[١٦٠٥] وعَن أَنَسِ قَالَ: نُهِينَا أَن يَبِيعَ حَاضِرٌ لِبَادٍ، وَإِن كَانَ أَخَاهُ أَو أَبَاهُ.
ــ
وضم الصاد، ونصب (الإبل). وبعضهم: بضم التاء وفتح الصاد، ورفع (الإبل) والأول هو الصحيح. ووجهه: أنها مأخوذة من: صريت اللبن في الضَّرع: إذا جمعته. وليست من الصَّر الذي هو الربط، ولو كانت من ذلك لقيل فيها: مُصَرَّرة. وإنما جاء: مصراة. وإلى معناه ذهب أبو عبيد وغيره، وعلى هذا: فأصل (تُصَروا الإبل): تقربوا، استثقلت الضمَّة على الياء، فنقلت إلى ما قبلها؛ لأن واو الجمع لا يكون ما قبلها إلا مضمومًا فانقلبت الياء واوًا، واجتمع ساكنان، فحذفت الواو الأولى، وبقيت واو الجمع ساكنة، فحذفت لاجتماع الساكنين (١). و (الإبل): نصب على أنه مفعول (تُصَرُّوا). هذا أحسن ما قيل في هذا، وأجراه على قياس التصريف.
ومعنى: (التصرية) عند الفقهاء: أن يجمع اللَّبن في الضرع اليومين والثلاثة حتى يعظم، فيظن المشتري: أن ذلك لكثرة اللبن، وعظم الضرع. وهي المسمَّاة أيضًا بـ (المُحَفَّلَة) في حديث آخر (٢). يقال: ضرع حافل؛ أي: عظيم. و (المحفَل): الجمع العظيم. وقال الشافعي: التصرية: أن يربط أخلاف النَّاقة، أو الشاة، ويترك حلبها اليومين والثلاثة حتى يجتمع لبنها، فيزيد المشتري في ثمنها لما يرى من ذلك. قال الخطابي: والذي قال الشافعي صحيح. والعرب (٣) تصُرُّ الحلوبات، وتسمي ذلك الرباط: صِرارًا. واستشهد لهم بقول العرب: العبد لا يحسن الكرَّ، وإنما يحسن الحلب والصرَّ (٤). قال: ويحتمل أن تكون المصراة
стр. 2382
رواه البخاري (٢١٦١)، ومسلم (١٥٢٣)، وأبو داود (٣٤٤٠)، والنسائي (٧/ ٢٥٦).
* * *
ــ
أصلها: مصرورة، فأبدل من إحدى الراءين ياءً، كما قالوا: تقضَّى (١) البازيُّ.
واختلف في الأخذ بحديث المُصَرَّاة. فأخذ به الشافعي، وأبو ثور، وأبو يوسف، ومالك في المشهور عنه، وابن أبي ليلى في إحدى الروايتين عنه، وفقهاء أصحاب الحديث. ولم يأخذ به أبو حنيفة، ولا الكوفيون، ولا مالك، ولا ابن أبي ليلى في الرواية الأخرى عنهما. فقال أبو حنيفة ومحمد بن الحسن: التصرية ليست بعيب، ولا تردّ بذلك. وقد حكي عن أبي حنيفة: أنه يرجع بأرش التصرية. ولهذا الخلاف سببان:
أحدهما: أن هذا الحديث يعارضه قوله ﷺ : (الخراج بالضمان) (٢). خرَّجه الترمذي من حديث ابن عباس، وقال فيه: حديث حسن صحيح. ووجهها: أن مشتري المصرَّاة ضامن لها لو هلكت عنده، واللَّبن غلة فيكون له.
وثانيهما: أنه معارضٌ لأصول شرعية، وقواعد كليه. وبيانها بأوجه:
أحدها: أن اللبن مما يضمن بالمثل، والتمر ليس بمثل له.
وثانيها: أنه لما عدل عن المثل إلى غيره فقد نحا به نحو المبايعة، فهو: بيع الطعام بالطعام غير يد بيد، وهو الرِّبا.
وثالثها: أن الصَّاع المقابل للَّبن محدودٌ، واللَّبن ليس بمحدود، فإنَّه يختلف بالكثرة والقلة.
стр. 2383
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ورابعها: أن اللبن غلَّة، فيكون للمشتري كسائر المنافع، فإنها لا تردُّ في الردّ بالعيب. ولما كان ذلك، فالحديث وإن كان صحيحًا؛ فإما منسوخ بقوله: (الخراج بالضمان) (١) وإما مرجوح بهذه القواعد المخالفة له، فإنها قواعد كلية قطعية. ولو لم يكن كذلك فالقياس مقدَّم عند أبي حنيفة، وكثير من الكوفيين، وهو قول مالك في العتبية، وفي مختصر ابن عبد الحكم.
والجواب عن السبب الأول: أنه لا معارضة بينهما؛ لأنا لا نسلم أن اللبن خراج سَلَّمناه. لكنه إذا نشأ على ضمان المشتري، ولبن المصراة نشأ على ضمان البائع؛ فإنَّه كان موجودًا في الضرع حالة التبايع سلّمناه. لكن حديث المصرَّاة خاصٌّ، وحديث الخراج بالضمان عام. ولا معارضة بينهما، لأن الجمع بينهما ممكن بأن يُبنى العام على الخاص. وهو الصحيح على ما مهدناه في أصول الفقه. وحينئذ يبطل قول من زعم: أن حديث المصراة منسوخ بحديث: (الخراج بالضمان). سلمنا المعارضة، لكن المتقدم منهما من المتأخر مجهول، فلا يصح الحكم بالنسخ لعدم العلم بالتاريخ.
والجواب عن السبب الثاني: أن حديث المصرَّاة أصل منفرد بنفسه، مستثنى من تلك القواعد، كما قد استثني ضرب الدِّية على العاقلة، ودية الجنين، والعرية (٢)، والجعل، والقراض، عن أصول ممنوعة، لدعاء الحاجة إلى هذه المستثنيات، ولحصول مصالح خاصة منها. وبيانه في مسألة المصراة: أن الشرع إنما ضمن لبنها بالصاع دفعًا للخصام، وسدًّا لذريعة المنازعة لتعذُّر ضبط مقدار اللبن، فإنه يختلف بالكثرة والقلة، ولتعذر تمييز اللبن الكائن في الضرع من الحادث. وخصَّه بالطعام؛ لأنه قوت كاللبن، وبالتَّمر؛ لأنه أغلب قوتهم، ووصفه
стр. 2384
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
بقوله: (لا سمراء) رفعًا للحرج في تكلُّف (١)؛ لقلتها عندهم. وعلى هذا: فلم تخرج المصراة عن قانون الالتفات للمصالح، لكنَّها مصالح مخصوصة لا يلحق بها غيرها لعدم نظائرها، ولو سلَّمنا أنها معارضة لأقيسة تلك القواعد من كل وجه، لكن لا نسلم: أن القياس مقدَّم على خبر الواحد؛ لأن النبي ﷺ قدَّم السُّنة على القياس في حديث معاذ ﵁ حيث قال له: (بم تحكم؟ ) قال: بكتاب الله. قال: (فإن لم تجد؟ ) قال: بسنة رسول الله ﷺ . قال: (فإن لم تجد؟ ) قال: أجتهد رأيي (٢). والسَّنة: تعم التواتر، والآحاد. ولكثرة الاحتمالات في القياسات، وقلتها في خبر الواحد. وقد أوضحنا هذا في الأصول. وهذا هو الصحيح من مذهب مالك وغيره من المحققين.
وفي حديث المصراة أبواب من الفقه نشير إليها:
فمنها: أن العقد المنهي عنه، المحرّم إذا كان لأجل الآدمي لم يدلّ على الفساد، ولا يفسخ العقد. ألا ترى: أن التصرية غش محرَّم. ثم إن النبي ﷺ لم يفسخ العقد، لكن جعل للمشتري الخيار.
ومنها: أن الغرور بالفعل معتبر شرعا؛ لأنه صار كالتصريح باشتراط نفي العيب. ولا يختلف في الغرور الفعلي. وإنما اختلف في الغرور بالقول، هل هو معتبر أو لا؟ فيه قولان:
فرع: لو كان الضرع كثير اللحم، فظنه المشتري لبنًا، لم يجب له الخيار؛ إذ لا غرور، ولا تدليس، لا بالفعل، ولا بالقول.
ومنها: جواز خيار الشرط. وهذا لا يختلف فيه. وإنما اختلف في مقداره.
стр. 2385
(٤) باب ما جاء: أن التصرية عيب يوجب الخيار
[١٦٠٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ابتَاعَ شَاةً
ــ
فذهب أبو حنيفة والشافعي إلى أن أجل الخيار غايته ثلاثة أيام في كل شيء؛ تمسُّكًا بهذا الحديث، وبقوله ﷺ للرجل الذي شكا إليه: أنه يُخدع في البيوع، فقال له: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل ما تبتاعه بالخيار ثلاثًا) (١).
وذهب مالك إلى أن أجله غير محدود بحدٍّ، إنما هو بحسب ما يحتاج إليه المبيع في اختياره. وذلك يختلف بحسب اختلاف المبيعات. وتفصيله في الفروع. ويعتذر عن تلك الأحاديث بالقول بموجبها؛ فإنها المدة التي تُختبر فيها المصراة، فتعرف عادتها. ولذلك اختلف أصحابنا في الحَلبة الثالثة، هل تعدُّ رضًا أو لا تُعدُّ؟
وقول مالك: إنها لا تُعدُّ رضًا. وهو الصحيح؛ لأن الحلبة الأولى بها ظهرت الدُّلسَة، وبالثانية تحقَّقت، وبالثالثة تُعرف عادتها.
قلت: ولا يتمشَّى هذا إلا إذا حُلبت في كل يوم حلبة. وأما حديث المخدوع: فالقول بموجبه أيضًا؛ فإن ذلك الخيار صار بالشرط لنصّ النبي ﷺ على اشتراطه، ولا نزاع فيه إذا لم يكن بعيدًا يلزم منه غررٌ، أو يلحق به ضرر، فلو شرط فيما يختبر في عشرة أيام - مثلًا - ثلاثة لصحَّ البيع، ولزم الشرط، ولا يختلف في هذا إن شاء الله تعالى.
ومنها: أنَّ التصرية عيبٌ يوجب الخيار. وهو حجة على أبي حنيفة ومحمد بن الحسن؛ حيث قالا: إنَّ التصرية ليست بعيب، ولا توجب خيارًا. وقد روي عن أبي حنيفة أنها عيب توجب الأرش. وقال زُفر -من أصحاب أبي حنيفة -: يردُّ صاعًا من تمرٍ، أو نصف صاع من بُرٍّ.
стр. 2386
مُصَرَّاةً، فَهُوَ فِيهَا بِالخِيَارِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، إِن شَاءَ أَمسَكَهَا، وَإِن شَاءَ رَدَّهَا، وَرَدَّ مَعَهَا صَاعًا مِن تَمرٍ.
ــ
ومنها: أن بيع الخيار موضوع لتمام البيع، واستقراره. لا للفسخ. وهو أحد القولين عندنا. وقيل: هو موضوع للفسخ. والأول أولى؛ لقوله ﷺ : (إن شاء أمسكها) والإمساك: استدامة التمسك لما قد ثبت وجوده، كما قال ﷺ لغيلان: (أمسك أربعًا، وفارق سائرهن) (١) أي: استدم حكم العقود السابقة. وقد بيَّناه في الأصول.
و(قوله: وإن سخطها ردَّها وصاعًا من تمر) وفي أخرى: (صاعًا من تمر لا سمراء) وفي أخرى: (صاعًا من طعام لا سمراء). ذهب الشافعي وأكثر العلماء: إلى أنه لا يجوز فيها إلا الصَّاع من التمر. وقال الداودي: الطعام المذكور هنا هو: التمر. وذهب مالك: إلى أن التمر إنما ذكر في الحديث؛ لأنه أغلب قوتهم، فيخرج الغالب من قوت بلده؛ قمحا، أو شعيرًا، أو تمرًا؛ متمسكًا بعموم قوله: (طعام) فإنَّه يَعُم التمر وغيره. ومستأنسًا بأن الشرع قد اعتبر نحو هذا في الدِّيات، ففرض على أهل الإبل إبلًا، وعلى أهل الذهب الذهب، وعلى أهل الورق الورق. وكذلك فعل في زكاة الفطر. وقد روي عن مالك رواية شاذَّة: أنه يخرج فيها مكيلة ما حلب من اللبن تمرًا، أو قيمته. وقد تقدَّم قول أبي حنيفة وزُفر. وقال أبو يوسف وابن أبي ليلى: يخرج القيمة بالغة ما بلغت. وأحسن هذه الأقوال مشهور مذهب مالك؛ لما ذكرناه، والله أعلم.
واختلف أصحابنا فيما إذا رضي البائع بقبولها بلبنها. فأجازها بعضهم، وقال: هي إقالة. وقال غيره: لا يجوز؛ لأن اللبن غير متعين؛ إذ لا يتميز كائنه عن حادثه، فكيف تصح الإقالة فيه؟ !
стр. 2387
وفي أخرى: فَهُوَ بِخَيرِ النَّظَرَينِ، بعد أن يحلبها، إِن شَاءَ أَمسَكَهَا، وَإِن شَاءَ رَدَّهَا، وَصَاعًا مِن تَمرٍ، لَا سَمرَاءَ.
وفي أخرى: صاعًا مِن طعام لَا سَمرَاءَ.
رواه أحمد (٢/ ٢٤٢)، والبخاري (٢١٥١)، ومسلم (١٥٢٤) (٢٣ و ٢٥ و ٢٦)، وأبو داود (٣٤٤٥)، والترمذي (١٢٥١)، والنسائي (٧/ ٢٥٣)، وابن ماجه (٢٢٣٩).
* * *
(٥) باب النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض أو ينقل
[١٦٠٧] عَن ابنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: مَن ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعهُ حَتَّى يَستَوفِيَهُ قَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: وَأَحسِبُ كُلَّ شَيءٍ مِثلَهُ.
ــ
و(قوله: لا سمراء) هو معطوف على (صاعا) وهمزته للتأنيث، فلذلك لم تصرف. و (السَّمراء): قمحة الشام. والبيضاء: قمحة مصر. وقيل: البيضاء: الشعير. والسمراء: القمح مطلقا. وإنما نفاها تخفيفًا، ورفعًا للحرج، وهو يشهد لقول مالك.
(٥) ومن باب: النهي عن بيع الطعام قبل أن يقبض
(قوله ﷺ : (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يستوفيه) وفي أخرى: (حتى يكتاله). وروى أبو داود من حديث ابن عمر ﵄: نهى
стр. 2388
وفي أخرى: مَن ابتَاعَ طَعَامًا، فَلَا يَبِعهُ حَتَّى يَكتَالَهُ.
رواه أحمد (٢/ ١١١)، ومسلم (١٥٢٥) (٢٩ و ٣١)، وأبو داود (٣٤٩٦)، والنسائي (٧/ ٢٨٦).
[١٦٠٨] ومثله عن أبي هريرة قَالَ طَاوُسٍ: فَقُلتُ لِابنِ عَبَّاسٍ: لِمَ؟ فَقَالَ: أَلَا تُرَاهُم يَتَبَايَعُونَ بِالذَّهَبِ وَالطَّعَامُ مُرجَأٌ.
رواه مسلم (١٥٢٥)(٣١).
ــ
رسول الله ﷺ أن يبيع أحدٌ طعامًا اشتراه بكيل حتى يستوفيه (١). وبظاهر هذا الحديث قال مالك. غير أنَّه ألحق بالشراء جميع المعاوضات، وحمل الطعام على عمومه - ربويًا كان أو غير ربوي - في مشهور الروايتين عنه. وروى ابن وهب عنه تخصيصه بما فيه الرِّبا من الأطعمة. ورأي ابن حبيب وسحنون: أنه يتعدى إلى كل ما فيه حق توفية، فحذفا خصوصية الطعام، وكذلك فعل الشافعي، غير أنَّه لم يخصَّه بما فيه حق توفية، بل عدَّاه لكل مشترى. وكذلك فعل أبو حنيفة غير أنه استثنى من ذلك العقار، وما لا ينقل. وقال: يجوز بيع كل شيء قبل قبضه عثمان البَتِّي، وانفرد به.
فحجة مالك رحمه الله تعالى للمشهور عنه: التمسك بظاهر الحديث، وعضده بما ذكره في موطئه (٢): من أنه مجمع عليه بالمدينة، وأنه لا خلاف عندهم في منعه وقصره على ما بيع بكيل، أو وزن من الطعام، تمسكًا بدليل خطاب الأحاديث المتقدّمة.
ثم اختلف أصحابه: هل هذا المنع شرع غير معلل بالعينة، وإليه أشار مالك في موطئه (٢)، حيث أدخل هذا الحديث في باب العينة، وهو
стр. 2389
[١٦٠٩] وعَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَبتَاعُ الطَّعَامَ، فَيَبعَثُ عَلَينَا مَن يَأمُرُنَا بِانتِقَالِهِ، مِن المَكَانِ الَّذِي ابتَعنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ.
رواه أحمد (٢/ ١٥)، والبخاريُّ (٢١٦٧)، ومسلم (١٥٢٧)، وأبو داود (٣٤٩٤)، والنسائي (٧/ ٢٨٧)، وابن ماجه (٢٢٢٩).
ــ
الذي عنى ابن عباس حيث قال: (يتبايعون بالذهب، والطعام مُرجَأٌ). وأمَّا الشافعي: فإنما حذف خصوصية الطعام لما صَحَّ عنه ﷺ من نهيه عن ربح ما لم يضمن؛ خرَّجه الترمذي (١) من حديث عبد الله بن عمرو ﵄، فهذا اللفظ قد عم الطعام وغيره. ولقول ابن عباس: وأحسب كل شيء مثله.
قلت: ويعتضد مذهب الشافعي بما رواه الدارقطني من حديث حكيم بن حزام ﵁؛ أنه قال: يا رسول الله! إني أشتري فما يحل وما يحرم علي؟ قال: (يا ابن أخي! إذا ابتعت شيئًا فلا تبعه حتى تقبضه) (٢). وروى أبو داود من حديث زيد بن ثابت ﵁ أنه قال: نهى رسول الله ﷺ أن تباع السِّلع حيث تبتاع، حتى يحوزها التجار إلى رحالهم. ومتمسَّكات مالك والشافعي تبطل قول عثمان البَتِّي.
و(قول ابن عمر ﵄: (كنا في زمن رسول الله ﷺ وفي عهد رسول الله ﷺ نبتاع الطعام، فيبعث علينا من يأمرنا بانتقاله) وفي الأخرى: (جزافًا - وأنهم كانوا - يُضرَبُون في أن يبيعوه حتى يؤووه إلى رحالهم) (٣) دليل لمن سوَّى بين الجزاف في المكيل من الطعام في المنع من بيع ذلك حتى يقبض،
стр. 2390
[١٦١٠] وعنه قَالَ: رَأَيتُ النَّاسَ فِي عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذَا ابتَاعُوا الطَّعَامَ جِزَافًا يُضرَبُونَ فِي أَن يَبِيعُوهُ فِي مَكَانِهِم، وَذَلِكِ حَتَّى يُؤوُوهُ إِلَى رِحَالِهِم.
ــ
ورأى: أن قبض الجزاف نقله. وبه قال الكوفيون، والشافعي، وأبو ثور، وأحمد، وداود. وهم على أصولهم في منعه في كل شيء إلا ما استثني حسب ما تقدم، وحمل مالك ﵀ هذه الأحاديث على الأولى والأحبِّ، فلو باع الجزاف قبل نقله جاز؛ لأنه بنفس تمام العقد، والتخلية بينه وبين المشتري صار في ضمانه، ولدليل الخطاب في قوله ﷺ : (من ابتاع طعامًا بكيل) (١) وما في معناه. وإلى جواز ذلك صار البتِّيّ، وسعيد بن المسيب، والحسن، والحكم، والأوزاعي، وإسحاق على أصولهم.
فرع: ألحق مالك ﵀ بيع الطعام قبل قبضه بسائر عقود المعاوضات كلّها، فمن حصل له طعام بوجه معاوضة؛ كأخذه في صلح من دم، أو مهر، فلا يجوز له بيعه قبل قبضه. واستثنى من ذلك الشركة والتولية، والإقالة (٢). وقد روي عنه منعه في الشركة. ووافقه الشافعي، وأبو حنيفة في الإقالة خاصة.
قلت: والذي أوجب استثناء هذه الأربعة العقود عند مالك أنها عقود؛ المقصود بها: المعروف، والرِّفق، لا المشاركة، والمكايسة، فأشبهت القرض. وأولى من هذا: مرسلان صحيحان، مشهوران:
أحدهما: قال سعيد بن المسيب في حديث ذكره -كأنَّه عن النبي ﷺ : لا بأس
стр. 2391
وَقال عُبَيدُ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، إنَّ أَبَاهُ كَانَ يَشتَرِي الطَّعَامَ جِزَافًا فَيَحمِلُهُ إِلَى أَهلِهِ.
رواه أحمد (٢/ ٧)، والبخاريُّ (٢١٣١)، ومسلم (١٥٢٧) (٣٧ و ٣٨)، والنسائي (٧/ ٢٨٧).
[١٦١١] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ أَنَّهُ قَالَ لِمَروَانَ: أَحلَلتَ بَيعَ الرِّبَا؟ فَقَالَ مَروَانُ: مَا فَعَلتُ. فَقَالَ أَبُو هُرَيرَةَ: أَحلَلتَ بَيعَ الصِّكَاكِ، وَقَد نَهَى
ــ
بالتولية، والإقالة، والشرك في الطعام قبل أن يستوفى. ذكره أبو داود (١) وقال: هذا قول أهل المدينة.
وذكر عبد الرزاق عن ابن جريج، قال: أخبرني ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن النبي ﷺ حديثا مستفاضًا بالمدينة قال: (من ابتاع طعامًا فلا يبعه حتى يقبضه، ويستوفيه إلا أن يشرك فيه، أو يوليه، أو يقيله) (٢).
قلت: وينبغي للشافعي، وأبي حنيفة أن يعملا بهذين المرسلين. أما الشافعي: فقد (٣) نصَّ على أنه يعمل بمراسيل سعيد. وأما أبو حنيفة: فإنه يعمل بالمراسيل مطلقا، كمالك.
وقول أبي هريرة لمروان: (أحللت بيع الصكاك! ) إنكار منه عليه، وتغليظ. وهذا (٤) نصٌّ في أن أبا هريرة ﵁ كان يفتي على الأمراء وغيرهم. وهو ردٌّ على من جهل حال أبي هريرة، وقال: إنه لم يكن مفتيًا. وهو قول باطل
стр. 2392
رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الطَّعَامِ حَتَّى يُستَوفَى قَالَ: فَخَطَبَ مَروَانُ النَّاسَ فَنَهَاهم عَن بَيعِهَا. قَالَ سُلَيمَانُ بن يسار: فَنَظَرتُ إِلَى حَرَسٍ يَأخُذُونَهَا مِن أَيدِي النَّاسِ.
رواه أحمد (٢/ ٣٤٩)، ومسلم (١٥٢٨)(٤٠).
* * *
ــ
بما يوجد له من الفتاوى، وبالمعلوم من حاله؛ وذلك: أنَّه كان من أحفظ الناس لحديث رسول الله ﷺ وألزم الناس للنبي ﷺ ولخدمته حضرًا، وسفرًا. وأغزرهم علمًا.
و(الصكوك): جمع صَك. وهي: التواقيع السُّلطانية بالأرزاق. وهذا البيع الذي أنكره أبو هريرة للصُّكوك إنما هو بيع من اشتراه ممن رزقه، لا بيع من رزقه؛ لأن الذي رزقه وصل إليه الطعام على جهة العطاء، لا المعاوضة. ودليل ذلك ما ذكره مالك في الموطأ (١)، قال: إن صكوك الجار خرجت للناس في زمن مروان من طعام الجار، فتبايع الناس تلك الصكوك بينهم قبل أن يستوفوها، وذكر الحديث في الموطأ أيضًا: أن حكيم بن حزام ابتاع طعامًا أمر به عمر بن الخطاب (٢) للناس، فباع حكيم الطعام قبل أن يستوفيه، فبلغ ذلك عمر، فردَّه، وقال: لا تبع طعامًا ابتعته قبل أن تستوفيه (٣).
فإن قيل: فما في الموطأ يدل على فسخ البيعتين: بيع المعطى له، وبيع المشترى منه؛ إذ فيه: أن مروان بعث الحرس لينتزعوا الصكوك من أيدي الناس، ولم يفرق. فالجواب ما قد بينه بتمام الحديث، حيث قال: ويردُّونها إلى من ابتاعها. وكذلك فعل عمر بحكيم، فإنه ردَّ الطعام
стр. 2393
(٦) باب بيع الخيار، والصدق في البيع، وترك الخديعة
[١٦١٢] عَن ابنِ عُمَرَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: البَيِّعَانِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالخِيَارِ عَلَى صَاحِبِهِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا،
ــ
عليه؛ لأنه هو الذي كان اشتراه من الذي أعطيه، فباعه قبل أن يستوفيه كما قد نصَّ عليه فيه. والجار موضع معروف بالسَّاحل كان يجتمع فيه الطعام فيُرزق الناس منه (١).
(٦) ومن باب: بيع الخيار
قد تقدَّم القول على أصل الخيار في الباب قبل هذا. و (البيِّعان) تثنية (بيع) وهو يقال على البائع وعلى المشتري. كما يقال كل واحد منهما على الآخر. وهو اسم فاعل من: باع. كما يقال: تيِّق، من: تاق، وميِّقٌ من: ماق.
و(قوله: كل واحد منهما بالخيار على صاحبه ما لم يتفرقا) وفي الرواية الأخرى: (وكانا جميعًا) ظاهر ألفاظ هذا الحديث وإن كثرت متواردة على ثبوت خيار المجلس لكل واحد من المتبايعين. وإن التفرُّق المذكور فيه؛ إنما هو بالأبدان. وإليه ذهب كثير من الصحابة والتابعين، كسعيد بن المسيب، والزهري، وابن أبي ذئب، والليث، والثوري، وسفيان بن عيينة، وابن المبارك، والأوزاعي، والشافعي، وأهل الظاهر. وذهبت طائفة من أصحابنا وغيرهم: إلى أنه محمول على ظاهره، لكن على جهة الندب، لا على الوجوب. وترك العمل به مالك، وربيعة، وأبو حنيفة، ومحمد بن الحسن، وأبو يوسف، والثوري، والنخعي
стр. 2394
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
في أحد قوليهما. ورأوا: أن التفرُّق إذا حصل بالأقوال وجب البيع، ولا خيار إلا إن اشترط.
والذي لأجله ترك مالك العمل بظاهر الحديث: ما نص عليه في الموطأ لما ذكر هذا الحديث، ثم قال: وليس لهذا عندنا حدٌّ معروف، ولا أمر معمول به (١). وظاهر هذا: أن أهل المدينة اتفقوا على ترك العمل به. وليس ذلك الظاهر بصحيح؛ لأن سعيد بن المسيب والزهري وابن أبي ذئب من أهل المدينة وقد قالوا به، وقد أنكره ابن أبي ذئب على مالك. وقد اعتذر أصحابنا عن مالك بأعذار كثيرة أجمعها: ما ذكره القاضي أبو بكر بن العربي فقال على قول مالك: ليس لهذا عندنا حدٌّ معروف؛ يريد: أن فرقتهما ليس لها وقت معلوم. وهذه جهالة وقف البيع عليها، فيكون كبيع الملامسة، والمنابذة. وكبيع على خيار إلى أجل مجهول. وما كان كذلك فهو فاسد قطعًا، ولا يعارض هذا الأصل بظاهر لم يتحصَّل المراد منه مفهومًا؛ إذ تفسير ابن عمر ليس بحجة، ولهذا عدل عن ظاهره الفقهاء السبعة (٢)، وغيرهم من السَّلف. وأوَّلوه على أنه قد روي في بعض طرقه: ما لم
стр. 2395
إِلَّا بَيعَ الخِيَارِ.
رواه أحمد (٢/ ٤)، والبخاريُّ (٢١٠٩)، ومسلم (١٥٣١)(٤٣)، وأبو داود (٣٤٥٥)، والترمذي (١٢٤٥)، والنسائي (٧/ ٢٤٩).
[١٦١٣] وعَن ابنِ عُمَرَ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: إِذَا تَبَايَعَ الرَّجُلَانِ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنهُمَا بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، وَكَانَا جَمِيعًا، أَو يُخَيِّرُ أَحَدُهُمَا الآخَرَ، فَإِن خَيَّرَ أَحَدُهُمَا الآخَرَ فَتَبَايَعَا عَلَى ذَلِكِ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ، وَإِن تَفَرَّقَا بَعدَ أَن تَبَايَعَا، وَلَم يَترُك وَاحِدٌ مِنهُمَا البَيعَ، فَقَد وَجَبَ البَيعُ.
ــ
يتفرَّقا، إلا أن تكون صفقة خيار، ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله. رواه الليث عن ابن عجلان، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جدِّه قال: قال رسول الله ﷺ فذكره. فظاهر هذه الزيادة مخالف لظاهر أول الحديث، فإن تأول من أخذ بظاهر الحديث لفظ الاستقالة: باختيار الفسخ تأولنا لفظ الخيار باختيار الاستقالة، فإذا تقابل التأويلان وقف الحديث. والقياس في جانبنا.
قلت (١): وهذا كلام وجيزٌ في لفظه، جامعٌ في معناه لكل ما يَتَمسَّك به متمسِّك من المالكيِّين، وممن هو على مذهبهم. فلنقتصر عليه. والله الموفق.
و(قوله ﷺ : (إلا بيع الخيار) معناه على مذهب الشافعي: أن خيار المجلس لا أثر له مع وجود خيار الشرط، فلو تفرَّقا مع اشتراط خيار الثلاث لم يجب البيع بنفس التفرُّق، بل بمضي مدة الخيار المشترط، ويكون هذا الاستثناء من قوله: (لا بيع بينهما) وهو استثناء موجب من منفيّ. فكأنه قال: كلٌّ بيِّعَين فلا حُكم لبيعهما ما داما في مجلسهما إلا بيع الخيار المشترط، فحكمه باق إلى مدته،
стр. 2396
وفي أخرى: كُلُّ بَيِّعَينِ لَا بَيعَ بَينَهُمَا حَتَّى يَتَفَرَّقَا، إِلَّا بَيعُ الخِيَارِ.
وفي رواية: قَالَ نَافِعٌ: فَكَانَ - يعني ابن عمر - إِذَا بَايَعَ رَجُلًا، فَأَرَادَ أَلَا يُقِيلَهُ، قَامَ فَمَشَى هُنَيَّهةً، ثُمَّ رَجَعَ إِلَيهِ.
رواه البخاريُّ (٢١١٢)، ومسلم (١٥٣١) (٤٤ و ٤٥ و ٤٦).
[١٦١٤] وعَن حَكِيمِ بنِ حِزَامٍ - وولد في جوف الكعبة وعاش مائة وعشرين سنة - عَن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: البَيِّعَانِ بِالخِيَارِ مَا لَم يَتَفَرَّقَا، فَإِن صَدَقَا وَبَيَّنَا، بُورِكَ لَهُمَا فِي بَيعِهِمَا، وَإِن كَذَبَا وَكَتَمَا، مُحِقَت بَرَكَةُ بَيعِهِمَا.
رواه أحمد (٣/ ٤٠٣)، والبخاري (٢٠٧٩)، ومسلم (١٥٣٢)، وأبو داود (٣٤٥٩)، والنسائي (٧/ ٢٤٤ و ٢٤٥).
ــ
وإن افترقا بالأبدان. ويمكن تنزيله على مذهب مالك على هذا النحو، غير أن التفرُّق يحمل على التفرُّق بالأقوال، ويكون البيعان بمعنى المتساومين. غير أن الاستثناء يكون منقطعًا؛ لأن المتبايعين بالخيار الشرطي ليسا متساومين، بل متعاقدين، فيكون تقديره: لكن بيع الخيار يلزم حكمه بانقضاء مدته. والله تعالى أعلم. وقد تقدَّم القول في بيع الخيار وفي مدته.
و(قول نافع: إن ابن عمر كان إذا بايع رجلًا، وأراد ألا يقيله، قام فتمشى هنيهة ثم رجع إليه) دليل: على أن ابن عمر كان يرى التفرُّق بالأبدان، وأن ذلك يجوز. وحينئذ يعارضه قول النبي ﷺ : (ولا يحل له أن يفارقه خشية أن يستقيله) ويعتذر عن ابن عمر بأن هذه الزيادة لم يسمعها، أو لم تصح عنده. وقد حكى أبو عمر الإجماع: على جواز ما فعل ابن عمر. فإن صحَّ هذا، فتلك الزيادة متروكة الظاهر بالإجماع.
و(هنيهة): تصغير هنةٍ، وهي كلمه يعبَّر بها عن كل شيء قليل.
و(قوله: فإن صدقا وبيَّنا) أي: إن صدقا في الإخبار عن الثمن والمثمون
стр. 2397
[١٦١٥] وعن ابنَ عُمَرَ قَالَ: ذَكَرَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ يُخدَعُ فِي البُيُوعِ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن بَايَعتَ فَقُل: لَا خِلَابَةَ. فَكَانَ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ: لَا خِيَابَةَ.
رواه أحمد (٢/ ٦١)، والبخاريُّ (٢٤٠٧)، ومسلم (١٥٣٣).
* * *
ــ
فيما يباع مرابحة، وبيّنا ما فيها من العيوب.
و(بورك لهما) أي: بورك في الثمن: بالنماء، وفي المثمون بدوام الانتفاع به. (وإن كذبا، وكتما، محقت تلك البركة) أي: أذهبت، ورفعت. والرَّجل الذي كان يخدع في البيوع، هو: حَبَّان بن منقذ بن عمرو الأنصاري، والد يحيى وواسع، ابني حبَّان، شهد أحدًا. أتى عليه مائة وثلاثون سنة، وكان شُجَّ في بعض مغازيه مع النبي ﷺ مأمومة (١) خُبل (٢) منها عقله، ولسانه.
وذكر الدارقطني: أنه كان ضرير البصر. وقد روي: أن النبي ﷺ جعل له عهدة الثلاث (٣)؛ إذ كان أكثر مبايعته في الرَّقيق.
و(الخلابة): الخديعة. ومنه قولهم: إذا لم تغلِب فاخلُب.
و(قوله: لا خيابة) روايتنا فيه: بالياء باثنتين من تحتها مكان اللام. وهو الصحيح؛ لأنه كان ألثغ، يخرج اللام من غير مخرجها. وقد رواه بعضهم: (لا خيانة) بالنون، وليس بالمشهور. وفي غير كتاب مسلم: أنه كان يقول: لا خذابة - بالذال المعجمة -. وهذا الحديث قد رواه الترمذي من حديث أنس. وقال: هو
стр. 2398
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
الصحيح. وقال فيه: إن رجلًا كان في عقله ضعف، وكان يبايع، وأن أهله أتوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله! احجر عليه. فدعاه النبي ﷺ (١) فنهاه، فقال: يا رسول الله! إني لا أصبر عن البيع! فقال: (إذا بايعت فقل: لا خلابة (٢)). وخرَّجه أبو داود وقال فيه: (إن كنت غير تارك للبيع فقل: ها وها ولا خلابة (٣)). وذكره البخاري في التاريخ وقال فيه: (إذا بايعت فقل: لا خلابة، وأنت في كل سلعة ابتعتها بالخيار ثلاث ليال) (٤) وفيه (٥) أبواب من الفقه مختلف فيها:
أولها: أن كل من يخدع في البيوع لقلة خبرته، وضعف عقله، فهل يحجر عليه أم لا؟ فقال بالحجر عليه أحمد، وإسحاق. وقال آخرون: لا يحجر عليه. والقولان في المذهب (٦).
وثانيها: أن الغبن هل يوجب الخيار للمغبون أم لا؟ فذهب الشافعي وأبو حنيفة، ومالك - في أحد قوليه - إلى نفي الخيار. وذهب آخرون إلى لزوم الخيار. وإليه ذهب البغداديون من أصحابنا.
ثم اختلف هؤلاء في حدِّ الغبن الموجب للخيار. فمنهم من حدَّه بالثلث. ومنهم من حدَّه بالتفاحش الذي لا يُتغابن بمثله.
وثالثها: مدَّة الخيار. هل هي مقدَّرة بالثلاث في كل مبيع، أو يختلف ذلك بحسب الاحتياج إلى اختيار المبيع على ما قد تقدم.
стр. 2399
(٧) باب النهي عن بيع الثمرة حتى يبدو صلاحها
[١٦١٦] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَا تَبتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُهُ وَتَذهَبَ عَنهُ الآفَةُ. قَالَ: يَبدُوَ صَلَاحُهُ: حُمرَتُهُ وَصُفرَتُهُ.
وفي رواية: نَهَى عَن بَيعِ الثَّمرِ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُها، نَهَى البَائِعَ وَالمُشتَرِيَ.
وفي أخرى: نَهَى عَن بَيعِ النَّخلِ حَتَّى يَزهُوَ، وَعَن السُّنبُلِ حَتَّى يَبيَضَّ وَيَأمَنَ العَاهَةَ، نَهَى البَائِعَ وَالمُشتَرِيَ.
رواه أحمد (٢/ ٥٩)، والبخاريُّ (٢١٨٣)، ومسلم (١٥٣٤)(٥١) و (١٥٣٥)(٥٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٢).
ــ
وسبب الخلاف في هذه الأبواب اختلافهم في هذا الحديث. هل هو خاصٌّ بهذا الرجل، أو هو عام له ولغيره، وإذا تنزلنا على حمله على العموم، فهل دلالة هذا الحديث على هذه الأحكام ظاهرة فيها، أم لا؟ وإذا تنزلنا على الظهور. فهل سلمت مِمَّا يعارضها، أم لا؟ وبسط هذا يستدعي تطويلًا.
(٧) ومن باب: النهي عن بيع الثمار حتى يبدو صلاحها
(قوله: نهى عن بيع النخل حتى يزهو أو حتى تزهي) جاء الحديث باللفظتين. يقال: أزهت الثمرة تزهو، وأزهت، تزهي: إذا بدا طيبها وتلونها.
стр. 2400
[١٦١٧] وعن جَابِرٍ قَالَ: نَهَى، أَو نَهَانَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الثَّمَرِ حَتَّى يَطِيبَ.
رواه مسلم (١٥٣٦).
ــ
حكاه صاحب الأفعال (١). وقال ابن الأعرابي: يقال: زها النخل يزهو (٢): إذا ظهرت ثمرته. وأزهى: إذا احمرَّ أو اصفرَّ، قال غيره: (يزهو) خطأ. وإنما يقال: يزهي. وحكاهما أبو زيد. وقال الخليل: أزهى الثمر: بدا صلاحه. قال غيره: هو ما احمرَّ منه واصفرَّ. وهو الزَّهو والزُّهو معًا.
قلت: أحاديث هذا الباب؛ وإن اختلفت ألفاظها متواردة على النهي عن بيع الثمرة - وإن أُبِّرت - حتى تصلح لأن يؤكل منها أكلًا غالبًا. وهل ذلك النهي محمول على ظاهره من التحريم - وهو مذهب الجمهور - أو على الكراهة - وهو مذهب أبي حنيفة -؟ وعليه: فلو وقع بيع الثمرة قبل أن يبدو صلاحها، فسخه الجمهور، وصححه أبو حنيفة إذا ظهرت الثمرة، وبناء على أصله في ردِّ أخبار الآحاد للقياس. والصحيح مذهب الجمهور للتمسُّك بظاهر النهي، ولقوله ﷺ : (أرأيت إن منع الله الثمرة، بم يأكل أحدكم مال أخيه بغير حق! ) (٣). وهذا يدل على أن بيعها قبل بدوِّ صلاحها من أكل المال بالباطل، ولأنَّه غررٌ، وبيع الغرر محرَّم.
وعلى مذهب الجمهور؛ فهل يجوز بيعها قبل بدوِّ الصلاح بشرط القطع
стр. 2401
[١٦١٨] وعَن أَبِي البَختَرِيِّ قَالَ: سَأَلتُ ابنَ عَبَّاسٍ عَن بَيعِ النَّخلِ فَقَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ النَّخلِ حَتَّى تَأكُلَ مِنهُ، أَو يُؤكَلَ، وَحَتَّى يُوزَنَ. قَالَ: فَقُلتُ: مَا يُوزَنُ؟ فَقَالَ رَجُلٌ عِندَهُ: حَتَّى يُحزَرَ.
رواه البخاريُّ (٢٢٤٦)، ومسلم (١٥٣٧).
* * *
ــ
- وهو مذهب عامتهم-، أو لا يجوز؛ وإن شرطه؟ وهو مروي عن الثوري، وابن أبي ليلى، تمسكًا بعموم تلك الأحاديث. وخصصه العامة بالقياس الجلي؛ لأنه بيع معلوم، يصح قبضه حالة العقد عليه، كسائر المبيعات، فإن وقع بيعها قبل بدوِّ الصلاح من غير شرط؛ فهل يصح، ويُحمل على القطع، أو لا يفسخ؟ قولان، وبالثاني قال الجمهور؛ لأنه إذا لم يشترط القطع تناوله النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها. وقد اتفق العلماء: على أنه لا يجوز شراؤها قبل البدوِّ على التبقية، فأمَّا بعد الطيب فيجوز اشتراط البقاء عند كافة العلماء، خلا ما ذكر من مذهب الحنفي (١)، وكذلك له الإبقاء (٢) وإن لم يصرَّح باشتراطه عند مالك، إذ لا يصح اجتناء الثمرة دفعة واحدة؛ لأن تناهي طيبها ليس حاصلًا حالة التعاقد، وإنما يحصل في أوقات مختلفة. وقد شذَّ ابن حبيب، فقال: هي على الجَدِّ حتى يشترط البقاء. وما صار إليه مالك أوضح المسالك.
* * *
стр. 2402
(٨) باب النَّهي عن المزابنة
[١٦١٩] عَن ابنِ عُمَرَ، قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن المزابنة، وَالمزابنة: بَيعُ ثَمَرِ النَّخلِ بِالتَّمرِ كَيلًا، وَبَيعُ الزَّبِيبِ بِالعِنَبِ كَيلًا، وَعَن كُلِّ تَمَرٍ بِخَرصِهِ.
وفي رواية: وَالمزابنة: أَن يُبَاعَ مَا فِي رُؤوسِ النَّخلِ بِتَمرٍ بِكَيلٍ مُسَمَّى، إِن زَادَ فَلِي، وَإِن نَقَصَ فَعَلَيَّ.
رواه البخاريُّ (٢١٧١)، ومسلم (١٥٤٢) (٧٤ و ٧٥)، والنسائي (٧/ ٢٦٦).
ــ
(٨) ومن باب: النَّهي عن المزابنة
ووزنها: مفاعلة، ولا تكون إلا بين (١) اثنين. وأصلها في اللغة: الدفع الشديد. ومنه وصفت الحرب بـ (الزَّبون) لشدة الدفع فيها. وبه سُمِّي الشُّرطي: زِبنيًا؛ لأنه يدفع الناس بعنف وشدة. ومنه: زَبنُ النَّاقة الإناء عند الحلب. ولما كان كل واحد من المتبايعين يدفع الآخر في هذه المبايعة عن حقه سميت بذلك. هذا معنى المزابنة لغة. وأمَّا معناها في الشرع: فقد جاء تفسيرها في هذه الأحاديث بألفاظ مختلفة، كما وقع في الأصل. حاصلها عند الشافعي: بيع مجهول بمجهول، أو بمعلوم من جنس يحرم الرِّبا في نقده. وخالفه مالك في هذا القيد، فقال: سواء كان مما يحرم الرِّبا في نقده، أو لا، مطعومًا، أو غير مطعوم.
و(قوله في المزابنة: هي بيع ثمر النخل بالتمر كيلًا، وبيع الزبيب بالعنب كيلًا؛ يعني: أن يكون أحدهما بالكيل والآخر بالجزاف، للجهل بالمقدار في
стр. 2403
[١٦٢٠] وعَن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المزابنة، وَالمُحَاقَلَةِ، وَالمزابنة: أَن يُبَاعَ ثَمَرُ النَّخلِ بِالتَّمرِ، وَالمُحَاقَلَةُ: أَن يُبَاعَ الزَّرعُ بِالقَمحِ، وَاستِكرَار الأَرضِ بِالقَمحِ. قَالَ: وَأَخبَرَنِي سَالِمُ بنُ عَبدِ اللَّهِ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: لَا تَبتَاعُوا الثَّمَرَ حَتَّى يَبدُوَ صَلَاحُهُ، وَلَا تَبتَاعُوا التَّمَرَ بِالتَّمرِ. وَقَالَ سَالِمٌ: أَخبَرَنِي عَبدُ اللَّهِ، عَن زَيدِ بنِ ثَابِتٍ، عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ : أَنَّهُ أرَخَّصَ بَعدَ ذَلِكَ فِي بَيعِ العَرِيَّةِ بِالرُّطَبِ أَو التَّمرِ، وَلَم يُرَخِّص فِي غَيرِ ذَلِكَ.
رواه البخاري (٥٨٢٠)، ومسلم (١٥٣٩)(٥٩)، وأبو داود (٣٣٧٧ و ٣٣٧٨)، والنسائي (٧/ ٢٦٠ و ٢٦١)، وابن ماجه (٢١٧٠).
[١٦٢١] وعن جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن بَيعِ الصُّبرَةِ مِن التَّمرِ، لَا يُعلَمُ مَكِيلَتُهَا بِالكَيلِ المُسَمَّى مِن التَّمرِ.
رواه مسلم (١٥٣٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٩ و ٢٧٠).
* * *
ــ
الجنس، فيدخله الخطر. وإذا كان هذا ممنوعا للجهل من جهة واحدة، فالجهل من جهتين؟ كجزاف بجزاف أدخل في المنع، وأولى. وهذا الحديث يشهد للشافعي على تفسيره للمزابنة، فإنه ما ذكر في الحديث الأول إلا النخل، والعنب. وكلاهما يحرم الرِّبا في نقده، وألحق بهما ما في معناهما. وأما مالك ففهم أن المنع فيها إنما كان من حيث الغرر اللاحق في الجنس الواحد، فعداه لكل جنس وجد فيه ذلك المعنى. والله تعالى أعلم.
و(المحاقلة) مفاعلة من الحقل، وهي: المزارعة، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم
стр. 2404
(٩) باب الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ بخرصها تمرا
[١٦٢٢] عن زَيد بن ثَابِتٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرِيَّةِ بِخَرصِهَا تَمرًا.
ــ
للأنصار: (ما تصنعون بمحاقلكم؟ ) (١) يعني: مزارعهم. وفي مثل العرب: لا تنبت البقلة إلا الحقلة. وهي التي تسمى في العراق: القراح. وقال الليث: هي بيع الزرع قبل أن يغلظ. وقال أبو عبيد: هي بيع الطعام في سنبله بالبر. وقال قوم: هي المزارعة بالجزء مما تنبته الأرض. وسيأتي القول في كراء الأرض.
(٩) ومن باب: الرُّخصة في بيع العَرِيَّةِ
وهي في اللغة - على ما نقله الجوهري -: النخلة يُعرِيهَا صاحبها رجلًا محتاجًا، فيجعل ثمرها له عامًا، فيعروها، أي: يأتيها. وهي: فعيلة، بمعنى: مفعولة. وإنما أدخلت فيها الهاء لأنها أفردت، فصارت في عداد الأسماء، كالنطيحة، والأكيلة، ولو جئت بها مع النخلة؛ قلت: نخلة عري. وأنشد لسويد بن الصامت:
لَيسَت بِسَنهاء ولا رُجبيَّة ... ولكن عَرَايَا في السِّنِين الجَوائح (٢)
وقال غيره: هي فعيلة، بمعنى: فاعلة؛ أي: عريت من ملك مُعريها. وقال غيرهما: عراه، يعروه: إذا أتاه يطلب منه عرية، فأعراه؛ أي: أعطاه إياها، كما
стр. 2405
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يقال: سألني فأسألته. وطلبني فأطلبته. فالعريَّة: اسم للنخلة المعطى ثمرها. فهي اسم لعطيَّة خاصة. وقد سمت العرب عطايا خاصة بأسماء خاصة، كالمنيحة: لعطية الشاة لِلَّبن. والإفقار: لما ركب فقاره. والإخبال: لما ينتفع به من المال.
قلت: فقد حصل من نقل أهل اللغة: أن العرية عطية؛ لا بيعٌ. ولما ثبت ذلك فسَّر مالك، وأحمد بن حنبل، وإسحاق، والأوزاعي العرية المذكورة في الحديث: بأنَّها إعطاء الرَّجل من جملة حائطه نخلة أو نخلتين عامًا، على ما تقتضيه اللغة. غير أنهم اختلفوا في شروط كثيرة، وأحكام متعددة. وحاصل مذهب مالك في العرية: أنها عطية ثمرة نخلة أو نخلات من حائط، فيجوز لمن أُعطيها أن يبيعها إذا بدا صلاحها من كل أحد بالعين، والعروض، ومن معطيها خاصة بخرصها تمرًا، وذلك بشروط:
أحدها: أن تكون أقل من خمسة أوسقٍ. وفي الخمسة خلاف.
وثانيها: أن تكون بخرصها من نوعها ويابسها نخلًا، وعنبًا. وفي غيرهما مما يوسق، ويدخر للقوت، خلاف.
وثالثها: أن يقوم بالخرص عند الجداد.
ورابعها: أن يكون المشترى جملتها، لا بعضها.
وخامسها: أن يكون بيعها عند طيبها، فلو باعها من المُعرِي قبل ذلك على شرط القطع لم يجز، لتعدِّي محل الرُّخصة.
وأما الشافعي: فالعرية عنده: بيع الرُّطب في رؤوس النخل بتَمر مُعَجَّل. فلم يعرج على اللغة المعروفة فيها. وكأنه اعتمد في مذهبه على تفسير يحيى بن سعيد راوي الحديث، فإنه قال: العرية: أن يشتري الرجل ثمر النخلات لطعام أهله رطبًا بخرصها تمرًا. وهذا لا ينبغي أن يعوَّل عليه؛ لأن يحيى بن سعيد ليس صحابيًّا، فيقال: فهمه عن النبي ﷺ ولا رفعه للنبي ﷺ ولا يثبت به عرف غالب
стр. 2406
وفي رواية: رَخَّصَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِي العَرِيَّةِ، يَأخُذُهَا أَهلُ البَيتِ بِخَرصِهَا تَمرًا، يَأكُلُونَه رُطَبًا.
ــ
شرعي حتى يرجِّحه على اللغة. وغايته: أن يكون رأيًا ليحيى، لا رواية له، ثم يعارضه بتفسير ابن إسحاق، فإنه قال: العرايا: أن يهب الرجل للرجل النخلات، فيّشق عليه أن يقوم عليها، فيبيعها بمثل خرصها. ثم هو عين المزابنة المنهي عنها، ووضع رخصة في موضع لا ترهق إليه حاجة وكيدة، ولا تندفع بها مفسدة، فإن المشتري لها بالتمر متمكن من بيع تمره بعين أو عروض، ويشتري بذلك رطبًا، فإن قيل: قد يتعذَّر هذا. قيل: فأجدر بيع الرُّطب بالتمر؛ إذا كان لا على رؤوس النخل؛ إذ قد يتعذر بيع التمر على من هو عنده ممن يريد أن يشتري الرطب به، ولا يجوز ذلك، فلا يجوز تفسير العرية بما ذكروا.
وأمَّا أبو حنيفة: فإنَّه فسَّر العرية بما إذا وهب رجل ثمر نخلة، أو نخلات، ولم يقبضها الموهوب له، فأراد الواهب أن يعطي الموهوب له تمرا، ويتمسك بالثمرة، جاز له ذلك؛ إذ ليس من باب البيع، وإنما هو من باب الرجوع في الهبة؛ التي لم تجب بناء على أصله في أن الهبة لا تجب إلا بالقبض. وهذا المذهب إبطال لحديث العرية من أصله فيجب اطراحه. وذلك: أن حديث العرية تضمن أنه بيع مُرَخَّص فيه في مقدار مخصوص. وأبو حنيفة يلغي هذه القيود الشرعية.
و(قوله: ورخص في بيع العرية بخرصها تمرًا يأكلها أهل البيت رطبًا) الخِرصُ -بكسر الخاء - هو: اسم للمخروص، وبفتح الخاء هو: المصدر. والرواية هنا: بالكسر. و (أهل البيت) - على مذهب مالك ومن قال بقوله -: هم المُعرُون، فيضمنون مقدار العرية، فيدفعون ذلك للمعرى له تمرًا عند الجداد رفقًا به حيث كفي المؤن، وأعطي ما يقتات به. ويحصل من ذلك للمعري (١) دفع ضرر
стр. 2407
وفي أخرى: أَن يُبَاعَ بخرصها كيلا مكان تمرا. قَالَ يَحيَى بن سعيد: العَرِيَّةُ: أَن يَشتَرِيَ الرَّجُلُ تَمَرَ النَّخَلَاتِ لِطَعَامِ أَهلِهِ رُطَبًا بِخَرصِهَا تَمرًا.
رواه أحمد (٥/ ١٨٦)، والبخاريُّ (٢١٨٨)، ومسلم (١٥٣٩) (٦١ و ٦٣)، والنسائي (٧/ ٢٦٧)، وابن ماجه (٢٢٦٩).
[١٦٢٣] وعَن بُشَيرِ بنِ يَسَارٍ، عَن بَعضِ أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ مِن أَهلِ دَارِهِم، مِنهُم سَهلُ بنُ أَبِي حَثمَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن بَيعِ الثَّمَرِ بِالتَّمرِ، وَقَالَ: ذَلِكَ الرِّبَا، تِلكَ المزابنة. إِلَّا أَنَّهُ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرِيَّةِ: النَّخلَةِ وَالنَّخلَتَينِ، يَأخُذُهَا أَهلُ البَيتِ بِخَرصِهَا تَمرًا، يَأكُلُونَهَا رُطَبًا.
رواه أحمد (٤/ ٢)، والبخاريُّ (٢١٩١)، ومسلم (١٥٤٠)، وأبو داود (٣٣٦٣)، والترمذيُّ (١٣٠٣)، والنسائي (٧/ ٢٦٨).
[١٦٢٤] وعَن أَبِي هُرَيرَةَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَخَّصَ فِي بَيعِ العَرَايَا بِخَرصِهَا فِيمَا دُونَ خَمسَةِ أَوسُقٍ، أَو فِي خَمسَةِ أوسق، يَشُكُّ دَاوُدُ بن الحصين.
ــ
تكرار دخول المعرى له إلى عريته لتعاهدها، وسقيها، واجتنائها. فظهر لمال: أن العرية إنما رخص فيها لأنها من باب المعروف، والرفق، والتسهيل في فعل الخير، والمعونة عليه. وأما على مذهب الشافعي: فأهل البيت عنده هم: المشترون الذين يشترون الرطب بالتمر ليأكلوها رطبًا. وظهر له: أن الموجب لهذه الرخصة هو حاجة من له تمر لأكل الرطب. وقد ذكرنا آنفًا ضعف هذا المعنى.
و(قوله: فيما دون خمسة أوسق) أو (في خمسة أوسق) دليل على أن في العرية إنما تجري فيما يُوسَّق ويُكال. ثم هل تقصر على التمر والزبيب، أو يلحق
стр. 2408
رواه أحمد (٢/ ٢٣٧)، والبخاري (٢١٩٠)، ومسلم (١٥٤١)، وأبو داود (٣٣٦٤)، والترمذي (١٣٠١)، والنسائي (٧/ ٢٦٨).
* * *
ــ
بهما ما في معناهما مما يُدَّخر للقوت؟ قولان؛ وقد تقدَّما. والأولى: التعدية، والإلحاق؛ لأن المنصوص عليه في الحديث التمر، وقد ألحق بها الزبيب قولًا واحدًا عندنا، وليس منصوصًا عليه، ولا سبب للإلحاق إلا أن الزبيب في معنى التمر، فيلحق بهما كل ما في معناهما من المدخر للقوت.
وقد وسَّع المناط يحيى بن عمر من أصحابنا فقاس سائر الثمار على النخل والعنب، فأجاز بيع الثمار كلها بخرصها إذا طابت إلى الجداد. وشذَّ في ذلك شذوذًا منكرًا لم يقل به أحدٌ من أهل العلم. وقد دلَّ هذا الحديث على قصر الرُّخصة على هذا القدر فلا يزاد عليه. لكن هذا إنما شرط في بيعها من معريها بخرصها كما تقدَّم، وأمَّا من غيره، أو منه بالعين أو بالعروض، فجائز مطلقا من غير تقدير. هذا هو المشهور عن المذهب. وقد روي عنه أنه لا يجوز شراؤها للمعري إلا بالخرص خاصة، لا بغيره؛ لأنه من باب: العود في الهبة، ومحل الرُّخصة الخرص فيقصر عليه. وهذا هو سبب الخلاف في أكثر مسائل هذا الباب؛ أعني: هل يقاس على الرخص، أو لا؟
و(قوله: فيما دون خمسة أوسق، أو في خمسة أوسق) هو شكٌّ من داود بن الحصين. وموضع الشك: الخمسة. فتطرح، ويعوَّل على أن الجواز مخصوص بما دونها لأوجه:
أحدها: أن الحكم لا يثبت بالشك.
والثاني: أن الأصل في المزابنة المنع، إلا فيما تحققت فيه الرخصة، ولم تتحقق هنا في الخمسة، بل فيما دونها.
والثالث: أن الخمسة الأوسق هو أول مقادير المال الكثير، الذي تجب فيه
стр. 2409
(١٠) باب فيمن باع نخلًا فيه تمر، أو عبدا وله مال
[١٦٢٥] عَن ابنِ عُمَرَ قَالَ: سَمِعتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: مَن ابتَاعَ نَخلًا بَعدَ أَن تُؤَبَّرَ فَثَمَرَتُهَا لِلَّذِي بَاعَهَا،
ــ
الزكاة من هذا النوع. ويكون مالكه من الأغنياء الذين (١) يجب عليهم مواساة الفقير. وهو الذي لا نصاب له، فقصر المرفق على من هو من نوع الفقراء مناسب لتصرف الشرع. وبهذا قال الشافعي، إلا أنه قال: لا أفسخ البيع في مقدار خمسة أوسق، وأفسخه فيما فوقها.
قلت: والأولى فسخه؛ لأن الأصل منعه؛ لأنه مزابنة، ولم يتحقق الرافع للمنع. وقد تقدَّم: أن مالكا يشترط في جواز بيع العرية من معريها أن تُقَوَّم بالخرص عند الجداد. وهو قول جل أصحابه. ولم يجيزوه بالنقد. وزعم بعضهم: أن ذلك جاء في الحديث. ولم أقف عليه في شيء من كتب الحديث مع طول بحثي عنه. ومثل هذا الشرط لا يثبت إلا بالسمع، فكأنَّ عند مالك سمع ولم يبلغنا، والله تعالى أعلم.
تنبيه: العرية عندنا مستثناة من أصول ممنوعة: من المزابنة، والغرر، ومن ربا التفاضل، والنَّساء، ومن الرجوع في الهبة. والذي سوَّغها ما فيها من المعروف، والرفق، وإزالة الضرر. كما قدَّمناه، والله تعالى أعلم.
(١٠) ومن باب: من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر
(قوله: من ابتاع نخلًا بعد أن تُؤَبَّر فثمرتها للذي باعها) أبار النخل، وتأبيره: تلقيحه، وتذكيره. وهو: أن يجعل في النخلة فحالة، وعند ذلك تثبت
стр. 2410
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ثمرتها بإذن الله تعالى. يقال: أَبَرتُ النخلة، أبُرها بكسر الباء وضمها، فهي مأبورة. ومنه قولهم: (خير المال مهرة مأمورة، أو سكَّة مأبورة) (١).
ويقال: أبرت النخل - مشدَّدًا - تأبيرًا. وهي مؤبَّرة، كقوِّمت الشيء تقويمًا، وهو مقوَّم. ويقال: تأبَّر الغسيل: إذا قبل الإبار. قال الراجز:
تَأَبَّرِي يا خَيرَةَ الغَسِيل ... إِذ ضَنَّ أهلُ النَّخل بالفُحُول
ويقال: ائتبرت؛ إذا سألت غيرك أن يأبُرَ لك نخلك، أو زرعك. قال (٢):
وَلِيَ الأصل الذي في مثله ... يُصلِح الآبِرُ زَرعَ المؤتَبر
هذا إبار ثمر النخل، وإبار كل ثمر بحسب ما جرت العادة بأنه إذا فعل به ثبت ثمره وانعقد. ثم قد يعبَّر به عن ظهور الثمرة وعن انعقادها، وإن لم يفعل فيها شيء. ومن هنا اختلف أصحابنا في إبار الزرع. هل هو ظهوره على الأرض، أو إفراكه (٣)، وإذا تقرَّر هذا، فظاهر هذا الحديث يقتضي بلفظه: أن الثمرة المأبورة لا تدخل مع أصولها إذا بيعت الأصول إلا بالشرط. ويقتضي دليل خطابه: أن غير المأبورة داخلة في البيع. وهو مذهب مالك، والشافعي، والليث (٤). وذهب أبو حنيفة: إلى أن الثمرة للبائع قبل الإبار وبعده. وقال ابن أبي ليلى: الثمرة للمشتري قبل الإبار وبعده. وهذا القول مخالف للنص الصحيح، فلا يلتفت إليه. وأما أبو حنيفة فالخلاف معه مبني على القول بدليل الخطاب، فهو ينفيه. وخصمه يثبته. والقول بدليل الخطاب في مثل هذا ظاهر؛ لأنه لو كان حكم غير
стр. 2411
إِلَّا أَن يَشتَرِطَه المُبتَاعُ، وَمَن ابتَاعَ عَبدًا فَمَالُهُ لِلَّذِي بَاعَهُ، إِلَّا أَن يَشتَرِطَ المُبتَاعُ.
ــ
المؤبر حكم المؤبر لكان تقييده بالشرط لغوًا لا فائدة له. فإن قيل: فائدته التنبيه بالأعلى على الأدنى. قيل له: ليس هذا بصحيح لغة ولا عرفًا. ومن جعل هذا بمنزلة قوله تعالى: ﴿فَلا تَقُل لَهُمَا أُفٍّ﴾ تعين أن يقال لفهمه: أفّ، وتف.
و(قوله: إلا أن يشترطه المبتاع) يعني: الثمر المؤبر لا يدخل مع الأصول في البيع إلا بالشرط. وصحَّ اشتراطه؛ لأنه عينٌ موجودة، يحاط بها، أمن سقوطها غالبًا، بخلاف التي لم تؤبَّر، إذ ليس سقوطها مأمونًا، فلم يتحقق لها وجود، فلا يجوز للبائع اشتراطها، ولا استثناؤها، لأنها كالجنين. هذا هو المشهور عندنا. وقيل: يجوز استثناؤها. وهو قول الشافعي. وخرج هذا الخلاف على الخلاف في المستثنى. هل هو مبقى على ملك البائع، أو هو مشترى من المشتري؟
فرع: لو اشترى النخل وبقي الثمر للبائع؛ جاز لمشتري الأصل شراء الثمرة. قبل طيبها على مشهور قول (١) مالك. ويرى لها حكم التبعية؛ وإن أفردت بالعقد لضرورة تخليص الرقاب. وعنه في رواية: أنه لا يجوز. وبذلك قال الشافعي، والثوري، وأهل الظاهر، وفقهاء الحديث. وهذا هو الأظهر من أحاديث النهي عن بيع الثمار قبل بدوِّ صلاحها.
و(قوله: من باع عبدًا، فمال للبائع إلا أن يشترطه المبتاع) دليل على صحة قولنا: إن العبد يملك، خلافًا للشافعي، وأبي حنيفة، حيث قالا: إنه لا يملك. وقد تقدَّم ذلك. ويلتحق بالبيع في هذا الحكم كل عقد معاوضةٍ، كالنكاح،
стр. 2412
رواه أحمد (٢/ ٦)، والبخاري (٢٢٠٤)، ومسلم (١٥٤٣)(٨٠)، وأبو داود (٣٤٣٤)، وابن ماجه (٢٢١٠ و ٢٢١٢).
* * *
ــ
والإجارة. فأما العتق فيتبع العبد فيه مالُهُ؛ لما رواه أبو داود عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (من أعتق عبدًا وله مال، فمال العبد له، إلا أن يشترط السَّيد) (١). وقد رواه مالك في الموطأ موقوفًا على ابن عمر (٢). ولا يضره التوقيف، فإن المرفوع صحيح السند. وهذا الحديث حجة على أبي حنيفة، والشافعي، حيث قالا: إن المال في العتق للسيد. فأمَّا في الصدقة والهبة، فهل يتبعه ماله فيهما، أو لا؟ قولان، سببهما تردُّدهما بين البيع والعتق؛ إذ فيهما شَبَهٌ من كل واحد منهما. وذلك: أن الهبة، والصدقة خروج من ملك إلى ملك، فأشبهت البيع، وخروج عن ملك بغير عوض، فأشبهت العتق. والأرجح: إلحاقها بالبيع، وقطعها عن العتق؛ لاختصاص العتق بمعنى لا يوجد في غيره، على ما قد أوضحه أصحابنا في كتبهم. وأما الجناية: فالمال فيها تبع للرَّقبة، فينتقل بانتقالها؛ لأن العبد الجاني إذا كان له مال فالجناية فيه، فإن وسع الجناية بقيت الرقبة لسيده، وإن لم يكن له مال؛ تعلَّقت برقبته، فكأن الرقبة مرجع عند العدم.
* * *
стр. 2413
(١١) باب النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة
[١٦٢٦] عَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن المُخَابَرَةِ، وَالمُحَاقَلَةِ، وَالمزابنة، وَعَن بَيعِ الثَّمَرَةِ حَتَّى تُطعِمَ، وَلَا تُبَاعُ إِلَّا
ــ
(١١) ومن باب: النَّهي عن المحاقلة والمخابرة والمعاومة
قد تقدَّم القول في أصل اشتقاق المحاقلة. وقد فسَّرها ها هنا جابر: بأنَّها بيع الزرع القائم بالحب كيلًا. وقال الجوهري في الصحاح: المحاقلة: بيع الزرع في سنبله بالبرِّ. وقد نُهِي عنه.
قلت: وهذا يرجع إلى المزابنة، كما قدمناه. وقد فسرها غيره: بأنها كراء الأرض بما يخرج منها. وهو الذي صار إليه أصحابنا. فأمَّا المخابرة فمأخوذة من الخبر - بضم الخاء - وهو النصيب. هكذا حكاه أهل اللغة، وأنشدوا عليه:
إِذَا مَا جَعلت الشاة للناس خبرة ... فَشَأنُك أنِّي ذاهبٌ لِشُؤوني
وقال ابن الأعرابي: أصل المخابرة مأخوذ من خيبر؛ لأن النبي ﷺ كان قد أقرها في أيدي أهلها على النصيب منها، فقيل: خابرهم؛ أي: عاملهم في خيبر.
قلت: وعلى هذا فلا تكون المخابرة منهيًا عنها، وقد ثبت النهي عنها فهي غيرها. والصحيح ما حكاه الجوهري وغيره: أن المخابرة هي المزارعة بجزء مما يخرج من الأرض. وهو: الخِبر أيضًا -بالكسر- ويشهد له ما ذكرناه آنفًا عن اللغويين. وعلى هذا فيكون الفرق بين المحاقلة والمخابرة: أن المحاقلة كراء الأرض بما يخرج منها مطلقا. والمخابرة: كراؤها بجزء مما يخرج منها؛ كثلث وربع. وقد قال بعض الناس: إنهما بمعنى واحد. والمشهور ما ذكرناه. وهو الأولى. والله تعالى أعلم. وسيأتي القول في كراء الأرض.
و(قوله: ونهى عن بيع الثمرة حتى تطعم، ولا تباع إلا بالدراهم أو الدنانير
стр. 2414
بِالدَّرَاهِمِ أَوِ الدَّنَانِيرِ، إِلَّا العَرَايَا قَالَ عَطَاءٌ: فَسَّرَ لَنَا جَابِرٌ قَالَ: أَمَّا المُخَابَرَةُ: فَالأَرضُ البَيضَاءُ يَدفَعُهَا الرَّجُلُ إِلَى الرَّجُلِ، فَيُنفِقُ فِيهَا، ثُمَّ يَأخُذُ مِن الثَّمَرِ. وَزَعَمَ أَنَّ المزابنة: بَيعُ الرُّطَبِ فِي النَّخلِ بِالتَّمرِ كَيلًا، وَالمُحَاقَلَةُ فِي الزَّرعِ: عَلَى نَحوِ ذَلِكَ يَبِيعُ الزَّرعَ القَائِمَ بِالحَبِّ كَيلًا.
وفي رواية: حَتَّى تُشقِحَ.
وفي رواية: حَتَّى تُشقِهَ مكان تطعم، قال وَالإِشقَاهُ: أَن تَحمَرَّ أَو تَصفَرَّ أَو يُؤكَلَ مِنهَا شَيءٌ. وَالمُحَاقَلَةُ: أَن يُبَاعَ الحَقلُ بِكَيلٍ مِن الطَّعَامِ مَعلُومٍ. وَالمزابنة: أَن يُبَاعَ النَّخلُ بِأَوسَاقٍ مِن التَّمرِ. وَالمُخَابَرَةُ: الثُّلُثُ وَالرُّبُعُ وَأَشبَاهُ ذَلِكَ.
ــ
إلا العرايا) هذا المساق فيه تثبيجٌ (١) بالتقديم والتأخير، وذلك أن مساقه يقتضي أن تباع الثمرة قبل طيبها بالدراهم أو الدنانير (٢) وذلك لا يجوز بالاتفاق، لا بهما، ولا بالعروض إلا على شرط القطع. فيجوز بالعين، والعرض، فلا يصح أن يكون ذلك استثناء من بيع الثمرة بوجه، وإنما يصح رجوع الاستثناء للمحاقلة، والمخابرة، فإنها هي التي نهي عن بيعها إلا بالعين، كما يأتي بعد هذا في حديث رافع بن خديج حيث قال: (أما بالذهب والورق فلا بأس به) (٣).
و(قوله: إلا العرايا) مستثنى من المزابنة، كما جاء في الحديث المتقدِّم. وترتيب هذا الحديث أن يقال: نهى عن المحاقلة، والمخابرة إلا بالدنانير أو الدراهم، وعن المزابنة إلا العرايا. وهذا واضح، والله تعالى أعلم.
стр. 2415
قَالَ زَيدٌ بن أبي أنيسة: أَسَمِعتَ جَابِرَ بنَ عَبدِ اللَّهِ يَذكُرُ هَذَا عَن رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ؟ قَالَ: نَعَم.
رواه أحمد (٣/ ٣٢٠)، والبخاري (٢١٩٦)، ومسلم (١٥٣٦) (٨١ و ٨٢ و ٨٣ و ٨٤)، وأبو داود (٣٣٧٠)، والنسائي (٧/ ٢٦٣).
[١٦٢٧] وعنه قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَن المُحَاقَلَةِ، وَالمزابنة، والمخابرة وَالمُعَاوَمَةِ، وفي رواية: بَيعُ السِّنِينَ: (عوض المُعَاوَمَةُ). وَعَن الثُّنيَا، وَرَخَّصَ فِي العَرَايَا.
ــ
و(قول زيد بن أبي أُنَيسة لعطاء: (أسمعت جابر بن عبد الله يذكر هذا عن رسول الله ﷺ ؟ قال: نعم) تحتمل هذه الإشارة أن تكون عائدة إلى الحديث، وتفسيره المتقدم. فيكون كل ذلك من قول رسول الله ﷺ ويحتمل أن تكون عائدة إلى الأمور التي نهى عنها في صدر الحديث لا إلى التفسير. وهو الأولى؛ لقول عطاء: فسَّر لنا جابر، فذكر التفسير.
التشقيح والتشقية - بالحاء والهاء - كما فسَّره الراوي بقوله: أن تحمَرَّ وتَصفَرَّ، ويؤكل منها. وكذلك فسَّره (١) أهل اللغة قالوا: يقال: أشقح النخل، وشقَّح - مشدَّدًا -: إذا أزهى. ويقال: أشقه النخل - بالهاء - فيبدلون من الحاء هاءَ لتقارب مخرجيهما.
والمعاومة: بيع الثمر أعوامًا. وهو المعبَّر عنه باللفظ الآخر (٢): بيع السنين. ولا خلاف في تحريم بيعه؛ لكثرة الغرر والجهل.
والثُّنيَا - بالضم والقصر، على وزن الكُبرى - هي: الاسم من الاستثناء،
стр. 2416
رواه مسلم (١٥٤٣)(٨٥)، وأبو داود (٣٤٠٤)، والترمذي (١٣١٣)، والنسائي (٧/ ٢٩٦)، وابن ماجه (٢٢٦٦).
* * *
ــ
وكذلك: الثَّنوى - بفتح الثاء - على وزن: طَرفَى. ذكر ذلك في الصحاح. قال الهروي: بيع الثُّنيا هو: أن يُستثنى من المبيع شيء مجهول، فيفسد البيع. وقال القتبي: هو أن يبيع شيئًا جزافًا ويستثني منه شيئًا.
قلت: والحاصل: أن الثنيا اسم جنس لما فيه استثناء، سواء كان ذلك من البائع، أو من المبتاع. فيكون الأصل في كل ذلك المنع لأجل النَّهي، غير أن في ذلك تفصيلًا يظهر بصور:
الأولى: جائزة باتفاق، وهي: أن يستثني البائع نخلات معينات من حائط، قلت، أو كثرت؛ لأن البيع لم يقع عليهن، بل على ما عداهن.
الثانية: أن يستثني نخلات مجهولات، أو كيلًا مجهولًا من الثمرة؛ على أن يعين ذلك بعد البيع. فذلك ممنوع فاسد باتفاق؛ لتناول النهي له وللجهل بالمبيع والغرر (١).
الثالثة: أن يستثني من الثَّمر كيلًا معلومًا. فذهب الجمهور إلى أن ذلك لا يجوز منه قليل ولا كثير. ورأوا أن ذلك النهي متناول له؛ لما فيه من الجهالة. وذهب مالك في جماعة أهل المدينة: إلى أن ذلك جائز فيما بينه وبين ثلث الثمرة، ولا يجوز زيادة على ذلك. ورأوا: أن خرص الثمرة وحَزرها مما يُعرف
стр. 2417
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
مقدارها، وأن استثناء القليل منها لا يكثر فيه الغرر. والقليل من الغرر مغتفر في مواضع كثيرة من الشرع. وما دون الثلث قليل.
قلت: وهذا تخصيص للعموم بالنظر.
الرابعة: أن يستثني جزءًا من الثَّمرة مشاعًا. فيجوز عند مالك وعامة أصحابه، قل، أو كثر. وذهب عبد الملك: إلى أنَّه لا يجوز استثناء الأكثر. والخلاف في ذلك مبني على جواز استثناء الأكثر من الأقل، وعدم جوازه. وقد بيّنا جوازه في أصول الفقه.
الخامسة: أن يقول البائع للمشتري: أبيعك هذا الشيء بكذا، على أنك إن جئتني بالثمن إلى أجل كذا رددت عليك ملكك. فهذا فاسد للنهي عنه، ولأنه ذريعة للسَّلف الذي يجر نفعًا. ويفسخ ما لم يَفُت، فإن فات ضمن بالقيمة، ويُفيتُه ما يُفيت البيع الفاسد.
السادسة: أن يعقد المشتري على أنه إن لم يأت بالثمن إلى وقت كذا فلا بيع بينهما. فاختلف فيه. فبعضهم أبطل الشرط، وصحح العقد. ومنهم من ألزم قائله الشرط، وجعل للآخر الخيار. والوجهان مرويان عن مالك.
* * *
стр. 2418
(١٢) باب ما جاء في كراء الأرض
[١٦٢٨] وعَن جَابِرِ بنِ عَبدِ اللَّهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَن كِرَاءِ الأَرضِ.
رواه أحمد (١/ ٢٣٤)، ومسلم (١٥٤٧)(١١١)، وأبو داود (٣٣٨٩)، والنسائي (٧/ ٣٧).
[١٦٢٩] وعنه قال: كَانَ لِرِجَالٍ فُضُولُ أَرَضِينَ مِن أَصحَابِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : مَن كَانَ لَهُ فَضلُ أَرضٍ فَليَزرَعهَا أَو لِيَمنَحهَا أَخَاهُ، فَإِن أَبَى فَليُمسِك أَرضَهُ.
وفي أخرى: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ فَليَزرَعهَا، أَو لِيُزرِعهَا أَخَاهُ، وَلَا يُكرِهَا.
رواه أحمد (٣/ ٣٥٤)، والبخاري (٢٣٤٠)، ومسلم (١٥٣٦) (٨٩ و ٩٢)، والنسائي (٧/ ٣٧).
ــ
(١٢ و ١٣) ومن باب: كراء الأرض (١)
نَهيُه ﷺ عن كراء الأرض و (قوله: من كانت له أرض فليزرعها أو ليزرعها أخاه، ولا يُكرِها) حجة لمن منع كراء الأرض مطلقا، وحرَّمه؛ وهم: رافع بن خديج، وابن عمر - فيما رجع إليه -، وطاوس اليماني، وأبو بكر بن
стр. 2419
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
عبد الرحمن، والحسن البصري. وخالفهم في ذلك الجمهور. ثم هم فريقان:
الأول: أجاز كراءها بكلِّ ما يجوز أن يكون ثمنًا في البياعات من العروض، والذهب، والفضة، والأطعمة المضمونة. وهو مذهب أبي حنيفة، والشافعي، والأوزاعي، والثوري، متمسكين بقوله تعالى: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ البَيعَ﴾ والإجارة بيعٌ، وبقول رافع: أما بالذهب والفضة فلا بأس. وفي طريق آخر: أما بشيء معلوم مضمون فلا بأس به، وبقياس إجارة الأرض على العقار، وهو من أقوى أنواع القياس، لأنه في معنى الأصل. واعتذر هؤلاء عن أحاديث النَّهي بوجهين:
أما أبو حنيفة: فعلى أصله في ترجيح القياس على خبر الواحد (١). وأما الشافعي ومن قال بقوله: فيمكن أن يقال: حملوا مطلق تلك النواهي على مقيدها، ورأوا: أن محل النهي إنما هو ما لم يكن مضمونًا، ولا معلومًا. ويمكن أن يقال: إنهم صرفوا ظاهر النهي إلى التنزه عن ترك الأولى والأحسن، كما فهمه ابن عباس حيث قال: لم ينه عن ذلك رسول الله ﷺ إنما قال: (يمنح أحدكم أرضه خير من أن يأخذ عليها خرَجًا معلومًا) وفي اللفظ الآخر: (لأن يمنح أحدكم أخاه أرضه خير له من أن يأخذ عليه كذا وكذا - لشيء معلوم -). وقوله: (لم ينه) أي: لم ينه (٢) عنه نهي تحريم، بل نهي تنزيه، على ما تقرر.
الفريق الثاني: هو مالك وأصحابه. فالمشهور من مذهبه: أنه لا يجوز كراؤها بشيء من الطعام كان؛ مما تُنبته، أو مما لا تنبته؛ كالعسل واللبن وغيرهما، ولا بشيء مما تنبته ما عدا القصب والخشب. وقال ابن كنانة: لا تكرى بشيء إن أعيد فيها نبت، ولا بأس أن تكرى بغير ذلك. وبه قال يحيى بن يحيى،
стр. 2420
[١٦٣٠] وعنه قَالَ: كُنَّا فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ نَأخُذُ الأَرضَ بِالثُّلُثِ أَو الرُّبُعِ بِالمَاذِيَانَاتِ، فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي ذَلِكَ فَقَالَ: مَن كَانَت لَهُ أَرضٌ. وذكر نحو ما تقدم.
وفي أخرى: قَالَ: كُنَّا نُخَابِرُ عَلَى عَهدِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَنُصِيبُ مِن
ــ
وقال: إنه من قول مالك. وقال ابن نافع: تكرى بجميع الأشياء كلها؛ ما أكل منها وما لم يؤكل؛ خرج منها، أو لم يخرج؛ إذا كان ما تكرى به بخلاف ما يزرع فيها، وكأن مالكا ﵀ جمع بين الأدلة، فحمل أحاديث النهي على كرائها بالطعام أو بما تنبت. وأدلة الإباحة على ما عدا ذلك، وفهم: أن علة المنع: الرِّبا. وذلك: أن الأرض تكرى ليخرج منها الطعام، فجعل لها حكم الطعام، فلا يجوز أن تكرى بطعام؛ لأنه يضارع طعامًا بطعام إلى أجل. وقد شهد بصحة ما رآه ما جاء في بعض ألفاظ حديث رافع بن خديج؛ فيما خرَّجه أبو داود: أنه زرع أرضًا فمرَّ به النبي ﷺ وهو يسقيها، فسأله: (لمن الزرع؟ ولمن الأرض؟ ) فقال: زرعي بيدي وعملي، لي الشطر، ولبني فلان الشطر. فقال: (أربيتما، فرُدَّ الأرض إلى أهلها، وخذ نفقتك) (١). وهذا صريح: في أن ذلك من باب الربا وجهته. وهذا في الطعام واضح. وأما فيما ليس بطعام مما تنبته فسدٌ للذريعة على أصله، والله تعالى أعلم. وهذا القدر كاف. وقد كتبنا في هذه المسألة جزءًا حسنا.
و(قوله: كنا نأخذ الأرض بالثلث والربع في الماذيانات) الماذيانات معروفة - بكسر الذال-، وقد فتحت وليست عربية، ولكنها سوادية. قاله الإمام. وهي: مسايل الماء. والمراد بها ها هنا: ما ينبت على شطوط الجداول، ومسايل الماء. وهو من باب تسمية الشيء باسم غيره إذا كان مجاورًا له أو كان منه بسبب.
و(أقبال الجداول) - بفتح الهمزة -: أوائلها. و (الجداول): السواقي.