← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 11656–11695 · переход к 11661.

стр. 11656

الحديث الثاني: حديث عبد الله بن عمرو ﵄ أخبر رسول الله ﷺ أني أقول: والله لأصومن النهار .. سلف في الصوم (١). الحديث الثالث: حديث أبي العباس عن عبد الله بن عمرو بن العاصي قال: قال لي رسول الله ﷺ : "ألم أنبأ أنك تقوم الليل .. " الحديث وسلف في الصوم أيضًا (٢). وأبو العباس: هو السائب بن فروخ المكي الأعمى الشاعر مولى كنانة والد العلاء بن أبي العباس. ومعنى ("هجمت العين"): غارت. ("نفهت النفس"): أعيت وكلت.

стр. 11657

٣٨ - باب أَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، وَأَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ، وَيَنَامُ سُدُسَهُ، وَيَصُومُ يَوْمًا، وَيُفْطِرُ يَوْمًا. قَالَ عَلِيٌّ وَهْوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِي إِلاَّ نَائِمًا. [١١٣٣] ٣٤٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ الثَّقَفِيِّ، سَمِعَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو قَالَ: قَالَ لِى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : «أَحَبُّ الصِّيَامِ إِلَى اللَّهِ صِيَامُ دَاوُدَ، كَانَ يَصُومُ يَوْمًا وَيُفْطِرُ يَوْمًا، وَأَحَبُّ الصَّلَاةِ إِلَى اللَّهِ صَلَاةُ دَاوُدَ، كَانَ يَنَامُ نِصْفَ اللَّيْلِ وَيَقُومُ ثُلُثَهُ وَيَنَامُ سُدُسَهُ». [انظر: ١١٥٩ - فتح: ٦/ ٤٥٥] ثم قَالَ: (عَلِيٌّ: وَهْوَ قَوْلُ عَائِشَةَ: مَا أَلْفَاهُ السَّحَرُ عِنْدِى إِلاَّ نَائِمًا.). ثم ساق حديث عبد الله بن عمرو، قال لي رسول الله ﷺ : "أحب الصيام إلى الله" فذكره سواء. وقد سلف واضحًا.

стр. 11658

٣٩ - باب: ﴿وَاذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُدَ ذَا الأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾ [ص: ١٧ - ٢٠] قَالَ مُجَاهِدٌ: الفَهْمُ فِي القَضَاءِ. ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾ [ص: ٢٢] لَا تُسْرِف ﴿وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاءِ الصِّرَاطِ (٢٢) إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً﴾ [ص: ٢٢، ٢٣] يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ: نَعْجَة، وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا: شَاةٌ، ﴿وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا﴾ [ص: ٢٣] مِثْلُ ﴿وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا﴾ [آل عمران: ٣٧]: ضَمَّهَا. ﴿وَعَزَّنِي﴾ [ص: ٢٣]: غَلَبَنِي، صَارَ أَعَزَّ مِنِّي، أَعْزَزْتُهُ: جَعَلْتُهُ عَزِيزًا. ﴿فِي الْخِطَابِ﴾ [ص: ٢٣]، يُقَالُ: المُحَاوَرَةُ. ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْخُلَطَاءِ﴾ [ص: ٢٤]: الشُّرَكَاءِ ﴿لَيَبْغِي﴾ [ص: ٢٤] إلى قَوْلِهِ: ﴿أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ [ص: ٢٤]. قَالَ ابن عَبَّاسٍ: اخْتَبَرْنَاهُ. وَقَرَأَ عُمَرُ ﵁: ﴿فَتَنَّاهُ﴾ بِتَشْدِيدِ التَّاءِ. ٣٤٢١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ حَدَّثَنَا سَهْلُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: سَمِعْتُ العَوَّامَ، عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ أَسْجُدُ فِى ﴿ص﴾ فَقَرَأَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حَتَّى أَتَى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ [الأنعام: ٨٤ - ٩٠] فَقَالَ: نَبِيُّكُمْ ﷺ مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِىَ بِهِمْ. [٤٦٣٢، ٤٨٠٦، ٤٨٠٧ - فتح: ٦/ ٤٥٥] ٣٤٢٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: لَيْسَ ﴿ص﴾ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ، وَرَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَسْجُدُ فِيهَا. [انظر: ١٠٦٩ - فتح: ٦/ ٤٥٥] ثم ذكر عن مجاهد قال: قلت لابن عباس: أنسجد في ﴿ص﴾ فقرأ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ﴾ حتى أتى ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ فقال ابن عباس: نبيكم ﷺ ممن أُمر أن يقتدي بهم.

стр. 11659

ثم ساق عن ابن عباس ﵄: ليس ﴿ص﴾ من عزائم السجود. وهذا سلف في سجود التلاوة. الشرح: ﴿الْأَيْدِ﴾: القوة ومن قولهم: أيده الله. والأواب: المطيع، قاله قتادة (١) أو الراجع عن الذنوب قاله مجاهد (٢). وأواب على التكثير. وإشراق الشمس: ضوؤها وصفاؤها. وقوله: ﴿وَالطَّيْرَ مَحْشُورَةً كُلٌّ لَهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ١٩] يجوز أن يكون المعنى في (كل) الجبال والطير، أي يرجع مع داود التسبيح، ويجوز أن يعني بقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ﴾: داود والجبال والطير ذكره ابن التين. وقوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ قال مجاهد: لم يكن في الأرض سلطان أعز من سلطانه. قال السدي: كان يحرسه كل ليلة أربعة آلاف (٣). وقال ابن عباس: شددنا ملكه بأن الوحي كان يأتيه. وروي عن ابن عباس اختصم رجلان إلى داود فقال: هذا غصبني بقرًا فجحده الآخر، فأوحى الله إلى داود أن يقتل الرجل الذي استعدى عليه، فأرسل داود إلى الرجل: إن الله أوحى إلى أن أقتلك، فقال الرجل: أتقتلني بغير بينة، فقال: لا نرد أمر الله فيك فلما عرف الرجل أنه قاتله قال: والله ما أخذت بهذا الذنب، ولكني كنت أغلب والد هذا، فقتلته فأمر به داود فقتل، فاشتدت هيبة بني إسرائيل عند

стр. 11660

ذلك، فهو قوله: ﴿وَشَدَدْنَا مُلْكَهُ﴾ (١)، وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ﴾ قيل: هي المعرفة بكتاب الله. وقال السدي: النبوة (٢) وقال مجاهد: عدله. وقول مجاهد: ﴿وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾: الفهم في القضاء (٣). وقال قتادة: فصل القضاء (٤)، وقال الشعبي: الشهود والأيمان (٥). ورواه الحكم عن مجاهد، وروي عن الشعبي أيضًا: هو أما بعد (٦). وقوله: ﴿إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ أي: علوا. والمحراب كل مكان مرتفع، وقوله: ﴿بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ﴾ أي: على جهة المسألة، كما تقول: رجل يقول لامرأته: كذا، ما يجب عليه؟ ﴿وَلَا تُشْطِطْ﴾: لا تسرف كما ذكره، وقال غيره: لا تجر، وشط يشط ثلاثي إذا بَعُد وقرئ به. ﴿سَوَاءِ الصِّرَاطِ﴾: قصد السبيل. وأصح ما روي في قوله: ﴿أَكْفِلْنِيهَا﴾ قول عبد الله بن مسعود وابن عباس ﵄: ما زاد داود على أن قال: انزل لي عنها وضمها إلي (٧). والمعنى -على ما يروى- أن داود سأل أوريا أن يطلق له امرأته كسؤال الرجل بيع جاريته، فعاتبه الله على ذلك لما كان نبيًا، وكان له تسع وتسعون أنكر عليه أن يتشاغل بالدنيا.

стр. 11661

﴿وَعَزَّنِي﴾ غلبني كما في البخاري، وعبارة غيره: قهرني، قاله الحسن وقتادة (١) أي: قهره في المحاروة: ومنه: من عزّ بزّ. وقوله: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ﴾ (أي: سؤاله نعجتك) (٢) وقوله: ﴿وَظَنَّ دَاوُودُ﴾ أي: أيقن. وقراءة (فتناه) بتخفيف النون يعني: الملكين. وقوله: ﴿وَخَرَّ رَاكِعًا﴾ أي: ساجدًا، قال مجاهد: سجد أربعين ليلة من غير أن يسأل ربه شيئًا (٣). وقال سفيان: يروى أنه أقام أربعين يومًا لا يرفع رأسه إلا لصلاة أو حاجة لا بد له منها. قال قتادة: ﴿وَأَنَابَ﴾ أي: تاب (٤). ﴿فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ﴾ احتج به من يرى أنا مخاطبون بشرائع من قبلنا من الأنبياء، وقيل: المراد به التوحيد. والسجود في ﴿ص﴾ عندنا سجدة شكر خلافًا لمالك ويدل عليه قوله: إنها ليس من عزائم السجود، وهو صريح في الرد عليه.

стр. 11662

٤٠ - باب قَولُ الله تَعَالَى: ﴿وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: ٣٠]: الرَّاجِعُ المُنِيبُ، وَقَوْلُهُ: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ [ص: ٣٥]، وَقَوْلُهُ ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ الْقِطْرِ﴾: أذبْنَا لهُ عَيْنَ الحَدِيدِ ﴿وَمِنَ الْجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ﴾ [سبأ: ٢ - ١٣]، قَالَ مُجَاهِدٌ: بُنْيَانٌ مَا دُونَ القُصُورِ ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾: من نحاس (١). ﴿وَجِفَانٍ كَالْجَوَابِ﴾ كَحِيَاضِ الإِبِلِ. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: كَالْجَوْبَةِ مِنَ الأَرْضِ ﴿وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ﴾ [سبأ: ١٣ - ١٤] الأَرَضَةُ ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ [سبأ: ١٤]: عَصَاهُ ﴿فَلَمَّا خَرَّ﴾ إلى: ﴿الْمُهِينِ﴾ [سبأ: ١٤] ﴿حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: ٣٢]، ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ [ص: ٣٣]: يَمْسَحُ أَعْرَافَ الخَيْلِ وَعَرَاقِيبَهَا ﴿الْأَصْفَادِ﴾ [ص: ٣٨]: الوَثَاقُ. قَالَ مُجَاهِدٌ: ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ [ص: ٣١] صَفَنَ الفَرَسُ: رَفَعَ إِحْدى رِجْلَيْهِ حَتَّى تَكُونَ عَلَى طَرَفِ الحَافِرِ. ﴿الْجِيَادُ﴾ [ص: ٣١] السِّرَاعُ. ﴿جَسَدًا﴾ [ص: ٣٦] شَيْطَانًا. ﴿رُخَاءً﴾ [ص: ٣٦]: طَيِّبَةً، ﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]: حَيْثُ شَاءَ. ﴿فَامْنُنْ﴾ [ص:

стр. 11663

٣٩]: أَعْطِ. ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [ص: ٣٩]: بِغَيْرِ حَرَجٍ. ٣٤٢٣ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ البَارِحَةَ لِيَقْطَعَ عَلَيَّ صَلَاتِي، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَخَذْتُهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبُطَهُ عَلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ حَتَّى تَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ دَعْوَةَ أَخِي سُلَيْمَانَ: رَبِّ هَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِى لأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي. فَرَدَدْتُهُ خَاسِئًا». ﴿عِفْرِيتٌ﴾ [النمل: ٣٩]: مُتَمَرِّدٌ مِنْ إِنْسٍ أَوْ جَانٍّ، مِثْلُ زِبْنِيَةٍ جَمَاعَتُهَا: الزَّبَانِيَةُ. ٣٤٢٤ - حَدَّثَنَا خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ، حَدَّثَنَا مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ لأَطُوفَنَّ اللَّيْلَةَ عَلَى سَبْعِينَ امْرَأَةً تَحْمِلُ كُلُّ امْرَأَةٍ فَارِسًا يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، فَقَالَ لَهُ صَاحِبُهُ: إِنْ شَاءَ اللهُ. فَلَمْ يَقُلْ، وَلَمْ تَحْمِلْ شَيْئًا إِلاَّ وَاحِدًا سَاقِطًا إِحْدَى شِقَّيْهِ». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ قَالَهَا لَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللهِ». [٢٨١٩، ٥٢٤٢، ٦٦٣٩، ٦٧٢٠، ٧٤٦٩ - مسلم: ١٦٥٤ - فتح: ٦/ ٤٥٨] قَالَ شُعَيْبٌ وَابْنُ أَبِى الزِّنَادِ: «تِسْعِينَ». وَهْوَ أَصَحُّ. ٣٤٢٥ - حَدَّثَنِي عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ التَّيْمِيُّ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ. أَيُّ مَسْجِدٍ وُضِعَ أَوَّلُ؟ قَالَ: «الْمَسْجِدُ الحَرَامُ». قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: «ثُمَّ المَسْجِدُ الأَقْصَى». قُلْتُ: كَمْ كَانَ بَيْنَهُمَا؟ قَالَ: «أَرْبَعُونَ». ثُمَّ قَالَ: «حَيْثُمَا أَدْرَكَتْكَ الصَّلَاةُ فَصَلِّ، وَالأَرْضُ لَكَ مَسْجِدٌ». [انظر: ٣٣٦٦ - مسلم: ٥٢٠ - فتح: ٦/ ٤٥٨] ٣٤٢٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه - أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَثَلِي وَمَثَلُ النَّاسِ كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا، فَجَعَلَ الفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ تَقَعُ فِي النَّارِ». [٦٤٨٣ - مسلم: ٢٢٨٤ - فتح: ٦/ ٤٥٥] ٣٤٢٧ - وَقَالَ «كَانَتِ امْرَأَتَانِ مَعَهُمَا ابْنَاهُمَا، جَاءَ الذِّئْبُ فَذَهَبَ بِابْنِ

стр. 11664

إِحْدَاهُمَا، فَقَالَتْ صَاحِبَتُهَا: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. وَقَالَتِ الأُخْرَى: إِنَّمَا ذَهَبَ بِابْنِكِ. فَتَحَاكَمَتَا إِلَى دَاوُدَ، فَقَضَى بِهِ لِلْكُبْرَى فَخَرَجَتَا عَلَى سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فَأَخْبَرَتَاهُ، فَقَالَ: ائْتُونِي بِالسِّكِّينِ أَشُقُّهُ بَيْنَهُمَا. فَقَالَتِ الصُّغْرَى: لَا تَفْعَلْ يَرْحَمُكَ اللهُ، هُوَ ابْنُهَا. فَقَضَى بِهِ لِلصُّغْرَى». قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: وَاللهِ إِنْ سَمِعْتُ بِالسِّكِّينِ إِلاَّ يَوْمَئِذٍ، وَمَا كُنَّا نَقُولُ إِلاَّ الْمُدْيَةُ. [٦٧٦٩ - مسلم: ١٧٢٠ - فتح: ٦/ ٤٥٨] الشرح: سليمان قد أسلفنا ترجمته عند ذكر والده في باب قوله تعالى: ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾، وفي الأواب أقوال أخر: أحدها: الذي يذنب ثم يتوب ثم يذنب ثم يتوب، قاله ابن المسيب. ثانيها: المسبح، قاله سعيد بن جبير. ثالثها: المطيع قاله قتادة. رابعها: الذي يذكر ذنبه في الخلاء فيستغفر الله، قاله عبيد بن عمير. خامسها: الراحم. سادسها: التائب. وقال أهل اللغة: الرجَّاع الذي يرجع إلى التوبة (١). وقوله: ﴿وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾ أي: أعطني فضيلة مثل قول إبراهيم ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى﴾ [البقرة: ٢٦٠] وقال قتادة: هب لي ملكًا لا أُسلَبُه كما سُلبتُه (٢). قال ابن جرير: وكان بعض أهل العربية يوجه معنى ﴿لَا يَنْبَغِي﴾ لا يكون لأحد من بعدي (٣).

стр. 11665

وقال ابن عباس: هب لي الشياطين حتى أملكهم وكذا الجن والريح، فوهب الله له ما لا يهبه لأحد حتى تقوم القيامة. وقوله: ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ﴾: سخرها الله له فكان يركب ظهرها بجنوده ومن معه وتغدو به من الشام إلى اصطخر وتروح فترجع إلى مكانها فتسير به مسيرة شهرين في يوم. قال الحسن فيما رواه عبد، عن روح، عن عوف عنه: قال ﷺ : "إن سليمان لما أشغلته الخيل حتى فاتته صلاة العصر، غضب الله فعقر الخيل، فأبدله الله مكانها خيرًا منها وأسرع: الريح التي تجري به كيف يشاء". وقوله في ﴿عَيْنَ الْقِطْرِ﴾ وقال قتادة: عين من نحاس باليمن وإنما يصنع الناس ما أخرج له، وكان يستعملها فيما يريد (١). وعبارة النحاس: أسلنا: أذبنا. قال الأعمش: سيلت له كما يسيل الماء. وقيل: لم يذب النحاس لأحد قبله و ﴿مَحَارِيبَ﴾ قال قتادة؛ والضحاك: مساجد (٢). وقول مجاهد فيه ذكره البخاري. قال: ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ من رخام وشَبه، قال مجاهد: من نحاس (٣). وقول ابن عباس في تفسير الجوابي الجوبة: كالغائط من الأرض. وقيل: هي الحفير المستدير في الأرض. ﴿وَتَمَاثِيلَ﴾ ثابتات لا يزلن عن مكانهن، ترى بأرض اليمن. قاله قتادة (٤).

стр. 11666

(وقال مجاهد: عظام (١)، وقال الداودي: هي التي تجعل علي بناءٍ. ولها) (٢) خواءٌ من أسفلها يوقد عليها منه ليس لها أثاف لعظمها. وأثر مجاهد في ﴿مَحَارِيبَ﴾ و ﴿الصَّافِنَاتُ﴾ رواه عبد بن حميد، عن روح، عن شبل، عن ابن أبي نجيح عنه. وقوله: ﴿اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا﴾ قال مجاهد: لما ذكر الله هذا قال داود لسليمان: إن الله ذكر الشكر، فاكفني صلاة النهار أكفك صلاة الليل. قال: لا أقدر. قال: فاكفني صلاة الظهر. قال: نعم، فكفاه. وقال عطاء: صعد النبي ﷺ المنبر فتلا الآية، فقال: "ثلاث من أوتيهن فقد أوتي مثل ما أوتي داود: العدل في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، وخشية الله في السر والعلانية". وقال الزهري: قولوا: الحمد لله، قال ابنِ عباس: شكرًا على ما أنعم الله به عليكم. وقوله: ﴿تَأْكُلُ مِنْسَأَتَهُ﴾ قال ابن مسعود: أقام حولًا حتى أكلت الأُرَض (٣) عصاه فسقط (٤). وقيل للعصا: منسأة؛ لأنه يؤخذ بها الشيء ويساق، فهي مفعلة من نسأت إذا زجرت الإبل. وقيل: إذا ضربتها بالمنسأة. وقوله: ﴿تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ﴾. قال ابن عباس: كان إذا صلى رأى شجرة يابسة بين يديه، فيسألها: ما اسمك؛ فإن كان لغرس غرست، وإن كانت لدواء كتبت، فبينا هو يصلي ذات يوم إذا شجرة يابسة بين

стр. 11667

يديه، فقال لها: ما اسمك؟ فقالت: الخروب. فقال: لأي شيء؟ فقالت: لخراب هذا البيت. فقال: عَمِّ عن الجن موتي حتى يعلم الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنحتها عصا فتوكأ عليها حولًا " يعلمون فسقطت، فعلمت الإنس أن الجن لا يعلمون الغيب، فنظروا مقدار ذلك فوجدوه (سنة) (١) فشكرت الجن الأرضة (٢). فالمعنى تبين أمر الجن. وفي مصحف ابن مسعود: (تبينت (الإنس) (٣) أن لو كان (الجن) (٤) يعلمون الغيب)، ومن قرأ: (تُبُيِّنَتِ الجن) أراد: تبينت الإنس الجن (٥). وقوله: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ﴾ يريد: اليهود. قال عطاء: كانت الشياطين تسترق السمع، وتلحق بذلك حديثًا كثيرًا. وقيل: صنعوا سحرًا ودفنوه تحت قوائم سريره، فلما مات سليمان أظهروه، قالوا: إنما نال الملك بالسحر، فأكذبهم الله بقوله: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ﴾. وقال ابن عباس: كان آصف كاتب سليمان، وكان يعلم الاسم، فكان يكتب على كل شيء يأمر به سليمان، ويدفنه تحت كرسيه، فلما مات سليمان أخرجته الشياطين، فكتبوا بين كل سطرين سحرًا وكفرًا وكذبًا، وقالوا: هذا الذي كان يعمل به سليمان. فأكفره الجهال وسبوه ووقف العلماء، فلم يزل جهالهم يسبونه حتى أنزل الله الآية على نبيه (٦).

стр. 11668

فصل: قوله ﴿حُبَّ الْخَيْرِ﴾ قال الفراء: الخيل -في كلام العرب- والخير بمعنى. ﴿عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ قال قتادة: عن صلاة العصر (١). وما ذكره في ﴿فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾ هو قول ابن عباس (٢). وقيل: قطع أسوقها وأعناقها، فأبدله الله مكانها خيرًا منها وسخَّر له الريح، ويحمل على أن (ذلك) (٣) ذكاة لها، وأبيح له فعل ذلك. وما ذكره في ﴿الْأَصْفَادِ﴾ قال قتادة: هي الأغلال (٤). وما ذكره عن مجاهد في (صفن) روي عنه: الذي يرفع إحدى رجليه ويقف على ثلاثٍ (٥). وقيل: الذي يقف (على ثلاث) (٦) ويثني سنبك الرابعة، أي: طرف الحافر. وقال الفراء: الصافن: القائم. والجياد جمع جواد، يقال: رجل جيد من قوم أجواد، وفرس جواد من خيل جياد. وقد فسره بالسراع. وقوله: (﴿جَسَدًا﴾ شيطانًا)، قيل: غلب شيطان على ملكه أيامًا، وقيل: قتلت الشياطين ابنه بعده خوفًا أن يملكهم وألقته على كرسيه. والجسد: الصورة التي لا روح فيها، وهي الحية، وقال الخليل: لا يقال الجسد لغير الإنسان من خلق الأرض (٧).

стр. 11669

وقوله: (﴿رُخَاءً﴾: طيبة). قال قتادة: هي اللينة. وقال ابن عباس: مطيعة. وقال الحسن: ليست بعاصفة ولا هيئة بين ذلك. وقوله: (﴿حَيْثُ أَصَابَ﴾ حيث شاء)، حكى الأصمعي أصاب الصواب فأخطأ الجواب أي أراد الصواب. وقوله: (﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ بغير حرج) هو قول مجاهد، قال الحسن: ليس أحد ينعم عليه إلا ويحاسب (على النعمة) (١) إلا سليمان، ثم قرأ هذِه الآية (٢). ثم ذكر في الباب أربعة أحاديث: أحدها: حديث أبي هريرة ﵁ "إن عفريتًا من الجن تفلت عليّ" الحديث تقدم في الصلاة في باب: ما يجوز في العمل فيها (٣). ثم قال: عفريت متمرد من إنس أو جان مثل زِبْنِيَة جمع زبانية. قلت: زِبْنِيَة على مثال عفرية. والزبانية -عند العرب- الشرط، وسمي بذلك بعض الملائكة لدفعهم أهل النار إليها. وأصل الزبن الدفع، قال الأخفش: قال بعضهم: واحدها زباني، وقال بعضهم: زابن، قال: والعرب لا تكاد تعرف هذا، وتجعله من الجمع الذي لا واحد له مثل أبابيل وعباديد.

стр. 11670

الحديث الثاني: حديث أبي هريرة أيضًا ﵁ في قول سليمان بن داود: لأطوفن على سبعين امرأة .. إلى آخره. وقال شعيب وابن أبي الزناد: تسعين. وهو أصح. وقد سلف في الجهاد. الحديث الثالث: حديث أبي ذر ﵁ قلت: يا رسول الله ﷺ أي مسجدٍ وضع أول؟ سلف قريبًا. الحديث الرابع: حديث أبي هريرة ﵁ أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: "مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارًا فجعل الفراش وهذِه الدواب تقع في النار". وقال: كانت امرأتان معهما ابناهما جاء الذئب فذهب بابن إحداهما فتحاكمتا إلى داود .. الحديث. وفيه: "ائتوني بالسكين أشقه بينكما". قال أبو هريرة: والله إن سمعت بالسكين إلا يومئذ وما كنا نقول إلا المدينة. وهما حديثان جمع بينهما، وقد أخرج الثاني في الفرائض، والحديث الأول مختصر، وتمامه: "فجعل يزعهن (١) ويغلبنه فيقتحمن فيها فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها" (٢). لا جرم قال ابن التين: فيه اختصار. ومعناه أنه حذرهم فجعلوا يتهافتون فيما يوضعهم في النار كما فعلت هذِه إلا من عصم الله.

стр. 11671

ولمسلم عن جابر ﵁ مرفوعًا: "مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارًا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي" (١). وأخرج مسلم حديث المرأتين في القضاء (٢). فصل: الفراش: بفتح الفاء. قال الخليل: يطير كالبعوض. وقيل: هو كصغار البق. وقال الفراء: هو غوغاء الجراد الذي ينفرش ويتراكب ويتهافت في النار. واستوقد: أوقد. والسين والتاء زائدتان. وهذا مثل لاجتهاده وحرصه على تخليصنا من الهلاك وغلبة شهواتنا وظفر عدونا اللعين بنا صرنا أحقر من الفراش. والجنادب: الجراد. واحدها جندب مثلث الدال. والتقحم: الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة من غير تثبت. والحجز: جمع حجزة، وهو معقد الإزار والسروايل و (آخِذ): بكسر الخاء وتنوين الدال على المشهور على أنه اسم فاعل، وروي بضم الخاء بغير تنوين على أنه فعل مضارع. وادعى ابن العربي أن الخلق لا يأتون ذلك على قصد الهلكة، وإنما يأتونه بقصد النجاة والمنفعة. كالفراش الذي يقتحم الضياء ليس مرداه الهلاك ولكنها لتأنس به، وهي لا تبصر بحال حتى قال بعضهم: إنها في ظلمة فتعتقد أن الضياء كوة يستطير فيها النور فتقصدها لأجل ذلك، فتحرق وهي لا تشعر، وذلك هو الغالب من أحوال الخلق أو كله (٣).

стр. 11672

فصل: حديث المرأتين أشكل على كثير من الشراح حتى قال بعضهم: إن هذا لم يكن من داود حكمًا وإنما كان فتيا. قال الدوادي: الذي كان من قصة داود وسليمان إنما هو كالتشاور. وليس كما ظن فإنه نص على الحكم، وفتيا النبي كحكمه إذ يجب تنفيذه. وادعى بعضهم أن ذلك من شرع داود أن يحكم به للكبرى أي من حيث هي كبرى. وهو غلط؛ لأن اللفظ ليس نصًّا فيه؛ ولا الكبر والصغر طرد محض عند الدعاوى كالطول والقصر، والسواد والبياض، فلا يوجب شيء من ذلك ترجيحًا لأحد من المتداعيين حتى يحكم له أو عليه، والذي ينبغي أن يقال -كما نبه عليه القرطبي-: أنه إنما حكم به للكبرى لمرجح عنده لم يذكره هنا، فيمكن أن يقال: إن الولد كان في يدها وعلم عجز الأخرى عن بينة فقضى به لها. وهو حسن. وفعل سليمان ليس نقضًا لحكم والده وإنما ظهر له من القرينة في الصغرى دون الكبرى، أو لعله كان ممن يسوغ له أن يحكم بعلمه، ولعلها اعترفت عند ذلك، وهو من باب تبدل الأحكام لسبب تبدل الأسباب (١)، وذكر النووي أنه فعل ذلك تحيلًا على إظهار الحق، فلما أقرت به الصغرى عمل بإقرارها، وإن كان الحكم قد نفذ كما لو اعترف المحكوم له بعد الحكم أن الحق لخصمه (٢). قال ابن الجوزي: وإنما حكما بالاجتهاد إذ لو كان بنص لما ساغ خلافه (٣)، وهو قال على أن الفطنة والفهم موهبة، ولا التفات -كما قال

стр. 11673

القرطبي- لقول من يقول: إن الاجتهاد إنما يسوغ عند فقد النص، والأنبياء لا يفقدون النص، فإنهم متمكنون من استطلاع الوحي وانتظاره. والفرق بينهم وبين غيرهم قيام العصمة بهم عن الخطأ. وعن التقصير في الاجتهاد بخلاف غيرهم. فصل: فيه من الفقه استعمال الحكام الحيل التي تستخرج بها الحقوق، وذلك يكون عن قوة الذكاء والفطنة وممارسة أحوال الخلق، وقد يكون في أهل التقوى فراسة دينية، وتوسمات نورية. فصل: قولها: (لا تفعل يرحمك الله) جاء في رواية: (لا، يرحمك الله) (١) وينبغي أن يقف على (لا) دقيقة حتى يتبين للسامع أن ما بعده كلام مستأنف؛ لأنه إذا وصل ما بعد (لا) توهم السامع أنه دعاء عليه كما قال الصديق لرجل قال له: لا يرحمك الله: لقد علمتم لو علمتم قل: لا، ويرحمك الله. فصل: فيه حجة لمن يقول باستلحاق الأم، وهو خلاف مشهور مذهب مالك، ولا يلحق عنده بأحدهما إلا ببينة (٢). فائدة: المدية مثلثة الميم، سميت بذلك لأنها تقطع مدى الحياة. والسكين يذكر ويؤنث، ويقال سكينة؛ لأنها تسكن حركة الجيوان.

стр. 11674

٤١ - باب قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿فَخُورٍ﴾ [لقمان: ١٢ - ١٨] ﴿تُصَعِّرْ﴾ [لقمان: ١٨]: الإِعْرَاضُ بِالْوَجْهِ. ٣٤٢٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ [الأنعام: ٨٢] قَالَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ ﷺ : أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَنَزَلَتْ: ﴿لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. [لقمان: ١٣] [انظر: ٣٢ - مسلم: ١٢٤ - فتح: ٦/ ٤٦٥] ٣٤٢٩ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ﵁ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتِ: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ شَقَّ ذَلِكَ عَلَى المُسْلِمِينَ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيُّنَا لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ؟ قَالَ: «لَيْسَ ذَلِكَ، إِنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ، أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهْوَ يَعِظُهُ: ﴿يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾. ثم ذكر حديث عبد الله ﵁ لما نزلت: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ﴾ الحديث من طريقين، وقد سلف قريبًا (١)، وأنه سلف في الإيمان. وشيخه في الثاني: (إسحاق) هوابن إبراهيم كما صرح به أصحاب الأطراف. و (لقمان) قيل: هوابن باعور بن ناحر بن تارح وهو آزر أبو إبراهيم.

стр. 11675

وقيل: ابن عنقا ابن سرون ذكره السهيلي (١)، عاش ألف سنة، وأدرك داود وأخذ عنه العلم، وكان يفتي قبل مبعث داود، فلما بعث داود قطعها، وكان من أهل أيلة، وقيل: كان تلمذ ألف نبي. واختلف في نبوته فقال ابن المسيب: كان من سودان مصر ذو مشافر وكان نبيًّا، وعنه: أعطاه الله الحكمة ومنعه النبوة، وعنه: أنه كان خياطًا، وعن عكرمة -فيما ذكره الحوفي-: كان نبيًّا، وقيل: كان عبدًا صالحًا مملوكًا لبني الحسحاس من الأزد. وعن ابن أبي حاتم عن مجاهد: كان عبدًا أسود عظيم الشفتين مشقق القدمين. وقال ابن عباس: كان عبدًا حبشيًا نجارًا. وفي "المعاني" للزجاج: نجادًا. بالدال المهملة، وقيل: كان راعيًا ووقف عليه إنسان وهو في مجلسه، فقال له: ألست الذي كنت ترعى في مكان كذا وكذا؟ قال: بلى قال: فما بلغ بك ما أرى؟ قال: صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني (٢).

стр. 11676

وقال جابر بن عبد الله: كان قصيرًا أفطس من النُّوبة، وقيل: كان نوبيًّا لرجل من بني إسرائيل فأعتقه (١). وقال ابن قتيبة: لم يكن نبيًّا في قول أكثر الناس، أي بل كان عبدًا صالحًا. وقال الواقدي: كان يحكم ويقضي في بني إسرائيل، وزمنه ما بين عيسى ومحمد ﷺ وقال وهب: كان ابن أخت أيوب، وقال مقاتل: زعموا أنه ابن خالته، وكان في زمن داود، ومر يومًا وداود يصنع درعًا، وكانت للدروع قبل ذلك صفائح، فلم يدر لقمان ما يصنع فوقف حتى أتم داود الدرع ولبسها، عرف لقمان ما يراد به فقال له: الصمت حكمة، وقليل فاعله. وقالوا له: ما بلغ ما نرى؟ يريدون الفضل، قال: صدق الحديث، وأداء الأمانة، وترك ما لا يعنيني. وقال وهب: قرأت من حكمته أرجح من عشرة آلاف باب. وقال مجاهد: الحكمة التي أوتيها العقل والفقه والصواب من الكلام من غير نبوة. ويذكر أنه قال لابنه، واسم ابنه داران: يا بني إذا نزل بك ما تحب أو تكره فليكن المضمر من نفسك أن الذي نزل خير. فكان ابنه يقول له: قد ينزل كذا؟ فيقول: هو ما أقول لك. فسافر مرة مع قوم، فلما كانوا بفلاةٍ من الأرض فني زاد لقمان وعطب ظهره وانكسرت رجل ابنه وذهب القوم وتركوه، فجعل لقمان ينكر على ابنه، فقال: يا أبة ألم تكن تقول: لا ينزل بك من الأمر ما تحب أو تكره إلا كان المضمر من نفسك أن الذي نزل خير؟ قال: نعم هو كذلك. قال: ألا ترى ما نحن فيه؟ فنودي لقمان، وابنه يسمع: يا لقمان إن الله إنما فعل بك هذا؛ لأنه

стр. 11677

يريد عذاب القوم الذين أردتهم فأراد نجاتك. أو نحو هذا، قال: أسمعت يا بني؟ قال: بلى. قال: وأيقنت؟ قال: بلى. وقوله: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، قاله الأصمعي وغيره، قال غيره: المشرك ينسب نعمة الله إلى غيره، وقيل: هو ظالم لنفسه. وقوله: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ﴾ الآية فيها تقديم وتأخير، والمعنى ووصينا الإنسان أن اشكر لي ولوالديك. ثم قال: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ﴾ قيل: نزلت في سعد بن أبي وقاص. وقوله: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ﴾ هذا على التمثيل كما قال: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ (٧)﴾ [الزلزلة: ٧]، قال سفيان: بلغني أنها الصخرة التي عليها الأرضون. ويروى أن لقمان سأله عن حبة وقعت في مغاص البحر فأجابه بذلك. قال مالك ﴿يَأْتِ بِهَا الله﴾: يعلمها فإنه لطيف خبير. قال أبو العالية: لطيف باستخراجها خبير بمكانها. وقوله: ﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ﴾ هي قراءة الجحدري أي: لا تكسر أو تشدق. قال أبو الجوزاء: يقول بوجهه هكذا ازدراءً بالناس وأصله من الصعر وهو داء يأخذ الإبل تلوي منه أعناقها (١).

стр. 11678

٤٢ - باب: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا﴾ قَالَ مُجَاهِدٌ: شدَّدْنَا. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿طَائِرُكُمْ﴾ [يس: ١٩]: مَصَائِبُكُمْ. القرية -فيما ذكره عكرمة وغيره- أنطاكية، قال السهيلي: نسبت إلى أنطنفس وهو اسم الذي بناها غُيِّرَ لما عُرِّب (١). وقد اختلف أهل العلم في هؤلاء الرسل فعن قتادة أرسلهم عيسى اثنين من الحواريين فكذبوهما فعززنا بثالث، وكذا ذكره ابن عباس ومقاتل. وقال وهب: كان بأنطاكية فرعون من الفراعنة يقال له: أنطبجنين يعبد الأصنام فبعث الله إليه ثلاثة: صادق وصدوق وسلوم حكاه ابن جرير (٢). وقال غيره: اثنين ثم بثالث، قال ابن التين: وهو قول الجماعة، وقال مقاتل: هم تومان وبولس والآتي ثالثًا شمعون وكان من الحواريين ووصي عيسى ﷺ . قال ابن عباس: فجعلهم الله بعد عيسى أنبياء، وذكر السهيلي فيهم: يوحنا (٣).

стр. 11679

ومعنى ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا﴾: اذكر، وذكر ابن التين عن الفراء أن الثالث أرسل قبل الاثنين فيه (١)، وفي التلاوة كأنه أرسل بعدهما قال: ومعنى ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾ فعززنا بتعليم الثالث، وفي قراءة ابن مسعود: (فعززنا بالثالث)، وقرأ عاصم (فعززنا) خفيفة. قال: وهذا مثل شدَّدنا وشَدَدنا، قال ابن التين: والمعروف في اللغة أن عززنا: قهرنا وغلبنا والمستقبل يعز بالضم. قال الطبري: القراءة عندنا التشديد؛ لإجماع الحجة من القَرَأَةِ عليه ومعناه إذا شدد: فقوينا، وإذا خفف: فغلبنا وليس لغلبنا في هذا الموضع كبير معنى (٢). وقوله: (﴿طَائِرُكُمْ﴾: مصائبكم)، وقال ابن عباس: الأرزاق والأقدار تتبعكم. وأثر مجاهد أخرجه الطبري من طريق ابن أبي نجيح عنه، وفي رواية عنه: زدنا. وأثر ابن عباس أخرجه الطبري أيضًا من حديث ابن إسحاق فيما بلغه عن ابن عباس، وعن كعب ووهب ﴿طَائِرُكُمْ مَعَكُمْ﴾ أي: أعمالكم (٣). وورى الضحاك عن جويبر، عن ابن عباس يعني: شؤمكم معكم.

стр. 11680

٤٣ - باب قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿ذِكْرُ رَحْمَةِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّاءَ (٢)﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا﴾ [مريم: ٢ - ٧] قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: مِثْلاً. يُقَالُ: ﴿رَضِيًّا﴾: مَرْضِيًّا. ﴿عِتِيًّا﴾: عَصِيًّا عتا يَعْتُو. ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِى غُلَامٌ﴾ إِلَى قَوْلِهِ: ﴿عِتِيًّا﴾ قَوْلِهِ: ﴿ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا﴾ [مريم: ٨ - ١٠] يُقَالُ: صَحِيحًا، ﴿فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ مِنَ الْمِحْرَابِ فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ﴾ [مريم: ١١]: فَأَشَارَ. إِلَى قَوْلِهِ: ﴿يُبْعَثُ حَيًّا﴾ [مريم: ١٢ - ١٥] ﴿حَفِيًّا﴾ [مريم: ٤٧]: لَطِيفًا، ﴿عَاقِرًا﴾ [مريم: ٨] الذَّكَرُ وَالأُنْثَى سَوَاءٌ. ٣٤٣٠ - حَدَّثَنَا هُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ مَالِكِ بْنِ صَعْصَعَةَ أَنَّ نَبِىَّ اللهِ ﷺ حَدَّثَهُمْ عَنْ لَيْلَةَ أُسْرِيَ: «ثُمَّ صَعِدَ حَتَّى أَتَى السَّمَاءَ الثَّانِيَةَ فَاسْتَفْتَحَ، قِيلَ: مَنْ هَذَا؟ قَالَ جِبْرِيلُ. قِيلَ: وَمَنْ مَعَكَ؟ قَالَ: مُحَمَّدٌ. قِيلَ: وَقَدْ أُرْسِلَ إِلَيْهِ؟ قَالَ: نَعَمْ. فَلَمَّا خَلَصْتُ، فَإِذَا يَحْيَى وَعِيسَى وَهُمَا ابْنَا خَالَةٍ. قَالَ: هَذَا يَحْيَى وَعِيسَى فَسَلِّمْ عَلَيْهِمَا. فَسَلَّمْتُ، فَرَدَّا ثُمَّ قَالَا: مَرْحَبًا بِالأَخِ الصَّالِحِ وَالنَّبِيِّ الصَّالِحِ». [انظر: ٣٢٠٧ - مسلم: ١٦٤ - فتح: ٦/ ٤٦٧] ثم ذكر قطعة من حديث الإسراء من حديث أنس عن مالك بن صعصعة، فيه ذكر عيسى ويحيى في السماء الثانية وهما ابنا خالة، وقد سلف. وأثر ابن عباس رواه ابن اسحاق، عن يوسف بن مهران عنه. وزكريا هو ابن آوي بن برخيا بن مسلم بن صدوق بن بخشان بن داود بن سليمان بن مسلم بن صديقة بن برخيا بن صفاينا بن ناحور بن

стр. 11681

شلوم بن نهشافاط بن أسا بن رجيعم بن سليمان بن داود. قال ابن إسحاق: كان زكريا وابنه آخر من بعث في بني إسرائيل من أنبيائهم، قال ابن إسحاق: عدت بنو إسرإئيل عليه ليقتلوه، فمر بشجرة، فانفلقت له، فدخل فيها، فاصطكت عليه، فأدركه الشيطان، فأخذ بهدبة ثوبه، فبرزت من ساق الشجرة، فلما جاءوا أراهم إبليس إياها، فوضعوا المنشار على الشجرة فنشروه حتى قطعوه من وسطه في جوفها. قال: وبعض أهل العلم يقول: إن زكريا مات موتًا والذي فُعِلَ به ما ذكرنا هو أشعيا الذي كان قبل زكريا. وأما يحيي فذكر عبد الله بن الزبير أن قتله كان بأمر بغي اسمها أزيل بنت إحاب، وكان ملكًا في بني إسرائيل أرادت أن يتزوجها أبوها، قال ابن إسحاق: وكان قتله قبل رفع عيسى وقبل قتل أبيه، وقتل بختنصر على دمه سبعين ألفًا، فلم يسكن حتى جاء الذي قتله، فقال: أنا قتلته، فقتله عليه فسكن. فصل: قال يونس: كان الحسن يرى أن يدعو الإمام في القنوت، ويؤمن من خلفه من غير رفع صوت، وتلا يونس: ﴿إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا (٣)﴾ [مريم: ٣]. وقوله: ﴿وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي﴾ قال أبو صالح: الكلالة، وقال مجاهد: العصبة (١)، وقال أبو عبيدة: يعني: بني العم. قال: وقوله: ﴿مِنْ وَرَائِي﴾ أي: من قدامي (٢)، وقال أهل التفسير: من بعدي.

стр. 11682

وقال سعيد بن العاصي: أملى على عثمان بن عفان (خفَّت الموالي) بتشديد الفاء وكسر التاء، وقال: معناه: قلَّت (١). وقوله: ﴿وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا﴾ أي: لا تلد كأن بها عقرًا يمنعها من الولادة، وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ قال أبو صالح: يكون نبيًّا كما كانوا أنبياء، قال مجاهد: كانت وراثته علمًا، وكان زكريا من آل يعقوب (٢). وقال الحسن ﴿يَرِثُنِي﴾ أي: يرث مالي ﴿وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ النبوة، أنكره [أبو] (٣) إسحاق وقال: يبعد أن يكون نبي يشفق أن يورث ماله لحديث: "إنا معشر الأنبياء لا نورث ما تركنا" (٤) وما ذكره عن ابن عباس في قوله: ﴿سَمِيًّا﴾: (مِثْلًا) روي عنه أيضًا: لم نُسَمِّ أحدًا قبله بيحيى. وقوله: (عتا يعتو)، قال مجاهد: هو نحول العظم (٥)، ويروى أن ابن مسعود قرأ (عتيا)، وقال: عتا يعتو، وعسا يعسو إذا بلغ النهاية - (٦) في الشدة والكبر، قال قتادة: كان ابن بضع وسبعين سنه. وأصل عتا يعتو بالواو فجعل بالياء؛ لاعتدال رءوس الآي، وقال

стр. 11683

الجوهري: لما توالت ضمتان كسرت الثانية وانقلبت الواو ياء (١). وقوله: ﴿سَوِيًّا﴾ يقال: صحيحًا، قال عكرمة وقتادة والضحاك: أي من غير خرس (٢). والمحراب قال أهل التفسير: كان موضعًا مرتفعًا وما ذكره في أوحى قاله قتادة (٣)، وروي عن الضحاك قال: كتب لهم بذلك الوحي. ومعنى ﴿سَبِّحُوا﴾: صلوا. ﴿بِقُوَّةٍ﴾: بجد (وعون) (٤) من الله. وقوله: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا﴾ قال معمر: بلغنا أن الصبيان قالوا ليحيي وهو صبي: تعال نلعب فقال: ما للعب خلقنا (٥). قال عكرمة: ﴿الْحُكْمَ﴾: اللب، قال قتادة: كان ابن سنتين أو ثلاث. ﴿وَحَنَانًا﴾ قال عكرمة: الرحمة (٦) وأصله عند أهل اللغة من حنين الناقة ﴿وَزَكَاةً﴾ قال قتادة: العقل الزاكي الصالح (٧)، وقال قتادة: الصدقة (٨). وقوله: ﴿وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ﴾ قال الحسن: لما لقي يحيى عيسى قال له

стр. 11684

يحيى: أنت خير مني قال له عيسى: بل أنت خير مني سلام الله عليك وسلمت على نفسي (١). وقيل: أم عيسى إذا لقيت أم يحيى وهما حاملتان بهما يسجد يحيى لعيسى في البطن. ويقال: إن يحيي سأل عيسى أن يريه إبليس في الصورة التي خلقه الله فيها، فأراه إياه وقد غشي إبرته من رأسه إلى قدمه فقال: ما هذِه؟ قال: التي أصيب بها الناس، قال له: بالذي جعل عليك اللعنة هل أصبتني بشيء منها؟ فأومأ إليه إلى شيء عند ظفر من أصابع رجليه، قال: ما هذا؟ قال: أنت تصوم فإذا أفطرت حببتُ إليك الطعام فتثقل عن الصلاة، قال: والذي جعل عليك اللعنة لا أطعم شيئًا مما تعمل أيدي الناس فكان يأكل بقل البرية (٢). ويقال: إنه يلقى الله بغير ذنب وفيه حديث (٣).

стр. 11685

وقوله: (﴿حَفِيًّا﴾: لطيفًا)، زاد غيره بارًّا أي: كان يجيبني إذا دعوته. وقيل: حفيت به: بالغت في إكرامي إياه والمعنى واحد.

стр. 11686

٤٤ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا (١٦)﴾ [مريم: ١٦] ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥]. وقوله : ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣)﴾ إِلَى قَوْلِهِ ﴿بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [آل عمران: ٣٣ - ٣٧]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: وَآلُ عِمْرَانَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ آلِ إِبْرَاهِيمَ، وَآلِ عِمْرَانَ، وَآلِ يَاسِينَ، وَآلِ مُحَمَّدٍ ﷺ ، يَقُولُ ﴿إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ [آل عمران: ٦٨] وَهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَيُقَالُ: آلُ يَعْقُوبَ، أَهْلُ يَعْقُوبَ. فَإِذَا صَغَّرُوا آلَ ثُمَّ رَدُّوهُ إِلَى الأَصْلِ فقَالُوا: أُهَيْلٌ. ٣٤٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ - رضى الله عنه -: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: «مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا». ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﴿وَإِنِّى أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ [آل عمران: ٣٦] [انظر: ٣٢٨٦ - مسلم: ٢٣٦٦ - فتح: ٦/ ٤٦٩] ثم ذكر حديث أبي هريرة ﵁ السالف: "مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يَمَسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، غَيْرَ مَرْيَمَ وَابْنِهَا". الحديث. ومريم هي بنت عمران بن ناشي بن أموز بن ينشي بن حزقيا بن أحرى بن عوزنا بن أمضيا بن ياوش بن يارم بن نهياشاط بن أسا بن رجيعم بن سليمان.

стр. 11687

واختلف في نبوتها كما سلف وهي صديقة بنص القرآن، قال الحسن: ليس من الجن نبي ولا من النساء نبية، وقال ابن وهب وجماعة: إنها نبية. ومعنى: ﴿اصْطَفَى آدَمَ﴾ آخره: اختارهم وهذا تمثيل؛ لأن الشيء الصافي هو النقي من الكدر وصفوة الله الأنقياء من الدنس ﴿عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ أي: عالمي زمانهم، قاله المفسرون. ﴿مُحَرَّرًا﴾: خالصًا لله لا يشوبه شيء من أمر الدنيا، قاله مجاهد (١) وعكرمة، وقيل: معتقًا من خدمة أبويه بخدمة بيت الله. (وآل إبراهيم): إبراهيم و (آل عمران): مريم وأختها أم يحيى وعيسي ويحيي، و (آل يعقوب) هو إسرائيل- بنو إسرائيل جميعًا. وقوله: ﴿وَضَعْتُهَا أُنْثَى﴾ قال ابن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يقبل في النذر إلا الذكور فقبل لله مريم. ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾ في الكلام تقديم وتأخير حقيقته إني وضعتها أنثى وليس الذكر كالأنثي، قال الله: ﴿وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ﴾. ومن ضم تاء (وضعتُ) (٢) فالكلام عنده متسق لا تقديم فيه ولا تأخير (٣). وقول البخاري: (وآل إبراهيم وآل عمران وآل ياسين وآل محمد) ظاهره أن آل ياسين غير آل محمد، وقال ابن عُزير: من قرأ: (سلام

стр. 11688

على آل ياسين) أي: على آل محمد، ومن قرأ (إلياسين) قيل: هو إلياس وأهل دينه، وقيل: إلياس وإلياسين واحد مثل ميكال وميكائيل. وقوله: (تصغيره أهيل) قال النحاس: ولذلك إذا كنيت لم تقل إلا أهله، وأنكر ذلك من قال: يجوز آله وأهله. والرزق: فاكهة الشتاء في الصيف وعكسه. وقوله: ﴿أَنَّى لَكِ هَذَا﴾. قال أبو عبيدة: المعنى من أين لك، وأنكر ذلك عليه؛ لأن أين سؤال عن موضع، وأنى سؤال عن المذاهب والجهات، والمعنى: من أي الجهات والمذاهب لك هذا (١).

стр. 11689

٤٥ - باب: ﴿وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ﴾ إلى قوله ﴿أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ﴾ [آل عمران: ٤٣ - ٤٤] يُقَالُ ﴿يَكْفُلُ﴾ يَضُمُّ، ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ [آل عمران: ٣٧]: ضَمَّهَا، مُخَفَّفَةً لَيْسَ مِنْ كَفَالَةِ الدُّيُونِ وَشِبْهِهَا. ٣٤٣٢ - حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قَالَ: سَمِعْتُ عَلِيًّا - رضى الله عنه - يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ «خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ ابْنَةُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ». [٣٨١٥ - مسلم: ٢٤٣٠ - فتح: ٦/ ٤٧٠] معنى ﴿وَطَهَّرَكِ﴾ أي: من الدنس أو من الحيض ﴿عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ قيل: أي عالمي زمانها وعلى جميع النساء بعيسي، فلم تلد من غير ذكر غيرها ﴿اقْنُتِي﴾: هو القيام أو الطاعة ﴿وَاسْجُدِي وَارْكَعِي﴾ كان من شريعتهم كذلك، أو الواو لا ترتيب فيها. ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ معناه: قبلها وتحملها، وقال أبو عبيدة وأبو منصور ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ مخففًا: ضمن المقام بها (١)، وهذا خلاف ما ذكره البخاري. وقال ابن فارس نحو قوله في كفل به: إذا ضمه، وكفله إذا أعانه (٢). وقال أبو منصور: ﴿وَكَفَّلَهَا﴾ مشددًا أي: كفل الله زكريا إياها.

стр. 11690

٤٦ - باب قَوْلِهِ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ﴾ [آل عمران: ٤٥] ﴿يُبَشِّرُكِ﴾ وَ (يَبْشُرُكِ) وَاحِدٌ. ﴿وَجِيهًا﴾ [آل عمران: ٤٠] شَرِيفًا. وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: ﴿الْمَسِيحُ﴾ [آل عمران: ٤٠]: الصِّدِّيقُ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: الكَهْلُ: الحَلِيمُ، وَالأَكْمَهُ: مَنْ يُبْصِرُ بِالنَّهَارِ وَلَا يُبْصِرُ بِاللَّيْلِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: مَنْ يُولَدُ أَعْمَى. ٣٤٣٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ قَالَ: سَمِعْتُ مُرَّةَ الْهَمْدَانِيَّ يُحَدِّثُ، عَنْ أَبِي مُوسَى الأَشْعَرِيِّ - رضى الله عنه - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ، كَمَلَ مِنَ الرِّجَالِ كَثِيرٌ، وَلَمْ يَكْمُلْ مِنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ». [انظر: ٤٣١١ - مسلم: ٢٤٣١ - فتح: ٦/ ٤٧١] ٣٤٣٤ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «نِسَاءُ قُرَيْشٍ خَيْرُ نِسَاءٍ رَكِبْنَ الإِبِلَ، أَحْنَاهُ عَلَى طِفْلٍ، وَأَرْعَاهُ عَلَى زَوْجٍ فِي ذَاتِ يَدِهِ». يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَلَى إِثْرِ ذَلِكَ: وَلَمْ تَرْكَبْ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ بَعِيرًا قَطُّ. تَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ، عَنِ الزُّهْرِيِّ. [٥٠٨٢، ٥٣٦٥ - مسلم: ٢٥٢٧ - فتح: ٦/ ٤٧٢] وأصل بشر: أظهرت في وجهه السرور، وفيه التشديد والتخفيف كما ذكره. وفي تسمية عيسى بالكلمة أقوال: أحدها: أنه لما قال الله: كن فكان، سماه بالكلمة فالمعنى قد كلمه الله، وقيل: سمي بها، كما يقال: عبد الله وألقاها على اللفظ.

стр. 11691

وقيل: لما كانت الأنبياء بشرت به وأعلمت أنه يكون من غير فحل، وبشر الله به مريم في قوله: ﴿لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا﴾ [مريم: ٩]، فلما ولدته على تلك الصفة قال الله: هذِه كلمتي. كما تخبر بالشيء، فإذا كان قيل: هذا قولي. وقيل: سمي كلمة؛ لأن الناس يهتدون به كما يهتدون بالكلمة. وقوله: ﴿وَجِيهًا﴾: شريفًا (الكهل) هو: الحليم، قاله مجاهد (١) كما نقله عنه البخاري، وأسنده عبد بن حميد من حديث ابن أبي نجيح عنه، زاد غيره وهو الذي تجاوز ثلاثين سنة، وقيل: أربعين سنة، وقيل: ابن ثلاث وثلاثين سنة. وقال يزيد بن أبي حبيب: الكهل: منتهى الحلم (٢)، والفائدة في قوله: ﴿وَكَهْلًا﴾ أنه أعلمها أنه يعيش إلى حينئذ، وقال ابن عباس: إذا أنزله الله أنزله ابن ثلاث وثلاثين سنة فيقول: إني عبد الله كما قال في المهد، وقال ابن فارس: الكهل: الرجل وَخَطَه الشيب (٣). وقد أسلفنا في تسمية المسيح أقوالاً: الصدِّيق كما ذكره البخاري، عن إبراهيم، أو لحسنه، أو لأنه كان يقطع الأرض ويمسحها لسياحته في الأرض فتارة كان بالشام وتارة بمصر، (والمهامي) (٤) والقفار، مفعل وعلى الأول فعيل، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بالدهن، أو لأن زكريا مسحه، أو أنه اسم خصه الله به، أو لأنه كان لا أخمص

стр. 11692

برجله، أو لأنه لا يمسح ذا عاهة إلا برئ، أو لأنه كان يلبس المسوح قاله الداودي، أو لأنه مسح بالبركة حين ولد، قال تعالى: ﴿وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ﴾ [مريم: ٣١]، أو لأن الله تعالى مسح الذنوب عنه. (والأكمه: من يبصر بالنهار ولا يبصر بالليل) قاله مجاهد (١)، (وقال غيره: من يولد أعمى) ذكره البخاري (٢). وزاد الهروي: من عمي بعد الولادة. وقال الضحاك وابن فارس: إنه الأعمى (٣). ذكر البخاري في الباب الأول (أحد عشر) (٤) حديثًا وحديثين في الباب الثاني. أما الحديث الذي في الباب الأول فأخرجه من حديث النضر عن هشام، عن أبيه، عن عبد الله بن جعفر، عن علي ﵁، عن رسول الله ﷺ : "خير نسائها مريم بنت عمران، وخير نسائها خديجة" وسيأتي في فضائل خديجة وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح والنسائي (٥). قال الدارقطني: رواه ابن جريج وابن إسحاق عن هشام، عن أبيه فقالا: عن عبد الله بن الزبير، عن عبد الله بن جعفر، عن علي،

стр. 11693

والصواب حذفه (١)، وذكر ابن عبد البر أن ابن جريج رواه أيضًا بإسقاطه كالجماعة، قال الدارقطني: ورواه أيضًا (عبيد الله) (٢) ومحمد ابنا المنذر بن عبيد الله بن المنذر بن الزبير، عن هشام، عن أبيه، عن ابن جعفر، وأغربا بحديث آخر بهذا السند لم يتابعهما غيرهما وهو أنه ﷺ بشر خديجة ببيت من قصب اللؤلؤ. وقال حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه أنه ﷺ قال: "خير نسائها" فذكره مرسلًا (٣). قلت: وله شواهد، فللنسائي من حديث علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "أفضل نساء أهل الجنة خديجة وفاطمة ومريم وآسية" (٤) ولابن عبد البر من حديث موسى بن عقبة، عن كريب، عن ابن عباس ﵄ مرفوعًا: "سيدة نساء أهل الجنة بعد مريم خديجة وفاطمة وآسية" وللترمذي من حديث معمر عن قتادة، عن أنس مرفوعًا: "حسبك من نساء العالمين مريم وخديجة وفاطمة وآسية" (٥) وهذا الضمير عائد إلى غير مذكور، لكنه يفسره الحال والمشاهدة يعني به الدنيا، نبه عليه القرطبي. وفي رواية: وأشار وكيع إلى السماء والأرض، يريد الدنيا. كأنه يفسر ذلك الضمير، وهذا نحو حديث ابن عباس: "خير نساء العالمين مريم" (٦)

стр. 11694

ويشهد له قوله تعالى عن الملائكة: ﴿إِنَّ اللهَ اصْطَفَاكِ﴾ الآية، وظاهره يقتضي أنها خير نساء العالمين من حواء إلى آخر امرأة تقوم عليها الساعة، قال: ويعتضد هذا الظاهر بأنها صديقة ونبية وهو أولى من قول من قال: إنها غير نبية، وإذا ثبت ذلك -ولم يسمع في الصحيح أن في النساء نبية غيرها- فهي أفضل من كل النساء الأولين والآخرين إذ النبي أفضل من الولي بالإجماع (١). قلت: كذا ادعى، وروى الحاكم في "مستدركه" من حديث ميسرة بن حبيب، عن المنهال بن عمرو، عن زر، عن حذيفة ﵁ قال: أتى النبي ﷺ ملك استأذن الله أن يسلم عليه لم ينزل قبلها قال: "فبشرني أن فاطمة سيدة نساء أهل الجنة" ثم قال: تابعه (٢) أبو مري (٣) الأنصاري عن المنهال فذكره. ثم قال: حديث صحيح الإسناد ولم يخرجاه (٤). ورَوى في فضائلها بإسناده إلى ابن عباس ﵄ قال: قال على ﵁: لقد علمتم أني أخو النبي ﷺ ووزيره، وأني أولكم إيمانًا، وأبو ولديه، وزوج ابنته سيدة ولده وسيدة نساء أهل الجنة. قال جعفر بن محمد: وكانت تسمى الصديقة. والحديث الأول من الباب الثاني وهو حديث أبي موسى ﵁: "فضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام سلف قريبًا في باب ﴿وَضَرَبَ الله مَثَلًا﴾

стр. 11695

والحديث الثاني ذكره معلقًا فقال: وقال ابن وهب: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، حدثني سعيد بن المسيب أن أبا هريرة ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "نساء قريش خير نساء ركبن الإبل، أحناه على طفل وأرعاه على زوج في ذات يده" يقول أبو هريرة ﵁ على إثر ذلك: ولم تركب مريم بنت عمران بعيرًا قط. وهذا التعليق أسنده مسلم عن حرملة بن يحيي، عن ابن وهب (١)، ثم قال البخاري: تابعه ابن أخي الزهري، وإسحاق الكلبي عن الزهري. زاد الإسماعيلي: وتابعه أيضًا معمر وصفوان بن عمرو. وحديث معمر عند مسلم بلفظ: أن رسول الله ﷺ خطب أم هانئ بنت أبي طالب فقالت: يا رسول الله قد كبرت ولي عيال فقال: "خير نساء" (٢). وفي رواية عند عبد الرحمن بن مقرب التجيبي في كتابه "مناقب قريش": "أحناه على يتيم". وأخرجه البخاري في النفقات في موضعين والنكاح (٣). واسم (ابن أخي الزهري) أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن مسلم بن عبيد الله بن شهاب، قتله غلمانه بأمر ابنه -وكان سفيها شاطرًا- للميراث في آخر خلافة أبي جعفر، ثم وثب الغلمان عليه بعد سنين فقتلوه. وقال ابن أبي حاتم: إسحاق بن يحيى الكلبي الحمصي روى عن الزهري، وعنه يحيى بن صالح الوحاظي، سمعت أبي وأبا زرعة
следующие страницы →