← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.

стр. 981

"يَتَّبع" (١) هو بتشديد التاء، وقوله: "شعف الجبال" هو بشين معجمة مفتوحة ثمَّ عين مهملة، وهي رءوس الجبال، وشَعَفُ كل شيء: أعلاه، والواحدة: شَعَفَة. وقوله: ("يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الفِتَنِ") أي: من (فساد ذاتِ البين) (٢) وغيرها، وخصت الغنم بذلك؛ لما فيها من السكينة والبركة -وقد رعاها الأنبياء والصالحون صلوات الله عليهم وسلامه- مع أنها سهلة الانقياد، خفيفة المؤنة، كثيرة النفع. وقال أبو الزناد: إنما خص الغنم حضًّا عَلَى التواضع والخمول وترك الاستعلاء. وقد قَالَ ﵇: "مَا بَعَثَ اللهُ نَبِيًّا إِلَّا رَعَى الغَنَمَ" (٣) وقال: "السَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الغَنَمِ" (٤). وقال غيره: إنما ذكر شعف الجبال لفراغها من الناس غالبًا، وشبهها مثلها، وقد ذكر في حديث مسلم بطن الوادي معه كما سلف (٥). الوجه الخامس: في فوائده: وهي كثيرة منها: فضل العزلة في أيام الفتن؛ لإحراز الدين؛ ولئلا تقع عقوبة فتعم،

стр. 982

إلا أن يكون الإنسان ممن لَهُ قدرة عَلَى إزالة الفتنة، فإنه يجب عليه السعي في إزالتها، إما فرض عين، وإما فرض كفاية (١) بحسب (الحال) (٢) والإمكان. وأما في غير أيام الفتنة (فاختلف) (٣) العلماء أيها أفضل: العزلة أم الاختلاط؟ فذهب الشافعي والأكثرون إلى تفضيل الخلطة؛ لما فيها من اكتساب الفوائد، وشهود الشعائر، وتكثير سواد المسلمين، وإيصال الخير إليهم ولو بعيادة (المرضى) (٤)، وتشييع الجنائز، وإفشاء السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، والتعاون عَلَى البر والتقوى، وإعانة المحتاج، وحضور (جماعاتهم) (٥)، وغير ذَلِكَ مما يقدر عليه كل أحد. فإن كان صاحب (علم) (٦) أو سليك في الزهد ونحو ذَلِكَ تأكد فضل اختلاطه. وذهب آخرون إلى تفضيل العزلة؛ لما فيها من السلامة المحققة لمن

стр. 983

لا يغلب عَلَى ظنه الوقوع في المعاصي، ومنها الاحتراز من الفتن. وقد أخرج البخاري في الفتن: حديث سلمة بن الأكوع، أنه لما قتل عثمان خرج سلمة إلى الربذة، فتزوج هناك امرأة وولدت لَهُ أولادًا، فلم يزل بها حتَّى كان قبل أن يموت بليالٍ؛ فنزل المدينة (١). وفي حديث آخر: أنه دخل عَلَى الحجاج فقال له: يَا ابن الأَكْوَعِ، ارْتَدَدْتَ عَلَى عَقِبَيْكَ، وتَعَرَّبْتَ؟ قَالَ: لَا، ولكن رَسُولَ اللهِ ﷺ أَذِنَ لِي فِي البَدْوِ (٢).

стр. 984

١٣ - باب قَوْلِ النَّبِىِّ ﷺ : "أَنَا أَعْلَمُكُمْ بِاللهِ " وَأَنَّ المَعْرِفَةَ فِعلُ القَلْبِ؛ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]. هو بفتح الهمزة من (أن) أي باب كذا، وباب بيان أن المعرفة من فِعل القلب، (فلا يجوز قوله باب على غير الإضافة كما صرَّح به الكرماني، فقال: هذا الباب متعين أن يُقرأ مضافا إلى قول النَّبي ﷺ لا غير وأنا أعلمهم بالله و"أَنَا أَعْلَمُكُمْ باللهِ" مقول القول) (١). وأول واجب على المكلف المعرفة ثم القصد ليتوصل به إلى المعارف … كما تقرر في الأصول). ٢٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الْغَضَبُ فِى وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ بِاللهِ أَنَا". [فتح: ١/ ٧٠] نا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامِ قَالَ: أَنَا عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذَا أَمَرَهُمْ، أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ، قَالُوا: إِنَّا لَسْنَا كَهَيْئَتِكَ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ قَدْ غَفَرَ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأخَّرَ. فَيَغْضَبُ حَتَّى يُعْرَفَ الغَضَبُ فِي وَجْهِهِ ثُمَّ يَقُولُ: "إِنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمَكُمْ باللهِ أَنَا".

стр. 985

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث (أخرجه البخاري هنا وأخرج .. ) (١). الوجه الثاني: في التعريف (برواته) (٢): أما عائشة وعروة وهشام فسلف ذِكْرهُم في أول الكتاب. وأما عبدة: فهو أبو محمد عبدة (ع) -بسكون الباء- بن سليمان بن حاجب بن زرارة بن عبد الرحمن بن صرد بن (سُمير) (٣) بن (مليل) (٤) بن عبد الله بن أبي بكر بن كلاب الكلابي الكوفي. هكذا نسبه محمد بن سعد في "طبقاته" (٥). وقيل: اسمه عبد الرحمن، وعبدة لقب. سمع جماعة من التابعين منهم: هشام والأعمش، وعنه: الأعلام: أحمد وغيره، قَالَ أحمد: ثقة (ثقة) (٦). وزيادة مع صلاح، وقال العجلي: ثقة رجل صالح صاحب قرآن (يقرئ) (٧) (٨). توفي بالكوفة في جمادى، وقيل: رجب، سنة ثمان وثمانين ومائة. قاله (الترمذي) (٩). وقال البخاري: سنة سبع (١٠).

стр. 986

وأما محمد (خ) بن سلام: فهو أبو عبد الله محمد بن سلام (بن الفرج) (١) السلمي، مولاهم البخاري البيكندي -بباء موحدة مكسورة ثمَّ مثناة تحت ساكنة ثمُّ كاف مفتوحة ثمَّ نون ساكنة- ويقال: الباكندي، ويقال: بالفاء، نسبة إلى بيكند: بلدة من بلاد بخارى عَلَى مرحلة منها خربت (٢). وينسب إليها ثلاثة أنفس، انفرد البخاري بهم عن مسلم هذا أحدهم، وثانيهم: محمد بن يوسف (٣)، وثالثهم: يحيى بن جعفر (٤). وسلام والد محمد -بالتخفيف- عَلَى الصواب، وبه قطع المحققون، منهم الخطيب وابن ماكولا (٥). وهو ما ذكره غنجار في "تاريخ بخارى" (وهو) (٦) أعلم ببلاده، وحكاه أيضًا عنه. فقال: قَالَ سهيل بن المتوكل: سمعت محمد بن سلام يقول: (أنا) (٧) محمد بن سلام -بالتخفيف- ولست بمحمد بن سلَّام، وذكر بعض الحفاظ أن تشديده لحن، وأما صاحب "المطالع" فادعى أن التشديد رواية الأكثرين، ولعله أراد أكثر شيوخه أو نحو ذَلِكَ.

стр. 987

قَالَ (النووي) (١): لا نوافق عَلَى هذِه الدعوى فإنها مخالفة للمشهور (٢)، سمع محمدُ بنُ سلام ابنَ عيينة وابن المبارك وغيرهما (من الأعلام) (٣)، وعنه الأعلام الحفاظ البخاري، وانفرد به من بين سائر الكتب الستة، وآخرون. أنفق في العلم أربعين ألفًا ومثلها في نشره، ويقال: إن الجن كانت تحضر مجلسه، وقال: أدركت مالكًا ولم أسمع منه، وكان أحمد يعظمه، وعنه: أحفظ أكثر من خمسة آلاف حديث كذب. وله رحلة ومصنفات في أبواب (من) (٤) العلم، وانكسر قلمه في مجلس (شيخ فأمر أن ينادى) (٥): قلم بدينار، فطارت إليه الأقلام، مات سنة خمس وعشرين ومائتين (٦).

стр. 988

الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه وأحكامه. فمعنى قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥]: بما قصدتموه، وعزمت عليه قلوبكم، فكَسْبُ القلب عزمه ونيته، فسمي الاعتقاد فعلًا للقلب. وأخبر تعالى أنه لا يؤاخذ عباده من الأعمال إلا بما اعتقدته قلوبهم، فثبت أن (العقد) (١) من صفات القلوب خلافًا للكرامية (٢)،

стр. 989

وبعض المرجئة (١)؛ حيث قالوا: إن الإيمان قول باللسان دون عقده بالقلب، وفي الآية دلالة للمذهب الصحيح المختار الذي عليه الجمهور أن أفعال القلوب إِذَا استقرت (يؤاخذ بها) (٢) وأما قوله

стр. 990

عليه الصلاة والسلام: "إِنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِى مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا، مَا لَمْ تَعْمَلْ به أَوْ تتكَلَّمْ" (١) فمحمول عَلَى ما إِذَا لم يستقر، وذلك معفو عنه بلا شك؛ لأنه لا يمكن الانفكاك عنه بخلاف الاستقرار، وستأتي المسألة مبسوطة في موضعها إن شاء الله تعالى. وقولها: (أَمَرَهُمْ مِنَ الأَعْمَالِ بِمَا يُطِيقُونَ)، أي: يطيقون الدوام عليه. وقال لهم ﷺ ذلك؛ لئلا يتجاوزوا طاقتهم فيعجزوا، وخير العمل ما دام وإن قل (٢). وإذا حُمّلوا ما لا يطيقونه تركوه أو بعضه بعد ذَلِكَ، وصاروا في صورة ناقضي العهد، والراجعين عن (عادة جميلة) (٣)، واللائق بطالب الآخرة الترقي وإلا فالبقاء عَلَى حاله؛ ولأنه إِذَا اعتاد من الطاعة بما يمكنه الدوام عليه دخل فيها بانشراح واستلذاذ لها ونشاط، ولا (يلحقه) (٤) ملل ولا سآمة. والأحاديث بنحو هذا كثيرة في الصحيح مشهورة (٥). وقد ذم الله تعالى من اعتاد عبادة ثمَّ فرط فيها بقوله: ﴿وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا﴾ [الحديد: ٢٧].

стр. 991

وقولهم: (لسنا كهيئتك يا رسول الله)، قالوه رغبة في الزيادة في الأعمال؛ لما علموا من دأبه فيها مع كثرة ذنوبهم، وغفران ما تقدم لَهُ وما تأخر، (فعند ذَلِكَ) (١) غضب ﷺ إذ كان أولى منهم بالعمل؛ لعلمه بما عند الله، (وعظيم) (٢) خشيته له. (قَالَ) (٣) تعالى: ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [فاطر: ٢٨] وقيل: قالوه لما علموا منه من طلب التيسير عليهم وظنهم أنه لا ينجيهم إلا بلوغ الغاية في العبادة. وفي الحديث جمل من الفوائد والقواعد: (إحداها) (٤): ما قررناه من القصد في العبادة وملازمة ما يمكن الدوام عليه والرفق بالأمة، فالدين يسر. ثانيها: أن الصالح ينبغي لَهُ أن لا يترك (جده) (٥) في العمل؛ (اعتمادًا) (٦) على صلاحه. ثالثها: لَهُ الإخبار بحاله إِذَا دعت إليه حاجة وينبغي أن يحرص عَلَى كتمانها؛ خوف زوالها من (إشاعتها) (٧). رابعها: الغضب عند ردِّ أمر الشرع ونفوذ الحكم في حال غضبه. خامسها: بيان ما كانت عليه الصحابة من الرغبة التامة في الطاعة والزيادة في الخيرات.

стр. 992

١٤ - باب مَنْ كَرِهَ أَنْ يَعُودَ فِى الْكُفْرِ كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ مِنَ الإِيمَانِ . ٢١ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ - رضى الله عنه -، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلاَّ لله، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كَمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلْقَى فِى النَّارِ". [انظر: ١٦ - مسلم: ٤٣ - فتح ١/ ٧٢] نا سُليمَانُ بْنُ حَرْبٍ نا شُعْبَةُ، عن قَتَادَةَ، عَنْ أنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ وَجَدَ حَلَاوَةَ الإِيمَانِ: مَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ أَحَبَّ عَبْدًا لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ يَكْرَهُ أَنْ يَعُودَ فِي الكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ، كمَا يَكْرَهُ أَنْ يُلقى فِي النَّار". هذا الحديث تقدم شرحه في باب: حلاوة الإيمان قريبًا (١) وكذا رجاله إلا سليمان، وهو أبو أيوب سليمان بن حرب بن بَجِيل -بموحدة مفتوحة، ثمَّ بجيم مكسورة، ثمَّ مثناة تحت، ثمَّ لام- الأزدي الواشِحِي -بكسر الشين المعجمة، ثمَّ حاء مهملة مكسورة- البصري. وواشح بطن من الأزد، سكن مكة وكان قاضيها، سمع: شعبة والحِمادين وغيرهما، وعنه أحمد والذهلي والحميدي والبخاري، وهؤلاء شيوخه، وقد شاركهم في الرواية عنه، وهذا أحد ضروب علو روايته. وروى عنه أبو داود أيضًا، وروى مسلم والترمذي وابن ما جه عن رجل عنه، وجلالته وإمامته وحفظه وورعه وصيانته وإتقانه وثقته مجمع عليها.

стр. 993

قَالَ أبو حاتم: هو إمام من الأئمة، لا يدلّس، ويتكلم في الرجال والفقه، وظهر من حديثه نحو عشرة آلاف ما رأيت في يده كتابًا قط، وحُزِرَ مجلسه (أربعين) ألفا (١). ولد سنة أربعين ومائة، ومات سنة أربع وعشرين ومائتين، وقيل: سنة ثلاث، وقيل: سبع، والأول أصحُّ. قَالَ الخطيب: حدث عنه يحيى بن سعيد القطان، وأبو خليفة الفضل بن الحباب الجمحي، وبين وفاتيهما مائة وسبع (سنين) (٢). قَالَ أبو الشيخ الحافظ: توفي أبو خليفة سنة خمس وثلاثمائة وتوفي القطان سنة ثمان وتسعين ومائة (٣).

стр. 994

١٥ - باب تَفَاضُلِ أَهْلِ الإِيمَانِ فِى الأَعْمَالِ ٣٣ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ رضى الله عنه، - عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدُّوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الْحَيَا -أَوِ الْحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الْحِبَّةُ فِي جَانِبِ السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟ ". قَالَ وُهَيْبٌ حَدَّثَنَا عَمْرٌو "الْحَيَاةِ". وَقَالَ: "خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ". [٤٥٨١، ٤٩١٩، ٦٥٦٠، ٦٥٧٤، ٧٤٣٨، ٧٤٣٩ - مسلم: ١٨٣، ١٨٤ - فتح: ١/ ٧٢] ٢٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِىَّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ". [٣٦٩١، ٧٠٠٨، ٧٠٠٩ - مسلم: ٢٣٩٠ - فتح: ١/ ٧٣] ذكر فيه حديثين من طريق أبي سعيد الخدري ﵁ وإسنادهما جميعًا كلهم مدنيون، وهو من الطرف اقتران إسنادين مدنيين من طريقة راوٍ واحدٍ. نا إِسْمَاعِيلُ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى المَازِنِيِّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي سَعِيدِ الخُدْرِيِّ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَدْخُلُ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ تَعَالَى: أَخْرِجُوا مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ. فَيُخْرَجُونَ مِنْهَا قَدِ اسْوَدوا، فَيُلْقَوْنَ فِي نَهَرِ الحَيَا- أَوِ الحَيَاةِ، شَكَّ مَالِكٌ- فَيَنْبُتُونَ كَمَا تَنْبُتُ الحِبَّةُ فِي جَانِب السَّيْلِ، أَلَمْ تَرَ أَنَّهَا تَخْرُجُ صَفْرَاءَ مُلْتَوِيَةً؟ ". قَالَ وُهَيْبٌ: نَا عَمْرو "الحَيَاة". وَقَالَ: "خَرْدَلٍ مِنْ خَيْرٍ".

стр. 995

هذا الحديث قطعة من حديث طويل أخرجه مسلم أيضًا. وفيه بعد ذِكرِ مَرِّ المؤمنين عَلَى الصراط: "فَنَاجٍ مُسَلَّمٌ وَمَخْدُوشٌ وَمَكْدُوسٌ فِي نَارِ جَهَنَّمَ حَتَّى إِذَا خَلَصَ المُؤْمِنُونَ مِنْ النَّارِ فيقول المُؤْمِنِونَ: يا رَبَّنَا كَانُوا يَصُومُونَ مَعَنَا وَيُصَلُّونَ وَيَحُجُّونَ فَيُقَالُ لَهُمْ: أَخْرِجُوا مَنْ عَرَفْتُمْ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كَثِيرًا فيَقُولُونَ: مَا بَقِيَ فِيهَا أَحَدٌ مِمَّنْ أَمَرْتَنَا فَيَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا، فيَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أَحَدًا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا، ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ نِصْفِ دِينَارٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا مِمَّنْ أَمَرْتَنَا أَحَدًا. ثُمَّ يَقُولُ: ارْجِعُوا فَمَنْ وَجَدْتُمْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ مِنْ خَيْرٍ فَأَخْرِجُوهُ فَيُخْرِجُونَ خَلْقًا كثِيرًا ثُمَّ يَقُولُونَ: رَبَّنَا لَمْ نَذَرْ فِيهَا أحدا، ثم يَقُولُ اللهُ: شَفَعَتْ المَلَائِكَةُ وَشَفَعَ النَّبِيُّونَ وَشَفَعَ المُؤْمِنُونَ وَلَمْ يَبْقَ إِلَّا أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ فَيُخْرِجُ مِنْهَا قَوْمًا لَمْ يَعْمَلُوا خَيْرًا قَطُّ قَدْ عَادُوا حُمَمًا" (١). وذكر الحديث وسيأتي -إن شاء الله- في كتاب: التوحيد حيث ساقه البخاري (٢)، وقد أخرجه هنا عن إسماعيل، عن مالك، وفي صفة الجنة والنار عن موسى عن وهيب بن خالد (٣)، ورواه مسلم في الإيمان أيضًا عن هارون عن ابن وهب، عن مالك، وعن أبي بكر، عن عفان، عن وهيب، وعن حجاج بن الشاعر، عن عمرو بن عوف، عن خالد (بن) (٤) عبد الله ثلاثتهم عن عمرو بن

стр. 996

يحيى به (١)، وعلا البخاري في هذا الحديث عَلَى مسلم برجلٍ كما ترى، (وسيأتي إن شاء الله في كتاب التوحيد حيث ساقه البخاري) (٢). الوجه الثاني: في التعريف برجاله: وقد سلف التعريف بأبي سعيد ومالك. وأما يحيى فهو ابن (عمارة) (٣) بن أبي حسن الأنصاري (المازني) (٤) المدني، سمع أبا سعيد وعبد الله بن زيد، وعنه: ابنه والزهري وغيرهما، وثقه النسائي وابن خراش (٥). وأما ابنه: فهو عمرو بن يحيى بن (عمارة) (٦) -ووقع بخط النووي في "شرحه": عثمان -وهو تحريف- ابن أبي حسن تميم بن عمرو، وقيل: يحيى بن عمرو -حكاه الذهبي في "الصحابة"- بن قيس بن محرث بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني. روى عن أبيه وغيره (من) (٧) التابعين، وعنه: يحيى بن سعيد الأنصاري وغيره من التابعين وغيرهم، والأنصاري من أقرانه، وروى عن يحيى بن أبي كثير وهو من أقرانه أيضًا، وثقه أبو حاتم (٨) والنسائي. مات سنة أربعين ومائة (٩).

стр. 997

فائدة: (عمارة) (١) صحابي بدري عقبي، ذكره أبو موسى (٢)، وأبو عمر (٣) نظر، نعم أبوه صحابي عقبي بدري. قَالَ ابن سعد: وشهد الخندق وما بعدها (٤).

стр. 998

فائدة أخرى: أم عمرو هي: أم النعمان بنت أبي حنة -بالنون- عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية بن خنساء بن مبذول بن عمرو بن (غنم) (١) بن مازن بن النجار (٢).

стр. 999

فائدة: المازني -بالزاي والنون- نسبة إلى مازن قبائل وبطون (منها) (١) مازن الأنصار (٢). وأما إسماعيل فهو: (ابن عبد الله بن عبد الله بن أويس) (٣) بن أبي عامر الأصبحي المدني -عم مالك بن أنس أخي الربيع، وأنس وأبي سهيل نافع، أولاد مالك بن أبي عامر -وإسماعيل هذا ابن أخت الإمام مالك بن أنس (٤).

стр. 1000

سمع خاله وأباه وأخاه عبد (الحميد) (١) وغيرهم. وعنه: الدارمى والبخاري ومسلم وغيرهم من الحفاظ. وروى مسلم أيضًا عن رجل عنه، وأخرج لَهُ أيضًا أبو داود والترمذي وابن ماجه، ولم يخرج لَهُ (النسائي) (٢)؛ لأنه ضعفه (٣). قَالَ أبو حاتم: محله الصدق، وكان مغفلًا (٤)، وقال يحيى بن معين: هو ووالده ضعيفان، وعنه: يسرقان الحديث، وعنه: إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذاك يعني (أنه) (٥) لا يحسن الحديث، ولا يعرف أن يؤديه أو يقرأ (من) (٦) غير كتابه، (وعنه: مخلط) (٧) يكذب ليس بشيء، وعنه: يساوي فلسين، وعنه: لا بأس به. وكذا قَالَ أحمد. قَالَ أبو القاسم اللالكائي: بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه، ولعله بان لَهُ ما لم يبن لغيره؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يئول إلى أنه ضعيف.

стр. 1001

وقال الدارقطني: لا أختاره في الصحيح. وقال ابن عدي: روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها. وأثنى عليه ابن معين وأحمد، والبخاري (يحدث) (١) عنه بالكثير، وهو خير من أبيه (٢). وقال الحاكم: عيب عليه وعلى مسلم إخراجهما حديثه، وقد احتجا به معًا، (وغمزه) (٣) من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه، وهو النضر بن سلمة، أي: فإنه قَالَ: كذاب، هذا كلامه. وقد علمت أنه (قَدْ) (٤) غمزه من لا يحتاج إلى كفيل، ومن قوله حجة مقبول كما سلف، وقد أخرجه البخاري عن غيره كما سلف، فاللين الذي فيه يجبر إذن. مات سنة لست، ويقال: في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين (٥).

стр. 1002

وأما وهيب: فهو ابن خالد بن عجلان الباهلي، مولاهم البصري أبو بكر صاحب الكرابيس، روى عن هشام وعمرو وغيرهما، وعنه القطان وابن مهدي وأبو داود الطيالسي، وخلق، ثقة بالاتفاق، قَالَ ابن سعد: كان ثقة كثير الحديث حجة، وكان يملي من حفظه، مات وهو ابن ثمان وخمسين سنة (١). وكان قَدْ سجن فذهب بصره، قَالَ البخاري: حَدَّثَنِي أحمد بن أيوب قَالَ: أخبرني غير واحد قالوا: مات وهيب بن خالد سنة خمس وستين ومائة (٢). الوجه الثالث: في ألفاظه ومعانيه: الأول: المثقال: وزن مقدر، والله أعلم بقدره، وليس المراد المقدر، المعلوم، فقد جاء مبينًا، "وكان في قلبه من الخير ما يزن بُرَّة" (٣).

стр. 1003

الثاني: الحبة من الخردل هنا مثل؛ ليكون عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل، ولكن ما يشكل من المعقول فإنه يرد إلى عيار المحسوس؛ ليفهم، قاله الخطابي (١). وقال غيره: يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله ثمَّ يوزن، وفيه قوة لاسيما عَلَى من قال: إن المراد بالوزن الأعمال؛ لقوله: "من خير". وقال إمام الحرمين (٢): الوزن: الصحف المشتملة عَلَى الأعمال، والله تعالى يزنها عَلَى قدر أجور الأعمال، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها، وجاء به الشرع وليس في (العقل) (٣) ما يحيله. وقال غيره: للوزن معنيان: أحدهما: هذا. والثاني: تمثل الأعراض بجواهر فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفة السيئات (سود) (٤) مظلمة.

стр. 1004

وحكى الزجاج (١) وغيره من المفسرين من أهل السنة أنه إنما (يوزن خواتيم) (٢) العمل، فإن كانت خاتمة عمله حسنًا جوزي بخير، ومن كانت خاتمة عمله شرًّا جوزي بشر. الثالث: المراد بحبة الخردل: زيادة عَلَى أصل التوحيد، وقد جاء في الصحيح بيان ذَلِكَ. ففي رواية فيه: " (فأَخْرِجوا) (٣) من قالَ: لا إله إلا الله وعمل من الخير ما (يزن) (٤) كذا" ثمَّّ بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرًا قط غير التوحيد (٥). قَالَ القاضي: هذا هو الصحيح أن معنى الخير هنا أمر زائد عَلَى الإيمان؛ لأن مجرده لا يتجزأ، إنما يتجزأ الأمر الزائد عليه، وهي الأعمال الصالحة من ذِكْرِ خفي، أو شفقة عَلَى مسكين، أو خوف من الله، ونية صادقة (في) (٦) عمل وشبهه. بدليل الرواية السالفة. وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله: "من إيمان ومن خير" وما جاء معه أي: من اليقين (٧).

стр. 1005

وذكره غيره إلا أنه قَالَ: المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق، وبه يقع التفاضل فإن (أتبعه بالعمل) (١) عظم ثوابه، وإن كان على خلاف ذَلِكَ نقص ثوابه فإن قُلْتَ: كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ومقدراه؟ قُلْتُ: لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد (بدارات السجود) (٢). الرابع: النهر بفتح الهاء، (وسكونها) (٣) لغتان. فالمشهور في القراءة: فتحها، وقرأ حميد بن قيس (٤)

стр. 1006

بإسكانها (١)، وأصله: الاتساع والسيلان، ومنه أنهر الدم (٢)، وجمعه أنهار ونُهُر -بضمتين- وقوله تعالى: ﴿فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ﴾ [القمر: ٥٤]، المراد به (الأنهار) (٣) فعبر بالواحد عن الجمع. الخامس: (الحيا): مقصور ومده الأصيلي، ولا وجه لَهُ كما نبه عليه القاضي (٤)، والمراد: كل ما يحيا به الناس، والحيا: (المطر، والحيا: الخصب) (٥)، فيحيون بعد غسلهم فيها فلا يموتون، وتخصب أجسامهم. السادس: صرح البخاري في روايته هنا بأن الشك من مالك، ولم يفصح به مسلم (٦). وقوله: (قَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثنَا عَمْرٌو: "الْحَيَاة" معناه: قَالَ وهيب بن خالد -وهو في درجة مالك-: نا عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن أبي سعيد به. وقال فيه: نهر الحياة -بالهاء ولم يشك كما شك مالك، ويقرأ "الحياة" بالجر عَلَى الحكاية، وهذا التعليق من البخاري قد أسنده في باب: صفة الجنة والنار، لكنه قَالَ: "حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" (٧)

стр. 1007

ولم يقل: "من خير" كما ساقها هنا عنه، وسقطت اللفظة بجملتها عند مسلم من طريق وهيب عن عمرو (١)، واتفقا عَلَى لفظة: "من إيمان"، عند مالك (٢). السابع: الحِبَّة -بكسر الحاء وتشديد الباء-، والكثير حِبَب -بكسر الحاء وفتح الباء المخففة- وهي: اسم لبذر العشب، هذا هو الصحيح من الأقوال. وعبارة بعضهم: أنه بذر البقول مما ليس بقوت، وعبارة "المحكم" أنها (بذور) (٣) البقول والرياحين. قَالَ: واحدها حب، قَالَ: وقيل: إِذَا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء (شئٌ) (٤) (فهو) (٥) حِبَّة، ثمَّ حكى غير ذَلِكَ. ثمَّ قَالَ: وقال أبو حنيفة الدينوري (٦): الحبة -بالكسر- جمع بذور النبات، واحدتها حبة -بالفتح-، عن الكسائي (٧)، قُلْتُ: والحبة بالفتح القطعة من الشيء، وبالضم مع تخفيف الباء اسم للحب الداخل في بطن العنب. قَالَ الحربي: ما كان من الحب لَهُ حب فاسم ذَلِكَ الحب حبة.

стр. 1008

فإن قُلْتَ: لم شبههم في الحديث بالحبة؟ قُلْتُ: (لأوجه) (١): بياضها، وسرعة نباتها لأنها تنبت في يوم وليلة، وهو أسرع النبات، ومن حيث ضعف النبات. الثامن: قوله: ("فِي جَانِبِ السَّيْلِ")، كذا هنا، وجاء: "حميل" بدل "جانب " (٢)، وفي رواية وهيب: "حمأة السيل" (٣)، (والحميل بمعنى: المحمول) (٤)، وهو ما جاء به من طين أو غئاء، والحمأة: ما تغير لونه من الطين، وكلُّه بمعنًى، فإذا اتفق فيه حبة عَلَى شط مجراه فإنها تنبت سريعًا، فأخبر بذلك عن سرعة نباتهم كما سلف.

стр. 1009

التاسع: أتى البخاري بتعليق وهيب هنا؛ لفائدتين: الأولى: أن فيها الحياة من غير شك بخلاف رواية مالك. والثانية: (أنه) (١) أتى (بالتحديث) (٢) عن عمرو، ورواية مالك أتى فيها بـ (عن) تنبئ عن التدليس، وقد سلف الخلاف فيها في أول الكتاب، أنها هل تحمل عَلَى السماع؟ وفائدة ثالثة: أن فيها: "من خير" بدل "إيمان" لكن أسلفنا أنه أتى بها في: صفة الجنة مسندة بلفظ: "إيمان" (٣). العاشر: في الحديث أنواع من العلم منها ما ترجم له، وهو تفاضل أهل الإيمان في الأعمال، فإنه المراد من: "خير" كما سلف. ومنها إثبات دخول طائفة من عصاة الموحدين النار، وقد تظاهرت عليه النصوص، وأجمع عليه من يعتد به. ومنها إخراجهم من النار، ومنها أن أصحاب الكبائر لا يخلدون في النار، وهو مذهب أهل السنة خلافًا للخوارج والمعتزلة (٤). وقد تظاهرت دلائل الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة على

стр. 1010

ما ذكرناه عن أهل السنة، ومنها أن الأعمال من الإيمان لقوله ﷺ : "خردل من إيمان". والمراد: ما زاد عَلَى أصل التوحيد كما أسلفناه. الحديث الثاني: نا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ النَّاسَ يُعْرَضُونَ عَلَيَّ، وَعَلَيْهِمْ قُمُصٌ مِنْهَا مَا يَبْلُغُ الثُّدِيَّ، وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ، وَعُرِضَ عَلَيَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ وَعَلَيْهِ قَمِيصٌ يَجُرُّهُ". قَالُوا: فَمَا أَوَّلْتَ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: "الدِّينَ".

стр. 1011

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن محمد، وفي التعبير عن يعقوب، عن صالح (١)، وفي فضل عمر، عن يحيى بن بكير، عن الليث، عن عقيل (٢)، وفي التيمم عن سعيد بن عفير، عن الليث عن ابن شهاب به (٣). ورواه مسلم في الفضائل عن منصور، عن إبراهيم، عن صالح، وعن زهير والحلواني، وعبد بن حميد، عن يعقوب، عن أبيه، عن صالح (٤). الثاني: في التعريف برواته. وقد سلف التعريف بأبي سعيد وابن شهاب وصالح (٥).

стр. 1012

وأما أبو أمامة فهو أسعد بن سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة بن الحارث بن مجدعة بن عمرو بن (حنش) (١) بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس، أخي الخزرج (ابني حارثة) (٢) -وقد سلف باقي نسبهم في الأنصار- الأنصاري الأوسي المدني الصحابي (ابن الصحابي) (٣). أمه: حبيبة بنت أبي أمامة أسعد بن زرارة النقيب. سمي باسمه، وكني بكنيته، فعل ذَلِكَ رسول الله ﷺ . فإن أبا أمامة أوصى ببناته إلى رسول الله ﷺ ، فزوج حبيبة سهل بن حنيف فولدت لَهُ أسعد هذا، فسماه رسول الله ﷺ ، وكناه بكنية جده لأمه واسمه وبرَّك عليه. روى لَهُ الجماعة عن الصحابة والنسائي وابن ماجه عن رسول الله ﷺ ، مات سنة مائة عن نيف وتسعين سنة (٤).

стр. 1013

وأما إبراهيم: فهو أبو إسحاق إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف (بن عبد عوف) (١) بن عبد الحارث بن زهرة بن كلاب القرشي الزهري المدني، سكن بغداد، سمع أباه والزهري وغيرهما من التابعين وغيرهم، وعنه شعبة وابن مهدي، وابناه يعقوب ومحمد، وخلق. وثقه أحمد ويحيى وأبو حاتم وأبو زرعة، وكان كثير الحديث، وربما أخطأ في أحاديث، ولي بيت المال ببغداد، مات سنة ثلاث (وثمانين) (٢) ومائة عن خمس وسبعين سنة، وأبوه قاضي المدينة من جلة التابعين.

стр. 1014

قال الخطيب: حدث عنه يزيد بن عبد الله بن الهاد، والحسين بن سيار الحراني وبين وفاتيهما مائة واثنتا عشرة سنة (١). فائدة: في البخاري ومسلم والنسائي وابن ماجه إبراهيم بن سعد خال هذا (٢). وأما محمد: فهو أبو ثابت محمد بن عبيد الله بن محمد بن زيد بن أبي زيد القرشي الأموي، مولى عثمان بن عفان المدني، سمع جمعًا من الكبار، وعنه (البخاري) (٣)، والنسائي عن رجل عنه، وغيرهما من الأعلام، قال أبو حاتم: صدوق (٤). الوجه الثالث: في ألفاظه ولغاته. قوله: ("بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ")، قال الجوهري: بَيْنَا: فَعْلَى، أشبعت

стр. 1015

الفتحة فصارت ألفًا، وأصله: بين، وبينما بمعناه زيدت فيه ما، تقول: بينا نحن نرقبه أتانا (١)، أي: أتانا بين أوقات رقبتنا إياه. ثم حذف المضاف الذي هو أوقات، وولى الظرفُ -الذي هو بين- الجملةَ التي أقيمت مقام المضاف إليه. وكان الأصمعي يخفض ما بعد بَينَا إِذَا صلح في موضعه بَيْنَ. وغيره يرفع ما بعد بَيْنَا وبَيْنَمَا عَلَى الابتداء والخبر (٢). والقُمُص: جمع قميص (ويجمع) (٣) أيضًا عَلَى قُمْصَانٍ وأقمِصَةٍ. والثُّدي -بضم الثاء، ويجوز كسرها وكسر الدال وتشديد الياء- جمع ثدي -بفتح الثاء- وفيه لغتان التذكير والتأنيث، والتذكير (أفصح) (٤) وأشهر، ولم يذكر جماعة من أهل اللغة غيره، ويجمع أيضًا عَلَى (أثدٍ) (٥) ويطلق عَلَى الرجل والمرأة، ومنهم من منع إطلاقه في الرجل وليس بشيء، والأحاديث تردُّه (٦).

стр. 1016

قَالَ ابن فارس (١): ويقال لذلك من الرجل: ثندوة. بفتح الثاء بلا همز، وبالضم والهمز والأول هو المشهور (٢). وقوله ﷺ : ("وَمِنْهَا مَا دُونَ ذَلِكَ") أي: أقصر، فيكون فرق الثدي لم ينزل إليه، ولم يصله لقلته. قَالَ ابن بطال: معلوم أن عمل عمر في إيمانه أفضل (من عمل من) (٣) بلغ قميصه ثديه، وتأويله ﷺ ذَلِكَ بالدين يدل عَلَى أن الإيمان الواقع عَلَى العمل يسمى دينًا كالإيمان الواقع عَلَى القول (٤). وقال أهل التعبير: القميص في النوم: الدين، وجره يدل عَلَى بقاء آثاره الجميلة، وسننه الحسنة في المسلمين بعد وفاته ليُقتَدى به. قَالَ القاضي: (أخذوه) (٥) من قوله تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤)﴾ [المدثر: ٤] يريد نفسك، وإصلاح عملك ودينك، عَلَى تأويل بعضهم؛ لأن العرب تعبِّر عن العفة بنقاء الثوب والمئزر، وجَرُّه عبارة عما فَضُل عنه وانتفع الناس به، بخلاف جَرِّه في الدنيا للخُيلاء فإنه مذموم (٦).

стр. 1017

الوجه الرابع: في الإشارة إلى بعض فوائده: الأولى: أن الأعمال من الإيمان؛ فإن الإيمان والدين بمعنًى. الثانية: تفاضل أهل الإيمان. الثالثة: بيان عظم فضل عمر ﵁. الرابعة: تعبير الرؤيا وسؤال العالم بها عنها. الخامسة: إشاعة العالم الثناء عَلَى الفاضل من أصحابه إِذَا لم يخش فتنة بإعجاب ونحوه، ويكون الغرض التنبيه عَلَى فضله؛ لتعلم منزلته، ويعامل بمقتضاها، ويرغب في الاقتداء به، والتخلُّق بأخلاقه (١).

стр. 1018

١٦ - باب الْحَيَاءُ مِنَ الإِيمَانِ ٢٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِك بْنُ أَنَسٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبدِ اللهِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الَحيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". [٦١١٨ - مسلم: ٣٦ - فتح: ١/ ٧٤] نا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ أنا مَالِك، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ سَالِمِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ وَهُوَ يَعِظُ أَخَاهُ فِي الحَيَاءِ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "دَعْهُ، فَإِنَّ الحَيَاءَ مِنَ الإِيمَانِ". الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا عن عبد الله، عن مالك، وأخرجه أيضًا في موضع آخر عن أحمد بن يونس، عن عبد العزيز بن أبي سلمة (١). وأخرجه مسلم هنا أيضًا عن الناقد، وزهير، عن سفيان، وعن عبد بن حميد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، ولم يقع لمسلم لفظة: "دعه" (٢). الوجه الثاني: في التعريف برواته: وقد سلف خلا سالمًا. وهو أبو عمر، ويقال: أبو عبد الله سالم (ع) بن عبد الله بن عمر بن الخطاب القرشي العدوي المدني التابعي الجليل الفقيه الصالح الزاهد الورع المتفق عَلَى جلالته. وهو أحد الفقهاء السبعة -فقهاء المدينة-

стр. 1019

عَلَى أحد الأقوال (١) سمع أباه وأبا هريرة وغيرهما من الصحابة وخلقًا من غيرهم، وعنه: جمع من التابعين منهم الزهري. قَالَ إسحاق بن راهويه: أصح الأسانيد كلها: الزهري، عن سالم، عن أبيه (٢)، وكان أشبه ولده به، وكان والده أشبه ولد عمر به. قَالَ مالك: ولم يكن في زمن سالم أشبه بمن مضى من الصالحين في الزهد (والقصد) (٣) والعيش منه، كان يلبس الثوب بدرهمين. وقال ابن سعد: كان كثير الحديث عاليًا من الرجال. مات سنة ست ومائة، وقيل: خمس، وقيل: ثمان (٤). فائدة: لسالم إخوة: عبد الله وعاصم وحمزة وبلال وواقد وزيد،

стр. 1020

وأخوات، وكان عبد الله وصي أبيه منهم، روى عنه منهم أربعة: عبد الله وسالم وحمزة وبلال. الوجه الثالث: هذا الرجل لم أقف عَلَى اسمه، وكذا الأخ فليطلب (١). الوجه الرابع: في ألفاظه ومعانيه: قوله: (مَرَّ عَلَى رَجُلٍ) قَالَ أهل اللغة: مَرَّ عليه، ومَرَّ به يَمُّر مرًّا، أي: اجتاز. وقوله: (يعظ أخاه) قَالَ أهل اللغة: الوَعْظُ: النُصْحُ، والتذكير بالعواقب، وقال ابن فارس: هو التخويف، قَالَ: والعِظَةُ: الاسم منه. قَالَ الخليل: وهو التذكير بالخير (فيما) (٢) يرق لَهُ قلبه (٣).
следующие страницы →