زاد في رواية: قال عروة: كَانَت عَائِشَةُ تَكرَهُ أَن يُسَبَّ حَسَّانُ عِندَهَا، وَتَقُولُ: إِنَّهُ قَالَ:
فَإِنَّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرضِي ... لِعِرضِ مُحَمَّدٍ مِنكُم وِقَاءُ
وفي أخرى: قَالَت: لَمَّا ذُكِرَ مِن شَأنِي الَّذِي ذُكِرَ وَمَا عَلِمتُ بِهِ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ خَطِيبًا، فَتَشَهَّدَ فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثنَى عَلَيهِ بِمَا هُوَ أَهلُهُ، ثُمَّ قَالَ: أَمَّا بَعدُ، أَشِيرُوا عَلَيَّ فِي أُنَاسٍ أَبَنُوا أَهلِي، وَايمُ اللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَى أَهلِي مِن سُوءٍ قَطُّ، وَأَبَنُوهُم بِمَن، وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهِ مِن سُوءٍ قَطُّ، وَلَا دَخَلَ بَيتِي قَطُّ إِلَّا وَأَنَا حَاضِرٌ، وَلَا غِبتُ فِي سَفَرٍ إِلَّا غَابَ مَعِي.
وَسَاقَ الحَدِيثَ بِقِصَّتِهِ، وَفِيهِ: وَلَقَد دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَيتِي فَسَأَلَ جَارِيَتِي، فَقَالَت: وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهَا عَيبًا، إِلَّا أَنَّهَا كَانَت تَرقُدُ حَتَّى تَدخُلَ الشَّاةُ فَتَأكُلَ عَجِينَهَا - أَو قَالَت: خَمِيرَهَا - فَانتَهَرَهَا بَعضُ أَصحَابِهِ، فَقَالَ: اصدُقِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ! حَتَّى أَسقَطُوا لَهَا بِهِ. فَقَالَت: سُبحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا عَلِمتُ عَلَيهَا إِلَّا مَا يَعلَمُ الصَّائِغُ عَلَى تِبرِ الذَّهَبِ الأَحمَرِ! وَقَد بَلَغَ الأَمرُ ذَلِكَ الرَّجُلَ الَّذِي قِيلَ لَهُ. فَقَالَ: سُبحَانَ اللَّهِ! وَاللَّهِ مَا كَشَفتُ عَن كَنَفِ أُنثَى قَطُّ.
قَالَت عَائِشَةُ: وَقُتِلَ شَهِيدًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
ــ
و(قوله أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي)؛ أي: اتهموهم وقذفوهم بالفاحشة، ويقال: رجل مأبون أي معروف بخلة من السوء؛ أي: متهم. ويقال: أبَنَه - بالفتح في الماضي - يأبِنه بالضم والكسر في المضارع.
و(قول صفوان ﵁ والله ما كشفت عن كنف أنثى قط) هو بفتح النون، وهو الثوب هنا، وأصله الساتر، وهو كناية عن الجماع؛ أقسم أنه ما جامع امرأة قط، وكأنه لم يكن له أرب في النساء، والله تعالى أعلم.
стр. 4377
وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ: مِسطَحٌ، وَحَمنَةُ، وَحَسَّانُ. وَأَمَّا المُنَافِقُ عَبدُ
ــ
و(قوله وكان الذين تكلموا به: مسطح (١)، وحمنة، وحسان)، وقد ذكرنا الخلاف في حسان في باب فضائله؛ هل صرح بالقذف أم لا؟ وهل حُد أم لا؟ والصحيح أنه حُد بما رواه أبو داود عن عائشة ﵂ قالت: لما نزل عذري قام النبي ﷺ فذكر ذلك وتلا القرآن، فلما نزل أمر بالرجلين والمرأة فضُربوا حدهم، وسمّاهم: حسان بن ثابت، ومسطح بن أثاثة، وحمنة بنت جحش (٢). وفي كتاب الطحاوي: ثمانين ثمانين. وأما حمنة ومسطح فحُدا، ولم يُسمع بحد لعبد الله بن أُبي، والظاهر من الأخبار والأحاديث أنه لم يحد، وإنما لم يحد عدو الله لأنَّ الله قد أعد له في الآخرة عذابا عظيما؛ لكان نقصا من عذابه في الأخرى وتخفيفا عنه، وقد أشار الله تعالى إلى هذا بقوله: ﴿وَالَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ مِنهُم لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ مع أن الله تعالى قد شهد ببراءة عائشة ﵂ وبكذب كل من رماها، فقد حصلت فائدة الحد؛ إذ مقصوده إظهار كذب القاذف وبراءة المقذوف، كما قال تعالى: ﴿فَإِذ لَم يَأتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الكَاذِبُونَ﴾ وإنما حُد هؤلاء المسلمون ليكفر عنهم إثم ما صدر عنهم من القذف حتى لا يبقى عليهم تبعة من ذلك في الآخرة. وقد قال النبي ﷺ في الحدود: إنها كفارة لمن أقيمت عليه - كما تقدم في حديث عبادة بن الصامت. ويحتمل أن يقال: إنما ترك حد ابن أبي استئلافا لقومه واحتراما لابنه، وإطفاء لثائرة الفتنة المتوقعة من ذلك، وقد كانت ظهرت مباديها من سعد بن عبادة ومن قومه كما تقدَّم.
ومعنى يستوشيه: يطلبه ويبحث عنه ويشنعه. يقال: فلان يستوشي فرسه يعقبه؛ أي: يطلب ما عنده من الجري ويستخرجه.
وحديث الإفك هذا فيه أحكام كثيرة لو تُتُبعت لطال الأمر وأفضى إلى الملال، ومن تفقدها من أهل الفطنة وجدها.
стр. 4378
اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَستَوشِيهِ وَيَجمَعُهُ، وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبرَهُ وَحَمنَةُ.
رواه أحمد (٦/ ١٩٥)، والبخاريُّ (٤٧٥٠)، ومسلم في التوبة (٢٧٧٠) (٥٦ - ٥٨)، والترمذيُّ (٣١٧٩)، والنسائي (١/ ١٦٣).
ــ
ووقعت هذه القضية في غزوة المريسيع، وهو ماء في ناحية قديد مما يلي الساحل. أغار النبي ﷺ على بني المصطلق وهم غارون؛ أي: غافلون، وأنعامهم تسقى على الماء، فقتل المقاتلة وأسر، وكانت هذه الغزوة في شعبان سنة ست من الهجرة. هذا أشهر الأقوال عند أهل السير، وعلى هذا ينشأ بحث يلزم منه وهم بعض النقلة؛ فإنَّه قد تقدَّم في هذا الحديث أن سعد بن معاذ هو الذي راجع سعد بن عبادة حتى سرى أمرهما، ولم يختلف أحد من الرواة في أن سعد بن معاذ ﵁ مات في منصرف رسول الله ﷺ من بني قريظة بعد أن حكم بحكم الله، وذلك سنة أربع، ولم يدرك غزوة المريسيع - هذا قول أهل النقل.
قلت: فعلى هذا يكون ذكر سعد بن معاذ في هذا الحديث وهما وغلطا، وكذلك قال أبو عمر بن عبد البر. قال: وإنما تراجع في ذلك سعد بن عبادة وأسيد بن حضير، وكذلك ذكر ابن إسحاق عن الزهري عن عبيد الله بن عبد الله، وهو الصحيح. قال القاضي أبو الفضل: قال ابن عقبة: إن غزوة المريسيع كانت سنة أربع في سنة غزوة الخندق، وقد ذكر البخاري اختلاف ابن إسحاق وابن عقبة في ذلك. قال: وقد وجدت الطبري ذكر ذلك عن الواقدي أن المريسيع سنة خمس، قال: وكانت الخندق وقريظة بعدها. قال: ووجدت القاضي إسماعيل قال: اختلفوا في ذلك، والأولى أن تكون المريسيع قبلها.
قلت: فعلى هذا يستقيم ما رواه مسلم والبخاري من ذكر سعد بن معاذ، ولا يكون ذكره وهما، والله تعالى أعلم.
стр. 4379
[٢٨٩٤] وعن جابر أن جارية لعبد الله بن أبي يقال لها مسيكة وأخرى يقال لها أميمة، فكان يريدهما على الزنى، فشكتا ذلك إلى النبي ﷺ ، فأنزل الله: ﴿وَلا تُكرِهُوا فَتَيَاتِكُم﴾ إلى قوله: ﴿غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
وفي رواية: كان يقول لجاريته: اذهبي فابغينا شيئا.
رواه مسلم (٣٠٢٩) (٢٦ و ٢٧)، وأبو داود (٢٣١١).
* * *
ــ
و(قول جابر إن عبد الله بن أبي كانت له جاريتان: مسيكة وأميمة) يريدهما على الزنى، روى غيره أنهن كن ستا. قال: معاذة، ومسيكة، وأروى، وقتيلة، وعمرة، ونبيهة (١) - فكان يحملهن على الزنى ويأخذ منهن أجورهن.
والفتيات جمع فتاة، والفتيان جمع فتى - وهم المماليك. والبغاء: الزنى.
و(قوله: ﴿إِن أَرَدنَ تَحَصُّنًا﴾)؛ أي: عفافا، ولا دليل خطاب لهذا الشرط، ولا يجوز إكراههن عليه بوجه، سواء أردن تحصنا أو لم (٢) يردن، وإنما علق النهي على الإكراه على إرادة التحصن؛ لأنَّ الإكراه لا يتصور إلا مع ذلك، فأمَّا إذا رغبت في الزنى فلا إكراه يتصور.
و(قوله: ﴿وَمَن يُكرِهُّنَّ فَإِنَّ اللَّهَ مِن بَعدِ إِكرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾)؛ أي: لمن تاب من ذلك. وكان الحسن يقول: غفور لهن والله، لا لمُكرِهِّن - مستدلا على ذلك بإضافة الإكراه إليهن.
стр. 4380
(١٧) ومن سورة الفرقان
[٢٨٩٥] عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية بمكة: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾ إلى قوله: ﴿مُهَانًا﴾ فقال المشركون: وما يغني عنا الإسلام وقد عدلنا بالله وقتلنا النفس التي حرم الله وأتينا الفواحش؟ فأنزل الله تعالى: ﴿إِلا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلا صَالِحًا﴾ إلى آخر الآية.
ــ
(١٧) ومن سورة الفرقان
(قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ لا يَدعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ﴾. . .) الآيتين - هذه الآية معطوفة على ما قبلها من الأوصاف التي وصف بها عباد الرحمن، وهو من باب عطف الصفات بعضها على بعض، وكذلك ما بعد هذه الآية من الآيات معطوف بعضها على بعض، والكل معطوف على قوله: ﴿الَّذِينَ يَمشُونَ عَلَى الأَرضِ هَونًا﴾ إلى أن قال: ﴿أُولَئِكَ يُجزَونَ الغُرفَةَ بِمَا صَبَرُوا﴾ إلى قوله: ﴿وَمُقَامًا﴾ وهذه الجملة هي خبر المبتدأ الذي هو: ﴿وَعِبَادُ الرَّحمَنِ﴾ وما بين المبتدأ والخبر أوصاف لهم وما تعلق بها، وقد تضمنت هذه الآية مدح من لم تقع منه هذه الفواحش الثلاث التي هي: الشرك بالله، والقتل - العدوان، والزنى. وذم من وقعت منه، ومضاعفة العذاب عليه، وهي محمولة على ظاهرها عند الجمهور، وعليه فيكون معنى قوله: ﴿إِلا بِالحَقِّ﴾ أي: بأمر موجب للقتل شرعا. وذلك الأمر هو المذكور في قوله ﷺ : لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: زنى بعد إحصان، أو كفر بعد إيمان، أو قتل نفس بغير نفس (١). وقد صرف هذه الآية عن ظاهرها بعض
стр. 4381
قال: فأما من دخل في الإسلام وعقله ثم قتل فلا توبة له.
رواه مسلم (٣٠٢٣)(١٩).
ــ
أهل المعاني فقال: لا يليق بمن أضافهم الرحمن إليه إضافة الاختصاص ووصفهم بما ذكرهم من صفات المعرفة والتشريف وقوع هذه الأمور القبيحة منهم حتى يُمدحوا بنفيها؛ لأنَّهم أعلى وأشرف. فقال: معناها لا يدعون الهوى إلها، ولا يذلون أنفسهم بالمعاصي فيكون قتلا لها. ومعنى ﴿إِلا بِالحَقِّ﴾ أي: إلا بسكين الصبر وسيف المجاهدة، ولا ينظرون إلى نساء (١) ليست لهم بمحرم بشهوة فيكون سفاحا، بل بالضرورة فيكون كالنكاح مباحًا.
قلت: وهذا كلام رائق، غير أنَّه عند السبر مائق (٢)، وهي نبعة باطنية ونزعة باطلية، وإنما يصح تشريف عباد الرحمن باختصاص الإضافة بعد أن تحلوا بتلك الصفات الحميدة وتخلوا عن نقائض ذلك من الأوصاف الذميمة، فبدأ في صدر هذه الآيات بصفات التحلي تشريفا لها، ثم أعقبها بصفات التخلي تقعيدا لها، والله تعالى أعلم.
وقد تقدَّم القول على ﴿إِلا مَن تَابَ﴾ وعلى قول ابن عباس في سورة النساء.
وفي هذه الآية دليل على أن الكفار مخاطبون بالفروع، وقد استوفينا ذلك في الأصول، وفي الآية مباحث تطول.
* * *
стр. 4382
(١٨) ومن سورة الشعراء
[٢٨٩٦] عَن أَبِي هُرَيرَةَ قَالَ: لَمَّا نزلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ قُرَيشًا، فَاجتَمَعُوا، فَعَمَّ وَخَصَّ فَقَالَ: يَا بَنِي كَعبِ بنِ لُؤَيٍّ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي مُرَّةَ بنِ كَعبٍ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبدِ شَمسٍ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي هَاشِمٍ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ أَنقِذُوا أَنفُسَكُم مِن النَّارِ، يَا فَاطِمَةُ أَنقِذِي نَفسَكِ مِن النَّارِ؛ فَإِنِّي لَا أَملِكُ لَكُم مِن اللَّهِ شَيئًا، غَيرَ أَنَّ لَكُم رَحِمًا سَأَبُلُّهَا بِبَلَالِهَا.
رواه البخاريُّ (٤٧٧١)، ومسلم (٢٠٤)، والترمذيُّ (٣١٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٤٨).
[٢٨٩٧] وعَن عَائِشَةَ قَالَت: لَمَّا نَزَلَت: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ قَامَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَلَى الصَّفَا فَقَالَ: يَا فَاطِمَةُ بِنتَ
ــ
(١٨) ومن سورة الشعراء
(قوله: فإني لا أملك لكم من الله شيئا) أي: لا أقدر على دفع عذابه عن أحد، ولا على جلب ثواب لأحد، أي: فلا ينفع القرب في الأنساب مع البعد في الأسباب.
و(قوله: غير أن لكم رحما سأبلها ببلالها) أي: سأبلها الصلة التي تليق بها، فصلة المؤمن: إكرامه، ومبَرَّتُه. وصلة الكافر: إرشاده ونصيحته، وقد تقدم القول في تفصيل صلة الأرحام.
و(قوله: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين) ظاهر هذا: أن هذا كان قرآنا يتلى، وأنه نسخ؛ إذ لم يثبت نقله في
стр. 4383
مُحَمَّدٍ، يَا صَفِيَّةُ بِنتَ عَبدِ المُطَّلِبِ، يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، لَا أَملِكُ لَكُم مِن اللَّهِ شَيئًا، سَلُونِي مِن مَالِي مَا شِئتُم.
رواه أحمد (٦/ ١٨٧)، ومسلم (٢٠٥)، والترمذي (٣١٨٤)، والنسائي (٦/ ٢٥٠).
[٢٨٩٨] وعَن ابنِ عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا نَزَلَت هَذِهِ الآيَةُ: ﴿وَأَنذِر عَشِيرَتَكَ الأَقرَبِينَ﴾ وَرَهطَكَ مِنهُم المُخلَصِينَ، خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، حَتَّى صَعِدَ الصَّفَا فَهَتَفَ: يَا صَبَاحَاه، فَقَالُوا: مَن هَذَا الَّذِي يَهتِفُ؟ قَالُوا: مُحَمَّدٌ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ فَقَالَ: يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ يَا بَنِي فُلَانٍ، يَا بَنِي عَبدِ مَنَافٍ، يَا بَنِي عَبدِ المُطَّلِبِ، فَاجتَمَعُوا إِلَيهِ فَقَالَ: أَرَأَيتَكُم لَو أَخبَرتُكُم أَنَّ خَيلًا تَخرُجُ بِسَفحِ هَذَا الجَبَلِ، أَكُنتُم مُصَدِّقِيَّ؟ قَالُوا: مَا جَرَّبنَا عَلَيكَ كَذِبًا، قَالَ: فَإِنِّي نَذِيرٌ لَكُم بَينَ يَدَي عَذَابٍ شَدِيدٍ.
قَالَ: فَقَالَ أَبُو لَهَبٍ: تَبًّا لَكَ، أَمَا جَمَعتَنَا إِلَّا لِهَذَا؟ ثُمَّ قَامَ، فَنَزَلَت هَذِهِ السُّورَةُ: تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَقَد تَبَّ. هكَذَا قَرَأَهُ الأَعمَشُ إِلَى آخِرِ السُّورَةِ.
ــ
المصحف، ولا تواتر، ويلزم على ثبوته إشكال، وهو أنه كان يلزم عليه ألا ينذر إلا من آمن من عشيرته؛ فإنَّ المؤمنين هم الذين يوصفون بالإخلاص في دين الإسلام، وفي حب النبي ﷺ ، لا المشركون؛ لأنَّهم ليسوا على شيء من ذلك، والنبي ﷺ ، دعا عشيرته كلهم - مؤمنهم وكافرهم - وأنذر جميعهم، فلم يثبت ذلك نقلا ولا معنى، فالحمد لله الذي رفع عنا الإشكال والعناء. وسفح الجبل: جانبه، وهو بالسين.
و(قوله: ﴿تَبَّت يَدَا أَبِي لَهَبٍ﴾) أي: قد خسرت، والتباب:
стр. 4384
رواه أحمد (١/ ٢٨١)، والبخاريّ (٤٩٧١)، ومسلم (٢٠٨)(٣٥٥)، والترمذي (٣٣٦٣).
* * *
ــ
الخسران، ونسب التباب لليد، والمراد صاحب اليد؛ لأنَّ اليد أصل في الأعمال. ولهب: فيها لغتان: السكون في الهاء وفتحها، واسم أبي لهب: عبد العزى، ولُقب بأبي لهب لإشراق وجنتيه، كأنهما كانتا تلتهبان نارا.
قلت: وأولى من ذلك كله أن الله تعالى أجرى عليه هذا اللقب لعلمه بمآل أمره، وأنه من أهل النار، كما أجرى على أبي جهل لقب الجهل، وسلبه أبا الحكم، وحُكي في قول مصيب: لكل امرئ من اسمه نصيب، ألا يقتضي العجب من قوله: ﴿سَيَصلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ﴾
و(قوله: وَتَبَّ) معطوف على الأول، وكلاهما بمعنى الدعاء، وقيل: الأول: دعاء، والثاني: إخبار بإجابة الدعاء فيه، ويؤيده قراءة ابن مسعود، وابن عباس ﵃: (وقد تب)، وقيل: كلاهما خبر، فالأول: خسرت يداه، مراده من الرسول ﷺ ؛ إذ كان مراده قتله، وإخفاء كلمته. وتب هو: بما أصابه من العذاب، وقيل: تب في نفسه، وتب في ولده وكسبه؛ إذ لم يغنيا عنه شيئًا، ولا جرّا له نفعا.
و(قوله: ﴿حَمَّالَةَ الحَطَبِ﴾) الجمهور: على رفع (حمالة) على الصفة أو البدل، أو على أنه خبر ابتداء محذوف، وقرأه عاصم بالنصب على الذم، ويجوز أن يكون حالا، وسميت بذلك لأنَّها كانت تُلقي الشوك في طريق النبي ﷺ لتؤذيه، قاله الضحاك. وقيل؛ لأنَّها كانت نقالة للحديث نمامة، فكانت تشعل نار العداوة، كما تشعل النار في الحطب. قال الشاعر:
إن بني الأدرم حمالو الحطب ... هم الوشاة في الرضا وفي الغضب
стр. 4385
(١٩) ومن سورة: الم السجدة
[٢٨٩٩] عن أبي بن كعب، في قوله: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ العَذَابِ الأَدنَى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ قال: مصائب الدنيا والروم والبطشة، أو الدخان. شعبة الشاك.
رواه مسلم (٢٧٩٩).
* * *
ــ
وقال قتادة: لأن مصيرها إلى النار كالحطب. يقال: فلان يحتطب على ظهره، أي: يجني على نفسه.
و(قوله: ﴿فِي جِيدِهَا حَبلٌ مِن مَسَدٍ﴾) الجيد: العنق، وجمعه: أجياد. والمسد - هنا -: الليف، وسمي الليف مسدا؛ لأنَّه يُمسَد منه المسد، وهو: الحبل؛ أي: يُفتَل. قال الشاعر:
أعوذ بالله من ليل يقربني ... إلى مضاجعه كالدلو بالمسد
أي: الحبل المفتول، وأصل المسد: الفتل. يقال: دابة ممسودة؛ أي: شديدة الأسر. أي: يُجعل في عنقها حبل من نار مفتول، ولعله السلسلة التي قال الله تعالى: ﴿فِي سِلسِلَةٍ ذَرعُهَا سَبعُونَ ذِرَاعًا﴾ والله تعالى أعلم.
(١٩ و ٢٠) ومن سورة الم تنزيل السجدة، والأحزاب
(قول الله تعالى: ﴿وَلَنُذِيقَنَّهُم مِنَ العَذَابِ الأَدنَى دُونَ العَذَابِ الأَكبَرِ لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾ فسرها أُبي بالأربعة التي ذكر، مصائب الدنيا: رزاياها من الأمراض والآلام، وذهاب الأموال والأهلين، ونحو ذلك. والروم: يعني بها قوله تعالى: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ والدخان يعني به قوله
стр. 4386
(٢٠) ومن سورة الأحزاب
[٢٩٠٠] عن عائشة في قوله تعالى: ﴿إِذ جَاءُوكُم مِن فَوقِكُم وَمِن أَسفَلَ مِنكُم وَإِذ زَاغَتِ الأَبصَارُ وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ قالت: كان ذلك يوم الخندق.
رواه البخاري (٤١٠٣)، ومسلم (٣٠٢٠).
* * *
ــ
تعالى: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ وقد تقدَّم الخلاف فيه. والبطشة الكبرى: هي ما أوقع الله تعالى بقريش يوم بدر من الأسر والقتل، وقال مجاهد: الأدنى: عذاب القبر، والأكبر: عذاب الآخرة. وقال جعفر الصادق: الأدنى غلاء الأسعار، والأكبر خروج المهدي بالسيف. وقال أبو سليمان الداراني: الأدنى: الهوان. والأكبر: الخذلان.
و(قوله: ﴿لَعَلَّهُم يَرجِعُونَ﴾) أي: لكي يرجعوا عن غيهم. قاله الفراء، وعلى مذهب سيبويه: ليصلوا إلى حال يُرجى لهم ذلك.
و(قوله: ﴿إِذ جَاءُوكُم مِن فَوقِكُم وَمِن أَسفَلَ مِنكُم﴾ كان ذلك في غزوة الخندق الذي حفره المسلمون حول المدينة برأي سلمان، وتسمى غزوة الأحزاب؛ لأنَّ الكفار تحزبوا أحزابا وتجمعوا جموعا حتى اجتمع في عددهم خمسة عشر ألفا من أهل نجد وتهامة، ومن حولهم أو نحوهم، وحاصروا المسلمين في المدينة شهرا، ولم يكن بينهم قتال إلا الرمي بالنبل والحصى، ونقضت قريظة ما كان بينهم وبين رسول الله ﷺ من العهد، وحينئذ جاء المسلمين عدوهم من فوقهم ومن أسفل منهم، وزاغت الأبصار، يعني مالت عن سنن القصد فعل المرعوب. وقال قتادة: شخصت. ﴿وَبَلَغَتِ القُلُوبُ الحَنَاجِرَ﴾ أي: قاربت الخروج من الضيق والروع وشدة البلاء والجهد، وكان وقت بلاء وتمحيص، ولذلك نجم في كثير من الناس النفاق، وظهر منهم الشقاق.
стр. 4387
(٢١) ومن سورة تنزيل
[٢٩٠١] عن عبد الله بن مسعود قال: جاء رجل من أهل الكتاب إلى رسول الله ﷺ فقال: يا أبا القاسم، إن الله يمسك السماوات على إصبع والأرضين على إصبع والشجر والثرى على إصبع.
ــ
و(قوله: ﴿وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا﴾) أي: تشكون في الوعد بالنصر، يخبر عن المنافقين. أو يكون معناه: أنهم خافوا من أن يخذلوا في ذلك الوقت، فإنَّ وقت وقوع النصر الموعود غير معين. وهذا أحسن من الأول، ويؤيده قوله تعالى: ﴿هُنَالِكَ ابتُلِيَ المُؤمِنُونَ وَزُلزِلُوا زِلزَالا شَدِيدًا﴾ امتحنوا بالصبر على الحصار وشدة الجوع، وزلزلوا بالخوف من أن يخذلهم الله في ذلك الوقت، ويديل عدوهم عليهم، كما فعل يوم أحد. وقد تقدَّم الخلاف في غزوة الخندق متى كانت.
(٢١) ومن سورة تنزيل (١)
(قول اليهودي: إن الله يمسك السماوات على إصبع. . . الحديث إلى آخره). هذا كله قول اليهودي، لا قول النبي ﷺ ، والغالب على اليهود أنهم يعتقدون الجسمية، وأن الله تعالى شخص ذو جوارح، كما تعتقده غلاة الحشوية في هذه الملة، وضحك النبي ﷺ منه، إنما هو تعجب من جهله، ألا ترى أنه قرأ عند ذلك: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾ أي: ما عرفوه حق معرفته، ولا عظموه حق تعظيمه. وهذه الرواية هي الرواية الصحيحة المحققة، فأمَّا رواية من زاد في هذا اللفظ: تصديقا له، فليست بشيء؛ لأنَّها من قول الراوي، وهي باطلة؛ لأنَّ النبي ﷺ لا يصدق الكاذب ولا المحال، وهذه الأوصاف في حق الله تعالى محال، بدليل
стр. 4388
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
ما قدمناه غير مرة، وحاصله أنه لو كان تعالى ذا يد (١) وأصابع وجوارح على نحو ما هو المعروف عندنا، لكان كواحد منا، ويجب له من الافتقار والحدث والنقص والعجز ما يجب لنا، وحينئذ تستحيل عليه الإلهية، ولو جازت الإلهية لمن كان على هذه الأوصاف لجاز أن يكون كل واحد منا إلها، ولصحت الإلهية للدجال، ولصدق في دعواه إياها، وكل ذلك كذب ومحال، والمفضي إليه كذب ومحال، فقول اليهودي كذب ومحال، ولذلك أنزل الله تعالى في الرد عليه ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾. وإنما تعجب النبي ﷺ من جهله، فوهم الراوي وظن أن ذلك التعجب تصديق، وليس كذلك. فإن قيل: فقد صح عن رسول الله ﷺ أنه قال: إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن (٢)، فقد أخبر بأن له أصابع. فالجواب: أنه إذا جاءنا مثل هذا في كلام الصادق تأولناه، أو توقفنا فيه إلى أن يتبين وجهه، مع القطع باستحالة ظاهره، لضرورة صدق من دلت المعجزة على صدقه. فأمَّا إذا جاءنا مثل هذا على لسان من يجوز عليه الكذب، بل من أخبرنا الصادق عن نوعه بالكذب والتحريف كذبناه، وقبحناه، ثم لو سلمنا أن النبي ﷺ صدقه، وقال له: صدقت، لما كان تصديقا له في المعنى، بل في النقل، أي في نقل ذلك عن كتابه أو عن نبيه، وحينئذ نقطع بأن ظاهره غير مراد، ثم هل نتوقف في تعيين تأويل ونسلم، أو نبدي تأويلا له وجه في اللسان وصحة في العقل على الرأيين اللذين لأئمتنا، وقد تقدما. وقد قلنا: إن الأصبع يصح أن يراد به القدرة على الشيء ويسارة تقليبه، كما يقول من استسهل شيئًا واستخفه مخاطبا لمن استثقله: أنا أحمله على أصبعي، أو أرفعه بأصبعي وأمسكه بخنصري. وكما يقول من طاع بحمل شيء: أنا
стр. 4389
في رواية: ثم يهزهن ثم يقول: أنا الملك، أنا الملك، قال: فرأيت رسول الله ﷺ يضحك حتى بدت نواجذه.
ــ
أحمله على عيني وأرفعه على رأسي. يعني به: الطواعية، وما أشبه ذلك مما في معناه، وهو كثير، ولما كان ذلك معروفا عند العقلاء متداولا بينهم، خوطبوا بذلك جريا على منهاجهم، وتوسعا معلوما عندهم. وعلى هذا فيمكن حمل الحديث وما في معناه على نحو من هذا، وبيان ذلك أن السماوات والأرض، وهذه الموجودات عظيمة أقدارها في إدراكنا، وكبير خلقها في حقنا، فقد يسبق الوهم الغالب على الإنسان، أن خلقها وإمساكها على الله تعالى كبير، وتكلفها عسير، فنفى النبي ﷺ هذا الوهم بهذا الحديث، وبينه على طريق التمثيل بما تعارفناه، فكأنه قال: خلق بيده المذكورات العظيمة، وإمساكها في قدرة الله تعالى كالشيء الحقير الذي تجعلونه بين أصابعكم، وتهزونه بين أيديكم، وتتصرفون فيه كيف شئتم، ولهذا أشار بقوله: ثم يقبض أصابعه ويبسطها. وبقوله: ثم يهزهن أي: هن في قدرته كالحبة مثلا في حق أحدنا؛ أي: لا يبالي بإمساكها، ولا بهزها، ولا تحريكها، ولا القبض والبسط عليها، ولا يجد في ذلك صعوبة، ولا مشقة، ومن لا يقنعه هذا التفهيم فليس له إلا سلامة التسليم، والله بحقائق الأمور عليم.
و(قوله تعالى: أنا الملك) أي: الحقيق بالمُلك والمِلك، إذ لو اجتمع ملوك الدنيا من أولها إلى آخرها وجميع المخلوقات، لما استطاعوا على إمساك مقدار ذرة من الأرضين، ولا من السماوات، وهذا معنى قوله: أنا الملك، في حديث اليهودي.
فأمَّا قوله: أنا الملك في حديث ابن عمر، فمقصوده إظهار انفراده تعالى بالملك عند انقطاع دعاوى المدعين، وانتساب المنتسبين، إذ قد ذهب كل ملك وملكه، وكل جبار ومتكبر وملكه، وانقطعت نِسَبهم ودعاويهم، وهو نحو قوله تعالى: ﴿لِمَنِ المُلكُ اليَومَ لِلَّهِ الوَاحِدِ القَهَّارِ﴾ والإمساك المذكور في حديث اليهودي خلاف الطي والقبض الذي في حديث ابن عمر؛ فإنَّ
стр. 4390
وفي أخرى: تصديقا له وتعجبا لما قال، ثم قال: ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدرِهِ﴾
رواه البخاريُّ (٧٤١٥)، ومسلم (٢٧٨٦) (٢١ و ٢٢)، والترمذيُّ (٣٢٣٨).
[٢٩٠٢] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ : يقبض الله الأرض يوم القيامة ويطوي السماء بيمينه، ثم يقول: أنا الملك، أين ملوك الأرض؟
رواه أحمد (٢/ ٣٧٤)، والبخاريُّ (٤٨١٢)، ومسلم (٢٧٨٧).
[٢٩٠٣] وعن عبد الله بن عمر، قال: قال رسول الله ﷺ يطوي الله السماوات يوم القيامة، ثم يأخذهن بيده اليمنى ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ ثم يطوي الأرضين بشماله ثم يقول: أنا الملك، أين الجبارون؟ أين المتكبرون؟ .
رواه مسلم (٢٧٨٨)(٢٤)، وأبو داود (٤٧٧٨).
ــ
ذلك الإمساك هو استدامة وجود السماوات والأرض إلى يوم يطويها ويقبضها ويبدّلها، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُمسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرضَ أَن تَزُولا وَلَئِن زَالَتَا إِن أَمسَكَهُمَا مِن أَحَدٍ مِن بَعدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيمًا غَفُورًا﴾ وقد بينا القبض والطي في الأنعام.
و(قوله في حديث ابن عمر: ثم يطوي الأرض بشماله) كذا جاء في هذه الرواية بإطلاق لفظ الشمال على يد الله تعالى، ولا يكاد يوجد في غير هذه الرواية، وإنما الذي اشتهر في الأحاديث: وبيده الأخرى كما جاء في حديث أبي موسى الأشعري المتقدِّم، وقد تحرز النبي ﷺ من إطلاق لفظ الشمال على الله تعالى
стр. 4391
[٢٩٠٤] عن عبد الله بن مقسم أنه نظر إلى عبد الله بن عمر كيف يحكي رسول الله ﷺ ، قال: يأخذ الله سماواته وأراضيه بيديه، فيقول: أنا الله - ويقبض أصابعه ويبسطها - أنا الملك، حتى نظرت إلى المنبر يتحرك من أسفل شيء منه حتى إني لأقول: أساقط هو برسول الله ﷺ .
رواه البخاري (٧٤١٣)، ومسلم (٢٧٨٨)(٢٥)، وأبو داود (٤٧٣٢)، وابن ماجه (١٩٨).
* * *
ــ
فقال: وكلتا يديه يمين لئلا يُتَوهم نقص في صفة الله تعالى، فإن الشمال في حقنا أضعف من اليمين وأنقص، كما تقدَّم، فنفى النبي ﷺ عن الله ذلك، لكنه جاء في هذا الحديث كما ترى على المقابلة المتعارفة في حقوقنا، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ويقبض أصابعه ويبسطها) ظاهره: أنه خبر عن الله تعالى، ووجهه ما ذكرناه، وقال بعض علمائنا: هو خبر عما فعله النبي ﷺ ؛ فإنَّه قبض أصابعه وبسطها، فيخف الإشكال، ويكون ذلك إشارة بالحواس إلى المعاني، والله تعالى أعلم.
و(قوله في المنبر: أنه تحرك من أسفل شيء منه) أي: أنه تحرك من أسفله إلى أعلاه. أو تحرك الأسفل بتحريك الأعلى. وظاهر حركة المنبر أنها إنما كانت لحركة رسول الله ﷺ ، ويحتمل أن تكون حركة المنبر مساعدة لحركة النبي ﷺ ، كرامة وزيادة في دلالة صدقه، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى وما أشبه ذلك.
* * *
стр. 4392
(٢٢) ومن سورة حم السجدة
[٢٩٠٥] عن ابن مسعود قال: اجتمع عند البيت ثلاثة نفر: قرشيان وثقفي - أو ثقفيان وقرشي - قليل فقه قلوبهم، كثير شحم بطونهم، فقال أحدهم: أترون الله يسمع ما نقول؟ وقال الآخر: يسمع إن جهرنا، ولا يسمع إن أخفينا، وقال الآخر: إن كان يسمع إذا جهرنا فهو يسمع إذا أخفينا. فأنزل الله : ﴿وَمَا كُنتُم تَستَتِرُونَ أَن يَشهَدَ عَلَيكُم سَمعُكُم وَلا أَبصَارُكُم وَلا جُلُودُكُم﴾
رواه البخاريُّ (٧٥٢١)، ومسلم (٢٧٧٥)، والترمذيُّ (٣٢٤٥).
* * *
ــ
(٢٢) ومن سورة حم السجدة
(قوله: قليل فقه قلوبهم) أي: فقههم قليل، أو معدوم، وكثير شحم بطونهم، أي: هم سمان، إذ ليس لهم هم في عبادة، ولا حظ من صوم، ولا مجاهدة. وإنما همهم أن يأكلوا أكل الأنعام من غير مبالاة باكتساب الآثام. وفيه تنبيه على سبب قلة فهمهم، فإنَّ البطنة تذهب بالفطنة.
و(قوله: ﴿وَمَا كُنتُم تَستَتِرُونَ أَن يَشهَدَ عَلَيكُم سَمعُكُم وَلا أَبصَارُكُم وَلا جُلُودُكُم﴾ أي: ما كنتم تتقون شهادة تلك الجوارح، فتستتروا عنها بالامتناع عن المعاصي، قاله مجاهد. قال قتادة: وما كنتم تظنون ذلك.
و(قوله: ﴿وَلَكِن ظَنَنتُم أَنَّ اللَّهَ لا يَعلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعمَلُونَ﴾ أي: شككتم في ذلك لجهلكم.
و(قوله: ﴿وَذَلِكُم ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنتُم بِرَبِّكُم أَردَاكُم﴾ أي: وذلك ظنكم الواقع بكم اللازم لكم، فهي جملة ابتدائية، و (أرداكم): خبر ثان، قاله
стр. 4393
(٢٣) ومن سورة الدخان
[٢٩٠٦] عَن مَسرُوقٍ قَالَ: جَاءَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ رَجُلٌ فَقَالَ: تَرَكتُ فِي المَسجِدِ رَجُلًا يُفَسِّرُ القُرآنَ بِرَأيِهِ، يُفَسِّرُ هَذِهِ الآيَةَ: ﴿يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ﴾ قَالَ: يَأتِي النَّاسَ يَومَ القِيَامَةِ دُخَانٌ فَيَأخُذُ
ــ
الزجاج، وقال غيره: حال؛ أي: قد أرداكم؛ أي: أهلككم. مقاتل: أغواكم. وقيل: هو خبر المبتدأ الأول، و (ظنكم) بيان ذلك.
و(قوله: فأصبحتم من الخاسرين)، أي: صرتم خاسرين في صفقتكم، مغبونين في بيعكم.
(٢٣) ومن سورة الدخان
قد تقدَّم ذكر من خالف ابن مسعود في تفسيره للدخان المذكور في هذه الآية فيما تقدَّم، وما أنكره يُروى فيه حديث مرفوع من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ على نحو ما ذكر، وزاد: فيدخل الدخان جوف الكافر والمنافق حتى ينتفخ (١) واستعصت: بمعنى: عصت بترك إجابة النبي ﷺ .
و(قوله: تصعبت عليه) أي: أبت الدخول في الإسلام.
وسبع (٢) يوسف هي المذكورة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ يَأتِي مِن بَعدِ ذَلِكَ سَبعٌ شِدَادٌ يَأكُلنَ مَا قَدَّمتُم لَهُنَّ إِلا قَلِيلا مِمَّا تُحصِنُونَ﴾ وقد تقدَّم أن الجدب والقحط يقال عليه: سنة، ويجمع: سنين.
стр. 4394
بِأَنفَاسِهِم حَتَّى يَأخُذَهُم مِنهُ كَهَيئَةِ الزُّكَامِ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ: مَن عَلِمَ عِلمًا فَليَقُل بِهِ وَمَن لَم يَعلَم فَليَقُل اللَّهُ أَعلَمُ، فَإِنَّ مِن فِقهِ الرَّجُلِ أَن يَقُولَ لِمَا لَا عِلمَ لَهُ بِهِ: اللَّهُ أَعلَمُ، إِنَّمَا كَانَ هَذَا أَنَّ قُرَيشًا لَمَّا استَعصَت عَلَى النَّبِيِّ ﷺ دَعَا عَلَيهِم بِسِنِينَ كَسني يُوسُفَ، فَأَصَابَهُم قَحطٌ وَجَهدٌ حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَنظُرُ إِلَى السَّمَاءِ فَيَرَى بَينَهُ وَبَينَهَا كَهَيئَةِ الدُّخَانِ مِن الجَهدِ، وَحَتَّى أَكَلُوا العِظَامَ، فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ - في رواية: أبو سفيان، فقال: يا محمد إنك جئت تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم، وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم - وفي الرواية الأولى: فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ استَغفِر اللَّهَ لِمُضَرَ؛ فَإِنَّهُم قَد هَلَكُوا، فَقَالَ: لِمُضَرَ؟ إِنَّكَ لَجَرِيءٌ، قَالَ: فَدَعَا اللَّهَ لَهُم فَأَنزَلَ اللَّهُ : ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ قَالَ: فَمُطِرُوا، فَلَمَّا أَصَابَتهُم الرَّفَاهِيَةُ قَالَ: عَادُوا إِلَى مَا كَانُوا عَلَيهِ، قَالَ: فَأَنزَلَ اللَّهُ
ــ
و(قوله: حتى جعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى بينها وبينه كهيئة الدخان من الجهد) لا شك في أن تسمية هذا دخانا تجَوُّز، وحقيقة الدخان ما ذكر في حديث أبي سعيد، والذي حمل عبد الله بن مسعود على هذا الإنكار قوله: ﴿رَبَّنَا اكشِف عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤمِنُونَ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلا إِنَّكُم عَائِدُونَ﴾ ولذلك قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ وهذا لا دليل فيه على نفي ما قاله ذلك القائل؛ لأنَّ حديث أبي سعيد إنما دل على أن ذلك الدخان يكون من أشراط الساعة قبل أن تقوم القيامة، فيجوز انكشافه كما تنكشف فتن الدجال ويأجوج ومأجوج، وأما الذي لا ينكشف فعذاب الكافر بعد الموت، فلا معارضة بين الآية والحديث، والشأن في صحة الحديث.
و(قوله: استغفر الله لمضر) كذا صح في كتاب مسلم من الاستغفار، ووقع في كتاب البخاري: استسق الله لمضر، من الاستسقاء، وهو مناسب للحال التي
стр. 4395
عَزَّ وَجَلَّ: ﴿فَارتَقِب يَومَ تَأتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ * يَغشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، ﴿يَومَ نَبطِشُ البَطشَةَ الكُبرَى إِنَّا مُنتَقِمُونَ﴾ قال: يعني يوم بدر.
وفي رواية: قال: أفيكشف عذاب الآخرة؟ قال: وقد مضت آية الدخان والبطشة، واللزام وآية الروم. في أخرى: والقمر.
رواه البخاريُّ (٤٨٢١)، ومسلم (٢٧٩٨) (٣٩ - ٤١)، والترمذيُّ (٣٢٥١).
* * *
ــ
كانوا عليها من القحط، غير أن الذي يبعده إنكار النبي ﷺ على القائل بقوله: لمضر؛ فإنَّ طلب السقيا لهم لا يُنكَر، وإنما الذي يُنكَر طلب الاستغفار لهم. وقد فسر البطشة بأنها يوم بدر. وأما اللزام: فهو المذكور بقوله تعالى: ﴿فَسَوفَ يَكُونُ لِزَامًا﴾ وقد اختلف فيه، فقيل: هو العذاب الدائم، وأنشدوا:
فَإِمَّا ينجُوَا من خسف (١) أرض ... فقد لقيا حتوفهما لزاما
وقال آخر:
ولم أجزع من الموت اللزام
وقال أُبي: هو القتل بالسيف يوم بدر، وإليه نحا ابن مسعود، وهو قول أكثر الناس، وعلى هذا فتكون البطشة واللزام شيئا واحدا. وقال القرطبي (٢) وأبو عبيدة: هو الهلاك والموت، وأما الروم، فقد روى الترمذي من حديث نيار بن مكرم الأسلمي قال: لما نزلت: ﴿الم * غُلِبَتِ الرُّومُ﴾ الآيتين، فكانت
стр. 4396
(٢٤) ومن سورة الحجرات
[٢٩٠٧] عن أنس بن مالك، لما نزلت هذه الآية: ﴿لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم﴾ إلى آخر الآية، جَلَسَ ثَابِت فِي بَيتِهِ وَقَالَ: أَنَا مِن أَهلِ النَّارِ، وَاحتَبَسَ عَن النَّبِيِّ ﷺ ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ سَعدَ بنَ مُعَاذٍ
ــ
فارس يوم نزلت هذه الآية قاهرين للروم، وكان المسلمون يحبون ظهور الروم على فارس؛ لأنَّهم وإياهم أهل كتاب، وكانت قريش يحبون ظهور فارس على الروم؛ لأنَّهم وإياهم ليسوا بأهل كتاب ولا إيمان، ولما نزلت هذه الآية خرج أبو بكر يصيح في نواحي مكة بالآية، فقال كبراء المشركين: ألا نراهنك على ذلك؟ قال: بلى. وذلك قبل تحريم الرهان، فارتهن أبو بكر والمشركون، وأقبضوا الرهان، وقالوا لأبي بكر: كم تجعل البضع؟ البضع ثلاث سنين إلى تسع، قسم بيننا وبينك وسطا ننتهي إليه، فسموا بينهم ست سنين، فمضت الست سنين قبل أن يظهروا، فأخذ المشركون رهن أبي بكر، ولما دخلت السنة السابعة ظهرت الروم على فارس، فعاب المسلمون على أبي بكر تسمية ست سنين، لأن الله تعالى قال: ﴿فِي بِضعِ سِنِينَ﴾ قال: وأسلم بعد ذلك ناس كثير. قال: هذا حديث حسن صحيح (١)، وسيأتي القول في انشقاق القمر في سورته.
(٢٤) ومن سورة الحجرات
ثابت هذا هو ثابت بن قيس بن شماس بن مالك الخزرجي، يكنى أبا محمد، بابنه، وقيل: أبا عبد الرحمن، قُتل له يوم الحرة ثلاثة من الولد: محمد ويحيى وعبد الله، وكان خطيبا بليغا معروفا بذلك، كان يقال له: خطيب رسول الله ﷺ ، كما يقال لحسان: شاعر رسول الله ﷺ ، ولما قدم وفد بني تميم على رسول الله ﷺ
стр. 4397
فَقَالَ: يَا أَبَا عَمرٍو مَا شَأنُ ثَابِتٍ، أشتَكَى؟ قَالَ سَعدٌ: إِنَّهُ لَجَارِي وَمَا عَلِمتُ لَهُ بِشَكوى، قَالَ: فَأَتَاهُ سَعدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَولَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ ثَابِتٌ: أُنزِلَت هَذِهِ الآيَةُ، وَلَقَد عَلِمتُم أَنِّي مِن أَرفَعِكُم صَوتًا عَلَى
ــ
وطلبوا المفاخرة، قام خطيبهم فافتخر في خطبته. ثم قام ثابت بن قيس فخطب خطبة بليغة جزلة فغلبهم، وقام شاعرهم وهو الأقرع بن حابس فأنشد:
أتيناك كيما يعرف الناس فضلنا ... إذا خالفونا عند ذكر المكارم
وإنا رؤوس الناس من كل معشر ... وأن ليس في أرض الحجاز كدارم
فقام حسان فقال:
بني دارم لا تفخروا إن فخركم ... يعود وبالا عند ذكر المكارم
هُبِلتم علينا تفخرون وأنتم ... لنا خول من بين ظئر وخادم
فقالوا: خطيبهم أخطب من خطيبنا، وشاعرهم أشعر من شاعرنا، فارتفعت أصواتهم، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ وَلا تَجهَرُوا لَهُ بِالقَولِ﴾ ولما نزلت جلس ثابت في بيته، فكان كما ذكر في الأصل، وقال عطاء الخراساني: حدثتني ابنة ثابت بن قيس، قالت: لما نزلت هذه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرفَعُوا أَصوَاتَكُم فَوقَ صَوتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، دخل أبوها بيته وأغلق عليه بابه، ففقده النبي ﷺ ، فأرسل إليه يسأله: ما خبره؟ فقال: أنا رجل شديد الصوت أخاف أن يكون حبط عملي. فقال النبي ﷺ : لست منهم، بل تعيش بخير وتموت بخير. قال: ثم أنزل الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ كُلَّ مُختَالٍ فَخُورٍ﴾ فأغلق بابه وطفق يبكي، ففقده النبي ﷺ فأرسل إليه: ما خبره؟ فقال: يا رسول الله إني أحب الجمال وأحب أن أسود قومي، فقال:
стр. 4398
رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَأَنَا مِن أَهلِ النَّارِ. فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعدٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : بَل هُوَ مِن أَهلِ الجَنَّةِ.
وفي رواية: قال: فكنا نراه يمشي بين أظهرنا، رجل من أهل الجنة.
رواه البخاريُّ (٤٨٤٦)، ومسلم (١١٩) (١٨٧ و ١٨٨).
* * *
ــ
لستَ منهم، بل تعيش حميدا وتُقتل شهيدا، وتدخل الجنة. قالت: فلما كان يوم اليمامة خرج مع خالد إلى مسيلمة، فلما التقوا انكشفوا، فقال ثابت وسالم مولى أبي حذيفة: ما هكذا كنا نقاتل مع رسول الله ﷺ ، ثم حفر كل واحد منهما له حفرة، فثبتا، وقاتلا حتى قُتلا. وعلى ثابت يومئذ درع له نفيسة، فمر به رجل من المسلمين فأخذها، فبينا رجل من المسلمين نائم أتاه ثابت في منامه فقال له: أوصيك بوصية، وإياك أن تقول: هذا حلم، فتضيعه، إني لما قُتلت أمس مر بي رجل من المسلمين فأخذ درعي، ومنزله في أقصى الناس، وعند خبائه فرس يستن في طِوَله، وقد كفأ على الدرع برمة، وفوق البرمة رحل، فأت خالدا فمره أن يبعث إلى درعي، فيأخذها، وإذا قدمت المدينة على خليفة رسول الله ﷺ ، يعني أبا بكر ﵁ فقل له: إن عَلَي من الدَّين كذا وكذا، وفلان من رقيقي عتيق وفلان. فأتى الرجل خالدا فأخبره، فبعث إلى الدرع، فأُتي بها، وحدث أبا بكر برؤياه فأجاز وصيته.
قال: ولا نعلم أحدا أُجيزت وصيته بعد موته غير ثابت.
و(قوله: ﴿وَلا تَجهَرُوا لَهُ بِالقَولِ﴾) أي: لا تخاطبوه: يا محمد، و: يا أحمد، ولكن: يا نبي الله، أو: يا رسول الله. توقيرا له، ﷺ .
و(قوله: ﴿أَن تَحبَطَ أَعمَالُكُم﴾) أي: من أجل أن تحبط؛ أي: تبطل. فإمَّا أصل الأعمال، إن كان ذلك عن كفر، وإما ثوابها إن كان عن معصية.
стр. 4399
(٢٥) ومن سورة ق
[٢٩٠٨] عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : ما منكم من أحد إلا وقد وكل به قرينه من الجن، قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي، إلا أن الله أعانني عليه فأسلم، فلا يأمرني إلا بخير.
وفي رواية: وقد وكل به قرينه من الجن وقرينه من الملائكة.
رواه أحمد (١/ ٣٨٥)، ومسلم (٢٨١٤).
ــ
(٢٥) ومن سورة ق
اختلف فيه، فقال ابن عباس: هو اسم لله ، وقال قتادة: اسم للقرآن، وقال الضحاك: اسم الجبل المحيط بالأرض، وهو من زبرجدة خضراء، وعروق الجبال منها، وقال عطاء: هو قوة قلب نبينا محمد ﷺ ، وعلى تلك الأوجه: هو قسم، وعُطف: ﴿وَالقُرآنِ المَجِيدِ﴾ عليه. والقرين: فعيل بمعنى المقارن الملازم الذي لا يفارق، وأصله من القَرَن: وهو الحبل الذي يجمع به بين شيئين فيتلازمان بسببه، كما قال الشاعر:
وابن اللبون إذا ما لُز في قَرَن ... لم يستطع صولة البُزل القناعيس
وقد تقدَّم أن الشيطان وزنه فيعال، من شطن؛ أي: بعُد عن الخير، أو من شاط: إذا احتد واحترق، وإنه إنما يقال على المارد من الجن، وهو الكثير الشر الشديد الضر.
و(قوله: إلا أن الله أعانني عليه فأسلم). جمهور الرواة يقولون: فأسلمَ، بفتح الميم، ويريدون أن الشيطان صار مسلما. وكان سفيان بن عيينة يقول: فأسلمُ
стр. 4400
[٢٩٠٩] وعن عائشة أن رسول الله ﷺ خرج من عندها ليلا. قالت: فغِرت عليه فرأى ما أصنع، فقال: ما لك يا عائشة أغِرت؟ فقلت: وما لي لا يغار مثلي على مثلك؟ فقال رسول الله ﷺ : أقد جاءك شيطانك؟ قالت: يا رسول الله أومعي شيطان؟ قال: نعم، قلت: ومع كل إنسان؟ قال: نعم، قلت: ومعك يا رسول الله؟ قال: نعم، ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم.
رواه أحمد (٦/ ١١٥)، ومسلم (٢٨١٥).
* * *
ــ
بضم الميم، والمعنى فأسلم أنا من شره، وكان ينكر القول الأول، ويقول: الشيطان لا يسلم.
قلت: وهذا له موقع، غير أنه يبعده قوله: فلا يأمرني إلا بخير، فحينئذ يزول عنه اسم الشيطان ويصير مسلما، ويكون هذا مؤيدا لرواية الجمهور. فالذي لأجله فر سفيان من إسلام الشيطان، يلزمه في كونه لا يأمره إلا بخير. وقد روي هذا الحديث في مسند أحمد بن حنبل بلفظ آخر، وقال: لا يأمرني إلا بخير. وأما لفظ حديث عائشة ﵂ فهو في الوجه الأول واضح، فإنَّها قالت فيه: ولكن ربي أعانني عليه حتى أسلم. والظاهر منه: أن الشيطان هو الذي أسلم، مع أنه يحتمل أن يكون (حتى) بمعنى: كي، ويكون فيه راجع إلى النبي ﷺ ، أي: أعانني كي أسلم منه، والله تعالى أعلم.
* * *
стр. 4401
(٢٦) ومن سورة القمر
[٢٩١٠] عن عبد الله بن مسعود قال: بينما نحن مع رسول الله ﷺ بمنى إذ انفلق القمر فلقتين، فكانت فلقة وراء الجبل وفلقة دونه، فقال لنا رسول الله ﷺ : اشهدوا.
وفي رواية: فستر الجبلُ فلقةً، وكانت فلقة فوق الجبل.
رواه أحمد (١/ ٤٤٧)، والبخاري (٣٦٣٦)، ومسلم (٢٨٠٠) (٤٤ و ٤٥)، والترمذي (٣٢٨٥).
ــ
(٢٦) ومن سورة القمر
(قوله: انفلق القمر) أي: انشق نصفين، أي: وقع ذلك الانشقاق على حقيقته، ووُجد ذلك بمكة بمنى، بعد أن سألت قريش رسول الله ﷺ آية، فأراهم انشقاقه، على نحو ما ذكر، ثم إن عبد الله بن مسعود أوضح كيفية هذا الانشقاق حتى لم يترك لقائل مقالا، فقال: وكانت فلقة وراء الجبل، وفلقة دونه. وفي رواية: فستر الجبل فلقة، وكانت فلقة فوق الجبل، ونحو ذلك. قال ابن عمر ﵄ وقد روى هذا الحديث جماعة كثيرة من الصحابة ﵃، منهم: عبد الله بن مسعود، وأنس، وابن عباس، وابن عمر، وحذيفة، وعلي، وجبير بن مطعم، وغيرهم. وروى ذلك عن الصحابة أمثالهم من التابعين، ثم كذلك ينقله الجم الغفير والعدد الكثير، إلى أن انتهى ذلك إلينا، وفاضت أنواره علينا، وانضاف إلى ذلك ما جاء من ذلك في القرآن المتواتر عند كل إنسان، فقد حصل بهذه المعجزة العلم اليقين الذي لا يشك فيه أحد من العاقلين. وقد استبعد هذا كثير من الملحدة وبعض أهل الملة من حيث إنه لو كان كذلك للزم مشاركة جميع أهل الأرض في إدراك ذلك.
стр. 4402
[٢٩١١] وعن ابن عمر مثل ذلك.
رواه مسلم (٢٨٥١)، والترمذيُّ (٣٢٨٨).
[٢٩١٢] وعن أنس أن أهل مكة سألوا رسول الله ﷺ أن يريهم آية، فأراهم انشقاق القمر مرتين.
ــ
والجواب: إن هذا إنما كان يلزم لو استوى أهل الأرض في إدراك مطالعه في وقت واحد، وليس الأمر كذلك، فإنه يطلع على قوم قبل طلوعه على آخرين، فقد يكون الكسوف عند قوم، ولا يكون عند آخرين، وأيضًا: فإنما كان يلزم ذلك لو طال زمان الانشقاق، وتوفرت الدواعي على الاعتناء بالنظر إليه، ولم يكن شيء من ذلك، وإنما كان ذلك في زمن قصير شاهده من نُبِّه له، وذلك أن أهل مكة طلبوا من النبي ﷺ انشقاق القمر، فخرج بهم إلى منى، فأراهم انشقاق القمر. فلما أراهم الله ذلك قال: اشهدوا. فقالت قريش: هذا سحر. فقال بعضهم لبعض: إن كان محمد سحرنا، فما يبلغ سحره إلى الآفاق، فابعثوا إلى أهل الآفاق، فبعثوا إلى آفاق مكة، فأخبروهم أنهم عاينوا ذلك. هكذا نقل النقلة، وكم من نجم ينقض وصاعقة تنزل، وهو سمائي يختص بمشاهدته بعض الناس دون بعض، ثم إنها كانت آية ليلية، وعادة الناس في الليل كونهم في بيوتهم نائمين، ومعرضين عن الالتفات إلى السماء إلا الآحاد منهم، وقد يكون منهم من شاهد ذلك، فظنه سحابا حائلا، أو خيالا حائلا، وعلى الجملة فالموانع من ذلك لا تنحصر، ولا تنضبط، والذي يحسم مادة الخلاف بين أهل ملتنا أن نقول: لا بُعد في أن يكون الله تعالى خرق العادة في ذلك الوقت، فصرف جميع أهل الأرض عن الالتفات إلى القمر في تلك الساعة لتختص مشاهدة تلك الآية بأهل مكة، كما اختصوا بأكثر مشاهدة آياته، كحنين الجذع، وتسبيح الحصى، وكلام الشجر، إلى غير ذلك من الخوارق التي شاهدوها ونقلوها إلى غيرهم، كما قد نقلنا ذلك في كتابنا المسمى: بكتاب الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ ،
стр. 4403
وفي رواية: انشق القمر فرقتين.
رواه البخاريُّ (٤٨٦٧)، ومسلم (٢٨٠٢) (٤٦ و ٤٧)، والترمذيُّ (٣٢٨٢).
* * *
ــ
وهذا الكلام خاص للمنكر للانشقاق من أهل الإسلام، وأما الملاحدة فالكلام معهم في إبطال أصولهم الفاسدة، وقد تأول من أنكر وقوع انشقاق القمر من الإسلاميين قوله تعالى: ﴿وَانشَقَّ القَمَرُ﴾ بمعنى: ينشق في القيامة، وممن حكي عنه هذا التأويل: الحسن البصري. وتأول غيره (انشق): تحقق الأمر ووضح، وقال آخر: انشق الظلام عنه بطلوعه.
قلت: وهذه تحريفات لا تأويلات. والحسن البصري أعلم وأفضل من أن يذهب إلى شيء من ذلك، لا سيما مع شهرة القضية، وكثرة الرواة لها، واستفاضتها، وعلمه هو بالأخبار، وسلوكه طريق الصحابة والأخيار، وقد أدرك منهم جملة صالحة، وحصلت له بهم صفقة رابحة.
و(قراءة رسول الله ﷺ : ﴿فَهَل مِن مُدَّكِرٍ﴾ بالدال، وعليها الجماعة، ومدكر: اسم فاعل من: اذدكر؛ أي: تذكر، أدغمت الذال في الدال.
و(قوله: ﴿وَلَقَد يَسَّرنَا القُرآنَ لِلذِّكرِ﴾ أي: للحفظ، فليس شيء من الكتب يُحفظ كحفظ القرآن. والمدكر: المتعظ. وقيل: المزدجر. وقيل: المتحفَّظ.
* * *
стр. 4404
(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر
[٢٩١٣] عن ابن مسعود قال: ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ﴿أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ إلا أربع سنين.
رواه مسلم (٣٠٢٧).
ــ
(٢٧) ومن سورة الحديد والحشر
(قوله: لم يكن بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية إلا أربع سنين).
قال الخليل: العتاب مخاطبة الإدلال، ومذاكرة الموجدة، تقول: عاتبته معاتبة. قال الشاعر:
أعاتب ذا المودة من صديق ... إذا ما رابني منه اجتناب
إذا ذهب العتاب فليس ود ... ويبقى الود ما بقي العتاب
و(قوله: ﴿أَلَم يَأنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَن تَخشَعَ قُلُوبُهُم لِذِكرِ اللَّهِ﴾) أي: ألم يحِن، قال الشاعر:
. . . . . . . . . . . . . . . . . ... ألم يأنِ لي يا قلب أن أترك الجهلا (١)
وماضيه: أنى يأني، فأمَّا آن الممدود فمضارعه يئين. وأنشد ابن السكيت:
ألما يأن لي أن تجلى عمايتي ... وأفصم (٢) عن ليلي بلى قد أنى ليا
فجمع بين اللغتين. وأن تخشع: أي تذل وتلين لذكر الله وتعظيمه. وقيل:
стр. 4405
[٢٩١٤] وعن عائشة قالت لعروة: يا ابن أختي أُمِروا أن يستغفروا لأصحاب النبي ﷺ ، فسبّوهم. وقد تقدم.
رواه مسلم (٣٠٢٢).
* * *
ــ
معناه: تجزع من خشية الله، وقيل: الذكر هنا: القرآن، وفيه بُعد؛ لأن قوله: ﴿وَمَا نَزَلَ مِنَ الحَقِّ﴾ هو القرآن، فيكون تكرارا.
و(قوله: ﴿فَطَالَ عَلَيهِمُ الأَمَدُ﴾) أي: رأوا الموت بعيدا، يعني أنهم لطول أملهم لا يرون الموت يقع بهم، ﴿فَقَسَت قُلُوبُهُم﴾؛ أي: جفيت وغلظت، فلم يفهموا دلالة ولا صدقوا رسالة. ﴿وَكَثِيرٌ مِنهُم فَاسِقُونَ﴾؛ أي: خارجون عن مقتضى العقل من التوحيد، وعن مقتضى الرسالة من التصديق. وفائدة هذه الآية: أنه لما رسخ الإيمان في قلوبهم أرشدهم إلى الازدياد في أحوالهم، والمراقبة في أعمالهم، وحذرهم عن جفوة أهل الكتاب بأبلغ خطاب وألطف عتاب.
و(قول عائشة ﵂: أُمروا أن يستغفروا لأصحاب محمد ﷺ فسبوهم) أشارت عائشة ﵂ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فسبوهم: تريد عائشة بهذا أن التابعين حقهم الواجب عليهم أن يحبوا أصحاب رسول الله ﷺ ، وأن يعظموهم ويستغفروا لهم، وكذلك كل من يجيء بعد التابعين إلى يوم القيامة، ويحرم عليهم أن يسبوهم، أو يسبوا أحدا منهم، كما قد صرح بذلك بعض بني أمية، وإياهم عنت بقولها، ولقد أحسن مالك ﵀ في فهم هذه الآية، فقال: من سب أصحاب رسول الله ﷺ فلا حق له في الفيء، واستدل بالآية. ووجهه: أنه رأى هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبلِهِم﴾ وأن هذه الآية معطوفة على قوله: ﴿لِلفُقَرَاءِ المُهَاجِرِينَ﴾
стр. 4406
(٢٨) ومن سورة المنافقين
[٢٩١٥] عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ : من يصعد الثنية، ثنية المرار، فإنه يُحَط عنه ما حُط عن بني إسرائيل.
ــ
فظهر له أن المهاجرين والأنصار استحقوا الفيء بأنهم مهاجرون وأنصار من غير قيد زائد على ذلك، وأن مَن جاء بعدهم قُيِّدوا بقيد: ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَا اغفِر لَنَا وَلإِخوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالإِيمَانِ﴾ فإنَّ لم يوجد هذا القيد لم يجُز الإعطاء لعدم تمام الموجب. وقد فهم عمر ﵁ أن قوله: ﴿وَالَّذِينَ جَاءُوا مِن بَعدِهِم﴾ يعم كل من يأتي إلى يوم القيامة، وأنها معطوفة على ما قبلها، فوقف الأرض المغنومة المفتتحة في زمانه على من يأتي بعد إلى يوم القيامة، وخصص بهذه الآية الأرض من جملة الغنيمة التي قال الله فيها: ﴿وَاعلَمُوا أَنَّمَا غَنِمتُم مِن شَيءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ﴾ وقد تقدَّم الكلام على هذا في الجهاد.
(٢٨) ومن سورة المنافقين
(قوله: من يتسور ثنية المرار) يتسور: يعلو. وتسورت الجدار: علوته، وفي الرواية الأخرى: من يصعد وهذا واضح، والثنية: الطريق في الجبل. والمُرار - بضم الميم -: وهي ثنية معروفة وعرة المرتقى، فحث النبي ﷺ على صعودها، ولعل ذلك للحراسة.
و(قوله: حط عنه ما حط عن بني إسرائيل) أي: غُفرت خطاياه كما وُعد بنو إسرائيل حين قيل لهم: ﴿وَادخُلُوا البَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغفِر لَكُم خَطَايَاكُم﴾ يعني بذلك: أن من صعد تلك الثنية غُفرت خطاياه كما كانت خطايا بني إسرائيل تحط وتغفر لو فعلوا ما أُمروا به من الدخول، وقول الحطة، لكنهم لم يفعلوا ما أمروا به بل تمردوا واستهزؤوا، فدخلوا يزحفون على أستاههم، وقالوا
стр. 4407
قال: فكان أول من صعدها خيلنا خيل بني الخزرج، ثم تتام الناس، فقال رسول الله ﷺ : وكلكم مغفور له، إلا صاحب الجمل الأحمر، فأتيناه فقلنا له: تعال يستغفر لك رسول الله ﷺ فقال: والله لأن أجد ضالتي أحب إلي من أن يستغفر لي صاحبكم، قال: وكان رجل ينشد ضالة له.
رواه مسلم (٢٧٨٠)(١٢).
[٢٩١٦] وعن زيد بن أرقم، قال: خَرَجنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي سَفَرٍ، أَصَابَ النَّاسَ فِيهِ شِدَّةٌ، فَقَالَ عَبدُ اللَّهِ بنُ أُبَيٍّ لِأَصحَابِهِ: (لَا تُنفِقُوا عَلَى مَن عِندَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنفَضُّوا مِن حَولِهِ)، قَالَ زُهَيرٌ: وَهِيَ في قِرَاءَةُ عبد الله، وقال: ﴿لَئِن رَجَعنَا إِلَى المَدِينَةِ لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ﴾ قَالَ: فَأَتَيتُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَخبَرتُهُ بِذَلِكَ،
ــ
حنطة في شعرة، وقد لا يبعد أن يكون بعضهم دخل على نحو ما أُمر به فغفر له، غير أنه لم ينقل ذلك إلينا.
و(قوله ﷺ : كلكم مغفور له إلا صاحب الجمل) لما صعدوا كما أُمروا أُنجز لهم ما به وُعدوا، فإنَّ الله تعالى لا يخلف الميعاد ولا رسوله. وقيل: إن صاحب الجمل هو الجد بن قيس، المنافق. وينشد ضالته: يطلبها، ونشدت الضالة: طلبتها، وأنشدتها: عرَّفتها.
و(قوله: حتى ينفضوا) أي: يتفرقوا. و (من حوله): في قراءة عبد الله، ولم يثبت في شيء من المصاحف المتفق عليها، ويمكن أن تكون زيادة بيان من جهة ابن مسعود.
و(قوله: ﴿لَيُخرِجَنَّ الأَعَزُّ مِنهَا الأَذَلَّ﴾) يعني المنافق
стр. 4408
فَأَرسَلَ إِلَى عَبدِ اللَّهِ بنِ أُبَيٍّ فَسَأَلَهُ، فَاجتَهَدَ يَمِينَهُ مَا فَعَلَ، فَقَالَ: كَذَبَ زَيدٌ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ، قَالَ: فَوَقَعَ فِي نَفسِي مِمَّا قَالُوهُ شِدَّةٌ حَتَّى أَنزَلَ اللَّهُ تَصدِيقِي: ﴿إِذَا جَاءَكَ المُنَافِقُونَ﴾
قَالَ: ثُمَّ دَعَاهُم النَّبِيُّ ﷺ لِيَستَغفِرَ لَهُم، قَالَ: فَلَوَّوا رُؤُوسَهُم. وقَوله: ﴿كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ وَقَالَ: كَانُوا رِجَالًا أَجمَلَ شَيءٍ.
رواه البخاري (٤٩٠٠)، ومسلم (٢٧٧٢)، والترمذيُّ (٣٣٠٩ و ٣٣١٠).
* * *
ــ
بالأعز: نفسه وعشيرته، وبالأذل: النبي ﷺ والمؤمنين، جهل فقال، وحيث وجب أن يسكن حال غلبت عليه شقوته، فانعكست فكرته (١)، فظن الأرض سماء والسراب ماء، فنبهه ولد نطفته على قبيح غلطته، فقال له: أنت والله الأذل، ورسول الله الأعز، فأنزل الله تصديقه في كتابه لعلهم يسمعون: ﴿وَلِلَّهِ العِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلمُؤمِنِينَ﴾ ثم إن النبي ﷺ تلطف بهم على مقتضى خُلقه الكريم وحلمه العظيم، ودعاهم للاستغفار فأبت الشقوة إلا التمادي على الجهل والاستكبار فلووا رؤوسهم معرضين، وصدوا مستكبرين فقوبلوا بلن يغفر الله لهم، إن الله لا يهدي القوم الفاسقين، حشرنا الله مع المؤمنين وجنبنا أحوال المنافقين بفضله وكرمه.
و(قوله: ﴿كَأَنَّهُم خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ﴾ يعني أنهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام، فصورهم معجبة وبواطنهم قبيحة خربة ومسندة إلى الجدر، شبههم بالجذوع المسندة الممالة إلى جدار، كما قال الشاعر:
قد مضينا بعدهم نتبعهم ... فرأيناهم قياما كالخشب
стр. 4409
(٢٩) باب: من أخبار المنافقين
[٢٩١٧] عن أبي الطفيل، قال: كَانَ بَينَ رَجُلٍ مِن أَهلِ العَقَبَةِ وَبَينَ حُذَيفَةَ بَعضُ مَا يَكُونُ بَينَ النَّاسِ،
ــ
وهو جمع خشبة. يقال: خُشبة وخُشب بضمهما، ويقال: خَشَب، بفتحهما، وقد قرئ بهما.
[(٢٩) باب: من أخبار المنافقين] (١)
(قول أبي الطفيل: كان بين رجل من أهل العقبة وبين حذيفة بعض ما يكون بين الناس) ليست هذه العقبة عقبة بيعة الأنصار لرسول الله ﷺ في أول الإسلام، ومن ظن ذلك فقد جهل، وإنما هي عقبة بطريق تبوك، وقف له فيها قوم من المنافقين ليقتلوه، كما قد رواه أحمد بن حنبل من طريق أبي الطفيل هذا، قال: لما أقبل رسول الله ﷺ من غزوة تبوك أمر مناديا ينادي: أن رسول الله ﷺ أخذ العقبة، فلا يأخذها أحد، فبينما رسول الله ﷺ يقوده حذيفة، ويسوقه عمار ﵄ إذ أقبل رهط متلثمون على الرواحل غشوا عمارا، وهو يسوق برسول الله ﷺ ، وأقبل عمار يضرب وجوه الرواحل، فقال رسول الله ﷺ لحذيفة: قد، قد حتى هبط رسول الله ﷺ ، فلما هبط نزل، ورجع عمار، فقال: هل عرفت القوم؟ فقال: قد عرفت عامة الرواحل، والقوم متلثمون. قال: هل تدري ما أرادوا؟ قال: الله ورسوله أعلم. قال: أرادوا أن ينفروا برسول الله ﷺ ، فيطرحوه. وذكر أبو الطفيل في تلك الغزاة: أن رسول الله ﷺ قال للناس، وذكر له أن في الماء قلة فأمر رسول الله ﷺ مناديا ينادي: ألا يرد الماء أحد قبل رسول الله ﷺ ، فورده رسول الله ﷺ ، فوجد رهطا قد وردوا قبله، فلعنهم
стр. 4410
فَقَالَ: أَنشُدُكَ اللَّهَ كَم كَانَ أَصحَابُ العَقَبَةِ؟ قَالَ: فَقَالَ لَهُ القَومُ: أَخبِرهُ إِذ سَأَلَكَ، قَالَ: كُنَّا نُخبَرُ أَنَّهُم أَربَعَةَ عَشَرَ، فَإِن كُنتَ مِنهُم فَقَد كَانَ القَومُ خَمسَةَ عَشَرَ، وَأَشهَدُ بِاللَّهِ أَنَّ اثنَي عَشَرَ مِنهُم حَربٌ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي الحَيَاةِ الدُّنيَا وَيَومَ يَقُومُ الأَشهَادُ، وَعَذَرَ ثَلَاثَةً قَالُوا: مَا سَمِعنَا مُنَادِيَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، وَلَا عَلِمنَا بِمَا أَرَادَ القَومُ، وَقَد كَانَ فِي حَرَّةٍ فَمَشَى فَقَالَ: إِنَّ المَاءَ قَلِيلٌ فَلَا يَسبِقنِي إِلَيهِ أَحَدٌ، فَوَجَدَ قَومًا قَد سَبَقُوهُ، فَلَعَنَهُم يَومَئِذٍ.
رواه أحمد (٥/ ٣٩١)، ومسلم (٢٧٧٩)(١١).
[٢٩١٨] وعَن أَنَسِ بنِ مَالِكٍ قَالَ: كَانَ مِنَّا رَجُلٌ مِن بَنِي النَّجَّارِ، قَد قَرَأَ البَقَرَةَ وَآلَ عِمرَانَ، وَكَانَ يَكتُبُ لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَانطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى
ــ
رسول الله ﷺ (١). وعنى أبو الطفيل بقوله: بعض ما يكون بين الناس: الملاحاة والمعاتبة التي تقع غالبًا بين الناس.
و(قوله: أنشدك الله) أي: أسالك بالله، والقائل: أنشدك بالله؛ هو الرجل الذي لاحاه حذيفة ﵁ والقائل: كنا نخبر أنهم أربعة عشر، فإن كنت فيهم فالقوم خمسة عشر: هو حذيفة، والمخاطب بذلك القول: هو الرجل المعاتب السائل له بأنشدك الله، وظاهر كلام حذيفة: أنه ما شك فيه، لكنه ستر ذلك إبقاء عليه. وهؤلاء الأربعة عشر، أو الخمسة عشر هم الذين سبقوا إلى الماء، فلعنهم النبي ﷺ ، غير أنه قبل عذر ثلاثة منهم لما اعتذروا له بأنهم ما سمعوا المنادي، وما علموا بما أراد من كان معهم من المنافقين؛ فإنَّهم أرادوا مخالفة رسول الله ﷺ ، وأن يسبقوا إلى الماء، ويحتمل أن يريد بهم الرهط الذين عرضوا لرسول الله ﷺ بالعقبة ليقتلوه، والله تعالى أعلم.
стр. 4411
لَحِقَ بِأَهلِ الكِتَابِ، قَالَ: فَرَفَعُوهُ، قَالُوا: هَذَا قَد كَانَ يَكتُبُ لِمُحَمَّدٍ، فَأُعجِبُوا بِهِ، فَمَا لَبِثَ أَن قَصَمَ اللَّهُ عُنُقَهُ فِيهِم، فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ، فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، ثُمَّ عَادُوا فَحَفَرُوا لَهُ فَوَارَوهُ فَأَصبَحَت الأَرضُ قَد نَبَذَتهُ عَلَى وَجهِهَا، فَتَرَكُوهُ مَنبُوذًا.
رواه أحمد (٣/ ٢٢٢)، والبخاريُّ (٣٦١٧)، ومسلم (٢٧٨١).
[٢٩١٩] وعَن جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَدِمَ مِن سَفَرٍ، فَلَمَّا كَانَ قُربَ المَدِينَةِ هَاجَت رِيحٌ تَكَادُ أَن تَدفِنَ الرَّاكِبَ، فزعم أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: بُعِثَت هَذِهِ الرِّيحُ لِمَوتِ مُنَافِقٍ، قال: فقدم المدينة فَإِذَا مُنَافِقٌ عَظِيمٌ مِن المُنَافِقِينَ قَد مَاتَ.
رواه مسلم (٢٧٨٢).
[٢٩٢٠] وعن إياس قال: حَدَّثَنِي أَبِي قَالَ: عُدنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ رَجُلًا مَوعُوكًا، قَالَ: فَوَضَعتُ يَدِي عَلَيهِ فَقُلتُ: وَاللَّهِ مَا رَأَيتُ كَاليَومِ
ــ
و(قوله: فما لبث أن قصم الله عنقه) أي: ما طال مقامه حتى أهلكه الله. وواروه: غطوه. ونبذته: ألقته وأخرجته. ومنبوذا: مطروحا على وجه الأرض. وإنما أظهر الله تلك الآية في هذا المرتد، ليوضح حجَّة نبيه ﷺ لليهود عيانا، وليقيم لهم على ضلالة من خالف دينه برهانا، وليزداد الذين آمنوا يقينا وإيمانا.
و(قوله: هاجت ريح تكاد أن تدفن الراكب) أي: هبت ريح شديدة تحمل معها التراب والرمل لشدتها، حتى لو عارضها راكب على بعيره لدفنته بما تسفي (١)
стр. 4412
رَجُلًا أَشَدَّ حَرًّا، فَقَالَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ : أَلَا أُخبِرُكُم بِأَشَدَّ حَرًّا مِنهُ يَومَ القِيَامَةِ؟ هَذَينِكَ الرَّجُلَينِ الرَّاكِبَينِ المُقَفِّيَينِ. لِرَجُلَينِ حِينَئِذٍ مِن أَصحَابِهِ.
رواه مسلم (٢٧٨٣).
* * *
(٣٠) ومن سورة التحريم
[٢٩٢١] عن عبد الله بن عباس قال: حَدَّثَنِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ
ــ
عليه من التراب والرمل. وكأن هذه الريح إنما هاجت عند موت ذلك المنافق العظيم ليعذب بها، أو جعلها الله علامة لنبيه ﷺ على موت ذلك المنافق، وأنه مات على النفاق، والله تعالى أعلم.
و(قوله: ألا أخبركم بأشد حرا منه يوم القيامة؟ هذينك الرجلين الراكبين المقفيين) الرواية بخفض (هذينك) على البدل من (أشد)، وهو بدل المعرفة من النكرة، وما بعد (هذينك) نعوت له. ومعنى المقفيين: الموليان أقفيتهما.
و(قوله لرجلين حينئذ من أصحابه) إنما نسبهما الراوي لأصحاب النبي ﷺ ؛ لأنَّهما كانا في غمارهم ودخلا بحكم ظاهرهما في دينهم، والعليم الخبير يعلم ما تُجنّه الصدور، وما يختلج في الضمير، فأعلم الله تعالى نبيه ﷺ بخبث بواطنهما وبسوء عاقبتهما، فارتفع اسم الصحبة، وصدق اسم العداوة والبغضاء.
(٣٠) ومن سورة التحريم
حديث ابن عباس هذا قد تقدَّم في الإيلاء، لكن بطريق غير هذا، وألفاظ تخالف هذا؛ فلذلك كررناه في المختصر.