← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 132524

المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم

أبو العباس القرطبي

Полный текст (4 436 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ج ١)

стр. 72

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ج ١)

стр. 73

صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ج ١)

стр. 74

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ج ١)

стр. 75

صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ج ٢)

стр. 76

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ج ٢)

стр. 77

صورة الصفحة الأولى من نسخة المفهم (ش)

стр. 78

صورة الصفحة الأخيرة من نسخة المفهم (ش)

стр. 79

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة كتاب المفهم صلَّى اللَّهُ على سيِّدنا محمَّدٍ وآلِهِ وصحبِهِ وسلَّم. قال الشيخُ الفقيهُ الإمام الحافظ أبو العبَّاس أحمَدُ بنُ عُمَرَ بنِ إبراهيمَ، الأنصاريُّ القرطبيُّ، ﵀: الحمدُ للهِ كما وَجَب لكبريائهِ وجلالِه، والشُّكرُ له على ما غَمَرنا به من نَعمِه وآلائه، أَحمَدُهُ حَمدَ مَن غاصَ في بحار معرفة أسمائِه وجَمالِه، وأشكُرُه شُكرَ مَن عَلِمَ أنَّ شُكرَهُ مِن جُملةِ آلائِه وأفضالِه. وأشهَدُ أن لا إله إلا الله وحدَهُ لا نظيرَ له في ذاته ولا شريكَ له في أفعالِه، وأشهَدُ أنَّ محمَّدًا عبده ورسوله، رسولٌ خُصَّ من الإرسالِ الإلهيِّ بعمومِهِ وخِتامِهِ وكَمالِه، ومِنَ الحقِّ المُبين بصَفوِهِ ومَحضِهِ وزُلالِه، وخُصَّ مَن أطاعَهُ واتَّبعه في أقوالِهِ وأفعالِه بمحبَّةِ الله وهدايتِه الشَّامِلةِ له في جميعِ أحوالِه، وبالفَوزِ بالنَّعيم الأكبر، يومَ يَجِدُ كُلُّ عاملٍ مَغَبَّةَ أعمالِه، صلَّى الله عليه وعلى آله الطَّيِّبِينَ الأكرَمين أهله وآلِه، ورَضِيَ الله عن صَحابَته المُصطفَينَ لإظهارِ الدِّين وإكمالِه، وبعد: فلمَّا حَصَلَ من تلخيص كتاب مسلم وترتيبه وتبويبه المَأمُول، وسَهُلَ إلى حفظِه وتحصيلِه الوصول: رأينا أن نُكَمِّلَ فائدتَهُ للطالبين، ونُسهِّلَ

стр. 80

السبيلَ إليه على الباحثين؛ بشَرحِ غريبه، والتَّنبيهِ على نُكَتٍ من إعرابِه، وعلى وجوهِ الاستدلالِ بأحاديثِه، وإيضاحِ مُشكِلاتِه حَسَبَ تبويبِه، وعلى مَسَاق ترتيبِه، فنجمَعَ فيه ما سمعناه من مشايخنا، أو وقَفنا عليه في كتب أئمَّتنا، أو تفضَّلَ الكريمُ الوهَّابُ بفهمه علينا على طريق الاختصار، ما لم يَدعُ الكَشفُ إلى التطويلِ والإكثار، حرصًا على التقريبِ والتسهيل، وعونًا على التفهمِ والتَّحصيل، وسمَّيته بـ: المُفهِم لِمَا أَشكَلَ مِن تلخيصِ كتابِ مُسلِم. وقد اجتهدتُّ في تصحيحِ ما نَقَلتُ ورأيت، حسَبَ وُسعِي فيما عَلِمت، غيرَ مدَّعٍ عِصمَة، ولا متبرِّئٍ من زَلَّة، والعصمةُ من الله، ولا حولَ ولا قوةَ إلا بالله، ووجهَ اللهِ الكريمِ لا غيرَهُ قصدتّ، وثوابَهُ أردتّ، وهو المسؤولُ في المعونةِ عليه، والانتفاعِ به؛ إنه طيِّبُ الأسماء، سميعُ الدعاء. فلنشرع فيما ذكرناه، مستعينين بالله تعالى. * * *

стр. 81

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ (١) مقدمة تلخيص صحيح الإمام مسلم قال الشَّيخُ الفقيه، الإمامُ العالمُ المُحدِّث، أبو العبَّاس ابنُ الشَّيخِ الفَقيهِ أبي حَفصٍ عُمَرَ، الأنصاريُّ القُرطُبيُّ ﵀: الحمدُ لله بمَجامِع مَحامِده ــ (١) بابُ ما تضمَّنتهُ خُطبَةُ الكتابِ وصدرُهُ من المعاني والغريب (قوله: الحمد لله) الحمدُ لغةً: هو الثناءُ على مُثنًى عليه بما فيه من أوصاف الجلال والكمال. والشكر والثناءُ بما أَولَى من الإنعام والإفضال، وقد يوضع الحمدُ موضعَ الشكر، ولا ينعكس؛ والشكرُ يكونُ بالقلب واللسان والجوارح. قال الشاعر: أَفَادَتكُمُ النَّعماءُ مِنِّي ثَلاثَةً ... يَدِي ولِسَانِي والضَّمِيرَ المُحَجَّبَا قال ابن الأنباري: الحمدُ مقلوبُ المدح، والألفُ واللامُ في الحمد: إذا نُسبتا إلى الله تعالى: للجنس، أي: الحمدُ كلُّه له؛ وهذا أولى مِن قول مَن قال: إنَّهما للعهد؛ بدليل خصوصيَّة نسبتِه إلى هذا الاسمِ الذي هو أعمُّ الأسماء دَلالةً وأشهَرُها استعمالاً؛ ألا ترى أنَّهم لم يقولوا: الحمد للمَلِكِ، ولا للحقِّ؟ ! ولأنَّه لم يجر ذكرُ معهودٍ قبله فيُحمَلَ عليه.

стр. 82

التي لا يُبلَغُ مُنتَهاها، ــ والمحامد: جمع مَحمِدَة، بكسر الميم؛ كما قال الأحنف بن قيس: ألا أدلُّكم على المَحمِدَةِ بلا مَريَة؟ الخُلُقُ السَّجِيح (١) والكفُّ عن القبيح. وكان قياسُ ميم المَحمِدَة التي هي عينُ الفعل: أن تكونَ مفتوحة؛ لأنَّ قياسَ الأفعالِ الثلاثيَّة التي يكون الماضي منها على فَعِلَ مكسور العين: أن يكون الفعلُ منها مفتوحَ العين في المصدر والزمان والمكان؛ كالمَشرَب، والمَعلَم، والمَجهَل، لكن شذَّت عنهم كلمات. قال أبو عمرَ الزاهدُ: لم يأت على مثال فَعِلتُ مَفعِلَةً إلَاّ قولهم: حَمِدتُّ مَحمِدَةً، وحَمِيتُ مَحمِيَةً، أي: عصمت، وحَسِبتُ مَحسِبَةً، ووَدِدتُّ مَودِدَةً، وأنشد الراجز: مَا لِيَ في صُدُورِهِم مِن مَودِدَة وزاد غيره: كَبِرتُ مَكبِرَةً ومَكبِرًا؛ كما قال أعشى هَمدان: طَلَبتَ الصِّبَا لما عَلاني المَكبِرُ وحكى ابنُ البياتِيّ في كتابه الكبير في ميم المحمدة الفتحَ، ونقل عن ابن دُرَيدٍ: مَحمِدَة ومَحمَدة، بالكسر والفتح، وقاله أيضًا ابن سِيدَه. وقال بعضهم: إنَّ المحامدَ جمع حَمدٍ على غير قياس؛ كالمَفَاقِر جمع فَقر، والأوَّل أولى؛ لأنّ ما ليس بقياسٍ لا يقاسُ عليه؛ إذ الجمعُ بينهما متناقض، وقد جُمِعَ الحمدُ جمعَ القِلَّةِ في قول الشاعر: وَأَبلَجَ مَحمُودِ الثَّنايا خَصَصتُهُ ... بأَفضَلِ أَقوَالِي وَأَفضَلِ أَحمُدِ و(قوله: التي لا يُبلَغُ مُنتهاها) أي: لَعجِز البشر عن الإحصاء؛ لقصور علمهم

стр. 83

والشُّكرُ له على آلائِهِ، وإن لم يَكُن أحدٌ أحصاها. وأشهدُ أن لا إله إلَاّ الله وَحدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، شَهادَةَ مُحَقِّقٍ أصُولِهَا ــ عن الإحاطة بصفات الحق تعالى وأسمائه؛ كما قال ﵊: لَا أُحصِي ثَنَاءً عَلَيكَ أَنتَ كَمَا أَثنَيتَ عَلَى نَفسِكَ (١). والآلاء: النِّعَم، واحده: إلى؛ كمِعًى وأمعاء، وقيل: أَلىً؛ كقَفًا وأَقفاء؛ قال الشاعر: أَبيَضُ لا يَرهَبُ الهُزَالَ وَلا ... يَقطَعُ رِحمًا وَلا يَحوز إِلًى يُروى بالوجهين، وقيل: إليٌ؛ كحِسيٍ وأَحسَاء. و(قوله: وأشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له) أي: أنطِقُ بما أعلمُهُ وأتحقَّقُهُ. وأصلُ الشهادة: الإخبارُ عمَّا شاهد المخبِرُ بحسِّه، ثُمَّ قد يقال على ما يحقّقه الإنسانُ ويتقَّنَهُ وإن لم يكن شاهدًا للحِسِّ؛ لأنَّ المحقَّقَ علمًا كالمدرَكِ حِسًّا ومشاهدةً. و(قوله: شهادةَ محقِّقٍ أصولها، محيطٍ بمعناها): أصولُ الشهادة: أدلَّتُها العقليَّة والسمعيَّة. والإحاطةُ تعني هاهنا: العلمَ بمعناها في اللغة، وفي عُرفِ الاستعمال. ومُحَمَّدٌ: مُفَعَّل من الحمد، وهو الذي كثُرت خصالُهُ المحمودة؛ قال الشاعر: . . . . . . . . ... إِلَى المَاجِدِ القَرمِ الجَوَادِ المُحَمَّدِ (٢) ولمَّا لم يكن في الأنبياء ولا في الرسل مَن له من الخصالِ المحمودةِ ما

стр. 84

مُحيطٍ بِمَعنَاهَا، وَأَشهَدُ أنَّ محمَّدًا رَسُولٌ حَلَّ مِن رُبَا النبوَّةِ أَعلَاهَا فَعَلَاهَا، وَحَمَلَ مِن أَعبَاءِ الرِّسَالَة إِدَّهَا، فَاضطلَعَ بِهَا وَأَدَّاهَا، فجلا اللهُ بِهِ عن البصائرِ ــ لنبيِّنا ﷺ ، خصَّه الله مِن بينهم بهذا الاسم؛ كيف لا، وهو الذي يَحمَدُهُ أهلُ المحشر كلُّهم، وبيده لواءُ الحمد، تحته آدمُ فَمَن دونَهُ؛ على ما يأتي؟ ! والرُّبَا: جمع رَبوة، وهو ما ارتفع من الأرض وطاف، وفيها لغات: فتحُ الراء وضمُّها وكسرُها، وقد قرئ بها. وقيل: رَبَاوة: بفتح الراء وزيادة الألف، قال الشاعر: مِن مَنزِلي فِي عَرصَةٍ بِرَبَاوَةٍ ... بَينَ النُّخَيلِ إِلَى بَقِيع الغَرقَدِ والنُّبُوَّة: مأخوذة من النبأ، وهو الخبر، فأصلها إِذَا الهمزُ، ثمَّ سُهِّلت كما سهَّلوا خابية، وهي من خَبَأتُ، وقيل: هي مأخوذةٌ من النَّبوَة، وهو المرتفعُ عن الأرض. والأعباء: جمع عِبء، وهو الثِّقل، وأصله: ما يحمله الإنسانُ مما يَشُقُّ ويثقُلُ من عزم أو مشقَّة. وإِدُّها: أثقلُهَا وأشقُّها؛ في الصحاح: آدَنِي الحِملُ يَؤُودُني، أي: أثقلني، ومَؤدد مثل مَقُول، يقالُ: ما آدني فهو لي آئدٌ. قلتُ: ومنه قوله تعالى: وَلَا يَئُودُهُ حِفظُهُمَا أي: لا يُثقِله ولا يَشُقُّ عليه. و(قوله: فاضطلع بها) أي: قام بها وقَوِيَ عليها، وهو بالضاد المعجمة أخت الصاد؛ من قولهم: ضَلُعَ الرجلُ - بضمِّ اللام - ضَلاعةً، فهو ضَلِيع، أي: قوي وصُلبٌ. فأما ضَلَع - بفتح اللام - فمعناه: اعوج، ومصدره: الضَّلَع بفتحها، واسمُ الفاعلِ مِن هذا أو من الذي قبله: ضالعٌ. وجَلَا معناه: كشف، ومنه: جلَوتُ السيفَ والعروسَ جِلَاءً. والبصائر: جمع بصيرة، وهي عبارةٌ عن سرعة إدراك المعاني وجَودَةِ فهمها.

стр. 85

رَينَهَا، وعن الأبصارِ عَشَاهَا، صَلَّى اللهُ عليه من الصلواتِ أفضَلَهَا وأزكَاهَا، وأبلَغَهُ عنَّا من التحياتِ أكمَلَهَا وأَولَاهَا، ورَضِيَ اللهُ عن عِترَتِهِ وأزواجِهِ وصحابتِهِ ما سَفَرَت شمسٌ عن ضُحَاهَا، وبعدُ: ــ ورَينُ القلبِ: ما يَغلِبُ عليه مما يُفسِدُهُ ويُقَسِّيه، وهو المعبَّر عنه بالطَّبعِ والخَتم في قول أهل السنة. والعَشَا بفتح العين والقصر: ضَعفٌ في البصر، وبكسرها والمد: الوقتُ المعروف، وبفتحها والمد: ما يؤكَلُ في هذا الوقت، مقابلَ الغَدَاء. وأزكاها: أكثرُها وأنماها؛ من قولهم: زَكا الزرعُ يَزكُو. والتحيَّات: جمع تحيَّة؛ وهي هنا السلام، وأصلُ التحية: المُلكُ، ومنه قولهم: حيَّاك الله، أي: مَلَّكك الله، قاله القُتَبِيُّ. والعِترة: الذرية والعشيرة، القُربى والبُعدى، وليس مخصوصًا بالذرية؛ كما قد ذهب إليه بعضهم حتى قال: إنَّ عترةَ رسولِ الله ﷺ هي وَلَدُ فاطمة خاصَّةً. ويدلُّ على صحة القولِ الأوَّل: قولُ أبي بكر ﵁ فيما رواه ابنُ قُتَيبَةَ: نَحنُ عِترَةُ رسولِ الله ﷺ التي خَرَجَ منها، وبَيضَتُهُ التي تفقَّأَت عنه، وإنما جِيبَتِ عنا كما جِيبَتِ الرَّحَا عن قُطبِها (١). وسَفَرَت: كشفَت، يقال: سفَرتُ الشيءَ سَفرًا كشفتُهُ؛ ومنه سَفَرَتِ المرأةُ عن وجهها سُفُورًا: إذا أزالت خمارها، وأما أسفر الصبحُ: فأضاء، وأَسفَرَ القوم: ساروا في إسفارٍ من الصبح. والضُّحَى: صدرُ النهار، بالضم والقصر، وهي حين شروقِ الشمس، وهي مؤنَّثة، فأمَّا الضَّحاءُ، بالمد: فارتفاع النهار الأعلى، وهو مذكَّر؛ قاله أبو عُبَيد. والنتائج جمع نتيجة، وكُنّىَ بها هنا عن البراهين العقلية، فإنها قضت بما ذكرَناه جوازًا وإمكانًا. وأدلة الشرع: هي أخباره الصادقة؛ فإنها قضَت بذلك وقوعًا وعِيَانًا.

стр. 86

فلمَّا قَضَت نتائِجُ العُقول، وأدلَّةُ الشَّرعِ المَنقُول: أن سَعادَةَ الدَّارَينِ مَنُوطَةٌ بمُتابَعَةِ هذا الرَّسول، وأنَّ المحبةَ الحَقيقِيَّةَ باقتِفاءِ سَبيلِهِ وَاجِبَةُ الحُصُول ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي﴾ [آل عمران: ٣١] انتَهَضَت هِمَمُ أعلامِ العُلَماء، والسَّادَةُ الفُضلاء، إلى البَحثِ عَن آثارِه: أقوالِهِ وأفعالِهِ وإِقرارِه، فحَصَّلُوا ذَلِك ضَبطًا وحِفظًا، وبلَّغُوهُ إلى غَيرِهِم مُشافَهَةً ونَقلاً. ومَيَّزوا صَحيحَهُ مِن سَقيمِه، ــ وسعادة الدارين: هي نيلُ مراتبهما ومصالحهما، ونفيُ مفاسدهما. ومنوطة: معلَّقة، يقال: ناط الشيءَ يَنُوطُهُ: إذا علَّقه؛ والإشارة به إلى نحو قوله تعالى: ﴿قُل إِن كُنتُم تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحبِبكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: ٣١] والهداية الحقيقية هي فعلُ الطاعاتِ الشرعيَّة، والحصولُ على ما وعَدَ عليها من الدرجات الأخروية؛ والإشارةُ إلى نحو قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا﴾ [النور: ٥٤]؛ وتجوز بالحقيقَة عن الهداية التي هي مجرَّدُ الإرشادِ والدَّلالَةِ التي هي نحو قولِهِ تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ﴾ [فصلت: ١٧]. والاقتفاء: التَّتَبُّع؛ من قولهم: اقتفيتُ أثَرَه وقفوتُهُ، وأصله من القَفَا والقافية. و(قوله: واجبة الحصول) أي: بحسَبِ الوعدِ الصدق والاشتراطِ الحق؛ نحو ما تقدَّم. ولا يجبُ على الله تعالى شيء، لا بالعقلِ ولا بالشرع؛ فإنَّ ذلك كلَّه محالٌ على ما يعُرف في علم الكلام. والأعلام: المشاهير، جمع عَلَمٍ. والسَّادة: جمع سيِّد، وهو الذي يَسُودُ غيره، أي: يتقدَّم عليه بما فيه مِن خصال الكمال والشرف. وآثار النبي ﷺ : هي ما يُؤثَرُ عنه وينقل، أي: يُتَحَدَّث بما فيه من حسن خصال الكمال من قولهم: أَثَرتُ الحديثَ أثرة. و(قوله: وميَّزوا صحيحَه من سقيمِه): اختلفت عباراتُ المحدِّثين في أقسام الحديث، فقال أبو عبد الله محمد بنُ عبد الله الحاكمُ النيسابوريُّ: وهو المعروفُ بابن

стр. 87

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ البَيِّع في كتاب المَدخَل له: الصحيحُ من الحديث على عشرة أقسام؛ خمسةٌ مُتَّفَقٌ عليها، وخمسةٌ مُختَلَفٌ فيها: فالأول: من المتفَّق عليه: اختيارُ البخاريِّ ومسلم، وهو ألَاّ يَذكُرا من الحديث إلا ما رواه صحابيٌّ مشهورٌ عن رسول الله ﷺ ، له راويان فأكثر، ثم يرويه عنه تابعيٌّ مشهورُ الرواية عن الصحابة، له هو أيضًا راويان فأكثر؛ وكذلك مَن بعدهم، حتى ينتهي الحديثُ إليهما. قال: والأحاديثُ المرويَّةُ بهذه الشريطةِ لا يبلُغُ عددها عَشَرَةَ آلاف. الثاني: مِثلُ الأول؛ لكن ليس لراويه من الصحابة إلا راو واحد. الثالث: مثله؛ إلا أنَّ راويَهُ ليس له من التابعين إلا راو واحدٌ. الرابع: الأحاديثُ الأفرادُ الغرائبُ التي رواها الثقاتُ العدول. الخامس: أحاديثُ جماعةٍ من الأئمَّةِ عن آبائهم عن أجدادهم، ولم تتواتَرِ الروايةُ عن آبائِهِم وأجدادِهِم إلا عنهم؛ كصحيفة عمرو بن شُعَيب، وبهز بن حَكِيم، عن أبيه، عن جَدِّه، وأبان بن معاوية بن قُرَّة، عن أبيه، عن جده، وأجدادُهُم صحابةٌ، وأحفادهم ثقات. قال: فهذه الأقسام الخمسة مخرَّجة في كتب الأئمة، محتجٌّ بها؛ وإن لم يخرَّج في الصحيحين منها شيء. قلتُ: يعني غَيرَ القسم الأول. قال الحاكم: والخمسةُ المختَلُف فيها: المراسيل. وأحاديث المدلِّسين إذا لم يَذكُروا سماعاتهم، وما أسنده ثقةٌ وأرسلَهُ جماعةٌ من الثقاتِ غيرُهُ. وروايةُ الثقاتِ عن الحُفَّاظ العارفين. وروايةُ المبتدعة إذا كانوا صادقين. قلتُ: هذا تلخيصُ ما ذكره، وعليه فيه مؤاخذاتٌ سيأتي بعضها. وأشبَهُ مِن تقسيمه: ما قاله الخَطَّابيُّ أبو سليمان، قال: الحديثُ عند أهله على ثلاثة أقسام: صحيحٌ، وحَسَنٌ، وسقيم: فالصحيح: ما اتصَلَ سنده، وعُدِّلَت نَقَلَتُهُ. والحسن: ما عُرِفَ مَخرَجُهُ؛

стр. 88

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ واشتَهَر رجاله؛ وعليه مدارُ أكثرِ الحديث، وهو الذي نقله العلماء، ويستعملُهُ عامَّةُ الفقهاء. والسقيم: على طبقات، شرُّها الموضوعُ والمقلوبُ، ثم المجهول. وقال أبو عيسى الترمذي: كلُّ حديثٍ حَسُنَ إسنادُهُ، ولا يكونُ في إسناده مَن يُتَّهَمُ بالكذب، ولا يكونُ الحديثُ شاذًّا، ورُوِيَ عن غير وجه ونحو ذلك: فهو عندنا حسن. وقال أبو عليٍّ الغَسَّانيُّ: الناقلون سبع طبقات: الأولى: أئمة الحديث وحُفَّاظه، وهم الحُجَّة على مَن خالفهم، ويُقبَلُ انفرادُهم. الثانية: دونهم في الحفظ والضبط؛ ولكنَّهم لَحِقَهم في بعض روايتهم وَهَمٌ وغَلَطٌ. والغالبُ على حديثهم الصِّحَّة، ويُصحَّحُ ما وَهِمُوا فيه من رواية الطبقة الأولى، وهم لاحقون بهم. الثالثة: جَنَحَت إلى مذاهبَ مِنَ الأهواء غير غالية ولا داعية، وصَحَّ حديثها، وثَبَتَ صدقها، وقَلَّ وَهَمُها؛ فهذه الطبقة احتمَلَ أهلُ الحديث الروايةَ عنهم. قال: وعلى هذه الطبقاتِ الثلاثِ يدورُ الحديثُ؛ وإليها أشار مسلم في صدر كتابه لمَّا قَسَّم الحديثَ على ثلاثة أقسام، وثلاثِ طبقات، فلم يُقَدَّر له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى، واخترمتهُ المنيَّة. وثلاثُ طبقات أسقطَهُم أهلُ المعرفة: الأولى: مَن وُسِم بالكذب، وَوَضع الحديث. الثانية: مَن غَلَب عليهم الوَهَمُ والغَلَطُ حتى تستغرق روايتهم. الثالثة: مَن غلا في البدعة، ودعا إليها، وحَرَّفَ الرواية ليحتجُّوا بها. والسابعة: قومٌ مجهولون، انفردوا بروايات لم يتابَعُوا عليها؛ فقبلهم قومٌ، ووقفهم آخرون. قلت: وهذا التقسيمُ أشبهُ ممَّا قبله.

стр. 89

ومُعوَجَّهُ مِن مُستَقيمِه، إلى أن انتَهى ذلك إلى إمَامَي عُلَماءِ الصَّحيح، المُبَرِّزَينِ في عِلمِ التَّعديلِ والتَّجريح: أبي عبد الله محمَّد بن ــ وعليه: فالصحيحُ: حديثُ الطبقة الأولى، والحسَنُ: حديثُ الطبقة الثانية، وهو حجةٌ؛ لسلامته عن القوادح المعتبرة، وأمَّا حديثُ الطبقة الثالثة: فاختُلِفَ في حديثها؛ على ما يأتي. وأما الطبقاتُ الثلاثُ بعدها فهم متروكون، ولا يُحتَجُّ بشيء من حديثهم، ولا يُختَلَف في ذلك. ويلحق بهم السابعةُ في الترك، ولا يُبالَى بقولِ مَن قَبلَهم؛ إذ لا طرائقَ إلى ظَنِّ صدقهم؛ إذ لا تُعرَفُ روايتُهُم ولا أحوالهم؛ ومع ذلك فقد أَتَوا بالغرائبِ والمناكِير، فإحدى العلتين كافية في الرد، فكيف إذا اجتمعتا؟ ! و(قوله: ومُعوَجَّهُ من مستقيمه): أشار بالمُعوَجِّ إلى ما كان منها منكرَ المتن، ولم يشبه كلامَ النبي ﷺ ؛ كما قال أبو الفرج ابن الجوزيُّ في كتاب العلل المتناهية في الأحاديث الواهية: إن من الأحاديثِ الموضوعاتِ أحاديثَ طِوَالاً لا يخفى وضعها، وبرودةُ لفظها؛ فهي تنطق بأنها موضوعة، وأنَّ حاشيةَ رسول الله ﷺ ترق عنها. وقال الشيخ: وإلى هذا النحو أشار النبيُ ﷺ بقوله: إذا حُدِّثتُم عني بحديثٍ تَعرِفُونَهُ ولا تُنكِرُونَهُ، فصدِّقوا به، وما تنكرونه، فكذِّبوا به؛ فأنا أقولُ ما يُعرَفُ ولا يُنكَر، ولا أقولُ ما يُنكَرُ ولا يُعرَف (١)؛ خرَّجه الدَّارقُطنيُّ؛ من حديث ابن أبي ذئب، عن المَقبُريِّ، عن أبيه، عن أبي هريرة. والمبرِّز: هو المُطِلُّ على الشيءِ الخارجُ عنه، وهو اسمُ فاعلٍ من بَرَّزَ

стр. 90

إسماعيل الجُعفيِّ البُخاريّ، ــ مُشدَّدَ الراء، وأصله من بَرَزَ حقيقة، بمعنى: خرج إلى البَراز - بفتح الباء -، وهو الفضاءُ المتسع من الأرض، وضوعف تكبيرًا. البخاري: هو أبو عبد الله محمدُ بنُ إسماعيلَ بن إبراهيمَ بن المُغِيرَة بن بَردِزبَه، وبردزبه: مجوسيٌّ مات عليها، والمغيرة بن بردزبه أسلم على يدي يمان البخاري الجعفي والي بخارى، ولذلك نُسبَ أبو عبد الله البخاري، فقيل فيه: جُعفِيُّ، فهو الجعفيُّ ولاءً، والبخاري بلدًا. وهو العَلَمُ المشهور، والحاملُ لواءَ علمِ الحديثِ المنشور، صاحب التاريخ الصحيح، المرجوع إليه في علم التعديل والتجريح، أَحَدُ حُفَّاظِ الإسلام، ومَن حَفِظَ الله به حديثَ رسوله ﵊، رحَلَ في طلب الحديثِ إلى القُرَى والأمصار، وبالَغَ في الجمعِ منه والإكثار، لقي مَن كان في عصره من العلماء والمحدِّثين، وأدرَكَ جماعةً أدركوا التابعين؛ كَمَكِّيِّ بن إبراهيمَ البَلخِيّ، وأبي عاصمٍ النبيل، ومحمَّدِ بنِ عبدِ الله الأنصاريّ، وعصامِ بنِ خالدٍ الحِمصِيّ، وهم أدركوا متأخِّري التابعين. ارتحَلَ إلى عراقِ العربِ والعَجَم، وإلى مصرَ والحجازِ واليَمَن، وسمع بها مِن خلقٍ كثير رُبَّمَا يزيدون على الألفِ باليسير. قال جعفرُ بنُ محمَّد بن القَطَّانُ: سمعتُ محمدَ بن إسماعيل يقول: كتبتُ عن ألفِ شيخٍ أو أكثر، ما عندي حديثٌ إلا أذكُرُ إسناده. رَوَى عنه جمعٌ كبيرٌ من الأئمة الحُفَّاظ؛ كأبي حاتم الرازي، ومسلم بن الحَجَّاج القُشَيري، وأبي عيسى التَّرمِذِيّ، ومحمد بن إسحاق بن خُزَيمة، وأبي حامدِ بنِ الشَّرقيِّ، وإبراهيمَ بنِ إسحاقَ الحَربي، في آخرين يطولُ ذكرهم. وروى عنه الجامعَ الصحيحَ: أبو حيان مَهِيبُ بن سُلَيمٍ الدَّقَّاق، وإبراهيمُ بنُ مَعقِلٍ النَّسَفِيُّ، ومحمد بن يوسف بن مَطَرٍ الفَرَبرِيُّ، وهو آخرهم، وقال محمد بن يوسفَ الفَربريُّ: سمع كتابَ البخاريِّ تسعون ألف رجل، فما بقي أحدٌ يرويه غيري. ومولُد البخاريِّ يوم الجمعة بعد صلاتها لثلاثَ عَشَرَةَ ليلةً خلت من شَوَّال

стр. 91

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ سنة أربع وتسعين ومائة، وتوفِّي ليلةَ السبتِ عند صلاة العشاء من ليلة الفطر من شوال، سنة ست وخمسين ومائتين، وعمره: اثنتان وسِتُّون سنة إلا ثلاثة عشر يومًا. شَهِدَ له أئمَّةُ عصره بالإمامة في حفظ الحديث ونقله، وشهدَت له تراجمُ كتابه بفهمه وفقهه. قال أبو بكر محمد بن إسحاق بن خُزَيمة: ما تحت أديمِ السماء أعلَمُ بالحديث من البخاري. وقال له مسلم بن الحَجَّاج، وقد سأله عن عِلل الأحاديث، فأجابه، فقال له: لا يَبغُضُكَ إلا حاسد، وأشهَدُ أن ليس في الدنيا مثلك. وقال أبو بكرٍ الجَوزَقي: سمعتُ أبا حامدِ بنَ الشَّرقي أو غيره يقولُ: رأيتُ مسلم بن الحَجَّاج بين يَدَيِ البخاريِّ كالصبيِّ بين يدي معلِّمه. وقال حامد بن أحمد: ذُكِرَ لعليِّ بنِ المَدِيِنيِّ قولُ محمد بن إسماعيل البخاري: ما تصاغَرتُ نفسي عند أحدٍ إلا عند عليِّ ابن المديني، فقال: ذروا قوله هو، ما رأى مِثلَ نفسه. وذكر أبو أحمدَ بنُ عَدِيٍّ: أَنَّ البخاري لمَّا قدم بغداد امتحنه المحدِّثون بأن قلبوا أسانيد مائةِ حديثٍ، فخالفوا بينها وبين متونها، ثم دفعوها لِعَشَرةِ أنفس، لكلِّ واحدٍ عشرةُ أحاديث، فلمَّا استَقَرَّ به المجلس، قام إليه واحد من العشرة، فذَكَر له حديثًا مِن عَشَرَتِهِ المقلوبة، فسأله عنه، فقال له البخاري: لا أعرف هذا. ثم سأله عن بقيَّةِ العَشَرة واحدًا واحدًا، وهو في كلِّ ذلك يقول: لا أعرف. ثم قام بعده ثانٍ ففعل له مثلَ ذلك، ثم قام ثالثٌ كذلك، حتى كمَّل العشرةُ المائة الحديثِ. فلمَّا فرغوا، دعا بالأوَّل، فَرَدَّ ما ذَكَرَ له من الأحاديث إلى أسانيدها، ثم فَعَلَ ببقيَّةِ العشرة كذلك، إلى أن رَدَّ كلَّ متن إلى سنده، وكُلَّ سند إلى متنه، فبُهِتَ الحاضرون، وأُعجِبَ بذلك السامعون، وسلَّموا لحفظه، واعترفوا بفضله. وقال الدارقطني: لولا البخاريُّ ما ذَهَبَ مسلمٌ ولا جاء. وقال أحمد بن محمد الكراسي: رحم الله الإمامَ أبا عبد الله البخاريَّ، فإنَّه الذي ألَّف الأصول، وبيَّن للناس، وكلُّ مَن عمل بعده فإنما أخَذَه مِن كتابه؛ كمسلم بن الحجاج، فرَّقَ كتابه في

стр. 92

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ كتبه، وتجلَّد فيه حَقَّ الجلادة، حيثُ لم يَنسُبهُ إلى قائله، ومنهم مَن أَخَذَ كتابه فنقله بعينه؛ كأبي زرعة، وأبي حاتم. فقال محمدُ بنُ الأزهرِ السِّجزِيُّ: كنتُ بالبصرة في مجلسِ سليمانَ بنِ حرب، والبخاريُّ جالس لا يكتب، فقال بعضهم: ما له لا يكتب؟ فقال: يرجع إلى بخارَى فيكتب مِن حفظه. وقال محمد بن حَمدَوَيهِ: سمعتُ البخاريَّ يقول: أحفظ مائة ألفِ حديثٍ صحيح، وأعرفُ مائتَي ألفِ حديثٍ غير صحيح. وأخبارُهُ كثيرة، ومناقبُهُ شهيرة، وإمامته وعدالته وأمانته متواترة، كُلُّ ذلك مِن حاله معروف، ومِن فضله موصوف. والعجبُ مما ذكره أبو محمدِ بنُ أبي حاتم في ترجمة البخاري، فقال: إنَّ أبي وأبا زرعة تركاه - يعني البخاري - لأنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولم ينقُل شيئًا من فضائله، وكأنَّه أعرَضَ عنه وصغَّرَ أمره. قلتُ: وهذا تركٌ يجبُ تَركُه، وتصغيرٌ يتعيَّن ضِدُّه، كيف يُنزل مثلُ هذا الإمام، لحقٍّ أظهَرَهُ في الأنام، وتطاعُ فيه أهواءُ الطَّغَام (١)؟ ! وقد ذَكَر ابن عدي هذه القصَّة، فقال: عُقِدَ له المجلسُ بنيسابور، فدُسَّ عليه سائل، فقال: يا أبا عبد الله، ما تقول: لفظي بالقرآن مخلوق؟ فأعرض عنه، فأَلَحَّ عليه، فقال: القرآنُ قد تم غيرُ مخلوق، وأفعالُ العباد مخلوقة، والسؤالُ عنه بِدعة. وهذا الذي قاله ﵁ هو غايةُ التحقيق والتحرُّز، ولكن نسألُ الله العافيةَ مِن إصابة عينِ الحُسَّاد، ومناكَدَةِ الأضداد ولا شكَّ، إلا أن الرجلَ عُلِمَ فضلُهُ، وكَثُرَ الناسُ عليه فحُسِدَ. قال عليُّ بنُ صالحِ بنِ محمدٍ البغداديُّ مستَملي البخاري: كان يجتمعُ في مجلس البخاريِّ أكثَرُ من عشرين ألفًا. قال المصعب: محمدُ بنُ إسماعيلَ أفقهُ عندنا مِن أحمدَ بنِ حنبل، ولو أدركتَ مالكًا ونظَرتَ إلى وجهه، ووَجهِ محمدِ بنِ

стр. 93

وأبي الحُسَين مُسلِم بن الحجَّاج القُشَيريِّ النَّيسابُوريّ، فجَمَعَا كِتابَيهِما عَلَى شَرطِ الصِّحَّة، ــ إسماعيل، لقلتَ: كلاهما في الفقهِ والحديثِ واحد. وقال يعقوبُ بنُ إبراهيمَ الدَّورَقيُّ: محمدُ بن إسماعيل فقيهُ هذه الأمة. وأما مسلم: فيكنى أبا الحسين بن الحَجَّاج، قُشَيرِيُّ النسب، نَيسَابوري الدار. وقد ذكر في صدر الكتاب الملخَّص - الذي هذا شرحُهُ - من أقوال العلماء في مسلم من الثناءِ عليه وعلى كتابه: جملةً صالحة، بحيث إذا قوبلت بما قيل في البخاري وفي كتابه كانت مكافئةً لها أو راجحةً عليها. والحاصلُ من معرفة أحوالهما أنهما فَرَسا رِهان، وأنَّهما ليس لأحد في حَلبتهما بمسابقتهما ولا مساوقتهما يدان. سمع مسلمٌ بخراسان، وارتحَلَ إلى العراق والحجاز والشام ومصر كارتحال البخاريِّ. وسمع من يحيى بن يحيى التميمي، وقتيبة بن سعيد البلخي، وإسحاقَ بنِ راهَوَيهِ، وأحمدَ بنِ حنبل، ويحيى بن مَعِين، والقَعنَبِيِّ، ومسلمِ بنِ إبراهيم، وأبي بكر بن أبي شيبة، ومحمدِ بن بَشَّار، ومحمدِ بنِ المثنى، وخلقًا كثيرًا يطول ذكرهم. رَوَى عنه: إبراهيمُ بن سفيان الزاهدُ المَروَزِيُّ، وأبو محمدٍ أحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحسن القَلَانِسِيُّ، ولا يُروَى كتابُهُ إلا من طريقهما. وروى عنه أيضًا: مكي بن عَبدَان، ويحيى بن محمد بن صاعد، ومحمد بن مَخلَد، وآخرون. توفِّي عشيةَ يوم الأحد، ودُفِنَ يوم الإثنين لخمسٍ بَقِينَ من رجب سنةَ إحدى وستين ومائتين، وقد وافى سِنَّ الكهولة، مات وهو ابنُ خمس وخمسين سنة. و(قوله: فجمعا كتابيهما على شرط الصحة): هذا هو الصحيحُ الحاصلُ من أشراط البخاريِّ ومسلم في كتابيهما. قال إبراهيمُ بن مَعقِل: سمعتُ البخاريَّ

стр. 94

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يقول: ما أدخلتُ في كتاب الجامع الصحيح إلا ما صَحَّ، وقد تركتُ من الصحيح خوفًا من التطويل. وقال أبو الفرج بن الجوزي: ونُقِلَ عن محمد بن إسماعيل أنه قال: صَنَّفتُ كتاب الصحيح في سِتَّ عَشرَةَ سنةً مِن سِتِّمائة ألف حديث، وجعلته حجةً بيني وبين الله تعالى. وقال لي الفربري: قال لي محمد بن إسماعيل: ما وضعتُ في كتاب الصحيح حديثًا إلا اغتسلتُ قبل ذلك، وصلَّيتُ ركعتين. وقال عبد القُدُّوس بن هشام: سمعت عشرةً من المشايخ يقولون: دوَّن محمد بن إسماعيل تراجمَ جامعِهِ بين قبر النبيِّ ﷺ وبين منبره، وكان يصلِّي لكل ترجمة ركعتين. وقال الحسين بن محمد الماسَرجِسِيُّ: سمعتُ أبي يقولُ: سمعتُ مسلمَ بنَ الحَجَّاج يقولُ: صَنَّفتُ هذا المسنَدَ الصحيحَ من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة. وقال إبراهيم بن سفيان: قال لي مسلم: ليس كلُّ صحيحٍ وضعتُ هنا، وإنما وضعتُ ما أجمعوا عليه. فهذه نُصُوصُهُمَا على أنَّ شرطهما إنما هو الصحيحُ فقط. وأما ما ادّعاه الحاكمُ عليهما مِنَ الشرط الذي قدَّمنا حكايته عنهما: فشيءٌ لم يصحَّ نقله عنهما، ولا سَلَّمَ له النقَّادُ ذلك؛ بَل قد قال أبو علي الجَيَّاني لمَّا حَكَى عنه ما ادَّعاه من الشرط: ليس مراده به أن يكون كلُّ خبر روياه يجتمع فيه راويان عن صحابيِّيه وتابعيِّيه ومَن بعده؛ فإن ذلك يَعِزُّ وجوده، وإنما المراد: أن هذا الصحابيَّ وهذا التابعيَّ قد روى عنه رجلان خَرَجَ بهما عن حَدِّ الجهالة. قلتُ: فقد بطَلَ ظاهرُ ما قاله الحاكمُ بما قاله أبو علي؛ فإنَّ حاصل ما قاله أبو علي: أنهما لم يُخَرِّجا عن مجهول من الرواة، على أنَّ أبا أحمدَ بنَ عَدِيٍّ ذكَرَ شيوخَ البخاري، وذكر منهم أقوامًا لم يَرو عنهم إلا راو واحدٌ، وسمَّاهم عينًا عينًا، وقال: لم يرو عنهم إلَاّ راو واحد، وليسوا بمعروفين، فلولا التطويل لنقلنا (١) عنه ما قاله. وعلى هذا: فشرطهما: أن يخرِّجا في كتابيهما ما صَحَّ عندهما وفي ظنونهما، ولا يلزم مِن

стр. 95

وبَذَلا جُهدَهُما في تَبرِئَتِهِما مِن كُلِّ عِلَّة، فتمَّ لهُما المُرادُ، وانعَقَدَ الإجماعُ على تَلقِيبِهِما باسمِ الصَّحيحَين أَو كاد، فجَازاهُما الله عَنِ الإسلامِ أَفضَلَ الجَزاء، وَوَفَّاهُما مِن أَجرِ مَنِ انتَفَعَ بِكِتابَيهِما أَفضَلَ الإجزَاء. ــ ذلك نفيُ المطاعن عن كُلِّ مَن تضمَّنه كتاباهما؛ فقد يظهَرُ لغيرهما من النُّقَّاد ما خفي عنهما، لكنَّ هذا المعنى المشارَ إليه قليل نادرٌ لا اعتبارَ به لندوره. و(قوله: وبذلا جهدهما في تبرئتهما من كل علة): الجُهد، بضمِّ الجيم: الطاقةُ والوُسع، وبفتحها: المَشَقَّة، ويعني بذلك: أنَّهما قد اجتهدا في تصحيح أحاديث كتابَيهِمَا غايةَ الاجتهاد، غير أنَّ الإحاطةَ والكمال، لم يَكمُلَا إلَاّ لذي العظمة والجلال، فقد خَرَّجَ النقاد - كأبي الحسن الدَّارَقُطنِيّ وأبي عليٍّ الجَيَّانيّ - عليهما في كتابيهما أحاديثَ ضعيفةً وأسانيدَ عليلة، لكنَّها نادرة قليلة، وليس فيها حديث متّفق على تركه، ولا إسناد مجمَع على ضعفه، لكنّها ممَّا اختُلِفَ فيه، ولم يَلُح لواحدٍ منهما في شيء منها قدحٌ فيخفيه، بل ذلك على حَسِبَ ما غلَبَ على ظَنِّه، وحصل في علمه، وأكثرُ ذلك ممّا أردفاه على إسناد صحيح قبله؛ زيادةً في الاستظهار، وتنبيهًا على الإشهار، والله أعلم. وسيأتي التنبيه على بعض تلك الأحاديث، إن شاء الله تعالى. (فقوله: فتمَّ لهما المراد، وانعقَدَ الإجماعُ على تلقيبهما باسم الصحيحين أو كاد): هذه أو كاد: معطوفة على تَمَّ لهما المراد، وتحرَّزنا بها عن الأحاديثِ المُعلّلةِ المنتَقَدةِ عليهما؛ كما ذكرناه آنفاً. وأمَّا انعقادُ الإجماعِ على تسميتهما بالصحيحَين: فلا شَكَّ فيه؛ بل قد صار ذِكرُ الصحيح عَلَمًا لهما، وإن كان غيرهما بعدهما قد جمَعَ الصحيح (١) واشترَطَ الصِّحَّةَ؛ كأبي بكرٍ الإسماعيلي الجُرجَانيِّ،

стр. 96

غَيرَ أنه قد ظَهَرَ لكثيرٍ من أئمَّة النقلِ، وَجَهَابِذَةِ النَّقد: أنَّ لمسلمٍ ولكتابهِ من المَزِيَّة؛ ما يُوجِبُ لهما أَولَوِيَّة؛ فَقَد حَكَى القَاضِي أَبُو الفَضل عِيَاضٌ الإِجماعَ عَلَى إمامتِهِ وتقديمِهِ، وصِحَّةِ حديثِهِ، وتمَيزِهِ، وثقتِهِ، وقَبُولِ كِتَابِهِ. وكان أَبُو زُرعَةَ وأبُو حَاتِمٍ يُقَدِّمانِهِ في الحديثِ على مشايِخِ عَصرِهِمَا. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الحسَنُ بنُ عَلِيٍّ النَّيسَابُورِيُّ: مَا تَحتَ أَدِيمِ السَّمَاءِ أَصَحُّ مِن كِتَابِ مُسلِمٍ. وقَالَ أَبُو مَروانَ الطّيبيُّ: كان من شُيوخِي من يفضِّل كتابَ مُسلِمٍ عَلَى كِتَابِ البُخَارِيِّ. وَقَالَ مسلم بنُ قَاسِمٍ فِي تَارِيخِهِ: مُسلِمٌ جَلِيلُ القَدرِ، ثِقَةٌ، مِن أَئِمَّةِ المُحَدِّثِينَ، وَذَكَرَ كِتَابَهُ فِي الصَّحِيحِ، فقَالَ: لَم يَضَع أَحَدٌ مِثلَهُ. ــ وأبي الشيخ ابن حَيَّان الأصبهانيِّ، وأبي بكرٍ البَرقَانيّ، والحاكمِ أبي عبد الله، وإبراهيمَ بن حمزة، وأبي ذرٍّ الهَرَوِيِّ، وغيرهم، لكنِ الإمامان أَحرَزَا قَصَبَ السِّبَاق، ولُقِّبَ كتاباهما بالصحيحَين بالاتِّفاق؛ قال أبو عبد الله الحاكم: أهلُ الحجازِ والعراقِ والشامِ يَشهَدون لأهلِ خراسان بالتقدُّمِ في معرفةِ الحديث؛ لِسَبقِ الإمامَينِ: البخاريِّ ومسلم إليه، وتفرُّدِهِمَا بهذا النوع. والجهابذة: جمع جِهبِذ، وهو: الحاذقُ بالعملِ، الماهرُ فيه. وقول مسلم: ليس كلُّ الصحيح وضعتُ هنا، وإنَّمَا وضعتُ ما أجمَعُوا عليه، يعني به - والله أعلم -: مَن لقيه مِن أهل النقد والعلم بالحديث، والله أعلم.

стр. 97

وَقَالَ أَبُو حَامِدِ بنُ الشَّرقِيِّ: سَمِعتُ مُسلِمًا يَقُولُ: مَا وَضَعتُ شَيئًا فِي هَذَا المُسنَدِ إِلَاّ بِحُجَّةٍ، وَمَا أَسقَطتُ مِنهُ إِلَاّ بِحُجَّةٍ. وَقَالَ ابنُ سُفيَانَ: قَالَ مُسلِمٌ: لَيسَ كُلُّ الصَحِيحٍ وَضَعتُ هُنَا، إِنَّمَا وَضَعتُ مَا أَجمَعُوا عَلَيهِ. وقَالَ مُسلِمٌ: لَو أَنَّ أَهلَ الحَدِيثِ يَكتُبُونَ الحَدِيثَ مِائَتَي سَنَةٍ، فَمَدَارُهُم عَلَى هَذَا المُسنَدِ، وَلَقَد عَرَضتُ كِتَابِي هذَا عَلَى أَبِي زُرعَةَ الرَّازِيِّ؛ فَكُلَّ مَا أَشَارَ إِلَى أَنَّ لَهُ عِلَّةً تَرَكتُهُ، وَمَا قَالَ: هُوَ صَحِيحٌ لَيسَ لَهُ عِلَّةٌ أَخرَجَتهُ. هَذَا مَعَ أَنَّ الكِتَابَ أَحسَنُ الأَحَادِيثِ مَسَاقًا، وَأَكمَلُ سِيَاقًا، وَأَقَلّ تَكرَارًا، وَأَتقَنُ اعتِبَارًا، وَأَيسَرُ لِلحِفظِ، وَأَسرَعُ لِلضّبطِ، مَعَ أَنَّهُ ذَكَرَ صَدرًا مِن عِلمِ الحَدِيث، وَمَيَّزَ طبَقَاتِ المُحَدِّثِينَ فِي القَدِيمِ وَالحَدِيث. وَلَمَّا كَانَ هَذَا الكِتَابُ بِهَذِهِ الصِّفَة، وَمُصَنِّفُهُ بِهَذِهِ الحَالَة، ينبغِيَ أَن يَخُصَّ بِفَضلِ عِنَايَة؛ مِن تَصحِيحٍ وَضَبطٍ وَرِوَايَة؛ وَحِفظٍ وَتَفَقُّهٍ وَدِرَايَة. إِذِ الاعتِنَاءُ بِحَدِيثِ رَسُولِ الله ﷺ يُشَرِّفُ الأَقدَار؛ وَيُنهِضُ الحُجَّةَ وَيُسَدِّدُ ــ و(قوله: وَمَيَّزَ طبَقَاتِ المُحَدِّثِينَ فِي القَدِيمِ وَالحَدِيث): يعني بالقديم: من تقدّم زمان مسلم، وبالحديث: زمانَ مَن أدركه. وهذا إشارةٌ إلى قول مسلم في صدر كتابه: أنَّه يعمَدُ إلى جملةِ ما أُسنِدَ من الأخبار عن رسول الله ﷺ ، فَيَقسِمُهَا على ثلاثة أقسام، وثلاثِ طبقات، قال: أمَّا القسمُ الأوَّلُ، فإنَّا نتوخَّى أن نقدِّمَ الأخبارَ التي هي أسلَمُ من العيوب من غيرها وأنقَى؛ مِن أن يكونَ ناقلوها أهلَ استقامة في الحديث، وإتقان (١) لما نقلوا، لم يوجد في روايتهم اختلافٌ شديد، ولا تخليطٌ متفاحش.

стр. 98

الاعتِبَار؛ وينفع البَصَائِرَ، وَيَفتَحُ الأَبصَار؛ وَيُمَيِّزُ عَنِ الجَهلَةِ، ويُلحِقُ بِالأَئِمَّةِ الأَبرَار، وَيُدخِلُ الجَنَّةَ وَيُنجِي مِنَ النَّار. ــ وإذا نحن تقصَّينَا أخبارَ هذا الصِّنفِ، أتبعناها أخبارًا في إسنادها بعضُ مَن ليس بالموصوفِ بالحِفظِ والإتقانِ، كالضَّربِ المتقدِّم، على أنّهم - وإن كانوا فيما وصفنا دونهم - فإنَّ اسم السَّترِ وتعاطي العلمِ والصِّدقِ يشملهم؛ كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، ولَيث بن أبي سُلَيم، فغيرُهُم من أقرانهم مِمَّن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية، يَفضُلُونَهُم في المنزلة والحال؛ ألا ترى أنّك إذا وازنتَ هؤلاءِ الثلاثةَ، عطاءً، ويزيدَ، وليثًا، بمنصور بن المُعتَمِرِ وسليمانَ الأعمشِ، وإسماعيلَ بن أبي خالد، وجدتَّهم مباينين لهم في المنزلة لا يدانونهم، لا شَكَّ عند العلماء في ذلك. وذكر كلامًا في معناه إلى أن قال: فأما ما كان منها عن قومٍ هم عند أهل الحديث مُتَّهَمُونَ، أو عند الأكثر، فلسنا نتشاغَلُ بتخريج حديثهم؛ كعبد الله بن مِسوَرٍ أبي جعفرٍ المداينيِّ، وعمرو بن خالد، وعبد القُدُّوس الشامي، ومحمدِ بنِ سعِيدٍ المَصلُوب، وغِيَاثِ بن إبراهيم، وسليمان بن عَمرو، وأبي داودَ النَّخَعِيِّ وأشباهِهِم ممن اتُّهمَ بوضع الحديث، وتوليد الأخبار، وكذلك مَنِ الغالبُ على حديثه المنكَرُ أو الغلطُ، أمسكنا عنهم. قال المؤلف رحمه الله تعالى: وظاهرُ هذا أن مسلمًا أدخَلَ في كتابه الطبقتين المتقدِّمتين: الأولى والثانية، غير أنَّ أبا عبد الله الحاكم قال: إنَّ مسلمًا لم يُدخِل في كتابه إلا أحاديث الطبقة الأولى فقط (١)، وأما الثانية والثالثة: فكان قد عزَمَ على أن يخرِّج حديثهما، فلم يُقَدَّر له إلا الفراغُ من الطبقة الأولى، واخترمته المنية. قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومَسَاقُ كلامِهِ لا يقبَلُ ما قاله الحاكم؛ فتأمَّله.

стр. 99

وَقَد أَعَانَ الكَرِيمُ الوَهَّابُ عَلَى الاعتِنَاءِ بِهَذَا الكِتَاب، فَتَلَقَّيتُهُ رِوَايَةً وَتَقيِيدًا عَن جَمَاعَةٍ مِن أَعلَامِ العُلَمَاء؛ وثَافَنتُ (١) فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعضَ سَادَاتِ الفُقَهَاء. فَممن رَوَيتُ عَنهُ: الشَّيخُ الفَقِيهُ القَاضِي المُحَدِّثُ الثِّقَةُ الثَّبتُ، أَبُو الحَسَنِ عَلِيُّ ابنُ الشَّيخِ الزّاهِدِ الفَاضِلِ، المُحَدِّثِ المُقِيدِ؛ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بنِ عَلِيِّ بنِ حَفصٍ اليَحصِبِيُّ، قِرَاءَةً عَلَيهِ، وَهُوَ يُمسِكُ أَصلَهُ نَحوَ المَرَّتَينِ، فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا شَعبَانُ سَنَةَ سَبعٍ وَسِتُّمَائَةٍ. وَالشَّيخُ الفَقِيهُ القَاضِي الأعدَلُ، العَلَمُ الأَعلَمُ، أَبُو مُحَمَّدٍ عبد الله بنُ سُلَيمَانَ بنِ دَاوُدَ بنِ حَوطِ الله، قِرَاءَةً عَلَيهِ، وَسَمَاعًا لِكَثِيرٍ مِنهُ، وَإِجَازَةً لِسَائِرِهِ، وَذَلِكَ بِقُرطُبَةَ فِي مُدَّةٍ آخِرُهَا مَا تَقَدَّمَ: قَالَا جَمِيعًا: حَدَّثَنَا الشَّيخُ الإِمَامُ الحَافِظُ، أَبُو القَاسِمِ خَلَفُ بنُ عَبدِ المَلِكِ بنِ مَسعُودِ بنِ بَشكُوَالَ، قِرَاءَةً عَلَيهِ، عَن أَبِي بَحرٍ بن سُفيَانَ بنِ القَاضِي، سَمَاعًا لِجَميعِهِ إِلَاّ وَرَقَاتٍ مِن آخِرِها أَجَازَهَا لَهُ، عَن أَبِي العَبَّاسِ العُذرِيِّ، قِرَاءَةً غَيرَ مَرَّةٍ، عَن أَبِي العَبَّاسِ بنِ بُندَارَ الرَّازِيِّ، سَمَاعًا بِمَكَّةَ، قَالَ: ــ و(قوله: وثَافَنتُ فِي التَّفَقُّهِ فِيهِ بَعضَ سَادَاتِ الفُقَهَاء) أي: جالستُ، وأصله من الثَّفِنَات، وهو ما يتناثر من الرِّجلَين والرُّكبتين واليدين من تكرار الجلوس والعمل؛ يقال: ثَفِنَتِ اليدُ ثَفَنًا: غَلُظَت من العمل، وواحدُ الثفنات: ثَفِنَة، وأصلها: ما يقعُ من البعير على الأرض، ويَغلُظُ عند الإشاخة.

стр. 100

حَدَّثَنَا أَبُو أَحمَدَ بنُ عَمرُوَيه بن الجُلُودِيُّ، عَن إِبرَاهِيمَ بنِ مُحَمَّدِ بنِ سُفيَانَ، عَن أَبِي الحُسَينِ مُسلِمٍ ﵏. وَقَد رُوِّيتُهُ عَن غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَعلَامِ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً بِمِصرَ وَغَيرِهَا، عَنِ الشَّيخِ الشَّرِيفِ أَبِي المَفَاخِرِ سَعِيدِ بنِ الحُسَينِ المَأمُونِيِّ (١) الهَاشِمِيِّ سَمَاعًا، عَنِ الشَّيخِ الإِمَامِ أَبِي عبد الله مُحَمَّدِ بنِ الفَضلِ بنِ أَحمَدَ الصَّاعِدِيِّ الفَرَاوِيِّ، سَمَاعًا، عَنِ الشَّيخِ أَبِي الحُسَينِ عَبدِ الغَافِرِ الفَارِسِيِّ، سَمَاعًا، عَن أَبِي أَحمَدَ؛ كَمَا تَقَدَّمَ. وَقَد رُوِّيتُهُ عَن جَمَاعَةٍ كَثِيرَة؛ بِأَسَانِيدَ عَدِيدَة، وَفِيمَا ذَكَرنَاهُ كِفَايَة، وَالله المُوَفِّقُ لِلهِدَايَة. وَلَمَّا تَقَاصَرَتِ الهِمَمُ فِي هَذَا الزَّمَانِ عَن بُلُوغِ الغَايَات؛ مِن حِفظِ جَمِيعِ هَذَا الكِتَابِ؛ بِمَا اشتَمَلَ عَلَيهِ مِنَ الأَسَانِيدِ وَالرِّوَايَات، أَشَارَ مَن إِشَارَتُهُ غُنم؛ وَطَاعَتُهُ حَتم إِلَى تَقرِيبِهِ عَلَى المُتَحَفِّظ؛ وَتَيسِيرِهِ عَلَى المُتَفَقِّه؛ بِأَن نختَصَرَ أَسَانِيدُهُ، وَنحذَفَ تَكرَارُه، وَنُنَبَّه عَلَى مَا تَضَمَّنَتهُ أَحَادِيثُهُ بِتَرَاجِمَ تُسفِرُ عَن مَعنَاهَا، وَتَدُلُّ الطَّالِبَ عَلَى مَوضِعِهَا وَفَحوَاهَا. ــ و(قولنا: وَقَد رُوِّيتُهُ عَن غَيرِ وَاحِدٍ مِنَ الثِّقَاتِ الأَعلَامِ، قِرَاءَةً وَإِجَازَةً): أعني بذلك: أنِّي قرأته كلَّه على الشيخِ الفقيهِ الزاهِدِ الفاضلِ، تَقِيِّ الدين أبي إبراهيمَ عَوَضِ بنِ محمود، بمصر. وممن أجازه لي: الشيخُ الفقيهُ المحدِّث، الزاهدُ التَّلَاّءُ للقرآن، أبو الحسين مرتضَى بنُ العفيفِ المقدسي، لَقِيتُهُ بِقَرَافة مصر، وسمعتُ عليه، وقرأتُ عليه، وأجاز لي جميعَ رواياته. ومنهم: القاضي فخرُ القضاةِ أبو الفضلِ بنُ الحباب، أجازه لي. وكلُّهم يحدِّث به عن الشيخ أبي المفاخر المأمونيِّ بالسند المذكور في أصل التلخيص.

стр. 101

فَاستَعَنتُ بِالله تَعَالَى، وَبَادَرتُ إِلَى مُقتَضَى الإِشَارَة؛ بَعدَ أَن قَدَّمتُ فِي ذَلِكَ دُعَاءَ النَّفعِ بِهِ وَالاستِخَارَة، فَاقتَصَرتُ مِنَ الإِسنَادِ عَلَى ذِكرِ الصَّاحِبِ إِلَاّ أَن تَدعُوَ الحَاجَة إِلى ذِكرِ غَيرِهِ فَأَذكُرُهُ لِزِيَادَةِ فَائِدَة؛ وَحُصُولِ عَائِدَة، وَمِن تَكرَارِ المُتُونِ عَلَى أَكمِلِهَا مَسَاقًا، وَأَحسَنِهَا سِيَاقًا، مُلحِقًا بِهِ مَا فِي غَيرِهِ مِنَ الرواية؛ مُحَافِظًا إِن شَاءَ الله تَعَالَى أَلاّ أُغفِلَ مِنهُ شَيئًا مِن مُهِمَّاتٍ الفَوَائِدِ؛ فَإِذَا قُلتُ: عَن أَبِي هُرَيرَةَ مَثَلاً، وَأَفرُغُ مِن مَسَاقِ مَتنِهِ، وَقُلتُ: وَفِي رِوَايَةَ؛ فَأَعنِي: أَنَّهُ عَنُ ذَلِكَ الصَّاحِبِ المُتَقَدِّمِ مِن غَيرِ ذَلِكَ الطَّرِيق. وَرُبَّمَا قَدّمتُ بَعضَ الأَحَادِيثِ وَأَخَّرَت حَيثَمَا إِلَيهِ اضطُرِرت؛ حِرصًا عَلَى ضَمِّ الشَّيءِ لِمُشَاكِلِهِ؛ وَتَقرِيبًا لَهُ عَلَى مُتَنَاوِلِه. وَقَدِ اجتَهَدتُ؛ فِيمَا رَوَيتُ وَرَأَيتُ؛ وَوَجهَ الله الكَرِيمِ قَصَدتُّ، وَهُوَ المَسؤُولُ؛ فِي أَن يَنفَعَنِي بِهِ وَكُلَّ مَنِ اشتَغَلَ بِهِ، وَيُبَلِّغَنَا المَأمُول، وَأَن يَجعَلَنَا وَإِيَّاهُ مِنَ العُلَمَاءِ العَامِلِينَ؛ الهُدَاةِ المُهتَدِينَ، وَهُوَ المُستَعَانُ، وَعَلَيهِ التُّكُلَانُ، وَهُوَ حَسبُنَا وَنِعمَ الوَكِيلُ. * * *

стр. 102

المقدمة (٢) بَابُ وُجُوبِ الأخذِ عَنِ الثِّقَاتِ، والتَّحذيرِ مِنَ الكَذِبِ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ الله : ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا. . .﴾ الآية، [الحجرات: ٦] ــ (٢) ومِن بابِ: وجوبِ الأَخذِ عن الثقاتِ والتحذيرِ من الكذبِ على رسولِ الله ﷺ الكَذِبُ لغةً: هو الخَبَرُ عن الشيء على خلافِ ما هو به، غير أنَّ المحرَّم شرعًا، المستقبَحَ عادةً: هو العمدُ المقصود، إلا ما استُثنِيَ على ما يأتي. ويقال: كَذَبَ، بمعنى: أخطأ. وأصلُ الكذبِ في الماضي والخُلفُ في المستقبل؛ قاله ابنُ قُتَيبَة؛ وقد جاء الكذب في المستقبل؛ قال الله تعالى: ذَلِكَ وَعدٌ غَيرُ مَكذُوبٍ. ويقال: كَذَبَ الرجلُ، بفتح العين (١)، يَكذِبُ، بكسرها، كِذبًا، بكسر الكاف وسكون الذال، وكَذِبًا، بفتح الكاف وكسر الذال، فأمَّا كِذَّاب المشدَّدُ الذال، فأحدُ مصادر كَذَّبَ بالتشديد. قوله تعالى: إِن جَاءَكُم فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا. الفاسقُ في أصل اللغة: هو الخارجُ مطلقًا، والفِسقُ والفُسُوق: الخروجُ، ومنه قولهم: فَسَقَت الرُّطَبَةُ: إذا خرجَت مِن قِشرها الأعلى، ومنه سُمِّيَتِ الفأرة: فُوَيسِقةً؛ لأنها تخرُجُ من جحرها للفساد. وهو في الشرع: خروجٌ مذمومٌ بحسب المخروج منه، فإن كان

стр. 103

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ إيمانًا، فذلك الفسق كُفرا، وإن كان غَيرَ إيمان، فذلك الفِسقُ معصية. وقرئ في السبع: فَتَبَيَّنُوا: من البيان، وتَثَبَّتُوا؛ من التثبُّت، وكلاهما بمعنى متقاربٍ. ولم يختلف النَّقَلَةُ - فيما عَلِمتُ أَنَّ هذه الآية نزلَت بسبب الوليد بن عقبة، بعثَهُ رسولُ الله ﷺ إلى بني المصطَلِقِ مصدِّقًا، فلمَّا أبصروه، أقبلوا نحوه، فهابهم لإحنةٍ (١) كانت بينهم في الجاهلية، وقيل: إنَّهم لم يخرُجُوا إليه، وأخبر أنهم ارتدُّوا؛ ذكره أبو عمر بنُ عبد البر، فرجَعَ إلى النبي ﷺ ، فأخبَرَه أنَّهُمُ ارتَدُّوا ومنعوا الزكاة، فبعَثَ النبيُّ ﷺ خالد بن الوليد، وأمره بالتثبُّت في أمرهم، فأتاهم ليلاً، فسمعَ الأذان، ووجَدَهُم يصلُّون، وقالوا له: قد استبطأنا المصدِّقَ، وخفنا غضَبَ رسول الله ﷺ ، فرجَعَ خالدٌ إلى النبيِّ ﷺ ، فأخبره بذلك؛ فنزلَتِ الآية. ومقتضى الآية أنَّ الفاسق لا يُقبَلُ خبرُهُ، روايةً كان أو شهادةً، وهو مُجمَعٌ عليه في غير المتأوِّل، ما خلا ما حُكِيَ عن أبي حنيفة من حكمه بصحَّةِ عقدِ النكاحِ الواقعِ بشهادة فاسقَين. وحكمةُ ذلك أن الخبر أمانة، والفسق خيانة، ولا يوثَقُ بِخَؤون. وقال الفقهاء: لا يقبل قوله؛ لأنَّ جُرأَته على الفسق تَخرِمُ الثقةَ بقوله، فقد يجترئ على الكذب كما اجترَأَ على الفسق. فأمَّا الفاسق المتأوِّلُ الذي لا يعرف فِسقَ نفسه، ولا يكفرُ ببدعته: فقد اختُلِفَ في قَبُول قوله، فَقَبِلَ الشافعيُّ شهادته (٢)، وردَّها القاضي أبو بكر (٣). وفرَّقَ مالكٌ بين أن يدعُو إلى بدعة فلا تُقبَلُ، أو لا يدعُو فتقبَلُ، ورُوِيَ عنه: أنه لا تقبَلُ شهادتهم مطلقًا. وكلُّهم اتفقوا على أنَّ مَن كانت بدعته تُجرِّئُهُ على الكذب كالخَطَّابية من الرافضة، لم تقبَل روايته ولا شهادته، ولبسط حُجَجِ هذه المذاهب موضعٌ آخر.

стр. 104

وقال: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ [الطلاق: ٢]، وقال: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢]. ــ و(قوله: ﴿وَأَشهِدُوا ذَوَي عَدلٍ مِنكُم﴾ [الطلاق: ٢]: دليلٌ على اشتراط العدالة في الشهادة، ومعناها في اللغة: الاستقامةُ، والاعتدالُ ضِدَّ الاعوجاج، ويقال: عدلٌ مِنَ العدالةِ والعُدُولةِ، ويقال: عدلٌ، للواحد وللاثنين ولجماعة المذكَّرِ والمؤنَّث، بلفظ واحد؛ إذا قُصِدَ به قُصِدَ المصدر، وإذا قُصِدَ به الصفة، ثُنِّيَ وجُمِعَ، وذُكّر وأُنِّث. وهي عند أئمَّتنا: اجتنابُ الكبائر، واتِّقَاءُ الصغائر وما يناقضُ المروءةَ، ويُزرِي بالمناصب الدينيَّة، والعبارةُ الوجيزةُ عنها هي: حُسنُ السيرة، واستقامةُ السريرة شرعًا في ظَنِّ المعدَّل، وتفصيلُهَا في الفروع. وهل يكتفى في ظَنِّ حصول تلك الأحوال في العدل بظاهر الإسلام، مع عدم الاطَّلَاعِ على فسق ظاهر، أو لا بدّ من اختبارِ حاله حتَّى يُظَنُّ حصولُ تِلك الأمور في المعدّل؟ قولانِ لأهل العلم: الأوَّلُ: مذهبُ أبي حنيفة. والثاني: مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ، والجمهور، وهو مرويٌّ عن عمر بن الخَطَّاب ﵁. وعلى مذهب أبي حنيفة: فشهادةُ المسلمِ المجهولِ الحال مقبولةٌ، وهي على مذهب الجمهور مردودةٌ. وقد ذكرنا حُجَجَ الفريقَين في كتابنا: الجامع لمقاصد علم الأصول. و(قوله: ﴿مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الظاهرُ مِن هذا الخطابِ: أنَّهُ لمن افتتَحَ الكلامَ معهم في أوَّل الآية في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَينٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكتُبُوهُ﴾ وهم: المخاطَبون بقوله: ﴿وَأَشهِدُوا إِذَا تَبَايَعتُم﴾

стр. 105

[١] عَنِ المُغِيرَةِ بنِ شُعبَةَ، وَسَمُرَةَ بنِ جُندَبٍ، قَالا: قَالَ ــ وبقوله: ﴿وَاستَشهِدُوا شَهِيدَينِ مِن رِجَالِكُم﴾ وعلى هذا الظاهر وكُلُّ مَن رضيه المتداينان والمتبايعان فأشهداه، حصَلَ به مقتضى الخطاب؛ غير أنَّهُمَا قد يرضيان بِمَن لا يرضى به الحاكم، ولا يسمَعُ شهادته، فلا ينتفعان بالإشهاد، ولا يحصُلُ مقصودُ الشرع من الاستيثاقِ بالشهادة؛ إذ لم يثبُت بما فعلاه عَقدٌ، ولا يُحفَظُ به مال. ولما كان ذلك قال العلماء: إن المخاطَبَ بذلك الحُكَّامُ؛ إذ هم الذين يَعرِفون المرضيَّ شرعًا من غيره، فتثبُتُ بمن يرضَونَهُ العقود، وتحفظ الأموال والدماء والأبضاع، ويحصل الفصل بين الخصوم فيما يتنازعون فيه من الحقوق، وذلك هو مقصود الشرع من قاعدة الشهادة قطعًا، ولا يحصُلُ ذلك برِضَا غيرهم؛ فتعيَّنَ الحكامُ لهذا الخطاب الذي هو قوله: ﴿مِمَّن تَرضَونَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾. وإذا تقرَّر هذا، فالذي يرضاه الحاكم: هو العَدلُ الذي انتفَت عنه التُّهَمُ القادحةُ في الشهادة (١)؛ كالقرابة القريبة، وجَرِّ المنفعة لنفسه أو لولده أو لزوجته، وكالعداوةِ البيِّنة، والصداقةِ المُفرِطة - على تفصيلٍ وخلافٍ يعرف في الفقه - فقد أفادتِ الآيتان معنَيينِ: أحدهما: اعتبارُ اجتماعِ أوصافِ العدالة التي إذا اجتمعَت، صدَقَ على الموصوفِ بهما أنه عدل. والثاني: اعتبارُ نَفيِ القوادح التي إذا انتفَت، صدَقَ على من انتفت عنه أنّه مَرضِيّ. فلا بدَّ من اجتماع الأمرَين في قبول الشهادة؛ ولذلك لا يُكتَفَى عندنا في التزكية بأن يقول المزكِّي: هو عدلٌ فقط، بل (٢) حتى يقولَ: هو عدلٌ مَرضِيٌّ؛ فيجمعَ بينهما. وأما في الأخبار: فلا بُدَّ من اعتبار المعنى الأول، ولا يشترطُ الثاني

стр. 106

رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهو أَحَدُ الكَذابِينَ. ــ فيها؛ إذ يجوز قَبُولُ أخبار رسول الله ﷺ من الراوي لها العدلِ، وإن جَرَّ لنفسه بذلك نفعًا، أو لولده، أو ساقَ بذلك مضرةً لعدوِّه؛ كأخبار عليٍّ ﵁ عن الخوارج. وسِرّ الفرق: أنه لا يتَّهم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأن يكذبَ على رسولِ الله ﷺ بشيء من ذلك، فكيف يقتحمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيء من ذلك مع قول (١) رسول الله ﷺ : إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ؛ فَمَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار (٢). والخبر والشهادة؛ وإنِ اتفقا في أصلِ اشتراط العدالة، فقد يفترقان في أمور عديدة؛ كما فصَّلناه في الأصول. وعلى الجملة: فشوائبُ المتعبّدات (٣) ومراعاةُ المناصب في الشهادات أغلب، ومراعاة ظنّ الصدق في الرواية أغلب، والله تعالى أعلم. و(قوله ﵊: مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهو أَحَدُ الكَذابِينَ): قيَّدناه عن مشايخنا: يُرَى مبنيًّا للفاعل والمفعول: فيَرَى بالفتح، بمعنى: يعلَمُ المتعدِّية لمفعولَين، وأنَّ سدَّت مسدَّهما. وماضي يَرَى: رَأَى مهموزًا، وإنما تركتِ العربُ همزَ المضارع؛ لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم: ألم تر ما لاقَيتُ والدَّهرُ أعصُرُ ... ومَن يَتَمَنَّى (٤) العَيشَ يَرأَى وَيَسمَعُ وربَّما تركوا همزَ الماضي في مثل قولهم: صَاحِ هل رَيتَ أو سَمِعتَ براعٍ ... رَدَّ في الضَّرع ما قَرَا في الحِلَابِ (٥)؟

стр. 107

رواه أحمد (٤/ ٢٥٢)، ومسلم (١/ ٩ - المقدمة)، والترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٣٩). ــ ويحتمل ما في الحديث أن يكونَ بمعنى الرأي؛ فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا، أي (١): ظهَرَ لي. وعليهما يكونُ المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث: المتعمِّدَ للكذب علمًا أو ظنًّا. وأما يُرَى بالضمِّ: فهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومعناها: الظَّنُّ، وإن كان أصلها مُعَدًّى بالهمزة من رأى، إلا أنَّ استعمالَهُ في الظَّنِّ أكثرُ وأشهر. و(قوله: فهو أحد الكذابين): رُوِّينَاهُ بكسر الباء على الجمع؛ فيكون معناه: أنه أحد الكذابِين على رسول الله ﷺ الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] الآية؛ لأنَّ الكذبَ على رسول اللهِ ﷺ كذبٌ على الله تعالى. ورُوِّيناه أيضًا - بفتح الباء على التثنية؛ ويكون معناه: أنَّ المُحدِّث، والمُحدَّث بما يظنَّان أو يعلمان كذبَهُ كاذبان؛ هذا بما حدَّثَ، والآخرُ بما تحمَّل من الكذب مع علمه أو ظنِّه لذلك. ويفيد الحديثُ: التحذيرَ عن أن يحدِّثَ أحدٌ عن رسول الله ﷺ إلا بما تحقق صدقَهُ علمًا أو ظنًّا، إلا أن يحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب؛ فإنه لا يتناوَلُهُ الحديث. وفي كتاب الترمذيِّ، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: اتقوا الحديثَ عنِّي إلا ما عَلِمتُم، فَمَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار، ومَن قال في القرآن برأيه، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار (٢)، وقال: هذا حديثٌ حسن.

стр. 108

[٢] وَعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَكذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن يَكذِب عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ. ــ و(قوله: لَا تَكذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن يَكذِب عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ) أي: يدخلها، وماضيه: وَلَجَ، ومصدره: الوُلُوج؛ ومنه قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ. وصَدرُ هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيدٌ شديد، وهو عامٌّ في كلِّ كاذبٍ على رسول الله ﷺ ، ومطلقٌ في أنواعِ الكذب. ولمَّا كان كذلك، هابَ قومٌ من السلف الحديثَ عن رسولِ الله ﷺ كعمر، والزبير بن العَوَّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز ﵃ أجمعين -؛ فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا وحدَّثوا قليلًا؛ كما قد صرَّح الزبير - رضي الله تعالى عنه - بذلك؛ لمّا قال له ابنه عبد الله ﵁: إني لا أَسمَعُكَ تحدِّثُ عن رسول اللهِ ﷺ كما يُحَدِّثُ فلانٌ وفلان؟ فقال: أَمَا إنِّي لم أكن أفارقهُ، ولكني سمعته يقول: مَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مقعدَهُ من النار (١). وقال أنس: إنَّه يمنعني أن أحدِّثَكُم حديثًا كثيرًا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: من كَذَبَ عليَّ. . (٢) الحديث. ومنهم: مَن سَمِعَ وسكت؛ كعبد الملك بن إياس، وكأنَّ هؤلاءِ تخوَّفوا مِنُ إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط؛ فقلَّلوا، أو سَكَتوا. غير أنَّ الجمهور: خصَّصوا عموم هذا الحديث، وقيَّدوا مطلقَهُ بالأحاديث التي ذُكِرَ فيها: متعمِّدًا؛ فإنَّهُ يُفهَمُ منها أنَّ ذلك الوعيدَ الشديدَ إنما يتوجَّه لمن تعمَّد الكذبَ على رسول اللهِ ﷺ ؛ وهذه الطريقة هي المرضيَّة؛ فإنَّها تجمعُ بين مختلفاتِ الأحاديث؛ إذ هي تخصيصُ العموم، وحملُ المطلق على المقيَّدِ مع اتحادِ المُوجِب والمُوجَب، كما قرَّرناه في الأصول. هذا مع أنَّ القاعدةَ الشرعيَّةَ القطعيَّةَ تقتضي أنَّ المخطئ والناسي غيرُ آثمَينِ ولا مؤاخَذينِ، لا سيَّما بعد التحرُّز والحذر.

стр. 109

رواه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١)، والترمذي (٢٦٦٠)، وابن ماجه (٣١). [٣] وَعَنِ المُغِيرَةَ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ. رواه أحمد (٤/ ٢٤٥ و ٢٥٢)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤). * * * ــ و(قوله: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أي: إنَّ العقاب عليه أشَدُّ؛ لأنَّ الجرأةَ منه على الكذب أعظمُ، والمفسدةُ الحاصلةُ بذلك أشَدُّ؛ فإنَّه كذبٌ على الله، ووَضعُ شرعٍ، أو تغييرُهُ. و(قوله: فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: لِيَتَّخِذ فيها منزلًا؛ فإنها مقرُّه ومسكنه، يقال: تبوَّأَتُ منزلًا، أي: اتَّخَذتُهُ ونزلتُهُ، وبوَّأتُ الرجلَ منزلًا، أي: هَيَّأتُهُ له، ومصدره: بَاءَة ومَبَاءَة (١). وهذه صيغةُ أمرٍ، والمراد بها: التهديدُ والوعيد، وقيل: معناها: الدعاء، أي: بوَّأَهُ اللهُ ذلك، وقيل: معناها الإخبارُ بوقوعِ العذاب به في نار جهنم، وكذلك القولُ في حديث عليٍّ الذي قال فيه: يَلِج (٢) النارَ. وقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود، وزاد: لِيُضِلَّ به (٣). وقد اغترَّ بهذه الزيادةِ أناسٌ ممَّن يقصدُ الخيرَ ولا

стр. 110

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ــ يعرفُهُ؛ فظَنَّ أنَّ هذا الوعيدَ إنما يتناوُل مَن قصَدَ الإضلَال بالكذب على رسول الله ﷺ ، فأَمَّا مَن قصدَ الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقويةَ مذاهبِ أهل السنة، فلا يتناوُلُهُ؛ فوضَعَ الأحاديث لذلك. وهذه جهالةٌ؛ لأن هذه الزيادةَ تُروَى عن الأعمش، ولا تصحُّ عنه، وليست معروفةً عند نَقَلِةِ ذلك (١) الحديثِ مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكمُ - المعروفُ بابن البَيِّعِ - من طُرُقٍ كثيرة، وقال: إنَّها واهيةٌ لا يصحُّ منها شيء. قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولو صحَّت، لما كان لها دليلُ خطابٍ، وإنما كانت تكونُ تأكيدًا؛ لقوله تعالى: فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِ عِلمٍ. وافتراءُ الكذبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا، قصَدَ به الإضلالَ أو لم يقصد؛ قاله الطحاويُّ. ولأنَّ وَضعَ الخبر الذي يُقصَدُ به الترغيبُ كذِبٌ على الله تعالى في وضعِ الأحكام؛ فإنَّ المندوبَ قِسمٌ من أقسام الأحكام الشرعية، وإخبارٌ عن أنَّ الله تعالى وَعَدَ على ذلك العملِ بذلك الثواب، فكلُّ ذلك كذِبٌ وافتراءٌ على الله تعالى؛ فيتناوله عمومُ قوله تعالى: فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا. وقد استجازَ بعضُ فقهاءِ العراق نسبةَ الحكمِ الذي دَلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله ﷺ نسبةً قوليَّة، وحكايةً نقليَّة، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا؛ ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعة، تشهدُ متونُها بأنَّهَا موضوعَة؛ لأنَّهَا تُشبِهُ فتاوى الفقهاء، ولا تليقُ بجزالة سيِّد الأنبياء، مع أَنَّهُم لا يقيمون لها صحيحَ سَنَد، ولا يُسنِدونها من أئمَّةِ النقل إلى كبير أَحَد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشَمِلَهُم ذلك الذَّمُّ والوعيد. ولا شَكَّ في أنَّ تكذيبَ رسولِ الله ﷺ كُفر، وأمَّا الكَذِبُ عليه: فإن كان ذلك الكاذبُ مستحلًّا لذلك، فهو كافر، وإن كان غيرَ مستحلٍّ، فهو مرتكبُ كبيرةٍ، وهل يكفُرُ أم لا؟ اختُلِف فيه على ما مَرَّ.
следующие страницы →