← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

قَالَ ابن فارس (١): ويقال لذلك من الرجل: ثندوة. بفتح الثاء بلا همز، وبالضم والهمز والأول هو المشهور (٢). وقوله ﷺ : ("وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ") أي: أقصر، فيكون فرق الثدي لم ينزل إليه، ولم يصله لقلته. قَالَ ابن بطال: معلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل (من عمل من) (٣) بلغ قميصه ثديه، وتأويله ﷺ ذَلِكَ بالدين يدل عَلَى أن الإيمان الواقع عَلَى العمل يسمى دينًا كالإيمان الواقع عَلَى القول (٤). وقال أهل التعبير: القميص في النوم: الدين، وجره يدل عَلَى بقاء آثاره الجميلة، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقتَدى به. قَالَ القاضي: (أخذوه) (٥) من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] يريد نفسك، وإصلاح عملك ودينك، عَلَى تأويل بعضهم؛ لأن العرب تعبِّر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر، وجَرُّه عبارة عما فَضُل عنه وانتفع الناس به، بخلاف جَرِّه في الدنيا للخُيلاء فإنه مذموم (٦).

стр. 1017

الوجه الرابع: في الإشارة إلى بعض فوائده: الأولى: أن الأعمال من الإيمان؛ فإن الإيمان والدين بمعنًى. الثانية: تفاضل أهل الإيمان. الثالثة: بيان عظم فضل عمر ﵁. الرابعة: تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها. الخامسة: إشاعة العالم الثناء عَلَى الفاضل من أصحابه إِذَا لم يخش فتنة بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه عَلَى فضله؛ لتعلم منزلته، ويعامل بمقتضاها، ويرغب في الاقتداء به، والتخلُّق بأخلاقه (١).

стр. 1018

١٦ - باب الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِك بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الَحيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". [٦١١٨ - مسلم: ٣٦ - فتح: ١/ ٧٤] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أنا مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن عبد الله، عن مالك، وأخرجه أيضًا في موضع آخر عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة (١). وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن الناقد، وزهير، عن سفيان، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، ولم يقع لمسلم لفظة: "دعه" (٢). الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف خلا سالمًا. وهو أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله سالم (ع) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني التابعي الجليل الفقيه الصالح الزاهد الورع المتفق عَلَى جلالته. وهو أحد الفقهاء السبعة -فقهاء المدينة-

стр. 1019

عَلَى أحد الأقوال (١) سمع أباه وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة وخلقًا من غيرهم، وعنه: جمع من التابعين منهم الزهري. قَالَ إسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن سالم، عن أبيه (٢)، وكان أشبه ولده به، وكان والده أشبه ولد عمر به. قَالَ مالك: ولم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد (والقصد) (٣) والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث عاليًا من الرجال. مات سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان (٤). فائدة: لسالم إخوة: عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وزيد،

стр. 1020

وأخوات، وكان عبد الله وصي أبيه منهم، روى عنه منهم أربعة: عبد الله وسالم وحمزة وبلال. الوجه الثالث: هذا الرجل لم أقف عَلَى اسمه، وكذا الأخ فليطلب (١). الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه: قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) قَالَ أهل اللغة: مَرَّ عليه، ومَرَّ به يَمُّر مرًّا، أي: اجتاز. وقوله: (يعظ أخاه) قَالَ أهل اللغة: الوَعْظُ: النُصْحُ، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، قَالَ: والعِظَةُ: الاسم منه. قَالَ الخليل: وهو التذكير بالخير (فيما) (٢) يرق لَهُ قلبه (٣).

стр. 1021

قَالَ الزبيدي (١) في "مختصر العين" (٢): الوَعْظُ والَمْوعِظَةُ والعِظَةُ سواء. تقول: وَعَظَهُ يَعِظُه وَعْظًا ومَوْعِظَةَ فاتَّعَظَ، أي: قبل المَوعِظَةُ. ومعنى: (يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ) أي: ينهاه عنه، ويقبح له فعله، ويخوفه منه. فإنّ كثرته عجز، فزجره ﷺ عن وعظه، وقال: "دعه" أي: عَلَى فعل الحياء، وكُفّ عن نهيه؛ "فإن الحياء من الإيمان". وفي رواية أخرى في الصحيح: "الحياء خير كله" (٣). وفي رواية: "الحياء لا يأتي إلا بخير" (٤). وقد سلف تحقيق كونه من الإيمان، وبيان معناه في باب: أمور الإيمان واضحًا فراجعه منه (٥). وقال ابن قتيبة: معنى الحديث أن الحياء يمنع صاحبه من ركوب المعاصي كما يمنع منه الإيمان، فسمي إيمانًا كما يسمى الشيء باسم ما قام مقامه، وفي الحديث التنبيه عَلَى الامتناع من قبائح الأمور ورذائلها، وكل ما يستحيا من فعله.

стр. 1022

١٧ - باب ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ﴾ [التوبة: ٥] ٢٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْنَدِىُّ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَوْحٍ الْحَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِى يُحَدِّثُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّى دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ". [مسلم: ٢٢ - فتح: ١/ ٧٥] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ المُسْنَدِيُّ، نا أَبُو رَوْحٍ الحَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ نا شُعْبَةُ، عَنْ وَاقِدِ بْنِ مُحَمدٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يُحَدِّثُ عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاس حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ، فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ". هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من هذا الوجه، ولم يقل: "إلا بحق الإسلام" (١). وأخرجاه من حديث أبي هريرة أيضًا (٢)، وفيه: "ويؤمنوا بي وبما جئت به" (٣). وأخرجه البخاري من حديث أنس كما سيأتي في الصلاة (٤)، وأخرجه مسلم من حديث جابر (٥).

стр. 1023

ثمَّ الكلام عليه من وجوه: أحدها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بابن عمر، وشعبة، وعبد الله المسندي، بفتح النون. وأما محمد -والد واقد- فهو محمد (ع) بن زيد بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني، سمع جده، وابن عباس، وابن الزبير، وعنه بنوه الخمسة: أبو بكر وعمر وعاصم وواقد وزيد. قَالَ أبو حاتم وأبو زرعة: ثقة (١). وأما واقد ابنه فهو -بالقاف-، وليس في "الصحيحين" وافد بالفاء. كما قدمته في الفصول أول هذا الشرح، وهو قرشي كلما ذكرته، مدني، وهو والد عثمان بن واقد أيضًا، روى عن والده ونافع وغيرهما، وعنه: شعبة وغيره، وثقه أحمد وغيره. روى لَهُ مع البخاري ومسلم، أبو داود والنسائي (٢). وأما أبو روح فهو حرمي -بفتح الحاء والراء- بن عمارة بن أبي حفصة نابت -بالنون وقيل: (بالثاء) (٣) وقيل: عبيدة العتكي مولاهم البصري، سمع شعبة وغيره، وعنه: القواريري وغيره، مات سنة إحدى ومائتين.

стр. 1024

قَالَ يحيى: صدوق، روى لَهُ الجماعة سوى (الترمذي) (١). فائدة: حرمي أيضًا اثنان: ابن حفص العتكي روى لَهُ البخاري وأبو داود والنسائي (٢). وابن يونس (المؤدب) (٣)، روى لَهُ النسائي واسمه إبراهيم (٤). ثانيها: في ألفاظه ومعانيه: معنى ("تَابُوا"): خلعوا الأوثان، وأقبلوا عَلَى عبادة الله تعالى، ومنه قوله تعالى في الآية الأخرى: ﴿فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ .. إلى قوله: ﴿فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ﴾ [التوبة: ١١]، وهذِه الآية التي ذكرها البخاري حُكي عن أنس أنها آخر ما (نزل) (٥) من القرآن (٦)، ومعنى: ﴿وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ﴾ المداومة عليها بحدودها.

стр. 1025

ومعنى: ("عَصَمُوا": منعوا) (١)، والعصم: المنع، والعصام: الخيط الذي يشد فم القربة، سمي به؛ لمنعه الماء من السيلان. ومعنى قوله: "إِلَّا بِحَقِّ الإِسْلَامِ" أنه إن صدر منهم شيء يقتضي حكم الإسلام مؤاخذتهم به من قَصاص أو حَدٍّ أوغرامة متلف أو نحو ذَلِكَ استوفيناه، وإلا فهم معصومون. ومعنى "وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ": أن أمر سرائرهم إليه، وأما نحن فنحكم بالظاهر، فنعاملهم بمقتضى ظاهر أفعالهم وأقوالهم. ثالثها: في فوائده: الأولى: وجوب قتال الكفار إِذَا طاقه المسلمون حتَّى يسلموا، أو يبذلوا الجزية إن كانوا ممن تُقبل منهم. الثانية: وجوب قتال تاركي الصلاة أو الزكاة، وفيه رد على قول المرجئة: إن الإيمان غير مفتقر إلى الأعمال (٢).

стр. 1026

الثالثة: قتل تارك الصلاة عمدًا مع اعتقاده وجوبها -وهو مذهب الجمهور-. والصحيح عندنا أنه يقتل بترك صلاة واحدة بشرط إخراجها عن وقت الضرورة، وقال أحمد بن حنبل في رواية أكثر أصحابه عنه: تارك الصلاة عمدًا يكفر ويخرج من الملة (١)، وبه قَالَ

стр. 1027

بعض أصحابنا (١)، فعلى هذا لَهُ حكم المرتدين فلا يُورث، ولا يُغسل، ولا يُصلى عليه، وتبين منه امرأته، وقال أبو حنيفة والمزني: يحبس ولا يقتل (٢)، والصحيح ما سلف عن الجمهور. فرع: لو ترك صوم رمضان حبس، ومنع الطعام والشراب نهارًا؛ لأن الظاهر أنه ينويه؛ لأنه معتقد لوجوبه. فرع: لو منع الزكاة أخذت منه قهرًا، ويعزر على تركها. الرابعة: أن من أظهر الإسلام، وفعل الأركان كففنا عنه، ولا نتعرض إليه إلا لقرينة تظهر منه. الخامسة: قبول توبة الزنديق، وإن تكرر منه الارتداد والإسلام، وهذا هو الصحيح، وقول الجمهور، ولأصحابنا فيه خمسة أوجه، وهو الذي يبطن الكفر ويظهر الإسلام، ويعلم ذَلِكَ (منه) (٣) إما باطلاع الشهود عَلَى كفرِ كان يخفيه، وإما بإقراره، أصحُّها ما ذكرناه، وهو ما نص عليه الشافعي، والأحاديث دالة عليه. ومنها حديث أسامة: "أفلا شَققت عن قلبه" (٤) ومنها حديث: "ما أمرت أن أشق عن قلوب الناس ولا عن بطونهم" (٥).

стр. 1028

وثانيها: وبه قَالَ مالك: لا تقبل، نعم إن كان صادقًا في ذَلِكَ نفعه عند الله تعالى، وعن أبي حنيفة روايتان كالوجهين. والثالث: إن كان من الدعاة (إلى الصلاة) (١) لم تقبل توبته، وتقبل توبة عوامهم. والرابع: إن أخذ ليقتل فتاب لم تقبل، وإن جاء تائبًا ابتداءً، وظهرت مخايل الصدق عليه قبلت، وحكاه ابن التين عن مالك أيضًا. وخامسها: أن (من) (٢) تاب مرة قبلت، وإن تكررت منه فلا (٣).

стр. 1029

السادسة: اشتراط النطق بكلمتي الشهادة في الحكم بإسلام الكافر، وأنه لا يكَفُّ عن قتالهم إلا بالنطق بهما، قَالَ القاضي حسين: وإنما يندفع السيف بهما مع الإقرار بأحكامهما لا بمجردهما. وفيما قاله نظر كما تقدم. السابعة: هذا الحديث مبين ومقيد لما جاء (من) (١) الأحاديث المطلقة، ومنها مناظرة عمر للصديق في شأن (قتال) (٢) مانعي الزكاة، إذ فيه: فقال عمر لأبي بكر: كَيْفَ تُقَاتِلُ النَّاسَ، وَقَدْ قَالَ ﷺ : "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إله إِلَّا اللهُ. فَمَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي دمه ومَالَهُ إِلَّا بِحَقِّهِ، وَحِسَابُهمُ عَلَى اللهِ؟ " فقال الصديق: والله لأُقَاتِلَنَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ (٣). فانتقاله إلى القياس واعتراض الفاروق عليه أولًا دليل على أنه خفي عليهما وعلى من حضرهما حديث ابن عمر (٤) وأبي هريرة (٥)، كما خفي عليهم حديث جزية المجوس (٦)، وشأن الطاعون (٧)، وهذا وأمثاله مما يرجح به مأخذ

стр. 1030

الشافعي في أنه إِذَا صح الحديث لا يعدل عنه؛ لجواز خفائه عَلَى البعض (١). الثامنة: الحكم بالظاهر كما سلف. التاسعة: أن الاعتقاد الجازم كافٍ في النجاة، وأبعد من أوجب تعلم الأدلة وجعله شرطًا للإسلام، والأحاديث الصحيحة متظاهرة عَلَى ذَلِكَ، ويحصل من عمومها العلم القطعي بأن التصديق الجازم كاف. العاشرة: عدم تكفير أهل البدع.

стр. 1031

١٨ - باب مَنْ قَالَ إِنَّ الإِيمَانَ هُوَ الْعَمَلُ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٧٢)﴾ [الزخرف: ٧٢]. وَقَالَ عِدَّةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (٩٢) عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٩٣)﴾ [الحجر: ٩٢، ٩٣]: عَنْ قَوْلِ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ. وَقَالَ: ﴿لِمِثْلِ هَذَا فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ (٦١)﴾. ٢٦ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن شِهَابِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيَّبِ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌ مَبْرُورٌ". [١٥١٩ - مسلم: ٨٣ - فتح: ١/ ٧٧] نا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ، وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ نا ابن شِهَابٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ سُئِلَ أَيُّ العَمَلِ أَفْضَلُ؟ فَقَالَ: "إِيمَانٌ باللهِ وَرَسُولِهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللهِ". قِيلَ: ثُمَّ مَاذَا؟ قَالَ: "حَجٌّ مَبْرُورٌ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا هنا (١). ويأتي في الحج إن شاء الله (٢). ثانيها: (في) (٣) التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا ابن المسيب، وأحمد بن يونس.

стр. 1032

أما الأول: فهو أبو محمد سعيد (ع) بن المسيب بن حزن بن (أبي وهب) (١) بن (عمرو بن) (٢) عايذ -بالذال المعجمة- بن عمران بن مخزوم بن يقظة -بفتح الياء المثناة تحت، وبالقاف والظاء المعجمة- ابن مرة القرشي المخزومي المدني. إمام التابعين، وفقيه الفقهاء، ووالده وجده صحابيان أسلما يوم الفتح (٣).

стр. 1033

والمسيِّب: بفتح الياء عَلَى (الصحيح) (١) المشهور، وقاله أهل المدينة بكسرها، وحُكي عنه كراهة الفتح (٢)، ولا خلاف في فتح الياء من المسيب بن رافع (٣). وولده العلاء بن المسيب (٤).

стр. 1034

ولد لسنتين (مضتا) (١) من خلافة عمر، وقيل: لأربع. سمع عمر وعثمان وعليًّا وسعد بن أبي وقاص وأبا هريرة، وهو زوج ابنته، وأعلم الناس بحديثه، وخلقًا من الصحابة. وعنه خلائق من التابعين وغيرهم، واتفقوا عَلَى جلالته وإمامته وتقدمه على أهل عصره في العلم والفتوى. قَالَ ابن المديني: لا أعلم في التابعين أوسع علمًا منه، وإذا قَالَ: (مضت السنة) فحسبك به، وهو عندي أجل التابعين، قَالَ أبو عبد الله بن خفيف (٢): أهل البصرة يقولون: أفضل التابعين أويس القرني (٣)، قُلْتُ: أي: في الزهد. ففي مسلم من حديث عمر مرفوعًا: "إن خير التابعين رجل يقال لَهُ: أويس، وكان به بياض فمروه فليستغفر لكم" (٤).

стр. 1035

أما سعيد فأفضل في العلم، وكان لا يأخذ العطاء، كانت لَهُ أربعمائة دينار يتجر فيها في الزيت، وقد سلف الكلام في الفصول أول الكتاب في مرسله، وأن بعضهم قَالَ: إن مرسله حجة مطلقًا؛ لأنها فتشت فوجدت مسندة، وليس كما قَالَ؛ فإنه وجد فيها ما ليس بمسند بحال، كما ذكره البيهقي والخطيب وغيرهما (١). مات سنة أربع، وقيل: ثلاث وتسعين، سنة الفقهاء؛ لكثرة من مات فيها منهم. وأراد ﷺ تغيير اسم جده فقال: "أنت سهل" فقال: لا أغير اسمي فما زالت الحزونة في ولده (٢)، ففيهم سوء خلق (٣).

стр. 1036

فائدة: عايذ جده -قَدْ سلف أنه بالمثناة تحت وبالذال المعجمة- بن عمران بن مخزوم، وفي بني مخزوم أيضًا عابد -بالموحدة وبالدال المهملة- بن عبد الله بن (عمر) (١) بن مخزوم (٢)، ومن ولد هذا السائب والمسيب ابنا أبي السائب صيفي بن (عابد) (٣) بن عبد الله، (وولده) (٤) عبد الله بن السائب (٥) شريك النبي ﷺ قَالَ ﷺ في حقه: "نعم الشريك" (٦). وقيل: الشريك والده (٧).

стр. 1037

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1038

(و) (١) عتيق بن (عابد) (٢) بن عبد الله كان عَلَى خديجة أم المؤمنين قبل رسول الله ﷺ (٣)، ومن الأول -وهو عائذ- غير سعيد بن المسيب فاطمة أم عبد الله والد رسول الله ﷺ بنت عمرو بن عائذ بن عمران (٤)، وهبيرة بن أبي وهيب بن عمرو بن عائذ بن عمران، وهبيرة

стр. 1039

هذا هو زوج أم هانئ بنت أبي طالب (١) (فزَ عن) (٢) الإسلام (٣)، يوم فتح مكة، مات كافرًا بنجران (٤). وأما أحمد (ع) بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي أبو عبد الله الكوفي، يقال: إنه مولى الفضيل بن عياض، سمع مالكًا وخلقًا، وعنه أبو زرعة وأبو حاتم، والبخاري، ومسلم، وأبو داود، وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه، والترمذي (والنسائي) (٥) وابن ماجه عن رجل عنه، قال أحمد: هو شيخ الإسلام، قَالَ أبو حاتم: كان ثقة متقنًا، مات في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين (ومائتين) (٦) عن أربع وتسعين سنة (٧). الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: معنى الإرث في الآية: صيرورتها لهم، وفيها وفي نظائرها وجهان: أحدهما: أنها مصدرية أي: بعملكم، وثانيهما: موصولة أي:

стр. 1040

بالذي كنتم تعملون، والوجهان أيضًا في قوله تعالى: ﴿عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الحجر: ٩٣]، قَالَ النووي: والظاهر المختار أن معناه: لنسألنهم عن أعمالهم كلها. أي: الأعمال التي يتعلق بها التكليف، وقول هؤلاء الذين نقل عنهم البخاري (أن المراد) (١) عن قول: لا إله إلا الله، مجرد دعوى للتخصيص بذلك، فلا تقبل. نعم، هو داخل في عموم الأعمال، وقد روينا في "مسند أبي يعلى" من حديث أنس مرفوعًا ما يوافق ما نقله عنهم (٢) لكن في إسناده ليث بن أبي سليم وهو ضعيف (٣).

стр. 1041

وقوله: (وقال: عدة) أي: كما عة، قَالَ أهل اللغة: العدة: الجماعة قلَّت أم كثرت (١)، والمبرور: هو الذي لا يخالطه إثم، وقيل: المقبول، وقيل: فعل الجميل، وقيل: الخالص، والبر: الطاعة، يقال: بَرَّ حجُّك بفتح الباء وضمها لغتان حكاهما ابن سيده (٢)، واقتصر الحربي وثعلب (٣) على الضم وأقره القاضي (٤) ونسب ابن درستويه (٥) الفتح إلى العامة.

стр. 1042

الوجه الرابع: في فوائده: الأولى: إن قُلْت: كيف يجمع بين الآية السالفة في السؤال. وقوله ﷺ : "لن يدخل أحد الجنة بعمله" (١)؟ فالجواب: أن دخول الجنة بسبب العمل، والعمل برحمة الله. الثانية: كيف نجمع بين الآية السالفة في السؤال والآية الأخرى وهي: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ (٣٩)﴾ [الرحمن: ٣٩]. فالجواب: أن في القيامة مواطن -أعاننا الله الكريم عَلَى أهوالها- ففي موطن يسألون، وفي الآخر لا يسألون، كما سيأتي في تفسير حم السجدة عن ابن عباس (٢)، وجواب آخر أنهم لا يسألون سؤال الاستخبار. الثالثة: بدأ في هذا الحديث بالإيمان ثمَّ الجهاد ثمَّ الحج. وفي حديث ابن مسعود بدأ بالصلاة لميقاتها ثمَّ بر الوالدين ثمَّ الحج (٣)،

стр. 1043

وفي حديث أبي ذر لم يذكر الحج (١)، وفي حديث أبي موسى (السالف: أي الإسلام أفضل؟ قَالَ: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" (٢) وفي حديث ابن عمرو) (٣) السالف: أي الإسلام خير؟ قَالَ: " (تطعم) (٤) الطعام" إلى آخره (٥). وقد جمع العلماء بينها وبين ما أشبهها بوجوه، ذكر الحليمي (٦) منها وجهين: أحدهما: أنه جرى عَلَى اختلاف الأحوال والأشخاص، كما روي أنه ﷺ قَالَ: "حجة لمن لم يحج أفضل من (أربعين) (٧) غزوة، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة" (٨). فاعلم أن كل قوم بما تدعو الحاجة إليه دون ما لم تدع

стр. 1044

حاجتهم إليه، وذكر ما لم يعلمه السائل وأهل المجلس من دعائم الإسلام (ولم يبلغه) (١) علمه، وترك ما علموه. ولهذا أسقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في حديث الباب، وأثبت فيه الجهاد والحج. ولا شك أن الصلاة والزكاة والصوم مقدمات عَلَى الحج والجهاد، فقد يكون الجهاد في حق شخص أولى من غيره، وهو من تأهل لَهُ أو عند التعين، والعياذ بالله (٢). وكذا نقول في بر الوالدين، وقد قَالَ

стр. 1045

- ﷺ : "ففيهما فجاهد" (١). الجواب الثاني: أن لفظة "من": مراده، والمراد: من أفضل الأعمال كما يقال: فلان أعقل الناس، والمراد: من أعقلهم، ومنه الحديث: "خيركلم خيركم لأهله" (٢) ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس، وكقولهم: أزهد الناس في العَالِم جيرانه (٣).

стр. 1046

الرابعة: قدَّم الجهاد في (هذا الحديث عَلَى الحج) (١)، مع أن الحج أحد الأركان والجهاد فرض كفاية؛ (لأنه قد يتعين كما في سائر فروض الكفايات، وإذا لم يتعين لا يقع إلا فرض كفاية) (٢)، وأما الحج فالواجب منه مرة فقط، فإن قابلت واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث؛ ولأنه شارك الحج في الفرضية، وزاد (فيه) (٣) بتعدي نفعه إلى سائر الأمة؛ ولكونه ذبًّا عن بيضة الإسلام، ولكونه بذلًا للنفس والمال وغير ذَلِكَ. وإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما ذكرناه؛ ولأنه يقع فرض كفاية، وهو أفضل من النفل بلا شك. بل قَالَ إمام الحرمين في كتابه "الغياثي" (٤): فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين، من حيث أنه يقع فعله مسقطًا للحرج عن الأمة بأسرها، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم، ولاشك في عظم موقع ما هذِه صفته (٥). كذا قرره النووي في "شرحه" وقيل: إنما قدم؛ لشدة الحاجة إليه أول الإسلام. الخامسة: الآية دالة عَلَى نيل الدرجات بالأعمال، (وأن الإيمان قول وعمل، ويشهد لَهُ الحديث المذكور، وهو مذهب أهل السنة كما سلف في أول الإيمان) (٦)، وهو مراد البخاري بالتبويب، وأراد به

стр. 1047

الرد عَلَى المرجئة كما سلف، وغَلِطَ غلاتُهم فقالوا: إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة وإن لم يعتقدها بقلبه، حكاه القاضي عنهم (١)، وما أوهاه وأظهر زيفه، ثمَّ إن في هذا الحديث: جعل الإيمان من العمل، وفَرّق في أحاديثَ أُخر بين الإيمان والأعمال، وأطلق اسم الإيمان مجردًا عَلَى التوحيد، وعمل القلب، والإسلام عَلَى النطق، وعمل الجوارح، وحقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد، وتمامه بعمل الجوارح. فلهذا لا يكون ناجيًا مؤمنًا إلا بذلك، فإطلاق الإيمان إذًا عَلَى كلها وعلى بعضها صحيح، فالتصديق أفضل الأعمال (عَلَى هذا إذ هو شرط فيها. قَالَ القاضي عياض: ويحتمل أن يشير بأنه أفضل الأعمال) (٢) إلى الذكر الخفي، وتعظيم حق الله ورسوله، وفهم (كتابه) (٣) وغير ذَلِكَ من أعمال القلب ومحض الإيمان، كما جاء: "خير الذكر الخفي" (٤).

стр. 1048

١٩ - باب إِذَا لَمْ يَكُنِ الإِسْلَامُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَانَ عَلَى الاِسْتِسْلَامِ أَوِ الْخَوْفِ مِنَ الْقَتْلِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: ١٤]. فَإِذَا كَانَ عَلَى الحَقِيقَةِ فَهُوَ عَلَى قَوْلِهِ جَلَّ ذِكْرُهُ: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: ١٩]. ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: ٨٥]. ٢٧ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلاً هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَىَّ، فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". فَسَكَتُّ قَلِيلاً، ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِى مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِى الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ اللهُ فِي النَّارِ". وَرَوَاهُ يُونُسُ، وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِىِّ، عَنِ الزُّهْرِىِّ. [١٤٧٨ - مسلم: ١٥٠ - فتح: ١/ ٧٩] نَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرَنِي عَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ سَعْدٍ ﵁، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَعْطَى رَهْطًا وَسَعْدٌ جَالِسٌ، فَتَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ رَجُلًا هُوَ أَعْجَبُهُمْ إِلَيَّ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا. فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". فَسَكَتُّ قَلِيلًا، ثُم غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي فَقُلْتُ: مَا لَكَ عَنْ فُلَانٍ؟ فَوَاللهِ إِنِّي لأَرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ: "أَوْ مُسْلِمًا". ثُمَّ غَلَبَنِي مَا أَعْلَمُ مِنْهُ، فَعُدْتُ لِمَقَالَتِي، وَعَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ: "يَا سَعْدُ، إِنِّي لأُعْطِي الرَّجُلَ وَغَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْهُ خَشْيَةَ أَنْ يَكُبَّهُ الله فِي النَّارِ". وَرَوَاهُ يُونُسُ،

стр. 1049

وَصَالِحٌ، وَمَعْمَرٌ، وَابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ، عَنِ الزُّهْريِّ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الزكاة عن محمد بن غُرير، (ثنا) (١) يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، كلاهما عن الزهري، عن عامر (٢). قَالَ: ورواه يونس إلى آخر ما سلف، وزاد فيه هو ومسلم: فضرب رسول الله ﷺ بيده فجمع بين عنقي وكتفي، ثمَّ قَالَ: "أقبل أي سعد"، وفي مسلم: "أقتالًا؟ أي سعد". وأخرجه مسلم أيضًا هنا (٣)، وفي الزكاة (٤) عن ابن (أبي) (٥) عمر عن سفيان، عن الزهري، (وعن زهير عن يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح كلهم عن الزهري به (٦)، وفي الزكاة عن إسحاق بن إبراهيم، وعبد بن حميد، أنا عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري (٧). وقد اعترض عَلَى مسلم في بعض طرق هذا الحديث في قوله: عن سفيان، عن الزهري) (٨).

стр. 1050

ورواه الحميدي وسعيد بن عبد الرحمن ومحمد بن الصباح (الَجْرجَرائي) (١) كلهم عن سفيان، عن معمر، عن الزهري به، وهذا هو المحفوظ عن سفيان (٢). ذكره الدارقطني في "استدراكاته" عَلَى مسلم (٣)، وأجاب النووي بأنه يحتمل أن سفيان سمعه من الزهري مرة، ومن معمر (مرة) (٤) عن الزهري فرواه عَلَى الوجهين (٥)، وفيما ذكره نظر حديثي (٦).

стр. 1051

ثانيها: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة: سعد بن أبي وقاص، (وولده وابن أخي الزهري. فأما سعد (ع) فهو أبو إسحاق بن أبي وقاص) (١)، مالك بن وهيب، ويقال: أهيب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة بن كعب بن لؤي القرشي الزهري، أحد العشرة المشهود لهم بالجنة، وأحد الستة أصحاب الشورى. أمَّه: (حمنة) (٢) بنت سفيان أخي حرب وإخوته، بني أمية بن عبد شمس، أسلم قديمًا وهو ابن أربع عشرة سنة بعد أربعة، وقيل: بعد ستة. وشهد بدرًا وما بعدها من المشاهد، وكان مجاب الدعوة؛ لدعائه ﷺ لَهُ بذلك (٣)، وأول من رمى بسهم في سبيل الله (٤)، وكان يقال

стр. 1052

لَهُ: فارس الإسلام، وكان من المهاجرين الأولين، هاجر إلى المدينة قبل قدومه ﷺ إليها. روي لَهُ عن رسول الله ﷺ مائتا حديث، وسبعون حديثا، اتفقا منها عَلَى خمسة عشر، وانفرد البخاري بخمسة، ومسلم بثمانية عشرة، روى جابر بن عبد الله قَالَ: أقبل سعد ورسول الله ﷺ جالس فقال: "هذا خالي فليرني امرؤ خاله"، رواه ابن سعد (١)؛ وسببه أن أمه ﷺ آمنة بنت وهب بن عبد مناف، وسعد هو ابن مالك بن وهيب أخي وهب ابني عبد مناف. روى عنه جمع من الصحابة منهم: ابن عمر وابن عباس، وعائشة، ومن التابعين أولاده الخمسة: محمد وإبراهيم وعامر ومصعب وعائشة، وخلائق. وهو الذي فتح مدائن كسرى في زمن عمر، وولاه عمر العراق، وفي الصحيحين عن علي قَالَ: ما سمعت رسول الله ﷺ جمع أبويه لأحد إلا لسعد بن مالك، فإني سمعته يوم أحد يقول: "ارم فداك أبي وأمي" (٢)، ولما قتل عثمان اعتزل سعد الفتن، ومات بقصره

стр. 1053

(بالعقيق) (١) عَلَى عشرة أميال من المدينة، وحمل عَلَى أعناق الرجال إليها، ودفن بالبقيع سنة خمس و (خمسين) (٢) أو إحدى أو ست أو سبع أو ثمان، عن ثلاث وسبعين سنة أو أربع أو عن نيف وثمانين. قيل: سنة اثنتين، وقيل: ثلاث، وصلى عليه مروان بن الحكم وهو يومئذٍ والي المدينة، وصفته عَلَى ما قالت ابنته عائشة، أنه كان قصيرًا جدًا دَحْدَاحًا (٣) غليظًا ذا هامة شَثْن الأصابع (٤) أسمر يخضب بالسواد. وروى ابن سعد عن سفيان، عن حكيم بن الديلمي: أنه كان يسبح بالحصا (٥). فائدة: في الصحابة من اسمه سعد فوق المائة كما هو معروف في موضعه. وأما ولده عامر (بن سعد) (٦) فهو مدني قرشي زهري، سمع أباه وعثمان وجابر بن سمرة وجماعة من الصحابة، وعنه: سعيد بن المسيب وغيره من التابعين، وكان ثقة كثير الحديث، مات سنة أربع ومائة، وقيل: ثلاث (٧).

стр. 1054

وأما ابن أخي الزهري: فهو محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله ابن عبد الله بن شهاب بن عبد الله بن الحارث بن زهرة بن كلاب الزهري، روى عن عمه محمد (وأبيه) (١)، وعنه جماعات منهم: القعنبي، روى عنه البخاري في الصلاة، والأضاحي، ومسلم في الإيمان والصلاة والزكاة، قَالَ الحاكم في "مدخله": عيب عَلَى البخاري ومسلم إخراجهما حديثه، أخرج لَهُ البخاري في الأصول، ومسلم في الشواهد (٢). وقال ابن أبي حاتم: ليس بالقوي يكتب حديثه (٣)، وقال ابن معين: ضعيف، وقال ابن عدي: لم أَرَ بحديثه بأسًا، ولا رأيت لَهُ حديثًا منكرًا (٤)، وقال عباس (٥)، عن يحيى (يعني) (٦): ابن معين: ابن أخي الزهري أمثل من أبي أويس، وقال مرة فيه: ليس بذاك القوي. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث صالحًا. وقال الواقدي: قتله غلمانه بأمر ابنه، وكان ابنه سفيهًا شاطرًا قتله للميراث في آخر خلافة أبي جعفر المنصور، ومات أبو جعفر سنة ثمان وخمسين ومائة، ثمَّ وثب غلمانه

стр. 1055

عَلَى ابنه بعد سنين فقتلوه (١)، وجزم النووي في "شرحه" بأن محمدًا هذا مات سنة اثنتين وخمسين ومائة (٢). ثالثها: في هذا الإسناد لطيفتان: الأولى: أنه جمع ثلاثة زهريين مدنيين. الثانية: أنه جمع ثلاثة تابعيين يروي بعضهم عن بعض، صالح وابن شهاب وعامر، وصالح أكبر من الزهري؛ لأنه أدرك ابن عمر فهو (من) (٣) رواية الأكابر عن الأصاغر، وهذِه لطيفة ثالثة. رابعها: معنى قوله: (رواه يونس .. ) إلى آخره، أن هؤلاء الأربعة تابعوا شعيبًا في رواية هذا الحديث عن الزهري فيزداد قوة بكثرة طرقه، وفي
следующие страницы →