رَسُولُ اللهِ ﷺ : مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهو أَحَدُ الكَذابِينَ.
ــ
فيها؛ إذ يجوز قَبُولُ أخبار رسول الله ﷺ من الراوي لها العدلِ، وإن جَرَّ لنفسه بذلك نفعًا، أو لولده، أو ساقَ بذلك مضرةً لعدوِّه؛ كأخبار عليٍّ ﵁ عن الخوارج.
وسِرّ الفرق: أنه لا يتَّهم أحدٌ من أهل العدالة والدِّين بأن يكذبَ على رسولِ الله ﷺ بشيء من ذلك، فكيف يقتحمُ أحدٌ من أهل العدالة والدِّين لشيء من ذلك مع قول (١) رسول الله ﷺ : إنَّ كَذِبًا عليَّ ليس كَكَذِبٍ على أحدٍ؛ فَمَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار (٢).
والخبر والشهادة؛ وإنِ اتفقا في أصلِ اشتراط العدالة، فقد يفترقان في أمور عديدة؛ كما فصَّلناه في الأصول.
وعلى الجملة: فشوائبُ المتعبّدات (٣) ومراعاةُ المناصب في الشهادات أغلب، ومراعاة ظنّ الصدق في الرواية أغلب، والله تعالى أعلم.
و(قوله ﵊: مَن حَدَّثَ عَنِّي بِحَدِيثٍ يُرَى أَنَّهُ كَذِبٌ، فهو أَحَدُ الكَذابِينَ): قيَّدناه عن مشايخنا: يُرَى مبنيًّا للفاعل والمفعول: فيَرَى بالفتح، بمعنى: يعلَمُ المتعدِّية لمفعولَين، وأنَّ سدَّت مسدَّهما. وماضي يَرَى: رَأَى مهموزًا، وإنما تركتِ العربُ همزَ المضارع؛ لكثرة الاستعمال، وقد نطقوا به على الأصل مهموزًا في قولهم:
ألم تر ما لاقَيتُ والدَّهرُ أعصُرُ ... ومَن يَتَمَنَّى (٤) العَيشَ يَرأَى وَيَسمَعُ
وربَّما تركوا همزَ الماضي في مثل قولهم:
صَاحِ هل رَيتَ أو سَمِعتَ براعٍ ... رَدَّ في الضَّرع ما قَرَا في الحِلَابِ (٥)؟
стр. 107
رواه أحمد (٤/ ٢٥٢)، ومسلم (١/ ٩ - المقدمة)، والترمذي (٢٦٦٢)، وابن ماجه (٣٩).
ــ
ويحتمل ما في الحديث أن يكونَ بمعنى الرأي؛ فيكون ظنًّا من قولهم: رأيتُ كذا، أي (١): ظهَرَ لي. وعليهما يكونُ المقصودُ بالذَّمِّ الذي في الحديث: المتعمِّدَ للكذب علمًا أو ظنًّا.
وأما يُرَى بالضمِّ: فهو مبنيٌّ لما لم يسمَّ فاعله، ومعناها: الظَّنُّ، وإن كان أصلها مُعَدًّى بالهمزة من رأى، إلا أنَّ استعمالَهُ في الظَّنِّ أكثرُ وأشهر.
و(قوله: فهو أحد الكذابين): رُوِّينَاهُ بكسر الباء على الجمع؛ فيكون معناه: أنه أحد الكذابِين على رسول الله ﷺ الذين قال الله تعالى في حقهم: ﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾ [الزمر: ٦٠] الآية؛ لأنَّ الكذبَ على رسول اللهِ ﷺ كذبٌ على الله تعالى.
ورُوِّيناه أيضًا - بفتح الباء على التثنية؛ ويكون معناه: أنَّ المُحدِّث، والمُحدَّث بما يظنَّان أو يعلمان كذبَهُ كاذبان؛ هذا بما حدَّثَ، والآخرُ بما تحمَّل من الكذب مع علمه أو ظنِّه لذلك.
ويفيد الحديثُ: التحذيرَ عن أن يحدِّثَ أحدٌ عن رسول الله ﷺ إلا بما تحقق صدقَهُ علمًا أو ظنًّا، إلا أن يحدّث بذلك على جهة إظهار الكذب؛ فإنه لا يتناوَلُهُ الحديث.
وفي كتاب الترمذيِّ، عن ابن عباس ﵄ عن النبي ﷺ أنه قال: اتقوا الحديثَ عنِّي إلا ما عَلِمتُم، فَمَن كَذَبَ عليَّ متعمِّدًا، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار، ومَن قال في القرآن برأيه، فليتبوَّأ مَقعَدَهُ من النار (٢)، وقال: هذا حديثٌ حسن.
стр. 108
[٢] وَعَن عَلِيِّ بنِ أَبِي طَالِبٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : لَا تَكذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن يَكذِب عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ.
ــ
و(قوله: لَا تَكذِبُوا عَلَيَّ؛ فَإِنَّهُ مَن يَكذِب عَلَيَّ يَلِجِ النَّارَ) أي: يدخلها، وماضيه: وَلَجَ، ومصدره: الوُلُوج؛ ومنه قوله تعالى: يُولِجُ اللَّيلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيلِ.
وصَدرُ هذا الحديث نهيٌ، وعجزه وعيدٌ شديد، وهو عامٌّ في كلِّ كاذبٍ على رسول الله ﷺ ، ومطلقٌ في أنواعِ الكذب.
ولمَّا كان كذلك، هابَ قومٌ من السلف الحديثَ عن رسولِ الله ﷺ كعمر، والزبير بن العَوَّام، وأنس بن مالك، وابن هرمز ﵃ أجمعين -؛ فإن هؤلاء سمعوا كثيرًا وحدَّثوا قليلًا؛ كما قد صرَّح الزبير - رضي الله تعالى عنه - بذلك؛ لمّا قال له ابنه عبد الله ﵁: إني لا أَسمَعُكَ تحدِّثُ عن رسول اللهِ ﷺ كما يُحَدِّثُ فلانٌ وفلان؟ فقال: أَمَا إنِّي لم أكن أفارقهُ، ولكني سمعته يقول: مَن كَذَبَ عليَّ، فليتبوَّأ مقعدَهُ من النار (١). وقال أنس: إنَّه يمنعني أن أحدِّثَكُم حديثًا كثيرًا أنَّ رسولَ الله ﷺ قال: من كَذَبَ عليَّ. . (٢) الحديث.
ومنهم: مَن سَمِعَ وسكت؛ كعبد الملك بن إياس، وكأنَّ هؤلاءِ تخوَّفوا مِنُ إكثار الحديث الوقوعَ في الكذب والغلط؛ فقلَّلوا، أو سَكَتوا.
غير أنَّ الجمهور: خصَّصوا عموم هذا الحديث، وقيَّدوا مطلقَهُ بالأحاديث التي ذُكِرَ فيها: متعمِّدًا؛ فإنَّهُ يُفهَمُ منها أنَّ ذلك الوعيدَ الشديدَ إنما يتوجَّه لمن تعمَّد الكذبَ على رسول اللهِ ﷺ ؛ وهذه الطريقة هي المرضيَّة؛ فإنَّها تجمعُ بين مختلفاتِ الأحاديث؛ إذ هي تخصيصُ العموم، وحملُ المطلق على المقيَّدِ مع اتحادِ المُوجِب والمُوجَب، كما قرَّرناه في الأصول.
هذا مع أنَّ القاعدةَ الشرعيَّةَ القطعيَّةَ تقتضي أنَّ المخطئ والناسي غيرُ آثمَينِ ولا مؤاخَذينِ، لا سيَّما بعد التحرُّز والحذر.
стр. 109
رواه البخاري (١٠٦)، ومسلم (١)، والترمذي (٢٦٦٠)، وابن ماجه (٣١).
[٣] وَعَنِ المُغِيرَةَ، قَالَ: سَمِعتُ رسولَ الله ﷺ ، يَقُولُ: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ؛ فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ.
رواه أحمد (٤/ ٢٤٥ و ٢٥٢)، والبخاري (١٢٩١)، ومسلم (٤).
* * *
ــ
و(قوله: إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ) أي: إنَّ العقاب عليه أشَدُّ؛ لأنَّ الجرأةَ منه على الكذب أعظمُ، والمفسدةُ الحاصلةُ بذلك أشَدُّ؛ فإنَّه كذبٌ على الله، ووَضعُ شرعٍ، أو تغييرُهُ.
و(قوله: فَمَن كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا، فَليَتَبَوَّأ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ) أي: لِيَتَّخِذ فيها منزلًا؛ فإنها مقرُّه ومسكنه، يقال: تبوَّأَتُ منزلًا، أي: اتَّخَذتُهُ ونزلتُهُ، وبوَّأتُ الرجلَ منزلًا، أي: هَيَّأتُهُ له، ومصدره: بَاءَة ومَبَاءَة (١).
وهذه صيغةُ أمرٍ، والمراد بها: التهديدُ والوعيد، وقيل: معناها: الدعاء، أي: بوَّأَهُ اللهُ ذلك، وقيل: معناها الإخبارُ بوقوعِ العذاب به في نار جهنم، وكذلك القولُ في حديث عليٍّ الذي قال فيه: يَلِج (٢) النارَ.
وقد روى أبو بكرٍ البَزَّارُ هذا الحديثَ من طريق عبد الله بن مسعود، وزاد: لِيُضِلَّ به (٣).
وقد اغترَّ بهذه الزيادةِ أناسٌ ممَّن يقصدُ الخيرَ ولا
стр. 110
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
يعرفُهُ؛ فظَنَّ أنَّ هذا الوعيدَ إنما يتناوُل مَن قصَدَ الإضلَال بالكذب على رسول الله ﷺ ، فأَمَّا مَن قصدَ الترغيب في الأعمال الصالحة، وتقويةَ مذاهبِ أهل السنة، فلا يتناوُلُهُ؛ فوضَعَ الأحاديث لذلك.
وهذه جهالةٌ؛ لأن هذه الزيادةَ تُروَى عن الأعمش، ولا تصحُّ عنه، وليست معروفةً عند نَقَلِةِ ذلك (١) الحديثِ مع شهرته، وقد رواها أبو عبد الله الحاكمُ - المعروفُ بابن البَيِّعِ - من طُرُقٍ كثيرة، وقال: إنَّها واهيةٌ لا يصحُّ منها شيء.
قال الشيخ رحمه الله تعالى: ولو صحَّت، لما كان لها دليلُ خطابٍ، وإنما كانت تكونُ تأكيدًا؛ لقوله تعالى: فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيرِ عِلمٍ.
وافتراءُ الكذبِ على الله محرَّمٌ مطلقًا، قصَدَ به الإضلالَ أو لم يقصد؛ قاله الطحاويُّ. ولأنَّ وَضعَ الخبر الذي يُقصَدُ به الترغيبُ كذِبٌ على الله تعالى في وضعِ الأحكام؛ فإنَّ المندوبَ قِسمٌ من أقسام الأحكام الشرعية، وإخبارٌ عن أنَّ الله تعالى وَعَدَ على ذلك العملِ بذلك الثواب، فكلُّ ذلك كذِبٌ وافتراءٌ على الله تعالى؛ فيتناوله عمومُ قوله تعالى: فَمَن أَظلَمُ مِمَّنِ افتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا.
وقد استجازَ بعضُ فقهاءِ العراق نسبةَ الحكمِ الذي دَلَّ عليه القياسُ إلى رسولِ الله ﷺ نسبةً قوليَّة، وحكايةً نقليَّة، فيقول في ذلك: قال رسول الله ﷺ كذا وكذا؛ ولذلك ترى كتبهم مشحونةً بأحاديثَ مرفوعة، تشهدُ متونُها بأنَّهَا موضوعَة؛ لأنَّهَا تُشبِهُ فتاوى الفقهاء، ولا تليقُ بجزالة سيِّد الأنبياء، مع أَنَّهُم لا يقيمون لها صحيحَ سَنَد، ولا يُسنِدونها من أئمَّةِ النقل إلى كبير أَحَد، فهؤلاء قد خالفوا ذلك النهي الأكيد، وشَمِلَهُم ذلك الذَّمُّ والوعيد.
ولا شَكَّ في أنَّ تكذيبَ رسولِ الله ﷺ كُفر، وأمَّا الكَذِبُ عليه: فإن كان ذلك الكاذبُ مستحلًّا لذلك، فهو كافر، وإن كان غيرَ مستحلٍّ، فهو مرتكبُ كبيرةٍ، وهل يكفُرُ أم لا؟ اختُلِف فيه على ما مَرَّ.
стр. 111
(٣) بَابُ
النَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ
[٤] عَن حَفصِ بنِ عَاصِمٍ، عَن أَبِي هُرَيرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
قُلتُ: أَكثَرُ النَّاسِ يُرسِلهُ عَن حَفصٍ: لا يَذكُرُ أَبَا هُرَيرَةَ، فَأَسنَدَهُ الرَّازِي وَحدَهُ وهو ثِقَة.
وَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، وابنُ مَسعُودٍ: بِحَسبِ المَرءِ مِنَ الكَذِبِ أن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
وَقَالَ مَالِكٌ: اِعلَم أَنَّه لَيسَ يَسلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا وهو يُحَدِّثُ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
ــ
(٣) ومِن بَابُ النَّهيِ عَن أَن يُحَدِّثَ مُحَدِّثٌ بِكُلِّ مَا سَمِعَ.
(قولُهُ ﵊: كَفَى بِالمَرءِ كَذِبًا أَن يُحَدِّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ): هذا الحديث رواه مسلم في كتابه من طريقين:
أحدهما: طريق عبد الرحمن بن مَهدِيِّ، عن خُبيبِ بن عبد الرحمن، عن حفص بن عاصم، قال: قال رسول الله ﷺ : كفى بالمرء كذِبًا. الحديثَ مرسلا عن حفص، ولم يذكُر أبا هريرة؛ هكذا وقع عند كافَّة رواة كتاب مسلم، ووقَعَ عند أبي العَبَّاس الرازيِّ - وحده - في هذا الإسناد: عن أبي هريرة، فأسنده.
ثمَّ أردَفَ مسلمٌ الطريق الآخر: عن عليِّ بنِ حَفص المدائنيِّ، عن شعبة، عن خُبَيب، عن حفص، عن أبي هريرة، عن النبيّ ﷺ مثله، قال عليّ بن عمر الدَّارَقُطنِيُّ: والصوابُ المرسل.
стр. 112
- وَعَن سُفيَانَ بنِ حُسَينٍ، قالَ: سَأَلَنِي إِيَاسُ بنُ مُعَاوِيَةَ، قَالَ: إِنِّي أَرَاكَ قَد كَلِفتَ بِعِلمِ القُرآنِ، فَاقرَأ عَلَيَّ سُورَةً وَفَسِّر؛ حَتَّى أَنظُرَ فِيمَا عَلِمتَ، قَالَ: فَفَعَلتُ، فَقَالَ لِيَ: احفَظ عَلَيَّ مَا أَقُولُ لَكَ: إِياَّكَ وَالشَّنَاعَةَ فِي الحَدِيثِ! فَإِنَّهُ قلَّمَا حَمَلَهَا أَحَدٌ إِلَاّ ذَلَّ فِي نَفسِهِ، وَكُذِّبَ فِي حَدِيثِه.
ــ
والباء في بالمرء: زائدةٌ هنا على المفعول، وفاعل كفى: أن يحدِّث، وقد ترد هذه الباء على فاعل كفى؛ كقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ [النساء: ٧٩] وكذبًا وشهيدًا: منصوبان على التمييز.
ومعنى الحديث: أنَّ مَن حدَّث بكلِّ ما سمع، حصَلَ له الحظُّ الكافي من الكذب؛ فإنَّ الإنسان يسمعُ الغَثَّ والسمين، والصحيح والسقيم، فإذا حدَّث بكل ذلك، حدَّثَ بالسقيم وبالكذب، ثم يُحمل عنه، فيَكذِبُ في نفسه أو يُكذب بسببه.
ولهذا أشار مالك بقوله: لَيسَ يَسلَمُ رَجُلٌ حَدَّثَ بِكُلِّ مَا سَمِعَ، وَلَا يَكُونُ إِمَامًا أَبَدًا، أي إذا وُجِدَ الكَذِبُ في روايته، لم يوثَقُ بحديثه، وكان ذلك جَرحه فيه؛ فلا يصلحُ ليقتدي به أحدٌ ولو كان عالمًا، فلو بيَّن الصحيحَ من السقيم، والصادقَ من الكاذب سَلِمَ من ذلك، وتقصَّى عن عُهدَةِ ما يجبُ عليه من النصيحة الدينيَّة.
و(قوله: إِنِّي أَرَاكَ قَد كَلِفتَ بِعِلمِ القُرآنِ) هو بكسر اللام من الكَلَفِ بالشيء، وهو الوَلُوعُ به، والمحبَّةُ له، والاعتناءُ به؛ وهكذا صحَّت روايتُنا فيه، وقد رُويَ من طريق الطبريِّ: عَلِقتَ، وهو من العَلَاقة، وهي المحبة.
والشناعة في الحديث: هو ما يُستَقبَحُ، ويُستنكر؛ يقال: شَنِعتُ بالشيء، أي: أنكرتُهُ، بكسر النون، وشَنُعَ الشيءُ بضمها: قَبُحَ في نفسه، وشَنَّعتُ على الرجل مشدَّدًا: إذا ذَكَرتَ عنه قبيحًا؛ حذَّره بهذا القولِ عن أن يحدِّثَ الأحاديث المنكرة، فيُكَذَّبُ وَيَزلُّ.
стр. 113
- وَعَن عَبدِ اللهِ بنِ مِسعُودٍ؛ أَنَّهُ قَالَ: مَا أَنتَ بِمُحَدِّثٍ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم، إِلَاّ كَانَ لِبَعضِهِم فِتنَةً.
رواه مسلم (٥)، وأبو داود (٤٩٩٢).
ومعنى بحسب المرء: يكفيه ذلك من الكذب
(٤) بَابُ
التَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ
٧ - [٥] عَن أَبِي هُرَيرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ، يَأتُونَكُم مِنَ الأَحَادِيثِ بِمَا لَم تَسمَعُوا أَنتُم
ــ
و(قوله: مَا أَنتَ بِمُحَدِّثٍ قَومًا حَدِيثًا لَا تَبلُغُهُ عُقُولُهُم، إِلَاّ كَانَ لِبَعضِهِم فِتنَةً) أي: حديثاً لا يفهمونَهُ ولا يُدرِكون معناه.
والفتنة هنا: الضلالُ والحيرة، وهي تتصرَّف في القرآن على أوجه متعدِّدة، وأصلها: الامتحان والاختبار؛ ومنه قولهم: فَتَنتُ الذهبَ بالنار: إذا اختبرتَهُ بها، وهذا نحو مما قال في حديث آخر: حَدِّثوا الناسَ بما يفهمون؛ أتريدون أن يُكَذَّبَ اللهُ ورسولُهُ (١)؟ !
(٤) وَمِن بَابِ التَّحذِيرِ مِنَ الكَذَّابِينَ
و(قوله: يَكُونُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ) الحديث. الدَّجَّال: هو الكَذَّابُ، المَمَوِّهُ بكذبه، الملبِّسُ به، يقال: دَجَلَ الحقَّ بباطله، أي: غطَّاه، ودجَلَ، أي: مَوَّهَ وكَذب به؛ وبه سمي الكذَّابُ الأعور، وقيل: سُمِّيَ بذلك؛ لضربه في
стр. 114
وَلَا آبَاؤُكُم، فَإِيَّاكُم وَإِيَّاهُم! لا يُضِلُّونَكُم، وَلَا يَفتِنُونَكُم.
- وَقَالَ عبد الله: إِنَّ الشَّيطَانَ لَيَتَمَثَّلُ فِي صُورَةِ الرَّجُلِ، فَيَأتِي القَومَ فَيُحَدِّثُهُم بِالحَدِيثِ مِنَ الكَذِبِ، فَيَتَفَرَّقُونَ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ مِنهُم: سَمِعتُ رَجُلاً - أَعرِفُ وَجهَهُ، وَلَا أَدرِي مَا اسمُهُ - يُحَدِّثُ.
ــ
الأرض وقطعه نواحيَهَا، يقال: دَجُلَ الرجلُ، بالفتح والضم: إذا فعل ذلك؛ حكاه ثعلب.
وهذا الحديثُ إخبارٌ من النبيِّ ﷺ بأنّه سيُوجَدُ بعده كذّابون عليه، يُضِلُّونَ الناسَ بما يضعونه ويختلقونه، وقد وُجِدَ ذلك على نحو ما قاله؛ فكان هذا الحديثُ، مِن دلائلِ صدقه، ذكر أبو عُمَرَ بنُ عبد البَرِّ، عن حَمَّاد بن زيد أنَّه قال: وضعتِ الزنادقةُ على رسولِ الله ﷺ اثنَي عشَرَ ألفَ حديثٍ، بَثُّوهَا في الناس.
وحُكِى عن بعضِ الوضَّاعين: أنه تاب فبكى، وقال: أَنَّى لي بالتوبةِ؟ وقد وَضَعتُ اثنَي عَشَرَ ألفَ حديثٍ على رسول الله ﷺ كُلُّهَا يُعمَلُ بها؟ !
وقد كتب أئمَّةُ الحديث كتبًا كثيرة، بيّنوا فيها كثيرًا من الأحاديث الموضوعةِ المنتشرةِ في الوجود، قد عمل بها كثيرٌ من الفقهاء الذين لا عِلمَ عندهم (١) برجال الحديث.
و(قوله: فَإِيَّاكُم وَإِيَّاهُم! لا يُضِلُّونَكُم، وَلَا يَفتِنُونَكُم) كذا صحَّتِ الروايةُ فيه بإثبات النون، والصوابُ حذفها؛ لأنَّ ثبوتها يقتضي أن تكون خبرًا عن نَفي وقوعِ الإضلالِ والفتنة، وهو نقيضُ المقصود، فإذا حُذِفَت، احتَمَل حذفُهَا وجهين:
أحدهما: أن يكون ذلك مجزومًا على جواب الأمر الذي تضمَّنَهُ إيَّاكم؛ فكأنه قال: أحذّركم لا يضلُّوكم ولا يفتنوكم.
وثانيهما: أن يكونَ قوله: لا يضلوكم نهيًا، ويكون ذلك من باب قولهم: لا أَرَيَنَّكَ هاهنا، أي: لا تتعرَّضوا لإضلالهم ولا لفتنتهم.
стр. 115
- وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ عَمرِو بنِ العَاصِ: إِنَّ فِي البَحرِ شَيَاطِينَ مَسجُونَةً، أَوثَقَهَا سُلَيمَانُ؛ يُوشِكُ أَن تَخرُجَ فَتَقرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرآنًا.
رواه مسلم (٧).
* * *
ــ
و(قوله: إِنَّ فِي البَحرِ شَيَاطِينَ مَسجُونَةً، أَوثَقَهَا سُلَيمَانُ) الحديثَ، هذا ونحوه لا يتوصَّلُ إليه بالرأي والاجتهاد، بل بالسمع. والظاهر أن الصحابة إنما تستنُد في هذا للنبيِ ﷺ ، مع أنه يحتملُ أن يحدِّثَ به (١) عن بعضِ أهل الكتاب.
و(قوله: يُوشِكُ أَن تَخرُجَ فَتَقرَأَ عَلَى النَّاسِ قُرآنًا): يُوشِكُ بكسر الشين، وهي من أفعال المقاربة، وماضيها: أَوشَكَ، ومعناه: مقاربة وقوعِ الشيء وإسراعُهُ، والوَشكُ، بفتح الواو: السرعةُ، وأنكر الأصمعيُّ الكسر فيها، وحكى الجوهري الضَّمَّ فيها.
ويستعمل يوشك على وجهَين: ناقصةٍ تفتقر إلى اسم وخبر، وتامَّةٍ تستقلُّ باسمٍ واحد:
فالناقصة: يلزَمُ خبرهَا أن غالبًا؛ لما فيها من تراخي الوقوع، وتكونُ بتأويلِ المصدر؛ كقولك: يُوشِكُ زيدٌ أن يذهب، أي: قارَبَ زيدٌ الذَّهَابَ، وربَّما حذفت أن؛ تشبيهًا لها بكاد؛ كقول الشاعر:
يُوشِكُ مَن فَرَّ مِن مَنِيَّتِهِ ... فِي بَعضِ غِرَّاتِهِ يُوَافِقُهَا
والتامَّةُ: تكتفي باسم واحد، وهو أن مع الفعلِ بتأويلِ المصدر، بمعنى قَرُبَ؛ كما في خبر عمرو.
هذا والقرآن أصله الجمع؛ ومنه قولُ مَن مدح ناقته فقال:
. . . . . . . . . . . ... هِجَانِ اللَّونِ لم تَقرَأ جَنِينَا (٢)
стр. 116
(٥) بَاب
الإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ
- قَالَ مُحَمَّدُ بنُ سِيرِينَ: إِنَّ هذَا العِلمَ دِينٌ؛ فَانظُرُوا عَمَّن تَأخُذُونَ دِينَكُم.
ــ
وبه سُمِّيَ كتابُ الله قرآنًا؛ لِمَا جمَعَ من المعاني الشريفة، ثم قد يقال مصدرًا بمعنى القراءة؛ كما قال الشاعر في عثمان:
. . . . . . . . . . . . ... يُقَطِّعُ اللَّيلَ تَسبِيحًا وَقُرآنَا (١)
أي: قراءةً. ومعنى هذا الحديث الإخبارُ بأنَّ الشياطين المسجونَة ستخرُجُ، فتُمَوِّهُ على الجهلة بشيء نقرؤهُ عليهم، وتلبِّس به؛ حتى يحسبوا أنه قرآن، كما فعله مسيلمة، أو تسرُدُ عليهم أحاديث تسندها للنبي ﷺ كاذبةً، وسميت قرآنًا؛ لما جمعوا فيها من الباطل. وعلى هذا الوجه يستفاد من الحديث التحذيرُ من قَبُول حديث من لا يُعرَفُ.
(٥) ومِن بَاب الإِسنَادِ مِنَ الدِّينِ
أي: مِن أصوله؛ لأنَّهُ لمَّا كان مرجعُ الدينِ إلى الكتابِ والسُّنَّة، والسنَّةُ لا تؤخذ عن كُلِّ أحد: تعيَّنَ النظرُ في حال النَّقَلَةِ، واتِّصَالِ روايتهم، ولولا ذلك، لاختلط الصادقُ بالكاذب، والحقُّ بالباطل، ولمَّا وجَبَ الفرقُ بينهما، وجَبَ النظرُ في الأسانيد. وهذا الذي قاله ابنُ المبارك، قد قاله أنسُ بنُ مالك، وأبو هريرة، ونافعٌ مولى ابن عمر، وغيرهم، وهو أمرٌ واضحُ الوجوب لا يُختَلَفُ فيه. وقال عقبةُ بن نافع
стр. 117
- وَقَالَ: لَم يَكُونُوا يَسأَلُونَ عَنِ الإِسنَادِ، فَلمَّا وَقَعَتِ الفِتنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُم: فَيُنظَرُ إِلى أَهلِ السُّنَّةِ فَيُؤخَذُ حَدِيثُهُم، وَيُنُظَرُ إِلَى أَهلِ البِدَعِ فَلَا يُؤخَذُ حَدِيثُهُم.
ــ
لبنيه: يا بَنِيَّ، لا تقبلوا الحديثَ إلا مِن ثقة. وقال ابن معين: كان فيما أوصى به صُهَيبٌ بنيه أن قال: يا بَنِيَّ، لا تَقبَلُوا الحديثَ عن رسول الله ﷺ إلا مِن ثقة. وقال ابن عَون: لا تأخذوا العلمَ إلا ممن يُشهَدُ له بالطلب. وقال سليمانُ بن موسى: لا يؤخذُ العلمُ مِن صَحَفِيٍّ (١)، وقال أيضًا: قلتُ لطاوسٍ: إنَّ فلانًا حدَّثني بكذا وكذا، فقال: إن كان مثبتا (٢)، فَخُذ عنه.
و(قوله: لَم يَكُونُوا يَسأَلُونَ عَنِ الإِسنَادِ)؛ يعني بذلك: مَن أدرَكَ من الصحابة وكبراء التابعين. أما الصحابة فلا فرق بين إسنادهم وإرسالهم؛ إذ الكلُّ عدولٌ على مذهب أهل الحَقِّ، كما أوضحناه في الأصول، وكذلك: كُلُّ من خالَفَ في قبول مراسيل غير الصحابة وافَقَ على قبولِ مراسيل الصحابة. وأما كُبَرَاءُ التابعين ومتقدِّموهم فالظاهر من حالهم أنهم يحدِّثون عن الصحابة إذا أرسلوا، فتُقبَلُ مراسيلهم، ولا ينبغي أن يُختَلَفَ فيها؛ لأنَّ المسكوتَ عنه صحابيٌّ، وهم عدول، وهؤلاء التابعون هم: كعروةَ بن الزُّبَيرِ، وسعيد بن المسيِّب، ونافعٍ مولى ابن عمر، ومحمد بن سِيرِينَ، وغيرهم مِمَّن هو في طبقتهم.
وأمَّا من تأخَّر عنهم ممن حدَّثَ عن متأخِّرِي الصحابة وعن التابعين؛ فذلك محلُّ الخلاف، والصواب: قَبُولُ المراسيل إذا كان المُرسِلُ مشهورَ المذهب في الجرح والتعديل، وكان لا يحدِّثُ إلا عن العدول؛ كما أوضحناه في الأصول.
و(قوله: فَلمَّا وَقَعَتِ الفِتنَةُ قَالُوا: سَمُّوا لَناَ رِجَاَلكُم) هذه الفتنة يعني بها
стр. 118
- وَقَالَ عَبدُ اللهِ بنُ المُبَارَكِ: الإِسنَادُ مِنَ الدِّينِ، وَلَولَا الإِسنَادُ لَقَالَ مَن شَاءَ مَا شَاءَ.
- وَقَالَ: بَينَنَا وَبَينَ القَومِ القَوَائِمُ، يَعني: الإِسنَادَ.
- وَعَن مُجَاهِدٍ، قَالَ: جَاءَ بُشَيرٌ العَدَوِيُّ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ وَيَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ، قَالَ رَسُولُ الله ﷺ قَالَ: فَجَعَلَ ابنُ عَبَّاسٍ لَا يَأذَنُ لِحَدِيثِهِ، وَلَا يَنظُرُ إِلَيهِ، فَقَالَ: يَا ابنَ عَبَّاسٍ! مَا لِي لَا أَرَاكَ
ــ
- والله أعلم -: فتنةَ قتلِ عثمان، وفتنةَ خروجِ الخوارجِ على عليٍّ ومعاوية؛ فإنَّهم كفَّروهما حتى استحلُّوا الدماءَ والأموال.
وقد اختُلِفَ في تكفير هؤلاء، ولا يشَكَّ في أنَّ من كفَّرهم لم يَقبَل حديثهم، ومن لم يكفِّرهُم اختلفوا في قَبُولِ حديثهم؛ كما بَيَّنَّاهُ فيما تقدَّم. فيعني بذلك - والله أعلم -: أنَّ قَتَلَةَ عثمان والخوارجَ لَمَّا كانوا فُسَّاقًا قطعًا، واختلطَت أخبارهم بأخبار مَن لم يكن منهم، وجَبَ أن يُبحَثَ عن أخبارهم فَتُرَدُّ، وعن أخبار غيرهم ممَّن ليس منهم فتُقبَلُ، ثم يجري الحُكمُ من غيرهم من أهل البدعِ كذلك.
ولا يَظُنُّ أحدٌ له فَهمٌ أنَّهُ يعني بالفتنة فتنةَ عليٍّ وعائشةَ ومعاويةَ؛ إذ لا يصحُّ أن يقال في أحدٍ منهم: مبتدعٌ، ولا فاسقٌ، بل كلٌّ منهم مجتهدٌ عَمِلَ على حسب ظنِّه، وهُم في ذلك على ما أجمَعَ عليه المسلمون في المجتهدين من القاعدة المعلومة، وهي أنَّ كلَّ مجتهدٍ مأجورٌ غيرُ مأثوم؛ على ما مهَّدناه في الأصول.
و(قوله: جَاءَ بُشَيرٌ العَدَوِيُّ إِلَى ابنِ عَبَّاسٍ) بُشَيرٌ: بضم الباء، وفتح الشين، وياء التصغير بعدها، وهو عدويٌّ بصريٌّ يكنى أبا أَيُّوب، حدَّث عن أبي ذر، وأبي هريرة، وأبي الدرداء، وحدَّث عنه: عبد الله بن بُديل، وطَلقُ بن حَبِيب، والعلاءُ بن زياد.
و(قوله: فجعَلَ لا يَأذَنُ لحديثِهِ) أي: لا يُصغِي إليه بِأُذُنه، ولا يستمعه؛ ومنه قوله تعالى: ﴿وَأَذِنَت لِرَبِّهَا وَحُقَّت﴾ [الانشقاق: ٢].
стр. 119
تَسمَعُ لِحَدِيثِي؟ ! أُحَدِّثُكَ عَن رَسُولِ اللهِ ﷺ وَلَا تَسمَعُ؟ ! فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا مَرَّةً إِذَا سَمِعنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ابتَدَرَتهُ أَبصَارُنَا، وَأَصغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعبَ وَالذَّلُولَ، لَم نَأخُذ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعرِفُ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ ابنُ عَبَّاسٍ: إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَن رَسُولِ الله ﷺ إِذ لَم يَكُن يُكذَبُ عَلَيهِ، فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعبَ وَالذَّلُولَ تَرَكنَا الحَدِيثَ عَنهُ.
* الآثار الواردة في هذا الباب انظرها في صحيح مسلم (١/ ١٣ - ١٥ المقدمة).
* * *
ــ
و(قوله: كُنَّا إِذَا سَمِعنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ابتَدَرَتهُ أَبصَارُنَا، وَأَصغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا) أي: قَبِلنَا منه، وأَخَذنَا عنه.
هذا الذي قاله ابن عبَّاس يشهَدُ بصحة ما تأوَّلنا عليه قولَ ابنِ سيرين؛ فإنَّ ابن عبَّاس كان في أوَّل مرة يحدِّثُ عن الصحابة، ويأخذ عنهم؛ لأنَّ سماعَهُ من رسول الله ﷺ كان قليلاً؛ لصغر سنه، فكان حاله مع الصحابة كما قال، فلمَّا تلاحَقَ التابعون وحدَّثوا، وظهر له ما يوجبُ الرِّيبَةَ، لم يأخذ عنهم؛ كما فعل مع بُشَير العدوي.
و(قوله: فَلَمَّا رَكِبَ النَّاسُ الصَّعبَ وَالذَّلُولَ، لَم نَأخُذ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعرِفُ) هذا مَثَلٌ، وأصلُهُ في الإبل، ومعناه: أن الناس تسامَحُوا في الحديثِ عن رسول الله ﷺ ، واجترؤوا عليه؛ فتحدَّثوا بالمرضيِّ عنه، الذي مثَّله بالذَّلُولِ من الإبل، وبالمنكرِ منه الممثَّلِ بالصعبِ من الإبل.
стр. 120
(٦) بَابُ الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ
[٦] عَن عَائِشَة؛ أَنَّهَا قَالَت: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَن نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم.
ــ
و(قوله: لَم نَأخُذ مِنَ النَّاسِ إِلَاّ مَا نَعرِفُ) أي: إلا ما نَعرِفُ ثقةَ نَقَلَتِهِ، وصحةَ مَخرَجِهِ.
و(قوله: إِنَّا كُنَّا نُحَدَّثُ عَن رَسُولِ الله ﷺ ) الصحيحُ في: نُحَدَّثُ بضم النون، وفتح الدال مشدَّدة؛ مبنيًّا للمفعول؛ ويؤيِّده: قوله في الرواية الأخرى: كُنَّا إِذَا سَمِعنَا رَجُلاً يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ ؛ ابتَدَرَتهُ أَبصَارُنَا وَأَصغَينَا إِلَيهِ بِآذَانِنَا. وكذلك وجدتُّه مقيدًا بخط مَن يُعتَمَدُ على عِلمِهِ وتقييده، وقد وجدتُّهُ في بعضِ النسخِ بكسر الدال، وفيه بُعدٌ، ولعلَّه لا يَصِحُّ.
(٦) وَمِن بَابُ: الأَمرِ بِتَنزِيلِ النَّاسِ مَنَازِلَهُم
وَوُجُوبِ الكَشفِ عَمَّن لَهُ عَيبٌ مِن رُوَاةِ الحَدِيثِ
(قولُ عائشة ﵂: أَمَرَنَا رَسُولُ الله ﷺ أَن نُنَزِّلَ النَّاسَ مَنَازِلَهُم). استدلالُ مسلمٍ بهذا الحديث يدُلُّ ظاهرًا على أَنَّه لا بأسَ به، وأنّه ممّا يحتجُّ به عنده، وإنما لم يُسنِده في كتابه؛ لأنَّه ليس على شَرطِ كتابه.
وقد أسنده أبو بكر البزَّار في مسنده، عن ميمونِ بنِ أبي شَبِيبٍ، عن عائشة، عن النبيِ ﷺ ، وقال: لا يُعلَمُ عن النبيِّ ﷺ إلاّ مِن هذا الوجه، وقد رُويَ عن عائشة من غير هذا الوجه موقوفًا.
وقد ذكَرَهُ أبو داود في مصنَّفه، فقال: حدَّثنا إسماعيلُ بنُ أبي خَلَف؛ أنَّ يحيى بن يَمَانٍ أخبرهم، عن سفيان، عن حَبيبِ بن أبي ثابت، عن ميمونِ بنِ
стр. 121
استَدَلَّ بِهِ مُسلِمٌ هَكَذَا وَلَم يُسنِدهُ، وَقَد ذَكَرَهُ أبو دَاوُد فِي مُصَنَّفِه، وَأَبُو بَكرٍ البَزَّارُ فِي مُسنَدِه، وَقَالَ: لا يُعلَمُ إِلا مِن حَدِيثِ مَيمُون بنِ أَبِي شَبِيبٍ، عَن عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
- وَعَن أَبِي عَقِيلٍ يَحيَى بنِ المُتَوَكِّلِ صَاحِبِ بُهَيَّةَ، قَالَ: كُنتُ جَالِسًا عِندَ القَاسِمِ بنِ عُبَيدِ اللهِ، وَيَحيَى بنِ سَعِيدٍ، وقَالَ يَحيَى لِلقَاسِمِ: يَا أَباَ مُحَمَّدٍ، إِنَّهُ قَبِيحٌ - عَلَى مِثلِكَ - عَظِيمٌ أَن تُسأَلَ عَن شَيءٍ مِن أَمرِ هَذَا الدِّينِ، فَلَا يُوجَدَ عِندَكَ مِنهُ عِلمٌ وَلَا فَرَجٌ، أو عِلمٌ وَلَا مَخرَجٌ. فَقَالَ لَهُ القَاسِمُ: وَعَمَّ ذَاكَ؟ قَالَ: لأَنَّكَ ابنُ إِمَامَي هُدًى؛ ابنُ أَبِي بَكرٍ وَعُمَرَ، قَالَ: يَقُولُ لَهُ القَاسِمُ: أَقبَحُ مِن ذَلِكَ عِندَ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ أَن أَقُولَ بِغَيرِ عِلمٍ، أو آخُذَ عَن غَيرِ ثِقَةٍ، قَالَ: فَسَكَتَ فَمَا أَجَابَهُ.
- وَفِي رِوَايَةٍ: فَقَالَ لَهُ يَحيَى بنُ سَعِيدٍ: إِنِّي لأُعظِمُ أَن يَكُونَ مِثلُكَ - وَأَنتَ ابنُ إِمَامَي الهُدَى؛ يَعنِي عُمَرَ وَابنَ عُمَرَ - تُسأَلُ عَن أَمرٍ لَيسَ
ــ
أبي شبيب؛ أنَّ عائشة مَرَّ بها سائلٌ فأعطَتهُ كِسرةً، ومَرَّ بها رجلٌ عليه ثيابٌ زاهية، فأقعدتهُ فأكَلَ، فقيل لها في ذلك، فقالت: قال رسولُ الله ﷺ : أَنزِلُوا النَّاسَ مَنَازِلَهُم. قال ابن الأعرابي: قال أبو داود: ميمونٌ لم يَرَ عائشة (١).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعلى هذا، فالحديثُ منقطعٌ؛ فقد ظهر لأبي داود من هذا الحديث ما لم يظهَر لمسلم، ولو ظهَرَ له ذلك، لما جاز له أن يستَدِلَّ به، إلا أن يكونَ يعملُ بالمراسيل، والله أعلم أنَّ (٢) مسلمًا إنَّما قال: وذُكِرَ عن عائشة، وهو مشعرٌ بضعفه، وأنَّهُ لم يكن عنده ممَّا يعتمده.
стр. 122
عِندَكَ فيه عِلمٌ، فَقَالَ: أَعظَمُ مِن ذَلِكَ عِندَ اللهِ، وَعِندَ مَن عَقَلَ عَنِ اللهِ، أَن أَقُولَ بِغَيرِ عِلمٍ، أو آخذ عَن غَيرِ ثِقَةٍ.
- وَقَاَلَ يَحيَى بنُ سَعِيدٍ القَطَّانُ: لَم نَرَ أَهلَ الخَيرِ فِي شَيءٍ أَكذَبَ مِنهُم فِي الحَدِيثِ.
ــ
ومعنى هذا الحديث: الحَضُّ على مراعاةِ مقادير الناس، ومراتبهم، ومناصبهم، فيعامل كلُّ أحد منهم بما يليقُ بحاله، وبما يلائمُ منصبه في الدينِ والعلمِ والشَّرَفِ والمرتبة؛ فإنَّ الله تعالى قد رتَّبَ عبيده وخَلقَه، وأعطى كلَّ ذي حَقٍّ حَقَّه، وقد قال ﷺ : خيارُهُم في الجاهليَّةِ خيارُهُم في الإسلام إذا فقُهُوا (١).
وأبو عَقِيل هو: بفتح العين وكسر القاف، واسمه: يحيى بن المتوكِّل؛ كما ذكره في الأصل.
وبُهَيَّة بضم الباء، وفتح الهاء، وما بعدها، تصغير بَهيَة، وهي امرأة كانت تروي عن عائشة أمِ المؤمنين، وهي التي سمَّتها بهذا الاسم، وكان هذا أبو عَقِيلٍ قد روى عنها، وعُرِفَ بها؛ فنُسِبَ إلى صحبتها، وقد خَرَّجَ عنها أبو داود.
و(قولُ يحيى بن سعيدٍ الأنصاريِّ للقاسم: إنَّكَ ابنُ أبي بَكرٍ وعُمَرَ) إنما صحَّتِ النسبتان على القاسم؛ لأنَّ أباه هو عُبَيدُ الله بن عبد الله بن عمر، وأُمُّه هي ابنةُ القاسم بن محمد بن أبي بكر، وباسم جَدِّهِ هذا، كان يكنَّى؛ فـ عمر جَدُّهُ لأبيه الأعلى، وأبو بكر جَدُّه لأمِّه؛ فصدَقَت عليه النسبتان.
و(قولُ يحيى القَطَّان: لم ير أهلَ الخير في شَيءٍ أكذَبَ مِنهُم في الحديثِ) يعني به: الغلَطَ والخطَأَ؛ كما فسَّره مسلم. وسببُ هذا: أنَّ أهلَ الخير هؤلاء المعنيِّين غَلَبَت عليهم العبادة، فاشتغلوا بها عن الرواية، فَنَسُوا الحديثَ، ثم إنَّهم
стр. 123
قَالَ مُسلِمٌ: يَقُولُ: يَجرِي الكَذِبُ عَلَى لِسَانِهِم، وَلَا يَتَعَمَّدُونَ الكَذِبَ.
- وَقَالَ أبو الزِّنَادِ: أَدرَكتُ بِالمَدِينَةِ مِائةً، كُلُّهُم مَأمُونٌ، مَا يُؤخَذُ عَنهُمُ الحَدِيثُ، يُقَالُ: لَيسَ مِن أَهلِهِ.
- وَقَالَ يَحيَى بنُ سَعِيدٍ: سَأَلتُ سُفيَانَ الثَّورِيَّ، وَشُعبَةَ، وَمَالِكًا، وَابنَ عُيَينَةَ، عَنِ الرَّجُلِ لَا يَكُونُ ثَبتًا فِي الحَدِيثِ، فَيأتِينِي الرَّجُلُ فَيَسأَلُنِي عَنهُ؟ فَقَالُوا: أَخبِر عَنهُ أَنَّهُ لَيسَ بِثَبتٍ.
- وَذَكَرَ مُسلِمٌ عَن جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنَ السَّلَفِ كَابنِ المُبَارَكِ، وَالشَّعبِيِّ، وإِبرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ، وَأَيُّوبَ السَّختِيَانِيِّ، وَغَيرِهِم: التَّنصِيصَ عَلَى عُيُوبِ أَقوَامٍ بِأَعيَانِهِم، وَذَكَرَ كَذِبَ بَعضِهِم، والتَّحذِيرَ عَنِ الرِّوَايَةِ عَنهُم: بَابًا طَوِيلاً قَالَ فِي آخِرِهِ: وَإِنَّمَا أَلزَمُوا أَنفُسَهُمُ الكَشفَ عَن مَعَايِبِ رُوَاةِ الحَدِيثِ، وَنَاقِلِي الأَخبَارِ، وَأَفتَوا بِذَلِكَ حِينَ سُئِلُوا، لِمَا فِيهِ مِن عَظِيمِ الخَطَرِ؛ إِذِ الأَخبَارُ فِي أَمرِ الدِّيِنِ إِنَّمَا تَأتِي بِتَحلِيلٍ أو تَحرِيمٍ، أو أَمرٍ أو نَهيٍ، أو تَرغِيبٍ أو تَرهِيبٍ؛ فَإِذَا كَانَ الرَّاوِي لَهَا لَيسَ بِمَعدِنٍ الصِّدقِ وَالأَمَانَةِ، ثُمَّ أَقدَمَ عَلَى الرِّوَايَةِ عَنهُ مَن قَد عَرَفَهُ، وَلَم يُبَيِّن مَا فِيهِ لِغَيرِهِ مِمَّن جَهِلَ مَعرِفَتَهُ: كَانَ آثِمًا بِفِعلِهِ ذَلِكَ، غَاشًّا لِعَوَامِّ المُسلِمِينَ؛ إِذ لا يُؤمَنُ
ــ
تعرَّضوا للحديث فَغَلِطُوا، أو كَثُرَ عليهم الوَهَمُ فتُرِكَ حديثهم، كما اتفق للعُمَرِيِّ، وفَرقَدٍ السبخيّ، وغيرِهِما.
و(قولُ أبي الزِّنَادِ: أدركتُ بالمدينة مائةً كلُّهم مأمون) يعني: أَنَّهم كانوا موثوقًا بهم في دينهم وأمانتهم، غير أنّهم لم يكونوا حفَّاظًا للحديث، ولا متقنين لروايته، ولا متحرِّزين فيه؛ فلم تكن لهم أهليَّةُ الأخذ عنهم، وإن كانوا قد تعاطَوُا الحديثَ والرواية.
стр. 124
عَلَى بَعضِ مَن سَمِعَ تِلكَ الأَخبَار أَن يَستَعمِلَهَا، أو يَستَعمِلَ بَعضَهَا، وَلَعَلَّهَا أو أَكثَرَهَا أحاديث أَكَاذِيبُ لَا أَصلَ لَهَا.
فَهَذَا البَابُ مَا ذَكَرَهُ فِي صَدرِ كِتَابِهِ.
رواه مسلم (١/ ٦ - المقدمة)، وأبو داود (٤٨٤٢) مرفوعاً من قوله ﷺ بلفظ: "أنزلوا الناسَ مَنَازلَهُم" وفيه انقطاع.
* * *
ــ
وفُتيَا سفيان ومَن بعده هي التي يجبُ العملُ بها. ولا يختلفُ المسلمون في ذلك؛ كما ذكره مسلمٌ بعدَ هذا وأوضحَهُ.
وحاصلُهُ أَنَّ ذِكرَ مساوئِ الراوي والشاهِدِ القادحةِ في عدالتهما وفي روايتهما: أمرٌ ضروريٌّ؛ فيجب ذلك؛ فإنه إن لم يُفعَل ذلك، قُبِلَ خبرُ الكذاب، وشهادةُ الفاسق، وغُشَّ المسلمون، وفسدَتِ الدنيا والدين. ولا يُلتَفَتُ لقولِ غبيٍّ جاهلٍ يقول: ذلك غِيبَةٌ؛ لأنَّهَا وإن كانت مِن جنس الغِيبة، فهي واجبةٌ بالأدلَّةِ القاطعة، والبراهينِ الصادعة؛ فهي مستثناةٌ مِن تلك القواعد (١)؛ للضرورةِ الداعية.
* * *
стр. 125
(١) كِتَابُ الإِيمَانِ
(١) بَابُ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا
[٧] عَن يَحيَى بنِ يَعمَرَ، قَالَ: كَانَ أَوَّلَ مَن قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصرَةِ
ــ
(١) كتَابُ الإِيمَانِ
(١) ومِن بَابِ مَعَانِي الإِيمَانِ وَالإِسلَامِ وَالإِحسَانِ شَرعًا
مقصودُ هذا الباب: إيضاحُ معاني هذه الأسماءِ في الشَّرعِ دون اللغة؛ فإنَّ الشرعَ قد تصرَّفَ فيها على ما يأتي بيانه.
و(قولُ يحيى بنِ يَعمَر: كَانَ أَوَّلَ مَن قَالَ فِي القَدَرِ بِالبَصرَةِ مَعبَدٌ الجُهَنِيُّ) معبدٌ هذا: هو معبدُ بنُ عبد الله بن محمَّدٍ، وقيل: معبدُ (١) بنُ خالد، والصحيحُ: أن لا يُنسَب. وهو بصريٌّ، روَى عن عمرَ مرسلاً، وعن عِمرَانَ، وروى عنه: قتادةُ، ومالكُ بن دينارٍ، وعَوفٌ الأعرابيُّ.
قال أبو حاتم: وكان صدوقًا في الحديث، ورأسًا في القَدَر، قَدِمَ المدينة فأفسَدَ فيها ما شاء الله، وقال يحيى بن معين: هو ثقة.
стр. 126
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
القَدَر: مصدرُ قَدَرتُ الشيءَ - خفيفة الدال، أقدِرُهُ، وأقدُرُه قَدرًا وقُدَرًا: إذا أحَطتَ بمقداره، ويقال فيه: قدَّرتُ أُقَدِّرُ تقديرًا، مشدَّدَ الدالِ للتضعيف؛ فإذا قلنا: إنَّ الله تعالى قدَّرَ الأشياءَ، فمعناه: أنَّهُ تعالى علِمَ مقاديرها وأحوالَهَا وأزمانَهَا (١) قبل إيجادها، ثُمَّ أوجَدَ منها ما سبَقَ في علمه أنَّهُ يُوجِدُهُ على نحو ما سبَقَ في علمه؛ فلا مُحدَثَ في العالمِ العُلويِّ والسُّفليِّ إلَاّ وهو صادرٌ عن علمِه تعالى وقدرتِه وإرادتِه.
هذا هو المعلومُ من دِينِ السلف الماضين، والذي دلَّت عليه البراهين. وقد حكى أربابُ المقالاتِ عن طوائفَ من القدريَّةِ إنكارَ كونِ البارئ تعالى عالمًا بشيءٍ من أعمال العباد قبل وقوعها منهم، وإنَّمَا يَعلَمُهَا بعد كونها، قالوا: لأنَّه لا فائدةَ لِعِلمِهِ بها قبل إيجادها، وهو عَبَثٌ، وهو على الله محال.
قال الشيخ - رحمه الله تعالى -: وقد رُويَ عن مالكٍ أنه فسَّرَ مذهبَ القَدَريَّة بنحو ذلك، وهذا المذهَبُ هو الذي وقَعَ لأهل البصرة، وهو الذي أنكَرَهُ ابنُ عمر.
ولا شكَّ في تكفير من يذهبُ إلى ذلك، فإنَّه جَحدُ معلومٍ من الشرع ضرورةً؛ ولذلك تبرَّأ منهم ابنُ عمر، وأفتى بأنَّهم لا تُقبَلُ منهم أعمالُهُم ولا نفقاتُهُم، وأنّهم كمَا قال الله تعالى فيهم: ﴿وَمَا مَنَعَهُم أَن تُقبَلَ مِنهُم نَفَقَاتُهُم إِلا أَنَّهُم كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ﴾ وهذا المذهب هو مذهب طائفةٍ منهم تسمَّى السكبيّة (٢)، وقد تُرِكَ اليومَ، فلا يُعرف مَن يُنسب إليه من المتأخرين مِن أهل البدع المشهورين.
والقدرية اليومَ: مُطبِقون على أنَّ الله تعالى عالمٌ بأفعالِ العباد قبلَ وقوعها؛
стр. 127
مَعبَدٌ الجُهَنِيُّ، فَانطَلَقتُ أَنَا وَحُمَيدُ بنُ عَبدِ الرَّحمنِ الحِميَرِيُّ - حَاجَّينِ أو مُعتَمِرَينِ - فَقُلنَا: لَو لَقِينَا أَحَدًا مِن أَصحَابِ رَسُولِ الله ﷺ فَسَأَلنَاهُ عَمَّا يَقُولُ هَؤُلاءِ فِي القَدَرِ! فَوُفِّقَ لَنَا عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ بنِ الخَطَّابِ دَاخِلاً المَسجِدَ،
ــ
ومعنى القدر عند القائلين به اليوم: أنَّ أفعالَ العباد مقدورةٌ لهم، وواقعةٌ منهم بِقُدرَتِهم ومشيئتِهم، على جهة الاستقلال، وأنّها ليست مقدورةً لله تعالى ولا مخلوقةً له، وهو مذهبٌ مبتدَعٌ باطلٌ بالأدلّةِ العقليَّةِ والسمعيَّةِ المذكورةِ في كتب أئمَّتنا المتكلِّمين.
و(قوله: فانطلقتُ أنا وحُمَيدُ بنُ عبد الرحمن الحميري (١) حاجَّينِ أو معتمرَينِ) كذا الروايةُ الصحيحة بـ أو التي للشَّكِّ؛ فكأنَّه عرَضَ له شكٌّ في حالهما، هل كانا حاجَّينِ أو كانا معتمرَينِ؟ وأجيب: بأَنَّهُ وقَعَ في بعض النسخ: حاجَّينِ ومعتمرَينِ بالواو الجامعةِ؛ على أنَّهما كانا قارنينِ، وفيه بُعدٌ، والصحيحُ الأوَّل، والله أعلم.
و(قوله: لو لَقِينَا أحدًا من أصحاب رسول الله ﷺ ) لو هنا بمعنى ليت؛ وهي نحو قولِهِ تعالى: رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَو كَانُوا مُسلِمِينَ ونحو قولِ امرئ القيس:
. . . . . . . . . . . . . ... . . . . . . . . . لو يشرونَ مَقتَلِي (٢)
стр. 128
فَاكتَنَفتُهُ أَنَا وَصَاحِبِي، أَحَدُنَا عَن يَمِينِهِ، وَالآخَرُ عَن شِمَالِهِ، فَظَنَنتُ أَنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلامَ إِلَيَّ، فَقُلتُ: أَبَا عَبدِ الرَّحمَنِ،
ــ
ويأتي لامتناعِ الامتناعِ وهو أصلُهَا، وبمعنى: إن؛ كقوله تعالى: وَلَو أَعجَبَتكُم وللتقليل؛ كقوله ﵊: التَمِس ولو خاتَمًا مِن حديدٍ (١).
و(قوله: فاكتنفتُهُ أنا وصاحبي) أي: صرنا بِكَنَفَيه. والكَنَفُ والكَنِيف (٢): الساتر؛ ومنه قول العرب: أنا في كنَفِكَ، أي: في سترك.
وإنَّمَا جاءاه كذلك تأدُّبًا واحترامًا؛ إذ لو قاما أمامه، لمنعاه المشي، ولو صارا له من جانبٍ واحد، لكلَّفاه الميل إليهما، وكانت هذه الهيئةُ أحسنَ ما أمكنهما.
و(قوله: فَظَنَنتُ أنَّ صَاحِبِي سَيَكِلُ الكَلَامَ إِلَيَّ) هذا منه اعتذارٌ عن توهُّمِ اعتراضٍ يُنسَبُ إليه فيه قلَّةُ المبالاةِ بصاحبه، واستِئثَارُهُ عليه بالمسابقة إلى الكلام؛ فبيَّنَ وجهَ اعتذارِهِ عن ذلك؛ وذلك أنَّهُ عَلِمَ من صاحبه أنَّهُ يكلُ الكلامَ إليه: فإمَّا لكونه أحسنَ منه سؤالاً وأبلغَ بيانًا، وإمَّا لحياءٍ يَلحَقُ صاحبَهُ يمنعه من السؤال، وإمَّا إيثارًا له، والله أعلم.
و(قوله: يا أبا عبدِ الرحمن: فيه دليلٌ على ما كانوا عليه من الاقتصاد في كلماتهم، وتركِ الإطراء والمدح وإن كان حقًّا، فقد كان ابنُ عمر مِن أعلمِ الناس وأفضلهم، وابنَ أميرِ المؤمنين عمر بن الخَطَّاب، ومع ذلك فلم يمدحوه بشيء مِن ذلك مع جلالتِهِ ولا أَطرَوهُ؛ محاسبةً منهم لأنفسهم على ألفاظهم، واكتِفاءً بما
стр. 129
إِنَّهُ قَد ظَهَرَ قِبَلَنَا نَاسٌ يَقرَؤونَ القُرآنَ، وَيَتَقَفَّرُونَ العِلمَ - وَذَكَرَ مِن شَأنِهِم: وَأَنَّهُم يَزعُمُونَ أَن لَا قَدَرَ، وَأَنَّ الأَمرَ أُنُفٌ.
ــ
يُعلَمُ من فضائل الرجل عن القول والمدح الذي يُخاف منه الفتنة على المادح والممدوح.
و(قوله: إنَّهُ قد ظهر قِبَلَنَا ناسٌ) أي: فشا مذهبُهُم وانتشر، وهو مِنَ الظهورِ الذي يُضَادُّ الخفاء.
و(قوله: يقرؤون القرآنَ، ويتقَفَّرُونَ العِلمَ)؛ وهذه اللفظةَ بتقديمِ القافِ وتأخير الفاء، أي: يَتَّبِعون ويجمعون، يقال: اقتَفَر أثرَهُ، أي: تَتَبَّعه. ورواها أبو العلاء بن ماهان بتقديم الفاء وتأخير القاف، أي: إنَّهُم يُخرِجون غامضَه، ويبحثون عن أسراره، ومنه قولُ عمر بن الخَطَّاب - وذكر امرَأَ القَيس - فقال: افتقَرَ عن معانٍ عُورٍ أصَحَّ بَصَرٍ، أي: فتح عن معانٍ غامضةٍ مبصرًا (١).
وروي - في غير كتاب مسلم -: يَتَقَفَّونَ بواو مكان الراء، من قَفَوتُ أثرَهُ، أي: تتبَّعتُهُ، وهو من القَفَاء، وكلُّها واضحُ.
و(قوله: وذكَرَ من شأنهم) أي: عظمِ أمرهم في الذكاء، والجِدِّ في طلب العلم، وإنما ذَكَرَ له ذلك من أوصافهم؛ تنبيهًا له على الاعتناءِ بمقالتهم والبحث عنها؛ ليوضِّحَ أمرها؛ فإنّ كلامَهم قد وقع من القلوب بالموقع الذي لا يزيله إلا إيضاح بالغ، وبرهانٌ واضح، ولمَّا فَهِمَ ابن عمر ذلك أفتى بإبطالِ مذهبهم وفَسَادِه، وحكَمَ بِكُفرهم، وتبرَّأ منهم، واستدلَّ على ذلك بالدليل القاطع عنده.
و(قوله: إنَّ الأَمرَ أُنُفٌ) أي: مستَأنَفٌ، ومعناه عندهم: أنَّهُ لم تسبِق به سابقةُ علمِ الله ولا مشيئتِهِ، وإنما أفعالُ الإنسان موجودةٌ بعلم الإنسان واختيارِهِ؛ كما تقدَّم من مذهبهم.
وأَنفُ كلِّ شيء: أوَّلُهُ، ومنه: أنفُ الوجه؛ لأنَّه أوَّلُ
стр. 130
فقَالَ: إِذَا لَقِيتَ أُولَئِكَ فَأَخبِرهُم أَنِّي بَرِيءٌ مِنهُم، وَأَنَّهُم بُرَآءُ مِنِّي، وَالَّذِي يَحلِفُ بِهِ عَبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ! لَو أَنَّ لِأَحَدِهِم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنفَقَهُ، مَا قَبِلَ اللهُ مِنهُ حَتَّى يُؤمِنَ بِالقَدَرِ. ثُمَّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي عُمَرُ بنُ الخَطَّابِ، قَالَ: بَينَما نَحنُ عِندَ رَسُولِ الله ﷺ ذَاتَ يَومٍ،
ــ
الأعضاء في الشخوص، وأَنفُ السيل: أَوَّلُهُ؛ كما قال امرؤ القيس:
قَد غَدَا يَحمِلُنِي في أَنفِهِ ... لَاحِقُ الأيطل مَحبُوكٌ مُمَرّ (١)
وروضٌ أنفٌ: لم يُرعَ قَبلُ، وكذلك كأسٌ أُنُفٌ: لم يُشرَب قبلُ؛ ومنه قوله تعالى: مَاذَا قَالَ آنِفًا أي: هذه الساعةَ المستأنفةَ.
و(قوله: والذي يحلف به عبد الله بن عمر) هذه كنايةٌ عن الحلف باسم الله؛ فإنَّه هو الذي كان يَحلِفُ به غالبًا، ولم يتلفَّظ به؛ إجلالاً لأسماء الله تعالى عن أن تُتَّخَذَ عُرضَةً لكثرة الأيمان بها، والله أعلم.
و(قوله: لو أنّ لِأَحَدِهِم مِثلَ أُحُدٍ ذَهَبًا فَأَنفَقَه ما قَبِلَ الله منه حتى يؤمن بالقدر) هذا صريحٌ في أنَّه كفَّرَهُم بذلك القولِ المحكيِّ عنهم؛ لأنَّهُ حكَمَ عليهم بما حكَمَ الله به على الكفَّارِ في الآية المتقدِّمة، وقد قلنا: إنَّ تكفيرَ هذه الطائفة مقطوعٌ به؛ لأنَّهم أنكروا معلومًا ضروريًّا من الشرع.
و(قوله: بينما نحن عند رسول الله ﷺ بينا هذه هي الظرفية، زِيدَت عليها الألف؛ لتكفَّها عن عملها الذي هو الخفض، كما قد زيدَت عليها أيضًا ما لذلك، وما بعدها مرفوعٌ بالابتداء في اللغة المشهورة. ومنهم مَن خَفَضَ ما بعد الألف على الأصل؛ فقال (٢):
стр. 131
إِذ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعرِ، لَا يُرَى عَلَيهِ أَثَرُ السَّفَرِ، وَلا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ،
ــ
بَينَا تَعَانُقِه الكُمَاةُ وَرَوغِهِ ... يَومًا أُتِيحَ لَهُ جَرِيءٌ سَلفَعُ
وروي بخفض تعانقِهِ ورفعه؛ وعلى هذا فالألفُ والميم ليستا للكَفِّ، لكن لتمكن النطق.
وقد ذهَبَ بعضُ النحويِّين إلى أنَّها للتأنيث في الوجهين، وهي عنده فَعلَى كـ: شَروَى.
وعند: من ظروف الأمكنة غير المتمكِّنة، يقال لما مُلِكَ أو اختُصَّ به حاضرًا كان أو غائبًا، ومثلها لدى، إلَاّ أَنَّها تختصُّ بالحاضر، وفي لدى لغاتٌ ثمانٍ مذكورةٌ في كتب النحو.
و(قوله: إِذ طَلَعَ عَلَينَا رَجُلٌ شَدِيدُ بَيَاضِ الثِّيَابِ، شَدِيدُ سَوَادِ الشَّعرِ): إذ وإذا أصلهما ظرفان غير متمكِّنَينِ، يضافان إلى الجمل، إلَاّ أنَّ إذ: لما مضى، وتضاف للجملتَينِ الفعليَّةِ والاسميَّة. وإذا: لما يُستَقبَلُ، ولا تُضافُ إلَاّ إلى الفعليَّة، وفيها معنى الشرط، وليس ذلك في إذ، إلاّ إذا دخلَت عليها ما؛ كقولهم:
إِذ ما أَتَيتَ عَلَى الرَّسُولِ فَقُل لَهُ ... . . . . . . . . . .
وقد يقعان للمفاجأة، كما وقعَت إذ هاهنا. وأمّا إذا للمفاجأة، ففي قوله تعالى: فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِن عِبَادِهِ إِذَا هُم يَستَبشِرُونَ فـ إذا الأولى ظرفيَّةٌ، والثانية مفاجِئَةٌ، ونحوُهُ في القرآن كثيرٌ.
وفيه دليلٌ على استحبابِ تحسينِ الثيابِ والهيئة والنظافةِ عند الدخولِ على العلماءِ والفُضَلاءِ والملوك؛ فإنَّ جبريل ﵇ أتى معلِّمًا للناس بحالِهِ ومقاله.
و(قوله: لا يُرَى عليه أَثَرُ السَّفَرِ، وَلَا يَعرِفُهُ مِنَّا أَحَدٌ)؛ هكذا مشهورُ رواية هذا
стр. 132
حَتَّى جَلَسَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَسنَدَ رُكبَتَيهِ إِلَى رُكبَتَيهِ، وَوَضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وَقَالَ: يَا مُحَمَّدُ، أَخبِرنِي عَنِ الإِسلامِ. فَقَالَ رَسُولُ الله ﷺ :
ــ
اللفظ: يُرَى مبنيًّا لِمَا لم يُسَمَّ فاعلُهُ، بالياء باثنتَينِ من تحتها، ولا يعرفه بالياء أيضًا. وقد رواه أبو حازم العُذرِيُّ: لا نَرَى عليه أَثَرَ السَّفَرِ ولا نَعرِفُهُ بالنون فيهما، مبنيًّا لفعل الجماعة، وكلاهما واضح المعنى.
و(قوله: حتَّى جلَسَ إلى النبيِّ ﷺ ، فأسنَدَ ركبتَيهِ إلى رُكبَتَيهِ، ووضَعَ كَفَّيهِ عَلَى فَخِذَيهِ، وقال: يا محمَّد)؛ هكذا مشهورُ هذا الحديثِ في الصحيحين (١) من حديث ابن عمر.
وقد روى النَّسائيُّ هذا الحديثَ من حديث أبي هريرة، وأبي ذَرٍّ، وزاد فيه زيادةً حسنةً، فقالا: كان رسول الله ﷺ يَجلِسُ بين ظَهرَانَي أصحابه فيجيءُ الغريبُ، فلا يَدرِي أهو هو حتَّى يَسأَلَ، فطلبنا لرسولِ الله ﷺ أن نجعَلَ له مجلسًا يَعرِفُهُ الغريبُ إذا أتاه، فَبَنَينَا له دُكَّانًا (٢) من طِينٍ يَجلِسُ عليه، إنَّا لجلوسٌ عنده ورسولُ الله ﷺ في مجلسه؛ إذ أقبَلَ رجلٌ أحسَنُ الناسِ وجهًا، وأطيَبُ الناسِ رِيحًا، كأنَّ ثيابَهُ لم يَمَسَّهَا دَنَسٌ، حتَّى سَلمَ من طَرَفِ السِّمَاطِ (٣)، فقال: السَّلَامُ عليكم يا محمَّدُ، فرَدَّ ﵇، قال: أَدنُو يا محمَّدُ؟ قال: ادنُهُ، فما زال يقول: أدنو؟ مرارًا، ويقول له: ادنُ، حتَّى وضَعَ يدَيهِ على ركبتَيِ النبيِّ ﷺ (٤). . . وذكر نحو حديث مسلم.
ففيه من الفقه: ابتداءُ الداخلِ بالسلام على جميع مَن دخل عليه، وإقبالُهُ
стр. 133
الإِسلامُ أَن تَشهَدَ أَن لَا إِلهَ إِلَاّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ،
ــ
على رأس القوم؛ فإنه قال: السلامُ عليكم، فعَمَّ، ثم قال: يا محمَّد، فخَصَّ.
وفيه: الاستئذانُ في القُربِ من الإمام مرارًا، وإن كان الإمامُ في موضعٍ مأذونٍ في دخوله. وفيه: تركُ الاكتفاءِ بالاستئذان مرةً أو مرتَينِ على جهة التعظيم والاحترام.
وفيه: جوازُ اختصاصِ العالم بموضعٍ مرتفِعٍ من المسجد، إذا دعت إلى ذلك ضرورةُ تعليمٍ أو غيرِهِ. وقد بيَّن فيه: أنَّ جبريل وضع يدَيه على رُكبَتَي رسول الله ﷺ ، فارتفع الاحتمال الذي في لفظ كتاب مسلم؛ فإنَّه قال فيه: فوضع كَفَّيهِ على فَخِذَيهِ، وهو محتمل، وإنما فعل جبريلُ ذلك - والله أعلم -؛ تنبيهًا على ما ينبغي للسائل من قوَّةِ النَّفس عند السؤال، وعدمِ المبالاة بما يقطع عليه خاطره، وإن كان المسؤول مِمَّن يُحتَرَمُ ويُهَاب، وعلى ما ينبغي للمسؤولِ مِنَ التواضعِ والصَّفحِ عن السائل، وإن تعدَّى على ما ينبغي من الاحترام والأدب. ونداءُ جبريل للنبي ﷺ كما يناديه الأعرابُ: يا محمَّد، تعميةٌ على حاله.
الإسلام في اللغة هو: الاستسلامُ والانقيادُ؛ ومنه قوله تعالى: قُل لَم تُؤمِنُوا وَلَكِن قُولُوا أَسلَمنَا أي: اِنقَدنا، وهو في الشرع: الانقيادُ بالأفعالِ الظاهرة الشرعيَّة، ولذلك قال ﷺ فيما رواه أنس عنه: الإسلامُ علانيَةٌ، والإيمانُ في القَلب (١)؛ ذكره ابن أبي شَيبَةَ في مصنفه (٢).
والإيمان لغةً: هو التصديقُ مطلقًا، وفي الشرع: التصديقُ بالقواعد الشرعيَّة؛ كما نبَّه عليه النبيُّ ﷺ ، في حديثِ أنسٍ هذا.
стр. 134
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
وقد تنافس علماءُ الأصول في هذه الأسماء الشرعيَّة تنافسًا لا طائلَ له، إذا حُقِّقَ الأمرُ فيه؛ وذلك أنَّهم مُتَّفِقُونَ على أنَّها لا يستفادُ منها في الشرع زيادةٌ على أصل الوضع، وهل ذلك المعنى يُصَيِّرُ تلك الأسماءَ موضوعةً كالوضع الابتدائيِّ مِن قِبَلِ الشرع، أو هي مبقاةٌ على الوضعِ اللغويِّ، والشرعُ إنما تصرَّفَ في شروطها وأحكامها، هنا تنافسهُم في الأمر قريب.
والحاصل: أنَّ الشرعَ تصرَّف في حال هذه الأسماء التي في أصلِ وضعها، فخصّص عامًّا، كالحال في الإسلام والإيمان؛ فإنّهما بحكم الوضع يَعُمَّانِ كلَّ انقياد، وكلَّ تصديق، لكن قَصَرَها الشرعُ على تصديقٍ مخصوص وانقيادٍ مخصوص؛ وكذلك فعلَتِ العربُ في لغتها في الأسماء العُرفيَّة، كالدابَّةِ: فإنَّها في الأصل لكلِّ ما يَدِبُّ، ثمَّ عُرفُهُم خصَّصها ببعض ما يَدِبُّ؛ فالأسماءُ الشرعيَّةُ كالأسماء العرفيَّة في هذا التصرُّف، والله أعلم.
وقد استفدنا من هذا البحث: أنّ الإيمانَ والإسلامَ حقيقتان متباينتان لغةً وشرعًا؛ كما دلَّ عليه حديثُ جبريلَ هذا وغيرُهُ؛ وهذا هو الأصلُ في الأسماء المختلفة - أعني: أن يَدُلَّ كُلُّ واحد منها على خلافِ ما يَدُلُّ عليه الآخر - غير أنَّهُ قد توسَّعَ الشرعُ فيهما: فأطلَقَ اسمَ الإيمانِ على حقيقة الإسلام؛ كما في حديث وَفدِ عبد القَيسِ الآتي بعد هذا (١)، وكقوله: الإيمانُ بِضعٌ وسبعون بابًا، أدناها إماطة الأذى عن الطريق، وأرفعها قولُ: لا إله إلا الله (٢). وقد أطلَقَ الإسلامَ مريدًا به مسمَّى الإسلامِ والإيمان، بمعنى التداخُلِ، كقوله تعالى: إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسلَامُ.
стр. 135
وَتُقِيمَ الصَّلاةَ، وَتُؤتِيَ الزَّكَاةَ،
ــ
وقد أطلَقَ الإيمانَ كذلك أيضًا؛ كما رُوِيَ من حديثِ عليٍّ مرفوعًا: الإيمَانُ اعتِقَادٌ بِالقَلبِ، وإقرارٌ باللِّسَان، وعَمَلٌ بالأَركَان (١).
وهذه الإطلاقاتُ الثلاثُ من باب التجوُّز والتوسُّع على عادة العرب في ذلك، وهذا إذا حُقِّقَ يريحُ مِن كثيرٍ من الإشكال الناشئ مِن ذلك الاستعمال.
والصلاة لغةً: الدعاءُ؛ ومنه قوله تعالى: وَصَلِّ عَلَيهِم أي: ادعُ؛ قال الأعشى:
عَلَيكِ مِثلُ الَّذِي صَلَّيتِ فَاغتَمِضِي ... نَومًا فَإِنَّ لِجَنبِ المَرءِ مُضطَجَعا
وقيل: إنَّهَا مأخوذةٌ من الصَّلَا، والصلا: عِرقٌ عند أصل الذَّنَب، ومنه قيل للفرس الثاني في الحَلبة: مُصَلٍّ؛ لأنَّ رأسَهُ عند صَلَا السابق؛ قال الشاعر:
فَصَلَّى أَبُوهُ لَهُ سَابِقٌ ... بِأَن قِيل: فَاتَ العِذَارُ (٢) العِذَارَا
والأوّل: أولى وأشهر. وهي في الشرع: أفعالٌ مخصوصةٌ، بشروطٍ مخصوصة، الدعاءُ جزءٌ منها.
لغةً: هي النماء والزيادة، يقال: زكا الزرعُ والمالُ، وسمِّي أخذُ جزءٍ من مالِ المسلم الحُرِّ زكاةً؛ لأَنَّها إنما تؤخذُ من الأموال النامية، أو لأنّها قد نَمَت وبلغتِ النصاب، أو لأنّها تنمِّي الأموالَ بالبركة، وحسناتِ مؤدِّيها بالتكثير.
стр. 136
وَتَصُومَ رَمَضَانَ، وَتَحُجَّ البَيتَ إِنِ استَطَعتَ إِلَيهِ سَبِيلاً. قَالَ: صَدَقتَ.
ــ
والصوم: هو (١) الإمساكُ مطلقًا؛ ومنه قوله تعالى: إِنِّي نَذَرتُ لِلرَّحمَنِ صَومًا، أي: إمساكًا عن الكلام؛ قال الشاعر (٢):
خَيلٌ صِيَامٌ وَخَيلٌ غَيرُ صَائِمَةٍ ... تَحتَ العَجَاجِ وَأُخرَى تَعلُكُ اللُّجُمَا
أي: ممسكةٌ عن الحركة.
وهو في الشرع: إمساكٌ جميعِ أجزاءِ اليومِ عن أشياءَ مخصوصةٍ، بشرطٍ مخصوص، على ما يأتي.
والحج: هو القصدُ المتكرِّر في اللغة؛ قال الشاعر (٣):
وأَشهَدُ مِن عوفٍ حُلُولاً (٤) كَثِيرَةً ... يَحُجُّونَ سِبَّ الزِّبرِقَانِ المُزَعفَرَا
وهو في الشرع: القصدُ إلى بيت الله المعظَّم؛ لفعل عبادة مخصوصة.
والحَجُّ بالفتح: المصدر، وبالكسر: الاسم، وقُرئ بهما: وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ البَيتِ.
والاستطاعة: هي القوةُ على الشيء، والتمكُّنُ منه؛ ومنه قوله تعالى: فَمَا اسطَاعُوا أَن يَظهَرُوهُ وَمَا استَطَاعُوا لَهُ نَقبًا، وسيأتي اختلاف العلماء فيها.
والإحسان: هو مصدر أحسَنَ يُحسِنُ إحسانًا، ويقال على معنيَينِ:
стр. 137
قَالَ: فَعَجِبنَا لَهُ يَسأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ!
ــ
أحدهما: متعدٍّ بنفسه؛ كقولك: أحسنتُ كذا وفي كذا، إذا حَسَّنتَهُ وكمَّلتَهُ، وهو منقولٌ بالهمزة من حَسُنَ الشيءُ.
وثانيهما: متعدٍّ بحرف جرٍّ؛ كقولك: أحسنتُ إلى كذا، أي: أوصَلتُ إليه ما يَنتَفعُ به، وهو في هذا الحديث بالمعنى الأوَّل، لا بالمعنى الثاني؛ إذ حاصلُهُ راجعٌ إلى إتقانِ العبادات، ومراعاة حقوق الله تعالى فيها، ومراقبته، واستحضارِ عظمتِهِ وجلاله حالةَ الشروع، وحالةَ الاستمرار فيها.
وأربابُ القلوب في هذه المراقبة على حالين:
أحدهما: غالبٌ عليه مشاهدةُ الحقِّ، فكأنَّهُ يراه؛ ولعلَّ النبيِّ ﷺ أشار إلى هذه الحالة بقوله: وجُعِلت قُرَّةُ عيني في عبادة ربي (١).
وثانيهما: لا ينتمي إلى هذه الحالة، لكن يغلب عليه أنَّ الحقَّ سبحانه مطَّلِعٌ عليه ومشاهدٌ له؛ وإليه الإشارةُ بقوله تعالى: ﴿الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ * وَتَقَلُّبَكَ فِي السَّاجِدِينَ﴾ وبقولِهِ: وَمَا تَتلُو مِنهُ مِن قُرآنٍ وَلَا تَعمَلُونَ مِن عَمَلٍ إِلَّا كُنَّا عَلَيكُم شُهُودًا إِذ تُفِيضُونَ فِيهِ.
وهاتان الحالتان ثمرةُ معرفةِ الله تعالى وخشيتِهِ؛ ولذلك فسَّر الإحسانَ في حديث أبي هريرة بقوله: أَن تخشى اللهَ كأَنَّك تراه (٢)؛ فعبَّرَ عن المسبَّب باسم السَّبَب توسُّعًا، والألفُ واللامُ اللذان في الإحسان المسؤول عنه للعهد، وهو الذي قال الله تعالى فيه: لِلَّذِينَ أَحسَنُوا الحُسنَى وَزِيَادَةٌ، و: هَل جَزَاءُ الإِحسَانِ إِلَّا الإِحسَانُ، و: وَأَحسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُحسِنِينَ.
стр. 138
قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ الإِيمَانِ؟ قَالَ: أَن تُؤمِنَ بِاللهِ وَمَلائِكَتِهِ
ــ
ولمَّا تكرَّر الإحسانُ في القرآن، وترتَّب عليه هذا الثوابُ العظيم، سألَ عنه جبريلُ النبيَّ ﷺ ، فأجابه ببيانه؛ ليعمَلَ الناسُ عليه، فيحصُلُ لهم هذا الحظُّ العظيم.
وسؤالُ جبريل ﵇ عن الإيمانِ والإسلام بلفظ: ما كما في حديث أبي هريرة (١)، يدُلُّ على أنَّهُ إنما سأل عن حقيقتهما عنده، لا عن شَرحِ لفظهما في اللغة، ولا عن حُكمِهما؛ لأنّ ما في أصلها إنما يُسأَلُ بها عن الحقائق والماهيات. ولذلك أجابه النبيُّ ﷺ بقوله: أن تُؤمِنَ بالله وبكذا وكذا؛ فلو كان سائلاً عن شرح لفظهما في اللغة لَمَا كان هذا جوابًا له؛ لأنَّ المذكورَ في الجواب هو المذكورُ في السؤال، ولمّا كان الإيمانُ في اللغة معلومًا عندهما، أعاد في الجوابِ لفظَهُ، وبيَّنَ له متعلَّقاتِهِ، وأنَّهُ قصره على تصديقٍ بأمورٍ مخصوصة.
والإيمانُ بالله: هو التصديقُ بوجوده تعالى، وأنَّه لا يجوزُ عليه العدم، وأنه تعالى موصوفٌ بصفاتِ الجلال والكمال مِنَ: العلم، والقدرة، والإرادة، والكلام، والسمع، والبصر، والحياة، وأنَّهُ تعالى منزَّهٌ عن صفاتِ النقصِ التي هي أضدادُ تلك الصفات، وعن صفاتِ الأجسامِ والمتحيِّزات، وأنَّهُ واحدٌ صمدٌ (٢)، فَردٌ، خالقُ جميعِ المخلوقات، متصرِّفٌ فيها بما يشاء من التصرُّفات، يفعلُ في ملكه ما يريد، ويحكُمُ في خلقه ما يشاء.
والإيمان بالملائكة: هو التصديقُ بأنَّهم: عِبَادٌ مُكرَمُونَ ﴿لا يَسبِقُونَهُ بِالقَولِ وَهُم بِأَمرِهِ يَعمَلُونَ﴾، لَا يَعصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُم
стр. 139
وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَاليَومِ الآخِرِ، وَتُؤمِنَ بِالقَدَرِ خَيرِهِ وَشَرِّهِ. قَالَ: صَدَقتَ.
ــ
وَيَفعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ، و: يُسَبِّحُونَ اللَّيلَ وَالنَّهَارَ لَا يَفتُرُونَ، وأَنَّهُم سُفَرَاءُ الله بينه وبين رسله، والمتصرِّفون كما أَذِنَ لهم في خلقه.
بكتب الله: هو التصديقُ بأنَّها كلامُ الله، ومِن عِندِهِ، وأنَّ ما تضمَّنَته حقٌّ، وأنَّ الله تعالى تعبَّد خلقه بأحكامها وفَهمِ معانيها.
برسل الله: هو أَنَّهُم صادقون فيما أخبروا به عن الله تعالى، وأنَّ الله تعالى أيَّدَهُم بالمعجزاتِ الدالَّةِ على صدقهم، وأنَّهم بلَّغوا عن الله رسالاتِه، وبيَّنوا للمكلَّفين ما أمرهم الله بنيانه، وأنَّهُ يجبُ احترامُهُم، وألا يفرِّقَ بين أحدٍ منهُم.
والإيمانُ باليوم الآخر: هو التصديقُ بيوم القيامة، وما اشتمَلَ عليه من الإعادةِ بعد الموت، والنَّشرِ، والحشر، والحساب والميزان والصِّرَاط، والجنة والنار، وأنهما دارا ثوابِهِ وجزائِهِ للمُحسِنين والمُسِيئين، إلى غير ذلك مما صَحَّ نصُّه، وثبَتَ نقله.
والإيمانُ بالقدر: هو التصديقُ بما تقدَّم ذكره، وحاصله: هو ما دلّ عليه قوله تعالى: وَاللَّهُ خَلَقَكُم وَمَا تَعمَلُونَ وقوله: إِنَّا كُلَّ شَيءٍ خَلَقنَاهُ بِقَدَرٍ وقوله: وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ وإجماعُ السلف والخلف على صِدقِ قول القائل: ما شاء الله كان، وما لم يَشَأ لم يكن، وقولِهِ ﵊: كُلُّ شَيءٍ بِقَدرٍ حتَّى العَجزُ والكَيسُ (١).
تنبيه:
مذهبُ السلفِ وأئمَّةِ الفتوى من الخَلَف: أنَّ من صدَّق بهذه الأمور تصديقًا جَزمًا لا ريبَ فيه ولا تردُّدَ ولا توقُّف، كان مؤمناً حقيقةً، وسواءٌ كان ذلك عن براهينَ ناصعة، أو عن اعتقاداتٍ جازمة.
стр. 140
قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ الإِحسَانِ؟ قَالَ: أن تَعبُدَ اللهَ كَأَنَّكَ تَرَاهُ، فَإِن لَم تَكُن تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاكَ.
ــ
على هذا انقرضَتِ الأعصارُ الكريمة، وبها صرَّحت فتاوى أئمة الهدى المستقيمة، حتى حدثَت مذاهبُ المعتزلة المبتدعة، فقالوا: إنَّهُ لا يصحُّ الإيمانُ الشرعيُّ إلا بعد الإحاطةِ بالبراهينِ العقليَّةِ والسمعيَّة، وحصولِ العلمِ بنتائجها ومطالبها، ومَن لم يحصُل إيمانه كذلك فليس بمؤمن، ولا يجزئ إيمانُهُ بغير ذلك؛ وتبعهم على ذلك جماعةٌ من متكلِّمي أصحابنا؛ كالقاضي أبي بكر، وأبي إسحاقَ الإسفَرَايِينِيِّ، وأبي المَعَالِي في أوَّل قولَيهِ.
والأولُ هو الصحيح؛ إذ المطلوب من المكلَّفين ما يقال عليه: إيمان؛ كقوله تعالى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَمَن لَم يُؤمِن بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ.
والإيمانُ: هو التصديقُ لغةً وشرعًا؛ فمَن صدَّق بذلك كلِّه، ولم يُجَوِّز نقيضَ شيء من ذلك: فقد عَمِلَ بمقتضى ما أمره الله به على نحو ما أمره الله تعالى، ومَن كان كذلك، فقد تَقصَّى عن عُهدَةِ الخطاب؛ إذ قد عمل بمقتضى السُّنَّةِ والكتاب، ولأنَّ رسولَ الله ﷺ وأصحابَهُ بعده حكموا بصحَّةِ إيمانِ كُلِّ مَن آمن وصدَّق بما ذكرناه، ولم يفرِّقوا بين مَن آمن عن برهان أو عن غيره؛ ولأنَّهم لم يأمروا أجلافَ العربِ بترديد النظر، ولا سألوهم عن أدلَّةِ تصديقهم، ولا أرجؤوا إيمانَهُم حتى ينظروا، وتحاشَوا عن إطلاق الكفر على أحدٍ منهم، بل سَمَّوهُمُ المؤمنين والمسلمين، وأَجرَوا عليهم أحكامَ الإيمان والإسلام، ولأنَّ البراهين التي حرَّرها المتكلِّمون، ورتَّبها الجَدَليُّون، إنما أحدثها المتأخِّرون، ولم يَخُض في شيء من تلك الأساليب السلَفُ الماضون؛ فمِنَ المحال والهذيان: أن يُشتَرَطَ في صحة الإيمان، ما لم يكن معروفًا ولا معمولاً به لأهلِ ذلك الزمان، وهم مَن هم فَهمًا عن الله، وأخذًا عن رسول الله ﷺ ، وتبليغًا لشريعتِهِ، وبيانًا لسنته وطريقتِهِ، وسيأتي قولٌ شافٍ في ذلك إن شاء الله.
стр. 141
قَالَ: فَأَخبِرنِي عَنِ السَّاعَةِ؟ قَالَ: مَا المَسؤُولُ عَنهَا بِأَعلَمَ مِنَ السَّائِلِ. قَالَ: فَأَخبِرنِي عَن أَمَاراتِهَا؟
ــ
والملائكة: جمعُ مَلَك، وقد اختُلِفَ في اشتقاقه ووزنه؛ فقال ابن شُميل: لا اشتقاقَ له، وقال ابن كَيسَانَ: وزنه: فَعَلٌ من المُلكِ، وقال أبو عُبَيدَة: هو مَفعَلٌ من: لَأَكَ، أي: أرسَلَ، وقال غيره: إنه مأخوذٌ من الأَلُوكَة، وهي الرسالة، فكأنها تؤلك في الفم، قال لَبِيدٌ:
وَغُلَامٍ أَرسَلَتهُ أُمُّهُ ... بِأَلُوكٍ فَبَذَلنَا ما سَأَل
فأصله على هذا: مَألَكٌ؛ فالهمزة فاءُ الفعل، لكنَّهم قلبوها إلى عينه، فقالوا: مَلأَكٌ، ثم سهَّلوه، فقالوا: مَلَاكٌ، وقد جاء على أصله في الشعر؛ قال (١):
فَلَستَ لِإِنسِيٍّ ولَكِن لِمَلأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِن جَو السَّمَاءِ يَصُوبُ
وقيل: هو مَلكٌ من مَلَكَ، نحو: شَمَلٍ من شَمَلَ.
والساعة في أصل الوضع: مقدارٌ مَّا من الزمان، غيرُ معيَّن ولا محدود؛ لقوله تعالى: مَا لَبِثُوا غَيرَ سَاعَةٍ.
وفي عرف أهل الشرع: عبارةٌ عن يوم القيامة. وفي عرف المعدِّلين (٢): جزءٌ من أربعة وعشرين جزءا من أوقاتِ الليل والنهار.
والأشراط: هي الأَماراتُ والعلامات (٣)؛ ومنه قوله تعالى: فَقَد جَاءَ أَشرَاطُهَا وبها سمي الشُّرَطُ؛ لأنَّهم يُعلِمُون أنفسَهُم بعلامات يُعرَفون بها.
стр. 142
قَالَ: أَن تَلِدَ الأَمَةُ رَبَّتَهَا،
ــ
والأمَة هنا هي: الجاريةُ المستَولَدَة، وربَّها سَيِّدها، وقد سُمِّي بعلا في الرواية الأخرى، كما سماه الله تعالى بعلا في قوله: أَتَدعُونَ بَعلًا وَتَذَرُونَ أَحسَنَ الخَالِقِينَ. في قول ابن عباس، وحُكِيَ عنه أنه قال: لم أدر ما البَعلُ حتَّى قلتُ لأعرابيٍّ: لِمَن هذه الناقةُ؟ فقال: أنا بَعلُها. وقد سُمِّي الزوجُ بَعلاً، ويجمع: بُعُولة؛ كما قال تعالى: وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ، وَهَذَا بَعلِي شَيخًا ورَبَّتها: تأنيثُ رَبٍّ.
واختُلِف في معنى (قوله: أن تلد الأمةُ رَبَّتهَا) على ثلاثة أقوال:
أحدها: أن المراد به: أن يستولي المسلمون على بلاد الكُفرِ، فيكثُرُ التسرِّي؛ فيكونُ ولَدُ الأَمَةِ من سيِّدها بمنزلة سيِّدها؛ لشرفِهِ بأبيه، وعلى هذا: فالذي يكون مِن أشراطِ الساعة: استيلاءُ المسلمين على المشركين، وكَثرَةُ الفتوح والتسرِّي.
وثانيها: أن يبيعَ السادةُ أمّهاتِ أولادهم، ويكثُرَ ذلك؛ فتتداوَلُ الأمهات المستولَدَةَ، فربَّما يشتريها ولدها أو ابنتها ولا يشعر بذلك؛ فيصيرُ ولدُهَا ربَّها، وعلى هذا: فالذي يكون من الأشراط: غلبةُ الجهلِ بتحريمِ بيعِ أُمَّهَاتِ الأولاد، والاستهانةُ بالأحكام الشرعيَّة؛ وهذا على قولِ مَن يرى تحريمَ بيعِ أُمَّهاتِ الأولاد، وهم الجمهور؛ ويصحُّ أن يحمَلَ ذلك على بيعهنَّ في حال حَملِهِنَّ، وهو محرَّمٌ بالإجماع.
وثالثها: أن يكثُرَ العقوقُ في الأولاد، فيُعَامِلَ الولدُ أُمَّهُ معاملةَ السيِّد أمَتَهُ من الإهانة والسَّبِّ؛ ويشهدُ لهذا قولُهُ في حديث أبي هريرة: المَرأَة مكان الأَمَة. وقولُهُ ﷺ : لا تقومُ الساعةُ حتَّى يكونَ الوَلَدُ غَيظًا (١).
стр. 143
وَأَن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ.
ــ
و(قوله: وَأَن تَرَى الحُفَاةَ العُرَاةَ العَالَةَ رِعَاءَ الشَّاءِ يَتَطَاوَلُونَ فِي البُنيَانِ).
الحُفَاةُ: جمعُ حافٍ، وهو الذي لا يلبس في رِجلهِ شيئًا. والعُرَاة: جمعُ عارٍ، وهو الذي لا يلبس على جَسَدِهِ ثوبًا. والعَالَةُ مخفَّفةَ اللام: جمع عائل، وهو الفقير، والعَيلة: الفقر؛ يقال: عال الرجلُ يَعِيل عَيلَةً: إذا افتقر، وأَعال يُعِيلُ: إذا كَثُرَ عياله، وهذه الأوصاف هي غالبة على أهل البادية، وقد وصفهم في حديث أبي هريرة بأنهم صُمٌّ بكم عمي، ويعني بذلك - والله تعالى أعلم -: أنهم جَهَلَةٌ رَعَاعٌ، لم يستعملوا أسماعهم ولا كلامهم في عِلمٍ ولا في شيء من أمر دينهم، وهذا نحو قوله تعالى: صُمٌّ بُكمٌ عُميٌ فَهُم لَا يَعقِلُونَ؛ أطلَقَ ذلك عليهم مع أنَّهم كانت لهم أسماعٌ وأبصار، ولكنَّهم لما لم تحصُل لهم ثمراتُ تلك الإدراكات، صاروا كأنَّهم عَدِمُوا أصلَهَا، وقد أوضح هذا المعنى قولُهُ تعالى: لَهُم قُلُوبٌ لَا يَفقَهُونَ بِهَا وَلَهُم أَعيُنٌ لَا يُبصِرُونَ بِهَا وَلَهُم آذَانٌ لَا يَسمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالأَنعَامِ بَل هُم أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الغَافِلُونَ.
ومقصودُ هذا الحديث: الإخبارُ عن تبدُّلِ الحال وتغيُّره؛ بأن يستولي أهلُ الباديةِ الذين هذه صفاتُهم على أهل الحاضرة، ويتملَّكوا بالقهر والغلبة، فتكثُرَ أموالُهُم، وتتسعَ في حُطَامِ الدنيا آمالُهُم، فتنصرفَ هِممهُم إلى تشييد المَبانِي، وهَدمِ الدين وشريفِ المعاني، وأنَّ ذلك إذا وُجِدَ، كان من أشراط الساعة.
ويؤيِّد هذا: ما ذُكِرَ عن رسول الله ﷺ أنه قال: لا تقومُ الساعةُ حتى يكونَ أَسعَدَ الناسِ بالدنيا لُكَعُ بنُ لُكَعَ (١) وقد شوهد هذا (٢) كلُّه (٣) عِيَانَا، فكان ذلك على صِدقِ رسول الله ﷺ وعلى قرب الساعة حُجَّةً
стр. 144
قَالَ: ثُمَّ انطَلَقَ،
ــ
وبرهانَا، وفيه: دليلٌ على كراهية ما لا تدعو الحاجةُ إليه مِن تطويلِ البناء وتشييدِه؛ وقد قال ﵊: يُؤجَرُ ابنُ آدَمَ في كلِّ شيء إلا ما يَضَعُهُ في هذا التراب (١) ومات رسولُ الله ﷺ ولم يَضَع حَجَرًا على حجرِ، ولا لَبِنَةً على لبنة، أي: لم يشيِّد بناءً، ولا طوَّله، ولا تأنَّق فيه.
والرِّعَاء: جمعُ راع، وأصلُ الرعي: الحفظ. والشاء: جمع شاة، وهو من الجمعِ الذي بينه وبين واحده الهاء، وهو كثيرٌ فيما كان خِلقَةً لله تعالى؛ كشَجَرَةٍ وشَجَر، وثَمَرَةٍ وثَمَر، وإنما خَصَّ رِعَاءَ الشاء بالذِّكر؛ لأنهم أضعفُ أهلِ البادية.
والبَهم بفتح الباء: جمعُ بَهيمَة، وأصلها: صغار الضَّأن والمَعز، وقد يختصُّ بالمعز، وأصله من استبهَمَ عن الكلام، ومنه البهيمة.
ووقع في البخاري: رِعَاءُ الإبلِ البُهمُ بضم الباء، جمع بَهِم، وهو: الأسود الذي لا يخالطه لونٌ آخر، وقُيِّدَت ميم البُهم بالكسر والضم، فمَن كسرها جعلها صفةً للإبل، ومن رفعها جعلها صفةً للرعاء، وقيل: معناه: لا شيءَ لهم؛ كما قال ﵊: يُحشَرُ الناسُ يومَ القيامة حُفَاةً عُرَاةً غرلا (٢).
قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذا التأويلُ فيه نظر (٣)؛ لأنه قد نَسَبَ لهم إِبِلاً، وظاهرها المِلكُ، وقال الخَطَّابيُّ: هو جمعُ بَهِيمٍ، وهو المجهولُ الذي لا يُعرَف. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والأَولَى أن يُحمَلَ على أنَّهم سودُ الألوان؛ لأن الأَدَمَةَ غالبة على ألوانهم، وروايةُ مسلم في رعاء البَهمِ من غير ذكر الإبل أولى؛ لأنَّها الأنسب لِمَسَاقِ الحديث ولمقصوده؛ فإنَّ مقصودَهُ، أنَّ أضعف
стр. 145
فَلَبِثتُ مَلِيًّا، ثُمَّ قَالَ: يَا عُمَرُ، أَتَدرِي مَنِ السَّائِلُ؟ قُلتُ: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعلَمُ.
ــ
أهل البادية وهم رعاء الشاء، سينقلب بِهِمُ الحال إلى أن يصيروا ملوكًا مع ضعفهم وبُعدِهِم عن أسباب ذلك، وأمَّا أصحابُ الإبل فهم أهلُ الفخرِ والخُيَلَاء؛ فإنَّ الإبل عِزُّ أهلها، ولأنَّ أهلَ الإبل ليسوا عالةً ولا فقراءَ غالبًا.
و(قوله: وَتُؤمِن بالبعثِ الآخِرِ) وصفُ البعثِ بالآخر يَحتَمِلُ أن يكون (١) على جهة التأكيد، كما قالوا: أَمسِ الدابرُ، وأَمسِ الذاهبُ. ويَحتمل أن يقال: إن البعث: إحياءٌ بعد إماتة، وقد فعل الله ذلك مرتين؛ فأحياناً بعد أَن كنَّا نُطَفًا وعَلَقًا ومُضَغًا وهي أمواتٌ، ثم يحيينا ليومِ القيامة وهو البَعثُ الآخِر؛ كما قال الله تعالى: كَيفَ تَكفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُم أَموَاتًا فَأَحيَاكُم ثُمَّ يُمِيتُكُم ثُمَّ يُحيِيكُم قال أهلُ التفسير: أمواتًا في حال كوننا نُطفًا وعَلَقًا في الأرحام، ثُمَّ نفخَ الرُّوحَ وأحيا.
و(قوله: فعجبنا له يَسأَلُهُ ويُصَدِّقُهُ)؛ إنَّما تعجَّبوا من ذلك؛ لأنَّ ما جاء به النبي ﷺ لا يُعرَفُ إلا مِن جهته، وليس هذا السائلُ مِمَّن عُرِفَ بلقاءِ النبيِّ ﷺ ، ولا بالسَّمَاعِ منه، ثم هو قد سأل سؤالَ عارفٍ محقِّقٍ مصدِّقٍ؛ فتعجَّبوا من ذلك تعجُّبَ المُستَبعِدِ لأن يكونَ أحدٌ يعرف تلك الأمورَ المسؤولَ عنها من غير جهة النبي ﷺ .
و(قوله: فَلَبِثَ مليًّا) أي: أقام بعد انصرافه حينًا، يعني: النبيَّ ﷺ ، ويُروى: فَلَبِثتُ بتاء مضمومة للمتكلِّم، فيكونُ عمر هو الذي أخبَرَ بذلك عن نفسه، وكلاهما صحيحُ المعنى.