← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 2346–2385 · переход к 2351.

стр. 2346

(٣) باب كان في بريرة ثلاث سنن [١٥٧٢] عَن عَائِشَةَ قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ قَضِيَّاتٍ أَرَادَ أَهلُهَا أَن يَبِيعُوهَا، وَيَشتَرِطُوا وَلَاءَهَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: اشتَرِيهَا، وَأَعتِقِيهَا فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَن أَعتَقَ قَالَت: وَعَتَقَت فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَاختَارَت نَفسَهَا ــ وإلا فللمسلمين. وكان الشعبي وإبراهيم يقولان: لا بأس ببيع ولاء السائبة وهبته. وقال أبو حنيفة، والشافعي رحمهما الله تعالى وأصحابهما، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، وداود: هو لمعتقه لا لغيره، ولا يوالي أحدًا (١). (٣) ومن باب: كان في بريرة ثلاث سنن (قول عائشة ﵂: كان في بريرة ثلاث قضيَّات) تعني به: أن هذه الثلاث هي أظهر ما في حديثها من القضايا والسُّنن، وإلا فقد تبيَّن: أن فيه من ذلك العدد الكثير، حتى قد بلغت سننه إلى مائةٍ أو أكثر. ويحتمل أن يكون تخصيصها هذه الثلاث بالذكر؛ لكونها أصولًا لما عداها مِمَّا تضمنه الحديث، أو لكونها أهم، والحاجة إليها أمسّ. والله تعالى أعلم. فإحدى القضيَّات الثلاث: عتقها. والثانية: تخييرها. والثالثة: أَكلُ النبي ﷺ مِمَّا تُصدِّقَ به عليها. و(قولها: وعتقت فخيرها رسول الله ﷺ فاختارت نفسها) هذه الرواية فيها إجمال وإطلاق. وقد زال إجمالها، وتقيَّد إطلاقها بالروايتين المذكورتين

стр. 2347

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بعدها (١). فإن فيهما: أن بريرة كان لها زوج حين أعتقت، وأن زوجها كان عبدًا. ومقتضى هذا الحديث بقيوده مجمعٌ عليه؛ وهو: أن الأمة ذات الزوج العبد إذا أُعتِقت مخيرةٌ في الرِّضا بالبقاء مع زوجها أو مفارقته؛ لشرف الحرّية الذي حصل لها على زوجها، ولدفع مضرَّة المعرَّة اللاحقة لها بملك العبد لها. ولَمَّا كان هذا راجعًا لحقها، لا لحق الله تعالى: خيّرها الرسول ﷺ في أن تأخذ بحقها فتفارقه، أو تسقطه؛ فترضى بالمقام معه. وعلى هذا: فلو كان زوجها حرًّا لم يكن لها خيار للمساواة بينهما، ولنفي الضرر اللاحق بها. هذا مذهب جمهور العلماء. وقد شذَّ أبو حنيفة، فأثبت لها الخيار، وإن كان زوجها حرًّا؛ متمسِّكًا بما قال الحكم (٢): إن زوج بريرة كان حرًّا (٣)، وكذلك قال الأسود. وكلاهما لا يصح. قال البخاري: إن قول الحكم مرسل، وقول الأسود منقطع، قال: وقول ابن عباس: (كان عبدا) أصح. وكذلك رواه جماعة عن يزيد بن رومان، عن عروة، عن عائشة: أنه كان عبدًا. وهو الصحيح عنها. وقد تمسَّك أيضًا أبو حنيفة بما تخيَّله من أن علَّة تخيير بريرة كونها كانت مجبورة على النكاح، فلما عتقت ملكت نفسها. وهو مطالب بدليل اعتبار هذه العلَّة. وقد يتمسَّكون في ذلك بزيادة في حديث بريرة غير ثابتة فيه، ولا مشهورة. وهي: أن النبي ﷺ قال لبريرة: (ملكت نفسك فاختاري) ولو سلمنا صحتها، لكن لا نسلم: أن الفاء هنا للتعليل، بل هي لمجرد العطف، سلمنا أنها ظاهرة فيه، لكن عندنا الإجماع على عدم اعتبار تلك العلَّة في ولاية الإجبار على الأصاغر. وذلك: أنهم يلزمهم ما عقد عليهم في حال صغرهم ذكرانًا كانوا أو إناثًا إذا زال حجرهم، واستقلوا بأنفسهم، ولا خيار يثبت بالإجماع.

стр. 2348

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ لا يقال: بينهما فرق. وهو: أن جبر الأمة للرق (١)، وجبر الحرة للصغر؛ لأنا نقول: ذلك الفرق صوري، خلي عن المناسبة؛ إذ الكل ولاية إجبار، وقد ارتفع في الصورتين، فيلزم تساويهما في الخيار فيهما، أو في عدمه. والله تعالى أعلم. قلت: وقد خرَّج البخاري حديث بريرة هذا عن ابن عباس فقال فيه: إن زوج بريرة كان عبدًا، يقال له: مغيث، كأني أنظر إليه خلفها يطوف يبكي، ودموعه تسيل على لحيته، فقال النبي ﷺ : (لو راجعته) (٢) قالت: يا رسول الله! تأمرني؟ قال: (إنما أشفع). قالت: فلا حاجة (٣). وزاد عليه أبو داود: وأمرها أن تعتد. وزاد الدارقطني: عدة الحرَّة. وخرَّجه أبو داود (٤) من حديث عائشة فقال: إن بريرة عتقت وهي تحت مغيث - عبد لآل أبي أحمد - فخيرها رسول الله ﷺ وقال: (إن قَرُبَكِ فلا خيار لك) (٥). وهذه الطرق فيها أبواب من الفقه زيادة على ما ذكره مسلم. فمنها: جواز إظهار الرجل محبة زوجته. وجواز التذلل والرغبة والبكاء بسبب ذلك؛ إذ لم ينكر النبي ﷺ على مغيث شيئًا من ذلك، ولا نبَّهَهُ عليه. وفيه: جواز عرض الاستشفاع، والتلطف فيه، وتنزل الرجل الكبير للمشفوع عنده؛ وإن كان نازل القدر. وفيه ما يدلُّ على فقه بريرة حيث فرقت بين الأمر والاستشفاع، وأن أمر النبي ﷺ كان محمولًا عندهم على الوجوب، بحيث لا يُرَدُّ، ولا يُخَالَف.

стр. 2349

قَالَت: وَكَانَ النَّاسُ يَتَصَدَّقُونَ عَلَيهَا وَتُهدِي لَنَا، فَذَكَرتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ لَكُم هَدِيَّةٌ فَكُلُوهُ. وفي رواية: فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : الوَلَاءُ لِمَن وَلِيَ النِّعمَةَ وَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، وَكَانَ زَوجُهَا عَبدًا. رواه أحمد (٦/ ٤٥ - ٤٦)، ومسلم (١٥٠٤) (١٠) و (١١) و (١٣)، والنسائي (٦/ ١٦٢ - ١٦٣). ــ وفيه: النصوص: على أن الزوج كان عبدًا. وفيه: ما يدلُّ على أن تمكين المخيرة من نفسها طائعة يُبطل خيارها. ويفهم منه: أن كل من له الخيار في شيء فتصرف فيه تصرُّف المُلاك مختارًا، إنه قد أسقط خياره. وفيه: جواز تصريح المرأة بكراهة الزوج. وفيه: ما يدلُّ على أن نفس اختيارها لنفسها كافٍ في وقوع الطلاق؛ إذا لم تصرّح بلفظ طلاق، ولا غيره. لكن حالها دلَّ على ذلك، فاكتفي به، ووقع الطلاق عليها، وحينئذ أمرها أن تعتدَّ عدَّة الحرَّة. و(قولها: وكان الناس يتصدَّقون عليها، وتهدي لنا) يعني: أنها كانت معلومة الفقر، فكانت تُقصَد بالصدقات - واجبها، وتطوُّعها - وفي بعض ألفاظ هذا الحديث: (يهدون لها) ولا تناقض فيه، فإنها كانت يُفعل معها الوجهان: الصدقة، والهدية. وقد يجوز أن تُسمِّى الصدقة هدية، كما قد أطلق عليها ذلك (١) بعض الرواة فقال: (أهدي لها لحم) يعني به: تُصدِّق عليها، بدليل قوله ﷺ : (هو لها صدقة ولنا هدية). وقد اضطربت ألفاظ الرواة لهذا الحديث، فقال بعضهم: (أهدي لها لحم). وقال بعضهم: (تُصدِّق (٢) عليها بلحم بقر). وقال بعضهم: (قالت عائشة:

стр. 2350

[١٥٧٣] وعَنها قَالَت: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ خُيِّرَت عَلَى زَوجِهَا حِينَ عَتَقَت، وَأُهدِيَ لَهَا لَحمٌ، فَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَالبُرمَةُ عَلَى النَّارِ، فَدَعَا بِطَعَامٍ، فَأُتِيَ بِخُبزٍ وَأُدُمٍ مِن أُدُمِ البَيتِ، فَقَالَ: أَلَم أَرَ عَلَى النَّارِ بُرمَةً فِيهَا لَحمٌ؟ فَقَالُوا: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَلِكَ لَحمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، فَكَرِهنَا أَن نُطعِمَكَ مِنهُ فَقَالَ: هُوَ عَلَيهَا صَدَقَةٌ، وَهُوَ مِنهَا لَنَا هَدِيَّةٌ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ فِيهَا: إِنَّمَا الوَلَاءُ لِمَن أَعتَقَ. رواه البخاريُّ (٥٠٩٧)، ومسلم (١٥٠٤) (١٤)، والنسائي (٦/ ١٦٢). * * * ــ تُصدِّق على مولاتي بشاة من الصدقة) (١). وقال بعضهم: (قالت عائشة: بعث النبي ﷺ إلى بريرة بشاة من الصدقة). قلت: وهذان اللفظان أنصُّ ما في الباب، فليعتمد عليهما. وقد استوفينا في كتاب الزكاة ما بقي في هذا الحديث، مِمَّا يحتاج إلى التنبيه عليه. وفيه أبواب من الفقه لا تخفى. * * *

стр. 2351

(٤) باب النهي عن بيع الولاء وعن هبته وفي إثم من تولى غير مواليه [١٥٧٤] عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ النبي ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الوَلَاءِ، وَعَن هِبَتِهِ. رواه أحمد (٢/ ٩)، والبخاريُّ (٦٧٥٦)، ومسلم (١٥٠٦)، والترمذيُّ (١٢٣٦)، وابن ماجه (٢٧٤٧). ــ (٤) ومن باب: النهي عن بيع الولاء وهبته إنما لم يجز بيع الولاء، ولا هبته؛ للنهي عن ذلك، ولأنه أمرٌ وجوديٌّ لا يتأتَّى الانفكاك عنه كالنسب. ولذلك قال ﷺ : (الولاء لحمة كلحمة النسب) (١) فكما لا تنتقل الأبوة والجُدودة، كذلك لا ينتقل الولاء. وقد بينا وجه ذلك ومناسبته، غير أنه يصحُّ في الولاء جرُّ ما يترتب عليه الميراث. ومثاله: أن يتزوَّج عبدٌ مُعتَقَته، فيولد له منها ولد، فيكون حرًّا بحرِّية أُمِّه، ويكون ولاؤه لمواليها ما دام أبوه عبدًا، فلو أعتقه سيده عاد ولاؤه لمعتق أبيه بالاتفاق كما ذكرناه. وللولاء أحكامٌ خاصة ثبتت بالسُّنَّة: منها: أنه لا يرث به إلا العصبات الذكور، ولا مدخل للنساء فيه إلا فيما أعتقن أو أعتق من أعتقن. ومنها: أنه لا يورث إلا بالكبر. فلا يستحق البطن الثاني منه شيئًا ما بقي من البطن الأول شيء. وتفصيل ذلك في الفروع. وقد حكي عن بعض السلف: أن الولاء ينتقل. ولعلَّه إنما يعني به: الجرُّ. والله تعالى أعلم.

стр. 2352

[١٥٧٥] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قال: كَتَبَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى كُلِّ بَطنٍ عُقُولَهُ، ثُمَّ كَتَبَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ أَن يُتَوَالَى مَولَى رَجُلٍ مُسلِمٍ بِغَيرِ إِذنِهِ، ثُمَّ أُخبِرتُ أَنَّهُ لَعَنَ فِي صَحِيفَتِهِ مَن فَعَلَ ذَلِكَ. رواه مسلم (١٥٠٧). ــ و(قوله: كتب على كل بطن عُقوله) أي: أثبت، وأوجب. والبطن: دون القبيلة، والفخذ: دون البطن. والعُقول: يعني بها: الدِّيات. وذلك: أن النبي ﷺ لما هاجر إلى المدينة، واستقرَّ أمره فيها آخى بين المهاجرين والأنصار، وصالح من كان فيها من اليهود، وميز القبائل بعضها من بعض، وضم البطون بعضها إلى بعض فيما ينوبهم من الحقوق والغرامات، وكان بينهم دماء وديَّات بسبب الحروب العظيمة التي كانت بينهم قبل الإسلام، فرفع الله تعالى كل ذلك عنهم، وألَّف بين قلوبهم ببركة الإسلام، وبركة النبي ﷺ حتى صاروا كما قال تعالى: ﴿وَاذكُرُوا نِعمَتَ اللَّهِ عَلَيكُم إِذ كُنتُم أَعدَاءً فَأَلَّفَ بَينَ قُلُوبِكُم فَأَصبَحتُم بِنِعمَتِهِ إِخوَانًا﴾ الآية. و(قوله: لا يحل أن يتوالى مولى رجل مسلم بغير إذنه) هذا يقتضي: تحريم أن ينسب أحد مولى رجل لنفسه. وحديث أبي هريرة يقتضي: تحريم نسبة المولى لغير معتقه. وكلاهما محرم هنا، كما هو محرم في النَّسب. وقد سوَّى النبي ﷺ بينهما في الردع والوعيد، فقال: (من ادعى إلى غير أبيه، أو انتمى إلى غير مواليه، فالجنة عليه حرام) (١). و(قوله: بغير إذنه) وفي الحديث الآخر: (بغير إذنهم) يعني: بغير إذن

стр. 2353

[١٥٧٦] وعَن أبي هريرة: عن النبي ﷺ قَالَ: مَن تَوَلَّى قَومًا بِغَيرِ إِذنِ مَوَالِيهِ فَعَلَيهِ لَعنَةُ اللَّهِ وَالمَلَائِكَةِ، وَالنَّاسِ أَجمَعِينَ لَا يَقبَلُ مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ صَرف وَلَا عَدل. رواه مسلم (١٥٠٨)، وأبو داود (٥١١٤). * * * ــ السَّادة. ودليل خطابه يدلُّ على أن السيد إذا أذن في ذلك جاز، كما قد ذهب إليه بعض الناس، وليس بصحيح، والجمهور على منع ذلك؛ وإن أذن السيد؛ لأن السيد إن أذن في ذلك بعوض، فهو المبايعة للولاء المنهي عنها، أو ما في معناه. وإن كان بغير عوض؛ فهي هبة الولاء، وما في معناها، ولا يجوز واحد منهما وإنما جرى ذكر الإذن في هذين الحديثين؛ لأن أكثر ما يقع من ذلك، إنما يكون بغير إذن السَّادة، فلا دليل خطاب لمثل هذا اللفظ. وقد بيَّنا في أصول الفقه: أن ما يدلّ على جهة النطق مرجح على ما يدل على جهة المفهوم. وقد تقدَّم: أن اللعنة أصلها: الطرد والبعد. فلعنة الله تعالى هي: إبعاده للملعون عن رحمته، وإحلاله في وبيل عقوبته. ولعنة الملائكة والناس هي: دعاؤهم عليه بذلك وذمهم له وطرده عنهم. وقد تقدَّم القول على الصرف والعدل في الإيمان. * * *

стр. 2354

(٥) باب ما جاء في فضل عتق الرِّقبة المؤمنة وفي عتق الوالد [١٥٧٧] عَن أبي هريرة قال: سمعت رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يقَولَ: مَن أَعتَقَ رَقَبَةً مؤمنة أَعتَقَ اللَّهُ بِكُلِّ عُضوٍ مِنه عُضوًا مِن النَّارِ حَتَّى فَرجَهُ بِفَرجِهِ. ــ (٥) ومن باب: فضل عتق الرِّقاب (قوله ﷺ : (من أعتق رقبة مؤمنة أعتق الله بكل عضو منه عضوًا من النَّار). قلت: مقتضى هذا: التسوية بين عتق الذكر والأنثى، والصحيح والمعيب، بحكم عموم (رقبة) فإنها نكرة في سياق الشرط. وقد صحَّ في ذلك تفصيل. وهو ما خرَّجه الترمذي عن أبي أمامة وغيره، عن النبي ﷺ قال: (أيما امرئ مسلم أعتق امرأ مسلمًا كان فكاكه من النار، يجزي كل عضو منه عضوًا منه، وأيما امرئ مسلم أعتق امرأتين مسلمتين كانتا فكاكه من النار، يجزي كل عضو منهما عضوًا منه، وأيما امرأة مسلمة أعتقت امرأة مسلمة كانت فكاكها من النار، يجزي كل عضو منها عضوًا منها). قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح (١). وقد صحَّ من حديث أبي ذر أنَّه سأل النبي ﷺ فقال: أي الرِّقاب أفضل؟ فقال: (أنفسها عند أهلها، وأغلاها ثمنًا) (٢). وهذا يدلُّ على أن المعيب ليس كالصحيح، ولا الكبير مثل الصغير، ولا القليل الثمن مثل الكثير، لتفاوت ما بينهم، ولما شهد حديث الترمذي بتفاوت ما بين الذكر والأنثى؛ لزم منه التفاوت بين من ذكرناهم في ذلك. والله تعالى أعلم. وإنما فضل عتق الذكر على الأنثى؛ لأن جنس الرِّجال أفضل،

стр. 2355

ورواه من حديث سَعِيدُ بنُ مَرجَانَةَ وقَالَ: فَانطَلَقتُ حِينَ سَمِعتُ الحَدِيثَ مِن أَبِي هُرَيرَةَ فَذَكَرتُهُ لِعَلِيِّ بنِ الحُسَينِ، فَأَعتَقَ عَبدًا لَهُ قَد أَعطَى بِهِ ابنُ جَعفَرٍ عَشرَةَ آلَافِ أَو أَلفَ دِينَارٍ. رواه أحمد (٢/ ٤٢٠ و ٤٢٢)، والبخاريُّ (٢٥١٧)، ومسلم (١٥٠٩) (٢٢) و (٢٤)، والترمذيُّ (١٥٤١)، والنسائي في الكبرى (٤٨٧٤). [١٥٧٨] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَجزِي وَلَدٌ وَالِدًا، ــ ولأن قوام الدُّنيا والدين إنما هو بالرجال، والنساء محل لشهواتهم، ومقر للإنسال (١). وفيه: ما يدل على أن هذا الفضل العظيم إنما هو في عتق المؤمن. ولا خلاف في جواز عتق الكافر تطوّعًا. فلو كان الكافر أغلى ثمنًا، فروي عن مالك: أنه أفضل من المؤمن القليل الثمن تمسكًا بحديث أبي ذر. وخالفه في ذلك أكثر أهل العلم نظرًا إلى حرمة المسلم، وإلى ما يحصل منه من المنافع الدينية، كالشهادات، والجهاد، والمعونة على إقامة الدين، وهو الأصح. والله تعالى أعلم. و(قوله: لا يجزي ولد والدًا) من الجزاء الذي (٢) بمعنى المجازاة.

стр. 2356

إِلَّا أَن يَجِدَهُ مَملُوكًا فَيَشتَرِيَهُ، فَيُعتِقَهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٣٠)، ومسلم (١٥١٠)، وأبو داود (٥١٣٧)، والترمذيُّ (١٩٠٦)، وابن ماجه (٣٦٥٩). * * * ــ والمعنى: أنَّه لا يقوم بما له عليه من الحقوق حتى يفعل معه ذلك. وقد بينا فيما سبق وجه مناسبة ذلك. و(قوله: إلا أن يجده مملوكًا فيشتريه، فيعتقه) ظاهره: أنه لا يعتق عليه بمجرد الملك، بل: حتى يعتقه هو. وإليه ذهب أهل الظاهر، وقالوا: لا يعتق أحدٌ من القرابة بنفس الملك، ولا يلزم ذلك فيهم. بل إن أراد أن يعتق فحسن. وخالفهم في ذلك جمهور علماء الأمصار (١)، غير أنهم في تفصيل ذلك مختلفون. فذهب مالك فيما حكاه ابن خوازمنداذ: إلى أن الذي يعتق بالملك عمودا النسب (٢) علوًّا وسفلًا خاصة. وبه قال الشافعي. ومشهور مذهب مالك: عمودا النسب، والجناحان: وهما الإخوة. وذكر ابن القصَّار عن مالك: ذوو الأرحام المحرمة. وبه قال أبو حنيفة. ومتعلق الظاهرية من الحديث ليس بصحيح؛ لأن الله تعالى قد أوجب علينا الإحسان للأبوين، كما قال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا﴾ فقد سوَّى بين عبادته وبين الإحسان للأبوين في الوجوب. وليس من الإحسان أن يبقى والده في ملكه، فإذا يجب عتقه، إما لأجل الملك عملًا بالحديث، أو لأجل الإحسان عملًا بالآية. والظاهرية لجهلهم بمقاصد الشرع تركوا العمل بكل واحد منهما للتمسك بظاهر لم يحيطوا بمعناه.

стр. 2357

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ومعنى الحديث عند الجمهور: أنَّ الولد لَمَّا تسبب إلى عتق أبيه باشترائه إيَّاه: نسب الشرع العتق إليه نسبة الإيقاع منه. ودل على صحة هذا التأويل فهم معنى الحديث والتنزيل. وأما اختلاف العلماء فيمن يعتق بالملك. فوجه القول الأول والثاني: إلحاق القرابة القريبة المحرمة بالأب المنصوص عليه في الحديث، ولا أقرب للرجل من أبيه؛ فيحمل على الأب، والأخ يقاربه في ذلك؛ لأنه يُدلِي بالأبوَّة، فإنه يقول: أنا ابن أبيه. وأما القول الثالث: فمتعلقه الحديث الثابت في ذلك؛ الذي خرَّجه أبو داود والترمذي من طرق متعددة. وأحسن طرقه: ما خرَّجه النسائي في كتابه من حديث ضمرة، عن سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : (من ملك ذا رحم محرم فقد عتق) (١). قلت: وهذا الحديث ثابت بنقل العدل عن العدل، ولم يقدح فيه أحد من الأئمة بعلة توجب تركه. غير أن بعضهم قال: تفرد به ضمرة. وهذا لا يلتفت إليه، لأن ضمرة عدل، ثقة. وانفراد الثقة بالحديث لا يضره على ما مهَّدناه في الأصول، فلا ينبغي أن يعدل عن هذا الحديث. بل: يجب العمل به لصحته سندًا، ولشهادة الكتاب له معنى. وذلك: أن الله قد قال: ﴿وَاعبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشرِكُوا بِهِ شَيئًا وَبِالوَالِدَينِ إِحسَانًا وَبِذِي القُربَى﴾ وليس من الإحسان إلى الأبوين، ولا للقرابة استرقاقهم، فإن نفس الاسترقاق، وبقاء اليد على المسترق إذلال له وإهانة. ولذلك فسخنا على النصراني شراءه للمسلم على رواية، ولم نبق ملكه عليه في الأخرى. وإذا ثبت أن بقاء الملك إذلال، وإهانة؛ وجبت إزالته ورفعه عن الآباء والقرابة؛ لأنه نقيض الإحسان؛ الذي أمر الله به. فإن قيل: فهذا يلزم في القرابات كلّهم وإن بعدوا؛ قلنا: هذا يلزم من مطلق القرآن. لكن النبي ﷺ قد

стр. 2358

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ خصَّص بعض القرابات بقوله: (من ملك ذا رحم محرم) (١) فوصفه بالمحرمية، فمن ليس كذلك لا تتضمنه الآية، ولا الحديث. والله تعالى أعلم. وفي المسألة مباحث تذكر في مسائل الخلاف. ثم حيث قلنا بوجوب العتق، فهل بنفس الملك، أو يقف ذلك على حكم الحاكم؛ قولان عندنا: والأول أولى لظاهر الحديث، ولأنه قد جاء من حديث الحسن عن سمرة: (من ملك ذا رحم محرم فهو حرٌّ) وهذا اللفظ يكاد أن يكون نصًّا في الفرض، ولأن بقاء الأب تحت يد الملك إلى أن ينظر الحاكم؛ فيه إذلال يناقض الإحسان المأمور به. فيجب وقوع العتق مقارنًا للملك، وإنما صار إلى إيقافه (٢) على الحكم في القول الثاني للاختلاف الذي في أصل المسألة. قال بعض الأصحاب: فإذا حكم الحاكم بذلك وجب التنفيذ، وارتفع الخلاف. وهذا ليس بشيء؛ لأنه يلزم منه إيقاف مقتضيات الأدلة على نظر الحكَّام وحكمهم، وهذا باطل بالإجماع، ولأنه ترك الدليل لما ليس بدليل، فإن حكم الحاكم ليس بدليل، بل الذي يستند إليه حكمه هو الدليل. فإن اقتضى دليله وجوب العتق بنفس الملك؛ فقد حصل المطلوب، وإن اقتضى دليله إيقاف العتق على الحكم؛ فإما إلى حكمه، وهو دور، وإمَّا إلى حكم غيره ويتسلسل (٣). * * *

стр. 2359

(٦) باب تحسين صحبة ملك اليمين، والتغليظ على سيده في لطمه، أو ضربه في غير حد ولا أدب، أو قذفه بالزنا [١٥٧٩] عَن زَاذَانَ: أَنَّ ابنَ عُمَرَ دَعَا بِغُلَامٍ لَهُ، فَرَأَى بِظَهرِهِ أَثَرًا فَقَالَ لَهُ: أَوجَعتُكَ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَأَنتَ عَتِيقٌ. قَالَ: ثُمَّ أَخَذَ شَيئًا مِن الأَرضِ فَقَالَ: مَا لِي فِيهِ مِن الأَجرِ مَا يَزِنُ هَذَا، إِنِّي سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن ضَرَبَ غُلَامًا لَهُ حَدًّا لَم يَأتِهِ أَو لَطَمَهُ، فَإِنَّ كَفَّارَتَهُ أَن يُعتِقَهُ. رواه أحمد (٢/ ٢٥ و ٦١)، ومسلم (١٦٥٧)، وأبو داود (٥١٦٨). ــ (٦) ومن باب: تحسين صحبة المماليك كان ضرب ابن عمر ﵄ لعبده أدبًا على جناية، غير أنه أفرط في أدبه بحسب الغضب البشري، حتى جاوز مقدار الأدب، ولذلك أثر الضرب في ظهره. وعندما تحقق ذلك رأى: أنه لا يخرجه (١) مما وقع فيه إلا عتقه، فأعتقه بنيّة الكفارة، ثم فهم أن الكفارة غايتها إذا قبلت أن تكفر إثم الجناية، فيخرج الجاني رأسًا برأس، لا أجر، ولا وزر، ولذلك قال ابن عمر ﵄: (ما لي فيه من الأجر شيء). و(قوله ﷺ : (من ضرب غلامه له حدًّا لم يأته، أو لطمه، فإن كفارته أن يعتقه) ظاهر هذا الحديث والأحاديث المذكورة بعده: أن من لطم عبده، أو تعدَّى في ضربه وجب عليه عتقه لأجل ذلك. ولا أعلم من قال بذلك. غير أن أصول أهل الظاهر تقتضي ذلك. وإنما اختلف العلماء فيمن مَثَّل بعبده مُثلة ظاهرة، مثل

стр. 2360

[١٥٨٠] وعَن مُعَاوِيَةَ بنِ سُوَيدٍ قَالَ: لَطَمتُ مَولًى لَنَا، فَهَرَبتُ ثُمَّ جِئتُ قُبَلَ الظُّهرِ فَصَلَّيتُ خَلفَ أَبِي، فَدَعَاهُ وَدَعَانِي، ثُمَّ قَالَ: امتَثِل مِنهُ، فَعَفَا ثُمَّ قَالَ: كُنَّا بَنِي مُقَرِّنٍ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيسَ لَنَا إِلَّا خَادِمٌ وَاحِدَةٌ، فَلَطَمَهَا أَحَدُنَا، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: أَعتِقُوهَا. قَالَوا: لَيسَ لَهُم خَادِمٌ غَيرُهَا، قَالَ: فَليَستَخدِمُوهَا، فَإِذَا استَغنَوا عَنهَا فَليُخَلُّوا سَبِيلَهَا. رواه أحمد (٣/ ٤٤٨)، ومسلم (١٦٥٨)، وأبو داود (٥١٦٦ و ٥١٦٧)، والترمذي (١٥٤٢). [١٥٨١] وعَن هِلَالِ بنِ يَسَافٍ قَالَ: عَجِلَ شَيخٌ فَلَطَمَ خَادِمًا لَهُ، فَقَالَ لَهُ سُوَيدُ بنُ مُقَرِّنٍ: عَجَزَ عَلَيكَ إِلَّا حُرُّ وَجهِهَا، لَقَد رَأَيتُنِي سَابِعَ سَبعَةٍ مِن ــ قطع يده، أو فقء عينه. فقال مالك، والليث: يجب عليه عتقه. وهل يعتق بالحكم، أو بنفس وقوع المثلة؟ قولان لمالك. وذهب الجمهور: إلى أن ذلك لا يجب. وسبب الخلاف اختلافهم في تصحيح ما روي من ذلك من قوله ﷺ : (من مثل بعبده عتق عليه). قلت: ومحمل الحديث الأول عند العلماء على التغليظ على من لطم عبده، أو تعدَى في ضربه لينزجر السَّادة عن ذلك. فمن وقع منه ذلك أثم، وأمر بأن يرفع يده عن ملكه عقوبة، كما رفع يده عليه ظلمًا. ومحمله عندهم (١) على الندب، وهو الصحيح؛ بدليل قول النبي ﷺ لبني مقرِّن حين أمرهم بعتق الملطومة، فقالوا: ليس لنا خادم غيرها، فقال: (استخدموها، فإذا استغنيتم عنها فخلوا سبيلها). فلو وجب العتق بنفس اللطم لحرم الاستخدام؛ لأنها كانت تكون حرَّة،

стр. 2361

بَنِي مُقَرِّنٍ مَا لَنَا خَادِمٌ إِلَّا وَاحِدَةٌ، لَطَمَهَا أَصغَرُنَا فَأَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن نُعتِقَهَا. وفي رواية: فَقَالَ لَهُ سُوَيدٌ: أَمَا عَلِمتَ أَنَّ الصُّورَةَ مُحَرَّمَةٌ؟ ثم ذكر نحوه. رواه مسلم (١٦٥٨) (٣٢ و ٣٣). [١٥٨٢] وعَن أَبِي مَسعُودٍ الأَنصَارِيِّ قَالَ: كُنتُ أَضرِبُ غُلَامًا لِي، فَسَمِعتُ مِن خَلفِي صَوتًا: اعلَم أَبَا مَسعُودٍ، لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ. فَالتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، هُوَ حُرٌّ لِوَجهِ اللَّهِ تعالى، فَقَالَ: أَمَا لَو لَم تَفعَل، لَلَفَحَتكَ النَّارُ، أَو قال: لَمَسَّتكَ النَّارُ. رواه أحمد (٤/ ١٢٠)، ومسلم (١٦٥٩) (٣٥)، وأبو داود (٥١٥٩ و ٥١٦٠)، والترمذي (١٩٤٩). ــ واستخدام الحر بغير رضاه حرام. فمقصود هذه الأحاديث-والله أعلم-: أن من تعدَّى على عبده أثم، فإن أعتقه يكفر أجر عتقه إثم تعديه، وصارت الجناية كأن لم تكن، ومع ذلك: فلا يقضى عليه بذلك؛ إذ ليس بواجب، على ما تقدَّم. و(اللطم): الضرب في الوجه. و (امتَثِل): معناه: استَقِد؛ أي: خذ القود. و (سابع سبعة): أحد سبعة. و (الصورة) هنا: الوجه. وقد تكون: الصفة، كما تقدَّم. و(قوله لأبي مسعود: (لو لم تفعل للفحتك النار) تنبيه على أن الذي فعله من ضرب عبده حرام، فكأنه تعدَّى في أصل الضرب؛ بأن ضربه على ما لا يستحق، أو في صفة الضرب، فزاد على المستحق. ولا يختلف: في أن تأديب العبد بالضرب، والحبس، وغيره جائز إذا وقع في محله وعلى صفته. ومساق

стр. 2362

[١٥٨٣] وعنه: أَنَّهُ كَانَ يَضرِبُ غُلَامَا لهُ، فَجَعَلَ يَقُولُ: أَعُوذُ بِاللَّهِ، قَالَ: فَجَعَلَ يَضرِبُهُ، فَقَالَ: أَعُوذُ بِرَسُولِ اللَّهِ، فَتَرَكَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : وَاللَّهِ لَلَّهُ أَقدَرُ عَلَيكَ مِنكَ عَلَيهِ. قَالَ: فَأَعتَقَهُ. رواه مسلم (١٦٥٩) (٣٦). [١٥٨٤] وعن أَبي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو القَاسِمِ ﷺ : مَن قَذَفَ مَملُوكَهُ بِالزِّنَى، أقَامُ عَلَيهِ الحَدُّ يَومَ القِيَامَةِ، إِلَّا أَن يَكُونَ كَمَا قَالَ. رواه أحمد (٢/ ٤٣١)، والبخاري (٦٨٥٨)، ومسلم (١٦٦٠)، وأبو داود (٥١٦٥)، والترمذي (١٩٤٠). * * * ــ الرواية الأخرى يدلُّ على تحريم قذف المملوك، وأنَّه ليس فيه في الدنيا حدٌّ للقذف. وهو مذهب مالك، والجمهور. وهو المفهوم من قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرمُونَ المُحصَنَاتِ ثُمَّ لَم يَأتُوا بِأَربَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجلِدُوهُم﴾ فإن الإحصان هنا يمكن حمله على الإسلام والحرية والعفة، على قول من يرى: أن اللفظ المشترك يحمل على جميع محامله، ولأن العبد ناقص عن درجة الحر نقصانًا عن كفر، فلا يحدُّ قاذفه، كما لا يحدُّ قاذف الكافر، ولأنَّه ناقصٌ عن درجة الحِّر، فلا يحدُّ الحر لقذفه؛ كما لا يقتل به (١). وقد ذهب قوم: إلى أن الحرّ يحدُّ إذا قذف العبد. والحجة عليهم كل ذكرناه من الحديث، والقرآن، والقياس. * * *

стр. 2363

(٧) باب إطعام المملوك مما يأكل ولباسه مما يلبس، ولا يكلف ما يغلبه [١٥٨٥] عَن المَعرُورِ بنِ سُوَيدٍ قَالَ: مَرَرنَا بِأَبِي ذَرٍّ بِالرَّبَذَةِ وَعَلَيهِ بُردٌ وَعَلَى غُلَامِهِ مِثلُهُ، فَقُلنَا: يَا أَبَا ذَرٍّ، لَو جَمَعتَ بَينَهُمَا كَانَت حُلَّةً، فَقَالَ: إِنَّهُ كَانَ بَينِي وَبَينَ رَجُلٍ مِن إِخوَانِي كَلَامٌ، وَكَانَت أُمُّهُ أَعجَمِيَّةً، فَعَيَّرتُهُ بِأُمِّهِ، فَشَكَانِي إِلَى النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَقِيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ. قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَن سَبَّ الرِّجَالَ سَبُّوا أَبَاهُ وَأُمَّهُ، قَالَ: يَا أَبَا ذَرٍّ، إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ، هُم إِخوَانُكُم، جَعَلَهُم اللَّهُ تَحتَ ــ (٧) ومن باب: إطعام المملوك قد تقدَّم تفسير (الحُلَّة). (قوله: كان بيني وبين رجل من إخواني) يعني به: عبده. وأطلق عليه أنه من إخوانه لقوله ﷺ : (إخوانكم خولكم) ولأنه أخ في الدِّين. و(قول النبي ﷺ لأبي ذرٍّ: (إنك امرؤ فيك جاهلية) أي: خصلة من خصالهم، يعني بها: تعيير عبده بأمه. فإن الجاهلية كانوا يعيِّرون بالآباء والأمهات، وذلك شيء أذهبه الإسلام بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكرَمَكُم عِندَ اللَّهِ أَتقَاكُم﴾ وبقوله ﷺ : (إن الله أذهب عنكم عبية (١) الجاهلية، وفخرها بالآباء. الناس كلهم بنو آدم، وآدم خلق من تراب) (٢).

стр. 2364

أَيدِيكُم، فَأَطعِمُوهُم مِمَّا تَأكُلُونَ، وَأَلبِسُوهُم مِمَّا تَلبَسُونَ، وَلَا تُكَلِّفُوهُم مَا يَغلِبُهُم، فَإِن كَلَّفتُمُوهُم فَأَعِينُوهُم. وفي رواية: بَعدَ قَولِهِ: (إِنَّكَ امرُؤٌ فِيكَ جَاهِلِيَّةٌ) قَالَ: قُلتُ: عَلَى حَالِ سَاعَتِي مِن الكِبَرِ، قَالَ: نَعَم. ــ و(قول أبي ذر: على حال ساعتي من الكبر) استبعاد منه أن يبقى فيه شيء من خصال الجاهلية مع كبر سنِّه، وطول عمره في الإسلام، فلما أخبره النبي ﷺ ببقاء ذلك عليه زال استبعاده، ووجب تسليمه لذلك القول وانقياده. و(قوله: فأطعموهم مِمَّا تأكلون، وألبسوهم مِمَّا تلبسون) أي: من نوع ما تأكلون وما تلبسون. وهذا الأمر على الندب؛ لأن السَّيد لو أطعم عبده أدنى مما يأكله، وألبسه أقل مما يلبسه - صفةً ومقدارًا - لم يذمَّه أحدٌ من أهل الإسلام؛ إذ قام بواجبه عليه، ولا خلاف في ذلك فيما علمته. وإنما موضع الذمِّ: إذا منعه ما يقوم به أوده، ويدفع به ضرورته، كما نصَّ عليه النبي ﷺ بقوله: (كفى بالمرء إثمًا أن يحبس عمن يملك قوتهم). وإنما هذا على جهة الحض على مكارم الأخلاق، وإرشادٌ إلى الإحسان، وإلى سلوك طريق التواضع حتى لا يرى لنفسه مزية على عبده؛ إذ الكل عبيد الله، والمال مال الله، ولكن سَخَّر بعضهم لبعض، وملَّك بعضهم بعضًا؛ إتمامًا للنعمة، وتقعيدا (١) للحكمة. و(قوله: ولا تكلّفوهم ما يغلبهم) أي: لا تكلفوهم ما لا يطيقونه. وهو نهيٌّ، وظاهره التحريم. و(قوله: فإن كلفتموهم فأعينوهم) أي: إن أخطأتم فوقع ذلك منكم، فارفعوا عنهم ذلك؛ بأن تعينوهم على ذلك العمل، فإن لم يمكنكم ذلك فبيعوهم؛ كما جاء في الرواية الأخرى: (ممن يرفق بهم).

стр. 2365

وفي رواية: فَإِن كَلَّفَهُ مَا يَغلِبُهُ فَليَبِعهُ. وفي أخرى: فَليُعِنهُ. رواه أحمد (٥/ ١٦١)، والبخاريُّ (٣٠)، ومسلم (١٦٦١) (٣٨) و (٣٩)، وأبو داود (٥١٥٧)، وابن ماجه (٣٦٩٠). [١٥٨٦] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لِلمَملُوكِ طَعَامُهُ وَكِسوَتُهُ، وَلَا يُكَلَّفُ مِن العَمَلِ إِلَّا مَا يُطِيقُ. رواه أحمد (٢/ ٢٤٧)، ومسلم (١٦٦٢). [١٥٨٧] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : إِذَا صَنَعَ لِأَحَدِكُم خَادِمُهُ طَعَامَهُ، ثُمَّ جَاءَ بِهِ وَقَد وَلِيَ حَرَّهُ وَدُخَانَهُ، فَليُقعِدهُ مَعَهُ فَليَأكُل، فَإِن كَانَ الطَّعَامُ مَشفُوهًا قَلِيلًا، فَليَضَع فِي يَدِهِ مِنهُ أُكلَةً أَو أُكلَتَينِ، يَعنِي لُقمَةً أَو لُقمَتَينِ. ــ و(قوله: للمملوك طعامه وكسوته) أي: يجب ذلك له على سيده، كما قال في حديث أبي هريرة: (يقول عبدك: أنفق علي، أو بعني) (١) وهذا لا يختلف فيه. والقدر الواجب من ذلك ما يدفع به ضرورته، وما زاد على ذلك مندوب إليه. و(قوله: فليُقعِده معه) أمرٌ بتعليم التواضع، وترك الكبر على العبد. وهذا كان خلقه ﷺ ، فإنه كان يأكل مع العبد، ويطحن مع الخادم، ويشاركه في عمله، ويقول: (إنما أنا عبدٌ آكل كما يأكل العبد، وأجلس كما يجلس العبد) (٢). و(المشفوه): الذي تكثر عليه الشِّفاه، أو تغلب عليه الشِّفاه عند أكله لِقلتِه.

стр. 2366

رواه البخاريُّ (٢٥٥٧)، ومسلم (١٦٦٣)، وأبو داود (٣٨٤٦)، والترمذي (١٨٥٤). [١٥٨٨] وعن عَبدِ اللَّهِ بنِ عَمرٍو: وجَاءَهُ قَهرَمَانٌ لَهُ، فَقَالَ: أَعطَيتَ الرَّقِيقَ قُوتَهُم؟ قَالَ: لَا. قَالَ: فَانطَلِق فَأَعطِهِم، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : كَفَى إِثمًا أَن تَحبِسَ عَمَّن تَملِكُ قُوتَهُم. رواه مسلم (٩٩٦)، وأبو داود (١٦٩٢). * * * (٨) باب في مضاعفة أجر العبد الصالح [١٥٨٩] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: إِنَّ العَبدَ إِذَا نَصَحَ لِسَيِّدِهِ وَأَحسَنَ عِبَادَةَ اللَّهِ، فَلَهُ أَجرُهُ مَرَّتَينِ. رواه البخاري (٢٥٤٦)، ومسلم (١٦٦٤)، وأبو داود (٥١٦٩). [١٥٩٠] وعَن أَبي هُرَيرَةَ قال: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لِلعَبدِ المَملُوكِ ــ و(الأُكلَة): اللقمة - بالضم في الهمزة-، وهذا كله (١) أمرٌ بمكارم الأخلاق، واستدراج للإيثار. ونقيض ذلك: أخلاق البخلاء، أهل النَّهم، والجشع. (٨) ومن باب: مضاعفة أجر العبد الصالح قد تقدَّم في الإيمان القول على مضاعفة أجر الكتابي.

стр. 2367

المُصلِحِ أَجرَانِ وَالَّذِي نَفسُ أَبِي هُرَيرَةَ بِيَدِهِ، لَولَا الجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَالحَجُّ وَبِرُّ أُمِّي، لَأَحبَبتُ أَن أَمُوتَ وَأَنَا مَملُوكٌ. قَالَ سعيد بن المسيب: وَبَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيرَةَ لَم يَكُن يَحُجُّ حَتَّى مَاتَت أُمُّهُ لِصُحبَتِهَا. رواه البخاري (٢٥٤٨)، ومسلم (١٦٦٥). [١٥٩١] وعنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : نِعِمَّا لِلمَملُوكِ أَن يُتَوَفَّى ــ و(قول أبي هريرة: (لولا الجهاد، والحج، وبرُّ أمِّي لأحببت أن أموت وأنا مملوك) تصريح: بأن العبد لا يجب عليه جهاد ولا حجّ. وهو المعلوم من الشرع؛ لأن الحجّ، والجهاد لا يخاطب بهما إلا المستطيع لهما. والعبد غير مستطيع؛ إذ لا استقلال له بنفسه، ولا مال؛ إذ لا يملك عند كثير من العلماء. وإن ملك عندنا فليس مستقلًا بالتصرف فيه. ويظهر من تمني أبي هريرة كونه مملوكًا: أنه فضل العبودية على الحرية. وكأنَّه فهم هذا من مضاعفة أجر العبد الصالح. وهذا لا يصحُّ مطلقا؛ فإن المعلوم من الشرع خلافه؛ إذ الاستقلال بأمور الدين والدُّنيا إنما حصل بالأحرار. والعبد كالمفقود لعدم استقلاله، وكالآلة المصرفة بالقهر، والبهيمة المسخرة بالجبر. ولذلك سلب مناصب الشهادات، ومعظم الولايات، ونقصت حدوده عن حدود الأحرار، إشعارًا بخسَّة المقدار. وكونه: له أجره مرتين؛ إنما ذلك لتعدد الجهتين؛ لأنه مطالب من جهة الله تعالى بعبادته، ومن جهة سيده بطاعته، ومع ذلك فالحر وإن طولب من جهة واحدة، فوظائفه فيها أكثر، وغناؤه أعظم، فثوابه أكثر. وقد أشار إلى هذا أبو هريرة بقوله: (لولا الجهاد والحجّ وبرُّ أمِّي لأحببت أن أموت عبدًا) أي: لولا النقص الذي يلحق العبد لفوت هذه الأمور. و(نعمَّا) هي: نعم التي للمدح وزيدت عليها (ما) النكرة، وهي في موضع نصب على التمييز، كقوله تعالى: ﴿فَنِعِمَّا هِيَ﴾

стр. 2368

بحسِنُ عِبَادَةَ اللَّهِ وَصَحَابَةَ سَيِّدِهِ، نِعِمَّا لَهُ. رواه مسلم (١٦٦٧)، والترمذي (١٩٨٥). * * * (٩) باب فيمن أعتق عبيده عند موته وهم كل ماله [١٥٩٢] عَن عِمرَانَ بنِ حُصَينٍ: أَنَّ رَجُلًا أَعتَقَ سِتَّةَ مَملُوكِينَ عِندَ مَوتِهِ، لَم يَكُن لَهُ مَالٌ غَيرَهُم، فَدَعَاهِم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَجَزَّأَهُم أَثلَاثًا، ــ (٩) ومن باب: من أعتق عبيده عند موته (قوله: إن رجلا أعتق ستة مملوكين عند موته) ظاهره: أنه نَجز عتقهم في مرض موته. وفي الرواية الأخرى: (أنه أوصى بعتقهم). وهذا اضطراب؛ لأن القضية واحدة. ويرتفع ذلك: بأن بعض الرواة تجوز في لفظ: (أوصى) لما نفذ عتقهم بعد موت سيدهم في ثلثه؛ لأنه قد تساوى في هذه الصورة حكم تنجيز العتق وحكم الوصية به؛ إذ كلاهما يخرج من الثلث، وإنما كان يظهر الفرق بينهما لو لم يمت، فإنه كان يكون له الرجوع عن الوصية بالعتق دون تنجيز العتق؛ فإنه إذا صحَّ لزمه إما عتق جميعهم، وإما عتق ثلثهم؛ إذ ليس له مال غيرهم على الخلاف الذي في ذلك لأهل العلم. و(قوله: فجزأهم أثلاثًا) ظاهره: أنه اعتبر عدد أشخاصهم دون قيمتهم. وإنما فعل ذلك لتساويهم في القيمة والعدد، فلو اختلفت قيمتهم لم يكن بد من تعديلهم بالقيمة، مخافة أن يكون ثلثهم في العدد أكثر من ثلث الميت في القيمة. ولو اختلفوا في القيمة أو في العدد لَجزئوا بالقيمة، ولعتق منهم ما يخرجه السهم، وإن كان أقل من ثلث العدد. وكيفية العمل في ذلك مفصلة في كتب أئمتنا.

стр. 2369

ثُمَّ أَقرَعَ بَينَهُم فَأَعتَقَ اثنَينِ وَأَرَقَّ أَربَعَةً، وَقَالَ لَهُ قَولًا شَدِيدًا. وفي رواية: أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ أَوصَى عِندَ مَوتِهِ، فَأَعتَقَ سِتَّةَ مَملُوكِينَ. رواه أحمد (٤/ ٤٣٨)، ومسلم (١٦٦٨) (٥٦) و (٥٧)، وأبو داود (٣٩٦١). * * * ــ و(قوله: ثم أقرع بينهم، فأعتق اثنين، وأرق أربعة) هذا نصٌّ في صحَّة اعتبار القرعة شرعا. وهو حجة للجمهور: مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق على أبي حنيفة حيث يقول: إنه يعتق من كل واحد منهم ثلثه، ولا يقرع بينهم، وهذا مخالف لنصّ الحديث، ولا حجة له بأن يقول: إن هذا الحديث مخالف للقياس، فلا يعمل به؛ لأنا قد أوضحنا في الأصول: أن القياس في مقابلة النص فاسد الوضع. ولو سلَّمنا: أنَه ليس بفاسد الوضع لكانا كالدليلين المتعارضين، وحينئذ يكون الأخذ بالحديث أولى؛ لكثرة الاحتمالات في القياس وقلتها في الحديث، كما بيناه في الأصول. و(قوله: وقال له قولًا شديدا) أي: غلظ له بالقول، والذم، والوعيد؛ لأنه أخرج كل ماله عن الورثة، ومنعهم حقوقهم منه. ففيه دليل على أن المريض محجور عليه في ماله، وأن المدبر، والوصايا، إنما تخرج من الثلث، وأن الوصية إذا منع من تنفيذها على وجهها مانعٌ شرعي استحالت إلى الثلث، كما يقوله مالك. * * *

стр. 2370

(١٠) باب ما جاء في التدبير وبيع المُدَبَّر [١٥٩٣] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَجُلًا مِن الأَنصَارِ أَعتَقَ غُلَامًا لَهُ عَن دُبُرٍ لَم يَكُن لَهُ مَالٌ غَيرُهُ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: مَن يَشتَرِيهِ مِنِّي؟ فَاشتَرَاهُ نُعَيمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرهَمٍ، فَدَفَعَهَا إِلَيهِ. ــ (١٠) ومن باب: بيع المُدَبَّر وهو الذي يعتقه سيده عن دُبُر منه؛ بأن يقول: أنت مدَبَّرٌ، أو: قد دبَّرتُكَ، أو: أنت حرٌّ عن دبُر منِّي. وما أشبه ذلك مما يذكر فيه لفظ المدبَّر. ولا خلاف في أنَّه عقد شرعي مآله العتق بعد الموت. وهل هو لازم بحيث لا يحل ببيع ولا غيره، أو هو عقد جائز، فيجوز حله ببيع المدبَّر، أو هبته، ثم هل يُكره حلُّه أو لا؟ اختلف في ذلك على ثلاثة أقوال: فذهب مالك، والثوري، والأوزاعي، والحسن بن صالح، وأصحاب الرأي إلى الأول. فلا يخرج عن ملك المدبَّر بوجه من الوجوه إلا بأن يعتقه. وذهب إلى الثاني عائشة، ومجاهد، والحسن البصري، وطاوس، والشافعي، وأحمد، وإسحاق. فيجوز أن يبيعه صاحبه متى شاء. وكرهت طائفة ذلك، وهو القول الثالث. وممن ذهب إلى ذلك ابن عمر، وسعيد بن المسيب، وابن سيرين، والشعبي، والزهري، والنخعي. وقال الليث: يكره بيعه. فإن جهل إنسان أو غفل فباعه، فأعتقه الذي اشتراه، فإن بيعه جائز، وولاؤه لمن أعتقه. قلت: وهذا قياس من ذكر في القول الثالث. وقد تقدَّم سبب الخلاف في ذلك في كتاب الزكاة. ونكتته: تعارض الأدلة. وذلك: أن التدبير عقد شرعي، فالوفاء به واجب؛ لقوله تعالى: ﴿أَوفُوا بِالعُقُودِ﴾ ولقوله: ﴿وَأَوفُوا

стр. 2371

وفي رواية: فَاشتَرَاهُ ابنُ النَّحَّامِ عَبدًا قِبطِيًّا مَاتَ عَامَ أَوَّلَ فِي إِمَارَةِ ابنِ الزُّبَيرِ. رواه أحمد (٣/ ٣٠٨)، والبخاري (٢٢٣١)، ومسلم (٩٩٧) (٥٨) و (٥٩)، والترمذي (١٢١٩)، وابن ماجه (٢٥١٣). * * * ــ بِالعَهدِ﴾ (١) وظاهر الأمر الوجوب، ولأن التدبير عقد عتق موقوف على وقت، فيلزم كالعتق إلى أجل، ولما حكاه مالك من إجماع أهل المدينة على منع بيع المدبَّر، أو هبته. فهذه أدلة القول الأول. ويعارض ذلك كله حديث جابر المذكور في هذا الباب. فإن النبي ﷺ باع المدبَّر. وهو حجة القول الثاني، وقد اعتذر عنه أصحابنا بأنها قضية معينة، فيحتمل أن يكون بيعه في دين سابق على التدبير، ويشعر بذلك قوله: (لم يكن له مال غيره). ومباشرة النبي ﷺ لبيعه بنفسه، فكأنه باعه عليه بالحكم للغُرماء، والله تعالى أعلم. وأوضح المسالك ما صار (٢) إليه مالك. * * *

стр. 2372

(١٨) كتاب البيوع (١) باب النهي عن الملامسة، والمنابذة، وبيع الحصاة، والغرر [١٥٩٤] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المُلَامَسَةِ ــ (١٨) ومن كتاب البيوع البيعُ في اللغة مصدر: باع كذا بكذا؛ أي: دفع معوضًا، وأخذ عوضا منه. وهو يقتضي بائعًا، وهو المالك، أو من يتنزل منزلته، ومبتاعًا، وهو الذي يبذل الثمن، ومبيعًا، وهو المثمون، وهو الذي يبذل في مقابلة الثمن. وعلى هذا فأركان البيع أربعة: البائع، والمبتاع، والثمن، والمثمَّن (١)، وكل واحد من هذه يتعلَّق النظر فيها بشروط ومسائل ستراها إن شاء الله تعالى. والمعاوضة عند العرب تختلف بحسب اختلاف ما يضاف إليه، فإن كان أحد العوضين في مقابلة الرّقبة سُمي: بيعًا. وإن كان في مقابلة منفعة رقبة؛ فإن كانت منفعة بضع سُمِّي: نكاحًا. وإن كانت منفعة غيرها سُمِّي: إجارة. (١) ومن باب: النهي عن بيع (٢) الملامسة والمنابذة وبيع الغرر (الملامسة): مفاعلة، وأصلها لا يكون إلا بين اثنين. وأصلها من لمس

стр. 2373

وَالمُنَابَذَةِ، أَمَّا المُلَامَسَةُ: فَأَن يَلمِسَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ثَوبَ صَاحِبِهِ بِغَيرِ تَأَمُّلٍ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا ثَوبَهُ إِلَى الآخَرِ، وَلَم يَنظُر وَاحِدٌ مِنهُمَا إِلَى ثَوبِ صَاحِبِهِ. رواه أحمد (٢/ ٤٧٦)، والبخاري (٣٦٨)، ومسلم (١٥١١) (٢)، والترمذي (١٣١٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٢١٦٩). [١٥٩٥] وعن أبي سَعِيدٍ الخُدرِيَّ قَالَ: نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعَتَينِ وَلِبسَتَينِ: نَهَانا عَن المُلَامَسَةِ وَالمُنَابَذَةِ فِي البَيعِ. وَالمُلَامَسَةُ: لَمسُ الرَّجُلِ ثَوبَ الآخَرِ بِيَدِهِ بِاللَّيلِ والنَّهَارِ، وَلَا يَقلِبُهُ إِلَّا بِذَلِكَ، وَالمُنَابَذَةُ: أَن يَنبِذَ الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ بِثَوبِهِ، وَيَنبِذَ الآخَرُ إِلَيهِ ثَوبَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ بَيعَهُمَا، عن غَيرِ نَظَرٍ وَلَا تَرَاضٍ. رواه البخاري (٢١٤٤)، ومسلم (١٥١٢)، وأبو داود (٣٣٧٨ و ٣٣٧٩)، والنسائي (٧/ ٢٦٠)، وابن ماجه (٢١٧٠). ــ الشيء باليد. و (المنابذة): مأخوذة من النبذ. وهو الرَّمي. وقد جاء تفسيرهما في الحديث. و(قوله: ويكون ذلك بيعهما عن (١) غير نظر ولا تراض) يعني: أنه كان يجب البيع بنفس اللمس والنبذ، ولا يبقى لواحد منهما خيرةٌ في حلّه. وبهذا تحصل المفسدة العظيمة؛ إذ لا يدري أحدهما ما حصل له، فيعم الخطر، ويكثر القمار والضرر.

стр. 2374

[١٥٩٦] وعنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الحَصَاةِ، وَعَن بَيعِ الغَرَرِ. رواه أحمد (٢/ ٤٣٦)، ومسلم (١٥١٣)، وأبو داود (٣٣٧٦)، والنسائي (٧/ ٢٦٢)، وابن ماجه (٢١٩٤). ــ و(بيع الحصاة) اختلف فيه على أقوال: أولها: أن يبيعه من أرضه قدر ما انتهت إليه رمية الحصاة. وثانيها: أيُّ ثوب وقعت عليه الحصاة فهو المبيع. وثالثها: أن يقبض على الحصى، فيقول: (١) ما خرج كان لي بعدده دراهم أو دنانير. ورابعها: أيُّ زمان وقعت الحصاة من يده وجب البيع. فهذا إيقاف لزوم على زمن مجهول. وهذه كلها فاسدة لما تضمنته من الخطر، والجهل، وأكل المال بالباطل. و(بيع الغرر): هو البيع المشتمل على غرر مقصود، كبيع الأجنَّة، والسمك في الماء، والطير في الهواء، وما أشبه ذلك. فأمَّا الغرر اليسير الذي ليس بمقصود فلم يتناوله هذا النَّهي؛ لإجماع المسلمين على جواز إجارة العبد والدار مشاهرة ومساناةً، مع جواز الموت وهدم الدار قبل ذلك، وعلى جواز إجارة (٢) الدَّخول في الحمَّام، مع تفاوت الناس فيما يتناولون من الماء، وفي قدر المقام فيه، وكذلك الشرب من السقاء مع اختلاف أحوال الناس في قدر المشروب. وأيضًا: فإن كل بيع لا بدَّ فيه من نوع من الغرر، لكنَّه لما كان يسيرًا غير مقصود لم يلتفت الشرع إليه. ولما انقسم الغرر على هذين الضربين فما تبين أنه من الضرب الأول منع. وما كان من الضرب الثاني أجُيز. وما أشكل أمره، اختلف فيه، من أي القسمين هو، فيلحق به.

стр. 2375

[١٥٩٧] وعن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كَانَ أَهلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لَحمَ الجَزُورِ إِلَى حَبَلِ الحَبَلَةِ. وَحَبَلُ الحَبَلَةِ: أَن تُنتَجَ النَّاقَةُ، ثُمَّ تَحمِلَ الَّتِي نُتِجَت، فَنَهَاهُم رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن ذَلِكَ. رواه البخاري (٢١٤٣)، ومسلم (١٥١٤) (٦)، وأبو داود (٣٣٨٠)، والنسائي (٧/ ٢٩٣). * * * ــ و(الجزور): ما يجزر من الإبل. والجزرة: من غيرها. و(حبل الحبلة) بفتح الباء فيهما، وهو الصحيح في الرواية واللغة. والحبل: مصدر حبلت المرأة - بكسر الباء - تحبل - بفتحها -: إذا حملت (١). والحبلة: جمع حابلة. وأصل الحبل في بنات آدم، والحمل في غيرهن. قاله أبو عبيد. وقد فسَّره ابن عمر في الحديث. وإلى تفسيره ذهب مالك، والشافعي. قال المبرِّد: حبل الحبلة عندي: حمل الكرمة قبل أن تبلغ. والحبلَة: الكرمة -بسكون الباء وفتحها-. وقال ابن الأنباري: والهاء في (حبلة) للمبالغة، كقولهم: سُخَرة (٢). قلت: وهذه البيوع كانت بيوعًا في الجاهلية نهى الرسول ﷺ عنها، لما فيها من الجهل والغرر، والقمار والخطر، وكلها تؤدي إلى أكل المال بالباطل، فمتى وقع شيء منها فهو فاسد، لا يصح بوجه، ولا خلاف أعلمه في ذلك. و(اللِّبستان) - بكسر اللام -: تثنية لبسة، وهي: هيئة اللباس. ويعني بهما: الاحتباء في ثوب واحد، وليس على فرجه شيء، واشتمال الصماء (٣). وسيأتي لهما مزيد بيان إن شاء الله تعالى.

стр. 2376

(٢) باب النهي عن أن يبيع الرجل على بيع أخيه، وعن تلقي الجلب، وعن التصرية، وعن النجش [١٥٩٨] عَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ. رواه أحمد (٢/ ٦٣)، والبخاري (٢١٣٩)، ومسلم (١٤١٢) (٧)، والترمذي (١٢٩٢)، والنسائي (٧/ ٢٥٨)، وابن ماجه (٢١٧١). [١٥٩٩] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: عَن النَّبِيِّ ﷺ نَهَى أَن يَستَامَ الرَّجُلُ عَلَى سَومِ أَخِيهِ. ــ (٢ و ٣ و ٤) ومن باب: النهي أن يبيع الرجل على بيع أخيه (١) قد تقدَّم القول في كتاب النكاح على قوله: (لا يبع بعضكم على بيع بعض). و(قوله: نهى أن يَستَام الرَّجل على سوم أخيه) أي: يشتري. ووزن (استام): استفعل؛ أي: استدعى من البائع أن يخبره بسوم السلعة؛ أي: بثمنها. وقد يكون مصدرًا، فيقال: سامه بسلعة كذا، يسومه، سومًا. والمَرَّة منه: سَومَةٌ. وقد يكسر ما قبل الواو فتنقلب ياء؛ فيقال: سِيمَة، كما قد جاء هنا. وقد بيَّنَّا: أن

стр. 2377

وَفِي رِوَايَةِ: عَلَى سِيمَةِ أَخِيهِ. رواه أحمد (٢/ ٢٧٤)، والبخاري (٢١٤٠)، ومسلم (١٥١٥) (١٠)، وأبو داود (٢٠٨٠)، والنسائي (٦/ ٧١)، وابن ماجه (٢١٧٢). [١٦٠٠] وعنه أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا يُتَلَقَّى الرُّكبَانُ لِبَيعٍ، وَلَا يَبِع بَعضُكُم عَلَى بَيعِ بَعضٍ، وَلَا تَنَاجَشُوا، وَلَا يَبِع حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَلَا تُصَرُّوا الإِبِلَ وَالغَنَمَ، فَمَن ابتَاعَهَا بَعدَ ذَلِكَ فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ، بَعدَ أَن يَحلُبَهَا، فَإِن رَضِيَهَا أَمسَكَهَا، وَإِن سَخِطَهَا رَدَّهَا، وَصَاعًا مِن تَمرٍ. رواه البخاري (٢٧٢٧)، ومسلم (١٥١٥) (١١)، والنسائي (٧/ ٢٥٥). [١٦٠١] وعَن ابنِ عُمَرَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن النَّجشِ ونَهَى أَن تَلَقَّى السِّلَعُ حَتَّى تَبلُغَ الأَسوَاقَ. رواه أحمد (٢/ ٦٣)، والبخاري (٢١٦٥)، ومسلم (١٥١٧)، وأبو داود (٣٤٣٦)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٩). [١٦٠٢] وعن أبي هُرَيرَةَ: أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: لَا تَلَقَّوا الجَلَبَ، فَمَن تَلَقَّاهُ فَاشتَرَى مِنهُ، فَإِذَا أَتَى سَيِّدُهُ السُّوقَ فَهُوَ بِالخِيَارِ. ــ محل النهي عن البيع وعن السوم المذكورين في هذه الأحاديث؛ إنما هو بعد التراكن. و(قوله: لا يتلقى الرُّكبان لبيع) وفي لفظ آخر: (لا تلقوا الجلب) (١) أي: لا تخرجوا للقاء الرِّفاق (٢) القادمة بالسِّلع، فتشتروها (٣) منها قبل أن تبلغ

стр. 2378

رواه البخاري (٢١٦٢)، ومسلم (١٥١٩) (١٧)، وأبو داود (٣٤٣٧)، والترمذي (٢٢٢١)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٨). * * * ــ الأسواق. وقد اختلف أصحابنا في مسافة منع ذلك. فقيل: يومان. وقيل: ستة أميال. وقيل: قرب المصر. قلت: هذه التحديدات متعارضة لا معنى لها؛ إذ لا توقيف، وإنما محل المنع أن ينفرد المتلقِّي بالقادم خارج السُّوق بحيث لا يعرفُ ذلك أهل السُّوق غالبًا. وعلى هذا فيكون ذلك في القريب والبعيد حتى يصحَّ قول بعض أصحابنا: لو تلقى الجلب في أطراف البلد، أو أقاصيه لكان تلقيًا منهيًا عنه، وهو الصحيح؛ لنهيه ﷺ في الرواية الأخرى عن تلقي السِّلع حتى تورد الأسواق. فلو لم يكن للسلعة سوق، فلا يخرج إليها، لأنه التلقي المنهي عنه. غير أنه يجوز أن يشتري في أطراف البلد؛ لأن البلد كله سوقها. واختلف في وجه النهي عن ذلك. فقيل: ذلك لحق الله تعالى. وعلى هذا: فيفسخ البيعُ أبدًا. وقال به بعض أصحابنا. وهذا إنما يليق بأصول أهل الظاهر. والجمهور على أنه لحق الآدمي لما يدخل عليه من الضرر. ثم اختلفوا فيمن يرجع إليه هذا الضرر. فقال الشافعي: هو البائع، فيدخل عليه ضرر الغبن. وعلى هذا فلو وقع لم يفسخ، ويكون صاحبه بالخيار. وعلى هذا يدل ظاهر الحديث، فإنه قال فيه: (إذا أتى سيده السوق فهو بالخيار). وقال مالك: بل هم أهل السوق بما يدخل عليهم من غلاء السِّلع. ومقصود الشرع الرفق بأهل الحاضرة، كما قد قال: (دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض). وكأن مالكا لم تبلغه هذه الزيادة، أو لم تثبت عنده أنها من قول النبي ﷺ . وعلى قول مالك فلا يفسخ، ولكن يخير أهل السُّوق، فإن لم يكن سوق، فأهل المصر بالخيار. وهل يدخل المتلقي معه،

стр. 2379

(٣) باب لا يبع حاضر لباد [١٦٠٣] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَن يُتَلَقَّى الرُّكبَانُ، وَأَن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ قَالَ طاوس: فَقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: مَا قَولُهُ حَاضِرٌ لِبَادٍ؟ قَالَ: لَا يَكُن لَهُ سِمسَارًا. رواه البخاري (٢١٥٨)، ومسلم (١٥٢١)، وأبو داود (٣٤٣٩)، والنسائي (٧/ ٢٥٧)، وابن ماجه (٢١٧٧). [١٦٠٤] وعَن جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا يَبِع حَاضِرٌ لِبَادٍ، دَعُوا النَّاسَ يَرزُق اللَّهُ بَعضَهُم مِن بَعضٍ. ــ أو لا؛ قولان. سبب المنع عقوبته بنقيض قصده (١). وقد أجاز أبو حنيفة، والأوزاعي التلقي إلا أن يضر بالناس فيُكره. وهذه الأحاديث حجة عليهما. و(قوله: ولا تناجشوا) أصل النجش: الاستثارة والاستخراج. ومنه سُمي الصَّائد: ناجشًا لاستخراجه الصيد من مكانه. والمرادُ به في الحديث: النهي عن أن يزيد في ثمن السلعة ليغرَّ غيره، وكأنه استخرج منه في ثمن السلعة ما لا يريد أن يخرجه. فإذا وقع؛ فمن رآه لحق الله تعالى فسخ. ومن رآه لحق المشتري خيره، فإما رضي، وإمَّا فسخ. قال أبو عبيد الهروي: قال أبو بكر: أصل النَّجش: مدح الشيء وإطراؤه. فالنَّاجش يغرُّ المشتري بمدحه ليزيد في الثمن. و(قوله: لا يبع حاضر لبادٍ) مفسَّر بقول ابن عباس: لا يكن له سمسارًا، وظاهر هذا النهي العموم في جميع أهل البوادي، أهل العمود وغيرهم، قريبًا كانوا من الحضر، أو بعيدًا، كان أصل المبيع عندهم بشراء أو كسب. وإليه صار غير

стр. 2380

رواه أحمد (٢/ ٣٠٧)، ومسلم (١٥٢٢)، والترمذي (١٢٢٣)، والنسائي (٧/ ٢٥٦)، وابن ماجه (٢١٧٦). ــ واحدٍ. وحمله مالك على أهل العمود ممن بعد منهم عن الحضر، ولا يعرف الأسعار، إذا كان الذي جلبوه من فوائد البادية بغير شراء. وإنما قيده مالك بهذه القيود نظرًا إلى المعنى المستفاد من قوله ﷺ : (دع الناس يرزق الله بعضهم من بعض). وذلك: أن مقصوده أن يرتفق أهل الحاضرة بأهل البادية، بحيث لا يضر ذلك بأهل البادية ضررًا ظاهرًا. وهذا لا يحصل إلا بمجموع تلك القيود. وبيانه: أنهم إذا لم يكونوا أهل عمود كانوا أهل بلاد وقرى، وغالبهم يعرف الأسعار. وإذا عرفوها صارت مقاديرها مقصودة لهم. فلهم أن يتوصلوا إلى تحصيلها بأنفسهم أو بغيرهم. وإذا كان الذي جلبوه عليهم بالشراء فهم تجار يقصدون الأرباح، فلا يحال بينهم وبينها. فلهم التوصل إليها بالسَّماسرة وغيرهم، وأما أهل العمود، والموصوفون بالقيود المذكورة: فإن باع لهم السماسرة وغيرهم ضروا بأهل الحاضرة في استخراج غاية الأثمان، فيما أصله على أهل البادية بغير ثمن، فقصد الشرع أن يباشروا بيع سلعهم بأنفسهم ليرتفق أهل الحاضرة بالرخص فيما لا ضرر على أهل البادية فيه. وأعرض الشرع عما يلحق أهل البادية في ذلك دفعًا لأشد الضررين، وترجيحًا لأعظم المصلحتين. واختلف في شراء أهل الحاضرة للبادي. فقيل بمنعه قياسًا على البيع لهم. وقيل: يجوز ذلك؛ لأنه لما صار ثمن سلعته بيده عينًا أشبه أهل الحضر. فإذا وقع هذا البيع فهل يفسخ معاقبة لهم، أو لا يفسخ لعدم خلل ركن من أركان البيع؟ قولان. و(قوله: لا تُصَرُّوا الإبل والغنم): روايتنا فيه بضم التاء وفتح الصاد، وضم الراء مشددة بعدها واو الجمع. (الإبلَ) بالنصب، نحو: ﴿فَلا تُزَكُّوا أَنفُسَكُم﴾ وهو الصحيح تقييدًا ولغة. وقد قيده بعضهم (لا تَصُرُّوا بفتح التاء،

стр. 2381

[١٦٠٥] وعَن أَنَسِ قَالَ: نُهِينَا أَن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِن كَانَ أَخَاهُ أَو أَبَاهُ. ــ وضم الصاد، ونصب (الإبل). وبعضهم: بضم التاء وفتح الصاد، ورفع (الإبل) والأول هو الصحيح. ووجهه: أنها مأخوذة من: صريت اللبن في الضَّرع: إذا جمعته. وليست من الصَّر الذي هو الربط، ولو كانت من ذلك لقيل فيها: مُصَرَّرة. وإنما جاء: مصراة. وإلى معناه ذهب أبو عبيد وغيره، وعلى هذا: فأصل (تُصَروا الإبل): تقربوا، استثقلت الضمَّة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا فانقلبت الياء واوًا، واجتمع ساكنان، فحذفت الواو الأولى، وبقيت واو الجمع ساكنة، فحذفت لاجتماع الساكنين (١). و (الإبل): نصب على أنه مفعول (تُصَرُّوا). هذا أحسن ما قيل في هذا، وأجراه على قياس التصريف. ومعنى: (التصرية) عند الفقهاء: أن يجمع اللَّبن في الضرع اليومين والثلاثة حتى يعظم، فيظن المشتري: أن ذلك لكثرة اللبن، وعظم الضرع. وهي المسمَّاة أيضًا بـ (المُحَفَّلَة) في حديث آخر (٢). يقال: ضرع حافل؛ أي: عظيم. و (المحفَل): الجمع العظيم. وقال الشافعي: التصرية: أن يربط أخلاف النَّاقة، أو الشاة، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمع لبنها، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك. قال الخطابي: والذي قال الشافعي صحيح. والعرب (٣) تصُرُّ الحلوبات، وتسمي ذلك الرباط: صِرارًا. واستشهد لهم بقول العرب: العبد لا يحسن الكرَّ، وإنما يحسن الحلب والصرَّ (٤). قال: ويحتمل أن تكون المصراة

стр. 2382

رواه البخاري (٢١٦١)، ومسلم (١٥٢٣)، وأبو داود (٣٤٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٥٦). * * * ــ أصلها: مصرورة، فأبدل من إحدى الراءين ياءً، كما قالوا: تقضَّى (١) البازيُّ. واختلف في الأخذ بحديث المُصَرَّاة. فأخذ به الشافعي، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومالك في المشهور عنه، وابن أبي ليلى في إحدى الروايتين عنه، وفقهاء أصحاب الحديث. ولم يأخذ به أبو حنيفة، ولا الكوفيون، ولا مالك، ولا ابن أبي ليلى في الرواية الأخرى عنهما. فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: التصرية ليست بعيب، ولا تردّ بذلك. وقد حكي عن أبي حنيفة: أنه يرجع بأرش التصرية. ولهذا الخلاف سببان: أحدهما: أن هذا الحديث يعارضه قوله ﷺ : (الخراج بالضمان) (٢). خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس، وقال فيه: حديث حسن صحيح. ووجهها: أن مشتري المصرَّاة ضامن لها لو هلكت عنده، واللَّبن غلة فيكون له. وثانيهما: أنه معارضٌ لأصول شرعية، وقواعد كليه. وبيانها بأوجه: أحدها: أن اللبن مما يضمن بالمثل، والتمر ليس بمثل له. وثانيها: أنه لما عدل عن المثل إلى غيره فقد نحا به نحو المبايعة، فهو: بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، وهو الرِّبا. وثالثها: أن الصَّاع المقابل للَّبن محدودٌ، واللَّبن ليس بمحدود، فإنَّه يختلف بالكثرة والقلة.

стр. 2383

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ ورابعها: أن اللبن غلَّة، فيكون للمشتري كسائر المنافع، فإنها لا تردُّ في الردّ بالعيب. ولما كان ذلك، فالحديث وإن كان صحيحًا؛ فإما منسوخ بقوله: (الخراج بالضمان) (١) وإما مرجوح بهذه القواعد المخالفة له، فإنها قواعد كلية قطعية. ولو لم يكن كذلك فالقياس مقدَّم عند أبي حنيفة، وكثير من الكوفيين، وهو قول مالك في العتبية، وفي مختصر ابن عبد الحكم. والجواب عن السبب الأول: أنه لا معارضة بينهما؛ لأنا لا نسلم أن اللبن خراج سَلَّمناه. لكنه إذا نشأ على ضمان المشتري، ولبن المصراة نشأ على ضمان البائع؛ فإنَّه كان موجودًا في الضرع حالة التبايع سلّمناه. لكن حديث المصرَّاة خاصٌّ، وحديث الخراج بالضمان عام. ولا معارضة بينهما، لأن الجمع بينهما ممكن بأن يُبنى العام على الخاص. وهو الصحيح على ما مهدناه في أصول الفقه. وحينئذ يبطل قول من زعم: أن حديث المصراة منسوخ بحديث: (الخراج بالضمان). سلمنا المعارضة، لكن المتقدم منهما من المتأخر مجهول، فلا يصح الحكم بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ. والجواب عن السبب الثاني: أن حديث المصرَّاة أصل منفرد بنفسه، مستثنى من تلك القواعد، كما قد استثني ضرب الدِّية على العاقلة، ودية الجنين، والعرية (٢)، والجعل، والقراض، عن أصول ممنوعة، لدعاء الحاجة إلى هذه المستثنيات، ولحصول مصالح خاصة منها. وبيانه في مسألة المصراة: أن الشرع إنما ضمن لبنها بالصاع دفعًا للخصام، وسدًّا لذريعة المنازعة لتعذُّر ضبط مقدار اللبن، فإنه يختلف بالكثرة والقلة، ولتعذر تمييز اللبن الكائن في الضرع من الحادث. وخصَّه بالطعام؛ لأنه قوت كاللبن، وبالتَّمر؛ لأنه أغلب قوتهم، ووصفه

стр. 2384

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ بقوله: (لا سمراء) رفعًا للحرج في تكلُّف (١)؛ لقلتها عندهم. وعلى هذا: فلم تخرج المصراة عن قانون الالتفات للمصالح، لكنَّها مصالح مخصوصة لا يلحق بها غيرها لعدم نظائرها، ولو سلَّمنا أنها معارضة لأقيسة تلك القواعد من كل وجه، لكن لا نسلم: أن القياس مقدَّم على خبر الواحد؛ لأن النبي ﷺ قدَّم السُّنة على القياس في حديث معاذ ﵁ حيث قال له: (بم تحكم؟ ) قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد؟ ) قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: (فإن لم تجد؟ ) قال: أجتهد رأيي (٢). والسَّنة: تعم التواتر، والآحاد. ولكثرة الاحتمالات في القياسات، وقلتها في خبر الواحد. وقد أوضحنا هذا في الأصول. وهذا هو الصحيح من مذهب مالك وغيره من المحققين. وفي حديث المصراة أبواب من الفقه نشير إليها: فمنها: أن العقد المنهي عنه، المحرّم إذا كان لأجل الآدمي لم يدلّ على الفساد، ولا يفسخ العقد. ألا ترى: أن التصرية غش محرَّم. ثم إن النبي ﷺ لم يفسخ العقد، لكن جعل للمشتري الخيار. ومنها: أن الغرور بالفعل معتبر شرعا؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب. ولا يختلف في الغرور الفعلي. وإنما اختلف في الغرور بالقول، هل هو معتبر أو لا؟ فيه قولان: فرع: لو كان الضرع كثير اللحم، فظنه المشتري لبنًا، لم يجب له الخيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول. ومنها: جواز خيار الشرط. وهذا لا يختلف فيه. وإنما اختلف في مقداره.

стр. 2385

(٤) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار [١٦٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ابتَاعَ شَاةً ــ فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن أجل الخيار غايته ثلاثة أيام في كل شيء؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وبقوله ﷺ للرجل الذي شكا إليه: أنه يُخدع في البيوع، فقال له: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل ما تبتاعه بالخيار ثلاثًا) (١). وذهب مالك إلى أن أجله غير محدود بحدٍّ، إنما هو بحسب ما يحتاج إليه المبيع في اختياره. وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيعات. وتفصيله في الفروع. ويعتذر عن تلك الأحاديث بالقول بموجبها؛ فإنها المدة التي تُختبر فيها المصراة، فتعرف عادتها. ولذلك اختلف أصحابنا في الحَلبة الثالثة، هل تعدُّ رضًا أو لا تُعدُّ؟ وقول مالك: إنها لا تُعدُّ رضًا. وهو الصحيح؛ لأن الحلبة الأولى بها ظهرت الدُّلسَة، وبالثانية تحقَّقت، وبالثالثة تُعرف عادتها. قلت: ولا يتمشَّى هذا إلا إذا حُلبت في كل يوم حلبة. وأما حديث المخدوع: فالقول بموجبه أيضًا؛ فإن ذلك الخيار صار بالشرط لنصّ النبي ﷺ على اشتراطه، ولا نزاع فيه إذا لم يكن بعيدًا يلزم منه غررٌ، أو يلحق به ضرر، فلو شرط فيما يختبر في عشرة أيام - مثلًا - ثلاثة لصحَّ البيع، ولزم الشرط، ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى. ومنها: أنَّ التصرية عيبٌ يوجب الخيار. وهو حجة على أبي حنيفة ومحمد بن الحسن؛ حيث قالا: إنَّ التصرية ليست بعيب، ولا توجب خيارًا. وقد روي عن أبي حنيفة أنها عيب توجب الأرش. وقال زُفر -من أصحاب أبي حنيفة -: يردُّ صاعًا من تمرٍ، أو نصف صاع من بُرٍّ.
следующие страницы →