← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11691–11730 · переход к 11696.

стр. 11691

وقيل: لما كانت الأنبياء بشرت به وأعلمت أنه يكون من غير فحل، وبشر الله به مريم في قوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ٩]، فلما ولدته على تلك الصفة قال الله: هذِه كلمتي. كما تخبر بالشيء، فإذا كان قيل: هذا قولي. وقيل: سمي كلمة؛ لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بالكلمة. وقوله: ﴿وَجِيهًا﴾: شريفًا (الكهل) هو: الحليم، قاله مجاهد (١) كما نقله عنه البخاري، وأسنده عبد بن حميد من حديث ابن أبي نجيح عنه، زاد غيره وهو الذي تجاوز ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، وقيل: ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال يزيد بن أبي حبيب: الكهل: منتهى الحلم (٢)، والفائدة في قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ أنه أعلمها أنه يعيش إلى حينئذ، وقال ابن عباس: إذا أنزله الله أنزله ابن ثلاث وثلاثين سنة فيقول: إني عبد الله كما قال في المهد، وقال ابن فارس: الكهل: الرجل وَخَطَه الشيب (٣). وقد أسلفنا في تسمية المسيح أقوالاً: الصدِّيق كما ذكره البخاري، عن إبراهيم، أو لحسنه، أو لأنه كان يقطع الأرض ويمسحها لسياحته في الأرض فتارة كان بالشام وتارة بمصر، (والمهامي) (٤) والقفار، مفعل وعلى الأول فعيل، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأن زكريا مسحه، أو أنه اسم خصه الله به، أو لأنه كان لا أخمص

стр. 11692

برجله، أو لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، أو لأنه كان يلبس المسوح قاله الداودي، أو لأنه مسح بالبركة حين ولد، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، أو لأن الله تعالى مسح الذنوب عنه. (والأكمه: من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل) قاله مجاهد (١)، (وقال غيره: من يولد أعمى) ذكره البخاري (٢). وزاد الهروي: من عمي بعد الولادة. وقال الضحاك وابن فارس: إنه الأعمى (٣). ذكر البخاري في الباب الأول (أحد عشر) (٤) حديثًا وحديثين في الباب الثاني. أما الحديث الذي في الباب الأول فأخرجه من حديث النضر عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي ﵁، عن رسول الله ﷺ : "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة" وسيأتي في فضائل خديجة وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي (٥). قال الدارقطني: رواه ابن جريج وابن إسحاق عن هشام، عن أبيه فقالا: عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، عن علي،

стр. 11693

والصواب حذفه (١)، وذكر ابن عبد البر أن ابن جريج رواه أيضًا بإسقاطه كالجماعة، قال الدارقطني: ورواه أيضًا (عبيد الله) (٢) ومحمد ابنا المنذر بن عبيد الله بن المنذر بن الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن ابن جعفر، وأغربا بحديث آخر بهذا السند لم يتابعهما غيرهما وهو أنه ﷺ بشر خديجة ببيت من قصب اللؤلؤ. وقال حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه أنه ﷺ قال: "خير نسائها" فذكره مرسلًا (٣). قلت: وله شواهد، فللنسائي من حديث علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية" (٤) ولابن عبد البر من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم خديجة وفاطمة وآسية" وللترمذي من حديث معمر عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: "حسبك من نساء العالمين مريم وخديجة وفاطمة وآسية" (٥) وهذا الضمير عائد إلى غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني به الدنيا، نبه عليه القرطبي. وفي رواية: وأشار وكيع إلى السماء والأرض، يريد الدنيا. كأنه يفسر ذلك الضمير، وهذا نحو حديث ابن عباس: "خير نساء العالمين مريم" (٦)

стр. 11694

ويشهد له قوله تعالى عن الملائكة: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ﴾ الآية، وظاهره يقتضي أنها خير نساء العالمين من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، قال: ويعتضد هذا الظاهر بأنها صديقة ونبية وهو أولى من قول من قال: إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك -ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها- فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع (١). قلت: كذا ادعى، وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ ملك استأذن الله أن يسلم عليه لم ينزل قبلها قال: "فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" ثم قال: تابعه (٢) أبو مري (٣) الأنصاري عن المنهال فذكره. ثم قال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٤). ورَوى في فضائلها بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال على ﵁: لقد علمتم أني أخو النبي ﷺ ووزيره، وأني أولكم إيمانًا، وأبو ولديه، وزوج ابنته سيدة ولده وسيدة نساء أهل الجنة. قال جعفر بن محمد: وكانت تسمى الصديقة. والحديث الأول من الباب الثاني وهو حديث أبي موسى ﵁: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام سلف قريبًا في باب ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا﴾

стр. 11695

والحديث الثاني ذكره معلقًا فقال: وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده" يقول أبو هريرة ﵁ على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط. وهذا التعليق أسنده مسلم عن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب (١)، ثم قال البخاري: تابعه ابن أخي الزهري، وإسحاق الكلبي عن الزهري. زاد الإسماعيلي: وتابعه أيضًا معمر وصفوان بن عمرو. وحديث معمر عند مسلم بلفظ: أن رسول الله ﷺ خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله قد كبرت ولي عيال فقال: "خير نساء" (٢). وفي رواية عند عبد الرحمن بن مقرب التجيبي في كتابه "مناقب قريش": "أحناه على يتيم". وأخرجه البخاري في النفقات في موضعين والنكاح (٣). واسم (ابن أخي الزهري) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، قتله غلمانه بأمر ابنه -وكان سفيها شاطرًا- للميراث في آخر خلافة أبي جعفر، ثم وثب الغلمان عليه بعد سنين فقتلوه. وقال ابن أبي حاتم: إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي روى عن الزهري، وعنه يحيى بن صالح الوحاظي، سمعت أبي وأبا زرعة

стр. 11696

يقولان ذلك. زاد أبو زرعة يعد في الحمصيين (١). ومعنى: "أحناه على طفل": أشفقه، يقال: حنا عليه يحنو، وأحنى يحني وحنى يحني: إذا أشفق عليه وعطف، ومنه: حنت المرأة على ولدها تحنو إذا لم تتزوج بعد أبيهم. وفي بعض الكتب: (أحنَّاة) بتشديد النون والتنوين. قال ابن التين: ولعله مأخوذ من الحنان وهي الرحمة، ومنه حنين المرأة: نزاعها إلا ولدها وإن لم يكن لها عند ذلك صوت، وقد يكون حنينها صوتها على ما جاء في الحديث من حنين الجذع (٢)، والأصل فيه ترجيع الناقة صوتها على إثر ولدها. فصل: يؤخذ من قول أبي هريرة: (لم تركب مريم بعيرًا قط) ومن ذكر البخاري له في قصة مريم تفضيلها على خديجة وفاطمة؛ لأنهما من العرب المخصوصين بركوب الإبل، وقد سلف. والحنو: الشفقة كما سبق. والرعاء: الحفظ، وإنما يأتي ذلك من الصلاح والخير.

стр. 11697

٤٧ - باب قَوْل الله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلاَّ الْحَقَّ﴾ إلى: ﴿وَكِيلاً﴾ [النساء: ١٧١] قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ﴿وَكَلِمَتُهُ﴾: كُنْ فَكَانَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾: أَحْيَاهُ فَجَعَلَهُ رُوحًا ﴿وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ﴾. ٣٤٣٥ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الفَضْلِ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ قَالَ: حَدَّثَنِي جُنَادَةُ بْنُ أَبِى أُمَيَّةَ، عَنْ عُبَادَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنَ العَمَلِ». قَالَ الوَلِيدُ: حَدَّثَنِي ابْنُ جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ عَنْ جُنَادَةَ وَزَادَ: «مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَيَّهَا شَاءَ». [مسلم: ٢٨ - فتح: ٦/ ٤٧٤] ثم ساق حديث عَنْ عُبَادة ﵁، عَنِ النّبِيِّ ﷺ قَاْلَ: "مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلله إِلَّا اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ الله وَرَسُولُهُ وَكَلِمَتُهُ، أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوخ مِنْهُ، وَالْجَنَّةُ حَقٌّ وَالنَّارُ حَقٌّ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ عَلَى مَا كانَ مِنَ العَمَلِ". قَالَ الوَلِيدُ: وَحَدَّثَنِي ابن جَابِرٍ، عَنْ عُمَيْرٍ عَنْ جنادة وَزَادَ: "مِنْ أَبْوَابِ الجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ، أَيُّهَا شَاءَ". مسلم في الإيمان. وهذا أسنده النسائي في التفسير (١)، وأخرجه الترمذي مختصرًا وقال: حسن صحيح غريب من هذا الوجه (٢)، وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" (٣).

стр. 11698

و (ابن جابر) هو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الأزدي، أخو يزيد بن يزيد، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة. قال الترمذي: روي عن الزهري أنه قال: كان هذا في أول الإسلام قبل نزول الفرائض، قال: ووجه هذا الحديث عند بعض أهل العلم أن أهل التوحيد سيدخلون الجنة وإن عذبوا بذنوبهم، فإنهم لا يخلدون في النار، وقد روي عن ابن مسعود وأبي ذر وعمران بن حصين وجابر وأبي سعيد وأنس مرفوعًا: "سيخرج من النار أهل التوحيد ويدخلون الجنة" وكذا روي عن سعيد بن جبير والنخعي وغير واحد من التابعين في تفسير هذِه الآية: ﴿رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ (٢)﴾ [الحجر: ٢]، قالوا: إذا أخرج أهل التوحيد من النار وأدخلوا الجنة يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين (١). وذكر ابن العربي أن معناه أن يكون كافرًا فيؤمن ويموت قبل أن يذنب، أو يكون مذنبًا فيتوب، أو يقتل في سبيل الله تعالى، أو يقول إذا عُدَّت لاإله إلا الله في الوزن فلا يرجحها شيء -كما في حديث البطاقة (٢) - قال: وليست توزن لكل أحد، وإنما توزن لمخصوص، أو يقول كما قال وهب: لا إلله إلا الله مفتاح له أسنان، إن جئت بمفتاح وأسنانه فتح لك وإلا فلا (٣)، قال: وقول ابن شهاب لا وجه له وقول وهب صحيح (٤).

стр. 11699

قلت: تخصيصه بما ذكر ينازع فيه، وقول الزهري جميل منه. فصل: مقصود الحديث التنبيه على ما وقع للنصارى في عيسى وأمه، ويستفاد منه أيضًا ما يلقنه النصراني إذا أسلم، ولأصحابنا فيه تفصيل محله كتب الفروع، ولم يذكر في الحديث الإقرار بكتاب الله وملائكته وسائر أنبيائه، واكتفى بقوله: "وأن محمدًا عبده ورسوله". فإذا أقر برسالة محمد فقد أقر بجميع ما جاء به، وهو يشتمل على ذلك كله. قال الداودي: ويعارضه: "وأن عيسى عبد الله ورسوله" إلى آخره، فذلك أيضًا يشتمل على الإقرار بمحمد ورسالته. فصل: قوله: ("من أبواب الجنة الثمانية أيها شاء"). وفي الحديث السالف: "من كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان" (١). فأهل الإسلام جميعًا من أهل تلك الأعمال، فمن ترك شيئًا منها لم يدع من باب ذلك الشيء.

стр. 11700

٤٨ - باب ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [مريم: ١٦] نَبَذْنَاهُ: -أَلْقَيْنَاهُ-: اعْتَزَلَتْ. ﴿شَرْقِيًّا﴾ [مريم: ١٦] مِمَّا يَلِي المشرق ﴿فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ﴾: أَفْعَلْتُ مِنْ جِئْتُ، وَيُقَالُ: أَلْجَأَهَا: اضْطَرَّهَا. ﴿تُسَاقِطْ﴾: تَسْقُطْ ﴿قَصِيًّا﴾: قَاصِيًا ﴿فَرِيًّا﴾: عَظِيمًا. وقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿نَسْيًا﴾ لَمْ أَكُنْ شَيْئًا. وَقَالَ غَيْرُهُ: النِّسْيُ: الحَقِيرُ. وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ: عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ التَّقِيَّ ذُو نُهْيَةٍ حِينَ قَالَتْ: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾. قَالَ وكيع: عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ البَرَاءِ: ﴿سَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٤]: نَهَرٌ صَغِيرٌ بِالسُّرْيَانِيَّةِ. ٣٤٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِم بْن إِبْرَاهِيمَ، حَدثنا جَرِيرُ بْن حَازِم، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي المَهْدِ إِلّا ثَلَاثَة عِيسَى، وَكانَ فِي بَني إِسْرَائِيلَ رَجُل يُقَالُ لَهُ: جُرَيْجٌ، كانَ يُصَلِّي، جَاءتْهُ أُمُّهُ فَدَعَتْهُ، فَقَالَ: أُجِيبُهَا أَوْ أُصَلِّي؟ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تُمِتْهُ حَتَّى تُرِيَهُ وُجُوهَ المُومِسَاتِ. وَكانَ جُرَيْجٌ فِي صَوْمَعَتِهِ، فَتَعَرَّضَتْ لَهُ امْرَأة، وَكَلَّمَتْهُ فَأَبَى، فَأتتْ رَاعِيًا، فَأَمْكَنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا، فَوَلَدَتْ غُلَامًا، فَقَالَتْ: مِنْ جُرَيْجٍ. فَأَتَوْه فَكَسَرُوا صَوْمَعَتَهُ، وَأَنْزَلُوهُ وَسَبُّوهُ، فَتَوَضَّأَ وَصَلَّى، ثُمَّ أَتَى الغُلَامَ فَقَالَ: مَنْ أَبُوكَ يَا غُلَامُ، قَالَ: الرَّاعِي. قَالُوا: نَبْنِي صَوْمَعَتَكَ مِنْ ذَهَبِ. قَالَ: لَا، إِلَّا مِنْ طِينٍ. وَكانَتِ امْرَأة تُرْضِعُ ابنا لَهَا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، فمَرَّ بِهَا رَجُلٌ رَاكِبٌ ذُو شَارَةٍ، فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابني مِثْلَهُ. فَتَرَكَ ثَدْيَهَا، وَأَقْبَلَ عَلَى الرَّاكِبِ فَقَالَ اللَهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهَا يَمَصُّهُ -قَالَ أبو هُرَيْرَةَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمَصُّ إِصْبَعَهُ- ثُمَّ مُرَّ بِأَمَةٍ فَقَالَتِ: اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابني مِثْلَ هذِه. فَتَرَكَ ثَدْيَهَا فَقَالَ: اللَّهُمَّ

стр. 11701

اجْعَلْنِى مِثْلَهَا. فَقَالَتْ: لِمَ ذَاكَ؟ فَقَالَ: الرَّاكِبُ جَبَّارٌ مِنَ الجَبَابِرَةِ، وَهَذِهِ الأَمَةُ يَقُولُونَ: سَرَقْتِ زَنَيْتِ. وَلَمْ تَفْعَلْ». [انظر: ١٢٠٦ - مسلم: ٢٥٥٠ - فتح: ٦/ ٤٧٦] ٣٤٣٧ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى أَخْبَرَنَا هِشَامٌ عَنْ مَعْمَرٍ. حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ، أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ: "لَقِيتُ مُوسَى -قَالَ فَنَعَتَهُ- فَإِذَا رَجُلٌ -حَسِبْتُهُ قَالَ:- مُضْطَرِبٌ رَجِلُ الرَّأْسِ، كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ شَنُوءَةَ - قَالَ:- وَلَقِيتُ عِيسَى -فَنَعَتَهُ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ:- رَبْعَةٌ أَحْمَرُ كَأَنَّمَا خَرَجَ مِنْ دِيمَاسٍ -يَعْنِي: الحَمَّامَ - وَرَأَيْتُ إِبْرَاهِيمَ، وَأَنَا أَشْبَهُ وَلَدِهِ بِهِ -قَالَ:- وَأُتِيتُ بِإِنَاءَيْنِ أَحَدُهُمَا لَبَنٌ وَالآخَرُ فِيهِ خَمْرٌ، فَقِيلَ لِي: خُذْ أَيَّهُمَا شِئْتَ. فَأَخَذْتُ اللَّبَنَ فَشَرِبْتُهُ، فَقِيلَ لِي: هُدِيتَ الفِطْرَةَ -أَوْ أَصَبْتَ الفِطْرَةَ- أَمَا إِنَّكَ لَوْ أَخَذْتَ الخَمْرَ غَوَتْ أُمَّتُكَ». [انظر: ٣٣٩٤ - مسلم: ١٦٨ - فتح: ٦/ ٤٧٦] ٣٤٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا إِسْرَائِيلُ، أَخْبَرَنَا عُثْمَانُ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ (١) ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُ عِيسَى وَمُوسَى وَإِبْرَاهِيمَ، فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ، وَأَمَّا مُوسَى فَآدَمُ جَسِيمٌ سَبْطٌ كَأَنَّهُ مِنْ رِجَالِ الزُّطِّ». [فتح: ٦/ ٤٧٧] ٣٤٣٩ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ، حَدَّثَنَا أَبُو ضَمْرَةَ، حَدَّثَنَا مُوسَى، عَنْ نَافِعٍ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: ذَكَرَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمًا بَيْنَ ظَهْرَيِ النَّاسِ الْمَسِيحَ الدَّجَّالَ فَقَالَ: «إِنَّ اللهَ لَيْسَ بِأَعْوَرَ، أَلَا إِنَّ المَسِيحَ الدَّجَّالَ أَعْوَرُ الْعَيْنِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ». [انظر: ٣٠٥٧ - مسلم: ١٦٩ - فتح: ٦/ ٤٧٧]

стр. 11702

٣٤٤٠ - "وَأَرَانِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الكَعْبَةِ فِي المَنَامِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ كَأَحْسَنِ مَا يُرَى مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ، تَضْرِبُ لِمَّتُهُ بَيْنَ مَنْكِبَيْهِ، رَجِلُ الشَّعَرِ، يَقْطُرُ رَأْسُهُ مَاءً، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ وَهْوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ. فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالُوا: هَذَا المَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ. ثُمَّ رَأَيْتُ رَجُلاً وَرَاءَهُ جَعْدًا قَطَطًا، أَعْوَرَ عَيْنِ الْيُمْنَى كَأَشْبَهِ مَنْ رَأَيْتُ بِابْنِ قَطَنٍ، وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلٍ، يَطُوفُ بِالْبَيْتِ، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: المَسِيحُ الدَّجَّالُ». تَابَعَهُ عُبَيْدُ اللهِ عَنْ نَافِعٍ. [٣٤٤١، ٥٩٠٢، ٦٩٩٩، ٧٠٢٦، ٧١٢٨ - مسلم: ١٦٩ - فتح: ٦/ ٤٧٧] ٣٤٤١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ: سَمِعْتُ إِبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: لَا وَاللهِ مَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعِيسَى: أَحْمَرُ، وَلَكِنْ قَالَ: «بَيْنَمَا أَنَا نَائِمٌ أَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ، فَإِذَا رَجُلٌ آدَمُ سَبْطُ الشَّعَرِ، يُهَادَى بَيْنَ رَجُلَيْنِ، يَنْطِفُ رَأْسُهُ مَاءً -أَوْ يُهَرَاقُ رَأْسُهُ مَاءً- فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: ابْنُ مَرْيَمَ، فَذَهَبْتُ أَلْتَفِتُ، فَإِذَا رَجُلٌ أَحْمَرُ جَسِيمٌ، جَعْدُ الرَّأْسِ، أَعْوَرُ عَيْنِهِ اليُمْنَى، كَأَنَّ عَيْنَهُ عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ. قُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ قَالُوا: هَذَا الدَّجَّالُ. وَأَقْرَبُ النَّاسِ بِهِ شَبَهًا ابْنُ قَطَنٍ». قَالَ الزُّهْرِيُّ: رَجُلٌ مِنْ خُزَاعَةَ هَلَكَ فِي الجَاهِلِيَّةِ. [انظر: ٣٤٤٠ - مسلم: ١٦٩ - فتح: ٦/ ٤٧٧] ٣٤٤٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِابْنِ مَرْيَمَ -وَالأَنْبِيَاءُ أَوْلَادُ عَلاَّتٍ- لَيْسَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ نَبِيٌّ». [٣٤٤٣ - مسلم: ٢٣٦٥ - فتح: ٦/ ٤٧٧] ٣٤٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنَا هِلَالُ بْنُ عَلِيٍّ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِى عَمْرَةَ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «أَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَالأَنْبِيَاءُ إِخْوَةٌ لِعَلاَّتٍ، أُمَّهَاتُهُمْ شَتَّى، وَدِينُهُمْ وَاحِدٌ». [انظر: ٣٤٤٢ - مسلم: ٢٣٦٥ - فتح: ٦/ ٤٧٨] وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ: عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ .

стр. 11703

٣٤٤٤ - وَحَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِىِّ ﷺ قَالَ: «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلاً يَسْرِقُ، فَقَالَ: لَهُ أَسَرَقْتَ؟ قَالَ: كَلاَّ وَاللهِ الَّذِى لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. فَقَالَ عِيسَى: آمَنْتُ بِاللهِ وَكَذَّبْتُ عَيْنِي». [مسلم: ٢٣٦٨ - فتح: ٦/ ٤٧٨] ٣٤٤٥ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: سَمِعْتُ الزُّهْرِيَّ يَقُولُ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، سَمِعَ عُمَرَ - رضى الله عنه - يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «لَا تُطْرُونِي كَمَا أَطْرَتِ النَّصَارَى ابْنَ مَرْيَمَ، فَإِنَّمَا أَنَا عَبْدُهُ، فَقُولُوا: عَبْدُ اللهِ وَرَسُولُهُ». [انظر: ٢٤٦٢ - مسلم: ١٦٩١ - فتح: ٦/ ٤٧٨] ٣٤٤٦ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا صَالِحُ بْنُ حَيٍّ، أَنَّ رَجُلاً مِنْ أَهْلِ خُرَاسَانَ قَالَ لِلشَّعْبِيِّ، فَقَالَ الشَّعْبِيُّ: أَخْبَرَنِي أَبُو بُرْدَةَ، عَنْ أَبِى مُوسَى الأَشْعَرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِذَا أَدَّبَ الرَّجُلُ أَمَتَهُ فَأَحْسَنَ تَأْدِيبَهَا، وَعَلَّمَهَا فَأَحْسَنَ تَعْلِيمَهَا ثُمَّ أَعْتَقَهَا فَتَزَوَّجَهَا، كَانَ لَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا آمَنَ بِعِيسَى ثُمَّ آمَنَ بِي، فَلَهُ أَجْرَانِ، وَالْعَبْدُ إِذَا اتَّقَى رَبَّهُ وَأَطَاعَ مَوَالِيَهُ، فَلَهُ أَجْرَانِ». [انظر: ٩٧ - مسلم: ١٥٤ - فتح: ٦/ ٤٧٨] ٣٤٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ المُغِيرَةِ بْنِ النُّعْمَانِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «تُحْشَرُونَ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلاً -ثُمَّ قَرَأَ:- ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ [الأنبياء: ١٠٤] فَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى إِبْرَاهِيمُ، ثُمَّ يُؤْخَذُ بِرِجَالٍ مِنْ أَصْحَابِي ذَاتَ اليَمِينِ وَذَاتَ الشِّمَالِ، فَأَقُولُ: أَصْحَابِي فَيُقَالُ: إِنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا مُرْتَدِّينَ عَلَى أَعْقَابِهِمْ مُنْذُ فَارَقْتَهُمْ، فَأَقُولُ: كَمَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٧ - ١١٨]. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ: ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللهِ، عَنْ قَبِيصَةَ قَالَ: هُمُ الْمُرْتَدُّونَ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى عَهْدِ أَبِى بَكْرٍ، فَقَاتَلَهُمْ أَبُو بَكْرٍ ﵁. [انظر: ٣٣٤٩ - مسلم: ٢٨٦٠ - فتح: ٦/ ٤٧٨]

стр. 11704

الشرح: قول ابن عباس ﵄ أخرجه ابن أبي زياد في "تفسيره" عنه. وما ذكره عن البراء أسقطه أبو مسعود والطرقي، وعزاه خلف والمزي إلى البخاري في التفسير عن يحيى، عن وكيع، عن إسرائيل بلفظ: نهر جدول من ماء (١). ورواه الحاكم في "مستدركه" عن المحبوبي حدثنا أحمد بن سيار، ثنا محمد بن كثير، ثنا سفيان، عن أبي إسحاق بلفظ: الجدول: النهر الصغير. ثم قال: صحيح على شرط الشيخين (٢)، وأخرجه ابن مردويه من حديث معاوية بن يحيى، عن أبي سنان عن أبي إسحاق، عن البراء، عن النبي في أنه قال: "السري: النهر" ثم ساقه من حديث آدم، ثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: السري: الجدول، وهو النهر الصغير. ثم ذكره من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "السري الذي قال الله فيه: نهر أخرجه الله تعالى لها لتشرب منه" (٣). وأخرج أيضًا من حديث الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: بعث الله روح عيسى إلا مريم فحملته، قال: حملت بالذي ناطقها ودخل في فيها وهو روح عيسى (٤).

стр. 11705

ومن حديث المعتمر عن أبيه، عن الربيع بلفظ: لما أخذ العهد على الأرواح كان روح عيسى في تلك الأرواح، فأرسل الله ذلك الروح إلى مريم قال تعالى: ﴿فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا﴾ قال: فحملت الذي خاطبها وهو روح عيسى، فدخل في فيها. ومن حديث محمد بن سابق، عن أبي جعفر عيسى بن ماهان، عن الربيع. فصل: يقال جلس نبذةً من الناس، ونبذة أي ناحية وهو إذا جلس قريبًا منك بحيث لو نبذت إليه شيئًا لوصل إليه. قيل: إنما قصدت مطلع الشمس لتغتسل من الحيض، وقيل: لتخلو من الناس بالعبادة. وقوله في ﴿فَأَجَاءَهَا﴾ (أفعلت) بخط الدمياطي بفتح الهمزة وضم التاء، وقال ابن التين: ضبط بضم الهمزة وكسر العين، كأنه حكى أنها جيء بها، وبفتح الهمزة والعين وسكون التاء، وهو غير بين؛ لأنها لم تفعل وإنما فعل بها، ومثال (أجاءها) على التحقيق أفعلها. وقوله: (يقال: ألجأها) هو قاله ابن عباس ومجاهد (١)، والأول هو قول الكسائي ومعناهما واحد؛ لأنه إذا ألجأها إلى الذهاب إلى جذع النخلة فقد جاء بها. وقرأ عاصم (٢) (فاجأها) من المفاجأة. وقوله: (﴿فَرِيًّا﴾: عظيمًا) هو قول مجاهد (٣). وقال أبو عبيدة: عجيبًا (٤).

стр. 11706

وقال قطرب: بديع جديد لم يسبق إليه. وقال سعيد بن مسعدة: أي مختلقًا. وقوله: (النسي: الشيء الحقير)، وقيل: هو ما طال مكثه فنسي، وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة (١)، وحكي عن العرب أنهم إذا أرادوا الرحيل عن منزل قالوا: احفظوا أنساءكم إلا نسيًا، جمع نسي، وهو الشيء الحقير، وقيل: هو ما سقط في منازل المرتحلين من رذال أمتعتهم. وما ذكره عن أبي وائل، قال أبو إسحاق: ﴿إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾ فيسقط تعوذي بالله منك، وقيل: (إن) بمعنى (ما) أي ما كنت تقيًّا، وقيل: كان رجلاً مشهورًا بالفساد فاستعاذت بالرحمن منه. وقول البراء أنه بالسريانية. أنكر قوم أن يكون في القرآن من السريانية أو غيرها إلا أن يريد أنه وافق لغة العرب. وقيل: السري: النهر، وهو عند العرب النهر الصغير، وحكى الدوادي عن الحسن أنه كان يقول: والله سريًّا يعني: عيسى، ثم رجع إلى أنه النهر. وقوله: (﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾) قال ابن عباس: هو جبريل ولم يتكلم عيسى حتى أتت قومها (٢)، وعنه فيما حكاه ابن أبي شيبة: ما تكلم عيسى إلا بالآيات التي تكلم بها حتى بلغ مبلغ الصبيان (٣).

стр. 11707

ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث أحدها: حديث أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "لم يتكلم في المهد إلا ثلاثة: عيسى، وكان في بني إسرائيل رجل يقال له: جريج" فذكر قصته بطولها، وقد سلف في المظالم إلا أنه أخصر من هذا (١). ولم يذكر هنا صاحب يوسف (٢)، وذكره مرة أخرى. والمومسات: الفواجر. وقال بعض أهل الحديث: من استهلك شيئًا فعليه مثله وإن لم يكن يكال أو يوزن؛ لحديث جريج هذا لقوله: "لا، إلا من طين"، ولحديث الصحفة (٣)، وهذان لا دليل فيهما؛ لأنه لم يذكر أن أحد الخصمين امتنع من هذا فجبر على هذا، وهو مذهب الأربعة. والمشهور عن مالك القيمة، ودليله: "من أعتق شركًا له في عبد قُوِّم عليه قيمة عدل" الحديث (٤). وسلف ذلك.

стр. 11708

وقوله: ("فمر بها رجل راكب ذو شارة")، أي: ذو حسن، كذا قال ابن خالويه، وقال: ذو ملبس وهيئة. الحديث الثاني: حديثه أيضًا: قال: قال النبي ﷺ ليلة أسري به "لقيت موسى -قال: فنعته- فإذا رجل -حسبته قال:- مضطرب رجل الرأس .. " الحديث. وقد سلف في الإسراء (١). ومعنى "مضطرب" ضرب وهو النحيف الجسم، وهو يضاد قوله في إثر هذا: "جسيم" في حديث ابن عمر بعده، فليؤوَّل. وقوله فيه: "ربعة" هو بسكون الباء وفتحها: رجل بين رجلين. الحديث الثالث: حديث مجاهد عن ابن عمر ﵄ قال: قال النبي ﷺ : "رأيت عيسى وموسى وإبراهيم، فأما عيسى فأحمر جعد عريض الصدر، وأما موسى فآدم جسيم سبط كأنه من رجال الزط". قال أبو مسعود الحافظ: أخطأ البخاري في قوله: (مجاهد عن ابن عمر)، وإنما رواه محمد بن كثير وإسحاق بن منصور السلولي وابن أبي زائدة ويحيى بن آدم وغيرهم عن إسرائيل عن عثمان، عن مجاهد، عن ابن عباس ﵄، وقد نبه أبو ذر في نسخته على ذلك، قاله أبو علي (٢). قال أبو ذر: ورواه أيضًا عثمان الدارمي عن ابن كثير، وتابعه نصر بن علي، عن أبي أحمد الزبيري عن (إسرائيل) (٣) وكذلك

стр. 11709

رواه يحيى بن زكريا بن أبي زائدة عن إسرائيل، عن عثمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، وقد ذكر البخاري في الحج وقريبًا في قصة إبراهيم حديث مجاهد، عن ابن عباس في قصة موسى (١)، وذكره أبو نعيم من حديث عثمان، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: ورواه أبو أحمد الزبيري عن إسرائيل عن عثمان، عن مجاهد، عن ابن عمر أن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ : فذكره، وذكره الإسماعيلي من هذا الوجه بإسقاط ابن عمر. فصل: الزط: جنس من السودان طوال، قاله عياض (٢). وقوله في صفة عيسى: "أحمر" وقال في الحديث الذي بعده: "آدم" والآدم: الأسمر. قال الدوادي: أثبته قول ابن عمر يعني الحديث الثاني والخامس أيضًا فإن (كلاهما) (٣) من رواية ابن عمر يريد أنه آدم كما صوبه، وأنكر كونه أحمر. الحديث الرابع: حديث موسى بن (عقبة) (٤)، عن نافع، قال عبد الله: ذكر النبي ﷺ يومًا بين ظهراني الناس المسيح الدجال، فذكره. تابعه عبيد الله عن نافع.

стр. 11710

وأخرجه مسلم في الإيمان والقدر (١). الحديث الخامس: حديث سالم عن أبيه قال: لا والله ما قال النبي ﷺ لعيسى: أحمر ولكن قال: "بينا أنا نائم أطوف بالكعبة فإذا رجل آدم سبط الشعر يهادى بين رجلين، فقلت: من هذا؟ قالوا: ابن مريم" الحديث. وفيه ذكر الدجال وأقرب الناس به شبهًا ابن قطن، قال (الزهري) (٢): رجل من خزاعة هلك في الجاهلية. الشرح: شيخ البخاري في الحديث الثاني (أحمد بن محمد المكي) قال أبو نعيم: أراه الأزرقي. والمسيح عيسى ﵇ أصله بسكون السين وفتح الياء على وزن مفعل فسكنت الياء ونقلت حركتها إلى السين وكسرت لاستثقالهم الكسرة على الياء كما نبه عليه ابن دحية. سمي مسيحًا؛ لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، ولا ميتًا إلا حيي، فهو من أبنية أسماء الفاعلين مسيح بمعنى ماسح، أو الصديق كما قاله إبراهيم النخعي. وقال أبو عبيد: أظن هذِه الكلمة مشيحا بالشين المعجمة فعربت، وكذا ينطق بها اليهود، وعن ابن عباس سمي مسيحًا؛ لأنه كان أمسح الرجل ليس لرجله أخمص، وقيل: لأنه خرج من بطن أمه كأنه ممسوخ بالدهن.

стр. 11711

وقد سلف قريبًا بأكثر من هذا في باب قوله تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ﴾ ومنها أنه لحسن وجهه، إذ المسيح في اللغة الجميل الوجه، وفي اللغة أيضًا: قطع الفضة وكذا كان أبيض مشربًا حمرة. وأما المسيح الملعون فبالحاء على المشهور، وقيل: بالخاء المعجمة، قال القابسي: سمي بذلك؛ لأن عينه مسحت قال: ومن الناس من يكسر ميمه، ويثقل السين ليفرق بينه وبين عيسى، وحكى الأزهري: أنه مِسِّيح على فِعِّيل (١) فرقًا بينه وبين عيسى، وعن أبي عمر: منهم من قاله بالخاء المعجمة، قال: وذلك كله عند أهل العلم خطأ لا فرق بينهما (٢)، كذلك ثبت عن رسول الله ﷺ أنه نطق به ونقله الصحابة المبلغون عنه وقالته العرب. وفيه أقوال أخر، لأنه لا عين له ولا حاجب، أو لكذبه، أو خبثه وتمرده، أو لقبحه، أو لمسحه الأرض؛ لأن عيسى ﷺ اختص بقطع بعض الأرض، وهذا يمسح جميع البلاد في أربعين يومًا إلا ما استثني، وقيل: لأن أحد شقي وجهه ممسوح، وهي أشوه الحالات. فصل: قال الهروي: في الحديث: "أما مسيح الضلالة فرجل" (٣) قال: دل هذا الحديث على أن عيسى مسيح الهدى، والدجال مسيح الضلالة.

стр. 11712

فصل: قوله: "تضرب لمته بين منكبيه" اللمة بكسر اللام الشعر إذا جاوز شحم الأذنين، سميت بذلك لأنها ألمت بالمنكبين فإذا بلغت المنكبين فهي جمة، فإذا بلغت شحمة الأذنين فهي وفرة، قاله ابن فارس (١). والسبط بسكون الباء وكسرها خلاف الجعد. والقطط بفتح الطاء خلاف السبط، وهو الذي كان شعره كالزبيب كشعر السودان قاله الداودي، قال الهروي: والجعد في صفة الرجال يكون مدحًا وذمًّا فإذا كان مدحًا فله معنيان: أن يكون الخلق شديد الأسر، وأن يكون شعره جعدًا غير سبط لأن السبوطة في شعر العجم، والمذموم له معنيان القصير المتردد والبخيل. و ("ينطف رأسه") قال الداودي: أي يقطر، قال: ومنه النطفة والذي عند اللغويين أن النطفة هو الماء الصافي. فصل: ابن قطن -بالقاف- هو عبد العزم ابن قطن بن عمرو بن حبيب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن جذيمة -وهو المصطلق- بن سعيد بن عمرو بن لحي -وهو ربيعة- بن حارثة بن عمرو مزيقيا، أمه هالة بنت خويلد أخت خديجة بنت خويلد، وكانت عند الربيع بن عبد العزم ابن عبد شمس فولدت له أبا العاصي، ثم خلف عليها بعده أخوه ربيعة بن

стр. 11713

عبد العزى، ثم خلف على هالة وهب بن عبيد بن جابر بن عتاب بن مالك بن حطيط بن جشم بن ثقيف فولدت له أولادًا منهم (١) قطن بن وهب، ثم خلف على هالة قطن بن عمرو بن حبيب بن سعيد بن عائذ بن مالك بن المصطلق فولدت له عبد العزى بن قطن. وأم الربيع وربيعة ابني عبد العزى (بن عبد شمس أم المطاع بنت أسد بن عبد العزى) (٢) بن قصي. وكذلك أكثم بن أبي الجون الخزاعي قال له ﷺ : "رفع لي الدجال فإذا هو رجل آدم جعد وأشبه من رأيت به أكثم بن أبي الجون"، فقال أكثم: يا رسول الله هل يضرني شبهي إياه؟ قال: "لا، أنت مسلم وهو كافر" (٣). وقال ابن سعد: أكثم بن أبي الجون بن عبد العزى بن منقذ بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس بن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو بن لحي (٤)، وقال ابن منده في أكثم: إن رسول الله ﷺ شبهه بعمرو بن لحي لا بالدجال.

стр. 11714

فصل: قوله ("كأن عينه عنبة طافية")، أي: بارزة والعنبة الطافية: التي خرجت عن نظائرها في العنقود، وهو غير مهموز؛ لأنه من طفا يطفو إذا علا ولم يرسب، وقيل: طافئة انخسفت وذهب إطلاقها، فتكون من طفت النار، وهو على هذا مهموز. الحديث السادس: حديث الزهري عن أبي سلمة، عن أبي هريرة ﵁ سمعت رسول الله ﷺ يقول: ("أنا أولى الناس بعيسى بن مريم والأنبياء أولاد علات ليس بيني وبينه نبي"). هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا. الحديث السابع: حدثنا محمد بن سنان، ثنا فليح بن سليمان، ثنا هلال بن علي، عن عبد الرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أولى الناس بعيسى ابن مريم في الدنيا والآخرة الأنبياء أخوة لعلات أمهاتهم شتى ودينهم واحد". وقال إبراهيم بن طهمان، عن موسى بن عقبة عن صفوان بن سليم، عن عطاء بن يسار، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ . الشرح: محمد بن سنان هو أبو بكر الباهلي البصري الأعمى، عرف بالعوقي لنزوله فيهم -وهو عوق بن الديل أخي أنمار ابني عمرو بن وديعة بن لكيز- مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين. وفليح بن سليمان اسمه عبد الملك، وفليح لقب، مات سنة ثمان

стр. 11715

وستين ومائة (١). وهلال بن علي بن أسامة بن ميمونة مات في آخر خلافة هشام. وابن أبي (عمرة) (٢) اسمه بشير بن عمرو (٣) بن محصن بن عتيك بن عمرو بن مبذول بن عامر بن مالك بن النجار، قُتل بشير مع علي أيام صفين، له صحبة. وإبراهيم بن طهمان مات (بمكة) (٤) سنة ثلاث وستين ومائة على الأصح، كان من أئمة الإسلام، فيه إرجاء. وتعليقه أخرجه الإسماعيلي عن أحمد بن حفص، والنسائي عن أحمد بن حفص، عن أبيه عنه (٥)، وعبارة أبي نعيم ذكره عن إبراهيم مرسلاً، وهذا لا يسمى مرسلًا في الاصطلاح. روى نعيم بن حماد في كتاب "الفتن" من حديث قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عن أبي هريرة: "وإن أولاهم بي عيسى وإنه نازل فيكم فاعرفوه رجل مربوع الخلق إلى البياض والحمرة" (٦). فصل: معنى أول بي: أخص وأقرب كقوله: "فلأولى عصبة" (٧) أي أحق

стр. 11716

وأقرب ولما لم يكن بينهما نبي كانا كأنهما في زمن واحد. وأولاد العلات بفتح العين المهملة وتشديد اللام هم أولاد الرجل من نسوة شتى، سموا بذلك؛ لأنهم أولاد ضرائر والعلات الضرائر، وقيل: لأن التي تزوجها على الأولى كانت قبلها ثم عل من هذِه، والعلل الشرب الثاني يقال: علل بعد نهل. وفي "التهذيب" هما أخوان من عَلَّة، وهما ابنا علة، وبنو علة وهم من علات، والعلة الرابة (١). قال في "المحكم": وجمع العَلَّة العلائل (٢)، زاد في "التهذيب" الأخياف عكسهم، الأم واحدة والآباء مختلفون، وبنو الأعيان إخوة لأب وأم واحدة. ومراد الحديث أن أصل دينهم واحد، وان كانت شرائعهم مختلفة وأزمانهم أيضًا، فهم أولاد علات من حيث إنهم لم يجمعهم زمن واحد كما لم يجمع أولاد العلات بطن واحد. فإن قلت: قد ذُكر بعد عيسى أنبياء؟ قلتُ: لم يصح، وهذا الحديث أصح فالاعتماد عليه، وإن جوزنا وجود نبي بعد عيسى فهو كالتبع له والداعي إلى دينه لا ينقص شيئًا مما قرره، فليس هو بنبي ذي شرع متجدد. وقوله: ("دينهم واحد") أي: التوحيد دون الفروع للاختلاف فيها، قال تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾ [المائدة: ٤٨].

стр. 11717

الحديث الثامن: حديث أبي هريرة أيضًا من طريق عطاء بن يسار، عنه ومن طريق همام عنه، عن النبي ﷺ قال: "رأى عيسى ابن مريم رجلاً يسرق، فقال له: سرقت، قال: كلا والذي لا إله إلا هو. فقال عيسى: آمنت بالله وكذبت عيني". هذا الحديث أخرجه مسلم بلفظ: "وكذبت نفسي" قال أبو نعيم: والأول مرسل. وهذا من المبالغة في تصديق الحالف، وليس كذبت عينُه حقيقةً ولم يهم. وقيل: أراد أنه صدقه في الحكم؛ لأنه لم يحكم بعلمه وفاقًا لمالك، وخلافًا للشافعي وعبد الملك وسحنون. فإن قلت: أعلى اليقين المشاهدة، فكيف يقدم عليها قول زاعم؟ قلتُ: الناظر إلى الشيء (قد) (١) لا يثبت نظره، ولا يحصل له اليقين، أو يكون من المعاريض، وتقديره: كذبت عيني في غير هذا، لكن ظاهر قوله: (سرقت) خبر عما فعل من السرقة وأنه حقق السرقة عليه؛ لأنه رآه أخذ مالاً لغيره من حرز في خفية، ويحتمل أن يكون مستفهمًا له عن تحقيق ذلك فحذف همزة الاستفهام. وقول الرجل لعيسى: ("كلا") أي: لا، نفى ذلك، ثم أكده بيمين. وقول عيسى: ("آمنت بالله"): أي صدقت من حلف بالله وكذبت ما ظهر من ظاهر السرقة، فإنه يحتمل أن يكون الرجل أخذ ما له فيه حق، أو يكون صاحبه أذن له فيه، أو يحتمل أن يكون أخذه ليقلبه وينظر إليه. ويستفاد من هذا درء الحدود بالشبهات.

стр. 11718

الحديث التاسع: حديث ابن عباس عن عمر ﵁ مرفوعًا: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبد فقولوا عبد الله ورسوله". أخرجه الترمذي أيضًا في "شمائله" (١). والإطراء: مجاوزة الحد في المدح والكذب فيه. قال الخطابي: هو المدح بالباطل، وذلك أنهم دعوه ولدًا لله -تعالى الله عما يشركون- واتخذوه إلهًا، وذلك من إفراطهم في مدحه (٢). وقال ابن فارس: أطريت فلانًا: مدحته بأحسن ما فيه (٣). وهذا من هضمه نفسه، كقوله: "لا تفضلوني على يونس" وقد سلف ما فيه (٤). الحديث العاشر: حدثنا محمد بن مقاتل، أنا عبد الله، أنا صالح بن حي أن رجلاً من أهل خراسان قال للشعبي، فقال الشعبي أخبرني أبو بردة عن أبي موسى ﵁ قال: قال رسول الله في ﷺ : "إذا أدب الرجل أمته فأحسن تأديبها" الحديث. سلف في العتق أيضًا من حديث صالح عن الشعبي أيضًا، وكذا في العلم والجهاد، ويأتي في النكاح (٥)، وصالح بن صالح بن مسلم بن

стр. 11719

حيان يعرف بابن حيِّ الهمداني الثوري، والد علي والحسن ابني صالح، و (الشعبي) عامر بن شراحيل، و (أبو بردة) عامر بن أبي موسى عبد الله بن قيس بن سليم. الحديث الحادي عشر: حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ : "تحشرون حفاة غرلًا .. " الحديث. سلف قريبًا في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخَذَ الله إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾ ويأتي في التفسير (١). قال محمد بن يوسف الفربري: ذكر عن أبي عبد الله -يعني: البخاري- عن قبيصة قال: هم المرتدون الذين ارتدوا على عهد أبي بكر فقاتلهم أبو بكر ﵁، وهذا التعليق أسنده الإسماعيلي، عن إبراهيم بن موسى الجرجاني، ثنا إسحاق، ثنا قبيصة بن عقبة، ثنا سفيان، ثنا المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس .. الحديث.

стр. 11720

٤٩ - باب نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ﵊ - ٣٤٤٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، أَنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيَّبِ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩]. [انظر: ٢٢٢٢ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٦/ ٤٩٠] ٣٤٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ نَافِعٍ -مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ- أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ». تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالأَوْزَاعِيُّ. [انظر: ٢٢٢٢ - مسلم: ١٥٥ - فتح: ٦/ ٤٩١] ذكر فيه حديث سعيد بن المسيب عن أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَيُوشِكَنَّ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمُ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا عَدْلاً، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلَ الخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ، حَتَّى تَكُونَ السَّجْدَةُ الوَاحِدَةُ خَيْرًا مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاقْرَءُوا إِنْ شِئْتُمْ: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)﴾ [النساء: ١٥٩]. وحديث نَافِعٍ مَوْلَى أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «كَيْفَ أَنْتُمْ إِذَا نَزَلَ ابْنُ مَرْيَمَ فِيكُمْ وَإِمَامُكُمْ مِنْكُمْ». تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالأَوْزَاعِيُّ.

стр. 11721

الشرح: الحديث الثاني أخرجه مسلم (١)، وليس لنافع في البخاري ومسلم غيره. الأول ذكره في البيوع إلى قوله: "لا يقبله أحد"، وكذا في أبواب الغصب (٢)، وأخرجه مسلم في الإيمان عن حسن الحلواني وعبد بن حميد بن يعقوب، عن أبيه، عن صالح، عن الزهري، عن ابن المسيب به. والبخاري رواه هنا عن إسحاق، عن يعقوب وهو (٣) ابن إبراهيم، وكذا ذكره الجياني أن ابن السكن نسبه كذلك (٤). وكذا رواه أبو نعيم عن أبي أحمد، ثنا عبد الله بن محمد، ثنا إسحاق بن إبراهيم فذكره. ومتابعة الأوزاعي رواها مسلم عن زهير بن حرب، ثنا الوليد بن مسلم، ثنا الأوزاعي، ثنا الزهري، عن نافع به (٥). وفي لفظ: "إمامًا مقسطًا" (٦)، وفي لفظ: "حكمًا مقسطًا" (٧)، وفي لفظ: "عادلًا، وليضعن الجزية ولتتركن القلاص فلا يسعى عليها أحد، ولتذهبن الشحناء والتباغض والتحاسد" (٨)، وفي لفظ: (فأَمَّكم

стр. 11722

منكم) (١)، قال ابن أبي ذئب: يعني: يأمكم بكتاب الله ربكم، وسنة نبيكم (٢). وفي لفظ: "يقول له الإمام: صل بنا فيقول: لا، إن بعضكم على بعض أمراء" (٣). وفي رواية للطبراني في أوسط معاجمه، زيادة: "يقتل الخنزير والقرد"، ثم قال: لم يروه عن روح يعني، عن عاصم بن بهدلة، عن أبي صالح، عن أبي هريرة مرفوعًا إلا محمد بن سميع (٤). وفي لفظ لنعيم بن حماد في كتاب "الفتن" من حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن سعيد: "يوشك أن ينزل فيهم" (٥). وفيه عن كعب: يحاصر الدجال المؤمنين ببيت المقدس، فيصيبهم جوع شديد حتى يأكلوا أوتار قسيهم فبينا هم على ذلك إذ سمعوا صوتًا في الغلس فينظرون فإذا عيسى، وتقام الصلاة، فيرجع إمام المسلمين، فيقول عيسى: تقدم فلك أقيمت الصلاة، فيصلي بهم ذلك الرجل تلك الصلاة ثم يكون عيسى الإمام بعد (٦). وفي لفظ: ينزل عند القنطرة البيضاء على باب دمشق الشرقي تحمله غمامة واضعًا يديه على منكبي ملكين عليه ريطتان إذا أكب رأسه قطر منه كالجمان فيأتيه اليهود فيقولون: نحن أصحابك فيقول: كذبتم - والنصارى كذلك- إنما أصحابي المهاجرون بقية أصحاب الملحمة،

стр. 11723

فيجد خليفتهم يصلي بهم فيتأخر فيقول له: صل فقد رضي الله عنك فإني إنما بعثت وزيرًا ولم أبعث أميرًا (١). قال: وبخروجه تنقطع الإمارة (٢). وفيه من حديث أبي أمامة مرفوعًا: "وإمام المسلمين يومئذ رجل صالح فيقال له: صل الصبح فإذا كبر ودخل فيها نزل عيسى فإذا رآه ذلك الرجل عرفه فرجع يمشي القهقرى فيضع عيسى يده بين كتفيه ويقول: صل ويصلي وراءه" (٣). ومن حديث أبي هريرة: "وتضع الحرب أوزارها وينزل بين أذانين" (٤) وعن ابن عمرو مرفوعًا: "المحاصرون ببيت المقدس إذ ذاك مائة ألف امرأة واثنان وعشرون ألف مقاتل إذ غشيتهم ضبابة من غمام إذ تكشفت عنهم مع الصبح فإذا عيسى بين ظهرانيهم". وفيه: "وتبتز قريشًا الإمارة وتكون الأرض كفاثورة الفضة" (٥). قال (نعيم) (٦) حدثنا أبو حيوة وأبو أيوب، عن أرطأة، عن عبد الرحمن بن جبير، قال رسول الله ﷺ : "ليدركن ابن مريم رجال من أمتي هم مثلكم أو خيرهم مثلكم" (٧) وحدثنا أبو عمر (٨) عن ابن لهيعة، عن عبد الوهاب بن حسين، عن محمد بن ثابت، عن أبيه، عن الحارث، عن عبد الله، عن رسول الله ﷺ : "إذا بلغ الدجال عقبة

стр. 11724

أفيق وقع ظله. على المسلمين فيوترون قسيهم لقتاله فيسمعون نداءً: أتاكم الغوث ثلاثًا وتشرق الأرض بنور ربها فيقولون عيسى ورب الكعبة، فيوافقدنه وقد نزل على باب لد فإذا نظر الدجال إلى عيسى قال: يا نبي الله قد أقيمت الصلاة فيقول عيسى: يا عدو الله أقيمت لك فتقدم فصل فإذا تقدم يصلي قال: يا عدو الله زعمت أنك رب العالمين فلم تصلي؟ ويضربه بمقرعة معه فيقتله" (١). ومن حديث صفوان عمن حدثه، عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "جيئة عيسى هذِه الأخيرة ليست كجيئته الأول تلقى عليه مهابة الموت يمسح وجوه رجال ويبشرهم بدرجات الجنة" (٢) ومن حديث رجل من الأنصار، عن بعض الصحابة مرفوعًا: "يحاصرهم الدجال في جبل من جبال الشام إذ أخذتهم ظلمة شديدة لا يبصر امرؤ فيها كفه فينزل ابن مريم فيحسر عن أبصارهم فإذا بين أظهرهم رجل عليه لأمته فيقولون: من أنت يا عبد الله فيقول: أنا عبد الله ورسوله وروحه وكلمته عيسى ابن مريم اختاروا واحدة من ثلاث أن يبعث الله تعالى على الدجال وجنوده عذابًا من السماء، أو يخسف بهم الأرض، أو يسلط عليهم سلاحكم ويكف سلاحهم عنكم، فقالوا: يا رسول الله هذا أشفى لنفوسنا" الحديث (٣). وعن كعب: يقيم عيسى أربعًا وعشرين سنة، منها عشر حجج يبشر المؤمنين بدرجاتهم في الجنة (٤) وفي لفظ: يقيم أربعين سنة (٥).

стр. 11725

وعن ابن عباس: يتزوج إلا قوم شعيب وهو ختن موسى وهم جذام فيولد له فيهم ويقيم تسعة عشر سنة، لا يكون أمير ولا شرطي ولا ملك (١). وعن يزيد بن أبي حبيب: يتزوج امرأة من الأزد ليعلم الناسُ أنه ليس بإله. قال نعيم: حدثنا عيسى بن يونس، عن هشام، عن صاحب لأبي هريرة، عنه ﵁ مرفوعًا: "ينزل عيسى فيمكث في الأرض أربعين سنة (٢) ثم رواه عنه موقوفاً كذلك: لو قال للبطحاء سيلي عسلًا (لسالت) (٣) عسلًا (٤) ورفعه الطيالسي في "مسنده" من حديث هشام، عن قتادة، عن عبد الرحمن بن آدم، عنه (٥). وعن أرطأة: يمكث عيسى بعد الدجال ثلاثين سنة كل سنة منها يأتي مكة فيصلي فيها (٦). وفي "البعث" للبيهقي من حديث ابن عمر ﵄ مرفوعًا: "يمكث عيسى فيهم أربعين" لا أدري أربعين يومًا أو شهرًا أو عامًا. وللطبراني مرفوعًا: "ألا من أدرك منكم عيسى فليقرأ ﵇". قال أبو هريرة: إني لأرجو (أن أكون) (٧) أول من أقرأه السلام من أبي القاسم وآكل من جفنته (٨).

стр. 11726

وللقرطبي (١) مرفوعًا: "ينزل عيسى بثلاثمائة رجل وأربعمائة امرأة كصلحاء من مضى، ويتزوج ويولد له، ويمكث خمسة وأربعين سنة، ويدفن معي في قبري" (٢). وأغرب من قال: يدفن بالأرض المقدسة. وفي حديث عبد الله بن عمرو: "يمكث في الأرض سبعًا ويولد له ولدان محمد وموسى". فصل: وليس في أيامه إمام ولا قاض ولا مفت، قد قبض الله العلم وخلا الناس عنه، فينزل وقد علم بأمر الله في السماء ما يحتاج إليه من علم هذِه الشريعة؛ للحكم بين الناس أو (العمل) (٣) فيه في نفسه، فيجتمع المؤمنون ويحكمونه على أنفسهم إذ لا يصلح لذلك غيره. وقد ذهب قوم إلى أن بنزوله يرتفع التكليف؛ لئلا يكون رسولاً إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم وينهاهم، وهو مردود -كما قال القرطبي (٤) - لأنه لا ينزل بشريعة متجددة غير شريعة نبينا إنما يكون من أتباعه (٥)؛ لقوله ﷺ "لو كان موسى" وفي لفظ: "عيسى حيين ما وسعهما إلا اتباعي" (٦)؛ ولما أسلفناه من قول عيسى عن نفسه.

стр. 11727

فصل: حكمة نزوله دون سائر الأنبياء من أوجه: أحدها: تكذيب اليهود في دعواهم قتله وإلاهيته، فيتزوج ويموت. ثانيها: لدنو أجله إذ الترابي لا يدفن إلا فيها؛ عملًا بقوله: ﴿وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ﴾ [طه: ٥٥]. ثالثها: لإظهار معجزة نبينا حيث أخبر بنزوله عن الله. رابعها: لما وجد في الإنجيل صفة (أمة) (١) محمد حسب ما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ﴾ [الفتح: ٢٩] دعا ربه أن يجعله منهم، فأجاب دعاءه ورفعه وأنزله آخر الزمان مجددًا؛ لما درس من دينه، وقتله للدجال من إقامة هذِه الشريعة في إظهار الجهاد. فصل: معنى ("يوشكن") يقربن. وفيه: حلف الصادق؛ ليؤكد قوله. وقوله: ("ويقتل الخنزير") ظاهره فعل ذلك، وقال ابن التين: أي يحرم اقتناءه وأكله، وفيه دلالة على نجاسة عينه وأن سؤره محرم إذ الطاهر المنتفع به لا يؤمر بقتله وإتلافه. نبه عليه الخطابي (٢) والبيهقي، وترجم عليه في "سننه": الدليل على أنه أسوأ حالاً من الكلب (٣).

стр. 11728

ومعنى: ("يضع الجزية") أي لا يقبل من أهل الكتاب إلا الإسلام، فيصير الدين واحدًا، ولا يقبل من ذمي جزية استغناء عنها، وقيل: يقتل أهل الذمة جميعًا، فلا يبقى من يؤدي جزية، وهو نحو الأول، وفي بعض الروايات: "ويضع الحرب" وهو راجع إلا هذا، فتصير الأديان واحدًا، ومعنى فيض المال أن مصرف الجزية يكون إليه فتوضع استغناء عنها، وقد جاء: "يفيض المال حتى لا يقبله أحد". فصل: قوله: ("حتى تكون السجدة" (١)) إلى آخره. كأنه يشير إلى صلاح الناس، وإقبالهم على الخير، فهم كذلك يؤثرون الركعة على الدنيا، ولذلك قرأ أبو هريرة ما قرأ. قاله ابن الجوزي. وقال القرطبي: معناه أن الصلاة حينئذ تكون أفضل من الصدقة، لعدم الانتفاع بالمال يوم ذاك وأهل الحجاز يسمون الركعة: سجدة (٢). وقوله: ("وإمامكم منكم")، يريد أن محمدًا خاتم النبيين، وشريعته متصلة إلى يوم القيامة حصل في كل قرن منهم طائفة من أهل العلم. فصل: قال ابن الجوزي: ولو تقدم عيسى ﷺ وصلى لوقع في النفوس إشكال، ولقالت: أتراه قدم نبيًّا أو مبتدئًا شرعًا؟! فصلى مأمومًا؛ لئلا يتدنس بغبار الشهوة وجهُ قوله: "لا نبي بعدي" (٣).

стр. 11729

فصل: قول أبي هريرة ﵁: واقرأوا إن شئتم: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ يفهم منه أن من أهل الكتاب من يؤمن بعيسى قبل موته بعد نزوله إلى الأرض، وقد بينه أبو هريرة ﵁ في غير هذا الموضع، فقال: قبل موت عيسى (١). وقيل: إلا ليؤمنن بمحمد قبل موت محمد (٢)، ورجح الأول بأن محمدًا لم يجر له ذكر فتصرف الهاء إليه، وإنما ذلك في سياق ذكر عيسى.

стр. 11730

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٥٠ - باب مَا ذُكِرَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ ٣٤٥٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو عَوَانَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ، عَنْ رِبْعِيِّ بْنِ حِرَاشٍ قَالَ: قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو لِحُذَيْفَةَ: أَلَا تُحَدِّثُنَا مَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: إِنِّي سَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ مَعَ الدَّجَّالِ إِذَا خَرَجَ مَاءً وَنَارًا، فَأَمَّا الَّذِى يَرَى النَّاسُ أَنَّهَا النَّارُ فَمَاءٌ بَارِدٌ، وَأَمَّا الذِي يَرَى النَّاسُ أَنَّهُ مَاءٌ بَارِدٌ فَنَارٌ تُحْرِقُ، فَمَنْ أَدْرَكَ مِنْكُمْ فَلْيَقَعْ فِي الَّذِي يَرَى أَنَّهَا نَارٌ، فَإِنَّهُ عَذْبٌ بَارِدٌ». [٧١٣٠ - مسلم: ٢٩٣٤ - فتح: ٦/ ٤٩٤] ٣٤٥١ - قَالَ حُذَيْفَةُ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ رَجُلاً كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَتَاهُ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ، فَقِيلَ لَهُ: هَلْ عَمِلْتَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ: مَا أَعْلَمُ، قِيلَ لَهُ: انْظُرْ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ شَيْئًا غَيْرَ أَنِّي كُنْتُ أُبَايِعُ النَّاسَ فِي الدُّنْيَا وَأُجَازِيهِمْ، فَأُنْظِرُ المُوسِرَ، وَأَتَجَاوَزُ عَنِ المُعْسِرِ. فَأَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ». [انظر: ٢٠٧٧ - مسلم: ١٥٦٠ - فتح: ٦/ ٤٩٤] ٣٤٥٢ - فَقَالَ: وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ: «إِنَّ رَجُلاً حَضَرَهُ المَوْتُ، فَلَمَّا يَئِسَ مِنَ الحَيَاةِ أَوْصَى أَهْلَهُ إِذَا أَنَا مُتُّ فَاجْمَعُوا لِي حَطَبًا كَثِيرًا وَأَوْقِدُوا فِيهِ نَارًا حَتَّى إِذَا أَكَلَتْ لَحْمِي، وَخَلَصَتْ إِلَى عَظْمِي، فَامْتَحَشْتُ، فَخُذُوهَا فَاطْحَنُوهَا، ثُمَّ انْظُرُوا يَوْمًا رَاحًا فَاذْرُوهُ فِي اليَمِّ. فَفَعَلُوا، فَجَمَعَهُ فَقَالَ لَهُ: لِمَ فَعَلْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ. فَغَفَرَ اللهُ لَهُ». قَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَمْرٍو: وَأَنَا سَمِعْتُهُ يَقُولُ ذَاكَ، وَكَانَ نَبَّاشًا. [٣٤٧٩، ٦٤٨٠ - مسلم: ٦٤٨٠ - فتح: ٦/ ٤٩٤] ٣٤٥٣، ٣٤٥٤ - حَدَّثَنِى بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنِي مَعْمَرٌ وَيُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُبَيْدُ اللهِ بْنُ عَبْدِ اللهِ أَنَّ عَائِشَةَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ﵃ قَالَا: لَمَّا نَزَلَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ طَفِقَ يَطْرَحُ خَمِيصَةً عَلَى وَجْهِهِ، فَإِذَا اغْتَمَّ كَشَفَهَا عَنْ وَجْهِهِ، فَقَالَ
следующие страницы →