← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2241–2280 · переход к 2246.

стр. 2241

حِينَ تَطهُرُ مِن قَبلِ أَن يُجَامِعَهَا، فَتِلكَ العِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَن تُطلق لَهَا النِّسَاءُ. ــ يعني: أنه طعنه، فكان له دم كدم الحائض. وهو المنقول عن أبي عمر، والأخفش (١). والجواب: أما عن قولهم: إن الأقراء هي الحيض في اللغة، فالمعارضة بأنها أيضًا فيها الأطهار؛ كما قال الشاعر، وهو الأعشى: مورّثةٍ مالًا وفي الحيِّ غبطةٍ ... لِمَا ضَاعَ فيها مِن قُرُوء نِسائِكا أي: من أطهارهن. وقالت عائشة: الأقراء: الأطهار. وهو منقول عن كثير من أئمة اللغة. والإنصاف: أن لفظ: (القرء) مشترك في اللغة، ولكنه ينطلق عليهما، لاشتراكهما في أصل واحد، وذلك: أن أصل القرء في اللغة (٢)، هو: الجمع، كما قال الشاعر (٣) يصف ناقته: . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... هِجَانِ اللَّونِ لَم تَقرَأ جَنِينًا

стр. 2242

وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ إِذَا سُئِلَ عَن ذَلِكَ، قَالَ لِأَحَدِهِم: إمَّا أَنتَ طلقتَ امرَأَتَكَ مَرَّةً أَو مَرَّتَينِ؛ ــ أي: لم تجمع في جوفها، أو التَّغير من حال إلى حال، كما قالوا: قرأ النَّجم: إذا أفل، وإذا ظهر. وكل واحد من الأصلين موجود في المُسمَّى: قرءا. أمَّا الأول: فلأن الدَّم (١) يجتمع في الرَّحم في أيام الطهر، ثم يجتمع في الخروج في أيام الحيض. وأيضًا: فإن الطهر، والحيض يتصل أحدهما بالآخر، ويجتمع معه. وأمَّا الثاني: فانتقال المرأة من حال الحيض إلى حال الطهر محسوس، وحال القرء فيما ذكرناه كحال الصريم، فإنه ينطلق على الليل والنهار؛ لأن كل واحد منهما ينصرم عن صاحبه. وعند الوقوف على ما ذكرناه يحصل الانفصال عما ألزمنا الحنفية من إطلاق القرء على بعض قرء، فإنه إذا كان القرء: الجمع بين الطهر والحيض، فلو طلقها في آخر الطهر الذي مسَّ فيه فقد صحَّ مسمَّى القرء؛ لاجتماع الدَّم معه. وقد انفصل حالها من الطهر إلى الحيض، فصحَّ الاسم، والله الموفق. وقد أجاب أصحابنا بجواب آخر، وهو: أن قوله: ﴿ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ كقوله تعالى: ﴿الحَجُّ أَشهُرٌ مَعلُومَاتٌ﴾ وهي شهران وبعض شهر. وسِرُّه: أنَّ البعض بالنسبة إلى الكل قد لا يلتفت إليه، والله تعالى أعلم. وأمَّا ما ذهب إليه ابن شهاب: فليس بشيء؛ لأنه انفرد به دون العلماء، ولأنه إذا ألغى ذلك أضرَّ بالمرأة، وزاد في تطويل العدّة طولًا كثيرًا، فإنَّه يلغي ذلك الطُّهر، والدَّم الذي بعده، فتشتد المضرَّة عليها، ويحصل الحرج المرفوع بأصل الشريعة. وقول ابن عمر ﵄: (إمَّا أنت طلقت امرأتك مرة أو مرتين؛ فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا. وإن كنت طلقتها ثلاثًا، فقد حرمت عليك،

стр. 2243

فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَمَرَنِي بِهَذَا، وَإِن كُنتَ طلقتَهَا ثَلَاثًا فَقَد حَرُمَت عَلَيكَ، حَتَّى تَنكِحَ زَوجًا غَيرَكَ، وَعَصَيتَ اللَّهَ فِيمَا أَمَرَكَ مِن طلاق امرَأَتِكَ. ــ وعصيت ربَّك). (إمَّا أنت): هو بكسر الهمزة؛ كقولهم: أبا خُراشة إِمَّا أنتَ ذا نَفَرِ ... فإن قوّمِيَ لم تَأكُلهُم الضَّبُعُ أي: إن كنت. فحذفوا الفعل الذي يلي (إن) وجعلوا (ما) عوضًا منه، وأدغموا (إن) في (ما) ووضعوا (أنت) مكان (التاء) في كنت. هذا قول النحويين. و(قوله: وعصيت ربك) يعني: بالطلاق ثلاثًا في كلمة. وظاهره: أنه مُحَرَّم، وهو قول ابن عباس المشهور عنه، وعمر بن الخطاب، وعمران بن حصين. وإليه ذهب مالك. وقال الكوفيون: إنه غير جائز، وإنه للبدعة. وقال الشافعي: له أن يطلق واحدة، أو اثنتين، أو ثلاثًا. كل ذلك سُنَّة. ومثله قال أحمد بن حنبل، إلا أنَّه قال: أحبُّ إليَّ أن يوقع واحدةً. وهو الاختيار. والأول أولى؛ لما يأتي إن شاء الله تعالى. و(قوله: فإن رسول الله ﷺ أمرني بهذا) إشارة إلى أمره ﷺ بالمراجعة. فكأنَّه قال للسائل: إن طلقت تطليقة أو تطليقتين فأنت مأمور بالمراجعة لأجل الحيض، وإن طلقت ثلاثًا (١) لم تكن لك مراجعة؛ لأنها لا تحل لك (٢) إلا بعد زوج. وكذا جاء مفسَّرًا في رواية أخرى في الأم. و(قوله: وإن كنت طلقت ثلاثًا؛ فقد حرمت عليك حتى تنكح زوجًا غيرك، وعصيت الله) دليلٌ على أن الطلاق الثلاث من كلمة واحدة محرَّم لازم إذا وقع

стр. 2244

وفي طريق أخرى: قَالَ عُبَيدُ اللَّهِ: قُلتُ لِنَافِعٍ: مَا صَنَعَت التَّطلِيقَةُ؟ قَالَ: وَاحِدَةٌ اعتَدَّ بِهَا. وفي أخرى: لما ذَكَرَ عُمَرُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ ، تَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ قَالَ نحو ما تقدم. وفيها: وَكَانَ عَبدُ اللَّهِ طلقهَا تَطلِيقَةً وَاحِدَةً فَحُسِبَت مِن طلاقهَا وَرَاجَعَهَا عَبدُ اللَّهِ، كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . وفي أخرى: فَقَالَ ﵊: مُرهُ فَليُرَاجِعهَا، ثُمَّ لِيُطلقهَا طَاهِرًا أَو حَامِلًا. وفي أخرى: قال أَنَسِ بنِ سِيرِينَ قَلَت لابنَ عُمَرَ: فَاعتَدَدتَ بِتِلكَ التَّطلِيقَةِ الَّتِي طلقتَ وَهِيَ حَائِضٌ؟ قَالَ: مَا لِيَ لَا أَعتَدُّ بِهَا؟ وَإِن كُنتُ عَجَزتُ وَاستَحمَقتُ. ــ على ما يأتي (١) وهو مذهب الجمهور. و(قوله: مرّه فليراجعها، ثم ليطلقها طاهرًا أو حاملًا) فيه دليل على جواز طلاق الحامل في أي وقت شاء، وإنه للسُّنة. وهو قول كافة العلماء، وهم على أصولهم. فمالك، ومحمد بن الحسن، وزفر يرون: أنَّه لا يكرر عليها الطلاق إلى أن تضع. والشافعي: يجوز تكرار الطلاق عليها فيه. وأبو حنيفة وأبو يوسف: يجعل بين التطليقتين شهرًا. و(قوله: أرأيت إن عجز أو استحمق؟ ! ) هذه الرواية فيها إشكال. يفسره ما وقع في رواية أخرى: (أرأيت إن كان ابن عمر عجز أو استحمق، فماذا يمنعه أن يكون طلاقا) يعني: أنَّه لو طرأ عليه عجز عن الرجعة أو ذهاب عقل حتى

стр. 2245

رواه أحمد (٢/ ٦)، والبخاري (٥٣٣٢)، ومسلم (١٤٧١) (١) و (٣) و (١١) و (١٤)، وأبو داود (٢١٧٩)، والنسائي (٦/ ١٣٨)، وابن ماجه (٢٠١٩). * * * ــ لا يتأتى له الارتجاع، أكان يُنحِلُّ ذلك بالطلاق المتقدم، أو كانت المرأة تبقى معلقة، لا ذات زوج، ولا مطلقة. وكأنَّه يقول: المعلوم من الشريعة: أنه لو طرأ شيء مما ذكر لما كان قادحًا في الطلاق المُتقدِّم. فإذًا: الطلقة واقعة يحتسب له بها، كما قال: (فحسبت من طلاقه). (واستحمق) - بفتح التاء -: مبنيًّا للفاعل، وهو غير متعدٍّ، فلا يجوز أن يُرَدّ لِما لم يُسَمَّ فاعله لذلك. ومعناه: حمق، وظهر عليه ذلك. و(قوله: وقرأ النبي ﷺ : (فطلقوهن لقبل عدتهن) هذا تصريح برفع هذه القراءة إلى رسول الله ﷺ غير أنها شاذة عن المصحف، ومنقولة آحادًا، فلا تكون قرآنًا، لكنها خبر مرفوع إلى النبي ﷺ صحيح، فهي حجة واضحة لمن يقول بأن الأقراء هي الأطهار، كما تقدَّم. وهي قراءة ابن عمر، وابن عباس. وفي قراءة ابن مسعود: (لقبل طهرهن). قال جماعة من العلماء: وهي محمولة على التفسير، لا التلاوة. * * *

стр. 2246

(٢) باب ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا [١٥٣٩] عَن عَائِشَةَ قَالَت: جَاءَت امرَأَةُ رِفَاعَةَ القرظي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَت: كُنتُ عِندَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي، فَتَزَوَّجتُ عَبدَ الرَّحمَنِ بنَ الزَّبِيرِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ مِثلُ هُدبَةِ الثَّوبِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: أَتُرِيدِينَ أَن تَرجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيلَتَهُ، وَيَذُوقَ عُسَيلَتَكِ. قَالَت: ــ (٢) ومن باب: ما يُحِلُّ المطلقة ثلاثًا (قول المرأة: (فطلقني، فبتَّ طلاقي) ظاهره: أنَّه قال لها: أنتِ طالقٌ البتَّة، فيكون حجة لمالك على: أن البتَّة محمولة على الثلاث في المدخول بها. ويحتمل أن تريد به آخر الثلاث تطليقات (١)، كما جاء في الرواية الأخرى: (أن رجلًا طلق امرأته ثلاثًا). وجاز أن يعبِّر عنها بالبتات؛ لأن الثلاث قطعت جميع العُلَق، والطلاق. ولم تبقِ شيئًا بين الزوجين. (وعبد الرحمن بن الزبير) - بفتح الزاي، وكسر الباء، ولم يختلف في ذلك -: وهو الزبير بن باطا. و(هدبة الثوب): طرفه الذي لم ينسج، وتعني به: ما يبقى بعد قطع الثوب من السَّدى، شُبِّه بـ (هُدَبِ العَين) وهو: الشعر النابت على حرفها. و(قوله: حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) مذهب الجمهور: أن هذا كناية عن الجماع. وقال بعضهم: في تصغير (عُسَيلَة) دليل: على أن الوطأة الواحدة كافية في إباحتها لمطلقها. وشذَّ الحسن فقال: العسيلة هنا: كناية عن المني، فلا تحل له عنده إلا بإنزاله. قلت: ولا شك أن أول الإيلاج مبدأ اللذة، وتمامها الإنزال، والاسم

стр. 2247

وَأَبُو بَكرٍ عِندَهُ وَخَالِدٌ بِالبَابِ يَنتَظِرُ أَن يُؤذَنَ لَهُ، فَنَادَى: يَا أَبَا بَكرٍ أَلَا تَسمَعُ هَذِهِ مَا تَجهَرُ بِهِ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ . ــ يصدق (١) على أقل ما ينطلق عليه. فالأولى ما ذهب إليه الجمهور، والله تعالى أعلم. وهذا الحديث نصٌّ في الردِّ على ما شذَّ فيه سعيد بن المسيب عن جماعة من العلماء في قوله: إن عقد النكاح بمجرده يُحلِّهُا لمطلقها. وقال بعض علمائنا: ما أظن سعيدا بلغه هذا الحديث، فأخذ بظاهر القرآن، وشذَّ في ذلك، ولم يقل أحدٌ بقوله. قلت: قد قال بقول سعيد بن المسيب: سعيدُ بن جبير وجماعة من السلف، على ما حكاه القاضي عبد الوهاب في شرح رسالة ابن زيد. ويفهم من قوله: (حتى تذوقي عسيلته، ويذوق عسيلتك) استواؤهما في إدراك لذة الجماع. وهو حجة لأحد القولين عندنا في: أنه لو وطئها نائمة، أو مغمى عليها لم تحل لمطلقها؛ لأنها لم تذق العسيلة؛ إذ لم تدركها. وتبسم رسول الله ﷺ إما من تغطية مرادها في الرجوع إلى زوجها الأول، أو تعجبا من تصريحها بشكواها بما عادة النساء الاستحياء منه. وفيه دليل على أن مثل هذا إذا صدر من مدَّعيته لا ينكر عليها، ولا توبّخ بسببه، فإنه في معرض المطالبة بالحقوق. ويدل على صحته: أن أبا بكر ﵁ لم ينكره، وإن كان خالد قد حرَّكه للإنكار، وحَضَّه عليه. و(تجهر): ترفع صوتها. وفي غير كتاب مسلم: (تهجر) من الهجر. وهو: الفحش من القول. و(قوله ﷺ : (أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة) تمسَّك به داود، وابن عُلَيَّة،

стр. 2248

وفي رواية: أنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطلِيقَاتٍ. رواه أحمد (٦/ ١٩٣)، والبخاريُّ (٥٢٦١)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٢) و (١١٣). [١٥٤٠] وعَنها قَالَت: طَلَّقَ رَجُلٌ امرَأَتَهُ ثَلَاثًا، فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ، ثُمَّ طَلَّقَهَا قَبلَ أَن يَدخُلَ بِهَا، فَأَرَادَ زَوجُهَا الأَوَّلُ أَن يَتَزَوَّجَهَا فَسُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ فَقَالَ: لَا حَتَّى يَذُوقَ الآخِرُ مِن عُسَيلَتِهَا مَا ذَاقَ الأَوَّلُ. رواه أحمد (٦/ ٣٤)، والبخاريُّ (٢٦٣٩)، ومسلم (١٤٣٣) (١١٥) وأبو داود (٣٣٠٩)، والترمذي (١١١٨)، والنسائي في الكبرى (٩٣١٦)، وابن ماجه (١٩٣٢). ــ والحكم. وقالوا: لا تطلق المرأة بسبب عُنَّةِ زوجها؛ لأن النبي ﷺ لم يطلق عليه، ولا ضرب له أجلًا. وجمهور العلماء من السَّلف وغيرهم على خلافهم، وأنه يُضرَبُ له أجل، فإن دخل بها، وإلا فرق بينهما. وقد حكى بعض أئمتنا الإجماع على ذلك، وكأنَّه يريد إجماع السَّلف، والله تعالى أعلم. ولا حجة لداود، ولا لمن قال بقوله في الحديث الذي تمسَّكوا به؛ لأن الزوج لم يصدِّقها على ذلك؛ بدليل ما رواه البخاري في هذا الحديث: أنَّها لما قالت: إن ما معه ليس بأغنى عَنِّي من هذه -وأخذت هدبة من ثوبها -، فقال: كذبت، والله إني لأنفضها نفض الأديم، ولكنها ناشزة تريد أن ترجع إلى رفاعة (١). وإنما يضرب الأجل إذا تصادقا على عدم المسيس، أو عرضت عليه اليمين فنكل، على ما يقوله بعضهم.

стр. 2249

(٣) باب إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة [١٥٤١] عَن طَاوُسٍ، عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: كَانَ الطَّلَاقُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَأَبِي بَكرٍ، وَسَنَتَينِ مِن خِلَافَةِ عُمَرَ طَلَاقُ الثَّلَاثِ وَاحِدَةً، فَقَالَ ــ واختلف الجمهور في الأجل. فمعظمهم (١): على سَنَةٍ؛ لأنه إن كان مرضًا؛ دارت عليه فصول السَّنَة، ولا بدَّ أن يوافقه (٢) فصل منها غالبًا، فيرتجى برؤُه فيها. فإذا انقضت السَّنَةُ، ولم يبرأ دلّ ذلك على أنه زمانةٌ لازمة، فيفرَّق بينهما رفعًا للضرر عنها. وقال بعض السَّلف: عشرة أشهر. والأمر قريب؛ فإنه نَظَرَ في تحقيق مناطٍ. وكل ذلك فيمن يرتجى زوال ما به. وأما المجبوب، والخصيُّ؛ فَيُطلق عليه من غير أجلٍ. (٣) ومن باب: إمضاء الطلاق الثلاث من كلمة (قوله: كان الطلاق على عهد رسول الله ﷺ طلاق الثلاث واحدة) وفي الرواية الأخرى: (إنما كانت الثلاث تجعل واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وثلاثًا من إمارة عمر) وفي الرواية الثالثة: (ألم يكن طلاق الثلاث واحدة، فقال: قد كان ذلك، فلما كان في عهد عمر تتايع الناس في الطلاق فأجازه عمر عليهم) تمسَّك بظاهر هذه الروايات شذوذٌ من أهل العلم، فقالوا: إن طلاق الثلاث في كلمة يقع واحدة؛ وهم: طاوس، وبعض أهل الظاهر. وقيل: هو مذهب محمد بن إسحاق، والحجاج بن أرطاة، وقيل عنهما: لا يلزم منه شيء. وهو مذهب مقاتل، والمشهور عن الحجاج بن أرطاة. وجمهور السَّلف والأئمة:

стр. 2250

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أنَّه لازمٌ واقعٌ ثلاثًا، ولا فرق بين أن يوقع مجتمعًا في كلمة أو مفرَّقًا في كلمات، غير أنهم اختلفوا في جواز إيقاعه كما قدمناه. فأما من ذهب: إلى أنه لا يلزم شيء منه - وهو مذهب ابن إسحاق ومقاتل (١): ففساده ظاهر بدليل الكتاب، وذلك: أن الله تعالى قال: ﴿وَالمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ﴾ وهذا يَعُم كُلَّ مطلقةٍ خُصَّ منه المطلقة قبل الدخول، ومن تعتد بالشهور والحمل. وبقيت متناولة لما بقي. لا يقال: يراد بالمطلقات هنا: الرجعية؛ بدليل قوله: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ لأنَّا نقول: ليس ذلك بتخصيص لذلك العموم (٢)، وإنما هو بيانُ حُكم بعض ما تناوله العموم، ويدل على ذلك أيضًا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحتُمُ المُؤمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقتُمُوهُنَّ مِن قَبلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُم عَلَيهِنَّ مِن عِدَّةٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحنَ أَزوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوا بَينَهُم بِالمَعرُوفِ﴾ ونحو هذا. ووجه دلالة (٣) هذا النمط: أنَّه قد حكم بأن وقوع ما يقال عليه طلاق يقتضي منع الزوج مِمَّا كان له على الزوجة من التصرف، ويلزمه أحكامً أُخر لا تكون في حالة الزوجية، ولا يعني بكونه واقعًا إلا ذلك، وإيقاع الطلاق ثلاثًا يقال عليه طلاق بالاتفاق فتلزم تلك الأحكام. وقد أشبعنا القول في هذه المسألة في جزء كتبناه في هذه المسألة سؤالًا وجوابًا. ثم حديث ابن عباس هذا يدلُّ ظاهرًا على أنَّه كان الطلاق ثلاثًا واقعًا لازمًا في تلك الأعصار، فيستدل به عليهم على جهة الإلزام، وإن كنَّا لا نرى التمسُّك به؛ لما سنذكره إن شاء الله تعالى. وعلى الجملة فمذهب هذين الرجلين شاذُّ الشاذِّ،

стр. 2251

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ولا سلف لهم فيه، ولا بعد في أن يقال: إن إجماع السَّلف على خلافهما - على ما يتبيَّن مِما نذكره - بَعدُ عن السَّلف -، فإنهم كانوا منقسمين إلى من يراه ثلاثًا، وإلى من يراه واحدة. والكل متفقون على وقوعه، والله تعالى أعلم. وأمَّا من ذهب إلى أنَّه واقعٌ واحدةً؛ فهو أيضًا فاسدٌ. وقد استدل القائلون به على صحته بثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عبَّاس هذا. وثانيها: حديث ابن عمر على رواية من روى: أنَّه طلق امرأته ثلاثًا، وأنَّه ﷺ أمره برجعتها، واحتُسِبَت له واحدة. وثالثها: أن أبا رُكَانَة طلق امرأته ثلاثًا، فأمره رسول الله ﷺ برجعتها؛ والرَّجعة تقتضي وقوع واحدة. ولا حجة لهم في شيء من ذلك. أمَّا حديث ابن عباس؛ فلا يصح به الاحتجاج لأوجه: أحدها: أنَّه ليس حديثًا مرفوعًا للنبي ﷺ وإنما ظاهره الإخبار عن أهل عصر رسول الله ﷺ وعصر أبي بكر باتفاقهم على ذلك، وإجماعهم عليه، وليس ذلك بصحيح. فأوّل مَن خالف ذلك بفتياه ابن عباس. فروى أبو داود من رواية مجاهد عنه قال: كنت عند ابن عباس فجاءه رجل فقال: إنَّه طلق امرأته ثلاثًا. قال: فسكت حتى ظننت أنَّه رادّها إليه، ثم قال: ينطلق أحدكم يركب الحموقة، ثم يقول: يا بن عباس! يا بن عباس! قال: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجعَل لَهُ مَخرَجًا﴾ وإنك لم تتق الله، فما أجد لك مخرجًا، عصيت ربك وبانت منك امرأتك (١). وفي الموطأ عنه: أن رجلًا قال لابن عباس: إني طلقت امرأتي مائة تطليقة.

стр. 2252

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فقال له ابن عباس: طلقت منك بثلاث (١)، وسبعة وتسعون اتخذتَ بها آيات الله هزوًا (٢). وقال أبو داود: قول ابن عباس هو: إن طلاق الثلاث يبين من الزوجة، فلا تحل له حتى تنكح زوجًا غيره، مدخولًا بها كانت، أو غير مدخول بها. ونحوه عن أبي هريرة، وعبد الله بن عمر (٣). وفي الموطأ: أن رجلًا جاء إلى ابن مسعود، فقال: إنِّي طلقت امرأتي ثماني تطليقات. قال ابن مسعود: فماذا قيل لك؟ قال: قيل لي: إنها بانت منك. قال ابن مسعود: صدقوا، هو كما يقولون (٤)؛ فهذا يدلُّ على وجود الخلاف فيها في عصر الصحابة، وأن المشهور عندهم، المعمول به، خلاف مقتضى حديث ابن عباس. فبطل التمسَّك به. الوجه الثاني: لو سلمنا أنه حديث مسند مرفوع للنبي ﷺ لما كان فيه حجة؛ لأن ابن عباس هو راوي الحديث، وقد خالفه بعمله وفتياه. وهذا يدلُّ على ناسخ ثبت عنده، أو مانع شرعي منعه من العمل. ولا يصح أن يُظَّن به: أنه ترك العمل بما رواه مجانًا (٥) أو غالطًا؛ لما علم من جلالته، وورعه، وحفظه، وتثبته. قال أبو عمر بن عبد البر - بعد أن ذكر عن ابن عباس فتياه من طرق متعددة بلزوم الطلاق ثلاثًا من كلمة واحدة -: ما كان ابن عباس ليخالف رسول الله ﷺ والخليفتين، إلى رأي نفسه. ورواية طاوس وهم وغلط، لم يُعَرَّج عليها أحدٌ من فقهاء الأمصار بالحجاز، والعراق، والشام، والمشرق، والمغرب. وقد قيل: إن أبا الصهباء لا يُعرف في موالي ابن عباس.

стр. 2253

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ الوجه الثالث: لو سلمنا كل ما تقدَّم؛ لَمَا كان فيه حجة؛ للاضطراب والاختلاف الذي في سنده ومتنه؛ وذلك: أن أبا الصهباء رواه عن ابن عباس بتلك الألفاظ المختلفة؛ التي وقعت في كتاب مسلم كما ذكرناها. وقد روى أبو داود من حديث أيوب، عن غير واحد، عن طاوس: أن رجلًا يقال له: أبا الصهباء كان كثير السؤال لابن عباس. قال: أما علمت أن الرجل كان إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدةً على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر. فقال ابن عباس: بل كان الرجل إذا طلق امرأته ثلاثًا قبل أن يدخل بها جعلوها واحدة على عهد رسول الله ﷺ وأبي بكر، وصدرًا من خلافة عمر، فلمَّا رأى الناس تتايعوا فيها قال: أجيزوهُنَّ عليهم (١). فقد اضطرب فيه أبو الصهباء عن ابن عباس في لفظه كما ترى. وقد اضطرب فيه طاوس. فمرَّة رواه عن أبي الصهباء، ومرَّة عن ابن عباس نفسه. ومهما كثر الاختلاف والتناقض ارتفعت الثقة، لا سيما عند المعارضة على ما يأتي. ثم العَجب: أنَّ معمرًا روى عن ابن طاوس، عن أبيه: أن ابن عباس سُئل عن رجل طلق امرأته ثلاثًا. فقال له: لو اتقيت الله لجعل لك مخرجًا (٢). وظاهر هذا أنَّه لا مخرج له من ذلك، وأنَّها ثلاث. وهذه كرواية الجماعة الكثيرة عن ابن عباس؛ كسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء، وعمرو بن دينار، ومحمد بن إلياس بن البكير، والنعمان بن أبي عياش، كلهم روى عنه: أنَّه ثلاث، وأنها لا تحل له إلا من بعد زوج. الوجه الرابع: لو سلمنا سلامته من الاضطراب لَمَا صحَّ أن يحتج به؛ لأنه يلزم منه ما يدلُّ على أن أهل ذلك العصر الكريم كانوا يكثر فيهم إيقاع المحرمات والتساهل فيها، وترك الإنكار على من يرتكبها. وبيان اللزوم: أن ظاهره أن

стр. 2254

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ أصحاب رسول الله ﷺ كان يقع الطلاق الثلاث كثيرًا منهم في عصر النبي ﷺ وعصر أبي بكر، وسنتين من خلافة عمر، أو ثلاث، ويستفتون علماءهم فيفتونهم بأنه واحدة، ولا ينكرون عليهم. مع أن الطلاق ثلاثًا في كلمة واحدة محرم بدليل قول ابن عمر، وابن عباس، للمطلق ثلاثًا: (بانت منك، وعصيت ربك) (١). وبدليل ما رواه ابن عباس، عن محمود بن لبيد - قال البخاري: له صحبة - قال: أُخبِرَ رسول الله ﷺ عن رجل طلق امرأته ثلاث تطليقات جميعًا، فقام غضبان، ثم قال: (أيلعب بكتاب الله وأنا بين أظهركم؟ ) (٢) هذا يدل على أنه محرم، ومنكر. فكيف يكثر فيهم العمل بمثل هذا، ولا ينكرونه؟ ! هذا محال على قوم وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿كُنتُم خَيرَ أُمَّةٍ أُخرِجَت لِلنَّاسِ تَأمُرُونَ بِالمَعرُوفِ وَتَنهَونَ عَنِ المُنكَرِ﴾ إلى غير ذلك مما وصفهم الله تعالى به. لا يُقال: هذا يبطل بما وقع عندهم من الزِّنا، والسرقة، وغير ذلك من الأسباب التي ترتبت عليها الأحكام؛ لأنا نقول: هذه لما وقعت أنكروا تلك الأمور، وأقاموا الحدود فيها، ولم يفعلوا ذلك فيما ذكرناه، فافترقا، وصحَّ ما أبديناه. فإن قيل: لعل تحريم ذلك لم يكن معلومًا عندهم. قلنا: هذا باطل. فإنهم أعرف بالأحاديث ممن بعدهم. وقد ذكرنا ما روي في ذلك عن ابن عباس وابن عمر، والله تعالى أعلم. الوجه الخامس: إن ظاهر ذلك الحديث خبر عن جميعهم أو عن معظمهم، والعادة تقتضي - فيما كان هذا سبيله - أن يفشو، وينتشر، ويتواتر نقله، وتحيل أن ينفرد به الواحد. ولم ينقله عنهم إلا ابن عباس، ولا عنه إلا أبو الصهباء. وما رواه طاوس عن ابن عباس في الأصل قد رواه أبو داود عن طاوس عن أبي الصهباء، عن ابن عباس. ولو رواه عنه لم يخرج بروايته عنه عن كونه خبر واحد غير

стр. 2255

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مشهور. وهذا الوجه يقتضي القطع ببطلان هذا الخبر. فإن لم يقتض ذلك؛ فلا أقل من أن يفيدنا الريبة فيه والتوقف، والله تعالى أعلم. الوجه السادس: تطرُّق التأويل إليه. ولعلمائنا فيه تأويلان: أحدهما: ما قاله بعض البغداديين: إن معناه الإنكار على من يخرج عن سنَّة الطلاق بإيقاع الثلاث، والإخبار عن تساهل الناس في مخالفة السُّنَّة في الزمان المتأخر عن العصرين السابقين، فكأنه قال: كان الطلاق الموقع الآن ثلاثًا في ذينك العصرين واحدة، كما يقال: كان الشجاع الآن جبانًا في عصر الصحابة. وكان الكريم الآن بخيلًا في ذلك الوقت. فيفيد تغير الحال بالناس. وثانيهما: قال غير البغداديين: المراد بذلك الحديث من تكررَّ الطلاق منه، فقال: أنت طالق، أنت طالق، أنت طالق. فإنها كانت عندهم محمولة في القدم على التأكيد. فكانت واحدة. وصار الناس بعد ذلك يحملونها على التجديد، فأُلزِمُوا ذلك لَمَّا ظهر قصدَهم إليه. ويشهد بصحة هذا التأويل قول عمر ﵁: إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة. وقد تأوَّله غير علمائنا على أن ذلك كان في المطلقة قبل الدُّخُول، كما دلَّ عليه حديث أبي داود؛ الذي تقدَّم ذكره، وأبدى بين المدخول بها وغيرها فرقًا. فقال: إنما جعلوه في غير المدخول بها (١) واحدة؛ لأنها تبين بها، وكأنَّ هؤلاء أشاروا إلى أن قوله لغير المدخول بها: أنت طالق. قد أبانها، وبقي قوله: ثلاثًا. لم يصادف محلًا، فأجروا المتصل مجرى المنفصل. وهذا ليس بشيء؛ فإنَّ قوله: أنت طالق ثلاثًا. كلام واحد متصل غير منفصل. ومن المحال البَيِّن إعطاء الشيء حُكم نَقِيضِه، وإلغاء بعض الكلام الواحد. وأشبه هذه التأويلات الثاني على ما قرَّرناه، والله تعالى أعلم. هذا الكلام على حديث ابن عباس. وأمَّا حديث ابن عمر: أنَّه طلق امرأته ثلاثًا، فغير صحيح، كما قد ذكره

стр. 2256

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ مسلم عن ابن سيرين، كما قدمناه. وأيضًا: فإن الدارقطني روى عن أحمد بن صبيح، عن طريف بن ناصح، عن معاوية بن عمار الدُّهني، عن أبي الزبير قال: سألت ابن عمر عن رجل طلق امرأته ثلاثًا وهي حائض؟ فقال لي: أتعرف ابن عمر؟ قلت: نعم. قال: طلقت امرأتي ثلاثًا على عهد رسول الله ﷺ فردّها رسول الله ﷺ إلى السُّنَّة. قال الدارقطني: كلهم شيعة (١). وقال غيره: ما فيهم من يحتج به. وأمَّا حديث أبي رُكَانة فحديث مضطرب، منقطع، لا يُسنَد من وجه يحتج به؛ رواه أبو داود من حديث ابن جريج عن بعض بني أبي رافع، وليس فيه من يحتج به، عن عكرمة، عن ابن عباس، وقال فيه: إن عبد يزيد بن ركانة طلق امرأته ثلاثًا، فقال له رسول الله ﷺ : (أرجعها) (٢). وقد رواه أيضًا من طريق نافع بن عُجَير: أن ركانة بن عبد يزيد طلق امرأته البتة، فاستحلفه رسول الله ﷺ : ما أراد بها؟ فحلف: ما أراد إلا واحدة. فردَّها إليه (٣). فهذا اضطراب في الاسم والفعل. ولا يحتج بشيء من مثل هذا، فقد ظهر وتبيَّن: أنَّهم لا حجة لهم في شيء مما تمسَّكوا به. فأمَّا حجة الجمهور: فالتمسَّك بالقاعدة المقررة: أنَّ المطلقة ثلاثًا، لا تحلُّ لمطلقها حتى تنكح زوجًا غيره. ولا فرق بين مفرّقها ومجموعها؛ إذ معناهما واحد لغة وشرعًا. وما يتَخَيَّل من الفرق بينهما فصوريٌّ؛ ألغاه الشرع قطعًا في النكاح، والعتق، والإقرار. فلو قال الولي للخاطب في كلمة واحدة: أنكحتك هؤلاء الثلاث، فقال: قبلت. لزم النكاح، كما إذا قال: أنكحتك (٤) هذه،

стр. 2257

عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ: إِنَّ النَّاسَ قَد استَعجَلُوا فِي أَمرٍ كَانَت لَهُم فِيهِ أَنَاةٌ، فَلَو أَمضَينَاهُ عَلَيهِم فَأَمضَاهُ عَلَيهِم. رواه مسلم (١٤٧٢) (١٥). [١٥٤٢] وعَن أَبِي الصَّهبَاءِ أنه قَالَ لِابنِ عَبَّاسٍ: أَتَعلَمُ أَنَّمَا كَانَت الثَّلَاثُ تُجعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهدِ رسول الله ﷺ ، وَأَبِي بَكرٍ وَثَلَاثًا مِن إِمَارَةِ عُمَرَ؟ فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: نَعَم. رواه مسلم (١٤٧٢) (١٦). [١٥٤٣] وعَنه أَنَّه قَالَ لِابنِ عَبَّاسٍ: هَاتِ مِن هَنَاتِكَ أَلَم يَكُن الطَّلَاقُ الثَّلَاثُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَأَبِي بَكرٍ وَاحِدَةً؟ فَقَالَ: قَد كَانَ ــ وهذه، وهذه. وكذلك في العتق، والإقرار. فكذلك الطلاق. وقد ذكر الدارقطني جملة من الأحاديث المرفوعة عن عليّ، وعبادة بن الصامت، وحفص بن المغيرة، وابن عمر كلها تقتضي البينونة، وأنها لا تحلُّ له حتى تنكح زوجًا غيره. ولم يفرِّق فيها بين المدخول بها وغيرها. رأينا ألا نطوِّل بذكرها، ولا بذكر أسانيدها. وفيما ذكرناه كفاية، والله تعالى الموفق للهداية، وإنما أطنبنا في الكلام على حديث ابن عباس لأن كثيرًا من الجهَّال اغتروا به، فأحلوا ما حرَّم الله، فافتروا على الله، وعلى كتابه، ورسوله، ومن أظلم ممن افترى على الله كذبًا، وعدل عن سبيله. وقول عمر: (إن النَّاس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيه أناة) أي: مهلة، وسعة بانتظار الرجعة. وهذا يدل على صحة التأويل الثاني كما ذكرناه. وقول أبي الصهباء لابن عباس: (هات من هناتك) هي: جمع هنة. وأصلها: أنها كناية عن نكرة، غير أن مقصوده هنا: هات فتيا من فتاويك المُستَغرَبة. أو خبرًا من أخبارك المُستَكرَهة. وهو إشعار باستشناع تلك المقالة عندهم.

стр. 2258

ذَلِكَ، فَلَمَّا كَانَ عُمَرَ تَتَايَعَ النَّاسُ فِي الطَّلَاقِ، فَأَجَازَهُ عَلَيهِم. رواه مسلم (١٤٧٢) (١٧). * * * (٤) باب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [١٥٤٤] عن عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَمكُثُ عِندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، فَيَشرَبُ عِندَهَا عَسَلًا قَالَت: فَتَوَاطَأتُ أَنَا وَحَفصَةُ أَنَّ أَيَّتَنَا مَا دَخَلَ عَلَيهَا النَّبِيُّ ﷺ ، فَلتَقُل: إِنِّي أَجِدُ مِنكَ رِيحَ مَغَافِيرَ، أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ فَدَخَلَ عَلَى ــ و(قوله: فلما تتايع الناس في الطلاق أجازه عليهم) رويناه: بالياء باثنتين، وبالباء بواحدة، وهما بمعنى واحد. غير أن الياء باثنتين أكثر ما تستعمل في الشَّرِّ. وهي أليق بهذا المعنى، والله تعالى أعلم. وكذلك القول في الرواية في: (تتايعوا) (١). (٤) ومن باب: في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ (المغافير): جمع مُغفُور، وهو: صمغ حلو له رائحة كريهة؛ يخرجه شجر العُرفُط، وهو بالحجاز. و(العُرفُط): من شجر العِضَاه، وهو: كل شجر له شوك. وقيل: تشبه رائحته رائحة النبيذ. وقيل: إذا رعته الإبل خبثت رائحة (٢) ألبانها حتى

стр. 2259

إِحدَاهُمَا، فَقَالَت ذَلِكَ لَهُ. فَقَالَ: بَل شَرِبتُ عَسَلًا عِندَ زَينَبَ بِنتِ جَحشٍ، وَلَن أَعُودَ لَهُ. ــ يتأذى بها الناس (١). و(جرست): أكلت. يقال: جَرَستِ النحل، تَجُرسُ جَرسًا: إذا أكلت لِتَعسِّل. ويقال للنحل: جوارس؛ أي: أواكل. و(العكة): أصغر من القِربَة. وقول سودة: (لقد كدت أبادئه فرقًا منك) -بالباء بواحدة-؛ أي: أبتدئه بالكلام خوفًا من لومك. وفي رواية ابن الحذَّاء: (أناديه) من النداء. وليس بشيء. و(قولها: كان يُحبُّ الحلواء والعسل) (الحلواء): هي الشيء المُستَحلَى، وهو دليل على استعمال مباحات لذائذ الأطعمة، والميل إليها، خلافًا لما يذهب إليه أهلُ التَّعمق والغلوِّ في الدين. و(قوله: بل شربت عسلًا عند زينب، ولن أعود له) زاد البخاري هنا: (وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا) وذلك لئلا يبلغ الأخرى الخبر، وأنه فعله ابتغاء مرضاة أزواجه، فيتغير قلبها. وقيل: كان ذلك في قصة مارية، واستكتامه ﷺ حفصة: ألا تخبري بذلك عائشة. وقيل: أسرَّ إلى حفصة أن الخليفة بعده أبو بكر ثم عمر. والصحيح: أنه في العسل (٢). ويعني بقوله: (لن أعود له): على جهة التحريم. وبقوله: (حلفت) أي: بالله تعالى؛ بدليل: أنَّ الله تعالى

стр. 2260

فَنَزَلَ: لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ إِلَى قَولِهِ: إِن تَتُوبَا إلى الله (لِعَائِشَةَ وَحَفصَةَ) ــ أنزل عليه معاتبته على ذلك، وحوالته على كفارة اليمين بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾؛ يعني: العسل المحرم بقوله: (لن أعود له) ﴿تَبتَغِي مَرضَاتَ أَزوَاجِكَ﴾؛ أي: تفعل ذلك طلبًا لرضاهنَّ ﴿وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ غفور: لما أوجب المعاتبة، رحيم: برفع المؤاخذة. ﴿قَد فَرَضَ اللَّهُ لَكُم تَحِلَّةَ أَيمَانِكُم وَاللَّهُ مَولاكُم وَهُوَ العَلِيمُ الحَكِيمُ﴾؛ أي: قدَّر وبيَّن. والفرض: التقدير. وتحلة اليمين: ما يستحل به الخروج عن اليمين. وهي التي قال الله تعالى فيها: ﴿لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغوِ فِي أَيمَانِكُم وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُمُ الأَيمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ﴾ الآية. والأيمان: جمع يمين. واليمين التي حلف النبي ﷺ بها هي قوله: (وقد حلفت لا تخبري بذلك أحدًا). وهذا أصحّ ما قيل في هذه الآية، وأجوده. وقد روى النسائي من حديث أنس: أن رسول الله ﷺ كانت له أمة يطؤها، فلم تزل به عائشة وحفصة حتى حرَّمها، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ الآيات (١). وكأنَّ ابن عباس أشار إلى هذا الحديث حيث قال: إن الرَّجل إذا حرَّم عليه امرأته فهي يمين يكفرها. وقال: ﴿لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ وقد اختلف السَّلف ومن بعدهم في تحريم الزوجة اختلافًا كثيرًا. مجموعه فيما بلغنا أربعة عشر قولًا: أحدها: لا شيء عليه. وبه قال الشعبي، ومسروق، وأبو سلمة، وأصبغ. وهو عندهم كتحريم الماء والطعام. وثانيها: هي ظهار، ففيها كفارة ظهار. قاله إسحاق. وثالثها: كفارة يمين. قاله ابن عباس، وبعض التابعين. ورابعها: إن نوى الطلاق؟ فواحدة بائنة، إلا أن ينوي ثلاثًا، فإن نوى اثنتين

стр. 2261

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ فواحدة، فإن لم ينو شيئًا؛ فهي يمين. وهو قول قاله أبو حنيفة، وأصحابه. وبمثله قال زُفر، إلا أنَّه قال: إذا نوى اثنتين ألزمناه. وخامسها: إن نوى الطلاق؛ فما أراد من أعداده. وإن نوى واحدة؛ فهي رجعية. وهو قول الشافعي. وروي مثله عن أبي بكر، وعمر، وغيرهما من الصحابة والتابعين. وسادسها: إن نوى ثلاثًا فثلاث، وإن نوى واحدة فواحدة، وإن نوى يمينًا فهي يمين، وإن لم ينو شيئًا؛ فلا شيء عليه. وهو قول سفيان. وبمثله قال الأوزاعي، وأبو ثور، إلا أنهما قالا: إن لم ينو شيئًا؛ فهي واحدة. وسابعها: له نيّته، ولا يكون أقل من واحدة. قاله ابن شهاب. وثامنها: هي في المدخول بها ثلاثٌ، ويُنوَى في غير المدخول بها. وهو قول علي بن زيد، والحكم، والحسن. وهو مشهور مذهب مالك. وتاسعها: لا ينوى في أقل وإن لم يدخل بها. قاله عبد الملك في المبسوط. وبه قال ابن أبي ليلى. وعاشرها: هي لمن لم يدخل بها واحدة، وفي المدخول بها: ثلاث. قاله أبو مصعب، ومحمد بن عبد الحكم. وحادي عشرها: هي واحدة بائنة وإن كانت مدخولًا بها. حكاه ابن خويز منداد عن مالك. وثاني عشرها: هي واحدة رجعية. حكاه ابن سحنون عن عبد العزيز بن سلمة (١). وقد تداخل في العدد الذي ذكرنا قولا زفر، والأوزاعي. فالأقوال أربعة عشر.

стр. 2262

وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعضِ أَزوَاجِهِ حَدِيثًا (لِقَولِهِ: بَل شَرِبتُ عَسَلًا). رواه أحمد (٦/ ٢٢١)، والبخاري (٦٦٩١)، ومسلم (١٤٧٤) (٢٠)، وأبو داود (٣٧١٤). ــ وسبب هذا الاختلاف العظيم: أنَّه ليس في كتاب الله الكريم، ولا سنَّة رسوله ﷺ نصٌّ، ولا ظاهرٌ صحيح يعتمد عليه في هذه المسألة، فتجَاذَبَها الفقهاءُ لذلك. فمن متمسِّك بالبراءة الأصلية، فقال: لا حكم، فلا يلزم بها شيء. ومن ملحق لهذه الكلمة بأصل يعتمده. فواحدٌ يلحقها بالظهار، وآخر يلحقها بالنذر المطلق. وآخر يرى أنها قابلة للنية مطلقا، أو في غير المدخول بها. وأصحابنا يحتجّون لمشهور مذهبهم بعرفٍ ثبتَ عندهم صيَّرها من كنايات الطلاق الظاهرة. والله تعالى أعلم. وهذا كله في الزوجة. وأما في الأمة: فلا يلزم فيها شيء من ذلك كله، إلا أن ينوي به العتق عند مالك. وذهب عامة العلماء: إلى أن عليه كفارة يمين، وكأنهم تمسَّكوا بحديث أنس المُتقدِّم. وقال أبو حنيفة: إذا قال ذلك حَرُمَ عليه كل ما حَرَّمَ على نفسه من طعام، أو شراب، أو أمة. ولا شيء عليه حتى إذا تناوله لزمه كفارة يمين. وأُمُّ الولد كالأمة على ما تقدَّم. و(قوله تعالى: ﴿وَإِذ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعضِ أَزوَاجِهِ حَدِيثًا﴾ هو قوله لحفصة: (بل شربتُ عسلًا، وقد حلفت: لا تخبري أحدًا) على ما تقدم في حديث البخاري. وقيل: هو تحريمه مارية على ما تقدَّم في حديث النسائي. وقيل غير ذلك. وهذان القولان أحسن ما قيل في ذلك. و(قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَت بِهِ وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ عَرَّفَ بَعضَهُ وَأَعرَضَ عَن بَعضٍ﴾؛ أي: حديث حفصة حين أفشت ما أمرها بإسراره النبي ﷺ و ﴿وَأَظهَرَهُ اللَّهُ عَلَيهِ﴾؛ أي: أطلَعَ الله تعالى نبيه على ذلك الحديث. ﴿عَرَّفَ بَعضَهُ﴾ مشدَّدًا، وهي

стр. 2263

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ القراءة المشهورة؛ أي: عاتبها على ذلك. وأعرض عن بعضه، فلم يبالغ في المعاتبة عملًا بمكارم الأخلاق، وحسن المصاحبة. وقرأه الكسائي بتخفيف الراء، من: (عَرَفَ) ومعناه: جازى عليه؛ بأن غضب. يقال: عرفتُ حقَّك؛ أي: جازيتُك عليه. و (لأعرفنَّ حقك) بمعناه. وقال الضحاك: إن الذي أعرض عنه حديث الخلافة لئلا ينتشر. وهذا بناه: على أنَّه هو الحديث الذي أسرَّه لحفصة. وهذا القول ليس بشيء؛ إذ لم يثبت بذلك نقل، ولم يدلّ عليه عقل. بل النقل الصحيح ما ذكرناه. و(قوله: ﴿فَلَمَّا نَبَّأَهَا بِهِ قَالَت مَن أَنبَأَكَ هَذَا قَالَ نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾؛ يعني: أن النبي ﷺ أعلم حفصة بالخبر الذي أفشته، فقالت مستفهمة عمن أعلمه بذلك: ﴿مَن أَنبَأَكَ هَذَا﴾؟ وكأنها خَطَر ببالها أن أحدًا من أزواجه أو غيرهن أخبره. فأجابها بأن قال: ﴿نَبَّأَنِيَ العَلِيمُ الخَبِيرُ﴾؛ أي: العليم بالسرائر، الخبير بما تجنُّه الضمائر. ثم قال تعالى: ﴿إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾؛ يخاطب عائشة وحفصة، وهذا يدلُّ على أن الصحيح من الروايات رواية من روى أن هذه القصة إنما جرت لعائشة وحفصة (١)؛ لأجل العسل الذي شرب عند زينب، أو لأجل مارية، وأنهما هما اللتان تظاهرتا عليه، كما جاء نصًّا من حديث ابن عبَّاس عن عمر على ما يأتي. وهو رواية حجاج بن محمد، عن ابن جريج، عن عطاء، عن عبيد بن عمر، عن عائشة. وأمَّا رواية أبي أسامة التي ذكر فيها: أن المتظاهرات عليه: عائشة (٢) وسودة وصفية (٣)؛ فليست بصحيحة؛ لأنها مخالفة للتلاوة؛ فإنها جاءت بلفظ خطاب الاثنتين. ولو كان كذلك لجاءت بخطاب جماعة المؤنث. قال أبو محمد الأصيلي: حديث الحجاج أصحّ طرقه. وهو أولى

стр. 2264

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بظاهر الكتاب. قال غيره: انقلبت الأسماء في حديث أبي أسامة، والله تعالى أعلم. و﴿صَغَت قُلُوبُكُمَا﴾ مالت عن الحق. وأراد قلب عائشة وحفصة. وعدل إلى لفظ الجمع استثقالًا للجمع بين تَثنِيَتَين، وقد جمع بينهما من قال: ظَهرَاهُمَا مثل ظُهورِ التُّرسَين. و(قوله: ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيهِ﴾؛ أي: تعاونا عليه بما تواطأتما عليه في العسل أو في مارية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولاهُ﴾؛ أي: وليه، ومعينه، وكافيه، فلا يضره من كاده، أو من تعاون عليه. والوقف على مولاه، حسن، ويُبتَدَئ: ﴿وَجِبرِيلُ وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعدَ ذَلِكَ﴾؛ أي: بعد تولي الله له (١). ﴿ظَهِيرٌ﴾ أي: مُعِينون له على ما يصلحه، ويحفظه، ويوافقه. وظهير وإن كان واحدًا؛ فمعناه الجمع. وقيل: كل واحد ظهير؛ كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخرِجُكُم طِفلا﴾؛ أي: كل واحد منكم طفلًا. و ﴿وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ﴾؛ أحسن ما قيل فيه: أبو بكر، وعمر ﵄، ومن جرى مجراهما ممن سبق إسلامه، وظهر غناؤه. وقيل: كان حق ﴿وَصَالِحُ﴾ أن يكتب بالواو، ولكنهم حذفوها، ليوافق الخطُّ اللفظ. ويحتمل أن يقال: ﴿وَصَالِحُ﴾ مفرد، لكنه سُلِك به مسلك الجنس، والله تعالى أعلم. ثم بالغ الله تعالى في تأديب أزواج النبي ﷺ وتهديدهن بقوله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ مُسلِمَاتٍ﴾؛ أي: منقادات بالإسلام والاستسلام. ﴿مُؤمِنَاتٍ﴾؛ أي: مصدقات بما جاء به النبي ﷺ ملازمات أحوال المؤمنين به من التعظيم والاحترام. ﴿قَانِتَاتٍ﴾ خاضعات لله بالعبودية، ولرسوله

стр. 2265

[١٥٤٥] وعَنها قَالَت: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُحِبُّ الحَلوَاءَ وَالعَسَلَ، فَكَانَ إِذَا صَلَّى العَصرَ دَارَ عَلَى نِسَائِهِ فَيَدنُو مِنهُنَّ، فَدَخَلَ عَلَى حَفصَةَ فَاحتَبَسَ عِندَهَا أَكثَرَ مِمَّا كَانَ يَحتَبِسُ، فَسَأَلتُ عَن ذَلِكَ فَقِيلَ لِي: أَهدَت لَهَا امرَأَةٌ مِن قَومِهَا عُكَّةً مِن عَسَلٍ، فَسَقَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مِنهُ شَربَةً. فَقُلتُ: أَمَا وَاللَّهِ لَنَحتَالَنَّ لَهُ، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِسَودَةَ وَقُلتُ: إِذَا دَخَلَ عَلَيكِ فَإِنَّهُ سَيَدنُو مِنكِ، فَقُولِي لَهُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: لَا. فَقُولِي لَهُ: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَشتَدُّ عَلَيهِ أَن تُوجَدَ مِنهُ ــ بإيثار الطَّواعية على الغيرة النفسية. ﴿عَابِدَاتٍ﴾ يقمن لله بما له عليهن من العبادة، وبما لك عليهن من الحرمة والخدمة. ﴿سَائِحَاتٍ﴾ ابن عباس: صائمات، زيد بن أسلم: مهاجرات، من السياحة في الأرض. ويمكن أن يقال: مسرعات إلى ما يرضيك، ذاهبات فيه، فلا يشتغلن (١) بسوى ذلك؛ لأن من ساح في الأرض فقد ذهب فيها، وانقطع إلى غيرها. ﴿ثَيِّبَاتٍ﴾ جمع ثيب. قيل: يعني بذلك: آسية امرأة فرعون. ﴿وَأَبكَارًا﴾ جمع بكر. قيل: يعني بذلك: مريم. وفيه نظر وبُعدٌ. وما ذكرناه في هذه الآية إشارة إلى المختار. والأقوال فيها أكثر مما ذكرناه. فلنقتصر على ذلك القدر، والله تعالى الموفق (٢). و(قول عائشة: (كان رسول الله ﷺ إذا صلى العصر دار على نسائه فيدنو منهن) يُستَدَلُّ بهذا لأحد القولين المُتقدِّمين، وهو: أن النبي ﷺ لم يكن القسم عليه واجبا. ويمكن أن يصرف عن ذلك؛ بأن يقال: إن ذلك إنما كان يفعله؛ لأنهن كن قد أذن له في ذلك؛ بدليل ما جاء في الأم (٣): أنَّه كان ﷺ يستأذنهن إذا كان في

стр. 2266

الرِّيحُ، فَإِنَّهُ سَيَقُولُ لَكِ: سَقَتنِي حَفصَةُ شَربَةَ عَسَلٍ فَقُولِي لَهُ: جَرَسَت نَحلُهُ العُرفُطَ، وَسَأَقُولُ ذَلِكِ لَهُ، وَقُولِيهِ أَنتِ يَا صَفِيَّةُ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى سَودَةَ قَالَت: تَقُولُ سَودَةُ: وَالَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَقَد كِدتُ أَن أُبَادِئَهُ بِالَّذِي قُلتِ لِي، وَإِنَّهُ لَعَلَى البَابِ فَرَقًا مِنكِ، فَلَمَّا دَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قَالَت: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَلتَ مَغَافِيرَ؟ قَالَ: لَا، قلَت: مَا هَذِهِ الرِّيحُ؟ قَالَ: سَقَتنِي حَفصَةُ شَربَةَ عَسَلٍ، قَالَت: جَرَسَت نَحلُهُ العُرفُطَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَيَّ قُلتُ لَهُ مِثلَ ذَلِكَ، ثُمَّ دَخَلَ عَلَى صَفِيَّةَ فَقَالَت له مِثلِ ذَلِكَ، فَلَمَّا دَخَلَ عَلَى حَفصَةَ قَالَت له: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا أَسقِيكَ مِنهُ؟ قَالَ: لَا حَاجَةَ لِي بِهِ. قَالَت: تَقُولُ سَودَةُ: سُبحَانَ اللَّهِ، وَاللَّهِ لَقَد حَرَمنَاهُ قَالَت: قُلتُ لَهَا: اسكُتِي. رواه البخاريُّ (٥٢٦٨)، ومسلم (١٤٧٤) (٢١)، وأبو داود (٣٧١٥)، والنسائي (٦/ ١٥١)، وابن ماجه (٣٣٢٣). [١٥٤٦] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قالُ: إذا حَرمِ الرجل عليه امرأته فهي يَمِينٌ يُكَفِّرُهَا. وَقَالَ: لَقَد كَانَ لَكُم فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسوَةٌ حَسَنَةٌ. رواه البخاريُّ (٥٢٦٦)، ومسلم (١٤٧٣) (١٨)، والنسائي (٦/ ١٥١). * * * ــ يوم المرأة منهن. وقد يُستدل به من يرى القَسمَ واجبا؛ لكنه بالليل دون النهار. وقال الداودي: كأن النبي ﷺ جعل ما بعد العصر ملغى؛ أي: جعله وقتًا مشتركًا لجميعهن. و(قولها: (فيدنو منهنَّ) أي: من غير مسيس. وقد جاء كذلك في بعض الروايات، وإنما كان يفعل ذلك تأنيسًا لهن، وتطييبًا لقلوبهن؛ حتى ينفصل عنهن إلى التي هو في يومها، ويتركها طيبة القلب، والله تعالى أعلم.

стр. 2267

(٥) باب في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ الآية . [١٥٤٧] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ، قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكرٍ يَستَأذِنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَوَجَدَ النَّاسَ جُلُوسًا بِبَابِهِ، لَم يُؤذَن لِأَحَدٍ مِنهُم. قَالَ: فَأُذِنَ لِأَبِي بَكرٍ فَدَخَلَ، ثُمَّ أَقبَلَ عُمَرُ فَاستَأذَنَ فَأُذِنَ لَهُ، فَوَجَدَ النَّبِيَّ ﷺ جَالِسًا حَولَهُ نِسَاؤُهُ وَاجِمًا سَاكِتًا، قَالَ: فَقَالَ: والله لَأَقُولَنَّ شَيئًا أُضحِكُ النَّبِيَّ ﷺ ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ لَو رَأَيتَ بِنتَ خَارِجَةَ سَأَلَتنِي النَّفَقَةَ، فَقُمتُ إِلَيهَا، فَوَجَأتُ عُنُقَهَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَالَ: هُنَّ حَولِي كَمَا تَرَى، ــ (٥) ومن باب: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لأَزوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدنَ الحَيَاةَ الدُّنيَا﴾ الآية. (قوله: وَاجِمًا، ساكتًا) أي: مُطرِقًا إِطراقَ المغضب. و(قوله: وَجَأتُ عنقها) أي: طعنت فيه ودققت. وأصل الوَجءِ: الدَّقُّ، والطَّعن؛ يقال: وجأتُ البعير: إذا طعنتُ في مَنحَرِهِ. ووجأت الوتد: ضربتُه. ووجأته بالسكين: طعنته بها. وهذا الفعل من أبي بكر وعمر بابنتيهما مبالغة في تأديبهما، وكذلك غضب رسول الله ﷺ عليهن، وهجرانه لهن إنما كان مبالغة في أدبهن، فإنهن كن كثَّرنَ عليه، وتبسَّطن (١) عليه تبسُّطًا (٢) تعدين فيه ما يليق بالنبي ﷺ من احترامه، وإعظامه. وكان ذلك منهن بسبب حسن معاشرته، ولين خلقه، وربما امتدت أعين

стр. 2268

يَسأَلنَنِي النَّفَقَةَ. فَقَامَ أَبُو بَكرٍ إِلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، وَقَامَ عُمَرُ إِلَى حَفصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا، كِلَاهُمَا يَقُولُ: تَسأَلنَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ مَا لَيسَ عِندَهُ فَقُلنَ: وَاللَّهِ لَا نَسأَلُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ شَيئًا أَبَدًا لَيسَ عِندَهُ. ثُمَّ اعتَزَلَهُنَّ شَهرًا أَو تِسعًا وَعِشرِينَ، ثُمَّ نَزَلَت عَلَيهِ هَذِهِ الآيَةُ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ: لِلمُحسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجرًا عَظِيمًا قَالَ: فَبَدَأَ بِعَائِشَةَ. فَقَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي أُرِيدُ أَن أَعرِضَ عَلَيكِ أَمرًا أُحِبُّ ألَا تَعجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَشِيرِي أَبَوَيكِ؟ قَالَت: وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ فَتَلَا عَلَيهَا الآيَةَ قَالَت: أَفِيكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَستَشِيرُ أَبَوَيَّ؟ بَل أَختَارُ اللَّهَ، وَرَسُولَهُ، وَالدَّارَ الآخِرَةَ، وَأَسأَلُكَ أَلَا تُخبِرَ امرَأَةً مِن نِسَائِكَ بِالَّذِي قُلتُ. قَالَ: لَا تَسأَلُنِي امرَأَةٌ ــ بعضهن إلى شيء من متاع الدنيا. ولذلك أمر الله تعالى نبيه ﷺ بأن يخيرهنَّ بين إرادة زينة الدنيا، وإرادة الله تعالى، وما عنده، فاخترن الله ورسوله، والدار الآخرة. ولم يكن فيهن من توقف في شيء من ذلك، ولا تردد فيه، لأنهن مختارات لمختار، وطيبات لطيب، سلام الله تعالى عليهم أجمعين. و(قوله في هذه الرواية: اعتزلهن شهرًا، أو تسعًا وعشرين) ظاهره شك من الراوي (١)، وسيأتي حديث ابن عباس: أنَّه إنما اعتزلهن تسعًا وعشرين، وهو الصحيح. وقول عائشة للنبي ﷺ : لا تخبر امرأة من نسائك بالذي قلت) هو قول أخرجته غيرتُها، وحرصها على انفرادها بالنبي ﷺ . و(قوله لها: (إن الله لم يبعثني معنتًا، ولا متعنتًا، ولكن بعثني معلمًا، وميسرًا) أصل العنت: المشقة. والمُعَنِّتُ: هو الذي يوقع العنت بغيره. والمتعنِّت: هو الذي يحمل غيره على العمل بها. ويحتمل أن يقال: المعنت: هو

стр. 2269

مِنهُنَّ إِلَّا أَخبَرتُهَا، إِنَّ اللَّهَ لَم يَبعَثنِي مُعَنِّتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا، وَلَكِن بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا. رواه مسلم (١٤٧٨). [١٥٤٨] وعَنها (١) قَالَت: خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فاخترناه، فَلَم يَعُدَّهُ علينا طَلَاقًا. رواه أحمد (٦/ ٢٠٢)، والبخاريُّ (٥٢٦٣)، ومسلم (١٤٧٧) (٢٧)، والترمذيُّ (١١٧٩)، والنسائيُّ (٦/ ٥٦)، وابن ماجه (٢٠٥٢). * * * ــ المجبول على ذلك. والمتعنت: هو الذي يتعاطى ذلك وإن لم يكن في جبلَّته. وكأن عائشة ﵂ توقعت: أنَّه إذا لم يخبر أحدًا من زوجاته يكون فيهن من يختار الدنيا، فيفارقها النبي ﷺ وأنهن إذا سَمِعنَ باختيارها هي له اقتدين بها فَيَختَرنَهُ، وكذلك فعلنَّ. ووقع للنبي ﷺ : أنَّه إن سألته واحدة منهن عن فِعل عائشة فلم يخبرها كان ذلك نوعًا من العنت، وإدخال الضرر عليهن بسبب إخفاء ما يُسأل عنه، فقال مجيبًا: (إن الله لم يبعثني معنتًا، ولكن بعثني معلمًا ميسِّرًا). ووجه التيسير في هذا: أنه إذا أخبر بذلك اقتدى بها غيرها من أزواجه، وسهل عليها اختيار الله ورسوله، والدار الآخرة. و(قولها: خيَّرنا رسول الله ﷺ فاخترناه، فلم يعدّه علينا طلاقا) حجة لجمهور العلماء من السلف وغيرهم وأئمة الفتوى: على أن المخيرة إذا اختارت زوجها أنَّه لا يلزمه طلاق، لا واحدة، ولا أكثر. وحكي عن علي وزيد بن ثابت ﵄ روايتان: إحداهما كما قال جماعة السلف وأئمة الفتوى: إنه لا يقع بذلك طلقة رجعية (٢). وروي عن عليّ، وزيد بن ثابت، والحسن،

стр. 2270

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ والليث: أن نفس الخيار طلقة واحدة بائنة؛ وإن اختارت زوجها. وحكاه الخطابي، والنقَّاش عن مالك، ولا يصح عنه. وروي عن ربيعة نحوه في التمليك (١)، وهذا الحديث حجة عليهم. وأمَّا إذا اختارت نفسها، فاختلف العلماء فيها قديمًا وحديثًا على أقوال: فقالت فِرقَة: ليس للمُخيِّرة ولا للمملَّكة شيء من الطلاق. وقالت فرقة أخرى: هو ما قضت به من واحدة أو أكثر. وقيل: هو على ما نواه الزوج، وله مناكرتها في الخيار، والتمليك. وهو قول ابن جهم من أصحابنا وغيره. وقال بعضهم: تكون رجعية. وهو قول عبد العزيز، والشافعي، والثوري، وابن أبي ليلى، وأبي يوسف. وحكى ابن سحنون عن أبيه نحوه. وروي عن عمر، وابن مسعود (٢). وقيل: إنه واحدة بائنة. وهو قول أبي حنيفة، وحكي عن مالك، وروي عن علي بن أبي طالب ﵁. والمشهور من مذهب مالك: أن المخيرة إذا اختارت نفسها كان ثلاثًا، وليس له المناكرة، بخلاف التمليك؛ فإن له المناكرة إذا قضت بالثلاث، إذا نوى أقل من ذلك، ولم يكن عن عوض. ثم اختلف عندنا في المخيَّرة إذا قضت بأقل من ثلاث. فقال مالك مرة: لا يلزمه، وسقط ما بيدها. وقال أشهب: ترجع على خيارها. وقال عبد الملك: هي ثلاث بكل حال. وفي قول عائشة هذا دليلٌ على أن المخيرة إذا اختارت نفسها أن نفس ذلك الخيار يكون طلاقا، من غير احتياج إلى النطق بلفظ (٣) يدل على الطلاق سوى الخيار، ويُقتَبَسُ ذلك من مفهوم لفظها، فتأمَّله.

стр. 2271

(٦) باب إيلاء الرَّجل من نسائه وتأديبهن باعتزالهن مدة [١٥٤٩] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَم أَزَل حَرِيصًا أَن أَسأَلَ عُمَرَ عَن المَرأَتَينِ مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ ، اللَّتَينِ قَالَ اللَّهُ: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا حَتَّى حَجَّ عُمَرُ وَحَجَجتُ مَعَهُ، فَلَمَّا كُنَّا بِبَعضِ الطَّرِيقِ عَدَلَ عُمَرُ وَعَدَلتُ مَعَهُ بِالإِدَاوَةِ فَتَبَرَّزَ، ثُمَّ أَتَانِي فَسَكَبتُ عَلَى يَدَيهِ فَتَوَضَّأَ فَقُلتُ: يَا أَمِيرَ المُؤمِنِينَ مَن المَرأَتَانِ مِن أَزوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ اللَّتَانِ قَالَ اللَّهُ: إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَد صَغَت قُلُوبُكُمَا قَالَ عُمَرُ: وَاعَجَبًا لَكَ يَا بنَ عَبَّاسٍ. ــ (٦) ومن باب: إيلاء الرَّجل من نسائه الإيلاء في اللغة هو: الحلف. يقال: آلى، يُؤلي إيلاءً؛ أي: حلف. ويقال: تألَّى، تألِّيًا. و: ائتلى، يأتلي، ائتلاءً. وهو في الشرع: الحلف على الامتناع من وطء الزوجة بيمين يلزم بها حكم أكثر من أربعة أشهرٍ بمدَّة مؤثِّرة. وتفصيلُ ذلك في كتب الفقه. و(قول عمر: واعجبا لك يا بن عباس! ) فهم الزهري من هذا التعجب الإنكار لما سأله عنه، وفيه بُعدٌ. ويمكن أن يقال: إنَّ تعجبه إنما كان لأنه استبعد أن يخفى مثل هذا على مثل ابن عباس مع مداخلته لأزواج النبي ﷺ وشُهرة هذه القصة، وشدّة حرصه هو على سماع الأحاديث، وكثرة حفظه، وغزارة علمه، ولما كان في نفس عمر من ابن عباس، فإنه كان يُعظِّمه، ويقدِّمُهُ على كثير من مشايخ الصحابة، كما اتفق له معه؛ إذ سأله عن قوله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ والقصة مشهورة (١).

стр. 2272

قَالَ الزُّهرِيُّ: كَرِهَ وَاللَّهِ مَا سَأَلَهُ عَنهُ، وَلَم يَكتُمهُ. قَالَ: هِيَ حَفصَةُ وَعَائِشَةُ، ثُمَّ أَخَذَ يَسُوقُ الحَدِيثَ. قَالَ: كُنَّا مَعشَرَ قُرَيشٍ قَومًا نَغلِبُ نساءنا، فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ وَجَدنَا قَومًا تَغلِبُهُم نِسَاؤُهُم. فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسَائِهِم. قَالَ: وَكَانَ مَنزِلِي فِي بَنِي أُمَيَّةَ بنِ زَيدٍ بِالعَوَالِي، فَتَغَضَّبتُ يَومًا عَلَى امرَأَتِي، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنكَرتُ أَن تُرَاجِعَنِي. فَقَالَت: مَا تُنكِرُ أَن أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعنَهُ، وَتَهجُرُهُ إِحدَاهُنَّ اليَومَ إِلَى اللَّيلِ، فَانطَلَقتُ فَدَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ فَقُلتُ: أَتُرَاجِعِينَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَت: نَعَم. فَقُلتُ: أَتَهجُرُهُ إِحدَاكُنَّ اليَومَ إِلَى اللَّيلِ؟ قَالَت: نَعَم. فقُلتُ: قَد خَابَ مَن فَعَلَ ذَلِكَ مِنكُنَّ، وَخَسِرَ أَفَتَأمَنُ إِحدَاكُنَّ أَن يَغضَبَ اللَّهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَإِذَا هِيَ قَد هَلَكَت؟ لَا تُرَاجِعِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا تَسأَلِيهِ شَيئًا وَسَلِينِي مَا بَدَا لَكِ، وَلَا يَغُرَّنَّكِ أَن كَانَت جَارَتُكِ هِيَ أَوسَمَ وَأَحَبَّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكِ (يُرِيدُ عَائِشَةَ) قَالَ: وَكَانَ لِي جَارٌ مِن الأَنصَارِ فَكُنَّا نَتَنَاوَبُ النُّزُولَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَيَنزِلُ يَومًا وَأَنزِلُ يَومًا، فَيَأتِينِي ــ و(قوله: فلا يغرَّنك أن كانت جارتُكِ هي أوسمُ وأحب) أراد بالجارة: الضَّرَّة، وكنَّى بها عنها مراعاةً للأدب، واجتنابًا للفظِ الضرر أن يُضاف لمثل أزواج النبي ﷺ ورضي عنهن، ويعني بذلك عائشة ﵂، والله تعالى أعلم. و(أوسم): أجمل، والوسيم: الجميل، فكأنًّ الحُسنَ وَسَمَه؛ أي: علَّمه بعلامة يُعرف بها. و(المشربة): الغرفة. يقال بضم الراء وفتحها، لغتان. و(أُسكُفة المشربة) - بضم الهمزة والكاف: عتبة الباب السفلى. و(الفقير) - بتقديم الفاء - فسَّره في الحديث بجذع يُرقى عليه، وهو الذي جُعِلَت فيه فِقَرٌ كالدرج يُصعَدُ عليها. أُخذ من فقار الظهر. وفي الأم: (يرتقي إليها بعجلة). كذا صحيح الرواية. و(العجلة): درج من النخل، قاله القتبي. وفي الأم: قالت عائشة لعمر: ما لي ولك يا بن الخطاب! عليك بعيبتك؛ أي: بخاصتك، وموضع سرِّك؛ ومنه

стр. 2273

بِخَبَرِ الوَحيِ وَغَيرِهِ وَآتِيهِ بِمِثلِ ذَلِكَ، وَكُنَّا نَحَدَّثُ: أَنَّ غَسَّانَ تُنعِلُ الخَيلَ لِتَغزُوَنَا، فَنَزَلَ صَاحِبِي ثُمَّ أَتَانِي فَضَرَبَ بَابِي، ثُمَّ نَادَانِي فَخَرَجتُ إِلَيهِ فَقَالَ: حَدَثَ أَمرٌ عَظِيمٌ قُلتُ: مَاذَا؟ أَجَاءَت غَسَّانُ؟ قَالَ: لَا. بَل أَعظَمُ مِن ذَلِكَ وَأَطوَلُ؛ طَلَّقَ النَّبِيُّ ﷺ نِسَاءَهُ. فَقُلتُ: قَد خَابَت حَفصَةُ وَخَسِرَت - وقَد كُنتُ أَظُنُّ أن هَذَا كَائِن - حَتَّى إِذَا صَلَّيتُ الصُّبحَ شَدَدتُ عَلَيَّ ثِيَابِي، ثُمَّ نَزَلتُ فَدَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ وَهِيَ تَبكِي. فَقُلتُ: أَطَلَّقَكُنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَت: لَا أَدرِي هَا هُوَ ذَا يعتَزِلٌ فِي هَذِهِ المَشرُبَةِ فَأَتَيتُ غُلَامًا أَسوَدَ. وفي رواية: فَإِذَا أَنَا بِرَبَاحٍ غُلَامِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قَاعِدًا عَلَى أُسكُفَّةِ المَشرُبَةِ، مُدَلٍّ رِجلَيهِ عَلَى فَقِيرٍ مِن خَشَبٍ وَهُوَ جِذعٌ يَرقَى عَلَيهِ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَيَنحَدِرُ. فَقُلتُ: استَأذِن لعمر فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَد ذَكَرتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَانطَلَقتُ حَتَّى انتَهَيتُ إِلَى المِنبَرِ فَجَلَستُ، ــ قوله ﷺ : (الأنصار كرشي، وعيبتي) (١). قال ابن الأنباري: معنى كرشي: أصحابي، وجماعتي الذين أعتمدهم. وأصل الكرش في اللغة: الجماعة. وقال غيره: ومعنى عيبتي: خاصتي، وموضع سرِّي. وأصل العيبة: الوعاء الذي يُجعل فيه الشيء النفيس الرفيع (٢). وتعني بذلك: ابنته حفصة. و(رباح) هذا هو بباء بواحدة من تحتها. و (رمل الحصير): نَسجُه. وقال ابن القوطية: رملت الحصير رملًا، وأرملتُه: نَسَجتُهُ. و(متكئ): قال القاضي عياض: أي متمكِّنًا في قعوده كالمتربِّع ونحوه.

стр. 2274

فَإِذَا عِندَهُ رَهطٌ جُلُوسٌ يَبكِي بَعضُهُم فَجَلَستُ قَلِيلًا، ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَجِدُ. ثُمَّ أَتَيتُ الغُلَامَ فَقُلتُ: استَأذِن لِعُمَرَ فَدَخَلَ، ثُمَّ خَرَجَ إِلَيَّ فَقَالَ: قَد ذَكَرتُكَ لَهُ فَصَمَتَ، فَوَلَّيتُ مُدبِرًا فَإِذَا الغُلَامُ يَدعُونِي فَقَالَ: ادخُل فَقَد أَذِنَ لَكَ. فَدَخَلتُ، فَسَلَّمتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا هُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى رَملِ حَصِيرٍ قَد أَثَّرَ فِي جَنبِهِ. فَقُلتُ: أَطَلَّقتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ نِسَاءَكَ؟ فَرَفَعَ رَأسَهُ إِلَيَّ وَقَالَ: لَا. فَقُلتُ: اللَّهُ أَكبَرُ لَو رَأَيتَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكُنَّا مَعشَرَ قُرَيشٍ قَومًا نَغلِبُ النِّسَاءَ، فَلَمَّا قَدِمنَا المَدِينَةَ وَجَدنَا قَومًا تَغلِبُهُم نِسَاؤُهُم، فَطَفِقَ نِسَاؤُنَا يَتَعَلَّمنَ مِن نِسَائِهِم، فَتَغَضَّبتُ عَلَى امرَأَتِي يَومًا، فَإِذَا هِيَ تُرَاجِعُنِي فَأَنكَرتُ أَن تُرَاجِعَنِي فَقَالَت: مَا تُنكِرُ أَن أُرَاجِعَكَ؟ فَوَاللَّهِ إِنَّ أَزوَاجَ النَّبِيِّ ﷺ لَيُرَاجِعنَهُ، وَتَهجُرُهُ إِحدَاهُنَّ اليَومَ إِلَى اللَّيلِ. فَقُلتُ: قَد خَابَ مَن فَعَلَ ذَلِكِ مِنهُنَّ وَخَسِرَ، أَفَتَأمَنُ إِحدَاهُنَّ أَن يَغضَبَ اللَّهُ عَلَيهَا لِغَضَبِ رَسُولِهِ، فَإِذَا هِيَ قَد هَلَكَت؟ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ . فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ قَد دَخَلتُ عَلَى حَفصَةَ فَقُلتُ: لَا يَغُرَّنَّكِ أَن كَانَت جَارَتُكِ ــ قلت: وهذه غفلة منه عن قوله: قد أثر في جنبه. والذي ينبغي أن يقال: إن الاتكاء هو: التمكُّن، والتثبُّت. فيكون ميلًا على جنب، ويكون ترَبُّعًا (١)؛ إذ كل واحدٍ منهما متمكِّنٌ ومتثبِّتٌ. ويعني به هاهنا: التمكّن على أحد جنبيه على كل حال. و(قوله: طفق) معناه: جعل وأخذ، و (تَغَضَّبتُ): استعملتُ الغضب؛ أي: أسبابه. و (تبسَّم) أي: بدأ يضحك. وفي الأم: (كشر) في رواية. قال ابن السكيت: كَشَرَ، وتبسَّم، وابتسم، وافترَّ كلها بمعنى واحد. فإن زاد قيل: قهقه، وزمدق، وكركر. فإن أفرط؛ قيل: استغرب ضحكًا. وقال صاحب

стр. 2275

هِيَ أَوسَمُ مِنكِ، وَأَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ مِنكِ، فَتَبَسَّمَ أُخرَى، فَقُلتُ: آَستَأنِسُ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: نَعَم، فَجَلَستُ، فَرَفَعتُ رَأسِي فِي البَيتِ فَوَاللَّهِ مَا رَأَيتُ فِيهِ شَيئًا يَرُدُّ البَصَرَ إِلَّا أُهَبًا ثَلَاثَةً. فَقُلتُ: ادعُ اللَّهَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَن يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِكَ، فَقَد وَسَّعَ عَلَى فَارِسَ وَالرُّومِ وَهُم لَا يَعبُدُونَ اللَّهَ، فَاستَوَى جَالِسًا، ثُمَّ قَالَ: أَفِي شَكٍّ أَنتَ يَا بنَ الخَطَّابِ؟ أُولَئِكَ قَومٌ عُجِّلَت لَهُم طَيِّبَاتُهُم فِي حَيَاتهم الدُّنيَا. وفي رواية: فقال: أَمَا تَرضَى أَن تَكُونَ لَهُم الدُّنيَا، وَلَنَا الآخِرَةُ. ولم ــ الأفعال: كَشَرَ: أبدى أسنانه تبسُّمًا، أو غضبًا. و(قوله: فقلت: آستأنس يا رسول الله؟ قال: نعم) هو على الاستفهام، فيكون بهمزتين: همزة الاستفهام دخلت على همزة المتكلم. فإن شئت حققتهما، وإن شئت حققت الأولى وسَهَّلت الثانية، ومعناه: آنبسط في الحديث انبساط المتأنس؟ الذي لا يخاف عتبًا، ولا لومًا. استأذنه في ذلك. ومنه قوله تعالى: ﴿وَلا مُستَأنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ و(الأهب): جمع إهاب. وهو: الجلد غير مدبوغ. ويقال له أيضًا: أَفِيقٌ. فإذا جعل في الدِّباغ سُمِّي: منيئة. فإذا دبغ، فهو: أديم. ورُوي: (أُهُبٌ) - بضم الهاء -: جمع إهاب؛ كحمار، وحُمُر. ويروى بفتح الهاء والهمزة، كأنَّه جمع: أَهَبَة وأهب؛ كثمرة وثمر، وشجرة وشجر. و(قوله: حين استوى جالسًا: (أفي شك أنت يا بن الخطاب؟ ! ) إنكار منه على عمر لما وقع له من الالتفات إلى الدنيا، ومدِّ عينيه إليها. وقد بالغ رسول الله ﷺ في الجواب والردع بقوله: (أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم) وبقوله: (أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة؟ ). وفيه حجة على تفضيل الفقر.

стр. 2276

يذكر: أولئك قوم. فقلت: استَغفِر لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَكَانَ أَقسَمَ أَلَا يَدخُلَ عَلَيهِنَّ شَهرًا مِن شِدَّةِ مَوجِدَتِهِ عَلَيهِنَّ، حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ. قالت عَائِشَةَ: لَمَّا مَضَى تِسعٌ وَعِشرُونَ لَيلَةً، دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَدَأَ بِي. فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّكَ أَقسَمتَ أَن لَا تَدخُلَ عَلَينَا شَهرًا، وَإِنَّكَ دَخَلتَ مِن تِسعٍ ــ و(قوله: وكان أقسم: ألا يدخل عليهن شهرًا من أجل موجدته عليهن) هذا يدلُّ: على أن المُؤلِي لا يُلزم إيقافه إذا حلف على أقل من أربعة أشهر، كما قال الله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِن نِسَائِهِم تَرَبُّصُ أَربَعَةِ أَشهُرٍ﴾ فإن حلف على زيادة عليها لزم إيقافه، فإما حنَّثَ نَفسَهُ ووطِئ، وإما طلق؛ هذا مذهب جمهور الصحابة، والتابعين وأئمة الفتيا (١). ولم يعتبر مالك الزيادة القليلة مثل الأيام اليسيرة، ورأى: أن لها حكم الأربعة الأشهر. واعتبرها غيره؛ لأنها زيادة على ما حدَّده الله تعالى. ولو اقتصر عندهم على الأربعة الأشهر لم يكن موليًا. وذهب الكوفيون: إلى أنه مول. وشذ ابن أبي ليلى، وابن شبرمة، والحسن في آخرين معهم فقالوا: إن حلف على ألا يجامعها يومًا، أو أقل، ثم تركها حتى مضت أربعة أشهر فهو مول. وروي عن ابن عمر (٢) عكس هذا: أن كل من وقَّت ليمينه وقتًا، وضرب مدَّةً - وإن طالت - فليس بمولٍ، وإنما المولي من حلف على الأبد. وسبب خلافهم اختلافُهم في فهم الآية. وحجة الجمهور منها واضحة. ولا خلاف بينهم أنَّه لا يقع عليه طلاق قبل الأربعة الأشهر، وأنه لو أحنث نفسه قبل تمامها سقط الإيلاء عنه. ثم اختلفوا: هل بانقضاء الأربعة الأشهر يقع الطلاق؟ وهو قول الكوفيين، ويقدرون الآية؛ فإن فاءوا فيهنَّ، أو حتى يوقف الزوج، فإمَّا فَاءَ، وإمَّا طلق، أو طلق عليه السلطان؟ وهو قول الجماهير، وهو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَإِن عَزَمُوا الطَّلاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولو وقع الطلاق بمضيِّ المُدَّة؛

стр. 2277

وَعِشرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ: إِنَّ الشَّهرَ تِسعٌ وَعِشرُونَ، ثُمَّ قَالَ: يَا عَائِشَةُ إِنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمرًا، فَلَا عَلَيكِ أَلَا تَعجَلِي فِيهِ حَتَّى تَستَأمِرِي أَبَوَيكِ. ثُمَّ قَرَأَ عَلَيَّ الآيَةَ: يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُل لِأَزوَاجِكَ حَتَّى بَلَغَ أَجرًا عَظِيمًا قَالَت عَائِشَةُ: قَد عَلِمَ وَاللَّهِ أَنَّ أَبَوَيَّ لَم يَكُونَا لِيَأمُرَانِي بِفِرَاقِهِ. قَالَت: فَقُلتُ: أَفِي هَذَا أَستَأمِرُ أَبَوَيَّ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الآخِرَةَ. قَالَت عَائِشَةَ: لَا تُخبِر نِسَاءَكَ أَنِّي اختَرتُكَ، فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ ﷺ : إِنَّ ــ لما كان لعزمهم على الطلاق بعدها معنى. ومشهور مذهب مالك كقول الجماهير. وحُكي عنه مثل قول الكوفيين. وقال أشهب: إن قال: أنا أفيء، أمهل حتى تنقضي عدتها. فإن لم يفِئ بانت منه، ولا خلاف بين الجماهير: أن الطلاق فيه رجعيُّ، غير أن مالكا يقول: رجعته موقوفة على الوطء. واختلف الكوفيون في ذلك الطلاق: هل هو بائن أو رجعيٌّ؟ ثم ظاهر قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ يُؤلُونَ مِن نِسَائِهِم﴾؛ العموم في كل مول على أكثر من أربعة أشهر، فسواء كان إيلاؤه على وجه الغضب، أو الرضا، أو لمصلحة، أو غيرها. لكن اختلفوا في هذه المسائل. فذهب مالك، والأوزاعي: إلى أنَّه إذا أدَّى إلى مصلحة الولد أنَّه لا يكون مُوليًا، ولا يوقف، وهو قياس قولهم في شبه هذا مما لا يقصد به الضرر. فأمَّا لو قصد الضرر بحلفه: فلا يختلفون في أنَّه موجب لحكم الإيلاء، وهو المفهوم (١) من قوله: ﴿فَإِن فَاءُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾؛ فإنَّ المغفرة مشعرة بالذنب، وذلك يكون بإضراره بها أو بقصده إلى ذلك. وروي عن عليٍّ، وابن عباس ﵃: أنه إنما يكون مُوليًا إذا حلف على وجه الغضب، وأمَّا على وجه الرِّضا: فلا. و(قوله: إن الشهر تسع وعشرون) ظاهره: أنَّه دخل في أول ذلك الشهر،

стр. 2278

اللَّهَ أَرسَلَنِي مُبَلِّغًا، وَلَم يُرسِلنِي مُتَعَنِّتًا. قَالَ قَتَادَةُ: صَغَت قُلُوبُكُمَا: مَالَت. رواه البخاريُّ: (٥١٩١)، ومسلم (١٤٧٩) (٣٠ و ٣١ و ٣٤ و ٣٥)، والترمذيُّ (٣٣١٥)، والنسائي (٤/ ١٣٧). * * * (٧) باب فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى [١٥٥٠] عَن فَاطِمَةَ بِنتِ قَيسٍ: أَنَّ أَبَا عَمرِو بنَ حَفصٍ طَلَّقَهَا البَتَّةَ ــ وأنه كان تسعًا وعشرين، لكن قول عائشة ﵂: أعدُّهن؛ يدلُّ على أنَّه أراد به العدد. وقد تقدَّم استيفاء هذا المعنى في الصيام. (٧) ومن باب: فيمن قال: إن المطلقة البائن لا نفقة لها ولا سكنى (قوله: عن فاطمة بنت قيس: أن أبا عمرو بن حفص) هكذا رواية أكثر الأئمة الحفَّاظ: مالك وغيره. وقد قلبه شيبان، وأبان العطَّار، عن يحيى بن أبي كثير؛ فقال: إن أبا حفص بن عمرو. والمحفوظ الأوَّل. واسمه: أحمد؛ على ما ذكره الداوديُّ عن النسائي. قال القاضي: والأشهر: عبد الحميد. وقيل: اسمه كنيته، ولا يعرف في الصحابة من اسمه أحمد سواه (١). و(قوله: طلقها البتة) هذا هو الصحيح: أنه طلقها عند جميع الحفاظ.

стр. 2279

وَهُوَ غَائِبٌ، فَأَرسَلَ إِلَيهَا وَكِيلُهُ بِشَعِيرٍ فَسَخِطَتهُ. فَقَالَ: وَاللَّهِ مَا لَكِ عَلَينَا مِن شَيءٍ، فَجَاءَت رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَت ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ: لَيسَ لَكِ نَفَقَةٌ، ــ وسيأتي في حديث الجسَّاسة لفظٌ يوهم: أنه مات عنها. وله تأويل يأتي في موضعه إن شاء الله تعالى، ويعني بالبتة: آخر الثلاث تطليقات، كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. لا أنه أوقع عليها لفظ البتة، وإنما سَمَّى آخر الثلاث: البتة؛ لأنها طلقة تَبُتُّ العصمة، ولا تُبقي منها شيئًا. ولما كملت بهذه الطلقة الثلاث عَبَّر عنها بعض الرواة بالثلاث. والرواية المفصَّلة قاضيةٌ على غيرها، وهي الصحيحة. و(قوله: فأرسل إليها وكيله بشعير، فسخطته) كان صوابه أن يقول: وَكِيلَيه؛ لأنهما الحارث بن هشام، وعياش بن ربيعة؛ كما جاء مفسَّرًا في الرواية الأخرى. وفيه دليل على العمل بالوكالة، وشهرتها عندهم. وكأنَّ إرساله بهذا الشعير كان منه متعة، فحسبته هي نفقةً واجبةً عليه، ولذلك سخطته، ورأت: أنها تستحق عليه (١) أكثر من ذلك وأطيب. فحين تحقَّق الوكيلان منها ذلك؛ أخبراها بالحكم، فلم تقبل منهما حتى أتت رسول الله ﷺ فقال لها: (لا نفقة لك) على ما رواه مالك، وأكثر الرواة من حديث أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن فاطمة، وعلى ما رواه الزهري، عن عبيد الله بن عتبة. ولم يذكروا فيها قوله: (ولا سكنى) على أنها رواية مرسلة على ما قاله أبو مسعود. ولم يرو مالك، ولا أكثر الأئمة هذه اللفظة في السكنى، وإنما هي من رواية أبي حازم عن أبي سلمة. ومن رواية الشعبي عن فاطمة. وهي التي أنكرها عليه الأسود. ولأجل اختلاف هذه الطرق، واختلافهم في تأويل قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ﴾؛ اختلفوا في المطلقة البائن، فقال بعضهم: لها السُّكنى، والنفقة. وهو قول عمر ﵁ وأبي حنيفة

стр. 2280

فَأَمَرَهَا أَن تَعتَدَّ فِي بَيتِ أُمِّ شَرِيكٍ، ثُمَّ قَالَ: تِلكِ امرَأَةٌ يَغشَاهَا أَصحَابِي، ــ ﵀ ولم يُعَرّجا على حديث فاطمة هذا. ولذلك قال عمر ﵁: (لا ندع كتاب ربنا لقول امرأة) يعني بذلك: قوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ وَلا يَخرُجنَ﴾؛ ولأنها محبوسة بسبب المطلق، فنفقتها عليه، وكذلك سُكناها. وقال آخرون: لا سُكنى لها، ولا نفقة. وهو قول ابن عباس ﵄ وأحمد متمسِّكين بانقطاع أسباب الزوجية بينهما (١)، ولقوله: (لا سكنى لك ولا نفقة). وقال آخرون: لها السكنى ولا نفقة. وهو مذهب مالك متمسكًا في إسقاط النفقة بما رواه من قوله ﷺ : (لا نفقة لك). وفي إثبات السكنى بقوله تعالى: ﴿لا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنَّ﴾ الآية. وأمَّا المطلقة الرجعية فلا خلاف في وجوب النفقة والسكنى لها. وأما المتوفى عنها زوجها، فلا خلاف في أنها لا تجب لها نفقة؛ لأن ماله قد انتقل لورثته. واختلفوا في السكنى، فقال مالك: لا سكنى لها، إلا أن تكون رقبة الدار، ومنفعتها ملكًا للميت، فهي أحقّ بالسكنى (٢) طول عدَّتها من ورثته. وقال أبو حنيفة وغيره: لا سكنى لها جملة بغير تفصيل. وعن مالك قولةٌ شاذةٌ نحو هذا. وإليها أشار القاضي أبو الحسن بن القصار، وقال: هو القياس كالنفقة. و(قولها: فأمرها أن تعتدّ في بيت أم شريك) لا خلاف في أن كل زوجة مدخول بها طلقها زوجُها يجب عليها العدّة، ثم هي - أعني: العدَّة - منقسمة بحسب أحوالهنَّ: فالحامل عدَّتُها وضعُ حملها. والحائل إن كانت حرَّة: ثلاثة أقراء. وإن لم تكن من ذوات الأقراء: فثلاثة أشهر. وأمَّا الأمة: فقرءان، أو شهران، ويجري الفسخ بغير طلاق مجرى الطلاق. وأمَّا المتوفَّى عنها زوجها: فالحرَّة تعتدّ أربعة أشهر وعشرًا. والأمة: شهران
следующие страницы →