منها في علم الحديث، إلا إذا كانت بقلم من يُوثَق بدينه أولا، ثم بعلمه واختصاصه فيه ثانيا، فقد غلب الغرورُ على كثير من كُتَّاب العصر الحاضر، وخصوصا من يحمل منهم لقب " الدكتور "! , فإنهم يكتبون فيما ليس من اختصاصهم، وما لا عِلْمَ لهم به، وإني لَأَعْرِفُ واحدًا من هؤلاء، أخرجَ حديثا إلى الناس كتابا جُلُّه في الحديث والسيرة، وزعمَ فيه أنه اعتمدَ فيه على ما صح من الأحاديث والأخبار في كتب السنة والسيرة! , ثم هو أورد فيه من الروايات والأحاديث ما تفرَّدَ به الضعفاء والمتروكون والمتَّهمون بالكذب من الرواة , كالواقدي وغيره، بل أورد فيه حديث: " نحن نَحْكُم بالظاهر والله يتولى السرائر" وجزمَ بِنِسبته إلى النبي ﷺ ﴿وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ﴾، مع أنه مما لا أصل له عنه بهذا اللفظ، كما نبه عليه حُفَّاظُ الحديث كالسخاوي وغيره , فاحذروا أيها القُرَّاء أمثال هؤلاء , والله المستعان. أ. هـ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ عَامَّةُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ كَالذُّبَابِ وَالْبَعُوضِ وَنَحْوِهِمِا إِذَا وَقَعَ فِي مَاءٍ يَسِيرٍ أَوْ مَائِعٍ وَمَاتَ فَإِنَّهُ لا يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ، لِقَوْلِهِ ﷺ : " إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي شَرَابِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْمِسْهُ ثُمَّ لِيَنْزِعْهُ، فَإِنَّ فِي إِحْدَى جَنَاحَيْهِ دَاءً وَالأُخْرَى شِفَاءً " وَفِي رِوَايَةٍ: " وَإِنَّهُ يَتَّقِي بِجَنَاحِهِ الَّذِي فِيهِ الدَّاءُ "، وَقَدْ يُفْضِي غَمْسُهُ إِلَى مَوْتِهِ فَلَوْ نَجَّسَ لَمَا أَمَرَ بِهِ. وَمِمَّا قِيلَ فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّ الْمُنَجِّسَ لَهُ الدِّمَاءُ السَّائِلَةُ، فَمَا لا دَمَ لَهُ سَائِلا لا يَتَنَجَّسُ بِالْمَوْتِ مَا مَاتَ فِيهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ. (٩) وَمُقَابِلُ الْمَشْهُورِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ يُنَجِّسُ مَا وَقَعَ فِيهِ كَسَائِرِ الْمَيْتَاتِ. وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ: وَمَحَلُّ الْخِلافِ إِذَا لَمْ تَنْشَأ فِيهِ، فَإِنْ نَشَأَتْ فِيهِ وَمَاتَتْ كَدُودِ الْخَلِّ لَمْ تُنَجِّسْهُ جَزْمًا. (١٠) وَنَصَّ الْحَنَابِلَةُ عَلَى أَنَّ مَا لَيْسَ لَهُ نَفْسٌ سَائِلَةٌ مِنَ الْحَيَوَانِ نَوْعَانِ: مَا يَتَوَلَّدُ مِنَ الطَّاهِرَاتِ فَهُوَ طَاهِرٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، وَمَا يَتَوَلَّدُ مِنَ النَّجَاسَاتِ كَصَرَاصِرِ الْحَشِّ وَدُودِهِ فَهُوَ نَجِسٌ حَيًّا وَمَيِّتًا، لأَنَّهُ مُتَوَلِّدٌ مِنَ النَّجَاسَةِ فَكَانَ نَجِسًا كَوَلَدِ الْكَلْبِ وَالْخِنْزِيرِ. قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ: صَرَاصِرُ الْكَنِيفِ وَالْبَالُوعَةِ إِذَا وَقَعَ فِي الإِنَاءِ أَوِ الْحَبِّ صُبَّ، وَصَرَاصِرُ الْبِئْرِ لَيْسَتْ بِقَذِرَةٍ وَلا تَأكُلُ الْعَذِرَةَ. (١١)

стр. 10963

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْخَارِج مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَجَاسَةُ الْغَائِط (د حم حب) , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ " , فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ) (١) (" فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ " , قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا) (٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّي لَمْ أَخْلَعْهُمَا مِنْ بَأسٍ، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ) (٣) (أَتَانِي أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (٤) وفي رواية: (خَبَثًا) (٥) (فَأَلْقَيْتُهُمَا , فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ , فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا وفي رواية: (خَبَثًا) (٦) فَلْيَمْسَحْهُمَا) (٧) (بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا ") (٨) الشَّرْح: (" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ) أَيْ: نَزَعَهُمَا مِنْ رِجْلَيْهِ. عون٦٥٠ (فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ " , فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ) (" فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ " , قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّي لَمْ أَخْلَعْهُمَا مِنْ بَأسٍ، (وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ أَتَانِي أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) أَيْ: نَجَاسَة. عون٦٥٠ وفي رواية: (خَبَثًا) الْمُرَاد مِنْ الْخَبَث النَّجَاسَة أَوْ كُلّ شَيْء مُسْتَخْبَث. عون٦٥٠ (فَأَلْقَيْتُهُمَا , فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ , فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا فَلْيَمْسَحْهُمَا بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا ") فَوائِدُ الْحَدِيث: قَالَ فِي سُبُل السَّلَام: وَفِي الْحَدِيث دَلَالَة عَلَى شَرْعِيَّة الصَّلَاة فِي النِّعَال، وَعَلَى أَنَّ مَسْح النَّعْل مِنْ النَّجَاسَة مُطَهِّر لَهُ مِنْ الْقَذَر وَالْأَذَى، وَالظَّاهِر فِيهِمَا عِنْد الْإِطْلَاق النَّجَاسَة، وَسَوَاء كَانَتْ النَّجَاسَة رَطْبَة أَوْ جَافَّة، وَيَدُلّ لَهُ سَبَب الْحَدِيث اِنْتَهَى. وَقَالَ الْخَطَّابِيّ: فِيهِ مِنْ الْفِقْه أَنَّ مَنْ صَلَّى وَفِي ثَوْبه نَجَاسَة لَمْ يَعْلَم بِهَا فَإِنَّ صَلَاته مُجْزِيَة وَلَا إِعَادَة عَلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الِأتِسَاء بِرَسُولِ اللَّه ﷺ فِي أَفْعَاله وَاجِب كَهُوَ فِي أَقْوَاله، وَهُوَ أَنَّهُمْ رَأَوْا رَسُول اللَّه ﷺ خَلَعَ نَعْلَيْهِ خَلَعُوا نِعَالهمْ. وَفِيهِ مِنْ الْأَدَب أَنَّ الْمُصَلِّي إِذَا صَلَّى وَحْده وَخَلَعَ نَعْله وَضَعَهَا عَنْ يَسَاره وَإِذَا كَانَ مَعَ غَيْره فِي الصَّفّ وَكَانَ عَنْ يَمِينه وَعَنْ يَسَاره نَاس فَإِنَّهُ يَضَعهَا بَيْن رِجْلَيْهِ. وَفِيهِ أَنَّ الْعَمَل الْيَسِير لَا يَقْطَع الصَّلَاة. عون٦٥٠

стр. 10964

(خ جة خز) , وَعَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: " أَتَى رَسُولُ اللهِ ﷺ الْغَائِطَ فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ " , فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ , وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ , فَأَخَذْتُ رَوْثَةً وفي رواية: (رَوْثَةَ حِمَارٍ) (١) فَأَتَيْتُهُ بِهَا , " فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ وَقَالَ: هَذَا رِكْسٌ (٢) " (٣) وفي رواية: (هِيَ رِجْسٌ) (٤) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ بَوْلِ وَعَذِرَةِ الآدَمِيِّ وَبَوْلِ وَرَوْثِ مَا لا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ، لِمَا وَرَدَ أَنَّهُ " جَاءَ أَعْرَابِيٌّ فَبَالَ فِي طَائِفَةِ الْمَسْجِدِ، فَزَجَرَهُ النَّاسُ، فَنَهَاهُمُ النَّبِيُّ ﷺ ، فَلَمَّا قَضَى بَوْلَهُ أَمَرَ النَّبِيُّ ﷺ بِذَنُوبٍ مِنْ مَاءٍ فَأُهْرِيقَ عَلَيْهِ " وَقَوْلُهُ ﷺ : " اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ " وَلِقَوْلِهِ ﷺ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ: " إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ مِنَ الْغَائِطِ وَالْبَوْلِ وَالْقَيْءِ وَالدَّمِ وَالْمَنِيِّ ". (٥)

стр. 10965

نَجَاسَةُ الْبَوْل بَوْلُ الْغُلَامِ وَالْجَارِيَة (خ م د) , عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: (" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ وَيُحَنِّكُهُمْ) (١) (فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ) (٢) وفي رواية: (لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأكُلَ الطَّعَامَ) (٣) (يُحَنِّكُهُ) (٤) (فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ، فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) (٥) (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ , وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا ") (٦) الشَّرْح: (" كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُؤْتَى بِالصِّبْيَانِ فَيَدْعُو لَهُمْ بِالْبَرَكَةِ) أَصْل الْبَرَكَة: ثُبُوت الْخَيْر وَكَثْرَته. النووي (١٠١ - ٢٨٦) (وَيُحَنِّكُهُمْ) التَّحْنِيك: مَضْغُ الشَّيْءِ وَوَضْعُهُ فِي فَمِ الصَّبِيِّ , وَدَلْكُ حَنَكِهِ بِهِ. فتح (فَأُتِيَ بِصَبِيٍّ يَرْضَعُ) أَيْ: رَضِيع , وَهُوَ الَّذِي لَمْ يُفْطَم. النووي (١٠١ - ٢٨٦) وفي رواية: (لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأكُلَ الطَّعَامَ) الْمُرَادُ بِالطَّعَامِ مَا عَدَا اللَّبَنَ الَّذِي يَرْتَضِعُهُ وَالتَّمْرَ الَّذِي يُحَنَّكُ بِهِ وَالْعَسَلَ الَّذِي يَلْعَقُهُ لِلْمُدَاوَاةِ وَغَيْرِهَا فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ الِاغْتِذَاءُ بِغَيْرِ اللَّبَنِ عَلَى الِاسْتِقْلَالِ هَذَا مُقْتَضَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ. وَأَطْلَقَ فِي الرَّوْضَةِ - تَبَعًا لِأَصْلِهَا - أَنَّهُ لَمْ يَطْعَمْ وَلَمْ يَشْرَبْ غَيْرَ اللَّبَنِ. وَقَالَ فِي نُكَتِ التَّنْبِيهِ: الْمُرَادُ أَنَّهُ لَمْ يَاكُلْ غَيْرَ اللَّبَنِ وَغَيْرَ مَا يُحَنَّكُ بِهِ وَمَا أَشْبَهَهُ. وَحَمَلَ الْمُوَفَّقُ الْحَمَوِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ قَوْلَهُ " لَمْ يَاكُلْ " عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ: مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقِلَّ بِجَعْلِ الطَّعَامِ فِي فِيهِ. وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ , وَبِهِ جَزَمَ الْمُوَفَّقُ بْنُ قُدَامَةَ وَغَيْرُهُ. وَقَالَ ابْنُ التِّينِ: يُحْتَمَلُ أَنَّهَا أَرَادَتْ أَنَّهُ لَمْ يَتَقَوَّتْ بِالطَّعَامِ وَلَمْ يَسْتَغْنِ بِهِ عَنِ الرَّضَاعِ. وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا إِنَّمَا جَاءَتْ بِهِ عِنْدَ وِلَادَتِهِ لِيُحَنِّكَهُ ﷺ فَيُحْمَلُ النَّفْيُ عَلَى عُمُومِهِ وَيُؤَيِّدُ مَا تَقَدَّمَ أَنَّهُ لِلْمُصَنِّفِ فِي الْعَقِيقَةِ. فتح٢٢٣ قَالَ الإمام أَحْمَدُ: الصَّبِيُّ إذَا طَعِمَ الطَّعَامَ وَأَرَادَهُ وَاشْتَهَاهُ، غُسِلَ بَوْلُهُ، وَلَيْسَ إذَا أُطْعِمَ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَلْعَقُ الْعَسَلَ سَاعَةَ يُولَدُ، وَالنَّبِيُّ ﷺ حَنَّكَ بِالتَّمْرِ , فَعَلَى هَذَا مَا يُسْقَاهُ الصَّبِيُّ أَوْ يَلْعَقُهُ لِلتَّدَاوِي لَا يُعَدُّ طَعَامًا يُوجِبُ الْغَسْلَ، وَمَا يَطْعَمُهُ لِغِذَائِهِ وَهُوَ يُرِيدُهُ وَيَشْتَهِيهِ، هُوَ الْمُوجِبُ لِغَسْلِ بَوْلِهِ. (المُغْنِي) (فَأَجْلَسَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي حِجْرِهِ) بفتح الحاء وكسرها , وسكون الجيم , لغتان مشهورتان. أَيْ: حِضْنه , أَيْ: وَضَعَهُ. عون٣٧٤ فِي حِضْنه , وَهُوَ: مَا دُون الْإِبْط إِلَى الْكَشْح. عون٣٧٥ (فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ) أَيْ ثَوْبِ النَّبِيِّ ﷺ وَأَغْرَبَ ابْنُ شَعْبَانَ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ: الْمُرَادُ بِهِ ثَوْبُ الصَّبِيِّ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ. فتح٢٢٣ (فَدَعَا رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ) وَلِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ " فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ " وَلَهُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ " فَرَشَّهُ " زَادَ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ " عَلَيْهِ ". وَلَا تَخَالُفَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ - أَيْ بَيْنَ نَضَحَ وَرَشَّ - لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّ الِابْتِدَاءَ كَانَ بِالرَّشِّ وَهُوَ تَنْقِيطُ الْمَاءِ وَانْتَهَى إِلَى النَّضْحِ وَهُوَ صَبُّ الْمَاءِ. وَيُؤَيِّدُهُ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامٍ " فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ " وَلِأَبِي عَوَانَةَ " فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يُتْبِعُهُ إِيَّاهُ ".فتح٢٢٣ قَالَ النَّوَوِيُّ: وَأَمَّا حَقِيقَة النَّضْح هُنَا فَقَدْ اِخْتَلَفَ أَصْحَابنَا فِيهَا، فَذَهَبَ الشَّيْخ أَبُو مُحَمَّد الْجُوَيْنِيّ وَالْقَاضِي حُسَيْن وَالْبَغَوِيّ إِلَى أَنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ الشَّيْء الَّذِي أَصَابَهُ الْبَوْل يُغْمَر بِالْمَاءِ كَسَائِرِ النَّجَاسَات بِحَيْثُ لَوْ عُصِرَ لَا يُعْصَر. قَالُوا: وَإِنَّمَا يُخَالِف هَذَا غَيْره فِي أَنَّ غَيْره يُشْتَرَط عَصْرُهُ عَلَى أَحَد الْوَجْهَيْنِ، وَهَذَا لَا يُشْتَرَط بِالِاتِّفَاقِ، وَذَهَبَ إِمَام الْحَرَمَيْنِ وَالْمُحَقِّقُونَ إِلَى أَنَّ النَّضْح أَنْ يُغْمَرَ وَيُكَاثَر بِالْمَاءِ مُكَاثَرَة لَا يَبْلُغ جَرَيَان الْمَاء وَتَرَدُّدَه وَتَقَاطُره، بِخِلَافِ الْمُكَاثَرَة فِي غَيْره فَإِنَّهُ يُشْتَرَط فِيهَا أَنْ يَكُون بِحَيْثُ يَجْرِي بَعْض الْمَاء وَيُقَاطَر مِنْ الْمَحَلّ وَإِنْ لَمْ يُشْتَرَط عَصْره، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُخْتَار وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلهَا (فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلهُ). وَقَوْله (فَرَشَّهُ) أَيْ نَضَحَهُ. النووي (١٠١ - ٢٨٦) قَالَ الْجَوْهَرِيّ وَصَاحِب الْقَامُوس وَصَاحِب الْمِصْبَاح النَّضْح الرَّشّ، وَقَالَ اِبْن الْأَثِير وَقَدْ نَضَحَ عَلَيْهِ الْمَاء وَنَضَحَهُ بِهِ: إِذَا رَشّه عَلَيْهِ، وَقَدْ يَرِد النَّضْح بِمَعْنَى الْغَسْل وَالْإِزَالَة، وَمِنْهُ الْحَدِيث وَنَضَحَ الدَّم عَنْ جَبِينه. وَحَدِيث الْحَيْض ثُمَّ لِتَنْضَحهُ أَيْ: تَغْسِلهُ اِنْتَهَى مُخْتَصَرًا. وَقَالَ فِي لِسَان الْعَرَب النَّضْح الرَّشّ نَضَحَ عَلَيْهِ الْمَاء يَنْضَحهُ نَضْحًا إِذَا ضَرَبَهُ بِشَيْءٍ فَأَصَابَهُ مِنْهُ رَشَاش. وَفِي حَدِيث قَتَادَةَ النَّضْح مِنْ النَّضْح يُرِيد مَنْ أَصَابَهُ نَضْح مِنْ الْبَوْل وَهُوَ الشَّيْء الْيَسِير مِنْهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَنْضَحهُ بِالْمَاءِ وَلَيْسَ عَلَيْهِ غَسْله. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ هُوَ أَنْ يُصِيبهُ مِنْ الْبَوْل رَشَاش كَرُءُوسِ الْإِبَر. وَقَالَ اِبْن الْأَعْرَابِيّ النَّضْح مَا كَانَ عَلَى اِعْتِمَاد وَهُوَ مَا نَضَحْته بِيَدِك مُعْتَمِدًا وَالنَّضْح مَا كَانَ عَلَى غَيْر اِعْتِمَاد، وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ بِمَعْنًى وَاحِد وَكُلّه رَشّ، وَانْتَضَحَ نَضَحَ شَيْئًا مِنْ مَاء عَلَى فَرْجه بَعْد الْوُضُوء وَالِانْتِضَاح بِالْمَاءِ وَهُوَ أَنْ يَأخُذ مَاء قَلِيلًا فَيَنْضَح بِهِ مَذَاكِيره وَمُؤْتَزره بَعْد فَرَاغه مِنْ الْوُضُوء لِيَنْفِيَ بِذَلِكَ عَنْهُ الْوَسْوَاس اِنْتَهَى مُلَخَّصًا. وَالْحَاصِل أَنَّ النَّضْح يَجِيء لِمَعَانٍ مِنْهَا الرَّشّ، وَمِنْهَا الْغَسْل، وَمِنْهَا الْإِزَالَة، وَمِنْهَا غَيْر ذَلِكَ لَكِنْ اِسْتِعْمَاله بِمَعْنَى الرَّشّ أَكْثَر وَأَغْلَب وَأَشْهَر حَتَّى لَا يُفْهَم غَيْر هَذَا الْمَعْنَى إِلَّا بِقَرِينَةِ تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يَخْفَى عَلَيْك أَنَّ الرَّشّ غَيْر الْغَسْل فَإِنَّ الرَّشّ أَخَفّ مِنْ الْغَسْل، وَفِي الْغَسْل اِسْتِيعَاب الْمَحَلّ الْمَغْسُول بِالْمَاءِ لِإِنْقَاءِ ذَلِكَ الْمَحَلّ وَلِإِزَالَةِ مَا هُنَاكَ، وَالنَّضْح يَحْصُل إِذَا ضَرَبْت الْمَحَلّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاء فَأَصَابَ رَشَاش مِنْ الْمَاء عَلَى ذَلِكَ الْمَحَلّ، وَلَيْسَ الْمَقْصُود مِنْ النَّضْح مَا هُوَ الْمَقْصُود مِنْ الْغَسْل بَلْ الرَّشّ أَدْوَن وَأَنْقَص مِنْ الْغَسْل. عون٣٧٤ (وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلًا ") وَهَذَا تَأكِيد لِمَعْنَى النَّضْح أَيْ: اِكْتَفَى عَلَى النَّضْح وَالرَّشّ وَلَمْ يَغْسِل الْمَحَلّ الْمُتَلَوِّث بِالْبَوْلِ. وَفِي رِوَايَة لِمُسْلِمٍ: " فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبه وَلَمْ يَغْسِلهُ غَسْلًا " , وَفِي لَفْظ لَهُ وَلِابْنِ مَاجَهْ: " فَدَعَا بِمَاءٍ فَرَشَّهُ " وَفِي لَفْظ لَهُ: " فَلَمْ يَزِدْ عَلَى أَنْ نَضَحَ بِالْمَاءِ ".عون٣٧٤ قَالَ الْحَافِظُ: ادَّعَى الْأَصِيلِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ شِهَابٍ رَاوِي الْحَدِيثِ وَأَنَّ الْمَرْفُوعَ انْتَهَى عِنْدَ قَوْلِهِ " فَنَضَحَهُ " قَالَ: وَكَذَلِكَ رَوَى مَعْمَرٌ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ وَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ " فَرَشَّهُ " لَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ. انْتَهَى. وَلَيْسَ فِي سِيَاقِ مَعْمَرٍ مَا يَدُلُّ عَلَى مَا ادَّعَاهُ مِنَ الْإِدْرَاجِ وَقَدْ أَخْرَجَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْهُ بِنَحْوِ سِيَاقِ مَالِكٍ لَكِنَّهُ لَمْ يَقُلْ " وَلَمْ يَغْسِلْهُ " وَقَدْ قَالَهَا مَعَ مَالِكٍ اللَّيْثُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَالْإِسْمَاعِيلِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُمْ وَهُوَ لِمُسْلِمٍ عَنْ يُونُسَ وَحْدَهُ. نَعَمْ زَادَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ: " قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَمَضَتِ السُّنَّةُ أَنْ يُرَشَّ بَوْلُ الصَّبِيِّ وَيُغْسَلَ بَوْلُ الْجَارِيَةِ " فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ هِيَ الَّتِي زَادَهَا مَالِكٌ وَمَنْ تَبِعَهُ لَأَمْكَنَ دَعْوَى الْإِدْرَاجِ لَكِنَّهَا غَيْرُهَا فَلَا إِدْرَاجَ. فتح٢٢٣ فَوائِدُ الْحَدِيث: يُسْتَفَادُ مِنْهُ الرِّفْقُ بِالْأَطْفَالِ وَالصَّبْرُ عَلَى مَا يَحْدُثُ مِنْهُمْ وَعَدَمُ مُؤَاخَذَتِهِمْ لِعَدَمِ تَكْلِيفِهِمْ. فتح٦٠٠٢ فِيهِ النَّدْبُ إِلَى حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ , وَالتَّوَاضُعُ. فتح٢٢٣ فِيهِ: اِسْتِحْبَاب تَحْنِيك الْمَوْلُود. وَفِيهِ: التَّبَرُّك بِأَهْلِ الصَّلَاح وَالْفَضْل. وَفِيهِ: اِسْتِحْبَاب حَمْل الْأَطْفَال إِلَى أَهْل الْفَضْل لِلتَّبَرُّكِ بِهِمْ، وَسَوَاء فِي هَذَا الِاسْتِحْبَاب الْمَوْلُود فِي حَال وِلَادَته وَبَعْدهَا. النووي (١٠١ - ٢٨٦) قَالَ الْحَافِظُ: هَذَا فِيهِ نَظَرٌ , وَالصَّوَابُ أَنَّ ذَلِكَ خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ ﷺ وَلَا يُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ لِمَا جَعَلَ اللهُ فِيهِ مِنَ الْبَرَكَةِ وَخَصَّهُ بِهِ دُونَ غَيْرِهِ، وَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ ﵃ لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ مَعَ غَيْرِهِ ﷺ وَهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِالشَّرْعِ، فَوَجَبَ التَّأَسِّي بِهِمْ. وَلِأَنَّ جَوَازَ مِثْلَ هَذَا لِغَيْرِ النَّبِيِّ ﷺ قَدْ يُفْضِي إِلَى الشِّرْكِ. فَتَنَبَّهْ. فتح٢٢٣ وَفِيهِ: مَقْصُود الْبَاب , وَهُوَ: أَنَّ بَوْل الصَّبِيّ يَكْفِي فِيهِ النَّضْح. النووي (١٠١ - ٢٨٦) تَنْبِيهٌ: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَيْسَ تَجْوِيزُ مَنْ جَوَّزَ النَّضْحَ مِنْ أَجْلِ أَنَّ بَوْلَ الصَّبِيِّ غَيْرُ نَجِسٍ وَلَكِنَّهُ لِتَخْفِيفِ نَجَاسَتِهِ، انْتَهَى. وَأَثْبَتَ الطَّحَاوِيُّ الْخِلَافَ فَقَالَ: قَالَ قَوْمٌ بِطَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ قَبْلَ الطَّعَامِ، وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ بَطَّالٍ وَمَنْ تَبِعَهُمَا عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا وَلَمْ يُعْرَفْ ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِيَّةِ وَلَا الْحَنَابِلَةِ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: هَذِهِ حِكَايَةٌ بَاطِلَةٌ، انْتَهَى. وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ اللَّازِمِ وَأَصْحَابُ الْمَذْهَبِ أَعْلَمُ بِمُرَادِهِ مِنْ غَيْرِهِمْ. وَاللهُ أَعْلَمُ. فتح٢٢٣

стр. 10966

(جة) , وَعَنْ أَبِي السَّمْحِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ خَادِمَ النَّبِيِّ ﷺ فَجِيءَ بِالْحَسَنِ أَوِ الْحُسَيْنِ، فَبَالَ عَلَى صَدْرِه ِ، فَأَرَادُوا أَنْ يَغْسِلُوهُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى ﷺ : "رُشَّهُ، فَإِنَّهُ يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ " (١) الشَّرْح: (عَنْ أَبِي السَّمْحِ): خادم النبي ﷺ اسْمُهُ إِيَادٌ , صحابي له حديث واحد. ذخيرة٣٠٤ (يُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلَامِ) فيه تفسيرٌ لمعنى النضح الذي ورد في الحديث الذي قبله , وذكرنا فيه اختلاف العلماء في تفسير معنى النضح , فبهذا الحديث الصحيح تبين لنا أن معنى النضح ليس هو الغسل , إنما هو الرشُّ فقط , كما ورد صريحا في لفظ هذا الحديث. ع

стр. 10967

(د جة) , وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي بَوْلِ الرَّضِيعِ: " يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ [مَا لَمْ يَطْعَمْ] (١) وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ " (٢) فَوائِدُ الْحَدِيث: قَالَ الشَّوْكَانِيُّ فِي النَّيْلِ: قَوْلُهُ بَوْلُ الْغُلَامِ الرَّضِيعِ هَذَا تَقْيِيدٌ لِلَفْظِ الْغُلَامِ بِكَوْنِهِ رَضِيعًا , وَهَكَذَا يَكُونُ تَقْيِيدًا لِلَفْظِ الصَّبِيِّ وَالصَّغِيرِ , وَالذَّكَرِ , الْوَارِدَةِ فِي بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ. تحفة٧١ وَهَذَا الْحَدِيث الصَّحِيح فِيهِ دَلِيل صَرِيح عَلَى التَّفْرِقَة بَيْن بَوْل الصَّبِيّ وَالصَّبِيَّة وَأَنَّ بَوْل الصَّبِيّ يَكْفِيه النَّضْح بِالْمَاءِ وَلَا حَاجَة فِيهِ لِلْغَسْلِ، وَأَنَّ بَوْل الصَّبِيَّة لَا بُدّ لَهُ مِنْ الْغَسْل وَلَا يَكْفِيه النَّضْح. عون٣٧٥ وَاعْلَمْ أَنَّ التِّرْمِذِيَّ ﵀ قَدْ عَقَدَ فِي أَبْوَابِ الطَّهَارَةِ بَابًا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بِلَفْظِ: بَابُ مَا جَاءَ فِي نَضْحِ بَوْلِ الْغُلَامِ قَبْلَ أَنْ يَطْعَمَ , وَذَكَرَ فِيهِ حَدِيثَ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ , وَأَشَارَ إِلَى أَحَادِيثَ مِنْهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ الْمَذْكُورُ هَاهُنَا. تحفة٦١٠

стр. 10968

(د) , وَعَنْ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ أَنَّهَا أَبْصَرَتْ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ تَصُبُّ الْمَاءَ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ مَا لَمْ يَطْعَمْ , فَإِذَا طَعِمَ غَسَلَتْهُ , وَكَانَتْ تَغْسِلُ بَوْلَ الْجَارِيَةِ. (١) الشَّرْح: (عَنْ الْحَسَن): الْبَصْرِيّ أَحَد الْأَئِمَّة الْأَعْلَام (عَنْ أُمّه): خَيْرَة بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة , مَوْلَاة أُمّ سَلَمَة ﵂. عون٣٧٩ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ الصَّغِيرَ وَالصَّغِيرَةَ إِذَا أَكَلا الطَّعَامَ وَبَلَغَا عَامَيْنِ فَإِنَّ بَوْلَهُمَا نَجِسٌ كَنَجَاسَةِ بَوْلِ الْكَبِيرِ؛ يَجِبُ غَسْلُ الثَّوْبِ إِذَا أَصَابَهُ هَذَا الْبَوْلُ، وَالدَّلِيلُ عَلَى نَجَاسَةِ الْبَوْلِ مَا رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: " اسْتَنْزِهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإِنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ ". قَالَ النَّوَوِيُّ: ثُمَّ إِنَّ النَّضْح إِمَّا يَجْزِي مَا دَامَ الصَّبِيّ يَقْتَصِر بِهِ عَلَى الرَّضَاع أَمَّا إِذَا أَكَلَ الطَّعَام عَلَى جِهَة التَّغْذِيَة فَإِنَّهُ يَجِب الْغَسْل بِلَا خِلَاف. النووي (١٠١ - ٢٨٦) أَمَّا بَوْلُ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ إِذَا لَمْ يَأكُلا الطَّعَامَ، وَكَانَا فِي فَتْرَةِ الرَّضَاعَةِ؛ فذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إِلَى التَّفْرِيقِ بَيْنَ بَوْلِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ؛ فَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ بَوْلُ الصَّغِيرِ اكْتَفَى بِنَضْحِهِ بِالْمَاءِ، وَإِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ بَوْلُ الصَّغِيرَةِ وَجَبَ غَسْلُهُ (٢) لِحَدِيثِ " أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ أَنَّهَا: أَتَتْ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ بِابْنٍ لَهَا لَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَأكُلَ الطَّعَامَ، فَبَالَ فِي حِجْرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِمَاءٍ فَنَضَحَهُ عَلَى ثَوْبِهِ وَلَمْ يَغْسِلْهُ غَسْلا " وَلِحَدِيثِ: " يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَيُرَشُّ مِنْ بَوْلِ الْغُلامِ ". وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ: أَنَّهُ كَغَيْرِهِ مِنَ النَّجَاسَاتِ فِي وُجُوبِ التَّطَهُّرِ مِنْهُ؛ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ السَّابِقِ.

стр. 10969

قَالَ هَارُونُ بْنُ تَمِيمٍ: عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: " الْأَبْوَالُ كُلُّهَا سَوَاءٌ " , (د) ٣٧٦ الشرح: (عَنْ الْحَسَن): الْبَصْرِيّ الْإِمَام الْجَلِيل. (قَالَ الْأَبْوَال كُلّهَا سَوَاء) أَيْ: فِي النَّجَاسَة لَا فَرْق بَيْن الصَّبِيّ وَالصَّبِيَّة وَالصَّغِير وَالْكَبِير. هَذَا هُوَ الظَّاهِر وَالْمُتَبَادِر فِي مَعْنَى كَلَام الْحَسَن الَّذِي نَقَلَهُ هَارُون. عون٣٧٦ إِلا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا: يُعْفَى عَمَّا يُصِيبُ ثَوْبَ الْمُرْضِعَةِ أَوْ جَسَدَهَا مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطِ الطِّفْلِ؛ سَوَاءٌ أَكَانَتْ أُمَّهُ أَمْ غَيْرَهَا، إِذَا كَانَتْ تَجْتَهِدُ فِي دَرْءِ النَّجَاسَةِ عَنْهَا حَالَ نُزُولِهَا، بِخِلافِ الْمُفَرِّطَةِ، لَكِنْ يُنْدَبُ غَسْلُهُ إِنْ كَثُرَ. (١) قال المباركفوري في تحفة الأحوذي ح٧١: وَأَمَّا الْمَذْهَبُ الثَّالِثُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ فَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الصَّبِيِّ وَبَوْلِ الصَّبِيَّةِ فِي النَّجَاسَةِ فَهُمَا نَجِسَانِ فَهُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالرَّشِّ وَالنَّضْحِ فِيهِمَا الْغَسْلُ فَإِنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ النَّضْحُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ وَكَذَلِكَ قَدْ يُذْكَرُ الرَّشُّ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ أَمَّا الْأَوَّلُ فَكَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ عِنْدَ أَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ إِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ أَيْ: الْمَذْيَ فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ وَلْيَتَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ فَلْيَنْضَحْ الْغَسْلُ وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ، وَوَقَعَ فِيهِ يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ النَّضْحَ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ كُنْت أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَكُنْت أُكْثِرُ مِنْهُ الْغَسْلَ الْحَدِيثَ، وَفِيهِ قُلْت يَا رَسُولَ اللهِ فَكَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ فَقَالَ يَكْفِيَك أَنْ تَأخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ مِنْ ثَوْبِك حَيْثُ يُرَى أَنَّهُ أَصَابَهُ فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ هَاهُنَا الْغَسْلُ، وَأَمَّا الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ الرَّشَّ قَدْ يُذْكَرُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ فَفِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ ﵂ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ: حُتِّيهِ ثُمَّ اُقْرُصِيهِ ثُمَّ رُشِّيهِ وَصَلِّي فِيهِ، أَرَادَ اِغْسِلِيهِ فَلَمَّا ثَبَتَ أَنَّ النَّضْحَ وَالرَّشَّ يُذْكَرَانِ وَيُرَادُ بِهِمَا الْغَسْلُ وَجَبَ حَمْلُ مَا جَاءَ فِي الْبَابِ مِنْ النَّضْحِ وَالرَّشِّ عَلَى الْغَسْلِ هَكَذَا أَجَابَ الْعَلَّامَةُ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ. وَفِيهِ: أَنَّهُ لَا شَكَّ فِي أَنَّهُ قَدْ يُذْكَرُ النَّضْحُ وَيُرَادُ بِهِ الْغَسْلُ، وَكَذَلِكَ الرَّشُّ لَكِنْ هَذَا إِذَا لَمْ يَكُنْ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْهُ بَلْ يَكُونُ هُنَاكَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالنَّضْحِ أَوْ الرَّشِّ الْغَسْلُ كَمَا فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ وَحَدِيثِ أَسْمَاءَ الْمَذْكُورَيْنِ وَأَمَّا فِيمَا نَحْنُ فِيهِ فَلَيْسَ هَاهُنَا دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى أَنْ يُرَادَ بِالرَّشِّ أَوْ النَّضْحِ الْغَسْلُ بَلْ هَاهُنَا دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ إِرَادَةِ الْغَسْلِ فَفِي حَدِيثِ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَأَتْبَعَهُ إِيَّاهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ، فَقَوْلُهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ دَلِيلٌ صَرِيحٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ أَوْ الرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْغَسْلَ، وَقَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ لُبَابَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ إِنَّمَا يُغْسَلُ مِنْ بَوْلِ الْأُنْثَى وَيُنْضَحُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ فِي جَوَابِ لُبَابَةَ حِينَ قَالَتْ اِلْبَسْ ثَوْبًا وَأَعْطِنِي إِزَارَك حَتَّى أَغْسِلَهُ أَيْضًا دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالنَّضْحِ أَوْ الرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْغَسْلُ، وَأَيْضًا قَوْلُهُ ﷺ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ يُنْضَحُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ الْغَسْلَ وَإِلَّا لَكَانَ الْمَعْنَى يُغْسَلُ بَوْلُ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ وَهُوَ كَمَا تَرَى فَجَوَابُهُمْ بِأَنَّ مَا جَاءَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ النَّضْحِ وَالرَّشِّ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَسْلِ غَيْرُ صَحِيحٍ. فَإِنْ قِيلَ قَالَ الْعَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْحَنَفِيَّةِ الْمُرَادُ بِالنَّضْحِ وَالرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الْغَسْلُ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ وَبِالْغَسْلِ الْغَسْلُ بِعَرْكٍ أَوْ الْمُرَادُ بِهِمَا الْغَسْلُ مِنْ غَيْرِ مُبَالَغَةٍ فِيهِ وَبِالْغَسْلِ الْغَسْلُ بِالْمُبَالَغَةِ فِيهِ. قُلْنَا: قَوْلُهُمْ هَذَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ ظَاهِرُ أَحَادِيثِ الْبَابِ يُبْطِلُهُ. فَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ بِالرَّشِّ وَالنَّضْحِ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ الصَّبُّ وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ تَوْفِيقًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فَقَدْ وَقَعَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرٍ عَنْ هِشَامٍ فَدَعَا بِمَاءٍ فَصَبَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَبِي عَوَانَةَ فَصَبَّهُ عَلَى الْبَوْلِ يَتْبَعُهُ إِيَّاهُ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ فِي شَرْحِ الْآثَارِ بِلَفْظِ إِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أُتِيَ بِصَبِيٍّ فَبَالَ عَلَيْهِ فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَفِي حَدِيثِ أُمِّ الْفَضْلِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ إِنَّمَا يُصَبُّ عَلَى بَوْلِ الْغُلَامِ وَيُغْسَلُ بَوْلُ الْجَارِيَةِ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ وَإِتْبَاعُ الْمَاءِ وَالصَّبُّ نَوْعٌ مِنْ الْغَسْلِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَسْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ عُذْرَةٌ فَأَتْبَعَهَا الْمَاءَ حَتَّى ذَهَبَ بِهَا أَنَّ ثَوْبَهُ قَدْ طَهُرَ اِنْتَهَى، فَثَبَتَ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ وَبَوْلَ الْجَارِيَةِ هُمَا سَوَاءٌ فِي وُجُوبِ الْغَسْلِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ. قُلْنَا: سَلَّمْنَا أَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ وَالرَّشِّ فِي أَحَادِيثِ الْبَابِ إِتْبَاعُ الْمَاءِ وَالصَّبُّ لَكِنْ لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مُطْلَقَ الصَّبِّ وَإِتْبَاعِ الْمَاءِ نَوْعٌ مِنْ الْغَسْلِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْغَسْلِ أَلَا تَرَى أَنَّ رَجُلًا لَوْ أَصَابَ ثَوْبَهُ عُذْرَةٌ فَأَتْبَعَهَا الْمَاءَ وَصَبَّ عَلَيْهِ لَكِنْ لَمْ يَذْهَبْ بِهَا لَا يَطْهُرُ ثَوْبُهُ وَقَدْ وُجِدَ إِتْبَاعُ الْمَاءِ وَالصَّبُّ. وَالْعَجَبُ مِنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ كَيْفَ قَالَ إِتْبَاعُ الْمَاءِ حُكْمُهُ حُكْمُ الْغَسْلِ، وَقَدْ رَوَى هُوَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِلَفْظِ فَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَأَيْضًا رَوَاهُ بِلَفْظِ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ وَأَيْضًا رَوَى هُوَ حَدِيثَ أُمِّ قَيْسٍ بِلَفْظِ فَدَعَا فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ. وَاعْلَمْ أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ النَّضْحُ أَوْ الرَّشُّ أَوْ الصَّبُّ أَوْ إِتْبَاعُ الْمَاءِ مُقَيَّدًا بِالذَّهَابِ بِالْبَوْلِ أَوْ بِأَثَرِ الْبَوْلِ أَعْنِي لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ فَصَبَّ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ أَوْ حَتَّى ذَهَبَ بِأَثَرِهِ أَوْ فَنَضَحَهُ أَوْ رَشَّهُ حَتَّى ذَهَبَ بِهِ أَوْ بِأَثَرِهِ بَلْ وَقَعَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مُطْلَقَةً وَأَيْضًا لَمْ يَرِدْ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمَاءِ إِلَّا فِي حَدِيثِ اِبْنِ عَبَّاسٍ فَفِيهِ فَصَبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ بِقَدْرِ مَا كَانَ مِنْ الْبَوْلِ وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ كَمَا عَرَفْت ثُمَّ الظَّاهِرُ مِنْ صَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ بِقَدْرِهِ أَنَّهُ لَا يَذْهَبُ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فَتَأَمَّلْ. هَذَا مَا عِنْدِي وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. فَإِنْ قِيلَ: بَوْلُ الْغُلَامِ نَجِسٌ فَنَجَاسَتُهُ هِيَ مُوجِبَةٌ لِحَمْلِ النَّضْحِ وَالرَّشِّ وَصَبِّ الْمَاءِ وَإِتْبَاعِ الْمَاءِ عَلَى الْغَسْلِ فَإِنَّ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ إِذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَيَّةُ نَجَاسَةٍ كَانَتْ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ. قُلْنَا: نَجَاسَةُ بَوْلِ الْغُلَامِ لَا تُوجِبُ حَمْلَ النَّضْحِ وَالرَّشِّ وَغَيْرَهُمَا عَلَى الْغَسْلِ، وَقَوْلُكُمْ إِنَّ الثَّوْبَ أَوْ الْبَدَنَ إِذَا أَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ أَيَّةُ نَجَاسَةٍ كَانَتْ لَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ مَمْنُوعٌ أَلَا تَرَوْنَ أَنَّ الثَّوْبَ إِذَا أَصَابَهُ الْمَنِيُّ وَيَبِسَ كَفَى لِطَهَارَتِهِ الْفَرْكُ وَلَا يَجِبُ الْغَسْلُ مَعَ أَنَّ الْمَنِيَّ الْيَابِسَ نَجِسٌ كَمَا أَنَّ الْمَنِيَّ الرَّطْبَ نَجِسٌ، فَنَقُولُ بَوْلُ الْغُلَامِ إِذَا أَصَابَ الْبَدَنَ أَوْ الثَّوْبَ كَفَى لِطَهَارَتِهِ النَّضْحُ وَالرَّشُّ وَلَا يَجِبُ الْغَسْلُ، وَأَمَّا بَوْلُ الْجَارِيَةِ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَلَا يَطْهُرُ إِلَّا بِالْغَسْلِ مَعَ أَنَّ بَوْلَ الْغُلَامِ نَجِسٌ كَمَا أَنَّ بَوْلَ الْجَارِيَةِ نَجِسٌ فَتَفَكَّرْ. فَإِنْ قِيلَ: إِنَّ بَيْنَ الْمَنِيِّ الرَّطْبِ وَالْيَابِسِ فَرْقًا بِالرُّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَبَوْلِ الْغُلَامِ بِوَجْهٍ. قُلْنَا: لَا نُسَلِّمُ أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَوْلِ الْغُلَامِ وَبَوْلِ الْجَارِيَةِ بِوَجْهٍ. قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ وَأَمَّا غَسْلُ الثَّوْبِ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيَّةِ وَنَضْحُهُ مِنْ بَوْلِ الصَّبِيِّ إِذَا لَمْ يَطْعَمَا فَهَذَا لِلْفُقَهَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا أَنَّهُمَا يُغْسَلَانِ جَمِيعًا، وَالثَّانِي يُنْضَحَانِ، وَالثَّالِثُ التَّفْرِقَةُ، وَهُوَ الَّذِي جَاءَتْ بِهِ السُّنَّةُ وَهَذَا مِنْ مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ وَتَمَامِ حِكْمَتِهَا وَمَصْلَحَتِهَا، وَالْفَرْقُ بَيْنَ الصَّبِيِّ وَالصَّبِيَّةِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: أَحَدُهَا كَثْرَةُ حَمْلِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِلذَّكَرِ فَتَعُمُّ الْبَلْوَى بِبَوْلِهِ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ غَسْلُهُ. وَالثَّانِي أَنَّ بَوْلَهُ لَا يَنْزِلُ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ بَلْ يَنْزِلُ مُتَفَرِّقًا هَاهُنَا وَهَاهُنَا فَيَشُقُّ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ كُلَّهُ بِخِلَافِ بَوْلِ الْأُنْثَى. الثَّالِثُ أَنَّ بَوْلَ الْأُنْثَى أَخْبَثُ وَأَنْتَنُ مِنْ بَوْلِ الذَّكَرِ وَسَبَبُهُ حَرَارَةُ الذَّكَرِ وَرُطُوبَةُ الْأُنْثَى فَالْحَرَارَةُ تُخَفِّفُ مِنْ نَتْنِ الْبَوْلِ وَتُذِيبُ مِنْهَا مَا يَحْصُلُ مِنْ رُطُوبَةٍ وَهَذِهِ مَعَانٍ مُؤَثِّرَةٍ يَحْسُنُ اِعْتِبَارُهَا فِي الْفَرْقِ اِنْتَهَى كَلَامُهُ. فَحَاصِلُ الْكَلَامِ أَنَّ أَصَحَّ الْمَذَاهِبِ وَأَقْوَاهَا فِي هَذَا الْبَابِ مَذْهَبُ مَنْ قَالَ بِالِاكْتِفَاءِ بِالنَّضْحِ فِي بَوْلِ الْغُلَامِ وَبِوُجُوبِ الْغَسْلِ فِي بَوْلِ الْجَارِيَةِ وَاللهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ الْحَافِظُ اِبْنُ الْقَيِّمِ فِي إِعْلَامِ الْمُوَقِّعِينَ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ الْبَابِ مَا لَفْظُهُ: فَرَدَّتْ هَذِهِ السُّنَنُ بِقِيَاسٍ مُتَشَابِهٍ عَلَى بَوْلِ الشَّيْخِ وَبِعُمُومٍ لَمْ يَرِدْ بِهِ هَذَا الْخَاصُّ وَهُوَ قَوْلُهُ إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ أَرْبَعٍ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَالْمَنِيِّ وَالدَّمِ، وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جَدْعَانَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ حَمَّادٍ، قَالَ أَبُو عَلِيٍّ لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ غَيْرُ ثَابِتِ بْنِ حَمَّادٍ وَأَحَادِيثُهُ مَنَاكِيرُ وَمَعْلُولَاتٌ وَلَوْ صَحَّ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْحَدِيثَيْنِ وَلَا يُضْرَبُ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ وَيَكُونُ الْبَوْلُ فِيهِ مَخْصُوصًا بِبَوْلِ الصَّبِيِّ كَمَا خَصَّ مِنْهُ بَوْلَ مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ بِأَحَادِيثَ دُونَ هَذِهِ فِي الصِّحَّةِ وَالشُّهْرَةِ اِنْتَهَى. تحفة٧١ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنَ اتِّفَاقٍ وَاخْتِلافٍ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ فِي بَوْلِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ؛ يَنْطَبِقُ تَمَامًا عَلَى قَيْءِ الصَّغِيرِ وَالصَّغِيرَةِ. (٢)

стр. 10970

بَوْلُ الْكَبِير (حم قط) , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : (" تَنَزَّهُوا (١) مِنَ الْبَوْلِ) (٢) (فَإِنَّ أَكْثَرَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنَ الْبَوْلِ (٣) ") (٤)

стр. 10971

(س د جة) , وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ ﵁ قَالَ: (" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (١) (وَمَعَهُ دَرَقَةٌ) (٢) (فَوَضَعَهَا , ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا " , فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا , يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ , " فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) (٣) (فَقَالَ: وَيْحَكَ , أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ؟) (٤) (كَانُوا إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْبَوْلِ) (٥) (قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ) (٦) (بِالْمَقَارِيضِ فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ ") (٧) الشَّرْح: (عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَنَةَ) هُوَ أَخُو شُرَحْبِيل بْن حَسَنَة , وَحَسَنَة اِسْم أُمِّهِما , وَاسْم أَبِيهِمَا عَبْد الله بْن الْمُطَاع، وَلَيْسَ لِعَبْدِ اللهِ فِي الْكُتُب السِّتَّة سِوَى هَذَا الْحَدِيث الْوَاحِد. شرح سنن النسائي - (ج ١ / ص ٢٦) (" خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَعَهُ دَرَقَةٌ) (الدَّرَقَة): التُّرْس مِنْ جُلُود , لَيْسَ فِيهِ خَشَب وَلَا عَصَب. عون٢٢ (فَوَضَعَهَا) أَيْ: جعلها حائلة بينه وبين الناس , لئلا يطلع أحد على عورته. ذخيرة٣٠ (ثُمَّ جَلَسَ خَلْفَهَا فَبَالَ إِلَيْهَا) أَيْ: متوجِّها إليها ومستترا بها. ذخيرة٣٠ (فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: انْظُرُوا , يَبُولُ كَمَا تَبُولُ الْمَرْأَةُ) تَعَجُّبٌ وَإِنْكَار، وَهَذَا لَا يَقَع مِنْ الصَّحَابِيّ، فَلَعَلَّهُ كَانَ قَلِيل الْعِلْم فقال ذَلِكَ الْكَلَام. عون٢٢ قال الأثيوبي: إنما قالوا ذلك تعجُّبًا , لمَّا رأوه مخالفا لِما عليه عادتهم في الجاهلية مِن بول الرجلِ قائما , وكانوا قريبي العهد بها , ولم يقولوا ذلك استهزاء ولا سُخرية. ذخيرة٣٠ (" فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ) أَيْ: سمع ما قال ذلك البعض. ذخيرة٣٠ (فَقَالَ: وَيْحَكَ , أَمَا عَلِمْتَ مَا أَصَابَ) مَا مَوْصُولَة , وَالْمُرَاد بِهِ: الْعَذَاب. عون٢٢ (صَاحِبَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) أَيْ: وَاحِدٌ مِنْهُمْ , بِسَبَبِ تَرْك التَّنَزُّه مِنْ الْبَوْل حَال الْبَوْل. عون٢٢ (كَانُوا) أَيْ: بَنُو إِسْرَائِيل. عون٢٢ (إِذَا أَصَابَهُمْ شَيْءٌ مِنْ الْبَوْلِ) أَيْ: أصاب جسدهم أو ثيابهم. ذخيرة٣٠ مِنْ عَدَم الْمُرَاعَاة وَاهْتِمَام التَّنَزُّه. عون٢٢ (قَطَعُوا مَا أَصَابَهُ الْبَوْلُ مِنْهُمْ بالْمَقَارِيضِ) يعني أنهم كانوا يقطعون الموضع الذي أصابه البول , لأنه ما كان يجوز لهم أن يطهروا موضع النجاسة بالماء , وإنما التطهير في دينهم بقطع الجزء المتنجس , والظاهر أنهم كانوا يفعلون ذلك ولو في جسدهم , ويؤيد هذا رِوَايَة (م) ٢٧٣ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ﵁ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ , وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ , وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ " , وَيُؤَيِّدهُ رِوَايَة لأَبِي دَاوُدَ، فَفِيهَا " كَانَ إِذَا أَصَابَ جَسَد أَحَدهمْ ". (د) ٢٢.ذخيرة٣٠ وَكَانَ هَذَا الْقَطْع مَأمُورًا بِهِ فِي دِينهمْ. عون٢٢ فهو من الأمر الشاق الذي حملوه. ذخيرة٣٠ قَالَ الْحَافِظُ: وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى ظَاهِره , وَزَعَمَ أَنَّهُ مِنْ الْإِصْرِ الَّذِي حَمَلُوهُ. وقيل: المراد بالجلد: الجلود التي كانوا يلبسونها , قَالَ الْقُرْطُبِيّ: مُرَاده بِالْجِلْدِ: وَاحِدُ الْجُلُودِ الَّتِي كَانُوا يَلْبَسُونَهَا. ويؤيده رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ " عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ: كَانَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ , وَيَقُولُ: إِنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَانَ إِذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ " (٨) فَلَعَلَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى. فتح٢٢٦ قَالَ الْأَثْيوبِيُّ: والأولى عندي أنهم كانوا يعملون هذا وهذا , فهم مكلَّفون بكليْهما , فلا حاجة إلى حمْل إحدى الروايتين على الأخرى. ذخيرة٣٠ قَوْلُهُ: (بالْمَقَارِيضِ) يَدْفَعُ حَمْلَ مَنْ حَمَلَ الْقَرْضَ عَلَى الْغَسْلِ بِالْمَاءِ. فتح٢٢٦ (فَنَهَاهُمْ صَاحِبُهُمْ) أَيْ: نَهَى الرَّجُلُ الْمَذْكُورُ سَائِرَ بَنِي إِسْرَائِيل عَنِ الْقَطْع. عون٢٢ وقال: إن هذا تكلُّفٌ وتشدُّدٌ فاتركوه. ذخيرة٣٠ (فَعُذِّبَ فِي قَبْرِهِ) أَيْ: الرَّجُل الْمَذْكُور بِسَبَبِ هَذِهِ الْمُخَالَفَة وَعِصْيَان حُكْم شَرْعه وَهُوَ تَرْك الْقَطْع، فَحَذَّرَهُمْ النَّبِيّ ﷺ مِنْ إِنْكَار الِاحْتِرَاز مِنْ الْبَوْل لِئَلَّا يُصِيب مَا أَصَابَ الْإِسْرَائِيلِيّ بِنَهْيِهِ عَنْ الْوَاجِب، وَشَبَّهَ نَهْي هَذَا الرَّجُل عَنْ الْمَعْرُوف عِنْد الْمُسْلِمِينَ بِنَهْيِ صَاحِب بَنِي إِسْرَائِيل عَنْ مَعْرُوف دِينهمْ، وَقَصْده فِيهِ تَوْبِيخه وَتَهْدِيده وَأَنَّهُ مِنْ أَصْحَاب النَّار، فَلَمَّا عَيَّرَ بِالْحَيَاءِ وَفِعْلِ النِّسَاء وَبَّخَهُ وَأَنَّهُ يُنْكِر مَا هُوَ مَعْرُوف بَيْن النَّاس مِنْ الْأُمَم السَّابِقَة وَاللَّاحِقَة. عون٢٢ فَوائِدُ الْحَدِيث: فيه دليل على أن شرعَ من قبلنا شرعٌ لنا ما لم يخالف شرعنا. ع وفيه جواز ترك التباعد عن الناس عند البول. ومشروعية التستر بشيء , ولا سيما إذا كان بقرب الناس. وأنه لا يجوز لأحد التكلُّم في شيء من أمور الدين حتى يعلم حكم الله فيه. والتلطف في المخاطبة عند التعليم , فإنه لما سمع مقالتهم , لم يقابلهم بالغلظة , بل تلطف بهم سفقة عليهم ورحمة. وطلب التحرز عن النجاسات والاحتياط في ذلك. وأن المخالفة سبب للهلاك والتعذيب , فقد نبه أن صاحب بني إسرائيل نهى عن المعروف في دينهم , فتسبب عنه تعذيبه. وأن عذاب القبر حق , وأن للبول خصوصية فيه. ذخيرة٣٠

стр. 10972

الدَّمُ الْخَارِجُ مِنَ السَّبِيلَيْن (خ م د) , عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ ﵂ قَالَتْ: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ) (١) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ) (٢) (كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟ , قَالَ: " تَحُتُّهُ , ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ , ثُمَّ) (٣) (لْتَنْضَحْ مَا لَمْ تَرَ , وَلْتُصَلِّ فِيهِ ") (٤) الشَّرْح: (جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ ﷺ ) (فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ , أَرَأَيْتَ إِحْدَانَا إِذَا أَصَابَ ثَوْبَهَا الدَّمُ مِنْ الْحَيْضَةِ , كَيْفَ تَصْنَعُ بِهِ؟) (قَالَ: تَحُتُّهُ) أَيْ: تَقْشُرهُ وَتَحُكّهُ وَتَنْحِتهُ. النووي (١١٠ - ٢٩١) وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ إِزَالَةُ عَيْنِهِ. فتح٢٢٧ قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْحَتّ , أَيْ: يَحُكُّ بِطَرَفِ حَجَرٍ أَوْ عُودٍ. عون٣٦١ (ثُمَّ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) أَيْ: تُدَلِّكُ مَوْضِعَ الدَّمِ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا لِيَتَحَلَّلَ بِذَلِكَ وَيَخْرُجَ مَا تَشَرَّبَهُ الثَّوْبُ مِنْهُ. فتح٢٢٧ قَالَ الْأَزْهَرِيّ: الْقَرْص: أَنْ يَدْلُك بِأَطْرَافِ الْأَصَابِع وَالْأَظْفَار دَلْكًا شَدِيدًا , وَيَصُبّ عَلَيْهِ الْمَاء , حَتَّى تَزُولَ عَيْنُه وَأَثَرُه. عون٣٦١ والحاصل أن قوله: (تَحُتُّهُ) المراد به: الفرك يابسا , وقوله: (تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ) المراد به الدلك مع صبِّ الماء ليتحلَّل. ذخيرة٢٩٣ (ثُمَّ لْتَنْضَحْ) أَيْ: تَغْسِلَهُ , قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. فتح٢٢٧ (مَا لَمْ تَرَ) أَيْ: الْمَوْضِع الَّذِي لَمْ تَرَ فِيهِ أَثَر الدَّم وَلَكِنْ شَكَّتْ فِيهِ. عون٣٦٠ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ: الْمُرَادُ بِهِ الرَّشُّ؛ لِأَنَّ غَسْلَ الدَّمِ اسْتُفِيدَ مِنْ قَوْلِهِ تَقْرُصُهُ بِالْمَاءِ، وَأَمَّا النَّضْحُ فَهُوَ لِمَا شَكَّتْ فِيهِ مِنَ الثَّوْبِ. فتح٢٢٧ قُلْتُ: ويؤيد ما ذهب إليه القرطبي رواية الترمذي (١٣٨) فهي صريحة في ذكر الرَّشّ: " حُتِّيهِ، ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالمَاءِ، ثُمَّ رُشِّيهِ، وَصَلِّي فِيهِ ".ع قَالَ الْحَافِظُ: فَعَلَى هَذَا , فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ تَنْضَحُهُ يَعُودُ عَلَى الثَّوْبِ بِخِلَافِ " تَحُتُّهُ " فَإِنَّهُ يَعُودُ عَلَى الدَّمِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ اخْتِلَافُ الضَّمَائِرِ , وَهُوَ عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ. قَالَ الْحَافِظُ: ثُمَّ إِنَّ الرَّشَّ عَلَى الْمَشْكُوكِ فِيهِ لَا يُفِيدُ شَيْئًا؛ لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ طَاهِرًا فَلَا حَاجَةَ إِلَيْهِ , وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا لَمْ يَطْهُرْ بِذَلِكَ , فَالْأَحْسَنُ مَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ. فتح٢٢٧ (ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ) أَيْ: في ذلك الثوب الذي طهر على الكيفية المذكورة , وهو أمر إباحة , لأنه لا يجب عليها أن تصلي في ذلك الثوب إذا كان لها ثوب غيره. ذخيرة٢٩٣ فَوائِدُ الْحَدِيث: فِيهِ جَوَازُ سُؤَالِ الْمَرْأَةِ عَمَّا يُسْتَحَى مِنْ ذِكْرِهِ، وَالْإِفْصَاحُ بِذِكْرِ مَا يُسْتَقْذَرُ لِلضَّرُورَةِ. فتح٣٠٧ وَأَنَّ دَمَ الْحَيْضِ كَغَيْرِهِ مِنَ الدِّمَاءِ فِي وُجُوبِ غَسْلِهِ. فتح٣٠٧ وأن طهارة السترة شرط لصحة الصلاة. ذخيرة٢٩٣ وأن المرأة تصلي في الثوب الذي تحيض فيه , وإن أصابه دم الحيض إذا غسلته , فلا يلزمها إعداد ثوب آخر للصلاة. ذخيرة٢٩٣ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ فَرْكِ النَّجَاسَةِ الْيَابِسَةِ لِيَهُونَ غَسْلُهَا. فتح٣٠٧ وَفِيهِ أَنَّ إِزَالَة النَّجَاسَة لَا يُشْتَرَط فِيهَا الْعَدَد بَلْ يَكْفِي فِيهَا الْإِنْقَاء. النووي (١١٠ - ٢٩١) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَاتِ إِنَّمَا تُزَالُ بِالْمَاءِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمَائِعَاتِ؛ لِأَنَّ جَمِيعَ النَّجَاسَاتِ بِمَثَابَةِ الدَّمِ لَا فَرْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إِجْمَاعًا وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ أَيْ يَتَعَيَّنُ الْمَاءُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ. قَالَ الْحَافِظُ: تُعُقِّبَ اسْتِدْلَالُ مَنِ اسْتَدَلَّ عَلَى تَعْيِينِ إِزَالَةِ النَّجَاسَةِ بِالْمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ , وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِ؛ وَلِأَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي الِاسْتِعْمَالِ لَا الشَّرْطِ. وَأُجِيبُ بِأَنَّ الْخَبَرَ نَصَّ عَلَى الْمَاءِ , فَإِلْحَاقُ غَيْرِهِ بِهِ بِالْقِيَاسِ، وَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَنْقُصَ الْفَرْعُ عَنِ الْأَصْلِ فِي الْعِلَّةِ , وَلَيْسَ فِي غَيْرِ الْمَاءِ مَا فِي الْمَاءِ مِنْ رِقَّتِهِ وَسُرْعَةِ نُفُوذِهِ , فَلَا يَلْحَقُ بِهِ. فتح٢٢٧

стр. 10973

(خز) , وَعَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: سَمِعْتُ امْرَأَةً تَسْأَلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِحْدَانَا إِذَا طَهُرَتْ كَيْفَ تَصْنَعُ بِثِيَابِهَا الَّتِي كَانَتْ تَلْبَسُ؟ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ رَأَتْ فِيهِ شَيْئًا فَلْتَحُكُّهُ , ثُمَّ لِتَقْرُصْهُ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ، وَتَنْضَحُ فِي سَائِرِ الثَّوْبِ مَاءً وَتُصَلِّي فِيهِ " وفي رواية: إِنْ رَأَيْتِ فِيهِ دَمًا فَحُكِّيهِ , ثُمَّ اقْرُصِيهِ بِالْمَاءِ، ثُمَّ انْضَحِي سَائِرَهُ، ثُمَّ صَلِّي فِيهِ " (١)

стр. 10974

(خ د) , وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (مَا كَانَ لِإِحْدَانَا إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ، فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا , ثُمَّ قَصَعَتْهُ) (١) (بِظُفْرِهَا) (٢) (ثُمَّ تَقْرُصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا عِنْدَ طُهْرِهَا فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ) (٣). الشَّرْح: (مَا كَانَ لِإِحْدَانَا) أَيْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُنَّ كُنَّ يَصْنَعْنَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ ﷺ وَبِهَذَا يَلْتَحِقُ هَذَا الْحَدِيثُ بِحُكْمِ الْمَرْفُوعِ. فتح٣٠٨ (إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ تَحِيضُ فِيهِ) وفِي الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الْمَاضِي الدَّالِّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ لَهَا ثَوْبٌ مُخْتَصٌّ بِالْحَيْضِ (٤) أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ وَحَدِيثُ أُمِّ سَلَمَةَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ اتِّسَاعِ الْحَالِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ عَائِشَةَ بِقَوْلِهَا " ثَوْبٌ وَاحِدٌ " مُخْتَصٌّ بِالْحَيْضِ , وَلَيْسَ فِي سِيَاقِهَا مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ لَهَا غَيْرُهُ فِي زَمَنِ الطُّهْرِ فَيُوَافِقُ حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ. فتح٣١٢ (فَإِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ مِنْ دَمٍ , بَلَّتْهُ بِرِيقِهَا) أَيْ: صَبَّتْ عَلَى مَوْضِعِ الدَّمِ رِيقَهَا. عون٣٥٨ (ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا) قَالَ الْحَافِظُ: وَلَيْسَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهَا صَلَّتْ فِيهِ , فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ أَجَازَ إِزَالَةَ النَّجَاسَةِ بِغَيْرِ الْمَاءِ، وَإِنَّمَا أَزَالَتِ الدَّمَ بِرِيقِهَا لِيَذْهَبَ أَثَرُهُ , وَلَمْ تَقْصِدْ تَطْهِيرَهُ. فتح٣١٢ (ثُمَّ قَصَعَتْهُ بِظُفْرِهَا) أَيْ: حَكَّتْهُ وَفَرَكَتْهُ بِظُفْرِهَا .. وَالْقَصْعُ: الدَّلْكُ. فتح٣١٢ وَمِنْهُ قَصَعَ الْقَمْلَة إِذْ شَدَخَهَا بَيْن أَظْفَاره. عون٣٥٨ (ثُمَّ تَقْرُصُ الدَّمَ مِنْ ثَوْبِهَا) أَيْ: تَغْسِلُهُ بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهَا. فتح٣٠٨ (عِنْدَ طُهْرِهَا) أَيْ: عِنْدَ إِرَادَةِ تَطْهِيرِهِ. وَفِيهِ جَوَازُ تَرْكِ النَّجَاسَةِ فِي الثَّوْبِ عِنْدَ عَدَمِ الْحَاجَةِ إِلَى تَطْهِيرِهِ. فتح٣٠٨ قَالَ الْحَافِظُ: فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا عِنْدَ إِرَادَةِ الصَّلَاةِ فِيهِ كَانَتْ تَغْسِلُهُ. فتح٣١٢ (فَتَغْسِلُهُ، وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ: حَدِيثُ عَائِشَةَ يُفَسِّرُ حَدِيثَ أَسْمَاءَ وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنَّضْحِ فِي حَدِيثِ أَسْمَاءَ الْغَسْلُ، وَأَمَّا قَوْلُ عَائِشَةَ " وَتَنْضَحُ عَلَى سَائِرِهِ " فَإِنَّمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ دَفْعًا لِلْوَسْوَسَةِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَانَ سِيَاقُ حَدِيثِهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَغْسِلُ الدَّمَ , لَا بَعْضَهُ، وَفِي قَوْلِهَا " ثُمَّ تُصَلِّي فِيهِ " إِشَارَةٌ إِلَى امْتِنَاعِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ النَّجِسِ. فتح٣٠٨

стр. 10975

(س) , وَعَنْ أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّةَ ﵂ قَالَتْ: سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ , فَقَالَ: " حُكِّيهِ بِضِلْعٍ (١) وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ (٢) " (٣) الشَّرْح: (أُمِّ قَيْسٍ بِنْتِ مِحْصَنٍ الْأَسَدِيَّةَ) أُخْت عُكَّاشَة مِنْ الْمُهَاجِرَات الْأُوَل , وَلَا يُعْلَم أَنَّ امْرَأَة عَمَّرَتْ مَا عَمَّرَتْ. عون٣٦٣ (سَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ دَمِ الْحَيْضِ يُصِيبُ الثَّوْبَ) (فَقَالَ: حُكِّيهِ بِضِلَعٍ) بكسر الضاد , وفتح اللام , وقد تسكَّن اللام تخفيفا. ذخيرة٢٩٢ أَيْ: بِعُودٍ، وَالْأَصْل فِيهِ ضِلْع الْحَيَوَان فَسُمِّيَ بِهِ الْعُود الَّذِي يُشْبِههُ. عون٣٦٣ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِم: وَإِنَّمَا أَمَرَ ﵇ بِحَكِّهِ بِالضِّلْعِ لِيَنْقَلِع الْمُتَجَسِّد مِنْهُ اللَّاصِق بِالثَّوْبِ ثُمَّ تُتْبِعهُ الْمَاء لِيُزِيلَ الْأَثَر. عون٣٦٣ (وَاغْسِلِيهِ بِمَاءٍ وَسِدْرٍ) قال في المصباح: السدرة شجر النّبق .. وإذا أُطلق السدر في الغسل , فالمراد الورق , قال الحجة في التفسير: السدر نوعان: أحدهما ينبت في الأرياف , فينتفع بورقه في الغسل , وثمرته طيبة , والآخر ينبت في البر , ولا ينتفع بورقه في الغسل , وثمرته عَفْصَة. ذخيرة٢٩٢ أَمَرَ ﷺ بِحَكِّهِ بِالضِّلْعِ لِيَنْقَلِع الْمُتَجَسِّد مِنْهُ اللَّاصِق بِالثَّوْبِ , ثُمَّ تُتْبِعهُ الْمَاءَ لِيُزِيلَ الْأَثَر , والسِّدْر لِلْمُبَالَغَةِ وَالتَّنْظِيف وَإِلَّا فَالْمَاء يَكْفِي. عون٣٦٣ فَوائِدُ الْحَدِيث: فيه نجاسة دم الحيض , ووجوب إزالته. والأمر بحكه بالضلع ليذهب ما تجسد منه ولصق بالثوب , وغسله بماء وسدر مبالغةً في الإنقاء وقطع أثره.

стр. 10976

(د) , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ يَسَارٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ , قَالَ: " إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ، قَالَتْ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ، قَالَ: يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ " (١) الشَّرْح: (أَتَتْ خَوْلَةُ بِنْتُ يَسَارٍ إلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّهُ لَيْسَ لِي إِلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ وَأَنَا أَحِيضُ فِيهِ، فَكَيْفَ أَصْنَعُ؟ , قَالَ: " إِذَا طَهُرْتِ فَاغْسِلِيهِ ثُمَّ صَلِّي فِيهِ، قَالَتْ: فَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ الدَّمُ، قَالَ: يَكْفِيكِ غَسْلُ الدَّمِ، وَلَا يَضُرُّكِ أَثَرُهُ) الْمُرَاد بِالْأَثَرِ: مَا تَعَسَّرَ إِزَالَته جَمْعًا بَيْن هَذَا وَبَيْن حَدِيث أُمّ قَيْس: " حُكِّيهِ بِضِلْعٍ ".عون٣٦٥

стр. 10977

(د) , وَعَنْ مُعَاذَةَ قَالَتْ: سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ، فَقَالَتْ: تَغْسِلُهُ , فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ قَالَتْ: وَلَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا. (١) الشَّرْح: (سَأَلْتُ عَائِشَةَ ﵂ عَنْ الْحَائِضِ يُصِيبُ ثَوْبَهَا الدَّمُ) مِنْ الْحَيْض. عون٣٥٧ (فَقَالَتْ: تَغْسِلُهُ , فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ أَثَرُهُ) أَيْ: أَثَر الدَّم. عون٣٥٧ (فَلْتُغَيِّرْهُ بِشَيْءٍ مِنْ صُفْرَةٍ) أَيْ: فَلْتُغَيِّرْهُ بِصُفْرَةِ وَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَان. عون٣٥٧ (قَالَتْ: وَلَقَدْ كُنْتُ أَحِيضُ عِنْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ثَلَاثَ حِيَضٍ جَمِيعًا) أَيْ: فِي ثَلَاثَة أَشْهُر مُتَوَالِيَات. عون٣٥٧ (لَا أَغْسِلُ لِي ثَوْبًا) أَيْ: لِعَدَمِ تَلَوُّثِ ثَوْبِهَا بِالدَّمِ , وَهَذَا الْحَدِيث فِي حُكْم الْمَرْفُوع لِأَنَّ عَدَم غَسْل ثَوْبهَا الَّذِي تَلْبَسهُ زَمَن الْحَيْض كَانَ فِي عَهْد النَّبِيّ ﷺ وَلَمْ يُنْكَر عَلَيْهَا، وَالْقَوْل بِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَمْ يَقِف عَلَى فِعْلِهَا هُوَ بَعِيدٌ جِدًّا. عون٣٥٧

стр. 10978

(س) , وَعَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: (" كُنْتُ أَنَا وَرَسُول اللهِ ﷺ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ (١) الْوَاحِدِ وَأَنَا طَامِثٌ حَائِضٌ، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ غَسَلَ) (٢) (مَا أَصَابَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ (٣) وَصَلَّى فِيهِ، ثُمَّ يَعُودُ مَعِي، فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ) (٤) (غَسَلَ مَكَانَهُ) (٥) (وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ) (٦) (وَصَلَّى فِيهِ ") (٧) الشَّرْح: (" كُنْتُ أَنَا وَرَسُول اللهِ ﷺ نَبِيتُ فِي الشِّعَارِ الْوَاحِدِ) الشِّعَار بِالْكَسْرِ ثَوْب يَلِي الْجَسَد سمِّيَ بذلك لِأَنَّهُ يَلِي شَعْره , وَالدِّثَار ثَوْب فَوْقه. عون٢١٦٦ والمعنى: بلا حاجب من ثوب. (وَأَنَا طَامِثٌ حَائِضٌ) قَوْلها: طَامِث تَأكِيد لِقَوْلِها حَائِض. عون٢٦٩ فيكون من التوكيد بالمترادف. ذخيرة٧٧٣ قال في المنهل: والحديث لا ينافي ما ثبت من " أنه ﷺ كان إذا أراد أن يضاجع إحدى أزواجه وهي حائض أمرها أن تتزر , ثم يضاجعها " , لأن الظاهر أن عائشة كانت تأتزر , ثم تنام معه في الشعار. ذخيرة٢٨٤ (فَإِنْ أَصَابَهُ) أَيْ: أَصَابَ بَدَنه. عون٢١٦٦ قلت: لكن قولها في بقية الرواية (غَسَلَ مَا أَصَابَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ , وَصَلَّى فِيهِ) يدل على أنها تعني الشِّعَار , وليس بدنه. ع (مِنِّي شَيْءٌ) أَيْ: مِنْ دَم الْحَيْض. عون٢٦٩ (غَسَلَ مَا أَصَابَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ) أَيْ: لَمْ يُجَاوِز مَوْضِع الدَّم إِلَى غَيْره , بَلْ يَقْتَصِر عَلَى مَوْضِع الدَّم. عون٢٦٩ (وَصَلَّى فِيهِ) أَيْ: في ذلك الشعار (ثُمَّ يَعُودُ مَعِي) أَيْ: إلى النوم معي. ذخيرة٢٨٤ أَيْ: أنه يرتدي ذلك الشعار معها مرة أخرى. ذخيرة٧٧٣ (فَإِنْ أَصَابَهُ مِنِّي شَيْءٌ) أَيْ: إِنْ أَصَابَ ثَوْبه ﷺ بَعْد الْعَوْد. عون٢٦٩ قلت: هكذا ذكر صاحب عون المعبود , فمرة قال بدنه , ومرة قال ثيابه , والأرجح أنه الشعار , لقولها: (وَصَلَّى فِيهِ).ع (فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ , غَسَلَ مَكَانَهُ وَلَمْ يَعْدُهُ إِلَى غَيْرِهِ , وَصَلَّى فِيهِ) فَوائِدُ الْحَدِيث: الْحَدِيث يَدُلّ عَلَى جَوَاز النَّوْم مَعَ الْحَائِض وَالِاضْطِجَاع مَعَهَا فِي لِحَاف وَاحِد إِذَا كَانَ هُنَاكَ حَائِل يَمْنَع مِنْ مُلَاقَاة الْبَشَرَة فِيمَا بَيْن السُّرَّة وَالرُّكْبَة أَوْ تَمْنَع الْفَرْج وَحْده عِنْد مَنْ لَا يُحَرِّم إِلَّا الْفَرْج. عون٢١٦٦ وأنه إن أصاب الثوب ونحوه , يغسل محل الإصابة فقط. ذخيرة٢٨٤ وفيه جواز الصلاة في الشعار الذي يرتديه الرجل مع امرأته إذا تيقن طهارته. ذخيرة٧٧٣ وفيه بيان ما كان عليه النبي ﷺ من سعة الأخلاق ولين الجانب. ذخيرة٢٨٤ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى نَجَاسَةِ دَمِ الْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ وَالاسْتِحَاضَةِ (٨) لِحَدِيثِ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: " جَاءَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي حُبَيْشٍ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي امْرَأَةٌ أُسْتَحَاضُ فَلا أَطْهُرُ، أَفَأَدَعُ الصَّلاةَ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لا، إِنَّمَا ذَلِكَ عِرْقٌ وَلَيْسَ بِحَيْضٍ، فَإِذَا أَقْبَلَتْ حَيْضَتُكِ فَدَعِي الصَّلاةَ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ فَاغْسِلِي عَنْكِ الدَّمَ ثُمَّ صَلِّي ".

стр. 10979

حُكْمُ الْمَذْي الْمَذْيُ وَالْمَذِيُّ لُغَةً: مَاءٌ رَقِيقٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلاعَبَةِ أَوِ التَّذَكُّرِ وَيَضْرِبُ إِلَى الْبَيَاضِ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ: فِيهِ ثَلاثُ لُغَاتٍ، الأُولَى: سُكُونُ الذَّالِ، وَالثَّانِيَةُ: كَسْرُهَا مَعَ التَّثْقِيلِ (تَثْقِيلُ الْيَاءِ)، وَالثَّالِثَةُ: الْكَسْرُ مَعَ التَّخْفِيفِ، وَالْمَذَّاءُ فَعَّالٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي كَثْرَةِ الْمَذْيِ مِنْ مَذَى يَمْذِي. (١)

стр. 10980

(خ م ت س حم) , عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ قَالَ: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءًا) (١) (فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي) (٢) (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ﵁) (٣) (أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ , مَاذَا عَلَيْهِ) (٤) (وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ) (٥) (لِأَنَّ ابْنَتَهُ كَانَتْ عِنْدِي) (٦) (فَقَالَ: " إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) (٧) (وَأُنْثَيَيْكَ (٨)) (٩) (وَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَلَاةِ , وَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ (١٠) فَاغْتَسِلْ) (١١) وفي رواية (١٢): مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ , وَمِنْ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ " الشَّرْح: الْمَذْي: مَاءٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ لَزِجٌ يَخْرُجُ عِنْدَ الْمُلَاعَبَةِ أَوْ تَذَكُّرِ الْجِمَاعِ أَوْ إِرَادَتِهِ وَقَدْ لَا يُحِسُّ بِخُرُوجِهِ. فتح٢٦٩ قَال النَّوَوِيُّ: الْمَذْيُ يَخْرُج عِنْد شَهْوَة، لَا بِشَهْوَةٍ وَلَا دَفْقٍ , وَلَا يَعْقُبُهُ فُتُور، وَرُبَّمَا لَا يَحُسّ بِخُرُوجِهِ، وَيَكُون ذَلِكَ لِلرَّجُلِ وَالْمَرْأَة، وَهُوَ فِي النِّسَاء أَكْثَر مِنْهُ فِي الرِّجَال. النووي (١٧ - (٣٠٣) (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءًا): صِيغَة مُبَالَغَة مِنْ الْمَذْي , أَيْ: كَثِير الْمَذْي. عون٢٠٦ (فَجَعَلْتُ أَغْتَسِلُ فِي الشِّتَاءِ حَتَّى تَشَقَّقَ ظَهْرِي) أَيْ: حَصَلَ لِي شُقُوق مِنْ شِدَّة أَلَم الْبَرْد. عون٢٠٦ (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ﵁ أَنْ يَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ إِذَا دَنَا مِنْ أَهْلِهِ) أَيْ: قرب من زوجته لمداعبةٍ , لا لِجماع. ذخيرة١٥٦ (فَخَرَجَ مِنْهُ الْمَذْيُ) لأنه يكون غالبا عند ملاعبة الزوجة وتقبيلها , ونحو ذلك من أنواع الاستمتاع. ذخيرة١٥٦ (مَاذَا عَلَيْهِ) أَيْ: أي شيء عليه , أغُسلٌ , أم وضوء؟ , ثم بيَّن سبب الأمر بالسؤال من دون أن يتولى ذلك بنفسه فقال: ذخيرة١٥٦ (وَكُنْتُ أَسْتَحْيِي) هي لغة أهل الحجاز , فإنهم أخذوا الكتابة عن أهل الحيرة , وهو يكتبون (أستحيي) بيائين. وقرأ ابن كثير في رواية قنبل عنه ﴿إن الله لا يستحي أن يضرب مثلا﴾ (البقرة: ٢٦) , وهي لغة بني تميم. ذخيرة١٥٦ (أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِأَنَّ ابْنَتَهُ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيٍّ " مِنْ أَجْلِ فَاطِمَةَ " ﵄. فتح٢٦٩ (كَانَتْ عِنْدِي) أَيْ: في عصمتي بالنكاح. ذخيرة١٥٢ لِأَنَّ الْمَذْي يَكُون غَالِبًا عِنْد مُلَاعَبَة الزَّوْجَة وَقُبَلهَا , وَنَحْو ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاع الِاسْتِمْتَاع. عون٢٠٧ (فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الْأَسْوَدِ ﵁ فَسَأَلَهُ) (فَقَالَ: " إِذَا رَأَيْتَ الْمَذْيَ فَاغْسِلْ ذَكَرَكَ) الْمُرَاد بِهِ عِنْد الشَّافِعِيّ وَالْجَمَاهِير غَسْل مَا أَصَابَهُ الْمَذْي لَا غَسْلُ جَمِيع الذَّكَر، وَحُكِيَ عَنْ مَالِك وَأَحْمَد فِي رِوَايَة عَنْهُمَا إِيجَاب غَسْلِ جَمِيع الذَّكَر النووي (١٧ - (٣٠٣) قَالَ الطَّحَاوِيُّ: لَمْ يَكُنِ الْأَمْرُ بِغَسْلِهِ لِوُجُوبِ غَسْلِهِ كُلِّهِ بَلْ لِيَتَقَلَّصَ فَيَبْطُلَ خُرُوجُهُ كَمَا فِي الضَّرْعِ إِذَا غُسِلَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ يَتَفَرَّقُ لَبَنُهُ إِلَى دَاخِلِ الضَّرْعِ فَيَنْقَطِعُ بِخُرُوجِهِ. فتح٢٦٩ (وَأُنْثَيَيْكَ) الأنثيان: الخصيتان. فِيهِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى غَسْلِ الذَّكَرِ مَعَ الْأُنْثَيَيْنِ. عون٢١١ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: أَمَرَ بِغَسْلِ الْأُنْثَيَيْنِ بِزِيَادَةِ التَّطْهِير لِأَنَّ الْمَذْي رُبَّمَا اِنْتَشَرَ فَأَصَابَ الْأُنْثَيَيْنِ وَيُقَال إِنَّ الْمَاء الْبَارِد إِذَا أَصَابَ الْأُنْثَيَيْنِ رَدَّ الْمَذْي فَلِذَلِكَ أَمَرَهُ بِغَسْلِهَا. عون٢٠٧ وورد في رواية للنسائي (١٥٣) بلفظ: " يَغْسِلُ مَذَاكِيرَهُ، وَيَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " قَالَ الْحَافِظُ: هُوَ جَمْعُ ذَكَرٍ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ وَقِيلَ وَاحِدُهُ مِذْكَارٌ. وَقَالَ ابْنُ خَرُوفٍ: إِنَّمَا جَمْعُهُ مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْجَسَدِ إِلَّا وَاحِدٌ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا يَتَّصِلُ بِهِ وَأَطْلَقَ عَلَى الْكُلِّ اسْمَهُ , فَكَأَنَّهُ جَعَلَ كُلَّ جُزْءٍ مِنَ الْمَجْمُوعِ كَالذَّكَرِ فِي حُكْمِ الْغَسْلِ. فتح٢٥٧ قلت: ويؤيد هذا الرأي ما ورد في (خ) ٢٥٧ في صفة غُسل النبي من الجنابة عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَتْ مَيْمُونَةُ: «وَضَعْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ مَاءً لِلْغُسْلِ، فَغَسَلَ يَدَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا، ثُمَّ أَفْرَغَ عَلَى شِمَالِهِ فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ، ثُمَّ مَسَحَ يَدَهُ بِالأَرْضِ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، وَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى جَسَدِهِ، ثُمَّ تَحَوَّلَ مِنْ مَكَانِهِ فَغَسَلَ قَدَمَيْهِ» فقولها " فَغَسَلَ مَذَاكِيرَهُ " واضح أنه غسل ذكره كله وأنثييه أيضا , وليس فقط مكان خروج المني من الذكر , لأننا نتكلم عن غسل جنابة , يجب أن يعم الماء فيه جميع البدن. ع وورد في رواية للنسائي (١٥٦) بلفظ: " فَلْيَنْضَحْ فَرْجَهُ , وَيَتَوَضَّأ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ " قال ابن دقيق العيد: يُراد به هنا الغسل , لأنه المأمور به مبَيَّنًا في الرواية الأخرى , ولأن غسل النجاسة المغلظة لا بد منه. إحكام ج١ص٣١١ وَقَعَ فِي الْبُخَارِيِّ تَقْدِيمُ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ فَقَالَ: «تَوَضَّأ وَاغْسِلْ ذَكَرَكَ» وَوَقَعَ فِي الْعُمْدَةِ نِسْبَةُ ذَلِكَ إِلَى الْبُخَارِيِّ بِالْعَكْسِ , لَكِنَّ الْوَاوَ لَا تُرَتِّبُ فَالْمَعْنَى وَاحِدٌ وَهِيَ رِوَايَةُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ , فَيَجُوزُ تَقْدِيمُ غَسْلِهِ عَلَى الْوُضُوءِ وَهُوَ أَوْلَى وَيَجُوزُ تَقْدِيمُ الْوُضُوءِ عَلَى غَسْلِهِ , لَكِنْ مَنْ يَقُولُ بِنَقْضِ الْوُضُوءِ بِمَسِّهِ يَشْتَرِطُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِحَائِلٍ. وَاسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى تَعَيُّنِ الْمَاءِ فِيهِ دُونَ الْأَحْجَارِ وَنَحْوِهَا؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ يُعَيِّنُ الْغَسْلَ، وَالْمُعَيَّنُ لَا يَقَعُ الِامْتِثَالُ إِلَّا بِهِ وَهَذَا مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَصَحَّحَ فِي بَاقِي كُتُبِهِ جَوَازَ الِاقْتِصَارِ إِلْحَاقًا بِالْبَوْلِ , والصَّوَابُ مَا قَالَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنْ تَعَيُّنِ الْمَاءِ فِي غُسْلِ الْمَذْيِ عَمَلًا بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ. وَيُؤَيِّدُهُ مَا ثَبَتَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَهُ أَنْ يَغْسِلَ ذَكَرَهُ وَأُنْثَيَيْهِ. وَهَذَا حُكْمٌ يَخُصَّ الْمَذْيَ دُونَ الْبَوْلِ. فتح٢٦٩ (وَتَوَضَّأ وُضُوءَكَ لِلصَلَاةِ) قال الرافعي: في قوله (وُضُوءَكَ لِلصَلَاةِ) قطع احتمال حمل الوضوء على الوضاءة الحاصلة بغسل الفرج , فإن غسل العضو الواحد قد يُسمى وضوءا. زرقاني ج١ص٨٥ (وَإِذَا فَضَخْتَ الْمَاءَ) أَيْ: دَفَقْتَ , وَالْمُرَادُ بِالْمَاءِ: الْمَنِيِّ. شرح سنن النسائي١٩٣ (فَاغْتَسِلْ) أَيْ: إذا نزل منك مني بدفق , يجب عليك أن تغسل جميع بدنك , وهذا مُجمع عليه بين أهل العلم. ذخيرة١٩٣ وَفِيهِ أَنَّ الْمَنِيَّ إِذَا سَالَ بِنَفْسِهِ مِنْ ضَعْفِهِ وَلَمْ يَدْفَعْهُ الْإِنْسَانُ , فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ وَالله أَعْلَمُ. شرح سنن النسائي١٩٣ وفي رواية: مِنْ الْمَذْيِ الْوُضُوءُ , وَمِنْ الْمَنِيِّ الْغُسْلُ " فَوائِدُ الْحَدِيث: وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ ﷺ " تَوَضَّا " عَلَى أَنَّ الْغُسْلَ لَا يَجِبُ بِخُرُوجِ الْمَذْيِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُدَ وَغَيْرِهِ وَهُوَ إِجْمَاعٌ. وَعَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ كَالْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنَ الْبَوْلِ كَمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي بَابِ: مَنْ لَمْ يَرَ الْوُضُوءَ إِلَّا مِنَ الْمَخْرَجَيْنِ وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِ الْوُضُوءِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِهِ ثُمَّ رَدَّ عَلَيْهِمْ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: ﴿سُئِلَ النَّبِيّ ﷺ -عَنِ الْمَذْيِ فَقَالَ فِيهِ الْوُضُوءُ وَفِي الْمَنِيِّ الْغُسْلُ﴾ فَعُرِفَ بِهَذَا أَنَّ حُكْمَ الْمَذْيِ حُكْمُ الْبَوْلِ وَغَيْرِهِ مِنْ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ لَا أَنَّهُ يُوجِبُ الْوُضُوءَ بِمُجَرَّدِهِ. فتح٢٦٩ وَاسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ وَهُوَ ظَاهِرٌ. فتح٢٦٩ قال الشوكاني: وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ نَجِسٌ، وَلَمْ يُخَالِفْ فِي ذَلِكَ إلَّا بَعْضُ الْإِمَامِيَّةِ مُحْتَجِّينَ بِأَنَّ النَّضْحَ لَا يُزِيلُهُ وَلَوْ كَانَ نَجِسًا لَوَجَبَتْ الْإِزَالَةُ وَيَلْزَمُهُمْ الْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الْعَذِرَةِ،؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَ بِمَسْحِ النَّعْلِ مِنْهَا بِالْأَرْضِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا، وَالْمَسْحُ لَا يُزِيلُهَا وَهُوَ بَاطِلٌ بِالِاتِّفَاقِ. نيل٣٨ قال النووي: وَلِهَذَا أَوْجَبَ ﷺ غَسْلَ الذَّكَر. النووي (١٧ - (٣٠٣) وَخَرَّجَ ابْنُ عَقِيلٍ الْحَنْبَلِيُّ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ: إِنَّ الْمَذْيَ مِنْ أَجْزَاءِ الْمَنِيِّ رِوَايَةً بِطَهَارَتِهِ، وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنِيًّا لَوَجَبَ الْغُسْلُ مِنْهُ. وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ عَلَى مَنْ بِهِ سَلَسُ الْمَذْيِ؛ لِلْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مَعَ الْوَصْفِ بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ الدَّالَّةِ عَلَى الْكَثْرَةِ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّ الْكَثْرَةَ هُنَا نَاشِئَةٌ عَنْ غَلَبَةِ الشَّهْوَةِ مَعَ صِحَّةِ الْجَسَدِ بِخِلَافِ صَاحِبِ السَّلَسِ فَإِنَّهُ يَنْشَأُ عَنْ عِلَّةٍ فِي الْجَسَدِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: أَمَرَ الشَّارِعُ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ وَلَمْ يَسْتَفْصِلْ فَدَلَّ عَلَى عُمُومِ الْحُكْمِ وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِنَابَةِ فِي الِاسْتِفْتَاءِ وَقَدْ يُؤْخَذُ مِنْهُ جَوَازُ دَعْوَى الْوَكِيلِ بِحَضْرَةِ مُوَكِّلِهِ وَفِيهِ مَا كَانَ الصَّحَابَةُ عَلَيْهِ مِنْ حُرْمَةِ النَّبِيِّ ﷺ -وَتَوْقِيرِهِ. وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْأَدَبِ فِي تَرْكِ الْمُوَاجَهَةِ بِمَا يُسْتَحَى مِنْهُ عُرْفًا , وَحُسْنُ الْمُعَاشَرَةِ مَعَ الْأَصْهَارِ , وَتَرْكُ ذِكْرِ مَا يَتَعَلَّقُ بِجِمَاعِ الْمَرْأَةِ وَنَحْوِهِ بِحَضْرَةِ أَقَارِبِهَا , وَقَدْ تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ بِهِ فِي الْعِلْمِ لِمَنِ اسْتَحْيَى فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ؛ لِأَنَّ فِيهِ جَمْعًا بَيْنَ الْمَصْلَحَتَيْنِ: اسْتِعْمَالِ الْحَيَاءِ , وَعَدَمِ التَّفْرِيطِ فِي مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ. فتح٢٦٩

стр. 10981

(ت حم) , وَعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ ﵁ قَالَ: (كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً) (١) (فَكُنْتُ أُكْثِرُ الِاغْتِسَالَ مِنْهُ , فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: " إِنَّمَا يُجْزِئُكَ مِنْهُ الْوُضُوءُ ") (٢) (فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟ , قَالَ: " يَكْفِيكَ أَنْ تَأخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ ") (٣) الشَّرْح: (كُنْتُ أَلْقَى مِنْ الْمَذْيِ شِدَّةً وَعَنَاءً) (فَكُنْتُ أُكْثِرُ الِاغْتِسَالَ مِنْهُ) أَيْ: أُكْثِر الْغُسْل لِأَجْلِ خُرُوج الْمَذْي. عون٢١٠ (فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ , فَقَالَ: " إِنَّمَا يُجْزِئُكَ): مِنْ الْإِجْزَاء أَيْ: يَكْفِيك. عون٢١٠ (مِنْهُ) أَيْ: مِنْ خُرُوج الْمَذْي. عون٢١٠ (الْوُضُوءُ " , فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ كَيْفَ بِمَا يُصِيبُ ثَوْبِي مِنْهُ؟) أَيْ: فَكَيْف أَصْنَع بِالْمَذْيِ الَّذِي يُصِيب ثَوْبِي. عون٢١٠ (قَالَ: " يَكْفِيكَ أَنْ تَأخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَتَنْضَحَ بِهِ ثَوْبَكَ) أَيْ: بِالْكَفِّ مِنْ الْمَاء , وَفِي رِوَايَة الْأَثْرَم: يُجْزِئُك أَنْ تَأخُذ حَفْنَة مِنْ مَاء فَتَرُشّ عَلَيْهِ. قَالَ النَّوَوِيّ: النَّضْح قَدْ يَكُون غَسْلًا. وَقَدْ يَكُون رَشًّا. اِنْتَهَى. وَلَا شَكّ أَنَّ اِسْتِعْمَال هَذَا اللَّفْظ جَاءَ فِي كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ لَكِنْ الرَّشّ هَاهُنَا مُتَعَيَّن لِرِوَايَةِ الْأَثْرَم. عون٢١٠ وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَذْيَ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ يَكْفِي نَضْحُهُ وَرَشُّ الْمَاءِ عَلَيْهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُهُ. تحفة١١٥ (حَيْثُ تَرَى أَنَّهُ أَصَابَ مِنْهُ ") أَيْ: الثَّوْب. عون٢١٠ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى نَجَاسَةِ الْمَذْيِ لِلأَمْرِ بِغَسْلِ الذَّكَرِ مِنْهُ وَالْوُضُوءِ لِحَدِيثِ عَلِيٍّ ﵁ حَيْثُ قَالَ: " كُنْتُ رَجُلا مَذَّاءً وَكُنْتُ أَسْتَحِي أَنْ أَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ لِمَكَانِ ابْنَتِهِ، فَأَمَرْتُ الْمِقْدَادَ بْنَ الأَسْوَدِ، فَسَأَلَهُ فَقَالَ: يَغْسِلُ ذَكَرَهُ وَيَتَوَضَّأُ ". وَلأَنَّهُ - كَمَا قَالَ الشِّيرَازِيُّ - خارِجٌ مِنْ سَبِيلِ الْحَدَثِ لا يُخْلَقُ مِنْهُ طَاهِرٌ فَهُوَ كَالْبَوْلِ. (٤) قَالَ الشَّوْكَانِيُّ: اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَذْيِ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمَا لَا يُجْزِئُهُ إِلَّا الْغَسْلُ أَخْذًا بِرِوَايَةِ الْغَسْلِ وَفِيهِ أَنَّ رِوَايَةَ الْغَسْلِ إِنَّمَا هِيَ فِي الْفَرْجِ لَا فِي الثَّوْبِ الَّذِي هُوَ مَحَلُّ النِّزَاعِ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَارِضْ رِوَايَةَ النَّضْحِ الْمَذْكُورَةَ فِي الْبَابِ مُعَارِضٌ فَالِاكْتِفَاءُ بِهِ صَحِيحٌ مُجْزِئٌ وَقَالَ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ الْأَثْرَمِ لَفْظُ فَتَرُشَّ عَلَيْهِ وَلَيْسَ الْمَصِيرُ إِلَى الْأَشَدِّ بِمُتَعَيَّنٍ بَلْ مُلَاحَظَةُ التَّخْفِيفِ مِنْ مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ الْمَألُوفَةِ فَيَكُونُ مُجْزِئًا كَالْغَسْلِ انْتَهَى قُلْتُ كَلَامُ الشَّوْكَانِيِّ هَذَا عِنْدِي محل تأمُّل , فتفكر. تحفة١١٥

стр. 10982

حُكْمُ الْوَدْي الْوَدْيُ فِي اللُّغَةِ: مَاءٌ أَبْيَضُ كَدِرٌ ثَخِينٌ يَخْرُجُ عَقِيبَ الْبَوْلِ أَوْ عِنْدَ حَمْلِ شَيْءٍ ثَقِيلٍ. وَهُوَ يُخَفَّفُ وَيُثَقَّلُ. قَالَ الأَزْهَرِيُّ: قَالَ الأُمَوِيُّ: الْوَدِيُّ وَالْمَذِيُّ وَالْمَنِيُّ مُشَدَّدَاتٌ، وَغَيْرُهُ يُخَفِّفُ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: الْمَنِيُّ مُشَدَّدٌ وَالآخَرَانِ مُخَفَّفَانِ. يُقَالُ: وَدَى الرَّجُلُ يَدِي إِذَا خَرَجَ وَدْيُهُ. (١) ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ وَالشَّافِعِيَّةُ إِلَى نَجَاسَةِ الْوَدْيِ، وَلَوْ كَانَ مِنْ مُبَاحِ الأَكْلِ، وَحُكِمَ بِنَجَاسَتِهِ لِلاسْتِقْذَارِ وَالاسْتِحَالَةِ إِلَى فَسَادٍ. (٢)

стр. 10983

حُكْمُ الْمَنِيّ راجع الأعيان الطاهرة فرع: طَهَارَةُ مَنِيِّ الْآدَمِيّ

стр. 10984

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الدَّمُ الْمَسْفُوح الدَّمُ الْمَسْفُوحُ: يُرَادُ بِهِ السَّائِلُ , وَقَدْ سَفَحَهُ يَسْفَحُهُ بِالْفَتْحِ أَيْ أَهْرَاقَهُ. طلبة الطلبة - (ج ١ / ص ٩٤) قَالَ تَعَالَى: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا﴾ (١) وغير المسفوح معفوٌّ عنه، كالدم الذي يبقى في العروق بعد الذبح، ومنه الكبد والطحال، وهكذا ما يتلطخ به اللحم من الدم. فتح القدير - (ج ٢ / ص ٤٩٠)

стр. 10985

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْقَيْء (خ م) , عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ , يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ " (١) الشَّرْح: (الْعَائِدُ فِي هِبَتِهِ كَالْكَلْبِ , يَقِيءُ ثُمَّ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ) قال قتادة: ولا أعلم القيء إلا حراما. (حم) ٢٦٤٦ قَوْلُهُ: (كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ) اسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ، لِأَنَّ الْقَيْءَ حَرَامٌ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّشْبِيهُ لِلتَّنْفِيرِ خَاصَّةً لِكَوْنِ الْقَيْءِ مِمَّا يُسْتَقْذَرُ وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِ. فتح١٤٩٠ قَالَ الطَّحَاوِيُّ: قَوْلُهُ: (كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ وَإِنْ اِقْتَضَى التَّحْرِيمَ لِكَوْنِ الْقَيْءِ حَرَامًا. لَكِنَّ الزِّيَادَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهِيَ قَوْلُهُ كَالْكَلْبِ تَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ لِأَنَّ الْكَلْبَ غَيْرُ مُتَعَبَّدٍ فَالْقَيْءُ لَيْسَ حَرَامًا عَلَيْهِ. وَالْمُرَادُ التَّنْزِيهُ عَنْ فِعْلٍ يُشْبِهُ فِعْلَ الْكَلْبِ. وَتُعُقِّبَ بِاسْتِبْعَادِ مَا تَأَوَّلَهُ وَمُنَافِرَةِ سِيَاقِ الْأَحَادِيثِ لَهُ، وَبِأَنَّ عُرْفَ الشَّرْعِ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ يُرِيدُ بِهِ الْمُبَالَغَةَ فِي الزَّجْرِ كَقَوْلِهِ: مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِي لَحْمِ خِنْزِيرٍ. تحفة١٢٩٨ كَمَا وَرَدَ النَّهْيُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ إِقْعَاءِ الْكَلْبِ وَنَقْرِ الْغُرَابِ وَالْتِفَاتِ الثَّعْلَبِ وَنَحْوِهِ، وَلَا يُفْهَمُ مِنْ الْمَقَامِ إِلَّا التَّحْرِيمُ، وَالتَّأوِيلُ الْبَعِيدُ لَا يُلْتَفَتُ إِلَيْهِ. تحفة٢١٣١ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اخْتَلَفَتِ الآرَاءُ فِي طَهَارَةِ الْقَيْءِ وَنَجَاسَتِهِ. فَيَقُولُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِنَجَاسَتِهِ وَلِكُلٍّ مِنْهُمْ تَفْصِيلُهُ، وَبِذَلِكَ يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمُتَغَيِّرِ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ وَلَوْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةَ. قَالَ الْحَنَفِيَّةُ: إِنَّ نَجَاسَتَهُ مُغَلَّظَةٌ؛ لأَنَّ كُلَّ مَا يَخْرُجُ مِنْ بَدَنِ الإِنْسَانِ وَهُوَ مُوجِبٌ لِلتَّطْهِيرِ فَنَجَاسَتُهُ غَلِيظَةٌ وَلا خِلافَ عِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ (٢)، وَاسْتَدَلُّوا بِقَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : " يَا عَمَّارُ إِنَّمَا يُغْسَلُ الثَّوْبُ مِنْ خَمْسٍ: مِنَ الْغَائِطِ، وَالْبَوْلِ، وَالْقَيْءِ، وَالدَّمِ، وَالْمَنِيِّ " (٣) وَهَذَا إِذَا كَانَ مِلْءَ الْفَمِ، أَمَّا مَا دُونَهُ فَطَاهِرٌ عَلَى مَا هُوَ الْمُخْتَارُ مِنْ قَوْلِ أَبِي يُوسُفَ (٤) وَفِي فَتَاوَى نَجْمِ الدِّينِ النَّسَفِيِّ: صَبِيٌّ ارْتَضَعَ ثُمَّ قَاءَ فَأَصَابَ ثِيَابَ الأُمِّ: إِنْ كَانَ مِلْءَ الْفَمِ فَنَجِسٌ، فَإِذَا زَادَ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ مَنَعَ الصَّلاةَ فِي هَذَا الثَّوْبِ، وَرَوَى الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ: أَنَّهُ لا يَمْنَعُ مَا لَمْ يَفْحُشْ؛ لأَنَّهُ لَمْ يَتَغَيَّرْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ. (٥) وَالثَّدْيُ إِذَا قَاءَ عَلَيْهِ الْوَلَدُ، ثُمَّ رَضِعَهُ حَتَّى زَالَ أَثَرُ الْقَيْءِ، طَهُرَ حَتَّى لَوْ صَلَّتْ صَحَّتْ صَلاتُهَا. (٦) وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ: أَنَّهُ نَجِسٌ، وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّرْ حَيْثُ وَصَلَ إِلَى الْمَعِدَةِ، وَلَوْ مَاءً وَعَادَ حَالا بِلا تَغَيُّرٍ؛ لأَنَّ شَأنَ الْمَعِدَةِ الإِحَالَةُ، فَهُوَ طَعَامٌ اسْتَحَالَ فِي الْجَوْفِ إِلَى النَّتِنِ وَالْفَسَادِ، فَكَانَ نَجِسًا كَالْغَائِطِ، وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِالْحَدِيثِ السَّابِقِ (٧) وَقَالُوا: إِنَّهُ لَوِ ابْتُلِيَ شَخْصٌ بِالْقَيْءِ عُفِيَ عَنْهُ فِي الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ وَإِنْ كَثُرَ كَدَمِ الْبَرَاغِيثِ. وَالْمُرَادُ بِالابْتِلاءِ بِذَلِكَ: أَنْ يَكْثُرَ وُجُودُهُ بِحَيْثُ يَقِلُّ خُلُوُّهُ مِنْهُ (٨) وَاسْتَثْنَوْا مِنَ الْقَيْءِ عَسَلَ النَّحْلِ فَقَالُوا: إِنَّهُ طَاهِرٌ لا نَجِسٌ مَعْفُوٌّ عَنْهُ. (٩) وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ: أَنَّهُ نَجِسٌ؛ لأَنَّهُ طَعَامٌ اسْتَحَالَ فِي الْجَوْفِ إِلَى الْفَسَادِ أَشْبَهَ الْغَائِطَ. (١٠) وَاخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عِنْدَهُمْ فِي الْعَفْوِ عَنْ يَسِيرِ الْقَيْءِ فَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ: هُوَ عِنْدِي بِمَنْزِلَةِ الدَّمِ، وَذَلِكَ لأَنَّهُ خَارِجٌ مِنَ الإِنْسَانِ نَجِسٌ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلِ فَأَشْبَهَ الدَّمَ، وَعَنْهُ أَنَّهُ لا يُعْفَى عَنْ يَسِيرِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ؛ لأَنَّ الأَصْلَ أَنْ لا يُعْفَى عَنْ شَيْءٍ مِنَ النَّجَاسَةِ خُولِفَ فِي الدَّمِ وَمَا تَوَلَّدَ مِنْهُ فَيَبْقَى فِيمَا عَدَاهُ عَلَى الأَصْلِ. (١١) وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ: أَنَّ النَّجِسَ مِنَ الْقَيْءِ هُوَ الْمُتَغَيِّرُ عَنْ حَالِ الطَّعَامِ وَلَوْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةَ، وَيَجِبُ غَسْلُهُ عَنِ الثَّوْبِ وَالْجَسَدِ وَالْمَكَانِ، فَإِنْ كَانَ تَغَيُّرُهُ بِصَفْرَاءَ أَوْ بَلْغَمٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ عَنْ حَالَةِ الطَّعَامِ فَطَاهِرٌ. (١٢) فَإِذَا تَغَيَّرَ بِحُمُوضَةٍ أَوْ نَحْوِهَا فَهُوَ نَجِسٌ وَإِنْ لَمْ يُشَابِهْ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةَ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْمُدَوَّنَةِ وَاخْتَارَهُ سَنَدٌ وَالْبَاجِيُّ وَابْنُ بَشِيرٍ وَابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ خِلافًا لِلتُّونِسِيِّ وَابْنِ رُشْدٍ وَعِيَاضٍ حَيْثُ قَالُوا: لا يَنْجُسُ الْقَيْءُ إِلا إِذَا شَابَهَ أَحَدَ أَوْصَافِ الْعَذِرَةَ. (١٣)

стр. 10986

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْخَمْر قَالَ تَعَالَى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (١) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ إِلَى أَنَّ الْخَمْرَ نَجِسَةٌ نَجَاسَةً مُغَلَّظَةً، كَالْبَوْلِ وَالدَّمِ لِثُبُوتِ حُرْمَتِهَا وَتَسْمِيَتِهَا رِجْسًا. (٢) كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنْصَابُ وَالأَزْلامُ رِجْسٌ. . .﴾ وَالرِّجْسُ فِي اللُّغَةِ: الشَّيْءُ الْقَذِرُ وَالنَّتِنُ. (٣) أَمَّا الأَشْرِبَةُ الأُخْرَى الْمُخْتَلَفُ فِيهَا فَالْحُكْمُ بِالْحُرْمَةِ يَسْتَتْبِعُ عِنْدَهُمُ الْحُكْمَ بِنَجَاسَتِهَا. (٤) وَذَهَبَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ، مِنْهُمْ رَبِيعَةُ شَيْخُ مَالِكٍ وَالصَّنْعَانِيُّ وَالشَّوْكَانِيُّ، إِلَى طَهَارَتِهَا، تَمَسُّكًا بِالأَصْلِ، وَحَمَلُوا الرِّجْسَ فِي الآيَةِ عَلَى الْقَذَارَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ.

стр. 10987

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الزَّيْتُ النَّجِس (حم) , وَعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهُوَ بِمَكَّةَ: " إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ وَالْمَيْتَةِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْأَصْنَامِ " , فَقِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ أَرَأَيْتَ شُحُومَ الْمَيْتَةِ؟ , فَإِنَّهُ يُطْلَى بِهَا السُّفُنُ , وَيُدْهَنُ بِهَا الْجُلُودُ , وَيَسْتَصْبِحُ بِهَا النَّاسُ (١) فَقَالَ: " لَا , هُوَ حَرَامٌ " , ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عِنْدَ ذَلِكَ: قَاتَلَ اللهُ الْيَهُودَ , إِنَّ اللهَ لَمَّا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الشُّحُومَ , جَمَلُوهَا (٢) ثُمَّ بَاعُوهَا وَأَكَلُوا أَثْمَانَهَا) (٣) (وَإِنَّ اللهَ إِذَا حَرَّمَ عَلَى قَوْمٍ شَيْئًا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ ثَمَنَهُ ") (٤) تقدم شرحه مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: إِنْ كَانَ مَا يُسْتَصْبَحُ بِهِ نَجَسًا بِعَيْنِهِ، كَشَحْمِ الْخِنْزِيرِ، أَوْ شَحْمِ الْمَيْتَةِ، فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى حُرْمَةِ الاسْتِصْبَاحِ بِهِ (٥) سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَمْ فِي غَيْرِهِ، وَذَلِكَ لِلأَدِلَّةِ التَّالِيَةِ: أَوَّلا: أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ " لَمَّا سُئِلَ عَنْ الانْتِفَاعِ بِشُحُومِ الْمَيْتَةِ بِاسْتِصْبَاحٍ وَغَيْرِهِ قَالَ: لا، هُوَ حَرَامٌ ". ثَانِيًا: وَقَوْلُهُ ﷺ : " لا تَنْتَفِعُوا مِنَ الْمَيْتَةِ بِشَيْءٍ ". ثَالِثًا: وَلأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّلَوُّثِ بِهِ، وَلِكَرَاهَةِ دُخَانِ النَّجَاسَةِ. (٦) ب - وَإِنْ كَانَ مُتَنَجِّسًا، أَيْ أَنَّ الْوَقُودَ طَاهِرٌ فِي الأَصْلِ، وَأَصَابَتْهُ نَجَاسَةٌ، فَإِنْ كَانَ الاسْتِصْبَاحُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ ذَلِكَ. (٧) أَمَّا إِنْ كَانَ الاسْتِصْبَاحُ بِالْمُتَنَجِّسِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ، فَيَجُوزُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ (٨) لأَنَّ الْوَقُودَ يُمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهِ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ، فَجَازَ كَالطَّاهِرِ. وَقَدْ جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ " فِي الْعَجِينِ الَّذِي عُجِنَ بِمَاءٍ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ أَنَّهُ نَهَاهُمْ عَنْ أَكْلِهِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوهُ النَّوَاضِحَ " (الإِبِلَ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا) وَهَذَا الْوَقُودُ لَيْسَ بِمَيْتَةٍ، وَلا هُوَ مِنْ شُحُومِهَا فَيَتَنَاوَلُهُ الْخَبَرُ (٩)

стр. 10988

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ مَا تَنَجَّسَ مِنْ الْأَعْيَانِ الطَّاهِرَة (د حم حب) , عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: (" صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ , فَلَمَّا كَانَ فِي بَعْضِ صَلَاتِهِ خَلَعَ نَعْلَيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَنْ يَسَارِهِ " , فَلَمَّا رَأَى النَّاسُ ذَلِكَ خَلَعُوا نِعَالَهُمْ) (١) (" فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاتَهُ قَالَ: مَا حَمَلَكُمْ عَلَى إِلْقَاءِ نِعَالِكُمْ؟ " , قَالُوا: رَأَيْنَاكَ أَلْقَيْتَ نَعْلَيْكَ فَأَلْقَيْنَا نِعَالَنَا) (٢) (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنِّي لَمْ أَخْلَعْهُمَا مِنْ بَأسٍ، وَلَكِنَّ جِبْرِيلَ) (٣) (أَتَانِي أَخْبَرَنِي أَنَّ فِيهِمَا قَذَرًا) (٤) وفي رواية: (خَبَثًا) (٥) (فَأَلْقَيْتُهُمَا , فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إِلَى الْمَسْجِدِ فَلْيَنْظُرْ فِي نَعْلَيْهِ , فَإِنْ رَأَى فِيهِمَا قَذَرًا وفي رواية: (خَبَثًا) (٦) فَلْيَمْسَحْهُمَا) (٧) (بِالْأَرْضِ ثُمَّ لِيُصَلِّ فِيهِمَا ") (٨) تقدم شرحه

стр. 10989

مِنَ الْأَعْيَانِ النَّجِسَةِ الْمَاءُ الْقَلِيلُ إِذَا خَالَطْتُهُ نَجَاسَة حَدُّ الْمَاءِ الْقَلِيل (ت جة) , عَنْ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ وَمَا يَنُوبُهُ مِنْ السِّبَاعِ وَالدَّوَابِّ , فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ " (١) وفي رواية: " لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ " (٢) الشَّرْح: (سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَهُوَ يُسْأَلُ عَنْ الْمَاءِ يَكُونُ فِي الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ) الْفَلَاةُ: الْقَفْرُ , أَوْ الْمَفَازَةُ لَا مَاءَ فِيهَا , أَوْ الصَّحْرَاءُ الْوَاسِعَةُ. تحفة٦٧ (وَمَا يَنُوبُهُ) يُقَالُ: نَابَ الْمَكَانَ وَأَنَابَهُ , إِذَا تَرَدَّدَ إِلَيْهِ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى. تحفة٦٧ (مِنْ السِّبَاعِ) يقع اسم السبع على كل ما له ناب يعدو به ويفترس , كالذئب , والفهد , والنمر. ذخيرة٥٢ (وَالدَّوَابِّ) العطف يكون من باب عطف الخاص على العام , إن قلنا بعموم الدواب , ومن عطف المُغاير إن قلنا بالعرف الذي يخصه بذوات الأربع مما يُركب. ذخيرة٥٢ أَيْ: مَا حَال الْمَاء الَّذِي تَنُوبهُ الدَّوَابّ وَالسِّبَاع، أَيْ: يَشْرَب مِنْهَا وَيَبُول وَيُلْقِي الرَّوْث فِيهَا. عون٦٣ (فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِذَا كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ) قَالَ الْجَزَرِيُّ فِي النِّهَايَةِ: الْقُلَّةُ الْحُبُّ الْعَظِيمُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ , وَالْجَمْعُ قِلَالٌ وَهِيَ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ , وَمِنْهُ الْحَدِيثُ فِي صِفَةِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى: " نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ ". وَهَجَرُ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ الْمَدِينَةِ , وَلَيْسَتْ هَجَرَ الْبَحْرَيْنِ , وَكَانَتْ تُعْمَلُ بِهَا الْقِلَالُ , تَأخُذُ الْوَاحِدَةُ مِنْهَا مَزَادَةً مِنْ الْمَاءِ، سُمِّيَتْ قُلَّةً , لِأَنَّهَا تُقَلُّ , أَيْ: تُرْفَعُ وَتُحْمَلُ. اِنْتَهَى كَلَامُ الْجَزَرِيِّ. وَقَالَ الشَّيْخُ مُحَمَّدٌ طَاهِرٌ فِي مَجْمَعِ الْبِحَارِ: الْقُلَّةُ جَرَّةٌ عَظِيمَةٌ , تَسَعُ خَمْسَمِائَةِ رِطْلٍ. تحفة٦٧ أَيْ: (٢٧٠) لتر تقريبا. (لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ) النَّجَس وَمَعْنَاهُ لَمْ يُنَجَّس بِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَة الْآتِيَة " إِذَا بَلَغَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ لَا يَنْجُسُ " (٣) وَتَقْدِير الْمَعْنَى لَا يَقْبَل النَّجَاسَة، بَلْ يَدْفَعهَا عَنْ نَفْسه. وَلَوْ كَانَ الْمَعْنَى أَنَّهُ يَضْعُف عَنْ حَمْله لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ بِالْقُلَّتَيْنِ مَعْنًى، فَإِنَّ مَا دُونهمَا أَوْلَى بِذَلِكَ. عون٦٣ وفي رواية: " لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ " قَالَ الْقَاضِي: الْحَدِيثُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إِذَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجَّسْ بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَةِ، فَإِنَّ مَعْنَى (لَمْ يَحْمِلْ) أَيْ: لَمْ يَقْبَلْ النَّجَاسَةَ , وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ , فَإِنْ تَغَيَّرَ نَجِسَ، وَيَدُلُّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّهُ إِذَا كَانَ أَقَلَّ يَنْجُسُ بِالْمُلَاقَاةِ , وَهَذَا الْمَفْهُومُ يُخَصِّصُ حَدِيثَ " الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْء " عِنْدَ مَنْ قَالَ بِالْمَفْهُومِ , وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ , أَجْرَاهُ عَلَى عُمُومِهِ , كَمَالِكٍ، فَإِنَّ الْمَاءَ قَلَّ أَوْ كَثُرَ لَا يُنَجَّسُ عِنْدَهُ إِلَّا بِالتَّغَيُّرِ. قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ: قَوْلُ مَنْ لَا يَعْتَبِرُ إِلَّا التَّغَيُّرَ وَعَدَمَهُ قَوِيٌّ , لَكِنَّ الْفَصْلَ بِالْقُلَّتَيْنِ أَقْوَى لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهِ , وَقَدْ اِعْتَرَفَ الطَّحَاوِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ بِذَلِكَ , لَكِنَّهُ اِعْتَذَرَ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ , فَإِنَّ الْقُلَّةَ فِي الْعُرْفِ تُطْلَقُ عَلَى الْكَبِيرَةِ وَالصَّغِيرَةِ كَالْجَرَّةِ , وَلَمْ يَثْبُتْ مِنْ الْحَدِيثِ تَقْدِيرُهُمَا فَيَكُونُ مُجْمَلًا , فَلَا يُعْمَلُ بِهِ. وَقَوَّاهُ اِبْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ. لَكِنْ اِسْتَدَلَّ لَهُ غَيْرُهُمَا , فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ الْمُرَادُ: الْقُلَّةُ الْكَبِيرَةُ , إِذْ لَوْ أَرَادَ الصَّغِيرَةَ لَمْ يَحْتَجْ لِذِكْرِ الْعَدَدِ , فَإِنَّ الصَّغِيرَ بَيْنَ قَدْرِ وَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ , وَيَرْجِعُ فِي الْكَبِيرَةِ إِلَى الْعُرْفِ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ الرَّسُولَ ﵇ تَرَكَ تَحْدِيدَهَا عَلَى سَبِيلِ التَّوْسِعَةِ , وَالْعِلْمُ مُحِيطٌ بِأَنَّهُ مَا خَاطَبَ الصَّحَابَةَ إِلَّا بِمَا يَفْهَمُونَ , فَانْتَهَى الْإِجْمَالُ، اِنْتَهَى كَلَامُ الْحَافِظِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ فِي نَصْبِ الرَّايَةِ: قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي كِتَابِ الْمَعْرِفَةِ: وَقِلَالُ هَجَرَ كَانَتْ مَشْهُورَةً عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ , وَلِشُهْرَتِهَا عِنْدَهُمْ شَبَّهَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَا رَأَى لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ نَبْقِ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى بِقِلَالِ هَجَرَ , فَقَالَ فِي حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ: " رُفِعْت إِلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى فَإِذَا وَرَقُهَا مِثْلُ آذَانِ الْفِيَلَةِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلُ قِلَالِ هَجَرَ " قَالَ: وَاعْتِذَارُ الطَّحَاوِيِّ فِي تَرْكِ الْحَدِيثِ أَصْلًا بِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَا يَكُونُ عُذْرًا عِنْدَ مَنْ عَلِمَهُ. اِنْتَهَى. وَقَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ بَعْدَ ذِكْرِ كَلَامِ الْبَيْهَقِيِّ هَذَا: فَإِنْ قِيلَ: أَيُّ مُلَازَمَةٍ بَيْنَ هَذَا التَّشْبِيهِ وَبَيْنَ ذِكْرِ الْقُلَّةِ فِي حَدِّ الْمَاءِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّ التَّقْيِيدَ بِهَا فِي حَدِيثِ الْمِعْرَاجِ دَالٌّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مَعْلُومَةً عِنْدَهُمْ , بِحَيْثُ يُضْرَبُ بِهَا الْمَثَلُ فِي الْكِبَرِ , كَمَا أَنَّ التَّقْيِيدَ الْمُطْلَقَ إِنَّمَا يَنْصَرِفُ إِلَى التَّقْيِيدِ الْمَعْهُودِ. وَقَالَ الْأَزْهَرِيُّ: الْقِلَالُ مُخْتَلِفَةٌ فِي قُرَى الْعَرَبِ , وَقِلَالُ هَجَرَ أَكْبَرُهَا , وَقِلَالُ هَجَرَ مَشْهُورَةُ الصَّنْعَةِ , مَعْلُومَةُ الْمِقْدَارِ , وَالْقُلَّةُ لَفْظٌ مُشْتَرَكٌ وَبَعْدَ صَرْفِهَا إِلَى أَحَدِ مَعْلُومَاتِهَا وَهِيَ الْأَوَانِي , تَبْقَى مُتَرَدِّدَةً بَيْنَ الْكِبَارِ وَالصِّغَارِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهَا مِنْ الْكِبَارِ , جَعْلُ الشَّارِعِ الْحَدَّ مِقْدَارًا بِعَدَدٍ , فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى أَكْبَرِهَا , لِأَنَّهُ لَا فَائِدَةَ فِي تَقْدِيرِهِ بِقُلَّتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ , مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى تَقْدِيرِهِ بِوَاحِدَةٍ كَبِيرَةٍ اِنْتَهَى. قُلْت: وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ تَقْيِيدُ الْقُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ، وَهُوَ مَا رَوَى اِبْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ اِبْنِ عُمَرَ " إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ مِنْ قِلَالِ هَجَرَ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ " قَالَ الْحَافِظُ فِي التَّلْخِيصِ: فِي إِسْنَادِهِ الْمُغِيرَةُ بْنُ صِقْلَابٍ , وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ، قَالَ النُّفَيْلِيُّ: لَمْ يَكُنْ مُؤْتَمَنًا عَلَى الْحَدِيثِ. وَقَالَ اِبْنُ عَدِيٍّ لَا يُتَابَعُ عَلَى عَامَّةِ حَدِيثِهِ. اِنْتَهَى. قُلْت: قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فِي تَرْجَمَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ صِقْلَابٍ: قَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ , وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ: لَا بَأسَ بِهِ. اِنْتَهَى. فَالِاعْتِذَارُ مِنْ الْقَوْلِ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ بِزَعْمِ الْإِجْمَالِ فِي مَعْنَى الْقُلَّةِ , اِعْتِذَارٌ بَارِدٌ. تحفة٦٧

стр. 10990

قَالَ الشَّيْخ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ الْقَيِّمِ فِي بَاب مَا يُنَجِّسُ الْمَاء: وَالِاحْتِجَاج بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ مَبْنِيّ عَلَى ثُبُوت عِدَّة مَقَامَات: (الْأَوَّل) صِحَّة سَنَده. (الثَّانِي) ثُبُوت وَصْله، وَأَنَّ إِرْسَاله غَيْر قَادِح فِيهِ. (الثَّالِث) ثُبُوت رَفْعه، وَأَنَّ وَقْف مَنْ وَقَفَهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ. (الرَّابِع) أَنَّ الِاضْطِرَاب الَّذِي وَقَعَ فِي سَنَده لَا يُوهِنهُ. (الْخَامِس) أَنَّ الْقُلَّتَيْنِ مُقَدَّرَتَانِ بِقِلَالِ هَجَرَ. (السَّادِس) أَنَّ قِلَال هَجَرَ مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار لَيْسَ فِيهَا كِبَار وَصِغَار. (السَّابِع) أَنَّ الْقُلَّة مُقَدَّرَة بِقِرْبَتَيْنِ حِجَازِيَّتَيْنِ، وَأَنَّ قِرَب الْحِجَاز لَا تَتَفَاوَت. (الثَّامِن) أَنَّ الْمَفْهُوم حُجَّة. (التَّاسِع) أَنَّهُ مُقَدَّم عَلَى الْعُمُوم. (الْعَاشِر) أَنَّهُ مُقَدَّم عَلَى الْقِيَاس الْجَلِيّ. (الْحَادِي عَشَر) أَنَّ الْمَفْهُوم عَامّ فِي سَائِر صُوَر الْمَسْكُوت عَنْهُ. (الثَّانِي عَشَر) أَنَّ ذِكْر الْعَدَد خَرَجَ مَخْرَج التَّحْدِيد وَالتَّقْيِيد. (الثَّالِث عَشَر) الْجَوَاب عَنْ الْمُعَارِض وَمَنْ جَعَلَهُمَا خَمْسمِائَةِ رِطْل اِحْتَاجَ إِلَى مَقَام. (رَابِع عَشَر) وَهُوَ أَنَّهُ يَجْعَل الشَّيْء نِصْفًا اِحْتِيَاطًا. (وَمَقَام خَامِس عَشَر) أَنَّ مَا وَجَبَ بِهِ الِاحْتِيَاط صَارَ فَرْضًا. قَالَ الْمُحَدِّدُونَ: الْجَوَاب عَمَّا ذَكَرْتُمْ: أَمَّا صِحَّة سَنَده فَقَدْ وُجِدَتْ، لِأَنَّ رُوَاته ثِقَات، لَيْسَ فِيهِمْ مَجْرُوح وَلَا مُتَّهَم. وَقَدْ سَمِعَ بَعْضهمْ مِنْ بَعْض. وَلِهَذَا صَحَّحَهُ اِبْنُ خُزَيْمَةَ وَالْحَاكِمُ وَالطَّحَاوِيِّ وَغَيْرهمْ. وَأَمَّا وَصْله، فَاَلَّذِينَ وَصَلُوهُ ثِقَاةٌ، وَهُمْ أَكْثَر مِنْ الَّذِينَ أَرْسَلُوهُ، فَهِيَ زِيَادَة مِنْ ثِقَة، وَمَعَهَا التَّرْجِيح. وَأَمَّا رَفْعه فَكَذَلِكَ. وَإِنَّمَا وَقَفَهُ مُجَاهِدٌ عَلَى اِبْنِ عُمَرَ، فَإِذَا كَانَ مُجَاهِدٌ قَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ مَوْقُوفًا لَمْ يَمْنَع ذَلِكَ سَمَاع عُبَيْدِ اللهِ وَعَبْدِ اللهِ لَهُ مِنْ اِبْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا. فَإِنْ قُلْنَا: الرَّفْع زِيَادَة، وَقَدْ أَتَى بِهَا ثِقَة، فَلَا كَلَام. وَإِنْ قُلْنَا: هِيَ اِخْتِلَاف وَتَعَارُض، فَعُبَيْدُ اللهِ أَوْلَى فِي أَبِيهِ مِنْ مُجَاهِدٍ، لِمُلَازَمَتِهِ لَهُ وَعِلْمه بِحَدِيثِهِ، وَمُتَابَعَة أَخِيهِ عَبْدِ اللهِ لَهُ. وَأَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّهُ مُضْطَرِب، فَمِثْل هَذَا الِاضْطِرَاب لَا يَقْدَح فِيهِ، إِذْ لَا مَانِع مِنْ سَمَاع الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ لَهُ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّادٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ، كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ: قَدْ صَحَّ أَنَّ الْوَلِيد بْنَ كَثِيرٍ رَوَاهُ عَنْهُمَا جَمِيعًا، فَحَدَّثَ بِهِ أَبُو أُسَامَةَ عَنْ الْوَلِيدِ عَلَى الْوَجْهَيْنِ، وَكَذَلِكَ لَا مَانِع مِنْ رِوَايَة عُبَيْدِ اللهِ وَعَبْدِ اللهِ لَهُ جَمِيعًا عَنْ أَبِيهِمَا، فَرَوَاهُ الْمُحَمَّدَانِ عَنْ هَذَا تَارَة، وَعَنْ هَذَا تَارَة. وَأَمَّا تَقْدِير الْقُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ، فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ: حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ عَنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ بِإِسْنَادٍ لَا يَحْضُرنِي ذِكْره أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل خَبَثًا " وَقَالَ فِي الْحَدِيث " بِقِلَالِ هَجَرَ " وَقَالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي مُحَمَّدُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ عُقَيْلٍ أَخْبَرَهُ أَنَّ يَحْيَى بْنَ يَعْمُرَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُول الله ﷺ قَالَ: " إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ لَمْ يَحْمِل نَجَسًا وَلَا بَأسًا "، قَالَ: فَقُلْت لِيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ: قِلَال هَجَرَ؟ قَالَ: قِلَال هَجَرَ، قَالَ: فَأَظُنّ أَنَّ كُلّ قُلَّة تَأخُذ قِرْبَتَيْنِ. قَالَ اِبْنُ عَدِيٍّ: مُحَمَّدٌ هَذَا: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى، يُحَدِّث عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَيَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ. قَالُوا: وَإِنَّ رَسُول الله ﷺ ذَكَرَهَا لَهُمْ فِي حَدِيث الْمِعْرَاج، وَقَالَ فِي سِدْرَة الْمُنْتَهَى: " فَإِذَا نَبْقَهَا مِثْل قِلَال هَجَرَ " فَدَلَّ عَلَى أَنَّهَا مَعْلُومَة عِنْدهمْ. وَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ، وَوَكِيعٌ، وَابْنُ إِسْحَاقَ: الْقُلَّة: الْجَرَّة. وَكَذَلِكَ قَالَ مُجَاهِد: الْقُلَّتَانِ: الْجَرَّتَانِ. وَأَمَّا كَوْنهَا مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار، فَقَدْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمه: قِلَال هَجَرَ: مَشْهُورَة الصَّنْعَة مَعْلُومَة الْمِقْدَار، لَا تَخْتَلِف كَمَا لَا تَخْتَلِف الْمَكَايِيل وَالصِّيعَان. وَهُوَ حُجَّة فِي اللُّغَة. وَأَمَّا تَقْدِيرهَا بِقِرَبِ الْحِجَاز، فَقَدْ قَالَ اِبْنُ جُرَيْجٍ: رَأَيْت الْقُلَّة تَسَعُ قِرْبَتَيْنِ. وَابْنُ جُرَيْجٍ حِجَازِيٌّ، إِنَّمَا أَخْبَرَ عَنْ قِرَب الْحِجَاز، لَا الْعِرَاق وَلَا الشَّام وَلَا غَيْرهمَا. وَأَمَّا كَوْنهَا لَا تَتَفَاوَت، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْقِرَب الْمَنْسُوبَة إِلَى الْبُلْدَان الْمَحْذُوَّة عَلَى مِثَال وَاحِد، يُرِيد أَنَّ قِرَب كُلّ بَلَدٍ عَلَى قَدْر وَاحِد، لَا تَخْتَلِف. قَالَ: وَالْحَدّ لَا يَقَع بِالْمَجْهُولِ. وَأَمَّا كَوْن الْمَفْهُوم حُجَّة، فَلَهُ طَرِيقَانِ: أَحَدهمَا: التَّخْصِيص. وَالثَّانِي: التَّعْلِيل أَمَّا التَّخْصِيص، فَهُوَ أَنْ يُقَال: تَخْصِيص الْحُكْم بِهَذَا الْوَصْف وَالْعَدَد لَا بُدّ لَهُ مِنْ فَائِدَة، وَهِيَ نَفْي الْحُكْم عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوق. وَأَمَّا التَّعْلِيل فَيَخْتَصّ بِمَفْهُومِ الصِّفَة، وَهُوَ أَنَّ تَعْلِيق الْحُكْم بِهَذَا الْوَصْف الْمُنَاسِب يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ عِلَّة لَهُ، فَيَنْتَفِي الْحُكْم بِانْتِفَائِهَا. فَإِنْ كَانَ الْمَفْهُوم مَفْهُوم شَرْط فَهُوَ قَوِيّ، لِأَنَّ الْمَشْرُوط عَدَم عِنْد عَدَم شَرْطه وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ شَرْطًا لَهُ. وَأَمَّا تَقْدِيمه عَلَى الْعُمُوم، فَلِأَنَّ دَلَالَته خَاصَّة، فَلَوْ قُدِّمَ الْعُمُوم عَلَيْهِ بَطَلَتْ دَلَالَته جُمْلَة، وَإِذَا خُصَّ بِهِ الْعُمُوم عُمِلَ بِالْعُمُومِ فِيمَا عَدَا الْمَفْهُوم، وَالْعَمَل بِالدَّلِيلَيْنِ أَوْلَى مِنْ إِلْغَاء أَحَدهمَا، كَيْف وَقَدْ تَأَيَّدَ الْمَفْهُوم بِحَدِيثِ الْأَمْر بِغَسْلِ الْإِنَاء مِنْ وُلُوغ الْكَلْب وَإِرَاقَته، وَبِحَدِيثِ النَّهْي عَنْ غَمْس الْيَد فِي الْإِنَاء قَبْل غَسْلهَا عِنْد الْقِيَام مِنْ نَوْم اللَّيْل؟. وَأَمَّا تَقْدِيمه عَلَى الْقِيَاس الْجَلِيّ فَوَاضِح، لِأَنَّ الْقِيَاس عُمُوم مَعْنَوِيّ، فَإِذَا ثَبَتَ تَقْدِيمه عَلَى الْعُمُوم اللَّفْظِيّ فَتَقْدِيمه عَلَى الْمَعْنَوِيّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى، وَيَكُون خُرُوج صُوَر الْمَفْهُوم مِنْ مُقْتَضَى الْقِيَاس، كَخُرُوجِهَا مِنْ مُقْتَضَى لَفْظ الْعُمُوم. وَأَمَّا كَوْن الْمَفْهُوم عَامًّا، فَلِأَنَّهُ إِنَّمَا دَلَّ عَلَى نَفْي الْحُكْم عَمَّا عَدَا الْمَنْطُوق بِطَرِيقِ سُكُوته عَنْهُ، وَمَعْلُوم أَنَّ نِسْبَة الْمَسْكُوت إِلَى جَمِيع الصُّوَر وَاحِدَة، فَلَا يَجُوز نَفْي الْحُكْم عَنْ بَعْضهَا دُون بَعْض لِلتَّحَكُّمِ. وَلَا إِثْبَات حُكْم الْمَنْطُوق لَهَا لِإِبْطَالِ فَائِدَة التَّخْصِيص، فَتَعَيَّنَ بِقَيْدٍ عَنْ جَمِيعهَا. وَأَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّ الْعَدَد خَرَجَ مَخْرَج التَّحْدِيد: فَلِأَنَّهُ عَدَد صَدَرَ مِنْ الشَّارِع فَكَانَ تَحْدِيدًا وَتَقْيِيدًا، كَالْخَمْسَةِ الْأَوْسُق، وَالْأَرْبَعِينَ مِنْ الْغَنَم، وَالْخَمْس مِنْ الْإِبِل، وَالثَّلَاثِينَ مِنْ الْبَقَر، وَغَيْر ذَلِكَ، إِذْ لَا بُدّ لِلْعَدَدِ مِنْ فَائِدَة، وَلَا فَائِدَة لَهُ إِلَّا التَّحْدِيد. وَأَمَّا الْجَوَاب عَنْ بَعْض الْمُعَارِض، فَلَيْسَ مَعَكُمْ إِلَّا عُمُوم لَفْظِيّ، أَوْ عُمُوم مَعْنَوِيّ وَهُوَ الْقِيَاس، وَقَدْ بَيَّنَّا تَقْدِيم الْمَفْهُوم عَلَيْهِمَا. وَأَمَّا جَعْل الشَّيْء نِصْفًا، فَلِأَنَّهُ قَدْ شَكَّ فِيهِ، جَعَلْنَاهُ نِصْفًا اِحْتِيَاطِيًّا، وَالظَّاهِر أَنَّهُ لَا يَكُون أَكْثَر مِنْهُ، وَيَحْتَمِل النِّصْف فَمَا دُون، فَتَقْدِيره بِالنِّصْفِ أَوْلَى. وَأَمَّا كَوْن مَا أَوْجَبَ بِهِ الِاحْتِيَاط يَصِير فَرْضًا، فَلِأَنَّ هَذَا حَقِيقَة الِاحْتِيَاط، كَإِمْسَاكِ جُزْء مِنْ اللَّيْل مَعَ النَّهَار، وَغَسْل جُزْء مِنْ الرَّأس مَعَ الْوَجْه. فَهَذَا تَمَام تَقْرِير هَذَا الْحَدِيث سَنَدًا وَمَتْنًا، وَوَجْه الِاحْتِجَاج بِهِ. قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ التَّحْدِيد بِالْقُلَّتَيْنِ: أَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَحَّ سَنَده، فَلَا يُفِيد الْحُكْم بِصِحَّتِهِ، لِأَنَّ صِحَّةَ السَّنَدِ شَرْط أَوْ جُزْء سَبَب لِلْعِلْمِ بِالصِّحَّةِ لَا مُوجِب تَامّ، فَلَا يَلْزَم مِنْ مُجَرَّد صِحَّة السَّنَد صِحَّة الْحَدِيث مَا لَمْ يَنْتِف عَنْهُ الشُّذُوذ وَالْعِلَّة، وَلَمْ يَنْتَفِيَا عَنْ هَذَا الْحَدِيث. أَمَّا الشُّذُوذ فَإِنَّ هَذَا حَدِيث فَاصِل بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام، وَالطَّاهِر وَالنَّجِس، وَهُوَ فِي الْمِيَاه كَالْأَوْسُقِ فِي الزَّكَاة، وَالنُّصُب فِي الزَّكَاة، فَكَيْف لَا يَكُون مَشْهُورًا شَائِعًا بَيْن الصَّحَابَة يَنْقُلهُ عَنْ سَلَف، لِشِدَّةِ حَاجَة الْأُمَّة إِلَيْهِ أَعْظَم مِنْ حَاجَتهمْ إِلَى نُصُب الزَّكَاة؟ فَإِنَّ أَكْثَر النَّاس لَا تَجِب عَلَيْهِمْ زَكَاة، وَالْوُضُوء بِالْمَاءِ الطَّاهِر فَرْض عَلَى كُلّ مُسْلِم، فَيَكُون الْوَاجِب نَقْل هَذَا الْحَدِيث كَنَقْلِ نَجَاسَة الْبَوْل وَوُجُوب غَسْله، وَنَقْل عَدَد الرَّكَعَات، وَنَظَائِر ذَلِكَ. وَمِنْ الْمَعْلُوم: أَنَّ هَذَا لَمْ يَرْوِهِ غَيْر اِبْنِ عُمَرَ، وَلَا عَنْ اِبْنِ عُمَرَ غَيْر عُبَيْدِ اللهِ وَعَبْدِ اللهِ، فَأَيْنَ نَافِعٌ، وَسَالِمٌ، وَأَيُّوبُ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ؟ وَأَيْنَ أَهْل الْمَدِينَة وَعُلَمَاؤُهُمْ عَنْ هَذِهِ السُّنَّة الَّتِي مَخْرَجهَا مِنْ عِنْدهمْ، وَهُمْ إِلَيْهَا أَحْوَج الْخَلْق، لِعِزَّةِ الْمَاء عِنْدهمْ؟ وَمِنْ الْبَعِيد جِدًّا أَنَّ هَذِهِ السُّنَّة عِنْد اِبْنِ عُمَرَ وَتَخْفَى عَلَى عُلَمَاء أَصْحَابه وَأَهْل بَلْدَته، وَلَا يَذْهَب إِلَيْهَا أَحَد مِنْهُمْ، وَلَا يَرْوُونَهَا وَيُدِيرُونَهَا بَيْنهمْ. وَمَنْ أَنْصَفَ لَمْ يَخَفْ عَلَيْهِ اِمْتِنَاع هَذَا، فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ لِلسُّنَّةِ الْعَظِيمَة الْمِقْدَار عِنْدَ اِبْنِ عُمَرَ لَكَانَ أَصْحَابه وَأَهْل الْمَدِينَة أَقْوَل النَّاس بِهَا وَأَرْوَاهُمْ لَهَا. فَأَيّ شُذُوذ أَبْلَغ مِنْ هَذَا؟ وَحَيْثُ لَمْ يَقُلْ بِهَذَا التَّحْدِيد أَحَد مِنْ أَصْحَاب اِبْنِ عُمَرَ عُلِمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِيهِ عِنْده سُنَّة مِنْ النَّبِيّ ﷺ ، فَهَذَا وَجْه شُذُوذه. وَأَمَّا عَلَيْهِ: فَمِنْ ثَلَاثَة أَوْجُه: أَحَدهَا: وَقْف مُجَاهِدٍ لَهُ عَلَى اِبْنِ عُمَرَ، وَاخْتَلَفَ فِيهِ عَلَيْهِ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ أَيْضًا، رَفْعًا وَوَقْفًا. وَرَجَّحَ شَيْخَا الْإِسْلَام أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِيُّ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ تَيْمِيَّةَ وَقْفه، وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنه وَقْفه مِنْ طَرِيق مُجَاهِدٍ، وَجَعَلَهُ هُوَ الصَّوَاب قَالَ شَيْخنَا أَبُو الْعَبَّاسِ: وَهَذَا كُلّه يَدُلّ عَلَى أَنَّ اِبْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يُحَدِّث بِهِ عَنْ النَّبِيّ ﷺ ، وَلَكِنْ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَجَابَ بِحَضْرَةِ اِبْنه، فَنَقَلَ اِبْنه ذَلِكَ عَنْهُ. قُلْت: وَيَدُلّ عَلَى وَقْفه أَيْضًا: أَنَّ مُجَاهِدًا وَهُوَ الْعَلَم الْمَشْهُور الثَّبْت إِنَّمَا رَوَاهُ عَنْهُ مَوْقُوفًا. وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُبَيْدِ اللهِ وَقْفًا وَرَفْعًا. الْعِلَّة الثَّانِيَة: اِضْطِرَاب سَنَده، كَمَا تَقَدَّمَ. الْعِلَّة الثَّالِثَة: اِضْطِرَاب مَتْنه، فَإِنَّ فِي بَعْض أَلْفَاظه " إِذَا كَانَ الْمَاء قُلَّتَيْنِ " وَفِي بَعْضهَا " إِذَا بَلَغَ الْمَاء قَدْر قُلَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاث " وَاَلَّذِينَ زَادُوا هَذِهِ اللَّفْظَة لَيْسُوا بِدُونِ مَنْ سَكَتَ عَنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ. قَالُوا: وَأَمَّا تَصْحِيح مَنْ صَحَّحَهُ مِنْ الْحُفَّاظ، فَمُعَارَض بِتَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ، وَمِمَّنْ ضَعَّفَهُ حَافِظُ الْمَغْرِبِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْره. وَلِهَذَا أَعْرَضَ عَنْهُ أَصْحَاب الصَّحِيح جُمْلَة. قَالُوا: وَأَمَّا تَقْدِير الْقُلَّتَيْنِ بِقِلَالِ هَجَرَ، فَلَمْ يَصِحّ عَنْ رَسُول الله ﷺ فِيهِ شَيْء أَصْلًا. وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ فَمُنْقَطِع، وَلَيْسَ قَوْله: " بِقِلَالِ هَجَرَ " فِيهِ: مِنْ كَلَام النَّبِيّ ﷺ ، وَلَا إِضَافَة الرَّاوِي إِلَيْهِ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الْحَدِيث أَنَّ التَّفْسِير بِهَا مِنْ كَلَام يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ. فَكَيْف يَكُون بَيَان هَذَا الْحُكْم الْعَظِيم، وَالْحَدّ الْفَاصِل بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام، الَّذِي تَحْتَاج إِلَيْهِ جَمِيع الْأُمَّة، لَا يُوجَد إِلَّا بِلَفْظٍ شَاذّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِع؟ وَذَلِكَ اللَّفْظ لَيْسَ مِنْ كَلَام رَسُول الله ﷺ ؟ قَالُوا: وَأَمَّا ذِكْرهَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج، فَمِنْ الْعَجَب أَنْ يُحَال هَذَا الْحَدّ الْفَاصِل عَلَى تَمْثِيل النَّبِيّ ﷺ نَبْق السِّدْرَة بِهَا! وَمَا الرَّابِط بَيْن الْحُكْمَيْنِ؟ وَأَيّ مُلَازَمَة بَيْنهمَا؟ أَلِكَوْنِهَا مَعْلُومَة عِنْدهمْ مَعْرُوفَة لَهُمْ مَثَّلَ لَهُمْ بِهَا؟ وَهَذَا مِنْ عَجِيب حَمْل الْمُطْلَق عَلَى الْمُقَيَّد. وَالتَّقْيِيد بِهَا فِي حَدِيث الْمِعْرَاج لِبَيَانِ الْوَاقِع، فَكَيْف يُحْمَل إِطْلَاق حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ عَلَيْهِ؟ وَكَوْنهَا مَعْلُومَة لَهُمْ لَا يُوجِب أَنْ يَنْصَرِف الْإِطْلَاق إِلَيْهَا حَيْثُ أُطْلِقَتْ الْعِلَّة، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَعْرِفُونَهَا وَيَعْرِفُونَ غَيْرهَا. وَالظَّاهِر أَنَّ الْإِطْلَاق فِي حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَى قِلَال الْبَلَد الَّتِي هِيَ أَعْرَف عِنْدهمْ، وَهُمْ لَهَا أَعْظَم مُلَابَسَة مِنْ غَيْرهَا، فَالْإِطْلَاق؛ إِنَّمَا يَنْصَرِف إِلَيْهَا، كَمَا يَنْصَرِف إِطْلَاق النَّقْد إِلَى نَقْد بَلَد دُون غَيْره، هَذَا هُوَ الظَّاهِر، وَإِنَّمَا مَثَّلَ النَّبِيّ ﷺ بِقِلَالِ هَجَرَ، لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع فِي نَفْس الْأَمْر، كَمَا مَثَّلَ بَعْض أَشْجَار الْجَنَّة بِشَجَرَةٍ بِالشَّامِ تُدْعَى الْجَوْزَة، دُون النَّخْل وَغَيْره مِنْ أَشْجَارهمْ، لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع، لَا لِكَوْنِ الْجَوْز أَعْرَف الْأَشْجَار عِنْدهمْ. وَهَكَذَا التَّمْثِيل بِقِلَالِ هَجَرَ، لِأَنَّهُ هُوَ الْوَاقِع، لَا لِكَوْنِهَا أَعْرَف الْقِلَال عِنْدهمْ. هَذَا بِحَمْدِ الله وَاضِح. وَأَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّهَا مُتَسَاوِيَة الْمِقْدَار، فَهَذَا إِنَّمَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ، بَنَاهُ عَلَى أَنَّ ذِكْرهمَا تَحْدِيد، وَالتَّحْدِيد إِنَّمَا يَقَع بِالْمَقَادِيرِ الْمُتَسَاوِيَة. وَهَذَا دَوْر بَاطِل، وَهُوَ لَمْ يَنْقُلهُ عَنْ أَهْل اللُّغَة، وَهُوَ الثِّقَة فِي نَقْله، وَلَا أَخْبَرَ بِهِ عِيَان. ثُمَّ إِنَّ الْوَاقِع بِخِلَافِهِ، فَإِنَّ الْقِلَال فِيهَا الْكِبَار وَالصِّغَار فِي الْعُرْف الْعَامّ أَوْ الْغَالِب، وَلَا تَعْمَل بِقَالَبٍ وَاحِد. وَلِهَذَا قَالَ أَكْثَر السَّلَف: الْقُلَّة الْجَرَّة. وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ الْمُنْذِرِ أَحَد رُوَاة الْحَدِيث: الْقِلَال الْخَوَابِي الْعِظَام. وَأَمَّا تَقْدِيرهَا بِقِرَبِ الْحِجَاز فَلَا نُنَازِعكُمْ فِيهِ، وَلَكِنْ الْوَاقِع أَنَّهُ قَدَّرَ قُلَّة مِنْ الْقِلَال بِقِرْبَتَيْنِ مِنْ الْقِرَب فَرَآهَا تَسَعهُمَا، فَهَلْ يَلْزَم مِنْ هَذَا أَنَّ كُلّ قُلَّة مِنْ قِلَال هَجَرَ تَأخُذ قِرْبَتَيْنِ مِنْ قِرَب الْحِجَاز؟ وَأَنَّ قِرَب الْحِجَاز كُلّهَا عَلَى قَدْر وَاحِد، لَيْسَ فِيهَا صِغَار وَكِبَار؟ وَمَنْ جَعَلَهَا مُتَسَاوِيَة فَإِنَّمَا مُسْتَنَده أَنْ قَالَ: التَّحْدِيد لَا يَقَع بِالْمَجْهُولِ، فَيَا سُبْحَان الله! إِنَّمَا يَتِمّ هَذَا أَنْ لَوْ كَانَ التَّحْدِيد مُسْتَنِدًا إِلَى صَاحِب الشَّرْع، فَأَمَّا وَالتَّقْدِير بِقِلَالِ هَجَرَ وَقِرَب الْحِجَاز تَحْدِيد يَحْيَى بْنِ عُقَيْلٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ، فَكَانَ مَاذَا؟ وَأَمَّا تَقْرِير كَوْن الْمَفْهُوم حُجَّة، فَلَا تَنْفَعكُمْ مُسَاعَدَتنَا عَلَيْهِ، إِذْ الْمُسَاعَدَة عَلَى مُقَدِّمَة مِنْ مُقَدِّمَات الدَّلِيل لَا تَسْتَلْزِم الْمُسَاعَدَة عَلَى الدَّلِيل. وَأَمَّا تَقْدِيمكُمْ لَهُ عَلَى الْعُمُوم فَمَمْنُوع، وَهِيَ مَسْأَلَة نِزَاع بَيْن الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاء، وَفِيهَا قَوْلَانِ مَعْرُوفَانِ. وَمَنْشَأ النِّزَاع تَعَارُض خُصُوص الْمَفْهُوم وَعُمُوم الْمَنْطُوق، فَالْخُصُوص يَقْتَضِي التَّقْدِيم، وَالْمَنْطُوق يَقْتَضِي التَّرْجِيح، فَإِنْ رَجَّحْتُمْ الْمَفْهُوم بِخُصُوصِهِ، رَجَّحَ مُنَازِعُوكُمْ الْعُمُوم بِمَنْطُوقِهِ. ثُمَّ التَّرْجِيح مَعَهُمْ هَاهُنَا لِلْعُمُومِ مِنْ وُجُوه: أَحَدهَا: أَنَّ حَدِيثه أَصَحّ. الثَّانِي: أَنَّهُ مُوَافِق لِلْقِيَاسِ الصَّحِيح. الثَّالِث: أَنَّهُ مُوَافِق لِعَمَلِ أَهْل الْمَدِينَة قَدِيمًا وَحَدِيثًا، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَف عَنْ أَحَد مِنْهُمْ أَنَّهُ حَدَّدَ الْمَاء بِقُلَّتَيْنِ، وَعَمَلهمْ بِتَرْكِ التَّحْدِيد فِي الْمِيَاه عَمَل نَقْلِيّ خَلَفًا عَنْ سَلَف، فَجَرَى مَجْرَى نَقْلهمْ الصَّاع وَالْمُدّ وَالْأَجْنَاس، وَتَرْك أَخْذ الزَّكَاة مِنْ الْخَضْرَوَاتِ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيح الْمُحْتَجّ بِهِ مِنْ إِجْمَاعهمْ، دُون مَا طَرِيقه الِاجْتِهَاد وَالِاسْتِدْلَال. فَإِنَّهُمْ وَغَيْرهمْ فِيهِ سَوَاء، وَرُبَّمَا يُرَجَّح غَيْرهمْ عَلَيْهِمْ، وَيُرَجَّحُوا هُمْ عَلَى غَيْرهمْ. فَتَأَمَّلْ هَذَا الْمَوْضِع. فَإِنْ قِيلَ: مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ التَّرْجِيح فَمَعَنَا مِنْ التَّرْجِيح مَا يُقَابِلهُ، وَهُوَ أَنَّ الْمَفْهُوم هُنَا قَدْ تَأَيَّدَ بِحَدِيثِ النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الرَّاكِد، وَالْأَمْر بِإِرَاقَةِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب، وَالْأَمْر بِغَسْلِ الْيَد مِنْ نَوْم اللَّيْل، فَإِنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيث تَدُلّ عَلَى أَنَّ الْمَاء يَتَأَثَّر بِهَذِهِ الْأَشْيَاء وَإِنْ لَمْ يَتَغَيَّر، وَلَا سَبِيل إِلَى تَأَثُّر كُلّ مَاء بِهَا، بَلْ لَا بُدّ مِنْ تَقْدِيره، فَتَقْدِيره بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى مِنْ تَقْدِيره بِغَيْرِهِمَا، لِأَنَّ التَّقْدِير بِالْحَرَكَةِ، وَالْأَذْرُع الْمُعَيَّنَة، وَمَا يُمْكِن نَزْحه وَمَا لَا يُمْكِن تَقْدِيرَات بَاطِلَة لَا أَصْل لَهَا، وَهِيَ غَيْر مُنْضَبِطَة فِي نَفْسهَا، فَرُبَّ حَرَكَة تُحَرِّك غَدِيرًا عَظِيمًا مِنْ الْمَاء، وَأُخْرَى تُحَرِّك مِقْدَارًا يَسِيرًا مِنْهُ، بِحَسَبِ الْمُحَرِّك وَالْمُتَحَرِّك. وَهَذَا التَّقْدِير بِالْأَذْرُعِ تَحَكُّم مَحْض لَا بِسُنَّةٍ وَلَا قِيَاس، وَكَذَا التَّقْدِير بِالنَّزْحِ الْمُمْكِن مَعَ عَدَم اِنْضِبَاطه، فَإِنَّ عَشْرَة آلَاف مَثَلًا يُمْكِنهُمْ نَزْح مَا لَا يَنْزَحهُ غَيْرهمْ، فَلَا ضَابِط لَهُ. وَإِذَا بَطَلَتْ هَذِهِ التَّقْدِيرَات وَلَا بُدّ مِنْ تَقْدِير فَالتَّقْدِير بِالْقُلَّتَيْنِ أَوْلَى لِثُبُوتِهِ، إِمَّا عَنْ النَّبِيّ ﷺ ، وَإِمَّا عَنْ الصَّحَابَة رَضِيَ الله تَعَالَى عَنْهُمْ. قِيلَ: هَذَا السُّؤَال مَبْنِيّ عَلَى مَقَامَات. أَحَدهَا: أَنَّ النَّهْي فِي هَذِهِ الْأَحَادِيث مُسْتَلْزِم لِنَجَاسَةِ الْمَاء الْمَنْهِيّ عَنْهُ. وَالثَّانِي: أَنَّ هَذَا التَّنْجِيس لَا يَعُمّ كُلّ مَاء، بَلْ يَخْتَصّ بِبَعْضِ الْمِيَاه دُون بَعْض. وَالثَّالِث: أَنَّهُ إِذَا تَعَيَّنَ التَّقْدِير، كَانَ تَقْدِيره بِالْقُلَّتَيْنِ هُوَ الْمُتَعَيِّن. فَأَمَّا الْمَقَام الْأَوَّل فَنَقُول: لَيْسَ فِي شَيْء مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيث أَنَّ الْمَاء يَنْجُس بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاة الْبَوْل وَالْوُلُوغ وَغَمْس الْيَد فِيهِ. أَمَّا النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِيهِ فَلَيْسَ فِيهِ دَلَالَة عَلَى أَنَّ الْمَاء كُلّه يَنْجُس بِمُجَرَّدِ مُلَاقَاة الْبَوْل لِبَعْضِهِ، بَلْ قَدْ يَكُون ذَلِكَ لِأَنَّ الْبَوْل سَبَب لِتَنْجِيسِهِ، فَإِنَّ الْأَبْوَال مَتَى كَثُرَتْ فِي الْمِيَاه الدَّائِمَة أَفْسَدَتْهَا، وَلَوْ كَانَتْ قِلَالًا عَظِيمَة. فَلَا يَجُوز أَنْ يُخَصّ نَهْيه بِمَا دُون الْقُلَّتَيْنِ، فَيَجُوز لِلنَّاسِ أَنْ يَبُولُوا فِي الْقُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا، وَحَاشَى لِلرَّسُولِ ﷺ أَنْ يَكُون نَهْيه خَرَجَ عَلَى مَا دُون الْقُلَّتَيْنِ، وَيَكُون قَدْ جَوَّزَ لِلنَّاسِ الْبَوْل فِي كُلّ مَاء بَلَغَ الْقُلَّتَيْنِ! أَوْ زَادَ عَلَيْهِمَا، وَهَلْ هَذَا إِلَّا إِلْغَازٌ فِي الْخِطَاب؟ أَنْ يَقُول " لَا يَبُولَن أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي " وَمُرَاده مِنْ هَذَا اللَّفْظ الْعَامّ: أَرْبَعمِائَةِ رَطْل بِالْعِرَاقِيِّ أَوْ خَمْسمِائَةِ، مَعَ مَا يَتَضَمَّنهُ التَّجْوِيز مِنْ الْفَسَاد الْعَامّ وَإِفْسَاد مَوَارِد النَّاس وَمِيَاههمْ عَلَيْهِمْ؟ وَكَذَلِكَ حَمْله عَلَى مَا لَا يُمْكِن نَزْحه، أَوْ مَا لَا يَتَحَرَّك أَحَد طَرَفَيْهِ بِحَرَكَةِ طَرَفه الْآخَر، وَكُلّ هَذَا خِلَاف مَدْلُول الْحَدِيث، وَخِلَاف مَا عَلَيْهِ النَّاس وَأَهْل الْعِلْم قَاطِبَة. فَإِنَّهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْ الْبَوْل فِي هَذِهِ الْمِيَاه، وَإِنْ كَانَ مُجَرَّد الْبَوْل لَا يُنَجِّسهَا، سَدًّا لِلذَّرِيعَةِ. فَإِنَّهُ إِذَا مُكِّنَ النَّاس مِنْ الْبَوْل فِي هَذِهِ الْمِيَاه وَإِنْ كَانَتْ كَبِيرَة عَظِيمَة لَمْ تَلْبَث أَنْ تَتَغَيَّر وَتَفْسُد عَلَى النَّاس، كَمَا رَأَيْنَا مِنْ تَغَيُّر الْأَنْهَار الْجَارِيَة بِكَثْرَةِ الْأَبْوَال. وَهَذَا كَمَا نَهَى عَنْ إِفْسَاد ظِلَالهمْ عَلَيْهِمْ بِالتَّخَلِّي فِيهَا، وَإِفْسَاد طُرُقَاتهمْ بِذَلِكَ. فَالتَّعْلِيل بِهَذَا أَقْرَب إِلَى ظَاهِر لَفْظه ﷺ ، وَمَقْصُوده، وَحِكْمَته بِنَهْيِهِ، وَمُرَاعَاته مَصَالِح الْعِبَاد، وَحِمَايَتهمْ مِمَّا يُفْسِد عَلَيْهِمْ مَا يَحْتَاجُونَ إِلَيْهِ مِنْ مَوَارِدهمْ وَطُرُقَاتهمْ وَظِلَالهمْ، كَمَا نَهَى عَنْ إِفْسَاد مَا يَحْتَاج إِلَيْهِ الْجِنّ مِنْ طَعَامهمْ وَعَلَف دَوَابّهمْ. فَهَذِهِ عِلَّة مَعْقُولَة تَشْهَد لَهَا الْعُقُول وَالْفِطَر، وَيَدُلّ عَلَيْهَا تَصَرُّف الشَّرْع فِي مَوَارِده وَمَصَادِره، وَيَقْبَلهَا كُلّ عَقْل سَلِيم، وَيَشْهَد لَهَا بِالصِّحَّةِ. وَأَمَّا تَعْلِيل ذَلِكَ بِمِائَةِ وَثَمَانِيَّة أَرْطَال بِالدِّمَشْقِيِّ، أَوْ بِمَا يَتَحَرَّك أَوْ لَا يَتَحَرَّك، أَوْ بِعِشْرِينَ ذِرَاعًا مُكَسَّرَة، أَوْ بِمَا لَا يُمْكِن نَزْحه فَأَقْوَال، كُلٌّ مِنْهَا بِكُلٍّ مُعَارَضٌ، وَكُلٌّ بِكُلٍّ مُنَاقَضٌ، لَا يُشَمّ مِنْهَا رَائِحَة الْحِكْمَة، وَلَا يُشَام مِنْهَا بَوَارِق الْمَصْلَحَة، وَلَا تُعَطَّل بِهَا الْمَفْسَدَة الْمَخُوفَة. فَإِنَّ الرَّجُل إِذَا عَلِمَ أَنَّ النَّهْي إِنَّمَا تَنَاوَلَ هَذَا الْمِقْدَار مِنْ الْمَاء لَمْ يَبْقَ عِنْده وَازِع وَلَا زَاجِر عَنْ الْبَوْل فِيمَا هُوَ أَكْثَر مِنْهُ، وَهَذَا يَرْجِع عَلَى مَقْصُود صَاحِب الشَّرْع بِالْإِبْطَالِ. وَكُلّ شَرْط أَوْ عِلَّة أَوْ ضَابِط يَرْجِع عَلَى مَقْصُود الشَّارِع بِالْإِبْطَالِ كَانَ هُوَ الْبَاطِل الْمُحَال. وَمِمَّا يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنَّ النَّبِيّ ﷺ ذَكَرَ فِي النَّهْي وَصْفًا يَدُلّ عَلَى أَنَّهُ هُوَ الْمُعْتَبَر فِي النَّهْي. وَهُوَ كَوْن الْمَاء " دَائِمًا لَا يَجْرِي " وَلَمْ يَقْتَصِر عَلَى قَوْله " الدَّائِم " حَتَّى نَبَّهَ عَلَى الْعِلَّة بِقَوْلِهِ " لَا يَجْرِي " فَتَقِف النَّجَاسَة فِيهِ، فَلَا يَذْهَب بِهَا. وَمَعْلُوم أَنَّ هَذِهِ الْعِلَّة مَوْجُودَة فِي الْقُلَّتَيْنِ وَفِيمَا زَادَ عَلَيْهِمَا. وَالْعَجَب مِنْ مُنَاقَضَة الْمُحَدِّدِينَ بِالْقُلَّتَيْنِ لِهَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ اِعْتَبَرُوا الْقُلَّتَيْنِ حَتَّى فِي الْجَارِي، وَقَالُوا: إِنْ كَانَتْ الْجَرِيَّة قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَمْ يَتَأَثَّر بِالنَّجَاسَةِ، وَإِنْ كَانَتْ دُون الْقُلَّتَيْنِ تَأَثَّرَتْ، وَأَلْغَوْا كَوْن الْمَاء جَارِيًا أَوْ وَاقِفًا، وَهُوَ الْوَصْف الَّذِي اِعْتَبَرَهُ الشَّارِع. وَاعْتَبَرُوا فِي الْجَارِي وَالْوَاقِف الْقُلَّتَيْنِ. وَالشَّارِع لَمْ يَعْتَبِرهُ، بَلْ اِعْتَبَرَ الْوُقُوف وَالْجَرَيَان. فَإِنْ قِيلَ: فَإِذَا لَمْ تُخَصِّصُوا الْحَدِيث وَلَمْ تُقَيِّدُوهُ بِمَاءٍ دُون مَاء، لَزِمَكُمْ الْمُحَال، وَهُوَ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْبَحْر، لِأَنَّهُ دَائِم لَا يَجْرِي. قِيلَ: ذِكْره ﷺ " الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي " تَنْبِيه عَلَى أَنَّ حِكْمَة النَّهْي إِنَّمَا هِيَ مَا يَخْشَى مِنْ إِفْسَاد مِيَاه النَّاس عَلَيْهِمْ، وَأَنَّ النَّهْي إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمِيَاهِ الدَّائِمَة الَّتِي مِنْ شَأنهَا أَنْ تُفْسِدهَا الْأَبْوَال. فَأَمَّا الْأَنْهَار الْعِظَام وَالْبِحَار فَلَمْ يَدُلّ نَهْي النَّبِيّ ﷺ عَلَيْهَا بِوَجْهِ، بَلْ لَمَّا دَلَّ كَلَامه بِمَفْهُومِهِ عَلَى جَوَاز الْبَوْل فِي الْأَنْهَار الْعِظَام كَالنِّيلِ وَالْفُرَات فَجَوَاز الْبَوْل فِي الْبِحَار أَوْلَى وَأَحْرَى، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّ هَذَا تَخْصِيص لِعُمُومِ كَلَامه، فَلَا يَسْتَرِيب عَاقِل أَنَّهُ أَوْلَى مِنْ تَخْصِيصه بِالْقُلَّتَيْنِ. أَوْ مَا لَا يُمْكِن نَزْحه، أَوْ مَا لَا يُمْكِن تَبَلُّغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ، لِأَنَّ الْمَفْسَدَة الْمَنْهِيّ عَنْ الْبَوْل لِأَجْلِهَا لَا نُزُول فِي هَذِهِ الْمِيَاه، بِخِلَافِ مَاء الْبَحْر فَإِنَّهُ لَا مَفْسَدَة فِي الْبَوْل فِيهِ. وَصَارَ هَذَا بِمَنْزِلَةِ نَهْيه عَنْ التَّخَلِّي فِي الظِّلّ. وَبَوْله ﷺ فِي ظِلّ الشَّجَرَتَيْنِ وَاسْتِتَاره بِجِذْمِ الْحَائِط، فَإِنَّهُ نَهَى عَنْ التَّخَلِّي فِي الظِّلّ النَّافِع، وَتَخَلَّى مُسْتَتِرًا بِالشَّجَرَتَيْنِ وَالْحَائِط، حَيْثُ لَمْ يَنْتَفِع أَحَد بِظِلِّهِمَا، فَلَمْ يُفْسِد ذَلِكَ الظِّلّ عَلَى أَحَد. وَبِهَذَا الطَّرِيق يُعْلَم أَنَّهُ إِذَا كَانَ ﷺ قَدْ نَهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم، مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُحْتَاج إِلَيْهِ، فَلَأَنْ يَنْهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي إِنَاء ثُمَّ يَصُبّهُ فِيهِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى. وَلَا يَسْتَرِيب فِي هَذَا مَنْ عَلِمَ حِكْمَة الشَّرِيعَة، وَمَا اِشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ مَصَالِح الْعِبَاد وَنَصَائِحهمْ. وَدَعْ الظَّاهِرِيَّة الْبَحْتَة، فَإِنَّهَا تُقْسِي الْقُلُوب، وَتَحْجُبهَا عَنْ رَوِيَّة مَحَاسِن الشَّرِيعَة وَبَهْجَتهَا، وَمَا أُودِعَتْهُ مِنْ الْحِكَم وَالْمَصَالِح وَالْعَدْل وَالرَّحْمَة. وَهَذِهِ الطَّرِيق الَّتِي جَاءَتْك عَفْوًا تَنْظُر إِلَيْهَا نَظَر مُتَّكِئ عَلَى أَرِيكَته قَدْ تَقَطَّعَتْ فِي مَفَاوِزهَا أَعْنَاق الْمَطِيّ، لَا يَسْلُكهَا فِي الْعَالَم إِلَّا الْفَرْد بَعْد الْفَرْد، وَلَا يَعْرِف مِقْدَارهَا مَنْ أَفْرَحَتْ قَلْبه الْأَقْوَال الْمُخْتَلِفَة، وَالِاحْتِمَالَات الْمُتَعَدِّدَة، وَالتَّقْدِيرَات الْمُسْتَبْعَدَة. فَإِنْ عَلَتْ هِمَّته جَعَلَ مَذْهَبه عُرْضَة لِلْأَحَادِيثِ النَّبَوِيَّة، وَخَدَمَهُ بِهَا، وَجَعَلَهُ أَصْلًا مُحْكَمًا يَرُدّ إِلَيْهِ مُتَشَابِههَا، فَمَا وَافَقَهُ مِنْهَا قَبِلَهُ، وَمَا خَالَفَهُ تَكَلَّفَ لَهُ وُجُوهًا بِالرَّدِّ غَيْر الْجَمِيل، فَمَا أَتْعَبَهُ مِنْ شَقِيّ، وَمَا أَقَلّ فَائِدَته! وَمِمَّا يُفْسِد قَوْل الْمُحَدِّدِينَ بِقُلَّتَيْنِ أَنَّ النَّبِيّ نَهَى عَنْ الْبَوْل فِي الْمَاء الدَّائِم ثُمَّ يَغْتَسِل الْبَائِل فِيهِ بَعْد الْبَوْل. هَكَذَا لَفْظ الصَّحِيحَيْنِ: " لَا يَبُولَنَّ أَحَدكُمْ فِي الْمَاء الدَّائِم الَّذِي لَا يَجْرِي ثُمَّ يَغْتَسِل فِيهِ " وَأُنْتَمَ تُجَوِّزُونَ أَنْ يَغْتَسِل فِي مَاء دَائِم قَدْر الْقُلَّتَيْنِ بَعْدَمَا بَالَ فِيهِ. وَهَذَا خِلَاف صَرِيح لِلْحَدِيثِ! فَإِنْ مَنَعْتُمْ الْغُسْل فِيهِ نَقَضْتُمْ أَصْلكُمْ، وَإِنْ جَوَّزْتُمُوهُ خَالَفْتُمْ الْحَدِيث. فَإِنْ جَوَّزْتُمْ الْبَوْل وَالْغُسْل خَالَفْتُمْ الْحَدِيث مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا. وَلَا يُقَال: فَهَذَا بِعَيْنِهِ وَارِد عَلَيْكُمْ، لِأَنَّهُ إِذَا بَالَ فِي الْمَاء الْيَسِير وَلَمْ يَتَغَيَّر جَوَّزْتُمْ لَهُ الْغُسْل فِيهِ، لِأَنَّا لَمْ نُعَلِّل النَّهْي بِالتَّنْجِيسِ، وَإِنَّمَا عَلَّلْنَاهُ بِإِفْضَائِهِ إِلَى التَّنْجِيس، كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَا يَرِد عَلَيْنَا هَذَا. وَأَمَّا إِذَا كَانَ الْمَاء كَثِيرًا فَبَالَ فِي نَاحِيَة ثُمَّ اِغْتَسَلَ فِي نَاحِيَة أُخْرَى لَمْ يَصِل إِلَيْهَا الْبَوْل، فَلَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث، لِأَنَّهُ لَمْ يَغْتَسِل فِي الْمَاء الَّذِي بَالَ فِيهِ، وَإِلَّا لَزِمَ إِذَا بَالَ فِي نَاحِيَة مِنْ الْبَحْر أَنْ لَا يَغْتَسِل فِيهِ أَبَدًا، وَهُوَ فَاسِد. وَأَيْضًا فَالنَّبِيّ ﷺ نَهَى عَنْ الْغُسْل فِيهِ بَعْد الْبَوْل، لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ إِصَابَة الْبَوْل لَهُ. وَنَظِير هَذَا نَهْيه أَنْ يَبُول الرَّجُل فِي مُسْتَحَمّه. وَذَلِكَ لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ تَطَايُر رَشَاش الْمَاء الَّذِي يُصِيب الْبَوْل، فَيَقَع فِي الْوَسْوَاس، كَمَا فِي الْحَدِيث " فَإِنَّ عَامَّة الْوَسْوَاس مِنْهُ " حَتَّى لَوْ كَانَ الْمَكَان مُبَلَّطًا لَا يَسْتَقِرّ فِيهِ الْبَوْل، بَلْ يَذْهَب مَعَ الْمَاء لَمْ يُكْرَه ذَلِكَ عِنْد جُمْهُور الْفُقَهَاء. وَنَظِير هَذَا مَنْع الْبَائِل أَنْ يَسْتَجْمِر أَوْ يَسْتَنْجِي مَوْضِع بَوْله، لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ مِنْ التَّلَوُّث بِالْبَوْلِ. وَلَمْ يُرِدْ النَّبِيّ ﷺ بِنَهْيِهِ الْإِخْبَار عَنْ نَجَاسَة الْمَاء الدَّائِم بِالْبَوْلِ، فَلَا يَجُوز تَعْلِيل كَلَامه بِعِلَّةٍ عَامَّة تَتَنَاوَل مَا لَمْ يَنْهَ عَنْهُ. وَاَلَّذِي يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ: أَنَّهُ قِيلَ لَهُ فِي بِئْر بُضَاعَةَ " أَنَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَهِيَ بِئْر يُطْرَح فِيهَا الْحَيْض وَلُحُوم الْكِلَاب وَعُذْر النَّاس؟ " فَقَالَ: " الْمَاء طَهُور لَا يُنَجِّسهُ شَيْء ". فَهَذَا نَصّ صَحِيح صَرِيح عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَنْجُس بِمُلَاقَاةِ النَّجَاسَة، مَعَ كَوْنه وَاقِفًا، فَإِنَّ بِئْر بُضَاعَةَ كَانَتْ وَاقِفَة، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْده بِالْمَدِينَةِ مَاء جَارٍ أَصْلًا. فَلَا يَجُوز تَحْرِيم مَا أَبَاحَهُ وَفَعَلَهُ، قِيَاسًا عَلَى مَا نَهَى عَنْهُ، وَيُعَارَض أَحَدهمَا بِالْآخَرِ، بَلْ يُسْتَعْمَل هَذَا وَهَذَا، هَذَا فِي مَوْضِعه، وَهَذَا فِي مَوْضِعه، وَلَا تُضْرَب سَنَة رَسُول الله ﷺ بَعْضهَا بِبَعْضٍ. فَوُضُوءُهُ مِنْ بِئْر بُضَاعَةَ وَحَالهَا مَا ذَكَرُوهُ لَهُ دَلِيل عَلَى أَنَّ الْمَاء لَا يَتَنَجَّس بِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ، مَا لَمْ يَتَغَيَّر. وَنَهْيه عَنْ الْغُسْل فِي الْمَاء الدَّائِم بَعْد الْبَوْل فِيهِ، لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ إِفْضَائِهِ إِلَى تَلَوُّثه بِالْبَوْلِ، كَمَا ذَكَرْنَا عَنْهُ التَّعْلِيل بِنَظِيرِهِ، فَاسْتَعْمَلْنَا السُّنَن عَلَى وُجُوههَا. وَهَذَا أَوْلَى مِنْ حَمْل حَدِيث بِئْر بُضَاعَةَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ أَكْثَر مِنْ قُلَّتَيْنِ، لِأَنَّ النَّبِيّ ﷺ لَمْ يُعَلِّل بِذَلِكَ، وَلَا أَشَارَ إِلَيْهِ، وَلَا دَلَّ كَلَامه عَلَيْهِ بِوَجْهٍ. وَإِنَّمَا عَلَّلَ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاء، وَهَذِهِ عِلَّة مُطَّرِدَة فِي كُلّ مَاء. قَلَّ أَوْ كَثُرَ، وَلَا يَرِد الْمُتَغَيِّر، لِأَنَّ طَهُور النَّجَاسَة فِيهِ يَدُلّ عَلَى تَنَجُّسه بِهَا، فَلَا يَدْخُل فِي الْحَدِيث، عَلَى أَنَّهُ مَحَلّ وِفَاق فَلَا يُنَاقَص بِهِ. وَأَيْضًا: فَلَوْ أَرَادَ ﷺ النَّهْي عَنْ اِسْتِعْمَال الْمَاء الدَّائِم الْيَسِير إِذَا وَقَعَتْ فِيهِ أَيّ نَجَاسَة كَانَتْ لَأَتَى بِلَفْظٍ يَدُلّ عَلَيْهِ. وَنَهْيه عَنْ الْغُسْل فِيهِ بَعْد الْبَوْل لَا يَدُلّ عَلَى مِقْدَار وَلَا تَنْجِيس، فَلَا يُحَمَّل مَا لَا يَحْتَمِلهُ. ثُمَّ إِنَّ كُلّ مَنْ قَدَّرَ الْمَاء الْمُتَنَجِّس بِقَدْرٍ خَالَفَ ظَاهِر الْحَدِيث. فَأَصْحَاب الْحَرَكَة خَالَفُوهُ، بِأَنْ قَدَّرُوهُ بِمَا لَا يَتَحَرَّك طَرَفَاهُ، وَأَصْحَاب النَّزْح خَصُّوهُ بِمَا لَا يُمْكِن نَزْحه، وَأَصْحَاب الْقُلَّتَيْنِ خَصُّوهُ بِمِقْدَارِ الْقُلَّتَيْنِ. وَأَسْعَد النَّاس بِالْحَدِيثِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِره وَلَمْ يَخُصّهُ وَلَمْ يُقَيِّدهُ، بَلْ إِنْ كَانَ تَوَاتُر الْأَبْوَال فِيهِ يُفْضِي إِلَى إِفْسَاده مَنَعَ مِنْ جَوَازهَا، وَإِلَّا مَنَعَ مِنْ اِغْتِسَاله فِي مَوْضِع بَوْله كَالْبَحْرِ، وَلَمْ يَمْنَع مِنْ بَوْله فِي مَكَان وَاغْتِسَاله فِي غَيْره. وَكُلّ مَنْ اِسْتَدَلَّ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيث عَلَى نَجَاسَة الْمَاء الدَّائِم لِوُقُوعِ النَّجَاسَة فِيهِ فَقَدْ تَرَكَ مِنْ ظَاهِر الْحَدِيث مَا هُوَ أَبْيَن دَلَالَة مِمَّا قَالَ بِهِ، وَقَالَ بِشَيْءٍ لَا يَدُلّ عَلَيْهِ لَفْظ الْحَدِيث. لِأَنَّهُ إِنْ عَمَّمَ النَّهْي فِي كُلّ مَاء بَطَلَ اِسْتِدْلَاله بِالْحَدِيثِ، وَإِنْ خَصَّهُ بِعُذْرٍ خَالَفَ ظَاهِره، وَقَالَ مَا لَا دَلِيل عَلَيْهِ، وَلَزِمَهُ أَنْ يُجَوِّز الْبَوْل فِيمَا عَدَا ذَلِكَ الْقَدْر وَهَذَا لَا يَقُولهُ أَحَد. فَظَهَرَ بُطْلَان الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيث عَلَى التَّنْجِيس بِمُجَرَّدِ الْمُلَاقَاة عَلَى كُلّ تَقْدِير. وَأَمَّا مَنْ قَدَّرَ. بِالْحَرَكَةِ، فَيَدُلّ عَلَى بُطْلَان قَوْله: أَنَّ الْحَرَكَة مُخْتَلِفَة اِخْتِلَافًا لَا يَنْضَبِط، وَالْبَوْل قَدْ يَكُون قَلِيلًا وَقَدْ يَكُون كَثِيرًا، وَوُصُول النَّجَاسَة إِلَى الْمَاء أَمْر حِسِّيّ، وَلَيْسَ تَقْدِيره بِحَرَكَةِ الطَّهَارَة الصُّغْرَى أَوْ الْكُبْرَى أَوْلَى مِنْ سَائِر أَنْوَاع الْحَرَكَات، فَيَا لَلَّهِ لِلْعَجَبِ! حَرَكَة الطَّهَارَة مِيزَان وَمِعْيَار عَلَى وُصُول النَّجَاسَة وَسَرَيَانهَا، مَعَ شِدَّة اِخْتِلَافهَا؟ وَنَحْنُ نَعْلَم بِالضَّرُورَةِ أَنَّ حَرَكَة الْمُغْتَسِل تَصِل إِلَى مَوْضِعٍ لَا تَصِل إِلَيْهِ الْقَطْرَة مِنْ الْبَوْل، وَنَعْلَم أَنَّ الْبَوْلَة الْكَبِيرَة تَصِل إِلَى مَكَان لَا تَصِل إِلَيْهِ الْحَرَكَة الضَّعِيفَة، وَمَا كَانَ هَكَذَا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُجْعَل حَدًّا فَاصِلًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام. وَالَّذِينَ قَدَّرُوهُ بِالنَّزْحِ أَيْضًا قَوْلهمْ بَاطِل، فَإِنَّ الْعَسْكَر الْعَظِيم يُمْكِنهُمْ نَزْح مَا لَا يُمْكِن الْجَمَاعَة الْقَلِيلَة نَزْحه. وَأَمَّا حَدِيث " وُلُوغ الْكَلْب " فَقَالُوا: لَا يُمْكِنكُمْ أَنْ تَحْتَجُّوا بِهِ عَلَيْنَا، فَإِنَّهُ مَا مِنْكُمْ إِلَّا مَنْ خَالَفَهُ أَوْ قَيَّدَهُ أَوْ خَصَّصَهُ فَخَالَفَ ظَاهِره، فَإِنْ اِحْتَجَّ بِهِ عَلَيْنَا مَنْ لَا يُوجِب التَّسْبِيع وَلَا التُّرَاب، كَانَ اِحْتِجَاجه بَاطِلًا. فَإِنَّ الْحَدِيث إِنْ كَانَ حُجَّة لَهُ فِي التَّنْجِيس بِالْمُلَاقَاةِ، فَهُوَ حُجَّة عَلَيْهِ فِي الْعَدَد وَالتُّرَاب. فَأَمَّا أَنْ يَكُون حُجَّة لَهُ فِيمَا وَافَقَ مَذْهَبه، وَلَا يَكُون حُجَّة عَلَيْهِ فِيمَا خَالَفَهُ فَكَلَّا. ثُمَّ هُمْ يَخُصُّونَهُ بِالْمَاءِ الَّذِي لَا تَبْلُغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ، وَأَيْنَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى هَذَا التَّخْصِيص؟ ثُمَّ يَظْهَر تَنَاقُضهمْ مِنْ وَجْه آخَر: وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْمَاء رَقِيقًا جِدًّا، وَهُوَ مُنْبَسِط اِنْبِسَاطًا لَا تَبْلُغهُ الْحَرَكَة: أَنْ يَكُون طَاهِرًا وَلَا يُؤَثِّر الْوُلُوغ فِيهِ، وَإِذَا كَانَ عَمِيقًا جِدًّا وَهُوَ مُتَضَايِق، بِحَيْثُ تَبْلُغ الْحَرَكَة طَرَفَيْهِ: أَنْ يَكُون نَجِسًا، وَلَوْ كَانَ أَضْعَاف أَضْعَاف الْأَوَّل. وَهَذَا تَنَاقُض بَيِّن لَا مَحِيد عَنْهُ. قَالُوا: وَإِنْ اِحْتَجَّ بِهِ مَنْ يَقُول بِالْقُلَّتَيْنِ فَإِنَّهُ يُخَصِّصهُ بِمَا دُون الْقُلَّتَيْنِ، وَيَحْمِل الْأَمْر بِغَسْلِهِ وَإِرَاقَته عَلَى هَذَا الْمِقْدَار، وَمَعْلُوم أَنَّهُ لَيْسَ فِي اللَّفْظ مَا يُشْعِر بِهَذَا بِوَجْهٍ وَلَا يَدُلّ عَلَيْهِ بِوَاحِدَةٍ مِنْ الدَّلَالَات الثَّلَاث. وَإِذَا كَانَ لَا بُدّ لَهُمْ مِنْ تَقْيِيد الْحَدِيث وَتَخْصِيصه وَمُخَالَفَة ظَاهِره، كَانَ أَسْعَد النَّاس بِهِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْوُلُوغ الْمُعْتَاد فِي الْآنِيَة الْمُعْتَادَة الَّتِي يُمْكِن إِرَاقَتهَا، وَهُوَ وُلُوغ مُتَتَابِع فِي آنِيَة صِغَار. يَتَحَلَّل مِنْ فَم الْكَلْب فِي كُلّ مَرَّة رِيق وَلُعَاب نَجِس يُخَالِط الْمَاء، وَلَا يُخَالِف لَوْنَهُ لَوْنه، فَيَظْهَر فِيهِ التَّغَيُّر، فَتَكُون أَعْيَان النَّجَاسَة قَائِمَة بِالْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تُرَ، فَأَمَرَ بِإِرَاقَتِهِ وَغَسْل الْإِنَاء. فَهَذَا الْمَعْنَى أَقْرَب إِلَى الْحَدِيث وَأَلْصَق بِهِ، وَلَيْسَ فِي حَمْله عَلَيْهِ مَا يُخَالِف ظَاهِره. بَلْ الظَّاهِر أَنَّهُ إِنَّمَا أَرَادَ الْآنِيَة الْمُعْتَادَة الَّتِي تُتَّخَذ لِلِاسْتِعْمَالِ فَيَلَغ فِيهَا الْكِلَاب، فَإِنْ كَانَ حَمْله عَلَى هَذَا مُوَافَقَة لِلظَّاهِرِ فَهُوَ الْمَقْصُود، وَإِنْ كَانَ مُخَالَفَة لِلظَّاهِرِ، فَلَا رَيْب أَنَّهُ أَقَلّ مُخَالَفَة مِنْ حَمْله عَلَى الْأَقْوَال الْمُتَقَدِّمَة. فَيَكُون أَوْلَى عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ. قَالُوا: وَأَمَّا حَدِيث النَّهْي عَنْ غَمْس الْيَد فِي الْإِنَاء عِنْد الْقِيَام مِنْ نَوْمه، فَالِاسْتِدْلَال بِهِ أَضْعَف مِنْ هَذَا كُلّه، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث مَا يَدُلّ عَلَى نَجَاسَة الْمَاء. وَجُمْهُور الْأُمَّة عَلَى طَهَارَته، وَالْقَوْل بِنَجَاسَتِهِ مِنْ أَشَذِّ الشَّاذِّ، وَكَذَا الْقَوْل بِصَيْرُورَتِهِ مُسْتَعْمَلًا ضَعِيف أَيْضًا، وَإِنْ كَانَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ، وَاخْتِيَار الْقَاضِي وَأَتْبَاعه، وَاخْتِيَار أَبِي بَكْر وَأَصْحَاب أَحْمَدَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيث دَلِيل عَلَى فَسَاد الْمَاء. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ النَّهْي عَنْ الْبَوْل فِيهِ لَا يَدُلّ عَلَى فَسَاده بِمُجَرَّدِ الْبَوْل، فَكَيْف بِغَمْسِ الْيَد فِيهِ بَعْد الْقِيَام مِنْ النَّوْم؟ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي النَّهْي عَنْهُ، فَقِيلَ: تَعَبُّدِيّ، وَيَرُدّ هَذَا الْقَوْل: أَنَّهُ مُعَلَّل فِي الْحَدِيث بِقَوْلِهِ: " فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده؟ ". وَقِيلَ: مُعَلَّل بِاحْتِمَالِ النَّجَاسَة، كَثْرَة فِي يَدَيْهِ، أَوْ مُبَاشَرَة الْيَد لِمَحَلِّ الِاسْتِجْمَار. وَهُوَ ضَعِيف أَيْضًا. لِأَنَّ النَّهْي عَامّ لِلْمُسْتَنْجِي وَالْمُسْتَجْمِر، وَالصَّحِيح وَصَاحِب الْبَثَرَات. فَيَلْزَمكُمْ أَنْ تَخُصُّوا النَّهْي بِالْمُسْتَجْمِرِ، وَصَاحِب الْبُثُور! وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَد. وَقِيلَ وَهُوَ الصَّحِيح أَنَّهُ مُعَلَّل بِخَشْيَةِ مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى يَده، أَوْ مَبِيتهَا عَلَيْهِ. وَهَذِهِ الْعِلَّة نَظِير تَعْلِيل صَاحِب الشَّرْع الِاسْتِنْشَاق بِمَبِيتِ الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم فَإِنَّهُ قَالَ: " إِذَا اِسْتَيْقَظَ أَحَدكُمْ مِنْ نَوْمه فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاء، فَإِنَّ الشَّيْطَان يَبِيت عَلَى خَيْشُومه " مُتَّفَق عَلَيْهِ. وَقَالَ هُنَا: " فَإِنَّ أَحَدكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَده؟ ". فَعَلَّلَ بِعَدَمِ الدِّرَايَة لِمَحَلِّ الْمَبِيت. وَهَذَا السَّبَب ثَابِت فِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم فَإِنَّ الْيَد إِذَا بَاتَتْ مُلَابِسَة لِلشَّيْطَانِ لَمْ يَدْرِ صَاحِبهَا أَيْنَ بَاتَتْ، وَفِي مَبِيت الشَّيْطَان عَلَى الْخَيْشُوم وَمُلَابَسَته لِلْيَدِ سِرّ، يَعْرِفهُ مَنْ عَرَفَ أَحْكَام الْأَرْوَاح، وَاقْتِرَان الشَّيَاطِين، بِالْمَحَالِّ الَّتِي تُلَابِسهَا، فَإِنَّ الشَّيْطَان خَبِيث يُنَاسِبهُ الْخَبَائِث، فَإِذَا نَامَ الْعَبْد لَمْ يُرَ فِي ظَاهِر جَسَده أَوْسَخ مِنْ خَيْشُومه، فَيَسْتَوْطِنهُ فِي الْمَبِيت، وَأَمَّا مُلَابَسَته لِيَدِهِ فَلِأَنَّهَا أَعَمّ الْجَوَارِح كَسْبًا وَتَصَرُّفًا وَمُبَاشَرَة لِمَا يَأمُر بِهِ الشَّيْطَان مِنْ الْمَعْصِيَة، فَصَاحِبهَا كَثِير التَّصَرُّف وَالْعَمَل بِهَا، وَلِهَذَا سُمِّيَتْ جَارِحَة، لِأَنَّهُ يَجْتَرِح بِهَا، أَيْ: يَكْسِب. وَهَذِهِ الْعِلَّة لَا يَعْرِفهَا أَكْثَر الْفُقَهَاء، وَهِيَ كَمَا تَرَى وُضُوحًا وَبَيَانًا. وَحَسْبك شَهَادَة النَّصّ لَهَا بِالِاعْتِبَارِ. وَالْمَقْصُود أَنَّهُ لَا دَلِيل لَكُمْ فِي الْحَدِيث بِوَجْهٍ مَا، وَاللهُ أَعْلَم. وَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذَا جَوَاب الْمَقَامَيْنِ: الثَّانِي وَالثَّالِث. فَلْنَرْجِعْ إِلَى الْجَوَاب عَنْ تَمَام الْوُجُوه الْخَمْسَة عَشَر، فَنَقُول: وَأَمَّا تَقْدِيمكُمْ لِلْمَفْهُومِ مِنْ حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ عَلَى الْقِيَاس الْجَلِيّ، فَمِمَّا يُخَالِفكُمْ فِيهِ كَثِير مِنْ الْفُقَهَاء وَالْأُصُولِيِّينَ، وَيَقُولُونَ: الْقِيَاس الْجَلِيّ مُقَدَّم عَلَيْهِ، وَإِذَا كَانُوا يُقَدِّمُونَ الْقِيَاس عَلَى الْعُمُوم الَّذِي هُوَ حُجَّة الِاتِّفَاق، فَلَأَنْ يُقَدَّم عَلَى الْمَفْهُوم الْمُخْتَلَف فِي الِاحْتِجَاج بِهِ أَوْلَى. ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا تَقْدِيم الْمَفْهُوم عَلَى الْقِيَاس فِي صُورَة مَا، فَتَقْدِيم الْقِيَاس هَاهُنَا مُتَعَيِّن، لِقُوَّتِهِ، وَلِتَأَيُّدِهِ بِالْعُمُومَاتِ، وَلِسَلَامَتِهِ مِنْ التَّنَاقُض الْمُلَازِم لِمَنْ قَدَّمَ الْمَفْهُوم، كَمَا سَنَذْكُرُهُ، وَلِمُوَافَقَتِهِ لِأَدِلَّةِ الشَّرْع الدَّالَّة عَلَى عَدَم التَّحْدِيد بِالْقُلَّتَيْنِ. فَالْمَصِير إِلَيْهِ أَوْلَى، وَلَوْ كَانَ وَحْده، فَكَيْف بِمَا مَعَهُ مِنْ الْأَدِلَّة؟ وَهَلْ يُعَارِض مَفْهُوم وَاحِد لِهَذِهِ الْأَدِلَّة مِنْ الْكِتَاب، وَالسُّنَّة، وَالْقِيَاس الْجَلِيّ، وَاسْتِصْحَاب الْحَال، وَعَمَل أَكْثَر الْأُمَّة مَعَ اِضْطِرَاب أَصْل مَنْطُوقه، وَعَدَم بَرَاءَته مِنْ الْعِلَّة وَالشُّذُوذ؟ قَالُوا: وَأَمَّا دَعْوَاكُمْ أَنَّ الْمَفْهُوم عَامّ فِي جَمِيع الصُّوَر الْمَسْكُوت عَنْهَا، فَدَعْوَى لَا دَلِيل عَلَيْهَا فَإِنَّ الِاحْتِجَاج بِالْمَفْهُومِ يَرْجِع إِلَى حَرْفَيْنِ: التَّخْصِيص، وَالتَّعْلِيل، كَمَا تَقَدَّمَ. وَمَعْلُوم أَنَّهُ إِذَا ظَهَرَ لِلتَّخْصِيصِ فَائِدَة بِدُونِ الْعُمُوم بَقِيَتْ دَعْوَى الْعُمُوم بَاطِلَة، لِأَنَّهَا دَعْوَى مُجَرَّدَة، وَلَا لَفْظ مَعَنَا يَدُلّ عَلَيْهَا. وَإِذَا عُلِمَ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَم مِنْ اِنْتِفَاء حُكْم الْمَنْطُوق اِنْتِفَاؤُهُ عَنْ كُلّ فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْمَسْكُوت، لِجَوَازِ أَنْ يَكُون فِيهِ تَفْصِيل فَيَنْتَفِي عَنْ بَعْضهَا وَيَثْبُت لِبَعْضِهَا، وَيَجُوز أَنْ يَكُون ثَابِتًا لِجَمِيعِهَا بِشَرْطٍ لَيْسَ فِي الْمَنْطُوق، فَتَكُون فَائِدَة التَّخْصِيص بِهِ لِدَلَالَتِهِ عَلَى ثُبُوت الْحُكْم لَهُ مُطْلَقًا، وَثُبُوته لِلْمَفْهُومِ بِشَرْطٍ. فَيَكُون الْمَنْفِيّ عَنْهُ الثُّبُوت الْمُطْلَق، لَا مُطْلَق الْمَثْبُوت. فَمِنْ أَيْنَ جَاءَ الْعُمُوم لِلْمَفْهُومِ، وَهُوَ مِنْ عَوَارِض الْأَلْفَاظ؟ وَعَلَى هَذَا عَامَّة الْمَفْهُومَات. فَقَوْله تَعَالَى ﴿لَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ لَا يَدُلّ الْمَفْهُوم عَلَى أَنَّ بِمُجَرَّدِ نِكَاحهَا الزَّوْج الثَّانِي تَحِلّ لَهُ. وَكَذَا قَوْله: ﴿فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا﴾: لَا يَدُلّ عَلَى عَدَم الْكِتَابَة عِنْد عَدَم هَذَا الشَّرْط مُطْلَقًا. وَكَذَا قَوْله: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ﴾. وَنَظَائِره أَكْثَر مِنْ أَنْ تُحْصَى. وَكَذَلِكَ إِنْ سَلَكَتْ طَرِيقَة التَّعْلِيل لَمْ يَلْزَم الْعُمُوم أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَلْزَم مِنْ اِنْتِفَاء الْعِلَّة اِنْتِفَاء مَعْلُولهَا، وَلَا يَلْزَم اِنْتِفَاء الْحُكْم مُطْلَقًا، لِجَوَازِ ثُبُوته بِوَصْفٍ آخَر. وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَمَنْطُوق حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ لَا نُنَازِعكُمْ فِيهِ، وَمَفْهُومه لَا عُمُوم لَهُ. فَبَطَل الِاحْتِجَاج بِهِ مَنْطُوقًا وَمَفْهُومًا. وَأَمَّا قَوْلكُمْ: إِنَّ الْعَدَد خَرَجَ مَخْرَج التَّحْدِيد وَالتَّقْيِيد - كَنُصُبِ الزَّكَوَات - فَهَذَا بَاطِل مِنْ وُجُوه: أَحَدهَا: أَنَّهُ لَوْ كَانَ هَذَا مِقْدَارًا فَاصِلًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام، وَالطَّاهِر وَالنَّجِس، لَوَجَبَ عَلَى النَّبِيّ ﷺ بَيَانه بَيَانًا عَامًّا مُتَتَابِعًا تَعْرِفهُ الْأُمَّة، كَمَا بَيَّنَ نُصُب الزَّكَوَات، وَعَدَد الْجَلْد فِي الْحُدُود، وَمِقْدَار مَا يَسْتَحِقّهُ الْوَارِث، فَإِنَّ هَذَا أَمْر يَعُمّ الِابْتِلَاء بِهِ كُلّ الْأُمَّة، فَكَيْف لَا يُبَيِّنهُ، حَتَّى يَتَّفِق سُؤَال سَائِل لَهُ عَنْ قَضِيَّة جُزْئِيَّة فَيُجِيبهُ بِهَذَا، وَيَكُون ذَلِكَ حَدًّا عَامًّا لِلْأُمَّةِ كُلّهَا لَا يَسَع أَحَدًا جَهْله، وَلَا تَتَنَاقَلهُ الْأُمَّة، وَلَا يَكُون شَائِعًا بَيْنهمْ، بَلْ يُحَالُونَ فِيهِ عَلَى مَفْهُوم ضَعِيف، شَأنه مَا ذَكَرْنَاهُ، قَدْ خَالَفَتْهُ الْعُمُومَاتُ وَالْأَدِلَّة الْكَثِيرَة، وَلَا يَعْرِفهُ أَهْل بَلْدَته، وَلَا أَحَد مِنْهُمْ يَذْهَب إِلَيْهِ؟ الثَّانِي: أَنَّ الله قَالَ: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ﴾ وَقَالَ: ﴿وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ﴾ فَلَوْ كَانَ الْمَاء الَّذِي لَمْ يَتَغَيَّر بِالنَّجَاسَةِ: مِنْهُ مَا هُوَ حَلَال وَمِنْهُ مَا هُوَ حَرَام، لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَدِيث بَيَان لِلْأُمَّةِ مَا يَتَّقُونَ، وَلَا كَانَ قَدْ فَصَّلَ لَهُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْهِمْ. فَإِنَّ الْمَنْطُوق مِنْ حَدِيث الْقُلَّتَيْنِ لَا دَلِيل فِيهِ، وَالْمَسْكُوت عَنْهُ كَثِير مِنْ أَهْل الْعِلْم يَقُولُونَ لَا يَدُلّ عَلَى شَيْء، فَلَمْ يَحْصُل لَهُمْ بَيَان، وَلَا فَصْل الْحَلَال مِنْ الْحَرَام. وَالْآخَرُونَ يَقُولُونَ: لَا بُدّ مِنْ مُخَالَفَة الْمَسْكُوت لِلْمَنْطُوقِ، وَمَعْلُوم أَنَّ مُطْلَق الْمُخَالَفَة لَا يَسْتَلْزِم الْمُخَالَفَة الْمُطْلَقَة الثَّابِتَة لِكُلِّ فَرْد مِنْ أَفْرَاد الْمَسْكُوت عَنْهُ، فَكَيْف يَكُون هَذَا حَدًّا فَاصِلًا؟ فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَنْطُوق وَلَا فِي الْمَسْكُوت عَنْهُ فَصْل وَلَا حَدٌّ. الثَّالِث: أَنَّ الْقَائِلِينَ بِالْمَفْهُومِ إِنَّمَا قَالُوا بِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ سَبَب اِقْتَضَى التَّخْصِيص بِالْمَنْطُوقِ، فَلَوْ ظَهَرَ سَبَب يَقْتَضِي التَّخْصِيص بِهِ لَمْ يَكُنْ الْمَفْهُوم مُعْتَبَرًا، كَقَوْلِهِ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ﴾: فَذَكَرَ هَذَا الْقَيْد لِحَاجَةِ الْمُخَاطَبِينَ إِلَيْهِ، إِذْ هُوَ الْحَامِل لَهُمْ عَلَى قَتْلهمْ، لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْم بِهِ. وَنَظِيره ﴿لَا تَأكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً﴾ وَنَظَائِره كَثِيرَة. وَعَلَى هَذَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُون ذِكْر الْقُلَّتَيْنِ وَقَعَ فِي الْجَوَاب لِحَاجَةِ السَّائِل إِلَى ذَلِكَ، وَلَا يُمْكِن الْجَزْم بِدَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَال. نَعَمْ لَوْ أَنَّ النَّبِيّ ﷺ قَالَ هَذَا اللَّفْظ اِبْتِدَاء مِنْ غَيْر سُؤَال لَانْدَفَعَ هَذَا الِاحْتِمَال. الرَّابِع: أَنَّ حَاجَة الْأُمَّة - حَضَرهَا وَبَدْوهَا، عَلَى اِخْتِلَاف أَصْنَافهَا - إِلَى مَعْرِفَة الْفَرْق بَيْن الطَّاهِر وَالنَّجِس ضَرُورِيَّة، فَكَيْف يُحَالُونَ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا لَا سَبِيل لِأَكْثَرِهِمْ إِلَى مَعْرِفَته؟ فَإِنَّ النَّاس لَا يَكْتَالُونَ الْمَاء، وَلَا يَكَادُونَ يَعْرِفُونَ مِقْدَار الْقُلَّتَيْنِ: لَا طُولهمَا، وَلَا عَرْضهمَا، وَلَا عُمْقهمَا! فَإِذَا وَقَعَتْ فِي الْمَاء نَجَاسَة فَمَا يُدْرِيه أَنَّهُ قُلَّتَانِ؟ وَهَلْ تَكْلِيف ذَلِكَ إِلَّا مِنْ بَاب عِلْم الْغَيْب، وَتَكْلِيف مَا لَا يُطَاق؟ فَإِنْ قِيلَ: يَسْتَظْهِر حَتَّى يَغْلِب عَلَى ظَنّه أَنَّهُ قُلَّتَانِ: قِيلَ: لَيْسَ هَذَا شَأن الْحُدُود الشَّرْعِيَّة، فَإِنَّهَا مَضْبُوطَة لَا يُزَاد عَلَيْهَا وَلَا يُنْقَص مِنْهَا، كَعَدَدِ الْجَلَدَات، وَنُصُب الزَّكَوَات، وَعَدَد الرَّكَعَات، وَسَائِر الْحُدُود الشَّرْعِيَّة. الْخَامِس: أَنَّ خَوَاصّ الْعُلَمَاء إِلَى الْيَوْم لَمْ يَسْتَقِرّ لَهُمْ قَدَم عَلَى قَوْل وَاحِد فِي الْقُلَّتَيْنِ، فَمِنْ قَائِل: أَلْف رِطْل بِالْعِرَاقِيِّ، وَمِنْ قَائِل: سِتّمِائَةِ رِطْل، وَمِنْ قَائِل: خَمْسمِائَةِ، وَمِنْ قَائِل: أَرْبَعمِائَةِ. وَأَعْجَب مِنْ هَذَا: جَعْل هَذَا الْمِقْدَار تَحْدِيدًا! فَإِذَا كَانَ الْعُلَمَاء قَدْ أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ قَدْر الْقُلَّتَيْنِ، وَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالهمْ فِي ذَلِكَ، فَمَا الظَّنّ بِسَائِرِ الْأُمَّة؟ وَمَعْلُوم أَنَّ الْحُدُود الشَّرْعِيَّة لَا يَكُون هَذَا شَأنهَا. السَّادِس: أَنَّ الْمُحَدِّدِينَ يَلْزَمهُمْ لَوَازِم بَاطِلَة شَنِيعَة جِدًّا. مِنْهَا: أَنْ يَكُون مَاء وَاحِد إِذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْب تَنَجَّسَ! وَإِذَا بَالَ فِيهِ لَمْ يُنَجِّسهُ وَمِنْهَا: أَنَّ الشَّعْرَة مِنْ الْمَيْتَة إِذَا كَانَتْ نَجِسَة فَوَقَعَتْ فِي قُلَّتَيْنِ إِلَّا رِطْلًا مَثَلًا أَنْ يَنْجُس الْمَاء، وَلَوْ وَقَعَ رِطْل بَوْل فِي قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسهُ! وَمَعْلُوم أَنَّ تَأَثُّر الْمَاء بِهَذِهِ النَّجَاسَة أَضْعَاف تَأَثُّره بِالشَّعْرَةِ، فَمُحَال أَنْ يَجِيء شَرْع بِتَنَجُّسِ الْأَوَّل وَطَهَارَة الثَّانِي. وَكَذَلِكَ مَيْتَة كَامِلَة تَقَع فِي قُلَّتَيْنِ لَا تُنَجِّسهَا، وَشَعْرَة مِنْهَا تَقَع فِي قُلَّتَيْنِ إِلَّا نِصْف رِطْل أَوْ رِطْلًا فَتُنَجِّسهَا! إِلَى غَيْر ذَلِكَ مِنْ اللَّوَازِم الَّتِي يَدُلّ بُطْلَانهَا عَلَى بُطْلَان مَلْزُومَاتهَا: وَأَمَّا جَعْلكُمْ الشَّيْء نِصْفًا فَفِي غَايَة الضَّعْف، فَإِنَّهُ شَكّ مِنْ اِبْنِ جُرَيْجٍ. فَيَا سُبْحَان الله! يَكُون شَكّه حَدًّا لَازِمًا لِلْأُمَّةِ، فَاصِلًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام، وَالنَّبِيّ ﷺ قَدْ بَيَّنَ لِأُمَّتِهِ الدِّين، وَتَرَكَهُمْ عَلَى الْمَحَجَّة الْبَيْضَاء لَيْلهَا كَنَهَارِهَا، فَيَمْتَنِع أَنْ يُقَدِّر لِأُمَّتِهِ حَدًّا لَا سَبِيل لَهُمْ إِلَى مَعْرِفَة إِلَّا شَكّ حَادِث بَعْد عَصْر الصَّحَابَة، يَجْعَل نِصْفًا اِحْتِيَاطِيًّا؟ وَهَذَا بَيِّن لِمَنْ أَنْصَفَ. وَالشَّكّ الْجَارِي الْوَاقِع مِنْ الْأُمَّة فِي طَهُورهمْ وَصَلَاتهمْ قَدْ بَيَّنَ لَهُمْ حُكْمه لِيَنْدَفِع عَنْهُمْ بِالْيَقِينِ، فَكَيْف يُجْعَل شَكَّهُمْ حَدًّا فَاصِلًا فَارِقًا بَيْن الْحَلَال وَالْحَرَام؟ ثُمَّ جَعْلكُمْ هَذَا اِحْتِيَاطًا: بَاطِل، لِأَنَّ الِاحْتِيَاط يَكُون فِي الْأَعْمَال الَّتِي يُتْرَك لِتَكَلُّفِ مِنْهَا عَمَلًا لِآخَر اِحْتِيَاطًا، وَأَمَّا الْأَحْكَام الشَّرْعِيَّة وَالْإِخْبَار عَنْ الله وَرَسُوله فَطَرِيق الِاحْتِيَاط فِيهَا أَنْ لَا يُخْبِر عَنْهُ إِلَّا بِمَا أَخْبَرَ بِهِ، وَلَا يُثْبِت إِلَّا مَا أَثْبَتَهُ. ثُمَّ إِنَّ الِاحْتِيَاط هُوَ فِي تَرْك هَذَا الِاحْتِيَاط، فَإِنَّ الرَّجُل تَحْضُرهُ الصَّلَاة وَعِنْده قُلَّة مَاء قَدْ وَقَعَتْ فِيهَا شَعْرَة مَيْتَة، فَتَرْكه الْوُضُوء مِنْهُ مُنَافٍ لِلِاحْتِيَاطِ. فَهَلَّا أَخَذْتُمْ بِهَذَا الْأَصْل هُنَا، وَقُلْتُمْ: مَا ثَبَتَ تَنْجِيسه بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيّ نَجَّسْنَاهُ، وَمَا شَكَكْنَا فِيهِ رَدَدْنَاهُ إِلَى أَصْل الطَّهَارَة؟ لِأَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ طَاهِرًا قَطْعًا وَقَدْ شَكَكْنَا: هَلْ حَكَمَ رَسُول الله ﷺ بِتَنْجِيسِهِ أَمْ لَا؟ فَالْأَصْل الطَّهَارَة. وَأَيْضًا: فَأَنْتُمْ لَا تُبِيحُونَ لِمَنْ شَكَّ فِي نَجَاسَة الْمَاء أَنْ يَعْدِل إِلَى التَّيَمُّم، بَلْ تُوجِبُونَ عَلَيْهِ الْوُضُوء. فَكَيْف تُحَرِّمُونَ عَلَيْهِ الْوُضُوء هُنَا بِالشَّكِّ؟ وَأَيْضًا: فَإِنَّكُمْ إِذَا نَجَّسْتُمُوهُ بِالشَّكِّ نَجَّسْتُمْ مَا يُصِيبهُ مِنْ الثِّيَاب وَالْأَبَدَانِ وَالْآنِيَة، وَحَرَّمْتُمْ شُرْبه وَالطَّبْخ بِهِ، وَأَرَقْتُمْ الْأَطْعِمَة الْمُتَّخَذَة مِنْهُ. وَفِي هَذَا تَحْرِيم لِأَنْوَاعِ عَظِيمَة مِنْ الْحَلَال بِمُجَرَّدِ الشَّكّ، وَهَذَا مُنَافٍ لِأُصُولِ الشَّرِيعَة. وَاللهُ أَعْلَم. عون٦٤

стр. 10991

قَال الْبُخَارِيُّ ج١ص٥٦: وَقَالَ الزُّهْرِيُّ: «لَا بَأسَ بِالْمَاءِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَوْ رِيحٌ أَوْ لَوْنٌ» الشَّرْح: (لَا بَأسَ بِالْمَاءِ) أَيْ: لَا حَرَجَ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِي كُلِّ حَالَةٍ فَهُوَ مَحْكُومٌ بِطَهَارَتِهِ مَا لَمْ يُغَيِّرْهُ طَعْمٌ أَيْ مِنْ شَيْءٍ نَجِسٍ أَوْ رِيحٍ مِنْهُ أَوْ لَوْنٍ وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْهُ كُلُّ مَا فِيهِ قُوَّةٌ عَمَّا يُصِيبُهُ مِنَ الْأَذَى حَتَّى لَا يُغَيِّرَ ذَلِكَ طَعْمَهُ وَلَا رِيحَهُ وَلَا لَوْنَهُ فَهُوَ طَاهِرٌ وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إِلَّا بِالْقُوَّةِ الْمَانِعَةِ لِلْمُلَاقِي أَنْ يُغَيِّرَ أَحَدٌ أَوْصَافَهُ فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُ بِالتَّغَيُّرِ وَعَدَمِهِ وَمَذْهَبُ الزُّهْرِيِّ هَذَا صَارَ إِلَيْهِ طَوَائِفُ مِنَ الْعُلَمَاءِ وَقَدْ تَعَقَّبَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ الطَّهُورِ بِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّ مَنْ بَالَ فِي إِبْرِيقٍ وَلَمْ يُغَيِّرْ لِلْمَاءِ وَصْفًا أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّطَهُّرُ بِهِ وَهُوَ مُسْتَبْشَعٌ وَلِهَذَا نَصَرَ قَوْلَ التَّفْرِيقِ بِالْقُلَّتَيْنِ وَإِنَّمَا لَمْ يُخَرِّجْهُ الْبُخَارِيُّ لِاخْتِلَافٍ وَقَعَ فِي إِسْنَادِهِ , لَكِنَّ رُوَاتَهُ ثِقَاتٌ , وَصَحَّحَهُ جَمَاعَةٌ مِنَ الْأَئِمَّةِ. فتح (١/ ٣٤٢) مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: اتَّفَقَ فُقَهَاءُ الْمَذَاهِبِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْكَثِيرَ لا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ. وَيَخْتَلِفُونَ فِي حَدِّ الْكَثْرَةِ، فَيُقَدِّرُهَا الْحَنَفِيَّةُ بِمَا يُوَازِي عَشْرَ أَذْرُعٍ فِي عَشْرٍ دُونَ اعْتِبَارٍ لِلْعُمْقِ مَا دَامَ الْقَاعُ لا يَظْهَرُ بِالاغْتِرَافِ. وَالذِّرَاعُ سَبْعُ قَبَضَاتٍ؛ لأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ عَشْرًا فِي عَشْرٍ فَإِنَّ الْمَاءَ لا يَتَنَجَّسُ بِشَيْءٍ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ أَوْ طَعْمُهُ أَوْ رِيحُهُ، اعْتِبَارًا بِالْمَاءِ الْجَارِي. وَالْقِيَاسُ أَنْ لا تَطْهُرَ، لَكِنْ تُرِكَ الْقِيَاسُ لِلآثَارِ، وَمَسَائِلُ الآبَارِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الآثَارِ (١). وَالْمُفْتَى بِهِ الْقَوْلُ بِالْعَشْرِ وَلَوْ حُكْمًا لِيَعُمَّ مَا لَهُ طُولٌ بِلا عَرْضٍ فِي الأَصَحِّ. وَقِيلَ: الْمُعْتَبَرُ فِي الْقَدْرِ الْكَثِيرِ رَأيُ الْمُبْتَلَى بِهِ، بِنَاءً عَلَى عَدَمِ صِحَّةِ ثُبُوتِ تَقْدِيرٍ شَرْعًا. (٢) وَذَهَبَ الإِمَامُ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى أَنَّ الْحَدَّ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ مِنَ الْكَثْرَةِ بِحَيْثُ إِذَا حَرَّكَهُ آدَمِيٌّ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ لَمْ تَسْرِ الْحَرَكَةُ إِلَى الطَّرَفِ الثَّانِي مِنْهُ، أَمَّا إِذَا سَرَتِ الْحَرَكَةُ فِيهِ فَهُوَ قَلِيلٌ. (٣) وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ لَمْ يَحُدَّ فِي ذَلِكَ حَدًّا وَقَالَ: إِنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُ قَلِيلَ الْمَاءِ وَإِنْ لَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ أَوْصَافِهِ، وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنِ الإِمَامِ مَالِكٍ، وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ هَذَا الْمَاءَ مَكْرُوهٌ. وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ - وَمِنْهُمُ الْمَالِكِيَّةُ، وَأَهْلُ الظَّاهِرِ - إِلَى أَنَّهُ طَاهِرٌ سَوَاءٌ كَانَ قَلِيلا أَوْ كَثِيرًا. (٤) وَيَرَى الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الْكَثِيرَ مَا زَادَ قَدْرُهُ عَنْ آنِيَةِ الْغُسْلِ، وَكَذَا مَا زَادَ عَنْ قَدْرِ آنِيَةِ الْوُضُوءِ، عَلَى الرَّاجِحِ. (٥) وَيَتَّفِقُ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ، عَلَى أَنَّ الْكَثِيرَ مَا بَلَغَ قُلَّتَيْنِ فَأَكْثَرَ (٦) لِحَدِيثِ " إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ لَمْ يُنَجِّسْهُ شَيْءٌ " وَفِي رِوَايَةٍ: " لَمْ يَحْمِلْ الْخَبَثَ ". وَإِنْ نَقَصَ عَنْ الْقُلَّتَيْنِ بِرِطْلٍ أَوْ رِطْلَيْنِ فَهُوَ فِي حُكْمِ الْقُلَّتَيْنِ. (٧) مِقْدَارَ الْقُلَّتَيْنِ لَمْ يَتَّفِقْ عَلَيْهِ وَاعْتَبَرَهُ الشَّافِعِيُّ بِخَمْسِ قِرَبٍ مِنْ قِرَبِ الْحجاز احْتِيَاطًا وخصص بِهِ حَدِيث بن عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا الْمَاءُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ وَهُوَ حَدِيث صَحِيح رَوَاهُ الْأَرْبَعَة وبن خُزَيْمَةَ وَغَيْرُهُمْ. فتح (١/ ٣٤٢)

стр. 10992

حُكْمُ غَيْرِ المُسْلِمِين (هَلْ هُمْ طَاهِرُونَ أَمْ لَا) أَعْيَانُ الْمُشْرِكِين قَالَ تَعَالَى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ , وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ (١) (خ م) , وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: (بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ (٢) فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ يُقَالُ لَهُ: ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ) (٣) (سَيِّدُ أَهْلِ الْيَمَامَةِ) (٤) (فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ (٥) ") (٦) تقدم شرحه فَوائِدُ الْحَدِيث: فيه عدم نجاسة الكافر الجسدية , وإلا لم يربطوه في المسجد. ع وفي هذا: دليل على جواز إدخال المشرك إلى المسجد، لكن بإذن المسلمين. وقد أنزل النبي ﷺ وفد ثقيف في المسجد؛ ليكون أرق لقلوبهم. خرجه أبو داود من رواية الحسن، عن عثمان بن أبي العاص. وروى وكيع، عن سفيان، عن يونس، عن الحسن، قال: إن وفدا قدموا على النبي ﷺ من ثقيف، فدخلوا عليه المسجد، فقيل له: إنهم مشركون؟ قال: ((الأرض لا ينجسها شيء)). وخرجه أبو داود في ((المراسيل)) من رواية أشعث، عن الحسن، أن وفد ثقيف قدموا على رسول الله ﷺ فضرب لهم قبة في مؤخرة المسجد؛ لينظروا صلاة المسلمين، إلى ركوعهم، وسجودهم، فقيل: يا رسول الله، أتنزلهم المسجد وهم مشركون؟ قال: ((أن الأرض لا تنجس، إنما ينجس ابن آدم)). وكذلك سائر وفود العرب ونصارى نجران، كلهم كانوا يدخلون المسجد إلى النبي ﷺ ويجلسون فيه عنده. ولما قدم مشركو قريش في فداء أسارى بدر كانوا يبيتون في المسجد. وقد روى ذلك الشافعي بإسناد له. وقد خرج البخاري حديث جبير بن مطعم - وكان ممن قدم في فداء الاسارى -، أنه سمع النبي ﷺ يقرا في المغرب بالطور. قال: وكان ذلك أول ما وقر الأيمان في قلبي. وخرج البخاري فيما سبق في ((كتاب: العلم)) حديث دخول ضمام بن ثعلبة المسجد، وعقله بعيره فيه، وسؤاله النبي ﷺ عن الإسلام، ثم أسلم عقب ذلك. وروى أبو داود في المراسيل بإسناد عن الزهري، قال: اخبرني سعيد بن المسيب، أن أبا سفيان كان يدخل المسجد بالمدينة وهو كافر، غير أن ذلك لا يصلح في المسجد الحرام؛ لما قَالَ الله : ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ﴾ [التوبة: ٢٨].فتح الباري لابن رجب ٤٦٩ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ الْفُقَهَاءُ إِلَى أَنَّ الْكَافِرَ الْحَيَّ طَاهِرٌ لأَنَّهُ آدَمِيٌّ، وَالآدَمِيُّ طَاهِرٌ سَوَاءٌ أَكَانَ مُسْلِمًا أَمْ كَافِرًا (٧) لِقَوْلِ اللَّهِ : ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ﴾، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، نَجَاسَةَ الأَبْدَانِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ نَجَاسَةُ مَا يَعْتَقِدُونَهُ، وَقَدْ رَبَطَ النَّبِيُّ ﷺ الأَسِيرَ فِي الْمَسْجِدِ. ذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَأَبُو يُوسُفَ مِنَ الْحَنَفِيَّةِ إِلَى أَنَّهُ لا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ مَسُّ الْمُصْحَفِ لأَنَّ فِي ذَلِكَ إِهَانَةً لِلْمُصْحَفِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: لا بَأسَ أَنْ يَمَسَّ الْكَافِرُ الْمُصْحَفَ إِذَا اغْتَسَلَ، لأَنَّ الْمَانِعَ هُوَ الْحَدَثُ وَقَدْ زَالَ بِالْغُسْلِ، وَإِنَّمَا بَقِيَ نَجَاسَةُ اعْتِقَادِهِ وَذَلِكَ فِي قَلْبِهِ لا فِي يَدِهِ. (٨) وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ: يُمْنَعُ الْكَافِرُ مِنْ أَنْ يَحْمِلَ حِرْزًا مِنْ قُرْآنٍ وَلَوْ بِسَاتِرٍ لأَنَّهُ يُؤَدِّي إِلَى امْتِهَانِهِ. (٩)

стр. 10993

آنِيَةُ الْمُشْرِكِين آنِيَةُ أَهْلِ الْكِتَاب (خ م ت د) , عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ ﵁ قَالَ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ , نَمُرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ) (١) وفي رواية: (إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ , وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ) (٢) (أَفَنَأكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟) (٣) (فَقَالَ: " إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فلَا تَأكُلُوا فِيهَا , وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا) (٤) (بِالْمَاءِ ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا ") (٥) الشَّرْح: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ , إِنَّا أَهْلُ سَفَرٍ , نَمُرُّ بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسِ) (٦) وفي رواية: (إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ) يَعْنِي بِالشَّامِ، وَكَانَ جَمَاعَةٌ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ قَدْ سَكَنُوا الشَّامَ وَتَنَصَّرُوا مِنْهُمْ آلُ غَسَّانَ وَتَنُوخُ وَبَهْزٌ وَبُطُونٌ مِنْ قُضَاعَةَ مِنْهُمْ بَنُو خُشَيْنٍ آلُ أَبِي ثَعْلَبَةَ. فتح٥٤٧٨ قال العظيم أبادي: (إِنَّا نُجَاوِز أَهْلَ الْكِتَابِ): بِالزَّايِ الْمُعْجَمَة , أَيْ: نَمُرّ، وَفِي بَعْض النُّسَخ: بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَة. عون٣٨٣٩ اِعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ ﵀ عَقَدَ بَابًا ج٧ص٩٠ بِلَفْظِ: بَابُ آنِيَةِ الْمَجُوسِ وَالْمَيْتَةِ. وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي ثَعْلَبَةَ. تحفة١٥٦٠ قَالَ الْحَافِظُ: قَوْلُهُ (بَابُ آنِيَةِ الْمَجُوسِ) قَالَ ابْنُ التِّينِ: كَذَا تَرْجَمَ وَأَتَى بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَفِيهِ ذِكْرُ أَهْلِ الْكِتَابِ فَلَعَلَّهُ يَرَى أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ. وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: تَرْجَمَ لِلْمَجُوسِ وَالْأَحَادِيثُ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُ بَنَى عَلَى أَنَّ الْمَحْذُورَ مِنْهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ عَدَمُ تَوَقِّيهِمُ النَّجَاسَاتِ. وَقَالَ الْكِرْمَانِيُّ: أَوْ حُكْمُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا بِالْقِيَاسِ عَلَى الْآخَرِ، أَوْ بِاعْتِبَارِ أَنَّ الْمَجُوسَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ أَهْلُ كِتَابٍ. قُلْتُ: وَأَحْسَنُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ أَشَارَ إِلَى مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ مَنْصُوصًا عَلَى الْمَجُوسِ، فَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ﴿سُئِلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ قُدُورِ الْمَجُوسِ، فَقَالَ: أَنْقُوهَا غَسْلًا وَاطْبُخُوا فِيهَا﴾ وَفِي لَفْظٍ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ عَنْ أَبَى ثَعْلَبَةَ " ﴿قُلْتُ إِنَّا نَمُرُّ بِهَذَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ فَلَا تَجِدُ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ،﴾ الْحَدِيثَ، وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ يُكْثِرُ مِنْهَا الْبُخَارِيُّ فَمَا كَانَ فِي سَنَدِهِ مَقَالٌ يُتَرْجِمُ بِهِ ثُمَّ يُورِدُ فِي الْبَابِ مَا يُؤْخَذُ الْحُكْمُ مِنْهُ بِطَرِيقِ الْإِلْحَاقِ وَنَحْوِهِ. وَالْحُكْمُ فِي آنِيَةِ الْمَجُوسِ لَا يَخْتَلِفُ مَعَ الْحُكْمِ فِي آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إِنْ كَانَتْ لِكَوْنِهِمْ تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ كَأَهْلِ الْكِتَابِ فَلَا إِشْكَالَ، أَوْ لَا تَحِلُّ كَمَا سَيَاتِي الْبَحْثُ فِيهِ بَعْدَ أَبْوَابٍ فَتَكُونُ الْآنِيَةُ الَّتِي يَطْبُخُونَ فِيهَا ذَبَائِحَهُمْ وَيُغْرِقُونَ قَدْ تَنَجَّسَتْ بِمُلَاقَاةِ الْمَيْتَةِ، فَأَهْلُ الْكِتَابِ كَذَلِكَ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُمْ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِاجْتِنَابِ النَّجَاسَةِ وَبِأَنَّهُمْ يَطْبُخُونَ فِيهَا الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُونَ فِيهَا الْخَمْرَ وَغَيْرَهَا، وَيُؤَيِّدُ الثَّانِيَ مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالْبَزَّارُ عَنْ جَابِرٍ ﴿" كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا فَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنَا "﴾ لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ، وَفِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ " ﴿فَنَغْسِلُهَا وَنَاكُلُ فِيهَا﴾ ". قَوْلُهُ (وَالْمَيْتَةُ) قَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ: نَبَّهَ بِذِكْرِ الْمَيْتَةِ عَلَى أَنَّ الْحَمِيرَ لَمَّا كَانَتْ مُحَرَّمَةً لَمْ تُؤَثِّرْ فِيهَا الذَّكَاةُ فَكَانَتْ مَيْتَةً، وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِغَسْلِ الْآنِيَةِ مِنْهَا. فتح٥٤٩٦ (وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ، وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ) (أَفَنَأكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟) (فَقَالَ: " إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَ آنِيَتِهِمْ فلَا تَأكُلُوا فِيهَا , وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ , ثُمَّ كُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا ") تَمْسَّكَ بِهَذَا الْأَمْرِ مَنْ رَأَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ آنِيَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ تَتَوَقَّفُ عَلَى الْغَسْلِ , لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِهِمُ النَّجَاسَةَ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَتَدَيَّنُ بِمُلَابَسَتِهَا. قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ: وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ بِنَاءً عَلَى تَعَارُضِ الْأَصْلِ وَالْغَالِبِ , وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ بِأَنَّ الظَّنَّ الْمُسْتَفَادَ مِنَ الْغَالِبِ رَاجِحٌ عَلَى الظَّنِّ الْمُسْتَفَادِ مِنَ الْأَصْلِ. وَأَجَابَ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُكْمَ لِلْأَصْلِ حَتَّى تَتَحَقَّقَ النَّجَاسَةُ بِجَوَابَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ احْتِيَاطًا جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا دَلَّ عَلَى التَّمَسُّكِ بِالْأَصْلِ. وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِحَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ حَالُ مَنْ يَتَحَقَّقُ النَّجَاسَةُ فِيهِ، وَيُؤَيِّدُهُ ذِكْرُ الْمَجُوسِ , لِأَنَّ أَوَانِيَهُمْ نَجِسَةٌ , لِكَوْنِهِمْ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ. وَقَالَ النَّوَوِيُّ: الْمُرَادُ بِالْآنِيَةِ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ آنِيَةُ مَنْ يَطْبُخُ فِيهَا لَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَيَشْرَبُ فِيهَا الْخَمْرَ كَمَا وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ " ﴿إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ، وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمُ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمُ الْخَمْرَ﴾ فَقَالَ " فَذَكَرَ الْجَوَابَ. وَأَمَّا الْفُقَهَاءُ فَمُرَادُهُمْ مُطْلَقُ آنِيَّةِ الْكُفَّارِ الَّتِي لَيْسَتْ مُسْتَعْمَلَةً فِي النَّجَاسَةِ , فَإِنَّهُ يَجُوزُ اسْتِعْمَالُهَا وَلَوْ لَمْ تُغْسَلْ عِنْدَهُمْ، وَإِنْ كَانَ الْأَوْلَى الْغَسْلَ , لِلْخُرُوجِ مِنَ الْخِلَافِ , لَا لِثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ فِي ذَلِكَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْتِعْمَالُهَا بِلَا غَسْلٍ مَكْرُوهًا بِنَاءً عَلَى الْجَوَابِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْحَدِيثِ، وَأَنَّ اسْتِعْمَالَهَا مَعَ الْغَسْلِ رُخْصَةٌ إِذَا وَجَدَ غَيْرَهَا , فَإِنْ لَمْ يَجِدْ جَازَ بِلَا كَرَاهَةٍ , لِلنَّهْيِ عَنِ الْأَكْلِ فِيهَا مُطْلَقًا , وَتَعْلِيقُ الْإِذْنِ عَلَى عَدَمِ غَيْرِهَا مَعَ غَسْلِهَا. وَتَمَسَّكَ بِهَذَا بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِقَوْلِهِمْ إِنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَسْرُ آنِيَّةِ الْخَمْرِ عَلَى كُلِّ حَالٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِالْغَسْلِ، وَاسْتَدَلَّ بِالتَّفْصِيلِ الْمَذْكُورِ , لِأَنَّ الْغَسْلَ لَوْ كَانَ مُطَهِّرًا لَهَا , لَمَا كَانَ لِلتَّفْصِيلِ مَعْنًى. وَتُعُقِّبَ بِأَنَّهُ لَمْ يَنْحَصِرْ فِي كَوْنِ الْعَيْنِ تَصِيرُ نَجِسَةً بِحَيْثُ لَا تَطْهُرُ أَصْلًا , بَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ التَّفْصِيلُ لِلْأَخْذِ بِالْأَوْلَى، فَإِنَّ الْإِنَاءَ الَّذِي يُطْبَخُ فِيهِ الْخِنْزِيرُ يُسْتَقْذَرُ وَلَوْ غُسِلَ , كَمَا يُكْرَهُ الشُّرْبُ فِي الْمِحْجَمَةِ وَلَوْ غُسِلَتِ اسْتِقْذَارًا. وَمَشَى ابْنُ حَزْمٍ عَلَى ظَاهِرِيَّتِهِ فَقَالَ: لَا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ آنِيَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا بِشَرْطَيْنِ: أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَجِدَ غَيْرَهَا. وَالثَّانِي غَسْلُهَا. وَأُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ أَمْرَهُ بِالْغَسْلِ عِنْدَ فَقْدِ غَيْرِهَا دَالٌّ عَلَى طَهَارَتِهَا بِالْغَسْلِ، وَالْأَمْرُ بِاجْتِنَابِهَا عِنْدَ وُجُودِ غَيْرِهَا لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا كَمَا فِي حَدِيثِ سَلَمَةَ الْآتِي بَعْدُ فِي الْأَمْرِ بِكَسْرِ الْقُدُورِ الَّتِي طُبِخَتْ فِيهَا الْمَيْتَةُ، فَقَالَ رَجُلٌ أَوْ نَغْسِلُهَا؟ فَقَالَ: أَوْ ذَاكَ. فَأَمَرَ بِالْكَسْرِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي التَّنْفِيرِ عَنْهَا , ثُمَّ أَذِنَ فِي الْغَسْلِ تَرْخِيصًا، فَكَذَلِكَ يُتَّجَهُ هَذَا هُنَا وَاللهُ أَعْلَمُ. فتح٥٤٧٨ قَالَا الْخَطَّابِيُّ: وَالْأَصْلُ فِي هَذَا أَنَّهُ إِذَا كَانَ مَعْلُومًا مِنْ حَالِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ اِسْتِعْمَالُهَا إِلَّا بَعْدَ الْغَسْلِ وَالتَّنْظِيفِ فَأَمَّا ثِيَابُهُمْ وَمِيَاهُهُمْ فَإِنَّهَا عَلَى الطَّهَارَةِ كَمِيَاهِ الْمُسْلِمِينَ وَثِيَابِهِمْ إِلَّا أَنْ يَكُونُوا مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَحَاشَوْنَ النَّجَاسَاتِ أَوْ كَانَ مِنْ عَادَاتِهِمْ اِسْتِعْمَالُ الْأَبْوَالِ فِي طَهُورِهِمْ فَإِنَّ اِسْتِعْمَالَ ثِيَابِهِمْ غَيْرُ جَائِزٍ إِلَّا أَنْ يُعْلَمَ أَنَّهَا لَمْ يُصِبْهَا شَيْءٌ مِنْ النَّجَاسَاتِ. تحفة١٧٩٧ قَالَ فِي سُبُلِ السَّلَامِ (دار الحديث-د. ط-د. ت) ج١ ص٤٤ - ٤٦: اِسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَلْ هُوَ لِنَجَاسَةِ رُطُوبَتِهِمْ أَوْ لِجَوَازِ أَكْلِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَشُرْبِهِمْ الْخَمْرَ أَوْ لِلْكَرَاهَةِ، ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ الْقَائِلُونَ بِنَجَاسَةِ رُطُوبَةِ الْكُفَّارِ، وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾، وَالْكِتَابِيُّ يُسَمَّى مُشْرِكًا إِذْ قَدْ قَالُوا (الْمَسِيحُ اِبْنُ اللهِ) (وَعُزَيْرٌ اِبْنُ اللهِ). وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ إِلَى طَهَارَةِ رُطُوبَتِهِمْ وَهُوَ الْحَقُّ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَلِأَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ مُشْرِكَةٍ، وَلِحَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ أَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُدَ: كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ وَلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْنَا. وَأُجِيبَ بِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الِاسْتِيلَاءِ وَلَا كَلَامَ فِيهِ، قُلْنَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَدِلَّةِ غَنِيَّةٌ عَنْهُ فَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ ﷺ دَعَاهُ يَهُودِيٌّ إِلَى خُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا. قَالَ فِي الْبَحْرِ: لَوْ حُرِّمَتْ رُطُوبَتُهُمْ لَاسْتَفَاضَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ نَقْلُ تَوَقِّيهِمْ لِقِلَّةِ الْمُسْلِمِينَ حِينَئِذٍ مَعَ كَثْرَةِ اِسْتِعْمَالَاتِهِمْ الَّتِي لَا يَخْلُو مِنْهَا مَلْبُوسًا وَمَطْعُومًا، وَالْعَادَةُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ تَقْضِي بِالِاسْتِفَاضَةِ. قَالَ: وَحَدِيثُ أَبِي ثَعْلَبَةَ إِمَّا مَحْمُولٌ عَلَى كَرَاهَةِ الْأَكْلِ فِي آنِيَتِهِمْ لِلِاسْتِقْذَارِ لَا لِكَوْنِهَا نَجِسَةً إِذْ لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمْ يَجْعَلْهُ مَشْرُوطًا بِعَدَمِ وُجْدَانِ غَيْرِهَا، إِذْ الْإِنَاءُ الْمُتَنَجِّسُ بَعْدَ إِزَالَةِ نَجَاسَتِهِ هُوَ وَمَا لَمْ يَتَنَجَّسْ عَلَى سَوَاءٍ وَلِسَدِّ ذَرِيعَةِ الْمُحَرَّمِ، أَوْ لِأَنَّهَا نَجِسَةٌ لِمَا يُطْبَخُ فِيهَا لَا لِرُطُوبَتِهِمْ كَمَا تُفِيدُهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُدَ وَأَحْمَدَ بِلَفْظِ: إِنَّا نُجَاوِرُ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ يَطْبُخُونَ فِي قُدُورِهِمْ الْخِنْزِيرَ وَيَشْرَبُونَ فِي آنِيَتِهِمْ الْخَمْرَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : " إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا" الْحَدِيثَ، وَحَدِيثُهُ الْأَوَّلُ مُطْلَقٌ وَهَذَا مُقَيَّدٌ بِآنِيَةٍ يُطْبَخُ فِيهَا مَا ذُكِرَ وَيُشْرَبُ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَأَمَّا الْآيَةُ فَالنَّجَسُ لُغَةً الْمُسْتَقْذَرُ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْمَعْنَى الشَّرْعِيِّ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ ذُو نَجَسٍ لِأَنَّ مَعَهُمْ الشِّرْكَ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّجَسِ؛ وَلِأَنَّهُمْ لَا يَتَطَهَّرُونَ وَلَا يَغْتَسِلُونَ وَلَا يَتَجَنَّبُونَ النَّجَاسَاتِ فَهِيَ مُلَابِسَةٌ لَهُمْ، وَبِهَذَا يَتِمُّ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ آيَةِ الْمَائِدَةِ وَالْأَحَادِيثِ الْمُوَافِقَةِ لِحُكْمِهَا، وَآيَةُ الْمَائِدَةِ أَصْرَحُ فِي الْمُرَادِ اِنْتَهَى مَا فِي السُّبُلِ. وَقَالَ صَاحِبُ الْمُنْتَقَى: ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إِلَى الْمَنْعِ مِنْ اِسْتِعْمَالِ آنِيَةِ الْكُفَّارِ حَتَّى تُغْسَلَ إِذَا كَانُوا مِمَّنْ لَا تُبَاحُ ذَبِيحَتُهُ، وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ مِنْ النَّصَارَى بِمَوْضِعٍ مُتَظَاهِرًا فِيهِ بِأَكْلِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ مُتَمَكِّنًا فِيهِ أَوْ يَذْبَحُ بِالسِّنِّ وَالظُّفْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ لَا بَأسَ بِآنِيَةِ مَنْ سِوَاهُمْ جَمْعًا بِذَلِكَ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ. وَاسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ غَسْلَ الْكُلِّ لِحَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ قَالَ: حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ : " دَعْ مَا يَرِيبُك إِلَى مَا لَا يَرِيبُك"، رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ اِنْتَهَى. تحفة١٥٦٠ نيل الأوطار (دار الحديث-الطبعة الأولى-١٤١٣هـ-١٩٩٣م) ج١ ص٩٥ - ٩٦: وَأَيْضًا قَدْ أَذِنَ اللَّهُ بِأَكْلِ طَعَامِهِمْ وَصَرَّحَ بِحِلِّهِ وَهُوَ لا يَخْلُو مِنْ رُطُوبَاتِهِمْ فِي الْغَالِبِ. فَوائِدُ الْحَدِيث: فِيهِ أَنَّ مَنْ اُضْطُرَّ إِلَى آنِيَة مَنْ يَطْبُخ فِيهَا الْخِنْزِير وَغَيْره مِنْ الْمُحَرَّمَات وَيَشْرَب فِيهَا الْخَمْر فَلَهُ أَنْ يَغْسِلهَا ثُمَّ يَسْتَعْمِلهَا فِي الْأَكْل وَالشُّرْب. عون٢٨٥٧ مَذَاهِبُ الْفُقَهَاءِ فِي الْمَسْأَلَة: ذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إِلَى جَوَازِ اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ، إِلا إِذَا تُيُقِّنَ عَدَمُ طَهَارَتِهَا. فَقَدْ نَصَّ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى أَنَّ " سُؤْرَ الآدَمِيِّ وَمَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ طَاهِرٌ؛ لأَنَّ الْمُخْتَلِطَ بِهِ اللُّعَابُ، وَقَدْ تَوَلَّدَ مِنْ لَحْمٍ طَاهِرٍ فَيَكُونُ طَاهِرًا. وَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْجَوَابِ الْجُنُبُ وَالْحَائِضُ وَالْكَافِرُ. " (٧) وَمَا دَامَ سُؤْرُهُ طَاهِرًا فَاسْتِعْمَالُ آنِيَتِهِ جَائِزٌ مِنْ بَابِ أَوْلَى. وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رُوِيَ " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَنْزَلَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ " وَكَانُوا مُشْرِكِينَ، وَلَوْ كَانَ عَيْنُ الْمُشْرِكِ نَجِسًا لَمَا فَعَلَ ذَلِكَ. وَلا يُعَارَضُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ﴾ لأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّجَسُ فِي الاعْتِقَادِ (٨) وَمِنْ بَابِ أَوْلَى أَهْلُ الْكِتَابِ وَآنِيَتُهُمْ. وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ قَالَ " دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْتُهُ وَقُلْتُ: وَاللَّهِ لا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ ". وَرَوَى أَنَسٌ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزِ شَعِيرٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ ". وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ. (٩) وَصَرَّحَ الْقَرَافِيُّ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ فِي الْفُرُوقِ بِأَنَّ جَمِيعَ مَا يَصْنَعُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَالْمُسْلِمُونَ الَّذِينَ لا يُصَلُّونَ وَلا يَسْتَنْجُونَ وَلا يَتَحَرَّزُونَ مِنَ النَّجَاسَاتِ، مِنَ الأَطْعِمَةِ وَغَيْرِهَا، مَحْمُولٌ عَلَى الطَّهَارَةِ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ النَّجَاسَةَ. (١٠) وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ، وَهُوَ رِوَايَةٌ أُخْرَى لِلْحَنَابِلَةِ، أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ، إِلا أَنْ يُتَيَقَّنَ طَهَارَتُهَا، فَلا كَرَاهَةَ، وَسَوَاءٌ الْمُتَدَيِّنُ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرُهُ. وَدَلِيلُهُمْ مَا رَوَى " أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ كِتَابٍ، أَنَأكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ: لا تَأكُلُوا فِي آنِيَتِهِمْ إِلا إِنْ لَمْ تَجِدُوا عَنْهَا بُدًّا، فَاغْسِلُوهَا بِالْمَاءِ، ثُمَّ كُلُوا فِيهَا ". وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ، وَلأَنَّهُمْ لا يَجْتَنِبُونَ النَّجَاسَةَ، فَكُرِهَ لِذَلِكَ. عَلَى أَنَّ الشَّافِعِيَّةَ يَرَوْنَ أَنَّ أَوَانِيَهُمُ الْمُسْتَعْمَلَةَ فِي الْمَاءِ أَخَفُّ كَرَاهَةً. (١١) الفتاوى الهندية (دار الفكر-الطبعة الثانية١٣١٠هـ) ج٥ ص٣٤٧: قَالَ مُحَمَّدٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَيُكْرَهُ الأَكْلُ وَالشُّرْبُ فِي أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ الْغَسْلِ وَمَعَ هَذَا لَوْ أَكَلَ أَوْ شَرِبَ فِيهَا قَبْلَ الْغَسْلِ جَازَ وَلا يَكُونُ آكِلا وَلا شَارِبًا حَرَامًا وَهَذَا إذَا لَمْ يَعْلَمْ بِنَجَاسَةِ الأَوَانِي فَأَمَّا إذَا عَلِمَ فَأَنَّهُ لا يَجُوزُ أَنْ يَشْرَبَ وَيَأكُلَ مِنْهَا قَبْلَ الْغَسْلِ وَلَوْ شَرِبَ أَوْ أَكَلَ كَانَ شَارِبًا وَآكِلا حَرَامًا وَهُوَ نَظِيرُ سُؤْرِ الدَّجَاجَةِ إذَا عَلِمَ أَنَّهُ كَانَ عَلَى مِنْقَارِهَا نَجَاسَةٌ فَإِنَّهُ لا يَجُوزُ التَّوَضُّؤُ بِهِ البيان والتحصيل (دار الغرب الإسلامي-الطبعة الثانية-١٤٠٨ هـ- ١٩٨٨ م) ج١ ص١٣٨: وسئل عن الوضوء من بيوت النصارى، فربما كانوا عبيدا للمسلمين، فقال: إني لأكره ذلك، هم أنجاس لا يتطهرون. قال محمد بن رشد: فإن فعل فلا إعادة عليه؛ لأنه أخف من سؤر النصراني الذي قد اختلف فيه قوله على ما قد تقدم القول فيه من أول سماع ابن القاسم. الذخيرة (دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى-١٤٢٢ هـ- ٢٠٠١ م) ج٣ ص٣٩٥ - ٣٩٧: قَالَ صَاحِبُ الإِكْمَالِ: أَوَانِي أَهْلِ الْكِتَابِ الَّتِي تُطْبَخُ فِيهَا الْمَيْتَاتُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ تُغْسَلُ وَتُسْتَعْمَلُ تحفة المحتاج (دار إحياء التراث العربي-د. ط-د. ت) ج١ ص١٢٤ - ١٢٧: يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْكُفَّارِ وَمَلْبُوسِهِمْ وَمَا يَلِي أَسَافِلَهُمْ أَيْ مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ أَشَدُّ وَأَوَانِي مَائِهِمْ أَخَفُّ، وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي ظَهَرَ مِنْهُ عَدَمُ تَصَوُّنِهِ عَنْ النَّجَاسَاتِ، وَيُسَنُّ إذَا جَنَّ اللَّيْلُ تَغْطِيَةُ الإِنَاءِ وَلَوْ بِعَرْضِ عُودٍ وَأَلْحَقَ بِهِ ابْنُ الْعِمَادِ الْبِئْرَ وَإِغْلاقَ الأَبْوَابِ وَإِيكَاءَ السِّقَاءِ مُسْمِيًا لِلَّهِ تَعَالَى فِي الثَّلاثَةِ وَكَفُّ الصِّبْيَانِ وَالْمَاشِيَةِ أَوَّلَ سَاعَةٍ مِنْ اللَّيْلِ وَإِطْفَاءُ الْمِصْبَاحِ لِلنَّوْمِ، وَيُسَنُّ ذِكْرُ اسْمِ اللَّهِ عَلَى كُلِّ أَمْرٍ ذِي بَالٍ كُرْدِيٌّ وَمُغْنِي وَ (قَوْلُهُ أَوَانِي الْكُفَّارِ) أَيْ وَإِنْ كَانُوا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَطَائِفَةٍ مِنْ الْمَجُوسِ يَغْتَسِلُونَ بِبَوْلِ الْبَقَرِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى (وَقَوْلُهُ وَكَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي إلَخْ) أَيْ كَمُدْمِنِي الْخَمْرِ وَالْقَصَّابِينَ الَّذِينَ لا يَحْتَرِزُونَ عَنْ النَّجَاسَةِ مُغْنِي وَشَيْخُنَا. مغني المحتاج (دار الكتب العلمية-الطبعة الأولى-١٤١٥هـ-١٩٩٤م) ج١ ص١٣٨: أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ إنْ كَانُوا لا يَتَعَبَّدُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ كَآنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ البجيرمي على الخطيب (دار الفكر-د. ط-١٤١٥هـ-١٩٩٥م) ج١ ص١١٨ - ١١٩: وَيَجُوزُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْمُشْرِكِينَ إنْ كَانُوا لا يَتَعَبَّدُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ كَأَهْلِ الْكِتَابِ فَهِيَ كَآنِيَةِ الْمُسْلِمِينَ المغني (مكتبة القاهرة-د. ط -١٣٨٨هـ ١٩٦٨م) ج١ ص٦١ - ٦٢: فَأَهْلُ الْكِتَابِ يُبَاحُ أَكْلُ طَعَامِهِمْ وَشَرَابِهِمْ، وَالأَكْلُ فِي آنِيَتِهِمْ، مَا لَمْ يَتَحَقَّقْ نَجَاسَتُهَا. قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ: لا تَخْتَلِفُ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّهُ لا يَحْرُمُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ؛ وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ﴾ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: " دُلِّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ، فَالْتَزَمْته، وَقُلْت: وَاَللَّهِ لا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا. فَالْتَفَتُّ، فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَبْتَسِمُ. " رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَاهُ. وَرُوِيَ أَنَّ " النَّبِيَّ ﷺ أَضَافَهُ يَهُودِيٌّ بِخُبْزٍ وَإِهَالَةٍ سَنِخَةٍ. " رَوَاهُ الإِمَامُ أَحْمَدُ، فِي " الْمُسْنَدِ " وَكِتَابِ " الزُّهْدِ "، وَتَوَضَّأَ عُمَرُ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ. وَهَلْ يُكْرَهُ لَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِيهِمْ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا: لا يُكْرَهُ؛ لِمَا ذَكَرْنَاهُ. وَالثَّانِيَة يُكْرَهُ لِمَا رَوَى أَبُو ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيُّ، قَالَ: قُلْت " يَا رَسُولَ اللَّهِ، إنَّا بِأَرْضِ قَوْمٍ أَهْلِ كِتَابٍ، أَفَنَأكُلُ فِي آنِيَتِهِمْ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَلا تَأكُلُوا فِيهَا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَاغْسِلُوهَا وَكُلُوا فِيهَا " مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، "٦٢" وَأَقَلُّ أَحْوَالِ النَّهْيِ الْكَرَاهَةُ؛ وَلأَنَّهُمْ لا يَتَوَرَّعُونَ عَنْ النَّجَاسَةِ، وَلا تَسْلَمُ آنِيَتُهُمْ مِنْ أَطْعِمَتِهِمْ، وَأَدْنَى مَا يُؤَثِّرُ ذَلِكَ الْكَرَاهَةُ، وَأَمَّا ثِيَابُهُمْ فَمَا لَمْ يَسْتَعْمِلُوهُ، أَوْ عَلا مِنْهَا؛ كَالْعِمَامَةِ وَالطَّيْلَسَانِ وَالثَّوْبِ الْفَوْقَانِيِّ، فَهُوَ طَاهِرٌ، لا بَأسَ بِلُبْسِهِ، وَمَا لاقَى عَوْرَاتِهِمْ؛ كَالسَّرَاوِيلِ وَالثَّوْبِ السُّفْلانِيِّ وَالإِزَارِ، فَقَالَ أَحْمَدُ: أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ، يَعْنِي: مَنْ صَلَّى فِيهِ. فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ: أَحَدهمَا وُجُوبُ الإِعَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي. وَكَرِهَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ، الإِزَارَ وَالسَّرَاوِيلاتِ؛ لأَنَّهُمْ يَتَعَبَّدُونَ. بِتَرْكِ النَّجَاسَةِ، وَلا يَتَحَرَّزُونَ مِنْهَا، فَالظَّاهِرُ نَجَاسَةُ مَا وَلِيَ مَخْرَجَهَا. وَالثَّانِي لا يَجِبُ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي الْخَطَّابِ؛ لأَنَّ الأَصْلَ الطَّهَارَةُ، فَلا تَزُولُ بِالشَّكِّ. الإنصاف (دار إحياء التراث العربي-الطبعة الثانية-د. ت) ج١ ص٨٤ - ٨٥: (وَثِيَابُ الْكُفَّارِ وَأَوَانِيهِمْ، طَاهِرَةٌ مُبَاحَةُ الاسْتِعْمَالِ، مَا لَمْ تُعْلَمْ نَجَاسَتُهَا). هَذَا الْمَذْهَبُ مُطْلَقًا. وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ. الإنصاف (دار إحياء التراث العربي-الطبعة الثانية-د. ت) ج١ ص٨٤ - ٨٥: قَالَ الْخِرَقِيُّ فِي شَرْحِهِ، وَابْنُ أَبِي مُوسَى: لا يَجُوزُ اسْتِعْمَالُ قُدُورِ النَّصَارَى حَتَّى تُغْسَلَ. وَزَادَ الْخِرَقِيُّ: وَلا أَوَانِي طَبْخِهِمْ، دُونَ أَوْعِيَةِ الْمَاءِ وَنَحْوِهَا. انْتَهَى. وَقِيلَ: لا يُسْتَعْمَلُ قِدْرُ كِتَابِيٍّ قَبْلَ غَسْلِهَا كشاف القناع (دار الفكر-وعالم الكتب-د. ط- ١٤٠٢هـ-١٩٨٢م) ج١ ص٥٣: (وَثِيَابُ الْكُفَّارِ كُلُّهُمْ) أَهْلِ الْكِتَابِ كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ كَالْمَجُوسِ وَعَبَدَةِ الأَوْثَانِ (وَأَوَانِيهِمْ) أَيْ أَوَانِي الْكُفَّارِ كُلِّهِمْ (طَاهِرَةٌ إنْ جُهِلَ حَالُهَا).

стр. 10994

آنِيَةُ غَيْرِ أَهْلِ الْكِتَاب (د حم) , عَنْ عَطَاءٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ , فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا) (١) (وَكُلُّهَا مَيْتَةٌ) (٢) (" فلَا يَعِيبُ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ") (٣) الشَّرْح: (كُنَّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فَنُصِيبُ مِنْ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقِيَتِهِمْ , فَنَسْتَمْتِعُ بِهَا , وَكُلُّهَا مَيْتَةٌ) (فلَا يَعِيبُ) أَيْ: رَسُول الله ﷺ . عون٣٨٣٨ (ذَلِكَ) أَيْ: اِسْتِمْتَاعنَا بِآنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ وَأَسْقَيْتهمْ. عون٣٨٣٨ (عَلَيْهِمْ) فِيهِ اِلْتِفَات , أَيْ: عَلَيْنَا. عون٣٨٣٨ قَالَ الْخَطَّابِيُّ: ظَاهِرُ هَذَا يُبِيح اِسْتِعْمَال آنِيَة الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْإِطْلَاق مِنْ غَيْر غَسْلٍ لَهَا وَتَنْظِيفٍ، وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ مُقَيَّدَةٌ بِالشَّرْطِ الَّذِي هُوَ مَذْكُور فِي الْحَدِيث الَّذِي يَلِيهِ مِنْ هَذَا الْبَاب (٤).عون٣٨٣٨

стр. 10995

(م س حم) , وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ (١) قَالَ: (سَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ فَقُلْتُ: إِنَّا نَغْزُو هَذَا الْمَغْرِبَ , وَإِنَّهُمْ أَهْلُ وَثَنٍ , وَلَهُمْ قِرَبٌ يَكُونُ فِيهَا اللَّبَنُ وَالْمَاءُ) (٢) وفي رواية: (وَعَامَّةُ أَسْقِيَتِهِمْ الْمَيْتَةُ) (٣) (فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: " إِذَا دُبِغَ الْإِهَابُ فَقَدْ طَهُرَ ") (٤) تقدم شرحه قال الشوكاني: - وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵁ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ. "٤٦" وَعَنْ " عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ " بِالْمُهْمَلَتَيْنِ تَصْغِيرُ حِصْنٍ، وَ " عِمْرَانُ " هُوَ " أَبُو نُجَيْدٍ " بِالْجِيمِ تَصْغِيرُ نَجْدٍ، الْخُزَاعِيُّ الْكَعْبِيُّ، أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ، وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ إلَى أَنْ مَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلاثٍ وَخَمْسِينَ، وَكَانَ مِنْ فُضَلاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ " أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَأَصْحَابَهُ تَوَضَّئُوا مِنْ مَزَادَةِ " بِفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا زَايٌ ثُمَّ أَلِفٌ وَبَعْدَ الأَلِفِ مُهْمَلَةٌ، وَهِيَ الرَّاوِيَةُ وَلا تَكُونُ إلا مِنْ جِلْدَيْنِ تُقَامُ بِثَالِثٍ بَيْنَهُمَا لِتَتَّسِعَ، كَمَا فِي الْقَامُوسِ [امْرَأَةٍ مُشْرِكَةٍ] [مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ] بَيْنَ الشَّيْخَيْنِ [فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ]. أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِأَلْفَاظٍ فِيهَا: " أَنَّهُ ﷺ بَعَثَ عَلِيًّا وَآخَرُ مَعَهُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ﷺ ، وَقَدْ فَقَدَا الْمَاءَ، فَقَالَ: اذْهَبَا فَابْتَغِيَا الْمَاءَ، فَانْطَلَقَا، فَتَلَقَّيَا امْرَأَةً بَيْنَ مَزَادَتَيْنِ، أَوْ سَطِيحَتَيْنِ مِنْ مَاءٍ، عَلَى بَعِيرٍ لَهَا، فَقَالا لَهَا: أَيْنَ الْمَاءُ؟ قَالَتْ: عَهْدِي بِالْمَاءِ أَمْسِ هَذِهِ السَّاعَةَ، قَالا: انْطَلِقِي إلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . .. إلَى أَنْ قَالَ: وَدَعَا النَّبِيَّ ﷺ بِإِنَاءٍ فَفَرَغَ فِيهِ مِنْ أَفْوَاهِ الْمَزَادَتَيْنِ، أَوْ السَّطِيحَتَيْنِ، وَنُودِيَ فِي النَّاسِ اسْقُوا وَاسْتَقُوا، فَسُقِيَ مَنْ سُقِيَ، وَاسْتَقَى مَنْ شَاءَ " الْحَدِيثَ. وَفِيهِ زِيَادَةٌ وَمُعْجِزَاتٌ نَبَوِيَّةٌ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ ﷺ تَوَضَّأَ مِنْ مَزَادَةِ الْمُشْرِكَةِ وَهُوَ دَلِيلٌ لِمَا سَلَفَ فِي شَرْحِ حَدِيثِ " أَبِي ثَعْلَبَةَ " مِنْ طَهَارَةِ آنِيَةِ الْمُشْرِكِينَ، وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى طَهُورِ جِلْدِ الْمَيْتَةِ بِالدِّبَاغِ؛ لأَنَّ الْمَزَادَتَيْنِ مِنْ جُلُودِ ذَبَائِحِ الْمُشْرِكِينَ وَذَبَائِحُهُمْ مَيْتَةٌ، وَيَدُلُّ عَلَى طَهَارَةِ رُطُوبَةِ الْمُشْرِكِ، فَإِنَّ الْمَرْأَةَ الْمُشْرِكَةَ قَدْ بَاشَرَتْ الْمَاءَ وَهُوَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ، فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِأَنَّهُ لا يَحْمِلُ الْجَمَلُ قَدْرَ الْقُلَّتَيْنِ. وَمَنْ يَقُولُ: إنَّ رُطُوبَتَهُمْ نَجِسَةٌ، وَيَقُولُ: لا يُنَجِّسُ الْمَاءَ مَا غَيَّرَهُ، فَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ. نيل٢٠ قلت: وعندي أن هذا الحديث لا حجة فيه على طهارة آنية الكفار مطلقا , لأن النبي ﷺ وأصحابه كانوا مضطرين , وقد تقدم قول النبي ﷺ لأبي ثعلبة الخشني: «إِنْ وَجَدْتُمْ غَيْرَهَا فَكُلُوا فِيهَا وَاشْرَبُوا، وَإِنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا» (٥) فالأمر متعلق بثلاث حالات: الأولى: إن وجد غيرها , فالأفضل استعماله , وإن تيقن عدم النجاسة في آنية المشركين. الحالة الثانية: إن علم استعمالهم للنجاسة , فلا بد من غسل آنيتهم قبل استعمالها لحديث أبي ثعلبة. الحالة الثالثة: إن علم استعمالهم للنجاسة , ولم يمكن غسل آنيتهم - كما هو حال مزادة المرأة المشركة - فهنا حكم استعمال آنيتهم هو حكم المضطر. ع
следующие страницы →