لَحِقَ بِأَهلِ الكِتَابِ، قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَد كَانَ يَكتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأُعجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَن قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِم، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ، فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنبُوذًا.
رواه أحمد (٣/ ٢٢٢)، والبخاريُّ (٣٦١٧)، ومسلم (٢٧٨١).
[٢٩١٩] وعَن جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُربَ المَدِينَةِ هَاجَت رِيحٌ تَكَادُ أَن تَدفِنَ الرَّاكِبَ، فزعم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بُعِثَت هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوتِ مُنَافِقٍ، قال: فقدم المدينة فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِن المُنَافِقِينَ قَد مَاتَ.
رواه مسلم (٢٧٨٢).
[٢٩٢٠] وعن إياس قال: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عُدنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَوعُوكًا، قَالَ: فَوَضَعتُ يَدِي عَلَيهِ فَقُلتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيتُ كَاليَومِ
ــ
و(قوله: فما لبث أن قصم الله عنقه) أي: ما طال مقامه حتى أهلكه الله. وواروه: غطوه. ونبذته: ألقته وأخرجته. ومنبوذا: مطروحا على وجه الأرض. وإنما أظهر الله تلك الآية في هذا المرتد، ليوضح حجَّة نبيه ﷺ لليهود عيانا، وليقيم لهم على ضلالة من خالف دينه برهانا، وليزداد الذين آمنوا يقينا وإيمانا.
و(قوله: هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب) أي: هبت ريح شديدة تحمل معها التراب والرمل لشدتها، حتى لو عارضها راكب على بعيره لدفنته بما تسفي (١)
стр. 4412
رَجُلًا أَشَدَّ حَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخبِرُكُم بِأَشَدَّ حَرًّا مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ؟ هَذَينِكَ الرَّجُلَينِ الرَّاكِبَينِ المُقَفِّيَينِ. لِرَجُلَينِ حِينَئِذٍ مِن أَصحَابِهِ.
رواه مسلم (٢٧٨٣).
* * *
(٣٠) ومن سورة التحريم
[٢٩٢١] عن عبد الله بن عباس قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ
ــ
عليه من التراب والرمل. وكأن هذه الريح إنما هاجت عند موت ذلك المنافق العظيم ليعذب بها، أو جعلها الله علامة لنبيه ﷺ على موت ذلك المنافق، وأنه مات على النفاق، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ألا أخبركم بأشد حرا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين) الرواية بخفض (هذينك) على البدل من (أشد)، وهو بدل المعرفة من النكرة، وما بعد (هذينك) نعوت له. ومعنى المقفيين: الموليان أقفيتهما.
و(قوله لرجلين حينئذ من أصحابه) إنما نسبهما الراوي لأصحاب النبي ﷺ ؛ لأنَّهما كانا في غمارهم ودخلا بحكم ظاهرهما في دينهم، والعليم الخبير يعلم ما تُجنّه الصدور، وما يختلج في الضمير، فأعلم الله تعالى نبيه ﷺ بخبث بواطنهما وبسوء عاقبتهما، فارتفع اسم الصحبة، وصدق اسم العداوة والبغضاء.
(٣٠) ومن سورة التحريم
حديث ابن عباس هذا قد تقدَّم في الإيلاء، لكن بطريق غير هذا، وألفاظ تخالف هذا؛ فلذلك كررناه في المختصر.
وَقَلَّمَا تَكَلَّمتُ - وَأَحمَدُ اللَّهَ - بِكَلَامٍ، إِلَّا رَجَوتُ أَن يَكُونَ اللَّهُ يُصَدِّقُ قَولِي الَّذِي أَقُولُ، وَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ، آيَةُ التَّخيِيرِ: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِن طَلَّقَكُنَّ أَن يُبدِلَهُ أَزوَاجًا خَيرًا مِنكُنَّ﴾، ﴿وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَولاهُ وَجِبرِيلُ وَصَالِحُ المُؤمِنِينَ وَالمَلائِكَةُ بَعدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ﴾
وَكَانَت عَائِشَةُ بِنتُ أَبِي بَكرٍ وَحَفصَةُ تَظَاهَرَانِ عَلَى سَائِرِ نِسَاءِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَطَلَّقتَهُنَّ؟ قَالَ: لَا، قُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي دَخَلتُ المَسجِدَ وَالمُسلِمُونَ يَنكُتُونَ بِالحَصَى يَقُولُونَ: طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ، فَأَنزِلُ فَأُخبِرَهُم أَنَّكَ لَم تُطَلِّقهُنَّ؟ قَالَ: نَعَم إِن شِئتَ، فَلَم أَزَل أُحَدِّثُهُ حَتَّى تَحَسَّرَ الغَضَبُ عَن وَجهِهِ، وَحَتَّى كَشَرَ فَضَحِكَ، وَكَانَ مِن أَحسَنِ النَّاسِ ثَغرًا، ثُمَّ نَزَلَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ ، فَنَزَلتُ أَتَشَبَّثُ بِالجِذعِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ كَأَنَّمَا يَمشِي عَلَى الأَرضِ، مَا يَمَسُّهُ بِيَدِهِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا كُنتَ فِي الغُرفَةِ تِسعَةً وَعِشرِينَ، قَالَ: إِنَّ الشَّهرَ يَكُونُ تِسعًا وَعِشرِينَ، فَقُمتُ عَلَى بَابِ المَسجِدِ فَنَادَيتُ بِأَعلَى صَوتِي: لَم يُطَلِّق رَسُولُ اللَّهِ ﷺ نِسَاءَهُ،
ــ
و(قوله: قل ما تكلمت - وأحمد الله - بكلام إلا رجوت أن يكون الله يصدق الذي أقول) قد شهد له بهذا النبي ﷺ حيث قال: إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه (١).
و(قوله: فلم أزل أحدثه حتى تحسر الغضب عن وجهه) أي: انكشف الغضب. وكشر: كشف عن أسنانه ليضحك، فضحك، وقد سبق القول على ما في هذا الحديث مما يُحتاج إلى التنبيه عليه في النكاح والإيلاء.
стр. 4416
وَنَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَو رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الأَمرِ مِنهُم لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَستَنبِطُونَهُ مِنهُم﴾ فَكُنتُ أَنَا أستنبط ذَلِكَ الأَمرَ، فَأَنزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّخيِيرِ.
رواه مسلم (١٤٧٩)(٣٠).
* * *
(٣١) ومن سورة الجن
[٢٩٢٢] عَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: مَا قَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الجِنِّ وَمَا رَآهُم، انطَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِي طَائِفَةٍ مِن أَصحَابِهِ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ
ــ
و(قوله: ونزلت هذه الآية: ﴿وَإِذَا جَاءَهُم أَمرٌ مِنَ الأَمنِ أَوِ الخَوفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾. ظاهر هذا أن هذه الآية نزلت بسبب هذه القضية لأجل استنباط عمر ﵁ ما استنبط فيما وقع له فيها ووافقه الله تعالى على ما وقع له، فأنزل القرآن على نحو ذلك. والاستنباط: الاستخراج، وقد تقدَّم. وأذاعوا به: أفشوه، يقال: ذاع الحديث يذيع ذيعا وذُيوعا، أي: انتشر، وأذاعه غيره: إذا أفشاه، ويقال: ذاع به، بمعناه. وأولو الأمر: العلماء في قول قتادة وغيره. وفي الآية من الفقه وجوب الرجوع إلى أقوال العلماء على من لا يحسن فهم الأحكام واستنباطها. قال الحسن: هي في الضعفاء أُمروا أن يستخرجوا العلم من الفقهاء والعلماء. وقال قتادة: نزلت هذه الآية في المنافقين، كانوا يشيعون ما يهم به رسول الله ﷺ من أمن من أراد تأمينه، وإغزاء من أراد غزوه؛ إرادة الإفساد.
(٣١) ومن سورة الجن
(قول ابن عباس ﵄: ما قرأ رسول الله ﷺ على الجن ولا رآهم) يعني: لم يقصدهم بالقراءة عليهم، وإنما قرأ النبي ﷺ في الصلاة
стр. 4417
عُكَاظٍ، وَقَد حِيلَ بَينَ الشَّيَاطِينِ وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرسِلَت عَلَيهِم الشُّهُبُ، فَرَجَعَت الشَّيَاطِينُ إِلَى قَومِهِم فَقَالُوا: مَا لَكُم؟ قَالُوا: حِيلَ بَينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، وَأُرسِلَت عَلَيهِمُ الشُّهُبُ، قَالُوا: مَا ذَاكَ إِلَّا مِن شَيءٍ حَدَثَ، فَاضرِبُوا مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا فَانظُرُوا مَا الَّذِي حَالَ بَينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَانطَلَقُوا يَضرِبُونَ مَشَارِقَ الأَرضِ وَمَغَارِبَهَا، فَمَرَّ النَّفَرُ الَّذِينَ أَخَذُوا نَحوَ تِهَامَةَ وَهُوَ بِنَخلٍ عَامِدِينَ إِلَى سُوقِ عُكَاظٍ، وَهُوَ يُصَلِّي بِأَصحَابِهِ صَلَاةَ الفَجرِ، فَلَمَّا سَمِعُوا القُرآنَ استَمَعُوا لَهُ وَقَالُوا: هَذَا الَّذِي حَالَ بَينَنَا وَبَينَ خَبَرِ السَّمَاءِ، فَرَجَعُوا إِلَى قَومِهِم فَقَالُوا: يَا قَومَنَا إِنَّا سَمِعنَا قُرآنًا عَجَبًا يَهدِي إِلَى الرُّشدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُشرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا، فَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ﷺ : ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ﴾
رواه البخاري (٧٧٣)، ومسلم (٤٤٩)، والترمذيُّ (٣٣٢٣).
ــ
لأصحابه، لكن لما تفرقت الشياطين في الأرض يطلبون السبب الحائل بينهم وبين ما كانوا يسترقون من السمع، صادف هذا النفرُ من الجن النبي ﷺ بسوق عكاظ وهو يصلي بأصحابه، فاستمعوا له، فقالوا ما أخبر الله به عنهم: ﴿قُل أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ استَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الجِنِّ فَقَالُوا إِنَّا سَمِعنَا قُرآنًا عَجَبًا * يَهدِي إِلَى الرُّشدِ فَآمَنَّا بِهِ وَلَن نُشرِكَ بِرَبِّنَا أَحَدًا﴾ وقيل: كان عدد هؤلاء النفر اثني عشر، وقيل: تسعة، وقيل سبعة، وعلى هذا فالنبي ﷺ ما علم باستماع الجن ولا رآهم ولا كلمهم، وإنما أوحى الله تعالى إليه فعلم ذلك لما أنزل عليه القرآن بذلك، وهذا بخلاف حديث ابن مسعود، فإن مقتضاه أن النبي ﷺ خرج بعبد الله بن مسعود (١) معه، فجاءه داعي الجن فانطلق النبي ﷺ نحو حراء، فقرأ عليهم القرآن، فآمنوا وأسلموا،
стр. 4418
[٢٩٢٣] وعن علقمة، قال: سألت ابن مسعود: هَل شَهِدَ أَحَدٌ مِنكُم مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لَيلَةَ الجِنِّ؟ قَالَ: لَا، وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ذَاتَ لَيلَةٍ، فَفَقَدنَاهُ، فَالتَمَسنَاهُ فِي الأَودِيَةِ وَالشِّعَابِ، فَقُلنَا: استُطِيرَ أَو اغتِيلَ، قَالَ: فَبِتنَا بِشَرِّ لَيلَةٍ بَاتَ بِهَا قَومٌ، فَلَمَّا أَصبَحنَا إِذَا هُوَ جَاءٍ مِن قِبَلَ حِرَاءٍ، قَالَ: فَقُلنَا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدنَاكَ فَطَلَبنَاكَ فَلَم نَجِدكَ، فَبِتنَا بِشَرِّ لَيلَةٍ بَاتَ بِهَا قَومٌ، فَقَالَ: أَتَانِي دَاعِي الجِنِّ فَذَهَبتُ مَعَهُ فَقَرَأتُ عَلَيهِم
ــ
فهذه قضية أخرى، وجن آخرون. والحاصل من الكتاب والسنة: العلم القطعي بأن الجن والشياطين موجودون متعبَّدون بالأحكام الشرعية على النحو الذي يليق بخلقتهم وأحوالهم، وأن نبينا محمدا ﷺ رسول إلى الإنس والجن أجمعين، فمن دخل في دينه وآمن به، فهو من المؤمنين، ومعهم في الدنيا والآخرة. والجنة مستقر المؤمنين، ومن كذبه وصد عنه فهو الشيطان المبعد عن المؤمنين في الدنيا والآخرة، والنار مستقر الكافرين أبد الآبدين. وظاهر هذا الحديث يقتضي: أن رجم الشياطين بالنجوم إنما صدر عند بعث النبي ﷺ ، وكذلك روى الترمذي عن ابن عباس ﵄ قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعا، فلما بعث الرسول ﷺ ، مُنعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يُرمى بها قبل ذلك (١)، وذكر نحو ما تقدَّم لمسلم (٢). وقد تقدَّم في آخر كتاب الطب من حديث ابن عباس (٣) ﵄ عن النبي ﷺ أنها كانت يُرمى بها في الجاهلية، وقد اختلف الناس في ذلك لاختلاف هذين الحديثين، فذهبت طائفة - منهم الجاحظ - إلى أن الرجم لم يكن قبل مبعث النبي ﷺ ، وقالت طائفة، منهم الغزالي: كان يُرمى بها،
стр. 4419
القُرآنَ، قَالَ: فَانطَلَقَ بِنَا فَأَرَانَا آثَارَهُم وَآثَارَ نِيرَانِهِم، وَسَأَلُوهُ الزَّادَ، فَقَالَ: لَكُم كُلُّ عَظمٍ ذُكِرَ اسمُ اللَّهِ عَلَيهِ، يَقَعُ فِي أَيدِيكُم أَوفَرَ مَا يَكُونُ لَحمًا، وَكُلُّ بَعرَةٍ عَلَفٌ لِدَوَابِّكُم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : فَلَا تَستَنجُوا بِهِمَا؛ فَإِنَّهُمَا طَعَامُ إِخوَانِكُم.
رواه مسلم (٤٥٠)(١٥٠)، وأبو داود (٨٥)، والترمذيُّ (١٨).
ــ
ولكنه يزيد عند المبعث، وبهذا القول يرتفع التعارض بين الحديثين. وقول عبد الله بن مسعود ﵁ أنه لم يشهد ليلة الجن مع رسول الله ﷺ أحد، هو أصح من الحديث الذي يحتج به الحنفيون، مما روي عن ابن مسعود أنه كان مع النبي ﷺ ، وأنه خط عليه خطأ وقال: لا تبرح حتى آتيك فذهب في سواد الليل ثم جاءه فقال: ما في إداوتك، فقال: نبيذ، فقال: تمرة طيبة وماء طهور (١)، ثم أخبره خبر الجن؛ لأنَّ إسناده مجهول على ما قاله أهل الحديث. واستطير: أي استطيل، وأصله من استطال الفجر: إذا انتشر وطال. واغتيل: إذا هُجم عليه بالمكروه أو القتل. وحراء: جبل معروف بمكة، وهو ممدود مهموز.
و(قوله: وسألوه الزاد) أي: ما يحل لهم من الزاد ولدوابهم، فأجابهم بقوله: لكم كل عظم، وكل بعرة لعلف دوابكم أي: هذان محلل لكم، ويحتمل أن يكونوا سألوه أن يدعو لهم بالبركة في أرزاقهم، وفي علف دوابهم، ويدل على هذا قوله: يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما، وفي كتاب مسلم، قال رسول الله ﷺ : دعوت الله ألا يمروا بعظم إلا وجدوه أوفر ما كان وأسمنه (٢) أي بالنسبة إلى تغذيهم ونَيلهم. وهل نَيلهم من ذلك شَم أو لَحس؟ كل ذلك ممكن، وقد قيل بكل واحد منهما.
و(قوله: ذكر اسم الله عليه) أي: على تذكيته، ويحتمل على أكله،
стр. 4420
[٢٩٢٤] وعن ابن مسعود قال: آذنت النبي ﷺ بهم شجرة.
رواه مسلم (٤٥٠)(١٥٣).
* * *
(٣٢) ومن سورة المدثر
[٢٩٢٥] عن سلمة قال: سألت جابر بن عبد الله: أَيُّ القُرآنِ أُنزِلَ قَبلُ؟ قَالَ: ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ﴾ قُلتُ: أَو اقرَأ؟ قَالَ جَابِرٌ: أُحَدِّثُكُم مَا حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: جَاوَرتُ بِحِرَاءٍ شَهرًا، فَلَمَّا قَضَيتُ جِوَارِي نَزَلتُ فَاستَبطَنتُ بَطنَ الوَادِي، فَنُودِيتُ، فَنَظَرتُ أَمَامِي وَخَلفِي وَعَن يَمِينِي وَعَن شِمَالِي، فَلَم أَرَ أَحَدًا، ثُمَّ نُودِيتُ فَرَفَعتُ رَأسِي فَإِذَا هُوَ عَلَى العَرشِ فِي الهَوَاءِ - يَعنِي جِبرِيلَ ﵇ فَأَخَذَتنِي رَجفَةٌ شَدِيدَةٌ
ــ
والأول أولى، وقد تقدَّم القول في الاستنجاء بالعظام والروث في الطهارة.
و(قوله: آذنت النبي ﷺ ليلة الجن بهم شجرة) أي: أعلمته بهم، وظاهره: أن الله تعالى خلق فيها نُطقا فهمه النبي ﷺ ، كما خلق في الذراع المسمومة نُطقا.
(٣٢) ومن سورة المدثر
قد تقدم القول فيما أنزل من القرآن أولا، في حديث عائشة ﵂ وتبين هناك أن الأخذ بحديثها أولى؛ لأنها زادت على جابر بذكر ما سكت عنه من حديث لقاء جبريل النبي في الغار، وإلقائه إليه: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾ على ما ذكرته عائشة، وقد دل على هذا أن حديث جابر قال فيه: فرفعت رأسي، فإذا الملك الذي جاءني بحراء.
قد تقدَّم القول على فجئثت في الإيمان. والمدثر: المدثر في ثيابه.
стр. 4421
فَأَتَيتُ خَدِيجَةَ فَقُلتُ: دَثِّرُونِي، فَدَثَّرُونِي، فَصَبُّوا عَلَيَّ مَاءً، فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿يَا أَيُّهَا المُدَّثِّرُ * قُم فَأَنذِر * وَرَبَّكَ فَكَبِّر * وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾
وفي رواية: فَبَينَا أَنَا أَمشِي سَمِعتُ صَوتًا مِن السَّمَاءِ، فَرَفَعتُ رَأسِي، فَإِذَا المَلَكُ الَّذِي جَاءَنِي بِحِرَاءٍ جَالِسًا عَلَى كُرسِيٍّ بَينَ السَّمَاءِ وَالأَرضِ، فَجُئِثتُ مِنهُ فَرَقًا، فَرَجَعتُ فَقُلتُ: زَمِّلُونِي. . . الحديث.
وفي أخرى: فجُئثت منه فَرَقا حتى هويت إلى الأرض.
رواه أحمد (٣/ ٣٠٦)، والبخاريّ (٤٩٢٣)، ومسلم (١٦١) (٢٥٥ و ٢٥٧)، والترمذي (٣٣٢٥).
* * *
(٣٣) ومن سورة القيامة
[٢٩٢٦] عَن ابنِ عَبَّاسٍ فِي قَولِهِ تعالى: ﴿لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ﴾ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا نَزَلَ عَلَيهِ جِبرِيلُ بِالوَحيِ، كَانَ مِمَّا يُحَرِّكُ بِهِ لِسَانَهُ وَشَفَتَيهِ، فَيَشتَدُّ عَلَيهِ، فَكَانَ ذَلِكَ يُعرَفُ مِنهُ، فَأَنزَلَ اللَّهُ: ﴿لا تُحَرِّك بِهِ لِسَانَكَ لِتَعجَلَ بِهِ﴾ أَخذَهُ، ﴿إِنَّ عَلَينَا جَمعَهُ وَقُرآنَهُ﴾
ــ
و(قوله: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّر﴾ حجة لمن قال بوجوب غسل النجاسة؛ إذ الأصل حمل الثياب والطهارة على الحقيقة اللغوية، ويحتمل أن يكون ذلك كناية عن طهارة القلب عن مذموم الأخلاق، كما قال الشاعر:
ثياب بني عوف طهارى نقية (١) ... . . . . . . . . . . . .
стр. 4422
إِنَّ عَلَينَا أَن نَجمَعَهُ فِي صَدرِكَ وَقُرآنَهُ فَتَقرَؤُهُ، ﴿فَإِذَا قَرَأنَاهُ فَاتَّبِع قُرآنَهُ﴾ قَالَ: أَنزَلنَا فَاستَمِع لَهُ ﴿إِنَّ عَلَينَا بَيَانَهُ﴾ أَن نُبَيِّنَهُ بِلِسَانِكَ، فَكَانَ إِذَا أَتَاهُ جِبرِيلُ أَطرَقَ، فَإِذَا ذَهَبَ قَرَأَهُ كَمَا وَعَدَهُ اللَّهُ.
رواه البخاريُّ (٤٩٢٨)، ومسلم (٤٤٨)(١٤٧)، والترمذي (٣٣٢٦)، والنسائي (٢/ ١٤٩).
* * *
(٣٤) ومن سورة الأخدود
[٢٩٢٧] عَن صُهَيبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: كَانَ مَلِكٌ فِيمَن كَانَ قَبلَكُم، وَكَانَ لَهُ سَاحِرٌ، فَلَمَّا كَبِرَ قَالَ لِلمَلِكِ: إِنِّي قَد كَبِرتُ فَابعَث إِلَيَّ غُلَامًا أُعَلِّمهُ السِّحرَ، فَبَعَثَ إِلَيهِ غُلَامًا يُعَلِّمُهُ، فَكَانَ فِي طَرِيقِهِ - إِذَا سَلَكَ - رَاهِبٌ، فَقَعَدَ إِلَيهِ وَسَمِعَ كَلَامَهُ فَأَعجَبَهُ، فَكَانَ إِذَا أَتى السَّاحِرَ مَرَّ بِالرَّاهِبِ وَقَعَدَ إِلَيهِ، فَإِذَا أَتَى السَّاحِرَ ضَرَبَهُ، فَشَكَا ذَلِكَ إِلَى الرَّاهِبِ، فَقَالَ: إِذَا خَشِيتَ السَّاحِرَ فَقُل: حَبَسَنِي أَهلِي، وَإِذَا خَشِيتَ أَهلَكَ فَقُل:
ــ
والرُّجز: الأوثان، سماها بذلك لاستحقاق عابديها الرِّجز، وهو العذاب. كقوله: ﴿وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيهِمُ الرِّجزُ﴾ واهجر: اترك. ولربك فاصبر: أي على ما تلقاه من الأذى والتكذيب عند الإنذار.
(٣٣ (١) و ٣٤) ومن سورة الأخدود
(قول الراهب للغلام: إذا خشيت الساحر فقل: حبسني أهلي) دليل على إجازة الكذب لمصلحة الدين، ووجه التمسك بهذا أن نبينا ﷺ ذكر هذا الحديث
стр. 4423
حَبَسَنِي السَّاحِرُ، فَبَينَمَا هُوَ كَذَلِكَ إِذ أَتَى عَلَى دَابَّةٍ عَظِيمَةٍ قَد حَبَسَت النَّاسَ، فَقَالَ: اليَومَ أَعلَمُ آلسَّاحِرُ أَفضَلُ أَم الرَّاهِبُ أَفضَلُ، فَأَخَذَ حَجَرًا فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِن كَانَ الرَّاهِبِ أَحَبَّ إِلَيكَ مِن السَّاحِرِ فَاقتُل هَذِهِ الدَّابَّةَ حَتَّى يَمضِيَ النَّاسُ، فَرَمَاهَا فَقَتَلَهَا وَمَضَى النَّاسُ، فَأَتَى الرَّاهِبَ فَأَخبَرَهُ فَقَالَ لَهُ الرَّاهِبُ: أَي بُنَيَّ أَنتَ اليَومَ أَفضَلُ مِنِّي، قَد بَلَغَ مِن أَمرِكَ مَا أَرَى، وَإِنَّكَ سَتُبتَلَى، فَإِن ابتُلِيتَ فَلَا تَدُلَّ عَلَيَّ، وَكَانَ الغُلَامُ يُبرِئُ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَيُدَاوِي النَّاسَ مِن سَائِرِ الأَدوَاءِ، فَسَمِعَ جَلِيسٌ لِلمَلِكِ كَانَ قَد عَمِيَ فَأَتَاهُ بِهَدَايَا كَثِيرَةٍ فَقَالَ: مَا هَاهُنَا لَكَ أَجمَعُ إِن أَنتَ شَفَيتَنِي، قَالَ: إِنِّي لَا أَشفِي أَحَدًا إِنَّمَا يَشفِي اللَّهُ، فَإِن آمَنتَ بِاللَّهِ دَعَوتُ
ــ
كله في معرض الثناء على الراهب والغلام على جهة الاستحسان لما صدر عنهما، فلو كان شيء مما صدر عنهما من أفعالهما محرما أو غير جائز في شرعه، لبينه لأمته، ولاستثناه من جملة ما صدر عنهما، ولم يفعل ذلك. فكل ما أخبر به عنهما حجَّة ومسوغ الفعل.
فإن قيل: كيف يجوز في شرعنا ما فعل الغلام من دلالته على الراهب للقتل، ومن إرشاده إلى كيفية قتل نفسه؟ فالجواب من وجهين:
أحدهما: أن الغلام غير مكلف؛ لأنَّه لم يبلغ الحلم، ولو سلم أنه مكلف لكان العذر عن ذلك أنه لم يعلم أن الراهب يُقتل، فلا يلزم من دلالته عليه قتله. وعن معونته على قتل نفسه: أنه لما غلب على ظنه أنه مقتول ولا بد، أو علم بما جعل الله في قلبه، أرشدهم إلى طريق يظهر الله بها كرامته وصحة الدين الذي كانا عليه، ليُسلم الناس، وليدينوا دين الحق عند مشاهدة ذلك، كما كان. وقد أسلم عثمان ﵁ نفسه عند علمه بأنه يقتل - ولا بد - بما أخبر النبي ﷺ كما بيناه.
стр. 4424
اللَّهَ فَشَفَاكَ، فَآمَنَ بِاللَّهِ فَشَفَاهُ اللَّهُ، فَأَتَى المَلِكَ فَجَلَسَ إِلَيهِ كَمَا كَانَ يَجلِسُ فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَن رَدَّ عَلَيكَ بَصَرَكَ؟ قَالَ: رَبِّي، قَالَ: وَلَكَ رَبٌّ غَيرِي؟ قَالَ: رَبِّي وَرَبُّكَ اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَم يَزَل يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الغُلَامِ، فَجِيءَ بِالغُلَامِ فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: أَي بُنَيَّ قَد بَلَغَ مِن سِحرِكَ مَا تُبرِئُ الأَكمَهَ وَالأَبرَصَ وَتَفعَلُ وَتَفعَلُ؟ قَالَ: إِنِّي لَا أَشفِي أَحَدًا، إِنَّمَا يَشفِي اللَّهُ، فَأَخَذَهُ فَلَم يَزَل يُعَذِّبُهُ حَتَّى دَلَّ عَلَى الرَّاهِبِ، فَجِيءَ بِالرَّاهِبِ فَقِيلَ لَهُ: ارجِع عَن دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَعَا بِالمِئشَارِ فَوَضَعَ المِئشَارَ فِي مَفرِقِ رَأسِهِ فَشَقَّهُ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِجَلِيسِ المَلِكِ فَقِيلَ لَهُ: ارجِع عَن
ــ
وهذا الحديث كله إنما ذكره النبي ﷺ لأصحابه، ليصبروا على ما يلقون من الأذى والآلام والمشقات التي كانوا عليها؛ ليتأسوا بمثل هذا الغلام في صبره وتصلبه في الحق وتمسكه به، وبذله نفسه في حق إظهار دعوته، ودخول الناس في الدين مع صغر سنه وعظيم صبره، وكذلك الراهب صبر على التمسك بالحق حتى نُشر بالمئشار، وكذلك كثير من الناس لما آمنوا بالله تعالى ورسخ الإيمان في قلوبهم، صبروا على الطرح في النار، ولم يرجعوا عن دينهم، وهذا كله فوق ما كان يُفعل بمن آمن من أصحاب النبي ﷺ ، فإنَّه لم يكن فيهم من فُعل به شيء من ذلك؛ لكفاية الله تعالى لهم، ولأنه تعالى أراد إعزاز دينه وإظهار كلمته. على أني أقول: إن محمدا ﷺ أقوى الأنبياء في الله، وأصحابه أقوى أصحاب الأنبياء في الله تعالى، فقد امتُحن كثير منهم بالقتل وبالصلب وبالتعذيب الشديد، ولم يلتفت إلى شيء من ذلك، وتكفيك قصة عاصم وخبيب وأصحابهما، وما لقي أصحابه من الحروب، والمحن، والأسر، والحرق، وغير ذلك، فلقد بذلوا في الله نفوسهم وأموالهم، وفارقوا ديارهم وأولادهم، حتى أظهروا دين الله، ووفوا بما عاهدوا عليه الله، فجازاهم الله أفضل الجزاء، ووفاهم من أجر من دخل في الإسلام بسببهم أفضل الإجزاء.
стр. 4425
دِينِكَ، فَأَبَى، فَوَضَعَ المِئشَارَ فِي مَفرِقِ رَأسِهِ فَشَقَّهُ بِهِ حَتَّى وَقَعَ شِقَّاهُ، ثُمَّ جِيءَ بِالغُلَامِ فَقِيلَ لَهُ: ارجِع عَن دِينِكَ، فَأَبَى، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: اذهَبُوا بِهِ إِلَى جَبَلِ كَذَا وَكَذَا، فَاصعَدُوا بِهِ الجَبَلَ فَإِذَا بَلَغتُم بِهِ ذُروَتَهُ، فَإِن رَجَعَ عَن دِينِهِ وَإِلَّا فَاطرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَصَعِدُوا بِهِ الجَبَلَ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفِنِيهِم بِمَا شِئتَ، فَرَجَفَ بِهِم الجَبَلُ، فَسَقَطُوا وَجَاءَ يَمشِي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ لَهُ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَدَفَعَهُ إِلَى نَفَرٍ مِن أَصحَابِهِ فَقَالَ: اذهَبُوا بِهِ فَاحمِلُوهُ على قُرقُورٍ، فَتَوَسَّطُوا بِهِ البَحرَ، فَإِن رَجَعَ عَن دِينِهِ وَإِلَّا فَاطرَحُوهُ، فَذَهَبُوا بِهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ اكفِنِيهِم بِمَا شِئتَ، فَانكَفَأَت بِهِم السَّفِينَةُ، فَغَرِقُوا وَجَاءَ يَمشِي إِلَى المَلِكِ، فَقَالَ المَلِكُ: مَا فَعَلَ أَصحَابُكَ؟ قَالَ: كَفَانِيهِمُ اللَّهُ، فَقَالَ لِلمَلِكِ: إِنَّكَ لَستَ بِقَاتِلِي حَتَّى تَفعَلَ مَا آمُرُكَ بِهِ، قَالَ: وَمَا هُوَ؟ قَالَ:
ــ
وقد تقدَّم أن المئشار يقال بالنون وبالياء المهموزة، وهي الأفصح، وقد تُسهل همزتها. والدابة العظيمة، كانت أسدا، كما جاء في حديث آخر. والقُرقُور - بضم القافين - هو السفينة الكبيرة. قاله الهروي، وقد أُنكر هذا عليه. وقيل: إن السفن الكبار لا تستعمل في مثله.
قلت: وهذا إنكار ينبغي أن يُنكر، فلعل هذا الملك قصد إلى أعظم السفن حتى يتوسط البحر بهذا الغلام ليلقوه في أبعده عنه، أو لعله جعل معه في السفينة من يملؤها أو ما يملؤها، والمرجع فيه إلى أهل اللغة. وقد قال ابن دريد في الجمهرة: القرقور: ضرب من السفن، عربي معروف، والمعروف عند الناس فيه استعماله فيما صغر منها، وخف للتصرف فيه.
و(قوله: فرجف بهم الجبل) أي: تحرك، وتزلزل بهم. وخد الأخدود؛ أي: حفر في الأرض شقا مستطيلا عظيما، ويجمع: أخاديد.
стр. 4426
تَجمَعُ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَتَصلُبُنِي عَلَى جِذعٍ، ثُمَّ خُذ سَهمًا مِن كِنَانَتِي، ثُمَّ ضَع السَّهمَ فِي كَبِدِ القَوسِ، ثُمَّ قُل: بِاسمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ ارمِنِي؛ فَإِنَّكَ إِذَا فَعَلتَ ذَلِكَ قَتَلتَنِي، فَجَمَعَ النَّاسَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ وَصَلَبَهُ عَلَى جِذعٍ، ثُمَّ أَخَذَ سَهمًا مِن كِنَانَتِهِ ثُمَّ وَضَعَ السَّهمَ فِي كَبدِ القَوسِ ثُمَّ قَالَ: بِاسمِ اللَّهِ رَبِّ الغُلَامِ، ثُمَّ رَمَاهُ فَوَقَعَ السَّهمُ فِي صُدغِهِ، فَوَضَعَ يَدَهُ فِي صُدغِهِ فِي مَوضِعِ السَّهمِ فَمَاتَ، فَقَالَ النَّاسُ: آمَنَّا بِرَبِّ الغُلَامِ، آمَنَّا بِرَبِّ الغُلَامِ، ، فَأُتِيَ المَلِكُ فَقِيلَ لَهُ: أَرَأَيتَ مَا كُنتَ تَحذَرُ؟ قَد وَاللَّهِ نَزَلَ بِكَ حَذَرُكَ، قَد آمَنَ النَّاسُ، فَأَمَرَ بِالأُخدُودِ بِأَفوَاهِ السِّكَكِ فَخُدَّت وَأَضرَمَ النِّيرَانَ وَقَالَ: مَن لَم يَرجِع عَن دِينِهِ فَأَحمُوهُ فِيهَا، أَو قِيلَ لَهُ: اقتَحِم. فَفَعَلُوا حَتَّى جَاءَت امرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيٌّ لَهَا، فَتَقَاعَسَت أَن تَقَعَ فِيهَا فَقَالَ لَهَا الغُلَامُ: يَا أُمَّه اصبِرِي فَإِنَّكِ عَلَى الحَقِّ.
رواه أحمد (٦/ ١٧)، ومسلم (٣٠٠٥)، والترمذي (٣٣٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٦٦١).
* * *
ــ
و(قوله: فأحموه فيها، أو قيل: اقتحم) هذا شك من بعض الرواة، فأحموه فيها، معناه: ألقوه فيها وأدخلوه إياها. يقال: أحميت الحديد والشيء في النار: إذا أدخلته فيها. قال القاضي أبو الفضل: واقتحم: ادخل على كُره ومشقة.
و(قوله: فتقاعست) أي: تأخرت وامتنعت، وقد أظهر الله لهذا الملك الجبار الظالم من الآيات والبينات ما يدلّ على القطع والثبات أن الراهب والغلام على الدين الحق، والمنهج الصدق، لكن من حُرم التوفيق استدبر الطريق. وفي هذا الحديث إثبات كرامات الأولياء، وقد تقدَّم القول فيها.
стр. 4427
(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها
[٢٩٢٨] عَن عَبدِ اللَّهِ بنِ زَمعَةَ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَذَكَرَ النَّاقَةَ، وَذَكَرَ الَّذِي عَقَرَهَا فَقَالَ: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشقَاهَا﴾ انبَعَثَ بِهَا رَجُلٌ عَزِيزٌ عَارِمٌ مَنِيعٌ فِي رَهطِهِ، مِثلُ أَبِي زَمعَةَ. ثُمَّ ذَكَرَ النِّسَاءَ فَوَعَظَ فِيهِنَّ ثُمَّ قَالَ: إِلَامَ يَجلِدُ أَحَدُكُم امرَأَتَهُ.
ــ
(٣٥) ومن سورة الشمس وضحاها
(قوله: ﴿إِذِ انبَعَثَ أَشقَاهَا﴾ أي: قام مسرعا. وضمير المؤنث عائد على ثمود، وهي مؤنثة؛ لأنَّها قُصد بها قصد قبيلة، ولذلك مع التعريف لم تصرف. والعزيز: القليل المثل، ويكون بمعنى الغالب. والعارم: الجبار الصعب على من يرومه، والممتنع بسلطانه وعشيرته. وأبو زمعة هذا يحتمل أن يكون هو الذي قال فيه أبو عمر: أنه بلويٌّ، صحابي ممن بايع تحت الشجرة، وتوفي بإفريقية في غزاة معاوية بن خديج الأولى، ودفن بالبلوية بالقيروان.
قلت: فإن كان هو هذا؛ فإنَّه إنما شبهه بعاقر الناقة في أنه عزيز في قومه، ومنيع على من يريده من أهل الكفر. ويحتمل أن يريد به غيره ممن يسمى بأبي زمعة، قاله ابن إسحاق وغيره.
و(قوله: إلام يجلد أحدكم امرأته جلد العبد؟ ! ) هذا إنكار على من يجلد زوجته، ويكثر من ذلك حتى يعاملها معاملة الأمة، ثم إنه بعد ذلك باليسير يرجع إلى مضاجعتها، وإلى قضاء شهوته منها، فلا تطاوعه، ولا تتحسن له، وقد تبغضه، وقد يكون هو يحبها، فيفسد حاله، ويتفاقم أمرهما، وتزول الرحمة والمودة التي جعلها الله تعالى بين الأزواج، ويحصل نقيضها، فنبه ﷺ بهذا اللفظ الوجيز على ما يطرأ من ذلك من المفاسد.
стр. 4428
وَفِي رِوَايَة: جَلدَ العَبدِ، وَلَعَلَّهُ يُضَاجِعُهَا مِن آخِرِ يَومِهِ. ثُمَّ وَعَظَهُم فِي ضَحِكِهِم مِن الضَّرطَةِ فَقَالَ: إِلَامَ يَضحَكُ أَحَدُكُم مِمَّا يَفعَلُ؟ .
رواه أحمد (٤/ ١٧)، والبخاريّ (٣٣٧٧)، ومسلم (٢٨٥٥)، والترمذي (٣٣٤٣)، وابن ماجه (١٩٨٣).
* * *
(٣٦) ومن سورة الليل
[٢٩٢٩] عَن عَلقَمَةَ قَالَ: قَدِمنَا الشَّامَ، فَأَتَانَا أَبُو الدَّردَاءِ فَقَالَ: أَفِيكُم أَحَدٌ يَقرَأُ عَلَي قِرَاءَةِ عَبدِ اللَّهِ؟ فَقُلتُ: نَعَم أَنَا، قَالَ: فَكَيفَ سَمِعتَ عَبدَ اللَّهِ يَقرَأُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى﴾ قَالَ: سَمِعتُهُ يَقرَأُ: وَاللَّيلِ إِذَا يَغشَى وَالذَّكَرِ وَالأُنثَى، قَالَ: وَأَنَا وَاللَّهِ هَكَذَا سَمِعتُ
ــ
و(قوله: ثم وعظهم في ضحكهم من الضرطة) أي: نهاهم وزجرهم عن ذلك؛ لأنَّه فعل عادي يستوي فيه الناس كلهم، وإن كان مِمَّا يُستقبح، فحق الإنسان أن يستتر به، فإن غلبه بحيث يسمعه أحد فلا يضحك منه، فإنَّه يتأذى الفاعل بذلك ويخجل منه، وأذى المسلم حرام، فالضحك من الضرطة حرام.
(٣٦) ومن سورة والليل إذا يغشى
قراءة عبد الله بن مسعود وأبي الدرداء ﵄ (والذكر والأنثى) ليست قرآنا، هكذا بإجماع الصحابة والمسلمين بعدهم، واتفاق المصاحف على خلافها، وأن القراءة المتواترة: ﴿وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالأُنثَى﴾ وبقي عبد الله وأبو الدرداء على ما سمعاه، وأبيا أن يقرآ على قراءة الجماعة. وعليهما في ذلك إشكال، وعلى قراءتهما يكون الذكر: هو آدم، والأنثى: حواء، وهو المقسم
стр. 4429
رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقرَؤُهَا، وَلَكِن هَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَن أَقرَأَ: ﴿وَمَا خَلَقَ﴾ فَلَا أُتَابِعُهُم.
رواه أحمد (٦/ ٤٥١)، والبخاريُّ (٤٩٤٣)، ومسلم (٨٢٤)(٢٨٢)، والترمذي (٢٩٣٩).
* * *
(٣٧) ومن سورة الضحى
[٢٩٣٠] عن جندب بن سفيان، قال: أبطأ جبريل عن رسول الله ﷺ فقال المشركون: قد وُدع محمد، فأنزل الله :
ــ
بهما، وعلى قراءة الجماعة: المقسم به: ما خلق، وهو بمعنى الذي، ويعني به الخالق. وقد قيل: يعني بذلك المصدر، فكأنه قال: وخلق الذكر والأنثى، وعلى هذا فيكون الذكر والأنثى يراد به النوع كله، والله تعالى أعلم.
(٣٧) ومن سورة والضحى
(قوله: أبطأ جبريل ﵇ عن رسول الله ﷺ ، فقال المشركون: قد وُدع محمد) هذا إنما كان بمكة في أول الإسلام، وذلك أن المشركين سألوا رسول الله ﷺ عن الخضر، وذي القرنين، والروح، فوعدهم بالجواب إلى غد، ولم يستثنِ، فأبطأ عليه جبريل. قيل: اثنتي عشرة ليلة، وقيل أكثر من ذلك، حتى ضاق صدر النبي ﷺ ، وقال المشركون ذلك القول، فعند ذلك نزل عليه جبريل ﵇ بهذه السورة، وبجواب ما سألوا عنه، وقال له: ﴿وَلا تَقُولَنَّ لِشَيءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا * إِلا أَن يَشَاءَ اللَّهُ﴾ قاله ابن إسحاق وغيره.
стр. 4430
﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
رواه مسلم في الجهاد (١٧٩٧)(١٤).
[٢٩٣١] وعنه قال: اشتكى رسول الله ﷺ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا، فجاءته امرأة فقالت: يا محمد إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك، ولم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث، قال: فأنزل الله : ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيلِ إِذَا سَجَى * مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَى﴾
رواه البخاري (١١٢٤)، ومسلم (١٧٩٧)(١١٥)، والترمذي (٣٣٤٥).
* * *
ــ
و(قول جندب في الرواية الأخرى: إنها نزلت جوابا لمن قالت: تركه شيطانه). لا يعارض بما قاله ابن إسحاق؛ إذ يجوز أن تكون نزلت جوابا لذينك الشيئين، وجوابا لمن قال ذلك كائنا من كان. وقد تقدَّم أن الضحى: صدر النهار. وسجى: أقبل ظلامه. وما ودّعك - مشددا -: هي القراءة المتواترة. أي: ما تركك ترك مودع. وقراءة ابن أبي عبلة: وَدَعَك - مخففا - على الأصل المرفوض كما قدمناه، وذلك أن العرب أماتت ماضيه واسم فاعله، وصيغة مفاضلته، استغناء عنه بـ (ترك)، وقد نُطق بذلك قليلا. والقِلى: البُغض.
* * *
стр. 4431
(٣٨) ومن سورة اقرأ باسم ربك
[٢٩٣٢] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَهلٍ: هَل يُعَفِّرُ مُحَمَّدٌ وَجهَهُ بَينَ أَظهُرِكُم؟ قَالَ: فَقِيلَ: نَعَم، فَقَالَ: وَاللَّاتِ وَالعُزَّى لَئِن رَأَيتُهُ يَفعَلُ ذَلِكَ لَأَطَأَنَّ عَلَى رَقَبَتِهِ، أَو لَأُعَفِّرَنَّ وَجهَهُ فِي التُّرَابِ، قَالَ: فَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي - زَعَمَ - لِيَطَأَ عَلَى رَقَبَتِهِ، قَالَ: فَمَا فَجِئَهُم مِنهُ إِلَّا وَهُوَ يَنكُصُ عَلَى عَقِبَيهِ وَيَتَّقِي بِيَدَيهِ، قَالَ: فَقِيلَ لَهُ: مَا لَكَ؟ فَقَالَ: إِنَّ بَينِي وَبَينَهُ لَخَندَقًا مِن نَارٍ وَهَولًا وَأَجنِحَةً، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : لَو دَنَا
ــ
(٣٨) ومن سورة اقرأ
تعفير الوجه: تتريبه. وينكص على عقبيه: يرجع القهقرى وراءه.
و(قوله تعالى: ﴿اقرَأ بِاسمِ رَبِّكَ﴾ أي: اذكر اسم ربك بالتوحيد والتعظيم. والباء صلة. قاله أبو عبيدة، وقيل عنه: الاسم صلة. أي: بعونه وتوفيقه، وأشبه منهما أن يقال: إن معناه: ابتدئ القراءة ببركة اسم ربك وعونه، وخلق: أي: آدم ﵇ من تراب. وخلق الإنسان من علق: يعني ولده، والعلق: الدم. جمع علقة، وسميت بذلك لتعلقها بما مرت عليه، وأنشدوا:
تركناه يخر على يديه ... يمج عليهما علق الوتين
واقرأ الثاني: توكيد للأول لفظي، ولذلك حسن الوقف عليه. ﴿وَرَبُّكَ الأَكرَمُ﴾ وهو مرفوع بالابتداء، وخبره: علم الإنسان ما لم يعلم، قيل: آدم ﵇ علمه الأسماء كلها. وقال قتادة: هي للجنس، أي: الخط.
قلت: (ما) لإبهامها للعموم؛ إذ لله تعالى علم كل واحد من نوع الإنسان ما لم يكن يعلم، لكن الامتنان إنما يحصل بالعلوم النافعة لا غير، فهي المقصودة بهذا العموم، والله أعلم.
стр. 4432
مِنِّي لَاختَطَفَتهُ المَلَائِكَةُ عُضوًا عُضوًا، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ ، لَا نَدرِي فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيرَةَ، أَو شَيءٌ بَلَغَهُ: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى﴾ إلى ﴿أَرَأَيتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى﴾ يَعنِي أَبَا جَهلٍ، ﴿أَلَم يَعلَم بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى * كَلا لَئِن لَم يَنتَهِ﴾ إلى قوله: ﴿سَنَدعُ الزَّبَانِيَةَ * كَلا لا تُطِعهُ﴾ وقال: وَأَمَرَهُ بِمَا أَمَرَهُ.
ــ
وقد تقدَّم أن أول ما نزل من القرآن من أول هذه السورة إلى آخر هذه الآية، ثم بعد آماد نزل قوله: ﴿كَلا إِنَّ الإِنسَانَ لَيَطغَى﴾ فهذا نمط آخر افتُتح الكلام به، ولذلك قال أبو حاتم: إن (كلا) هنا بمعنى (ألا) التي للاستفتاح. وقال الفراء: إنها تكذيب للمشركين. وقول أبي حاتم أولى. والإنسان هنا: أبو جهل. و (ليطغى) أي: تكبر وارتفع حتى تجاوز المقدار والحد. و (أن رآه استغنى) أي: من أجل استغنائه بماله وشدته، وعشيرته، وعلى هذا فالضمير عائد إلى أبي جهل، أعني: الضمير في (رآه). وقيل: هو عائد على محمد ﷺ ؛ أي: أن أبا جهل طغى وتجاوز الحد في حسده لمحمد ﷺ ، من أن استغنى محمد ﷺ بربه، وبما منحه من فضله عن كل أحد من جميع خلقه.
و(قوله: ﴿إِنَّ إِلَى رَبِّكَ الرُّجعَى﴾ أي: الرجوع إليه يوم القيامة، فيجازي كلا بفعله.
و(قوله: ﴿أَرَأَيتَ الَّذِي يَنهَى * عَبدًا إِذَا صَلَّى﴾ يعني به: أبا جهل، نهى رسول الله ﷺ عن أن يصلي، وقال ما ذكره في الحديث، و (أرأيت) هذه فيها معنى التعجب، فكأنه قال: اعجب من هذا الجاهل الضعيف العقل، كيف ينهى عن عبادة الله تعالى مثل محمد ﷺ .
و(قوله: ﴿أَرَأَيتَ إِن كَانَ عَلَى الهُدَى * أَو أَمَرَ بِالتَّقوَى﴾ قيل: هو خطاب لأبي جهل، وهو خطاب توبيخ له واحتجاج عليه، فكأنه قال: أخبرني أيها المناع لمحمد من العبادة إن كان محمد على الهدى، أو أمر بالتقوى، فصددته
стр. 4433
في رواية: ﴿فَليَدعُ نَادِيَهُ﴾ يَعنِي قَومَهُ.
رواه أحمد (٢/ ٣٧٠)، ومسلم (٢٧٩٧)، والنسائي في الكبرى (١١٦٨٣).
* * *
ــ
عن ذلك، ألم تعلم أن الله يراك، وهو قدير على أخذك ومعاقبتك؟ ! وقيل: جوابه محذوف، تقديره: ألست تستحق من الله النكال والعقاب؟ ثم أخذ بعد هذا في تهديده ووعيده، فقال: (كلا) أي: ويل له وهلاك.
و(قوله: ﴿لَئِن لَم يَنتَهِ لَنَسفَعًا بِالنَّاصِيَةِ﴾) هذا قسم من الله تعالى على تعذيبه، وإهلاكه إن لم يؤمن. ومعنى: لنسفعا: لنأخذن ولنجذبن. والناصية: شعر مقدم الرأس، وهذا الوعيد مثل قوله تعالى: ﴿يُعرَفُ المُجرِمُونَ بِسِيمَاهُم فَيُؤخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقدَامِ﴾ ثم وصف ناصيته بأنها كاذبة خاطئة، والمقصود: صاحبها.
و(قوله: ﴿فَليَدعُ نَادِيَهُ﴾) أي: إذا أخذناه فلينتصر بأهل مجلسه إن صح له ذلك. والنادي: المجلس، وأراد به أهل ناديه، ويقال عليهم: الندي.
و(قوله: ﴿سَنَدعُ الزَّبَانِيَةَ﴾) أي: لتعذيبه، وهم خزنة النار الموكلون بتعذيب الكفار، وهم الملائكة الذين قال الله فيهم: ﴿عَلَيهَا مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ وسُموا زبانية من الزبن، وهو الدفع؛ لشدة دفعهم وبطشهم. قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . ... زبانية غُلبٌ عِظام كُلومها (١)
стр. 4434
(٣٩) ومن سورة النصر
[٢٩٣٣] عن عبد الله بن عتبة، قال: قال لي ابن عباس: تعلم آخر سورة من القرآن نزلت جميعا؟ قلت: نعم: ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ قال: صدقت.
وفي رواية: تعلم أي سورة، ولم يقل: آخر.
رواه مسلم (٣٠٢٤).
ــ
و(قوله: ﴿كَلا لا تُطِعهُ﴾) تأكيد زجر لأبي جهل، ونهي لمحمد ﷺ عن طاعته في ترك الصلاة، وفيما يأمر به وينهى عنه. و ﴿وَاسجُد وَاقتَرِب﴾) أي: صل لله، وتقرب إليه بعبادته وأفعال البر، وقد تكلمنا على سجود القرآن في كتاب الصلاة.
(٣٩) ومن سورة النصر
نصر الله: عونه على إظهار نبيه ﷺ على قريش وغيرهم. والفتح: فتح مكة، كما فسره النبي ﷺ في حديت عائشة ﵂ ولا يُلتفت لما قيل في ذلك مما يخالفه. والأفواج: الزمر. يعني زمرة بعد زمرة، وهذا كان بعد فتح مكة، فإنَّ أهل مكة كانوا عظماء العرب وقادتهم، ومكة بيت الله تعالى، فتوقفت العرب في إسلامها على أهل مكة ينظرون ما يفعلون، فلما فتح الله تعالى مكة على نبيه ﷺ ، وأسلم أهلها أصفقت العرب على الدخول في الإسلام، وهجرت الأوثان، وعطّلت الأزلام، وحصل التمام، وكمل الإنعام، فوجب الشكر لهذا المنعم الكريم، واستغفار هذا المولى الرحيم، لا سيما وقد أفصح خطابا: ﴿فَسَبِّح بِحَمدِ رَبِّكَ وَاستَغفِرهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ أي: قل يا محمد: سبحان الله وبحمده، و: أستغفر الله وأتوب إليه. فكان ﷺ يُكثر من قول ذلك شكرا
стр. 4435
[٢٩٣٤] وعن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه. فقلت: يا رسول الله، أراك تكثر من قول: سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي، فإذا رأيتها أكثرت من قول:
ــ
لله تعالى، وامتثالا لما أُمر به هنالك. وقد تقدَّم: أن عمر بن الخطاب، وعبد الله بن عباس ﵃ فهما من هذه السورة أن الله تعالى نعى لنبينا محمد ﷺ نفسه، وكذلك فهمه أبو بكر ﵁ وقال ابن عمر ﵄: نزلت هذه السورة بمنى في حجَّة الوداع، ثم نزلت: ﴿اليَومَ أَكمَلتُ لَكُم دِينَكُم وَأَتمَمتُ عَلَيكُم نِعمَتِي﴾ فعاش بعدها النبي ﷺ ثمانين يوما، ثم نزلت آية الكلالة، فعاش بعدها خمسين يوما، ثم نزل: ﴿لَقَد جَاءَكُم رَسُولٌ مِن أَنفُسِكُم﴾ فعاش بعدها خمسة وثلاثين يوما، ثم نزلت: ﴿وَاتَّقُوا يَومًا تُرجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ﴾ فعاش بعدها أحدا وعشرين يوما. وقال مقاتل: سبعة أيام.
إنه كان توابا على النادمين - وإن كثروا - ومحاء ذنوب الخطائين إذا استغفروا. نسأل (١) الله العظيم الكريم أن يلهمنا الندم الذي هو أعظم أركان التوبة، وأن يمحو ذنوبنا، ويلهمنا الاستغفار الموجب لذلك، إن شاء الله تعالى.
* * *
تم الجزءُ الرابعُ من كتاب "المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم" وبتمامه يتمُّ جميعُ الديوان، والله المستعان، وذلك في شهر شوال سنه أربع وعشرين وسبعمئة على يد الفقير إلى الله تعالى محمد بن عيسى بن محمد بن رزيك الشافعي مذهبًا، الغسَّاني نسبًا، رحمهم الله تعالى برحمته الواسعة وسائر المسلمين (١).
стр. 4436
سبحان الله وبحمده، أستغفر الله وأتوب إليه، فقد رأيتها، ﴿إِذَا جَاءَ نَصرُ اللَّهِ وَالفَتحُ﴾ فتح مكة ﴿وَرَأَيتَ النَّاسَ يَدخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفوَاجًا﴾ إلى آخرها.
رواه البخاري (٨١٧)، ومسلم (٤٨٤)(٢٢٠).
ــ
تم هذا الكتاب الشريف وهو تلخيص كتاب مسلم، وهو آخر الكتاب
الحمد لله حقَّ حَمْدِه وصلواتُه على سيدنا محمد، وآله، وأصحابه، وسلامه
وكان الفراغ منه في الثامن من شهر شعبان المكرّم سنة سبعٍ وثلاثين وستمئة
* * *