← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2276–2315 · переход к 2281.

стр. 2276

يذكر: أولئك قوم. فقلت: استَغفِر لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ أَقسَمَ أَلَا يَدخُلَ عَلَيهِنَّ شَهرًا مِن شِدَّةِ مَوجِدَتِهِ عَلَيهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ. قالت عَائِشَةَ: لَمَّا مَضَى تِسعٌ وَعِشرُونَ لَيلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِي. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقسَمتَ أَن لَا تَدخُلَ عَلَينَا شَهرًا، وَإِنَّكَ دَخَلتَ مِن تِسعٍ ــ و(قوله: وكان أقسم: ألا يدخل عليهن شهرًا من أجل موجدته عليهن) هذا يدلُّ: على أن المُؤلِي لا يُلزم إيقافه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِن نِسَائِهِم تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشهُرٍ﴾ فإن حلف على زيادة عليها لزم إيقافه، فإما حنَّثَ نَفسَهُ ووطِئ، وإما طلق؛ هذا مذهب جمهور الصحابة، والتابعين وأئمة الفتيا (١). ولم يعتبر مالك الزيادة القليلة مثل الأيام اليسيرة، ورأى: أن لها حكم الأربعة الأشهر. واعتبرها غيره؛ لأنها زيادة على ما حدَّده الله تعالى. ولو اقتصر عندهم على الأربعة الأشهر لم يكن موليًا. وذهب الكوفيون: إلى أنه مول. وشذ ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن في آخرين معهم فقالوا: إن حلف على ألا يجامعها يومًا، أو أقل، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مول. وروي عن ابن عمر (٢) عكس هذا: أن كل من وقَّت ليمينه وقتًا، وضرب مدَّةً - وإن طالت - فليس بمولٍ، وإنما المولي من حلف على الأبد. وسبب خلافهم اختلافُهم في فهم الآية. وحجة الجمهور منها واضحة. ولا خلاف بينهم أنَّه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة الأشهر، وأنه لو أحنث نفسه قبل تمامها سقط الإيلاء عنه. ثم اختلفوا: هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق؟ وهو قول الكوفيين، ويقدرون الآية؛ فإن فاءوا فيهنَّ، أو حتى يوقف الزوج، فإمَّا فَاءَ، وإمَّا طلق، أو طلق عليه السلطان؟ وهو قول الجماهير، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولو وقع الطلاق بمضيِّ المُدَّة؛

стр. 2277

وَعِشرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وَعِشرُونَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمرًا، فَلَا عَلَيكِ أَلَا تَعجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَأمِرِي أَبَوَيكِ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الآيَةَ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ أَجرًا عَظِيمًا قَالَت عَائِشَةُ: قَد عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَم يَكُونَا لِيَأمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَت: فَقُلتُ: أَفِي هَذَا أَستَأمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَت عَائِشَةَ: لَا تُخبِر نِسَاءَكَ أَنِّي اختَرتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ ــ لما كان لعزمهم على الطلاق بعدها معنى. ومشهور مذهب مالك كقول الجماهير. وحُكي عنه مثل قول الكوفيين. وقال أشهب: إن قال: أنا أفيء، أمهل حتى تنقضي عدتها. فإن لم يفِئ بانت منه، ولا خلاف بين الجماهير: أن الطلاق فيه رجعيُّ، غير أن مالكا يقول: رجعته موقوفة على الوطء. واختلف الكوفيون في ذلك الطلاق: هل هو بائن أو رجعيٌّ؟ ثم ظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِن نِسَائِهِم﴾؛ العموم في كل مول على أكثر من أربعة أشهر، فسواء كان إيلاؤه على وجه الغضب، أو الرضا، أو لمصلحة، أو غيرها. لكن اختلفوا في هذه المسائل. فذهب مالك، والأوزاعي: إلى أنَّه إذا أدَّى إلى مصلحة الولد أنَّه لا يكون مُوليًا، ولا يوقف، وهو قياس قولهم في شبه هذا مما لا يقصد به الضرر. فأمَّا لو قصد الضرر بحلفه: فلا يختلفون في أنَّه موجب لحكم الإيلاء، وهو المفهوم (١) من قوله: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فإنَّ المغفرة مشعرة بالذنب، وذلك يكون بإضراره بها أو بقصده إلى ذلك. وروي عن عليٍّ، وابن عباس ﵃: أنه إنما يكون مُوليًا إذا حلف على وجه الغضب، وأمَّا على وجه الرِّضا: فلا. و(قوله: إن الشهر تسع وعشرون) ظاهره: أنَّه دخل في أول ذلك الشهر،

стр. 2278

اللَّهَ أَرسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَم يُرسِلنِي مُتَعَنِّتًا. قَالَ قَتَادَةُ: صَغَت قُلُوبُكُمَا: مَالَت. رواه البخاريُّ: (٥١٩١)، ومسلم (١٤٧٩) (٣٠ و ٣١ و ٣٤ و ٣٥)، والترمذيُّ (٣٣١٥)، والنسائي (٤/ ١٣٧). * * * (٧) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى [١٥٥٠] عَن فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ: أَنَّ أَبَا عَمرِو بنَ حَفصٍ طَلَّقَهَا البَتَّةَ ــ وأنه كان تسعًا وعشرين، لكن قول عائشة ﵂: أعدُّهن؛ يدلُّ على أنَّه أراد به العدد. وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الصيام. (٧) ومن باب: فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى (قوله: عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص) هكذا رواية أكثر الأئمة الحفَّاظ: مالك وغيره. وقد قلبه شيبان، وأبان العطَّار، عن يحيى بن أبي كثير؛ فقال: إن أبا حفص بن عمرو. والمحفوظ الأوَّل. واسمه: أحمد؛ على ما ذكره الداوديُّ عن النسائي. قال القاضي: والأشهر: عبد الحميد. وقيل: اسمه كنيته، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه (١). و(قوله: طلقها البتة) هذا هو الصحيح: أنه طلقها عند جميع الحفاظ.

стр. 2279

وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَينَا مِن شَيءٍ، فَجَاءَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيسَ لَكِ نَفَقَةٌ، ــ وسيأتي في حديث الجسَّاسة لفظٌ يوهم: أنه مات عنها. وله تأويل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ويعني بالبتة: آخر الثلاث تطليقات، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. لا أنه أوقع عليها لفظ البتة، وإنما سَمَّى آخر الثلاث: البتة؛ لأنها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبقي منها شيئًا. ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عَبَّر عنها بعض الرواة بالثلاث. والرواية المفصَّلة قاضيةٌ على غيرها، وهي الصحيحة. و(قوله: فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته) كان صوابه أن يقول: وَكِيلَيه؛ لأنهما الحارث بن هشام، وعياش بن ربيعة؛ كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفيه دليل على العمل بالوكالة، وشهرتها عندهم. وكأنَّ إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقةً واجبةً عليه، ولذلك سخطته، ورأت: أنها تستحق عليه (١) أكثر من ذلك وأطيب. فحين تحقَّق الوكيلان منها ذلك؛ أخبراها بالحكم، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله ﷺ فقال لها: (لا نفقة لك) على ما رواه مالك، وأكثر الرواة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة، وعلى ما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عتبة. ولم يذكروا فيها قوله: (ولا سكنى) على أنها رواية مرسلة على ما قاله أبو مسعود. ولم يرو مالك، ولا أكثر الأئمة هذه اللفظة في السكنى، وإنما هي من رواية أبي حازم عن أبي سلمة. ومن رواية الشعبي عن فاطمة. وهي التي أنكرها عليه الأسود. ولأجل اختلاف هذه الطرق، واختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ﴾؛ اختلفوا في المطلقة البائن، فقال بعضهم: لها السُّكنى، والنفقة. وهو قول عمر ﵁ وأبي حنيفة

стр. 2280

فَأَمَرَهَا أَن تَعتَدَّ فِي بَيتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلكِ امرَأَةٌ يَغشَاهَا أَصحَابِي، ــ ﵀ ولم يُعَرّجا على حديث فاطمة هذا. ولذلك قال عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) يعني بذلك: قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ﴾؛ ولأنها محبوسة بسبب المطلق، فنفقتها عليه، وكذلك سُكناها. وقال آخرون: لا سُكنى لها، ولا نفقة. وهو قول ابن عباس ﵄ وأحمد متمسِّكين بانقطاع أسباب الزوجية بينهما (١)، ولقوله: (لا سكنى لك ولا نفقة). وقال آخرون: لها السكنى ولا نفقة. وهو مذهب مالك متمسكًا في إسقاط النفقة بما رواه من قوله ﷺ : (لا نفقة لك). وفي إثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية. وأمَّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في وجوب النفقة والسكنى لها. وأما المتوفى عنها زوجها، فلا خلاف في أنها لا تجب لها نفقة؛ لأن ماله قد انتقل لورثته. واختلفوا في السكنى، فقال مالك: لا سكنى لها، إلا أن تكون رقبة الدار، ومنفعتها ملكًا للميت، فهي أحقّ بالسكنى (٢) طول عدَّتها من ورثته. وقال أبو حنيفة وغيره: لا سكنى لها جملة بغير تفصيل. وعن مالك قولةٌ شاذةٌ نحو هذا. وإليها أشار القاضي أبو الحسن بن القصار، وقال: هو القياس كالنفقة. و(قولها: فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك) لا خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلقها زوجُها يجب عليها العدّة، ثم هي - أعني: العدَّة - منقسمة بحسب أحوالهنَّ: فالحامل عدَّتُها وضعُ حملها. والحائل إن كانت حرَّة: ثلاثة أقراء. وإن لم تكن من ذوات الأقراء: فثلاثة أشهر. وأمَّا الأمة: فقرءان، أو شهران، ويجري الفسخ بغير طلاق مجرى الطلاق. وأمَّا المتوفَّى عنها زوجها: فالحرَّة تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا. والأمة: شهران

стр. 2281

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ وخمس ليال عندنا، وسيأتي بعض ذلك. وتفصيله في كتب الفقه. وأمُّ شريك اسمها: غَزِيَّة. وقيل: غُزَيلة. وهي قرشية عامريّة. وقد ذكرها بعضهم في أزواج النبي ﷺ (١). وقيل فيها: إنها أنصارية، على ما ذكره مسلم في حديث الجسَّاسة (٢)، وسيأتي. وكانت كثيرة المعروف، والنفقة في سبيل الله تعالى، والتضييف للغرباء من المهاجرين وغيرهم. ولذلك قال: (تلك امرأة يغشاها أصحابي ﵂). وإنما أذن النبي ﷺ لفاطمة أن تخرج من البيت الذي طلقت فيه؛ لما ذكره مسلم في الرواية الأخرى من أنها خافت على نفسها من عورة منزلها (٣). وفيه دليل: على أن المعتدة تنتقل لأجل الضرر. وهذا أولى من قول من قال: إنها كانت لَسِنَةً تُؤذي زوجَها وأحماءهَا بلسانها؛ فإن هذه الصِّفَة لا تليق بمن اختارها رسول الله ﷺ لِحبِّه ابن حِبِّه. وتواردت رغبات الصحابة عليها حين انقضت عدَّتُها، ولو كانت على مثل تلك الحال لكان ينبغي ألا يُرغَبَ فيها، ولا يُحرَصَ عليها. أيضًا: فلم يثبت بذلك نقل مُسنَدٌ صحيحٌ. وإنما الذي تمسَّك به في ذلك قول عائشة: ما لفاطمة خير أن تذكر هذا (٤). وقول عمر: (لا ندع كتاب الله لقول امرأة لا نعلم حفظت أو نسيت) (٥). وقول بعضهم: تلك امرأة فتنت الناس. وليس في شيء من ذلك دليل على ذلك. ويا للعجب! كيف يجترئ ذو دِينٍ أن يُقدِمَ على غيبة مثل هذه الصحابية؛

стр. 2282

اعتَدِّي عِندَ ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ، فَإِنَّهُ رَجُلٌ أَعمَى، تَضَعِينَ ثِيَابَكِ ولا يراك، ــ التي اختارها النبي ﷺ لِحِبِّه ابن حِبِّه، لسبب خبر لم يَثبُت. وأعجب من ذلك قول بعض المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَلا يَخرُجنَ إِلا أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ إنها نزلت في فاطمة؛ لأنها كانت فيها بذاذة لسان، وأذى للأحماء. وهذا لم يثبت فيه نقل، ولا يدلُّ عليه نظرٌ. فَذِكرُ ذلك عنها، ونسبَتُه إليها غيبة، أو بهتان. وأحسن ما قيل في التفسير؛ قول ابن عمر ﵄: إن الفاحشة: الزنا. فيخرجن لإقامة الحد عليهنَّ؛ وتعليله منع اعتدادها في بيت أمِّ شريك بدخول أصحابه؛ دليل على أن المرأة ممنوعة من التعرض لموضع يشقُّ عليها فيه التحرُّز من أن يُطَّلع منها على ما لا يجوز. و(قوله: اعتدِّي عند ابن أم مكتوم) وفي رواية في الأم: (عند ابن عمك عمرو بن أم مكتوم) وكذلك جاء في آخر الكتاب. وزاد: (رجل من بني فهر، من البطن الذي هي منه. والمعروف خلاف هذا، وليسا من بطن واحد. هي من بني محارب بن فهر. وهو من بني عامر بن لؤي. واختلفوا في اسم ابن أمّ مكتوم. فقيل: عمرو، كما ذكر. وقيل: عبد الله. وكذا ذكره في الموطأ، وفي آخر الكتاب. والخلاف في ذلك كثير، قاله القاضي أبو الفضل عياض. و(قوله: فإنَّه رجل أعمى تضعين ثيابك عنده) فيه دليل: على أن المرأة يجوز أن لها أن تطَّلع من الرجل على ما لا يجوز للرجل أن يطلع عليه من المرأة، كالرأس، ومعلق القرط، ونحو ذلك. فأمَّا العورة فلا. ولكنَّ هذا يعارضه ما ذكره الترمذي من قول النبي ﷺ لميمونة وأم سلمة - وقد دخل عليهما ابن أمّ مكتوم - فقال: (احتجبا منه) فقالتا: إنه أعمى! ! قال: (أفعمياوان أنتما؟ ! ألستما تبصرانه؟ ! ) (١). والجواب من وجهين:

стр. 2283

فَإِذَا حَلَلتِ فَآذِنِينِي قَالَت: فَلَمَّا حَلَلتُ ذَكَرتُ لَهُ: أَنَّ مُعَاوِيَةَ بنَ أَبِي سُفيَانَ، وَأَبَا جَهمٍ خَطَبَانِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَمَّا أَبُو الجَهمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَن عَاتِقِهِ، ــ أحدهما: أن هذا الحديث لا يصح عند أهل النقل؛ لأن راويه عن أم سلمة نبهانُ مولاها. وهو ممن لا يحتج بحديثه. وثانيهما: - على تقدير صحته - فذلك تغليظٌ منه ﷺ على أزواجه لحرمتهنَّ، كما غلَّظ عليهن أمر الحجاب. ولهذا أشار أبو داود، وغيره من الأئمة. و(قوله: فإذا حللت فآذنيني) أي: إذا انقضت عِدَّتُك. و (آذنيني): أعلميني. وفي لفظ آخر: (فلا تبدئيني (١) بنفسك) وكل ذلك بمعنى واحدٍ؛ أي: لا تزوِّجي نَفسَكِ حتى تعرِّفيني. وفيه التَّعرِيض في العدَّة. و(قولها: فلمَّا حللتُ ذكرتُ له: أن معاوية، وأبا جهم خطباني) فيه دليل على جواز الخطبة على خطبة الغير، لكن ما لم يقع التراكن؛ على ما قدمناه. و(قوله: أمَّا أبو جهم فلا يضع عصاه عن عاتقه) المعروف: أبو جهم على التكبير، وقد صغَّره بعضهم، وهو: أبو جهم (٢) بن حذيفة القرشي، العدوي. وهو صاحب الأَنبِجَانية (٣). وقد غلط فيه يحيى بن يحيى الأندلسي فقال: أبو جهم بن هشام، ولا يعرف في الصحابة من اسمه: أبو جهم بن هشام (٤)

стр. 2284

وَأَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، انكِحِي أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ فَكَرِهتُ، ثُمَّ قَالَ: انكِحِي أُسَامَةَ، ــ ولم يوافقه أحد من رواة الموطأ على ذلك. واختلف في معنى قوله: (لا يضع عصاه عن عاتقه) فقيل: معناه: أنه ضرَّاب للنساء، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفي أخرى: (فيه شدَّة على النساء). وقيل: المراد به: أنَّه كثير الأسفار. وقد جاء أيضًا في بعض رواياته في غير كتاب مسلم ما يدل على ذلك. غير أن التأويل الأول أحسن وأصحّ. وفيه ما يدل: على جواز تأديب النساء بالضرب، لكن غير المبرح. ولا خلاف في جواز ذلك على النشوز. وهو الامتناع من الزوج. قال بعضهم (١): واختلف في ضربهنَّ على خدمة بيوتهن. وهذا إنما يتمشَّى على قول من أوجب ذلك عليهنَّ. ولا يعارض هذا قوله ﷺ : (لا يجلد أحدكم زوجته جلد العبد ثم يضاجعها) (٢) لأن هذا النهي إنما يقتضي المنع من الضرب المبرح الذي لا يجوز. وهو الشديد المفرط. ولا خلاف في منع مثله. و(قوله: وأما معاوية: فصعلوك لا مال له) هذا تفسير للرواية التي وقع فيها: تِرَبٌ. وقد تقدم: أنه يقال: ترب الرجل: إذا افتقر. وأترب: إذا استغنى. وفيه ما يدلُّ على أن ذكر مساوئ الخاطب، أو من يعامل، أو من يحتاج إلى قبول قوله، أو فتياه جائز. ولا يعدُّ ذلك غيبة، ولا بهتانًا؛ إذ لا يذكر ذلك على جهة التنقيص وإضافة العيب إليه، لكن على جهة التعريف، وأداء النصيحة، وأداء الأمانة، كما فعله أهل الحديث وغيرهم. و(قوله: ولكن (٣) انكحي أسامة) فيه ما يدل على جواز نكاح المولى

стр. 2285

فَنَكَحتُهُ فَجَعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيرًا، وَاغتَبَطتُ. وفي رواية: فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ وَلَا سُكنَى. وفي أخرى: أنه طَلَّقَهَا ثَلَاثًا، وأخبر بذلك النبي ﷺ ، وَقيلُ: فَهَل لَهَا مِن نَفَقَةٍ؟ فَقَالَ ﷺ : لَيسَت لَهَا نَفَقَةٌ، وَعَلَيهَا العِدَّةُ. رواه أحمد (٦/ ٤١٢)، ومسلم (١٤٨٠) (٣٦ و ٣٧ و ٣٨)، وأبو داود (٢٢٨٥ - ٢٢٨٩)، والترمذيُّ (١١٨٠)، والنسائي (٦/ ٧٤). * * * ــ للقرشية؛ فإن أسامة مولى، وفاطمة قرشية، كما تقدم. وإن الكفاءة المعتبرة هي كفاءة الدين، لا النسب، كما هو مذهب مالك. وقد روى الدارقطني عن حنظلة بن أبي سفيان الجمحي عن أمِّه قالت: رأيت أخت عبد الرحمن بن عوف تحت بلال (١). و(قولها: (فنكحته، فجعل الله في ذلك (٢) خيرًا واغتبطت) كان ذلك منها بعد أن صدر منها توقّف، وما يدلّ على كراهتها لذلك، كما جاء في روايةٍ في الأم: فقالت بيدها - هكذا - أسامة، أسامة! فقال لها رسول الله ﷺ : (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك). قالت: فتزوجته فاغتبطت (٣). * * *

стр. 2286

(٨) باب فيمن قال: لها السكنى والنفقة [١٥٥١] عَن أَبِي إِسحَاقَ قَالَ: كُنتُ مَعَ الأَسوَدِ بنِ يَزِيدَ جَالِسًا فِي المَسجِدِ الأَعظَمِ وَمَعَنَا الشَّعبِيُّ، فَحَدَّثَ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَم يَجعَل لَهَا سُكنَى وَلَا نَفَقَةً. ثُمَّ أَخَذَ الأَسوَدُ كَفًّا مِن حَصًى فَحَصَبَهُ بِهِ فَقَالَ: وَيلَكَ تُحَدِّثُ بِمِثلِ هَذَا، قَالَ عُمَرُ: لَا نَترُكُ كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّةَ نَبِيِّنَا لِقَولِ امرَأَةٍ لَا نَدرِي لَعَلَّهَا حَفِظَت أَو نَسِيَت. لَهَا السُّكنَى ــ (٨) ومن باب: فيمن قال: لها السكنى والنفقة (١) (قول الشعبي: لم يجعل لها سكنى، يحتمل أن يكون معنى ذلك: أنه لَمَّا لم تطالب الزوجَ بأجرة السكنى -إذ كانت قد انتقلت من البيت الذي طلقت فيه حين خافت عورة منزلها إلى بيت أم شريك (٢)، فلم تطالبها أم شريك بأجرة ذلك، عبَّر الراوي عن ذلك بتلك العبارة. وإنكار الأسود على الشعبي هذا الحديث: إنما كان للذي نبَّه عليه عمرُ ﵁ بقوله: (لا نترك كتاب الله لقول امرأة) ومعنى ذلك: أنه لم يجز القرآن بخبر الواحد. وقد اختلف في ذلك الأصوليون. ويجوز أن يكون قد استمر العمل بالسكنى على مقتضى العموم، فلا يقبل حينئذ خبر الواحد في نسخه اتفاقًا. و(قوله: وسنة نبينا) قال الدارقطني: (وسنة نبينا) غير محفوظة، لم يذكرها جماعة من الثقات. قال القاضي إسماعيل: الذي في كتاب ربنا النفقة لذوات الأحمال وبحسب الحديث. ولها السكنى؛ لأن السكنى موجود في كتاب الله؛

стр. 2287

وَالنَّفَقَةُ، قَالَ اللَّهُ: لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخرُجنَ إِلَّا أَن يَأتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ. رواه مسلم (١٤٨٠) (٤٦). * * * ــ لقوله تعالى: ﴿أَسكِنُوهُنَّ﴾ الآية (١). وزاد أهل الكوفة في الحديث عن عمر: (والنفقة). قلت: ويظهر من كلام هؤلاء الأئمة: أن الثابت عن عمر ﵁ قوله: (لها السكنى) لا غير. ولم يثبتوا قوله: (والنفقة). وليس بمعروف عند أهل المدينة. ولذلك قال مالك (٢): إنه سمع ابن شهاب يقول: المبتوتة لا تخرج من بيتها حتى تحل، وليس لها نفقة إلا أن تكون حاملًا. قال مالك: وهذا الأمر عندنا. وإلى هذا أشار مروان بقوله: سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها؛ أي: بالأمر الذي اعتصم الناس به، وعملوا عليه؛ يعني بذلك: أنها لا تخرج من بيتها، ولا نفقة لها (٢). * * *

стр. 2288

(٩) باب لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها إلا إن اضطرت إلى ذلك [١٥٥٢] عَن عُبَيدِ اللَّهِ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ عُتبَةَ - وهو مرسل على ما قاله أبو مسعود الدمشقي - أَنَّ أَبَا عَمرِو بنَ حَفصِ بنِ المُغِيرَةِ خَرَجَ مَعَ عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ إِلَى اليَمَنِ فَأَرسَلَ إِلَى امرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ بِتَطلِيقَةٍ كَانَت بَقِيَت مِن طَلَاقِهَا، وَأَمَرَ لَهَا الحَارِثَ بنَ هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بنَ أَبِي رَبِيعَةَ بِنَفَقَةٍ فَقَالَا لَهَا: وَاللَّهِ مَا لَكِ نَفَقَةٌ إِلَّا أَن تَكُونِي حَامِلًا، فَأَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَذَكَرَت لَهُ قَولَهُمَا فَقَالَ: لَا نَفَقَةَ لَكِ. فَاستَأذَنَتهُ فِي الِانتِقَالِ، فَأَذِنَ لَهَا فَقَالَت: أَينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَقَالَ: إِلَى ابنِ أُمِّ مَكتُومٍ وَكَانَ أَعمَى تَضَعُ ثِيَابَهَا عِندَهُ وَلَا يَرَاهَا، فَلَمَّا مَضَت عِدَّتُهَا أَنكَحَهَا النَّبِيُّ ﷺ أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا مَروَانُ قَبِيصَةَ بنَ ذُؤَيبٍ يَسأَلُهَا عَن الحَدِيثِ، فَحَدَّثَتهُ بِهِ فَقَالَ مَروَانُ: لَم نَسمَع هَذَا الحَدِيثَ إِلَّا مِن امرَأَةٍ سَنَأخُذُ بِالعِصمَةِ الَّتِي وَجَدنَا النَّاسَ عَلَيهَا. فَقَالَت فَاطِمَةُ حِينَ بَلَغَهَا قَولُ مَروَانَ: فَبَينِي وَبَينَكُم القُرآنُ قَالَ اللَّهُ تعالى: لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ، قَالَت: هَذَا لِمَن ــ (٩) ومن باب: لا تخرج المطلقة من بيتها حتى تنقضي عدتها (١) (قول فاطمة لما بلغها قول مروان: (فبيني وبينكم القرآن) وتلت قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية، وقالت: هذا لمن كانت له الرجعة، وأشارت بقولها: (فأي أمر يحدث بعد الثلاث؟ ! ) إلى قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ

стр. 2289

كَانَت لَهُ مُرَاجَعَةٌ فَأَيُّ أَمرٍ يَحدُثُ بَعدَ الثَّلَاثِ؟ فَكَيفَ تَقُولُونَ: لَا نَفَقَةَ لَهَا إِذَا لَم تَكُن حَامِلًا؟ فَعَلَامَ تَحبِسُونَهَا؟ رواه مسلم (١٤٨٠) (٤١). [١٥٥٣] عَن فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ قَالَت: قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ زَوجِي طَلَّقَنِي ثَلَاثًا، وَأَخَافُ أَن يُقتَحَمَ عَلَيَّ قَالَ: فَأَمَرَهَا فَتَحَوَّلَت. رواه مسلم (١٤٨٢) (٥٣). ــ اللَّهَ يُحدِثُ بَعدَ ذَلِكَ أَمرًا﴾ ظاهر كلامها هذا إنما هو ردٌّ على مروان في منعه البائن من الانتقال من بيتها؛ لأنها كانت تجيز الخروج للبائن على نحو ما أباحه لها النبي ﷺ وكأنها فهمت عن مروان، أو نقل إليها: أنه يمنع البائن من الخروج مطلقا، فاستدلَّت بأن الآية التي تلتها إنما تضمنت النهي عن خروج المطلقة الرجعية؛ لأنها بصدد أن يحدث لمطلقها رأي في ارتجاعها ما دامت في عدَّتها، فكأنها تحت تصرف الزوج في كل وقت، وأما البائن فليس لها شيء من ذلك فيها، فيجوز لها أن تخرج إذا دعتها إلى ذلك حاجة، أو خافت عورة، كما أباح لها ذلك النبي ﷺ . هذا ظاهر صدر كلامها مع مروان، غير أن عجز كلامها هذا يظهر منه: أن منازعتها لمروان إنما كانت في النفقة لها. فكان مروان لا يراها لها، وهي تراها لها. وهو ظاهر قولها: (فكيف تقولون: لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا، وليس كذلك. فإنها قد نصَّت في أول الحديث على أنَّ النبي ﷺ قال: (لا نفقة لك) فكيف تخالف هي هذا النصّ؟ وتقول: إن لها النفقة. هذا محال، وكأنَّ هذا وهم من بعض الرواة في قوله: (فكيف يقولون لا نفقة لها إذا لم تكن حاملًا؟ ). و(قولها: فعلام تحبسونها؟ ) معناه: فلأيِّ شيء تمنعونها من الانتقال إذا لم تكن عليها رجعة؟ ! وقد دلَّ على هذا قوله: (فاستأذنته في الانتقال، فأذن لها) فهذا ما ظهر لي، والله تعالى أعلم. وعلى الجملة: فحديثُ فاطمة: كثرةِ اضطرابه

стр. 2290

[١٥٥٤] وعَن القَاسِمِ، عَن عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَت: مَا لِفَاطِمَةَ خَيرٌ أَن تَذكُرَ هَذَا الحديث. قَالَ: تَعنِي قَولَهَا: لَا سُكنَى وَلَا نَفَقَةَ. رواه مسلم (١٤٨١) (٥٤)، وأبو داود (٢٢٩٣). ــ قاصمةٌ، فما أولاه لاختلاف معناه ولفظه بقول عمر: الذي جعل الله تعالى الحقَّ على لسانه وقلبه. و(قول عائشة: (ما لفاطمة خير أن تذكر هذا الحديث) لا يلتفت منه إلى فَهمِ مَن فَهِمَ من قول عائشة هذا نقصًا في حق فاطمة، ولا تكذيبًا من عائشة لها على ما تقدَّم، وإنما أنكرت عليها قولها: لا سكنى لها ولا نفقة؛ كما نصَّ عليه الراوي. ويظهر من إنكار عائشة: أنها ترى: لها السكنى والنفقة، كما رآه عمر، تمسُّكًا منها بما تمسَّك هو به. والله تعالى أعلم. ويحتمل أن تكون أنكرت قولها: لا سكنى فقط، والظاهر الأول. ويغفر الله تعالى لسعيد بن المسيب ما وقع فيه حيث قال في هذه الصحابية المختارة (١): (تلك امرأةٌ فتنتِ الناس، إنها كانت لسنة، فوضعت على يد ابن أم مكتوم) وروي عنه أيضًا أنه قال: (تلك امرأة استطالت على أحمائها، فأمرها النبي ﷺ أن تنتقل) فلقد أفحش في القول، واغتابها، ولا بُدَّ لها معه من موقف بين يدي الله تعالى. وحديث فاطمة إذًا تُتُبِّعَت ألفاظ رواياته استُخرج منها أبواب كثيرة من الفقه لا تخفى على متأمِّل فطن. ووقع في الأم (٢) قول فاطمة: (فشرَّفني الله بابن زيد) و (كرمني بابن زيد) كذا لكافة الرواة، وعند السمرقندي: (بأبي زيد) فيهما، وكلاهما صحيح؛ لأن زيدًا أبوه، ويكنى هو: بأبي زيد. وقيل: أبو محمد. وهذا يدلُّ على فضلها،

стр. 2291

[١٥٥٥] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَقُولُ: طُلِّقَت خَالَتِي، فَأَرَادَت أَن تَجُدَّ نَخلَهَا، فَزَجَرَهَا رَجُلٌ أَن تَخرُجَ، فَأَتَت النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: بَلَى فَجُدِّي نَخلَكِ فَإِنَّكِ عَسَى أَن تَصَدَّقِي أَو تَفعَلِي مَعرُوفًا. رواه مسلم (١٤٨٣)، وأبو داود (١٢٩٧)، والنسائي (٦/ ٢٠٩)، وابن ماجه (٢٠٣٤). * * * ــ وتواضعها ﵂. وعلى صدق رسول الله ﷺ ؛ حيث قال لها: (طاعة الله وطاعة رسوله خير لك) فكان كما قال ﷺ . و(قوله للمعتدَّة: (فَجُدِّي نَخلِك) وإباحته لها الخروج لجدِّ نخلها؛ دليل لمالك، والشافعي، وأحمد، والليث على قولهم: إن المعتدة تخرج بالنهار في حوائجها، وإنما تلزم منزلها بالليل. وسواء عند مالك كانت رجعية أو بائنة. وقال الشافعي في الرجعية: لا تخرج ليلًا ولا نهارًا، وإنما تخرج نهارًا المبتوتة. وقال أبو حنيفة: ذلك في المتوفى عنها زوجها، وأمَّا المطلقة: فلا تخرج ليلًا ولا نهارًا. وقال الجمهور بهذا الحديث: إن الجداد بالنهار عرفًا، وشرعًا. أما العرف: فهو عادة الناس في مثل ذلك الشغل. وأما الشرع: فقد نهى ﷺ عن جداد الليل. ولا يقال: فيلزم من إطلاقه أن تخرج بالليل؛ إذ قد يكون نخلها بعيدًا تحتاج إلى المبيت فيه؛ لأنا نقول: لا يلزم ذلك من هذا الحديث؛ لأن نخلهم لم يكن الغالب عليها البعد من المدينة، بحيث يحتاج إلى المبيت، وإنما هي بحيث يخرج إليها، ويرجع منها في النهار. و(قوله: فلعلَّكِ أن تصَّدَّقي، أو تفعلي معروفًا) ليس تعليلًا لإباحة الخروج إليها بالاتفاق، وإنما خرج هذا مخرج التنبيه لها، والحضِّ على فعل الخير، والله تعالى أعلم.

стр. 2292

(١٠) باب ما جاء أن الحامل إذا وضعت حملها فقد انقضت عدتها [١٥٥٦] عن سُلَيمَانُ بنُ يَسَارٍ، أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بنَ عَبدِ الرَّحمَنِ، وَابنَ عَبَّاسٍ اجتَمَعَا عِندَ أَبِي هُرَيرَةَ وَهُمَا يَذكُرَانِ المَرأَةَ تُنفَسُ بَعدَ وَفَاةِ زَوجِهَا بِلَيَالٍ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: عِدَّتُهَا آخِرُ الأَجَلَينِ، وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ: قَد حَلَّت فَجَعَلَا يَتَنَازَعَانِ ذَلِكَ. فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَنَا مَعَ ابنِ أَخِي يَعنِي: أَبَا سَلَمَةَ فَبَعَثُوا كُرَيبًا مَولَى ابنِ عَبَّاسٍ إِلَى أُمِّ سَلَمَةَ يَسأَلُهَا عَن ذَلِكَ؟ فَجَاءَهُم، ــ (١٠) ومن باب: ما جاء أن الحامل إذا وضعت فقد انقضت عدتها (قول ابن عباس: عِدَّتها آخر الأجلين) يعني: عدة الوفاة، أو الوضع، فلا تحل بالأول منهما، بل بجميعهما. وهذا الذي ذهب إليه ابن عباس روي عن علي، واختاره سحنون من أصحابنا. وقال جمهور العلماء من السلف، وأئمة الفتوى: إنها تحل بوضع الحمل وإن لم تنقض عدَّةُ الوفاة. وقد روي أن ابن عباس رجع إلى هذا. والكل متفقون على أنها إذا انقضت لها عدَّة الوفاة ولم تضع لم تحل حتى تضع. والذي حمل الفريق الأول على ذلك روم الجمع بين قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا﴾ وبين قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحمَالِ أَجَلُهُنَّ أَن يَضَعنَ حَملَهُنَّ﴾ وذلك أنَّها إذا قعدت أقصى الأجلين فقد عملت بمقتضى الآيتين، وإن اعتدَّت بوضع الحمل فقد تركت العمل بآية عدَّة الوفاة. والجمع أولى من الترجيح باتفاق أهل الأصول. وهذا نَظَرٌ حَسَنٌ لولا حديث سُبَيعة هذا؛ فإنَّه نصَّ في أنها تحلُّ بوضع الحمل، ومبيِّنٌ أنَّ قوله تعالى: ﴿وَأُولاتُ الأَحمَالِ أَجَلُهُنَّ﴾؛ محمول على

стр. 2293

فَأَخبَرَهُم أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَت: إِنَّ سُبَيعَةَ الأَسلَمِيَّةَ نُفِسَت بَعدَ وَفَاةِ زَوجِهَا بِلَيَالٍ، وَأنَّهَا ذَكَرَت ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَمَرَهَا أَن تَتَزَوَّجَ. رواه البخاريُّ (٥٣١٨ و ٥٣١٩)، ومسلم (١٤٨٥)، والترمذيُّ (١١٩٣)، والنسائي (٦/ ١٩١). [١٥٥٧] ومن حديث عُمَرَ بنِ عَبدِ اللَّهِ بنِ الأَرقَمِ أَن سُبَيعَةَ سألت رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عن ذلك، قَالَت: فَأَفتَانِي بِأَنِّي قَد حَلَلتُ حِينَ وَضَعتُ حَملِي، وَأَمَرَنِي بِالتَّزَوُّجِ إِن بَدَا لِي قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَلَا أَرَى بَأسًا أَن تَتَزَوَّجَ حِينَ وَضَعَت، وَإِن كَانَت فِي دَمِهَا غَيرَ أَنه لَا يَقرَبُهَا زَوجُهَا حَتَّى تَطهُرَ. ــ عمومه في المطلقات والمتوفَّى عنهنّ أزواجهنّ، وأن عدَّة الوفاة مختصة بالحامل من الصنفين. ويعتضد هذا بقول ابن مسعود: إن آية سورة النساء القصرى (١) نزلت بعد آية عدَّة الوفاة. وظاهر كلامه: أنها ناسخة لها. وليس مراده -والله أعلم - وإنما يعني: أنها مخصِّصة لها؛ فإنها أخرجت منها بعض متناولاتها. وكذلك حديث سبيعة متأخر عن عدَّة الوفاة؛ لأن قصة سبيعة كانت بعد حجة الوداع، وزوجها هو سعد بن خولة، توفي بمكة حينئذ. وهو الذي رثى له رسول الله ﷺ أن مات (٢) بمكة، والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول في الطهارة على قوله: (نُفِسَت). و(قول ابن شهاب: فلا بأس أن تتزوَّج حين وضعت، وإن كانت في دمها، غير أنه لا يقربها زوجها حتى تطهر) هذا مذهب الجمهور. وقد شذَّ الحسن،

стр. 2294

رواه مسلم (١٤٨٤) (٥٦)، وأبو داود (٢٣٠٦)، والنسائي (٦/ ١٩٦)، وابن ماجه (٢٠٢٧). * * * (١١) باب في الإحداد على المَيِّت في العدة [١٥٥٨] عَن حُمَيدِ بنِ نَافِعٍ، أن زَينَبَ ابِنةِ أَبِي سَلَمَةَ أَخبَرَتهُ هَذِهِ الأَحَادِيثَ الثَّلَاثَةَ قَالَ: قَالَت زَينَبُ: دَخَلتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوجِ النَّبِيِّ ﷺ ، حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفيَانَ فَدَعَت أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفرَةٌ خَلُوقٌ أَو ــ والشعبي، والنخعي، وحماد فقالوا: لا تنكح ما دامت في دم نفاسها. والحديث حجة عليهم، ولا حجة لهم في قوله في الأم: فلمَّا تعلّت من نفاسها تجملت للخطَّاب (١)؛ لأن (تعلَّت) وإن كان أصله: طهرت من دم نفاسها، على ما حكاه الخليل، فيحتمل أن يكون المراد به هاهنا: تعلت من آلام نفاسها؛ أي: استقلت من أوجاعها وتغييراته. ولو سلِّم أن معناه ما قاله الخليل، فلا حجة فيه، وإنما الحجة في قوله ﷺ لسبيعة: (قد حللت حين وضعت) فأوقع الحِلَّ حين الوضع، وعلَّقه عليه، ولم يقل: إذا انقطع دمُكِ. ولا: إذا طَهُرتِ: فصحَّ ما قاله الجمهور. وفي حديث سُبَيعة هذه دليل: على جواز المنازعة، والمناظرة في المسائل الشرعية، وعلى أخبار الآحاد، وعلى الرجوع في الوقائع إلى من يُظَّنُّ علم ذلك عنده، وإن كان امرأة. إلى غير ذلك. (١١) ومن باب: الإحداد على المَيِّت (الخلوق) - بفتح الخاء المنقوطة -: أنواع من الطيب تخلط بالزعفران.

стр. 2295

غَيرُهُ، فَدَهَنَت مِنهُ جَارِيَةً، ثُمَّ مَسَّت بِعَارِضَيهَا، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ حَاجَةٍ غَيرَ أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللَّهِ وَاليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ، إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا. قَالَت زَينَبُ: ثُمَّ دَخَلتُ عَلَى زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا فَدَعَت بِطِيبٍ، فَمَسَّت مِنهُ، ثُمَّ قَالَت: وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِن حَاجَةٍ غَيرَ أَنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ عَلَى المِنبَرِ: لَا يَحِلُّ لِامرَأَةٍ تُؤمِنُ بِاللَّهِ ــ وهو: العبير أيضًا. وأصل العوارض: الأسنان. وسُمِّيت الخدود: عوارض لأنها عليها، من باب: تسمية الشيء باسم الشيء إذا جاوره، أو كان منه بسبب. والعارضان هاهنا هما: الخدَّان. والإحداد: مصدر: أحدَّت المرأة على زوجها فهي مُحِدٌّ: إذا امتنعت من الزينة. ويقال: حدَّت فهي حادٌّ. وكل ما يصاغ من (ح. د) كيفما تصرَّف فهو راجع إلى معنى المنع. و(قوله: لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر تحدَّ على ميت فوق ثلاث) فاعل (لا يحل) المصدر الذي يمكن صياغته من (تحد) مع (أن) المرادة. فكأنَّه قال: الإحداد. ووصفُ المرأة بالإيمان يدلُّ على صحة أحد القولين عندنا في الكتابية المتوفَّى عنها زوجها المسلم: أنها لا إحداد عليها. وبه قال أبو حنيفة، والكوفيون، وابن كنانة، وابن نافع، وأشهب من أصحابنا. وقال الشافعي وعامة أصحابنا: عليها الإحداد. و(قوله: فوق ثلاث) يعني به: الليالي، ولذلك أنَّثَ العدد (١). ويستفاد منه: أن المرأة إذا مات حميمُها فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليال متتابعة، تبدأ

стр. 2296

وَاليَومِ الآخِرِ، تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا. قَالَت زَينَبُ: سَمِعتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ: جَاءَت امرَأَةٌ إِلَى ــ بالعدد من الليلة التي تستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات حميمُها في بقية (١) يوم، أو ليلة ألغتها، وحسبت من الليلة القابلة (٢) المستأنفة. و(قوله: إلا على زوج أربعة أشهر وعشرًا) (أربعة) منصوب على الظرف، والعامل فيه (تُحِدُّ) و (عشرًا) معطوف عليه. وهذا الحديث بحكم عمومه يتناول الزوجات كلهن، المتوفَّى عنهن أزواجهن. فيدخل فيه الحرائر، والإماء، والكبار، والصغار. وهو مذهب الجمهور. وذهب أبو حنيفة: إلى أنه لا إحداد على أمة، ولا صغيرة. والحديث (٣) حجة عليه. ولا خلاف أعلمه: أنهما لا بدَّ لهما من العدَّة. فبالطريق التي تلزمهما به العدَّة يلزمهما الإحداد. و(إلا على زوج) إيجاب بعد نفي. فيقتضي حصر الإحداد على المتوفى عنها زوجها، فلا تدخل المطلقة فيه من جهة لفظه بوجه. فلا إحداد على مطلقة عندنا، رجعية كانت أو بائنة واحدة، أو أكثر. وهو مذهب مالك، والشافعي، وربيعة، وعطاء، وابن المنذر. وقال قوم: إن المطلقة ثلاثًا عليها الإحداد. وإليه ذهب أبو حنيفة، والكوفيون، وأبو ثور، وأبو عبيد. وقال الشافعي، وأحمد، وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة، وقد شذَّ الحسن فقال: لا إحداد على مطلقة، ولا متوفى عنها زوجها. وهو قول يدلّ على إبطاله نَصُّ الحديث المُتقدِّم. وأمَّا من رأى أن الإحداد على المطلقة فمستنده: إلحاقها بالمتوفَّى عنها زوجها. وليس بصحيح؛ وللحصر الذي في الحديث، لوجود الفرق بينهما.

стр. 2297

رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابنَتِي تُوُفِّيَ عَنهَا زَوجُهَا، وَقَد اشتَكَت عَينُهَا أَفَنَكحُلُهَا؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا (مَرَّتَينِ أَو ثَلَاثًا كُلَّ ــ وذلك: أن الإحداد إنما هو مبالغة في التحرز من تعرضها لأسباب النكاح في حق المتوفى عنها، لعدم الزوج؛ إذ ليس من جهته من يقوم مقامه في البحث عنها والتحرز بها، بخلاف المطلق؛ فإنه حيٌّ، متمكِّن من البحث عن أحوالها، فافترقا. هذا إن قلنا: إن الإحداد معقول المعنى. فإن قلنا: إنه تعبد؛ انقطع الإلحاق القياسي. ولو سُلِّم صحة الإلحاق القياسي؛ لكان التمسَّك بظاهر اللفظ أولى. وقد بينَّا: أنه يدلُّ على الحصر، والله تعالى أعلم. وإنَّما خصَّ الله تعالى عدَّة الوفاة بأربعة أشهر وعشر؛ لأن غالب الحمل يبين تحركه في تلك المدَّة؛ لأن النُّطفَة تبقى في الرَّحم أربعين، ثم تصير علقة أربعين، ثم مضغة أربعين، فتلك أربعة أشهر، ثم ينفخ فيه الروح بعد ذلك، فتظهر حركته في العشر الزائد على الأربعة الأشهر. وهذا على ما جاء من حديث ابن مسعود ﵁. وأنَّثَ عشرًا؛ لأنه أراد به مدَّة العشر. قاله المبرد. وقيل: لأنه أراد الأيام بلياليها. وإلى هذا ذهب كافة العلماء. فقالوا: إنها عشرة أيام بعد الأربعة الأشهر. وقال الأوزاعي: إنما أنَّث العشر؛ لأنه أراد الليالي. فعلى قول الجمهور: تحل باليوم العاشر بآخره. وعلى قول الأوزاعي: تحل بانقضاء الليلة العاشرة. وقد احتج قوم بقوله: أربعة أشهر وعشرا: على أن ما زاد على هذا العدد إذا كانت حاملًا لم يلزم فيه الإحداد. وقال أصحابنا: عليها الإحداد إلى أن تضع؛ نظرًا إلى المعنى؛ إذ كل ذلك عدَّةٍ من وفاة، وإنما خَصَّ ذلك العدد بالذكر؛ لأن الحِيَّلَ من النساء (١) أغلب، وهنَّ الأصل، والحمل طارئ. والله تعالى أعلم. ومنعه ﷺ الكحل للمرأة التي تُخُوِّفَ على عينها يدلُّ: على التشديد في منع المُحدّ من الاكتحال بما فيه زينة، أو طيب إذا وجدت منه بًّدا، إثمدًا كان أو

стр. 2298

ذَلِكَ يَقُولُ: لَا) ثُمَّ قَالَ: إِنَّمَا هِيَ أَربَعَةُ أَشهُرٍ وَعَشرٌ، وَقَد كَانَت إِحدَاكُنَّ فِي الجَاهِلِيَّةِ تَرمِي بِالبَعرَةِ عَلَى رَأسِ الحَولِ قَالَ حُمَيدٌ: فقُلتُ لِزَينَبَ: وَمَا تَرمِي بِالبَعرَةِ عَلَى رَأسِ الحَولِ؟ فَقَالَت زَينَبُ: كَانَت المَرأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ ــ غيره. وهو مذهب الجمهور. فأما إذا اضطرت إليه فاختلفوا؛ فمنهم من قال: تجعله بالليل، وتمسحه بالنهار. وبه قال الكوفيون، والنخعي، وعطاء، والشافعي، أخذًا بما في الموطأ من حديث أم سلمة، من قوله: (اجعليه بالليل، وامسحيه بالنهار) (١). ومنهم من قال: تستعمله ليلًا ونهارًا، بحسب ضرورتها. وبه قال سالم، وسليمان بن يسار، ومالك، حكاه عنه الباجي وغيره. وتأول هؤلاء قوله في هذا الحديث: (تخوفوا عليها): إن هذا الخوف لم يكن محقَّقًا، ولو كان الضرر محقَّقًا حاصلًا بلا بدَّ لأباحه لها؛ لأن المنع إذ ذاك كان يكون حرجًا في الدِّين، وهو مرفوع بقاعدة الشرع. و(قوله: إنما هي أربعة أشهر وعشر) إنما تفيد التقليل والحصر. يتمسَّك بها من يرى: أن الإحداد لا تزيد فيه الحامل على أربعة أشهر والعشر. وقد تقدَّم. و(قوله: قد كانت إحداكن في الجاهلية ترمي بالبعرة على رأس الحول) هذا منه ﷺ إخبار عن حالة المتوفَّى عنهن أزواجهن قبل ورود الشرع. وحاصله: أنهن كنَّ يقمنَّ في بيوتهن حولًا ملازمات لحالة الشَّعث، والبذاذة، والتَّفل، ووحشة المسكن، وفي شرار الثياب، والأحلاس، إلى أن ينقضي الحول، وعند ذلك تخرج، فترمي ببعرة مُشعِرَة بأن أمر العدَّة المذكورة - وإن كان شديدًا - قد هان عليها في حقِّ من مات عنها كرمي البعرة. وقيل: إنَّ معنى ذلك: أنها رمت بالعدَّة وراء ظهرها كما رمت بالبعرة. فلما جاء الإسلام أمرهن الله تعالى بملازمة البيوت

стр. 2299

عَنهَا زَوجُهَا دَخَلَت حِفشًا، وَلَبِسَت شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَم تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَو شَاةٍ أَو طَيرٍ، فَتَفتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفتَضُّ بِشَيءٍ إِلَّا مَاتَ، ثُمَّ تَخرُجُ فَتُعطَى بَعرَةً، فَتَرمِي بِهَا، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعدُ مَا شَاءَت مِن طِيبٍ أَو غَيرِهِ. ــ حولًا. وقد دلّ عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا وَصِيَّةً لأَزوَاجِهِم مَتَاعًا إِلَى الحَولِ غَيرَ إِخرَاجٍ﴾ وأشهر قول المفسرين فيها، وأحسنه: أن المتوفَّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفى حولًا، وينفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل، فإن خرجت لم يكن على الورثة جناح في قطع النفقة عنها. ثم نسخ الحول بالأربعة الأشهر والعشر. ونسخت النفقة بالربع، أو الثمن؛ قاله ابن عباس وقتادة، والضحاك، وعطاء، وغيرهم. وفي هذه الآية مباحث كثيرة لذكرها موضع آخر. قال القاضي عياض: والإجماع منعقد على أن الحول منسوخ، وأن عدَّتها أربعة أشهر وعشر. يعني: أنها منسوخة بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّونَ مِنكُم وَيَذَرُونَ أَزوَاجًا يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا﴾ و(الحِفشُ) هنا: الخصّ الصغير. وهو أيضًا الدرج، وجمعه: أحفاش. و (الأحلاس): الثياب الخشنة، وأصلها للدَّواب، وهي: المسوح التي تجعل على ظهورها. و(قولها: ثم تؤتى بدابةٍ: حمار، أو شاة، أو طير) سُمِّيت هذه كلها دواب؛ لأنها تدبُّ؛ أي: تمشي. وهذه تسمية لغوية أصلية. كما قال الله تعالى: ﴿وَمَا مِن دَابَّةٍ فِي الأَرضِ إِلا عَلَى اللَّهِ رِزقُهَا﴾ و(قوله: فتفتضُّ به، فقل ما تفتضُّ) الرواية الصحيحة بالفاء والضاد المعجمة. قال القتبي: سألت الحجازي عن الافتضاض، فذكروا: أن المعتدة

стр. 2300

رواه أحمد (٦/ ٣٢٤ و ٣٢٥)، والبخاريُّ (٥٣٣٤ - ٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٦ - ١٤٨٩)، وأبو داود (٢٢٩٩)، والترمذيُّ (١١٩٥ - ١١٩٧)، والنسائيُّ (٦/ ٢٠٢). [١٥٥٩] وعن أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ امرَأَةً تُوُفِّيَ زَوجُهَا، فَخَافُوا عَلَى عَينِهَا، فَأَتَوا النَّبِيَّ ﷺ ، فَاستَأذَنُوهُ فِي الكُحلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَد كَانَت إِحدَاكُنَّ تَكُونُ فِي شَرِّ بَيتِهَا فِي أَحلَاسِهَا (أَو فِي شَرِّ أَحلَاسِهَا فِي بَيتِهَا) حَولًا، فَإِذَا مَرَّ كَلبٌ رَمَت بِبَعرَةٍ، فَخَرَجَت أَفَلَا أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا. رواه البخاريُّ (٥٣٣٦)، ومسلم (١٤٨٨) (٦١). [١٥٦٠] وعَن أُمِّ عَطِيَّةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تُحِدُّ امرَأَةٌ عَلَى مَيِّتٍ فَوقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوجٍ أَربَعَةَ أَشهُرٍ وَعَشرًا، وَلَا تَلبَسُ ثَوبًا مَصبُوغًا إِلَّا ثَوبَ عَصبٍ، ــ كانت لا تغتسل، ولا تمس ماءً، ولا تقلم ظفرًا، وتخرج بعد الحول بأقبح منظر، ثم تفتضُّ؛ أي: تكسر ما هي فيه من العدَّة بطائر تمسح به قبلها، وتنبذه، فلا يكاد يعيش. وقال مالك: تفتضُّ: تمسح به جلدها كالنُّشرة (١). وقال ابن وهب: تمسح بيدها عليه، أو على ظهره. وقيل: معناه: تمسح به ثم تفتض؛ أي: تغتسل بالماء العذب حتى تصير كالفِضَّة. وقيل: تفتض: تُفارق ما كانت عليه. قال الأزهري: رواه الشافعي: (فتقبص) بالقاف، وبالباء بواحدة، وبالصاد المهملة. والقبص: الأخذ بأطراف الأصابع. قال: وقرأ الحسن: ﴿فَقَبَضتُ قَبضَةً مِن أَثَرِ الرَّسُولِ﴾ ذكره الهروي. و(قوله: ولا تلبس ثوبًا مصبوغًا إلا ثوب عَصبٍ) قال ابن المنذر:

стр. 2301

وَلَا تَكتَحِلُ، وَلَا تَمَسُّ طِيبًا إِلَّا إِذَا طَهُرَت نُبذَةً مِن قُسطٍ أَو أَظفَارٍ. وفي رواية: مِن قُسطٍ وأَظفَارٍ. رواه مسلم (٩٣٨) (٦٦)، وأبو داود (٢٣٠٢)، والنسائيُّ (٦/ ٢٠٢)، وابن ماجه (٢٠٨٧). * * * ــ أجمعوا على أنه لا يجوز لها لباس المُصَبَّغَة، والمعصفرة، إلا ما صُبغ بالسواد. ورخَّص فيه مالك، والشافعي، وعروة. وكرهه الزهري، وكره عروة، والشافعي العصب. وهي: برود اليمن يعصب غزلها، ثم يصبغ معصوبًا، ثم ينسج فيوشَّى. وأجازه الزهري. وأجاز غليظه مالك. قال ابن المنذر: رخَّص كلُّ من يحفظ عنه من أهل العلم في البياض. قال القاضي: ذهب الشافعي إلى أن كل صبغ كان زينة، فلا تمسّه الحادّ غليظًا كان أو رقيقًا. ونحوه للقاضي عبد الوهاب. قال: كل ما كان من الألوان تتزين به النساء لأزواجهنَّ فتمنع منه الحاد. ومنع بعض شيوخنا المتأخرين جَيِّد البياض الذي يتزين به. وكذلك الرفيع من السواد. و(قوله: ولا تمس طيبًا إلا إذا طهرت نُبذَةً من قُسط، أو أظفار). قال القاضي أبو الفضل: النبذة: الشيء اليسير، وأدخل فيه الهاء لأنه بمعنى القطعة. وإنما رُخِّص لها في هذا لقطع الروائح الكريهة، والتنظيف، لا على معنى التَّطيب مع أن القسط، والأظفار ليس من مؤنث الطيب المستعمل نفسه في ذلك. وظاهره: أنها تتبخر بذلك. وقال الداودي: تسحق القسط والأظفار وتلقيه في الماء آخر غسلها. والأول أظهر؛ لأن القسط والأظفار لا يحصل منهما شيء إلا من بخورهما. ويقال: قسط - بالقاف والكاف - وأكثر ما يستعمل القسط، والأظفار مع غيرهما فيما يتبخر به، لا بمجردهما. ووقع في كتاب البخاري: (قُسطُ أظفار) وهو خطأ؛ إذ لا يضاف أحدهما

стр. 2302

(١٢) باب ما جاء في اللِّعَان [١٥٦١] عَن سَهلَ بنَ سَعدٍ: أَنَّ عُوَيمِرًا العَجلَانِيَّ جَاءَ إِلَى عَاصِمِ بنِ عَدِيٍّ الأَنصَارِيِّ فَقَالَ لَهُ: أَرَأَيتَ يَا عَاصِمُ لَو أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ؟ أَم كَيفَ يَفعَلُ؟ سَل لِي يَا عَاصِمُ عَن ذَلِكَ ــ للآخر؛ لأنهما لا نسبة بينهما. وعند بعضهم: (قُسط ظَفَار) وهذا له وجه؛ فإن ظفار مدينة باليمن نسب إليها القُسط. وما في مسلم أحسن، والله تعالى أعلم. وعلى هذا: فينبغي (١) ألا يصرف للتعريف والتأنيث. ويكون كـ (حَذَامِ) و (قَطَامِ) أو يكون مبنيًّا على القول الثاني في (حذام) و (قطام) أعني: مبنيًّا (٢) على الكسر. (١٢) ومن باب: اللِّعَان وهو موضوع لحفظ الأنساب، ودفع المضرَّة عن الأزواج. (قوله: أرأيت رجلا وجد مع امرأته رجلًا أيقتله فتقتلونه، أم كيف يفعل؟ ) هذا سؤال غيران متحرِّز من الحدِّ، متشوِّف لمعرفة الحكم، ولو صرَّح للزمه الحدُّ، أو يُبَيِّن، أو يلتعن، كما جاء في الحديث (٣) الآخر لمن صرَّح: (البينة وإلا حدٌّ في ظهرك) (٤). وكونه ﷺ لم ينكر على السَّائل قوله: أيقتله؟ تقرير منه على ذلك.

стр. 2303

رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَسَأَلَ عَاصِمٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَكَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسَائِلَ، وَعَابَهَا حَتَّى كَبُرَ عَلَى عَاصِمٍ مَا سَمِعَ مِن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ . فَلَمَّا رَجَعَ عَاصِمٌ إِلَى أَهلِهِ جَاءَهُ عُوَيمِرٌ فَقَالَ: يَا عَاصِمُ مَاذَا قَالَ لَكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ عَاصِمٌ لِعُوَيمِرٍ: لَم تَأتِنِي بِخَيرٍ قَد كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ المَسأَلَةَ الَّتِي سَأَلتُهُ عَنهَا، قَالَ عُوَيمِرٌ: فوَاللَّهِ لَا أَنتَهِي حَتَّى أَسأَلَهُ عَنهَا، فَأَقبَلَ عُوَيمِرٌ حَتَّى أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَسَطَ النَّاسِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ ــ ويلزم منه إن قتله لم يكن فيه قصاص، ولا غيرهُ. وقد عضده قول سعد: (لو رأيته ضربته بالسيف). ولم ينكر عليه. بل صوَّبه بقوله: (تعجبون من غيرة سعد) (١). ولهذا قال أحمد، وإسحاق: يهدر دمه إذا جاء القاتل بشاهدين. واختلف أصحابنا بذلك. فقال ابن القاسم: يهدر دمه إن قتله إذا قامت البينة؛ محصنًا كان أو غير مُحصَن، واستحب الدية في غير المحصن. وقال ابن حبيب: إن كان مُحصنًا فهذا الذي ينجي قاتله البينة. وقد اختلف عن عمر ﵁ في هدر دم مثل هذا. وروي عن علي ﵁: يُقَاد منه. فأمَّا لو لم يأت ببيَّنة فإنَّه يقتل به، ولا يقبل قوله عند الجمهور. وقال الشافعي، وأبو ثور: وسعه فيما بينه وبين الله تعالى قتله. يعنيان: إذا كان محصنًا، والله تعالى أعلم. و(قوله: كره رسول الله ﷺ المسائلَ وعابها) يحتمل أن تكون هذه الكراهة لكثرة المسائل، كما قد جاء النهي عنها نصًّا. ويحتمل أن تكون لقبح هذه المسألة. ويدلّ على هذا قول عاصم: (وقد كره رسول الله ﷺ المسألة التي سألتُه عنها).

стр. 2304

امرَأَتِهِ رَجُلًا أَيَقتُلُهُ فَتَقتُلُونَهُ؟ أَم كَيفَ يَفعَلُ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : قَد نَزَلَ فِيكَ وَفِي صَاحِبَتِكَ، فَاذهَب فَأتِ بِهَا. قَالَ سَهلٌ: فَتَلَاعَنَا (في رواية: في المسجد) وَأَنَا مَعَ النَّاسِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَلَمَّا فَرَغَا قَالَ عُوَيمِرٌ: كَذَبتُ عَلَيهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إِن أَمسَكتُهَا فَطَلَّقَهَا ثَلَاثًا قَبلَ أَن يَأمُرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ــ و(قوله: قد أُنزل فيك وفي صاحبتك) يدل: على أنه ﷺ عرف أنه صاحب المسألة: فإمَّا بقرائن الأحوال، وإمَّا بالوحي. و(قوله: فتلاعنا في المسجد) فيه بيان: أن سنَّة اللعان كونه في المسجد (١)، ولم يختلف في ذلك إلا ما روي عن عبد الملك: أنَّه يكون في المسجد أو عند الإمام، وفيه: أنه يكون بحضرة الإمام. والقياس والإجماع على أنه لا يكون إلا بسلطان. و(قوله: كذبت عليها إن أمسكتُها. فطلقها ثلاثًا قبل أن يأمره رسول الله ﷺ هذا حجة للشافعي على جواز إيقاع الطلاق الثلاث في كلمة واحدة. ووجه احتجاجه: أنه ﷺ أقرَّه على ذلك. وقد انفصل أصحابنا عن ذلك بأن قالوا: إنَّه إنما أقرَّه؛ لأن الطلاق لم يقع؛ إذ لم يصادف محلًا؛ فإنها قد بانت منه بفراغهما من اللَّعان؛ بدليل قوله في الحديث الآخر: (لا سبيل لك عليها) (٢). وقد تقدَّم القول في هذه المسألة. و(قوله ﷺ للذي سمعه يطلق ثلاثًا في كلمة واحدة: (أَيُلعَب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ! ) (٣) إنكارُ محقَّقٌ.

стр. 2305

قَالَ ابنُ شِهَابٍ: فَكَانَت تلك سُنَّةَ المُتَلَاعِنَينِ. وفي رواية: فَفَارَقَهَا عِندَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : ذَاكُم التَّفرِيقُ بَينَ كُلِّ مُتَلَاعِنَينِ. رواه البخاريُّ (٥٣٠٨)، ومسلم (١٤٩٢)، وأبو داود (٢٢٤٥)، والنسائيُّ (٦/ ١٤٤)، وابن ماجه (٢٠٦٦). * * * ــ و(قول ابن شهاب: (فكانت تلك سنة المتلاعنين) ظاهره: أنها إشارة إلى كونه طلقها ثلاثًا. وكذلك قوله ﷺ : (ذاكم التفريق بين كل متلاعنين) وبه تمسَّك من شذَّ من العلماء، فقال: هو ثلاث. والجمهور على أنه ليس بثلاث. لكن اختلفوا؛ فأكثرهم: على أنه بفراغها من اللِّعَان يقع التحريم المؤبَّد، ولا تحل له أبدًا؛ وإن أكذب نفسه، متمسِّكين في ذلك بقوله: (لا سبيل لك عليها). وبما جاء في حديث ابن شهاب من رواية ابن وهب: (فمضت سنَّة المتلاعنين أن يفرق بينهما، ولا يجتمعا). وقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن، وعبيد الله بن الحسن (١)، هو واحدة بائنة، وإن أكذب نفسه بعد اللعان حدّ، وحلت له. وغيرهم يحدُّونه، ويلحقون به الولد، ولا يحلونها له، وأشذُّ الخلاف في هذه المسألة قول عثمان البَتِّي: إنه لا يفرق بينهما. وحكاه الطبري عن جابر بن زيد. وهذا القول مردود بالنصوص المُتقدِّمة. قلت: وهذه الرواية ظاهرها: أنَّه لاعنها لمجرد القذف، فإنَّه لم ينصّ فيها على رؤية الزنا، ولا على نفي الحمل، فيمكن أن يحتجّ بها من رأى اللعان لمجرد القذف، وهو الشافعي، والأوزاعي، وفقهاء المحدثين، والكوفيون. وهو أحد

стр. 2306

(١٣) باب كيفية اللِّعان ووعظ المتلاعنين [١٥٦٢] عَن سَعِيدِ بنِ جُبَيرٍ قَالَ: سُئِلتُ عَن المُتَلَاعِنَينِ فِي إِمرَةِ مُصعَبٍ أَيُفَرَّقُ بَينَهُمَا؟ قَالَ: فَمَا دَرَيتُ مَا أَقُولُ، فَمَضَيتُ إِلَى مَنزِلِ ابنِ عُمَرَ بِمَكَّةَ فَقُلتُ لِلغُلَامِ: استَأذِن لِي قَالَ: إِنَّهُ قَائِلٌ فَسَمِعَ صَوتِي فقَالَ ابنُ جُبَيرٍ؟ قُلتُ: نَعَم قَالَ: ادخُل فَوَاللَّهِ مَا جَاءَ بِكَ في هَذِهِ السَّاعَةَ إِلَّا حَاجَةٌ فَدَخَلتُ فَإِذَا هُوَ مُفتَرِشٌ بَرذَعَةً مُتَوَسِّدٌ وِسَادَةً حَشوُهَا لِيفٌ قُلتُ: أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ المُتَلَاعِنَانِ أَيُفَرَّقُ بَينَهُمَا؟ قَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ ــ قولي مالك. ويتمسَّكون أيضًا بمطلق قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرمُونَ أَزوَاجَهُم﴾ الآية. ومشهور مذهب مالك: أنَّه لا لعان في القذف المجرد، ويحدّ حتى ينصَّ على الزنا. وهو قول الليث، وأبي الزناد، والبَتِّي، ويحيى بن إسماعيل. والصحيح: أنَّه لا متمسَّك في هذا الحديث على أن مطلق الرمي موجب للِّعان؛ لأنه وإن كان قد سكت في هذه الطريق عن صفة (١) الرَّمي، فقد ذكره في رواية أخرى مفصَّلًا، وأنَّه نفى حملها. وأمَّا الآية فمتمسكهم بها واضحٌ. ولا خلاف في صحة اللَّعان في ادعاء رؤية الزنا، وفي نفي الحمل على الجملة، والله تعالى أعلم. (١٣) ومن باب: كيفية اللِّعان (قوله: إنَّه قائل): هو اسم فاعل من: قال، يقيل؛ إذا نام (٢) في كِنَّه وقت القائلة.

стр. 2307

نَعَم إِنَّ أَوَّلَ مَن سَأَلَ عَن ذَلِكَ فُلَانُ بنُ فُلَانٍ، قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيتَ لَو وَجَدَ أَحَدُنَا امرَأَتَهُ عَلَى فَاحِشَةٍ كَيفَ يَصنَعُ؟ إِن تَكَلَّمَ تَكَلَّمَ بِأَمرٍ عَظِيمٍ، وَإِن سَكَتَ سَكَتَ عَلَى مِثلِ ذَلِكَ قَالَ: فَسَكَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَلَم يُجِبهُ، فَلَمَّا كَانَ بَعدَ ذَلِكَ أَتَاهُ فَقَالَ: إِنَّ الَّذِي سَأَلتُكَ عَنهُ قَد ابتُلِيتُ بِهِ فَأَنزَلَ اللَّهُ هَؤُلَاءِ الآيَاتِ فِي سُورَةِ النُّورِ: وَالَّذِينَ يَرمُونَ أَزوَاجَهُم فَتَلَاهُنَّ عَلَيهِ وَوَعَظَهُ، وَذَكَّرَهُ وَأَخبَرَهُ أَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهوَنُ مِن ــ و(قوله: أول من سأل عن ذلك فلان بن فلان) هو -والله أعلم: عويمر العجلاني المُتقدِّم الذكر. و(قوله: إن الذي سألتك عنه قد ابتليت به) ظاهر هذا: أنَّه خطابٌ من السَّائل للنبي ﷺ لَمَّا لم يجبه، فأخبره بوقوع ذلك له، ليحقق عنده: أنه مضطر إلى المسألة فيجيبه كما فعل النبي ﷺ . وقد جاء في الأم من حديث ابن عباس (١) قال: ذكر التلاعن عند رسول الله ﷺ فقال عاصم بن عدي في ذلك قولًا، ثم انصرف، فأتاه رجل من قومه يشكو إليه: أنه وجد مع امرأته رجلًا. فقال عاصم: ما ابتليت بهذا إلا لقولي. فذهب (٢) به إلى رسول الله ﷺ وذكر الحديث. وهذا نصٌّ في أن المبتلى به عاصم من جهة: أنه امتُحن بوقوع ذلك برجل من قومه، فعظم عليه ذلك، وشق عليه، حتى تكلّف سؤال النبي ﷺ عن تلك المسألة القبيحة، ورأى أن ذلك كالعقوبة له؛ لَمَّا تكلَّم في اللعان قبل وقوعه، والله تعالى أعلم. وأما ابتلاء السَّائل الذي سأل النبي ﷺ فإنما هو: وجوده الرجل مع أهله، فهو ابتلاء آخر (٣) غير ابتلاء عاصم. و(قوله: ووعظه، وذكَّره) هذا الوعظ، والتذكير كان منه ﷺ قبل اللَّعان.

стр. 2308

عَذَابِ الآخِرَةِ قَالَ: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ مَا كَذَبتُ عَلَيهَا، ثُمَّ دَعَاهَا فَوَعَظَهَا وَذَكَّرَهَا، وَأَخبَرَهَا أَنَّ عَذَابَ الدُّنيَا أَهوَنُ مِن عَذَابِ الآخِرَةِ قَالَت: لَا وَالَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ إِنَّهُ لَكَاذِبٌ، فَبَدَأَ بِالرَّجُلِ فَشَهِدَ أَربَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِن الصَّادِقِينَ وَالخَامِسَةُ أَنَّ لَعنَةَ اللَّهِ عَلَيهِ إِن كَانَ مِن الكَاذِبِينَ، ثُمَّ ثَنَّى بِالمَرأَةِ فَشَهِدَت أَربَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِن الكَاذِبِينَ، ــ وينبغي أن يتخذ سُنة في وعظ المتلاعنين قبل الشروع في اللعان. ولذلك قال الطبري: إنه يجب على الإمام أن يعظ كل من يحلّفه، وذهب الشافعي إلى أنه يعظ (١) كل واحد بعد تمام الرابعة وقبل الخامسة؛ تمسُّكًا منه بما في البخاري من حديث ابن عباس في لعان هلال بن أمية؛ أنَّه ﷺ وعظها عند الخامسة (٢). و(قوله: فبدأ بالرَّجل) إنَّما بدأ به لأنه القاذف، فيدرأ الحدَّ عن نفسه، ولأنه هو الذي بدأ الله تعالى به. فإذا فرغ من أيمانه تعيَّن عليها: أن تُقابل أيمانَه بأيمانها النافية لِما أثبته عليها، أو الحدُّ. وهذا مما أجمع عليه العلماء. و(قوله: فشهد أربع شهادات) أي: حلف أربع أيمان. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿فَشَهَادَةُ أَحَدِهِم أَربَعُ شَهَادَاتٍ﴾؛ أي: يحَلفُ أربع أيمان. والعرب تقول: أشهد بالله؛ أي: أحلف. وكما قال شاعرهم: فَأَشهدُ عِندَ اللهِ أَنِّي أُحبُّها ... فهذا لَها عِندِي فَمَا عندَهَا لِيَا؟ وهذا مذهب الجمهور. وقال أبو حنيفة: هي شهادات محقَّقة من المتلاعنين على أنفسهما. وانبنى على هذا الخلاف في لعان الفاسقين والعبدين. فعند الجمهور يصحُّ، وعند أبي حنيفة لا يصحُّ. وربما اُستَدَل لأبي حنيفة بما رواه

стр. 2309

وَالخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيهَا إِن كَانَ مِن الصَّادِقِينَ ثُمَّ فَرَّقَ بَينَهُمَا. وفي رواية: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلمُتَلَاعِنَينِ حِسَابُكُمَا عَلَى اللَّهِ ــ أبو عمرو من حديث عمرو بن شعيب مرفوعًا: (لا لعان بين مملوكين ولا كافرين) (١). وبما رواه الدارقطني من هذا المعنى، ولا يصح منها كلها شيء عند المحدِّثين. واختلفوا في الألفاظ التي يقولها المتلاعنان. وأولى ذلك كله ما دلَّ عليه كتاب الله تعالى. وهو: أن يقول الرجل: أشهد بالله لقد زنيتِ. أو: لقد رأيتُها تزني، أو: أن هذا الحمل ليس مني، أو: هذا الولد - أربع مرات - ثم يخمس فيقول (٢): لعنة الله عليه إن كان من الكاذبين. ثم تقوم هي فتقول: أشهد بالله لقد كَذَبَ عليَّ فيما رماني به. أو: إن هذا الحمل منه، أو: هذا الولد ولده، ثم تُخَمِّسُ بأن تقول: غضب الله عليها إن كان من الصادقين. وقد زاد بعض علمائنا في اليمين: بالله الذي لا إله إلا هو. ومشهور مذهبنا: أنه إن لاعنها على رؤية الزنا: نصَّ على ذلك، كما ينصُّه شهود الزنا، فيقول كالمِروَدِ (٣) في المكحلة. وكل ذلك منهما وهما قائمان. و(قوله: ثم فرَّق بينهما) دليل لمالك ولمن قال بقوله: على أن الفرقة تقع بنفس فراغهما من التعانهما. وقد ذكرنا الخلاف في ذلك.

стр. 2310

أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيهَا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَالِي؟ قَالَ: لَا مَالَ لَكَ إِن كُنتَ صَدَقتَ عَلَيهَا فَهُوَ بِمَا استَحلَلتَ مِن فَرجِهَا، وَإِن كُنتَ كَذَبتَ عَلَيهَا فَذَاكَ أَبعَدُ لَكَ مِنهَا. رواه أحمد (٢/ ١١ و ٤٢)، والبخاريُّ (٥٣١١)، ومسلم (١٤٩٣) (٤ و ٥)، وأبو داود (٢٢٥٧)، والترمذيُّ (١٢٠٢)، والنسائي (٦/ ١٧٧). * * * ــ و(قوله في حديث ابن عمر: (أحدكما كاذب) ظاهره أنه بعد الملاعنة، وحينئذ يحقق الكذب عليهما جميعًا. وقال بعضهم: إنما قاله ﷺ قبل اللعان تحذيرًا لهما، ووعظًا. ورجح بعضهم الأول (١). و(قوله: لا سبيل لك عليها) دليل لمالك ولمن قال بقوله في تأبيد التحريم، فإن ظاهره النفي العام. وقد ذكر الدارقطني زيادة في حديث سهل بعد قوله: (ففرَّق رسول الله ﷺ بينهما) وقال: (لا يجتمعان أبدًا) (٢). وقال أبو داود عن سهل: (مضت سنَّة المتلاعنين: أن يفرَّق بينهما، ثم لا يجتمعان أبدًا) (٣). قال مالك: وهي السُّنة التي لا اختلاف فيها عندنا. * * *

стр. 2311

(١٤) باب ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام [١٥٦٣] عَن ابنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امرَأَتَهُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَهُمَا وَأَلحَقَ الوَلَدَ بِأُمِّهِ. رواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاريُّ (٥٣١٥)، ومسلم (١٤٩٤) (٨)، وأبو داود (٢٢٥٩)، والترمذيُّ (١٢٠٣)، والنسائي (٦/ ١٧٨)، وابن ماجه (٢٠٦٩). ــ (١٤) ومن باب: ما يتبع اللِّعان إذا كمل من الأحكام قد تقدَّم: أنَّه يتبعه الفراق المؤبَّد. و(قوله: وألحق الولد بأمه) أي: إنما يدعى وينسب لأمه، ولقومها، أو لمواليها - إن كانت مولاة - ويرثها وترث هي منه فرضها في كتاب الله تعالى. ويرثه إخوته لأمه ميراث الإخوة للأم. وتَوأَمَا الملاعنة يتوارثان توارث الأشقاء؛ لاستوائهما في النفي باللعان. وما بقي من ميراث ولد الملاعنة بعد أصحاب السِّهام فلموالي أمه؛ إن كانت مولاةً، أو لجماعة المسلمين؛ إن كانت عربيةً، هذا قول مالك، والزهري، والشافعي، وأبي ثور. وقال الحكم، وحماد: يرثه (١) ورثة أمه. وقال آخرون: عصبته عصبة أمه. وبه قال أحمد بن حنبل. وروي عن علي، وابن مسعود، وعطاء، وابن عمر ﵃. وقالت طائفة: أمه عصبته،

стр. 2312

[١٥٦٤] وعَن أَنَسَ أنَّ هِلَالَ بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ امرَأَتَهُ بِشَرِيكِ بنِ سَحمَاءَ، وَكَانَ أَخَا البَرَاءِ بنِ مَالِكٍ لِأُمِّهِ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الإِسلَامِ قَالَ: فَلَاعَنَهَا، فَقَالَ النبي ﷺ : أَبصِرُوهَا، فَإِن جَاءَت بِهِ أَبيَضَ ــ فما بقي عن أهل السِّهام فلها. وقال أبو حنيفة: يرد ما فضل على ورثته إن كانوا ذوي أرحام. وهذا على أصله في الردّ. و(قوله في هلال بن أمية: (إنه كان أول من لاعن في الإسلام) هذا يقتضي: أن آية اللعان نزلت بسبب هلال بن أمية، وكذلك ذكره البخاري. وهو مخالف لما تقدَّم: أنها نزلت بسبب عويمر العجلاني. وهذا يحتمل: أن تكون القضيتان متقاربتي الزمان فنزلت بسببهما معًا. ويحتمل: أن تكون الآية أُنزلت على النبي ﷺ مرَّتين؛ أي: كرر نزولها عليه، كما قال بعض العلماء في سورة الفاتحة: إنها نزلت بمكة، وتكرَّر نزولها بالمدينة. وهذه الاحتمالات وإن بَعُدت؛ فهي أولى من أن يُطَرَّق الوهم للرواة الأئمة الحفَّاظ. وقد أنكر أبو عبد الله أخو المهلب في هذه الأحاديث هلال بن أمية، وقال: هو خطأ، والصحيح: أنه عويمر. ونحوًا منه قاله الطبري. وقال: إنما هو عويمر، وهو الذي قذفها بشريك بن سحماء (١)، والله تعالى أعلم. وظاهر هذا الحديث: أن هلالًا لَمَّا صرَّح بذكر شريك: أنَّه قذفه. ومع ذلك فلم يحدّه النبي ﷺ له. وبهذا قال الشافعي: إنه لا حدَّ على الرَّامي لزوجته إذا سَمَّى الذي رماها (٢) به ثم التعن ورأى أنه التعن لهما. وعند مالك: أنَّه يحدّ،

стр. 2313

سَبِطًا قَضِيءَ العَينَينِ فَهُوَ لِهِلَالِ بنِ أُمَيَّةَ، وَإِن جَاءَت بِهِ أَكحَلَ جَعدًا حَمشَ السَّاقَينِ فَهُوَ لِشَرِيكِ بنِ سَحمَاءَ قَالَ: فَأُنبِئتُ أَنَّهَا جَاءَت بِهِ أَكحَلَ جَعدًا حَمشَ السَّاقَينِ. رواه مسلم (١٤٩٦)، والنسائي (٦/ ١٧١ و ١٧٣). ــ ولا يكتفى بالتعانه؛ لأنه إنما التعن للمرأة، ولم تكن له ضرورة إلى ذِكره، بخلاف المرأة. فهو إذًا قاذف فيحدُّ. واعتذر بعض أصحابنا عن حديث شريك: بأن يقال: بأنه كان يهوديًّا. وأيضًا: فلم يطلب شريك بشيء من ذلك. وهو حقه، فلا متعلق في الحديث. قال القاضي عياض: لا يصحُّ قول من قال: إن شريكًا كان يهوديًّا. وهو باطل. وهو: شريك بن عبدة بن مغيث، وهو بلوي حليف الأنصار، وهو أخو البراء بن مالك (١) لأمِّه. والسَّبط الشعر: هو المسترسِلُه، المنبَسِطُه. يقال: شعرٌ سبطٌ بكسر الباء وفتحها، لغتان و: سَبِطَ شعره، يَسبَط: إذا صار كذلك، وهو ضد الجعودة. و(قضيء العينين): فاسدهما. قال ابن دريد في الجمهرة: قَضِئَت عين الرَّجل: إذا احمرَّت، ودمعت. وقضئت القربة، تقضأ قَضأَ، فهي قضيئة، على وزن فعيلة: إذا عَفِنَت، وتهافتت. و(الجعد) في هذا هو: المتكسر، على ضد السُّبوطة المتقدمة. وفي رواية أخرى: (إن جاءت به جعدًا قططًا) أي: شديد الجعودة. و(أحمش الساقين): دقيقهما. ويقال للمرأة: حمشاء السَّاقين. قاله الهروي، وغيره. وضد ذلك: الخدل. وهو: امتلاء الساقين. يقال: رجل أخدل،

стр. 2314

[١٥٦٥] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: ذُكِرَ التَّلَاعُنُ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ عَاصِمُ بنُ عَدِيٍّ فِي ذَلِكَ قَولًا، ثُمَّ انصَرَفَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِن قَومِهِ يَشكُو إِلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَ مَعَ أَهلِهِ رَجُلًا. فَقَالَ عَاصِمٌ مَا ابتُلِيتُ بِهَذَا إِلَّا لِقَولِي، فَذَهَبَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَخبَرَهُ بِالَّذِي وَجَدَ عَلَيهِ امرَأَتَهُ وَكَانَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مُصفَرًّا قَلِيلَ اللَّحمِ سَبِطَ الشَّعَرِ، وَكَانَ الَّذِي ادَّعَى عَلَيهِ أَنَّهُ وَجَدَ عِندَ أَهلِهِ خَدلًا آدَمَ كَثِيرَ اللَّحمِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اللَّهُمَّ بَيِّن فَوَضَعَت شَبِيهًا بِالرَّجُلِ الَّذِي ذَكَرَ زَوجُهَا أَنَّهُ وَجَدَهُ عِندَهَا، فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَينَهُمَا فَقَالَ رَجُلٌ لِابنِ عَبَّاسٍ فِي ــ وامرأة خدلاء. وهو بالدال المهملة. وهو الخدلَّج أيضًا. و(الآدم): من الأدمة، وهي: شدَّة السُّمرة. يقال: رجل آدم. وامرأة أدماء: كأحمر، وحمراء. ويجمع آدم: أُدُمٌ، كحُمُر. وقد جاء في هذا الحديث في كتاب أبي داود (١) ألفاظ فسَّرها الخطابي فقال: (الأُرَيصِحُ: تصغير الأرصح. وهو: الخفيف الأليتين. قال الأصمعي: وهو أيضًا: الأرصع - بالعين -. و (الأَثيبج): تصغير: أثبج. والثَّبج: نتوءٌ في السُّرة. والثبج أيضًا: ما بين الكاهل ووسط الظهر. و (الجمالي): العظيم الخلق. شَبَّه خَلقه بِخَلق الجمل. ويقال من ذلك: امرأة جمالية. و(قوله ﷺ : (اللهم بيِّن) ظاهره أنه دعاء في أن يبيّن له مِمَّن الولد؟ فأجيب بأنه للذي رُمي به. وتبيَّن له ذلك: بأن الله تعالى خلقه يشبه الذي رُميت به، وعلى الصِّفة التي قال النبي ﷺ . ولذلك نسق قوله: (فوضعت) على الكلام المتقدم بـ (الفاء). وقيل معناه: اللهم بين الحكم في هذه الواقعة، كما جاء في

стр. 2315

المَجلِسِ: أَهِيَ الَّتِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو رَجَمتُ أَحَدًا بِغَيرِ بَيِّنَةٍ رَجَمتُ هَذِهِ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: لَا تِلكَ امرَأَةٌ كَانَت تُظهِرُ فِي الإِسلَامِ السُّوءَ. وفي رواية: بَعدَ قَولِهِ كَثِيرَ اللَّحمِ: جَعدًا قَطَطًا. رواه البخاريُّ (٥٣١٦)، ومسلم (١٤٩٧)، والنسائي (٦/ ١٧٤). ــ الرواية الأخرى: (اللهم افتح) (١) أي: احكم، ومنه قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَفتَحُ بَينَنَا بِالحَقِّ﴾؛ أي: يحكم. و(قوله: تلك امرأة كانت تظهر في الإسلام السوء) أي: تظهر عليها قرائن تدل على أنها بغي، تتعاطى الفاحشة، لكن لم يثبت عليها سبب شرعي يتعلق عليها به الرجم، لا إقرار، ولا حمل، ولا بينة. فلم يقم عليها حد لتلك الأسباب المحصورة. و(قوله: أبصروها، فإن جاءت به - وذكر النعوت المتقدمة - فهو لهلال، وإن جاءت به - على النعوت الأخرى- فهو لشريك) يدلُّ على أن هذا كان منه تفرسًا وحدسًا، لا وَحيًا. ولو كان وَحيًا لكان معلومًا عنده. وفيه ما يدلُّ على إلغاء حكم الشبه في الحرائر، كما هو مذهب مالك على ما قدمناه في القافة. وقوله في كتاب أبي داود لما جاءت على النعت المكروه: (لولا الأيمان لكان لي ولها شأن). وفي البخاري: (لولا ما مضى من كتاب الله) يُفهم من ذلك: أن الحكم إذا وقع على شروطه لا ينقض، وإن تبيَّن خلافه. هذا إن لم يقع خلل، أو تفريط في شيء من أسبابه. فأمَّا لو فرط الحاكم فغلط، وتبيَّن تفريطه، وغلطه بوجهٍ واضح نقض حكمه. وهذا مذهب الجمهور. وفيه: أن ذكر الأوصاف المذمومة للضرورة، والتحلية (٢) بها للتعريف ليس بغيبة.
следующие страницы →