وشَقَّ لَهُ من اسمه لِيُجِلَّهُ … فذو العرش محمودٌ وهذا مُحَمَّد (١)
وقال عبد المطلب:
يَا رَبِّ رُدَّ رَاكبي مُحمَّدًا … اردُدْهُ يَا رَبِّ وَاصطَنِعْ عِنْدِي يدًا
أنتَ الذي سَمَّيتَهُ مُحَمَّدًا (٢)
وقال بعضهم: إن لنبينا ألف اسم، والظاهر أن أكثرها صفات (٣).
وقد ذكر صاحب "الشفا" منها جملة (٤)، وأجمعها "المستوفى" لابن دحية ذكر منها له فوق المائتين، وقد لخصتها في "مشكاة الأنوار مختصر دلائل النبوة" للبيهقي فراجعه منه. وروى ابن سعد من حديث [عبد الله بن] محمد بن عقيل عن محمد بن علي، سمع علي بن أبي طالب رفعه: "سميت أحمد" (٥). ومن حديث أبي جعفر محمد بن علي قال: أُمرت آمنة وهي حامل أن تسميه أحمد (٦).
وعن حذيفة مرفوعًا: "أنا المقفى ونبي الرحمة". وذكر في "الشفا" من أسمائه: أنا رسول .. الراحة، ورسول الملاحم .. والمصلح، والظاهر، والمهيمن، والهادي .. والسلطان .. والعلَامة والبرهان، وصاحب الهرواة والنعلين .. ومقيم السنة، والمقدَّس، وروح الحق (٧).
стр. 11902
وقال تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ﴾ هو محمد كما قاله أبو سعيد الخدري وجماعة (١).
وأطلقت البشرى في هذِه الآية، وذكرها في غيرها مع الشرط إعلامًا بأن نجاة الجميع في ذلك اليوم بهذا القدم الصدق فيه يتقدم إلى ربه جميع صفوف المرسلين.
وفي مسلم من حديث أبي بن كعب: "وأخرت الثالثة ليوم يرغب إلى فيه الخلق كلهم حتى إبراهيم" (٢).
فإن قلت: كيف يجمع بين ما ذكرت وبين قوله في الحديث السالف: "لي خمسة أسماء".
قلت: لا تنافي فإنها ليست صيغة حصر، أو إنها في الكتب القديمة، أو إن هذا من تصرف الراوي بدليل الزيادة من الراوي الواحد كما سلف في حديث جبير، اجتمع فيه ستة محمد أحمد الماحي الحاشر العاقب الخاتم.
فصل:
(أحمد) علم منقول من صفة لا من فعل، وتلك الصفة أفعل التي يراد بها التفضيل فمعنى أحمد أي أحمد الحامدين لربه، وكذلك هو
стр. 11903
في المعنى لأنه يفتح عليه في المقام المحمود محامد لم تفتح على أحد قبله كما ثبت عنه فيحمد ربه بها، وكذلك يعقد له لواء الحمد يوم القيامة ليتم له كمال الحمد (١) ويشتهر في تلك العرصات بصفات الحمد، ويبعثه ربه مقامًا محمودًا يحمده فيه الأولون والآخرون بشفاعته لهم كما وعده.
ومن أسمائه تعالى الحميد، ومعناه المحمود؛ لأنه حمد نفسه وحمده عباده، ويكون أيضًا بمعنى الحامد لنفسه ولأعمال الطاعات وسمي نبينا به وبمحمد فأحمد بمعنى أكثر من حمد، وأجل من حمد، ومحمد بمعنى محمود، وكذا وقع اسمه في زبور داود (٢).
وقد أشار إلى نحو هذا البيت السالف. وفي شعر عبد المطلب، ويروى لغيره محمد، وهو في التوراة محمود.
ومحمد منقول من صفة؛ لأنه في معنى محمود، ولكن فيه معنى المبالغة والتكرار، ودليل الكثرة وبلوغ النهاية في الحمد، هو الذي حمد مرة بعد مرة كما أن المكرم من أكرم مرة بعد مرة، وكذلك الممدوح تقول في الحمد محمد، وهو دليل على كثرة المحامد وبلوغ النهاية في الحمد، ومما يدل على ذلك قول العرب حُماداك أن تفعل كذا أي: قصاراك وغايتك، وفعلك المحمود منك غير المذمم، وتقول: أتيت موضع كذا فأحمدته أي: صادفته محمودًا موافقًا، وذلك إذا رضيت سكناه أو مرعاه، ويقال: هذا رجل محمود فإذا بلغ النهاية في ذلك وتكاملت فيه المحاسن والمناقب فهو محمد، قال الأعشى ميمون:
стр. 11904
إِلَيكَ أَبَيتَ اللَّعنَ كَانَ وَجيِفُهَا (١) … إِلَى المَاجِدِ القَرْمِ الجواد المُمَجَّدِ (٢)
أراد الذي تكاملت فيه الخصال المحمودة، واسم نبينا صادق عليه فهو محمد في الدنيا بما هدى إليه ونفع به من العلم والحكمة، وهو محمود في الآخرة بالشفاعة، فقد تكرر معنى الحمد كما يقتضي اللفظ، وقد تفطن العباس بن مرداس السلمي لحكمة نبوته، ومعنى دقيق، وعرض نبيل حيث يقول:
إِنَّ الإِلَهَ ثَنَى عَلَيكَ مَحَبَّةً … مِن خَلْقِهِ وَمُحَمَّدًا سَمَّاكَا
لأن الثناء تركب على أس، فأسس له تعالى مقدماته لنبوته، منها تسميته محمدًا قبل أن يولد، ثم لم يزل يدرجه في محامد الأخلاق وما تحبه القلوب من الشيم حتى بلغ إلى أعلى المحامد مرتبة وتكاملت له المحبة من الخالق والخليقة، وظهر معنى اسمه فيه على الحقيقة فهو اللبنة التي استتم بها البناء كما أخبر ﷺ عن نفسه، ثم إنه لم يكن محمدًا حتى كان أحمد، حمد ربه فنبأه وشرفه فلذلك تقدم اسم أحمد على الاسم الذي هو محمد، فذكره عيسى فقال: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ فأحمد ذكر قبل أن يذكر محمد؛ لأن حمده لربه كان قبل حمد الناس له فلما وجد وبعث كان محمدًا بالفعل، وكذا في الشفاعة يكون أحمد الناس لربهم ثم يشفع فيحمد على شفاعته، فانظر كيف ترتب هذا الاسم قبل الاسم الآخر في الذكر والوجود، وفي الدنيا والآخرة تلح لك الحكمة الإلهية في تخصيصه بهما، وانظر كيف نزلت عليه سورة الحمد، وخص بلواء الحمد
стр. 11905
وبالمقام المحمود، وكيف شرع لنا سنة ومنهاجًا أن نقول عند اختتام. الأفعال الحمد لله رب العالمين، وقال تعالى: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ تنبيهًا أن الحمد مشروع لنا عند انقضاء الأمور، وسن الحمد بعد الأكل والشرب، وقال عند انقضاء السفر: "آيبون تائبون لربنا حامدون" (١).
فصل:
قال القاضي عياض في "الشفا": حمى الله تعالى أن يسمى بأحمد ومحمد قبل زمانه، أما أحمد الذي أتى في الكتب وبشرت به الأنبياء فمنع الله بحكمته أن يسمى به أحد غيره، ولا يُدعى به مدعوٌّ قبله حتى لا يدخل لبس على ضعيف القلب أو شك، وكذلك محمد أيضًا لم يسم به أحد من العرب ولا غيرهم إلى أن شاع قبل وجوده أن نبيًّا يبعث اسمه محمد فسمى قوم قليل من العرب أبناءهم بذلك رجاء أن يكون أحدهم هو، والله أعلم حيث يجعل رسالاته، وهم محمد بن أحيحة بن الجلاح الأوسي، ومحمد بن مسلمة الأنصاري، ومحمد بن بَرَّاء البكري، ومحمد بن سفيان بن مجاشع، ومحمد بن حمران الجعفي، ومحمد بن خزاعي السلمي، لا سابع لهم.
ويقال: إن أول من سمي بمحمدٍ ابن سفيان، واليَمَن تقول: بل محمد بن اليُحْمَدِ من الأزد، ثم حمى الله كل من تسمى به أن يدعي النبوة، أو يدعيها أحد له أو يظهر عليه سبب يشكك أحدًا في أمره حتى تحققت السمتان له، ولم ينازع فيهما (٢).
стр. 11906
وقوله: (لا سابع لهم) فيه نظر فقد ذكر هو سابعًا بعد كما أسلفناه عنه. وذكر محمد بن سعد أيضًا محمد بن عدي بن ربيعة بن سعد بن سواءة بن جشم بن سعد المنقري، عداده في أهل الكوفة، ومحمد الأسيدي، ومحمد الفُقَيْمِي (١). وعند ابن دريد: ومحمد بن خَولي الهمداني (٢)، وفي "دلائل النبوة" لأبي نعيم: ومحمد بن يزيد بن ربيعة، ومحمد بن أسامة بن مالك، ومحمد بن عثمان بن ربيعة بن سواءة، وينظر هذا مع ما ذكره ابن سعد، وعند ابن الجميل (٣): ومحمد بن عتواره الليثي، ومحمد بن حرماز بن مالك العمري، وفي ذكره محمد بن مسلمة الأنصاري معهم نظر من حيث أن أبا عبد الرحمن العتقي، وأبا نعيم الأصبهاني وغيرهما قالوا: كان مولده سنة ثلاث وعشرين من مولد نبينا ﷺ .
فصل:
قوله: ("على قدمي")، وفي رواية "على عقبي" هو بتخفيف الياء على الإفراد وبالتشديد على التثنية، يعني: أن الخلق يحشرون يوم القيامة على أثره، أي ليس بينه وبين القيامة نبي آخر ولا أمة أخرى، وقيل: "على قدمي": على سنتي، وقيل: بعدي أي يتبعوني إلا يوم القيامة، وقال ابن التين: معناه أنه يحشر أول الناس ثم يحشرون على أثره لأنه أول من تنشق عنه الأرض، وقيل: العقب ها هنا: الزمن أي: ملته لا تنسخ ويحشر الناس عليها، وقيل: يحشر الناس على قدمه أي
стр. 11907
مشاهدته قائمًا لله وشاهدًا على أمته والأمم قال الله تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦].
فصل:
والعاقب: الذي ليس بعده نبي كما سلف.
وقال ابن التين: سمي بذلك لأنه عقب من تقدمه من الأنبياء وقد سلف أيضًا، وقال الأعرابي: العاقب والعقوب الذي يخلف في الخير من كان قبله.
فصل:
وحديث أبي هريرة ﵁ لعله (١) من أفراده، واستدل به من أنكر الحد في كناية القذف، قيل: وهو قول أكثر العلماء ومالك يوجب فيه الحد، والحديث لم يخبر أنه لا شيء عليهم بل عوقبوا على ذلك وقتل بعضهم بالسيف، وهم آثمون في ذلك من غير شك ولا مرية.
وقوله: ("مثلي")، قال في "الصحاح": مثل كلمة تسوية يقال: هذا مثله ومثله كما يقال: شبهه وشبهه بمعنى. قال: والمثل ما يضرب به من الأمثال، قال: ومثل الشيء أيضًا صفته (١). وفي "الجمهرة": المثل: النظير والمثل السائر معروف (٢). قال ابن الجوزي في "غريبه" ومن خطه نقلت: كأن المثل مأخوذ من المثل (٣).
стр. 11910
١٩ - باب وَفَاةِ النَّبِيِّ ﷺ -
٣٥٣٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تُوُفِّيَ وَهْوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ مِثْلَهُ. [٤٤٦٦ - مسلم: ٢٣٤٩ - فتح: ٦/ ٥٥٩]
ذكر فيه من حديث الزهري عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّه ﷺ تُوُفِّيَ وَهْوَ ابن ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ. وَقَالَ ابن شِهَابٍ: وَأَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ بمِثْلَهُ.
الشرح:
هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في أواخر الغزوات، وترجم عليه هذِه الترجمة أيضًا (١)، وهذا هو الأصح في سنه عليه أفضل الصلاة والسلام، وروي أيضًا عن ابن عباس ومعاوية ﵁ (٢). قال البيهقي: وهو قول سعيد ابن المسيب والشعبي وأبي جعفر محمد بن علي وإحدى الروايتين عن أنس (٣)، وفيه قول ثان: على رأس ستين. رواه أنس وصححه في "الإكليل"، وأسنده ابن سعد من طريقين عنه، وقاله أيضًا عروة ويحيى بن جعدة والنخعي (٤)، وثالث ابن خمس وستين رواه مسلم من حديث عمار بن أبي عمار عن ابن عباس (٥)، وصححه أبو حاتم
стр. 11911
الرازي في "تاريخه"، وأما البخاري فذكره في "تاريخه الصغير" (١) عن عمار ثم قال: ولا يتابع عليه، وكان شعبة يتكلم في عمار (٢).
قلت: وذكره ابن أبي خيثمة أيضًا من حديث علي بن زيد عن يوسف بن مهران عن ابن عباس، ورواه ابن سعد عن سعيد بن سليمان عن هشيم، أنا علي، فذكره، وذكره البيهقي من حديث عمار عن ابن عباس فيما يحسب (٣).
وأخرجه أيضًا -أعني البيهقي- عن دغفل بن حنظلة (٤)، وفي "تاريخ ابن عساكر": ثنتان وستون سنة ونصف. وفي "كتاب عمر بن شبة": إحدى أو اثنتان -لا أراه بلغ ثلاثا- وستين سنة.
فائدة:
عند البزار من حديث ابن مسعود ﵁ توفي في إحدى وعشرين من رمضان، وكذلك عيسى، ويوشع، وأعلَّ.
أخرى: لما ذكر أبو جعفر الطبري قول الكلبي وأبي مخنف (٥): أنه ﵇ توفي في ثاني ربيع الأول قال: هذا القول وإن كان خلاف الجمهور فإنه لا يبعد إن كانت الثلاثة أشهر التي قبله كلها كانت تسعًا وعشرين يومًا (٦).
стр. 11912
قلت: وهو قول أنس بن مالك، ومحمد بن عمر الأسلمي، والمعتمر بن سليمان عن أبيه، وأبي معشر عن محمد بن قيس، قالوا ذلك أيضًا، حكاه البيهقي (١) والقاضي أبو بكر بن كامل في "البرهان".
وقال السهيلي في "روضه": اتفقوا على أنه توفي يوم الإثنين وقالوا كلهم في ربيع الأول، غير أنهم قالوا أو أكثرهم: في الثاني عشر منه، أو الثالث عشر، أو الرابع عشر، أو الخامس عشر. قال: ولا يصح أن تكون وفاته يوم الإثنين لا في الثاني عشر من الشهر، أو الثالث عشر، أو الرابع عشر، أو الخامس عشر؛ لإجماع المسلمين على أن وقفة عرفة في حجة الوداع كانت يوم الجمعة تاسع ذي الحجة، فدخل ذو الحجة يوم الخميس فكان المحرم إما الجمعة وإما السبت، فإن كان الجمعة فقد
(كان صفر إما السبت وإما الأحد، فإن كان السبت فقد) (٢) كان ربيع إما الأحد أو الإثنين، وكيفما دارت الحال على هذا الحساب فلم يكن الثاني عشر من ربيع الأول يوم الإثنين بوجه. وعن الخوارزمي: توفي ﵇ في أول يوم من ربيع الأول. قال: وهذا أقرب إلى القياس (٣).
وعن المعتمر بن سليمان عن أبيه أنه ﵇ مرض يوم السبت لاثنتين وعشرين ليلة من صفر، بداية وجعه عند وليدته ريحانة، وتوفي في اليوم العاشر. وعند أبي معشر عن محمد بن قيس: اشتكى ﵇ يوم الأربعاء لإحدى عشر بقيت من صفر في بيت زينب بنت جحش، فمكث ثلاثة عشر يومًا (٤). وعند الواقدي عن أم سلمة أم المؤمنين أنه بدئ به
стр. 11913
وجعه في بيت ميمونة أم المؤمنين (١).
وقال ابن دحية: قال أهل الصحيح بإجماع: إنه توفي يوم الإثنين. وقال أهل السير: مثل الوقت الذي دخل فيه المدينة، وذلك حين ارتفع الضحاء. وفي البيهقي عن أنس أن الصديق صلى بالناس العشاء الآخرة ليلة الجمعة، ثم يومها، ثم السبت، ثم الأحد، ثم صح الإثنين، وتوفي ﵇ ذلك اليوم. وعند الواقدي: كانت مدة مرضه اثني عشر يومًا، وقيل أربعة عشر.
стр. 11914
٢٠ - باب كُنْيَةِ النَّبِيِّ ﷺ -
٣٥٣٧ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ حُمَيْدٍ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا الْقَاسِمِ. فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي». [انظر: ٢١٢٠ - مسلم: ٢١٣١ - فتح: ٦/ ٥٦٠]
٣٥٣٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ سَالِمٍ، عَنْ جَابِرٍ ﵁ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «تَسَمَّوْا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي». [انظر: ٣١١٤ - مسلم: ٢١٣٣ - فتح: ٦/ ٥٦٠]
٣٥٣٩ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنِ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ ﷺ : «سَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي». [انظر: ١١٠ - مسلم: ٢١٣٤ - فتح: ٦/ ٥٦٠]
ذكر فيه ثلاثة أحاديث: حديث أنس ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ فِي السُّوقِ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا أَبَا القَاسِمِ. فَالْتَفَتَ إليه النَّبِيُّ (١) ﷺ (فَقَالَ) (٢): "تسَمُّوا بِاسْمِي، وَلَا تَكْتَنُوا بِكُنْيَتِي"
ثانيها: حديث جابر: "تسموا باسمي .. " إلا آخره.
ثالثها: حديث أبي هريرة قال: قال أبو القاسم .. فذكره.
الشرح:
حاصل ما ذكره أن كنيته أبو القاسم، وقد سلف الخلاف هل نتكنى به نحن واضحا، فراجعه. وفي رواية: "لا تجمعوا بين اسمي وكنيتي، أنا أبو القاسم، الله يرزق وأنا أقسم" (٣) وهو أحد ما قيل في الحديث
стр. 11915
لا تجمعوا بينهما، وترجم عليه الترمذي في "جامعه" باب (ما جاء في) (١) كراهية الجمع بين اسمه وكنيته، ثم أخرج من حديث أبي هريرة أن النبي ﵁ نهى أن يجمع أحد بين اسمه وكنيته، ويسمي محمدًا أبا القاسم ثم قال: حسن صحيح (٢)، ثم روى من حديث جابر مرفوعًا: "إذا سميتم بي فلا تكتنوا بي" ثم قال: حسن غريب، وصححه ابن حبان والبيهقي في "شعب الإيمان" (٣) وروى الترمذي أيضًا عن محمد ابن الحنفية، عن علي ﵁ أنه قال: يا رسول الله، أرأيت إن وُلد لي بعدك ولد أسميه محمدًا وأكنيه بكنيتك؟ قال: "نعم"، فكانت رخصة لي، ثم قال: صحيح (٤).
قال الأستاذ أبو بكر محمد بن خير -فيما حكاه عنه ابن دحية-: كُني رسول الله ﷺ بأبي القاسم لأنه يقسم الجنة بين الخلق يوم القيامة.
قلت: ويكنى أيضًا بأبي إبراهيم باسم ولده كما كني بأبي القاسم باسم ولده القاسم. روى البيهقي من حديث أنس أنه لما ولد إبراهيم ابن رسول الله ﷺ ، من مارية جاريته كاد يقع (٥) في نفس رسول الله ﷺ منه حتى أتاه جبريل، فقال: السلام عليك أبا إبراهيم. وفي رواية له: يا أبا إبراهيم (٦). وذكره ابن سعد أيضًا (٧).
стр. 11916
قلت: وله ثالثة وهو: أبو الأرامل.
فائدة:
الكنية بضم الكاف، سميت بذلك لأنها تورية عن الاسم، من قولهم: كنيت عن أمر كذا إذا تكلمت بغيره مما يستدل به عليه.
وفي كتاب الخليل: الصواب أنه يقال: يُكنى بأبي عبد الله، ويكنى بعبد الله (١).
стр. 11917
٢١ - باب
٣٥٤٠ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا الْفَضْلُ بْنُ مُوسَى، عَنِ الْجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ابْنَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ جَلْدًا مُعْتَدِلاً فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ مَا مُتِّعْتُ بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِي إِلاَّ بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِنَّ خَالَتِي ذَهَبَتْ بِى إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي شَاكٍ فَادْعُ اللهَ. قَالَ: فَدَعَا لِي. [انظر: ١٩٠ - مسلم: ٢٣٤٥ - فتح: ٦/ ٥٦٠]
ذكر فيه حديث الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: رَأَيْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ ابن أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ جَلْدًا مُعْتَدِلًا فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ مَا مُتِّعْتُ بِهِ سَمْعِي وَبَصَرِي إِلَّا بِدُعَاءِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، إِنَّ خَالَتِي ذَهَبَتْ بِي إِلَيْهِ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي شَاكٍ فَادْعُ اللهَ له. قَالَ: فَدَعَا لِي (١).
هذا (٢) الحديث سيذكره على الإثر في باب خاتم النبوة مطولاً وذكر طرفا منه في الحج. وظهر لي في وجه إيراده هنا عقب باب الاسم وباب الكنية كيفية ندائه بيا رسول الله لا باسمه كما قال تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ فذكر أولاً اسمه، ثم كنيته، ثم ذكر كيفية ندائه.
والسائب بن يزيد هذا هو ابن سعيد أبو يزيد المعروف بابن أخت نمر، قيل: إنه ليثي كناني، وقيل: أزدي، وقيل: كندي حليف بني أمية، ولد في السنة الثانية. وخرج في الصبيان إلى ثنية الوداع يتلقى رسول الله ﷺ (مقدمه من تبوك) (٣) وشهد حجة الوداع. وفصل ابن
стр. 11918
منده بينه وبين السائب بن يزيد (١). قال عطاء مولى السائب إنه كان مقدم رأسه أسود لأنه ﵇ مسحه (٢)، وهو هو. وأمه علية بنت شريح الحضرمية، ومخرمة بن شريح خاله، والجعيد بن عبد الرحمن، قال فيه جماعة: الجعد مكبرًا.
стр. 11919
٢٢ - باب خَاتِمِ النُّبُوَّةِ
٣٥٤١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنِ الجُعَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ قَالَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابْنَ أُخْتِي وَقَعَ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمٍ بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ ابْنُ عُبَيْدِ اللهِ: الحُجْلَةُ مِنْ حُجَلِ الْفَرَسِ الَّذِى بَيْنَ عَيْنَيْهِ. قَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ: مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ. [انظر: ١٩٠ - مسلم: ٢٣٤٥ - فتح: ٦/ ٥٦١]
ذكر فيه حديث الجعيد أيضًا عن السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ: ذَهَبَتْ بِي خَالَتِي إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ ابن أُخْتِي وَقَعَ. فَمَسَحَ رَأْسِي وَدَعَا لِي بِالْبَرَكَةِ، وَتَوَضَّأَ فَشَرِبْتُ مِنْ وَضُوئِهِ، ثُمَّ قُمْتُ خَلْفَ ظَهْرِهِ فَنَظَرْتُ إِلَى خَاتَمِ النبوة بَيْنَ كَتِفَيْهِ. قَالَ ابن عُبَيْدِ اللهِ: الحُجْلَةُ مِنْ حُجَلِ الفَرَسِ الذِي بَيْنَ عَيْنَيْهِ. وقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مِثْلَ زِرِّ الحَجَلَةِ.
الشرح:
قد عرفت ترجمة السائب. وعند ابن سعد: كان السائب من هامته إلى مقدم رأسه أسود، وسائر رأسه ولحيته وعارضه أبيض، فسئل فقال: مرَّ بي رسول الله وأنا ألعب مع الصبيان فقال: "من أنت؟ " فقلت: السائب فمسح يده على رأسي وقال: "بارك الله فيك" فهو لا يشيب أبدًا. وقال أبو مودود: رأيت السائب أبيض الرأس واللحية (١).
وفيه فوائد:
أولها: صحة إسماعه كبيرًا ما سمعه صغيرًا.
ثانيها: كون موضعه لم يبيض؛ لأنه دعا له بالبركة وأصلها دوام
стр. 11920
ما هو حاصل، وهو من البروك أي الثبوت، وقيل في تفسير قوله تعالى: (تبارك) أي الذي دام ملكه وثبت، فلهذا ثبت جمال شبابه، والشيب أيضًا فضيلة ولهذا ابيضت لحيته ليحصل له الأمران.
ثالثها: تتبع آثار الصالحين.
وأما صفة خاتمه الكريم شرفه الله فذكره في باب الدعاء للصبيان من كتاب الدعاء أتم من هذا (١)، وفيه: فنظرت إلا خاتمه بين كتفيه مثل زر الحجلة، وهي واحدة الحجال وهي الستور، وهذا أولى ما قيل فيه، والزر واحد الأزرار التي تدخل في العربي كأزرار القميص، ومن فسر الزر بالبيض نظر إلى ما ورد في بعض الطرق: مثل بيضة الحمامة، فجعل الزر البيضة.
والحجلة: الطائر الذي يسمى القيح، وبه فسره الترمذي حيث قال: زر الحجلة: بيضها، وأخرج من حديث سمرة ﵁: كان خاتم النبي ﷺ الذي بين كتفيه غدة حمراء مثل بيضة الحمامة (٢)، وقاله الخطابي بتقديم الراء على الزاي (أخذه من رزِّ الجراد، وهو بيضها، واستعاره الطائر (٣).
واعترض السهيلي على الترمذي وقال: توهم أن الحجلة من القيح، وهو وهم، إنما هو حجلة السرير واحدة الحجال، وزرها الذي يدخل في عروتها (٤)، وما ذكره إنما يأتي على تقديم الراء على الزاي) (٥) كما حكاه البخاري عن إبراهيم بن حمزة، من ارتز الشيء إذا دخل في الأرض،
стр. 11921
ومنه الرزة، قال: لأن الحجلة إذا أرادت أن تبيض رزت ذنبها بالأرض من شدة ما تلاقيه. قال الخطابي: زعم قوم أن زر الحجلة بيض الحجل (١)، ورواية إبراهيم بن حمزة تدل عليه قال: وهو من قولك: يقال أزرت الجرادة إذا أناخت ذنبها في الأرض فباضت، فاستعاره للطائر.
وتفسير شيخ البخاري محمد بن عبيد الله الحجلة من حجل الفرس الذي بين عينيه: فيه نظر؛ لأن تحجيل الفرس إنما هو أن يعلو أرساغه الأربعة بقوائمه، والحجلة بفتحهما هي الكلة التي تكون على السرير، وأما التي بين عيني الفرس فهو الغرة وبينه النبي ﷺ بقوله: "غرًّا محجلين من آثار الوضوء" (٢) نبه عليه ابن التين، وقال بعد كلام الخطابي السالف: والذي رويناه إنما خالف في رواية إبراهيم بن حمزة في ضم حاء الحجلة، فرواها بفتح الحاء والجيم، وهي قبل ذلك بضم الحاء وسكون الجيم.
قلت: وقيده بعضهم بضم الحاء وسكون الجيم وفتحها، وبكسر الحاء وفتح الجيم، ذكره ابن دحية واقتصر في "تنويره" على الأول.
وقال النووي: الصحيح المشهور فتحهما واحدة الحجال، وهي بيت كالقبة لها أزرار كبار وعرى إلا الطائر (٣)، كما أشار إليه الترمذي وأنكره عليه العلماء (٤).
وقال البيهقي في "دلائله": المعروف زر بتقديم الزاي على الراء
стр. 11922
ورواه بعضهم بالراء قبله (١).
قلت: وروي في صفة الخاتم الكريم غير ذلك والمعنى متقارب، ففي أفراد مسلم من حديث عبد الله بن سرجس قال: نظرت إلى خاتم النبوة بين كتفيه عند نغض كتفه اليسرى جمعًا عليه خيلان كأنها (٢) الثآليل (٣). وجمعا بضم الجيم وكسرها، وفي رواية: ورأيت العلامة التي فيه وهي إلى أصل نغض كتفه، عليه خيلان كهيئة الثآليل (٤).
وفي أفراده أيضًا من حديث جابر بن سمرة: ورأيت خاتم النبوة بين كتفيه مثل بيضة الحمامة يشبه جسده (٥).
وفي "الدلائل" للبيهقي من حديث معاوية بن قرة عن أبيه: فإذا هو على نغض كتفه مثل البيضة. وفي لفظ: مثل السلعة (٦). ومن حديث أبي رمثة: مثل السلعة بين كتفيه (٧). وفي لفظ: فإذا خلف كتفيه مثل التفاحة (٨).
وفي لفظ: فإذا في نغض كتفه مثل بعرة البعير أو بيضة الحمامة.
وقال أبو سعيد: الختم الذي بين كتفيه لحمة ناتئة. ومن حديث سليمان الفارسي: فرأيت الخاتم بين كتفيه مثل بيضة الحمام (٩).
стр. 11923
وفي رواية من حديث آخر، قال التنوخي رسول هرقل: فجلت في ظهره، فإذا أنا بخاتم في موضع غضروف الكتف مثل المحجمة الضخمة (١).
وفي "السير" عن ابن هشام: كأثر المحجم (٢). يعني: أثر المحجمة القابضة على اللحم حتى يكون ناتئا. ولابن عبد البر: كركبة العنز. ولابن أبي خيثمة: كشامة سوداء تضرب إلى الصفرة حولها شعرات متواليات كأنها عرف الفرس. وقيل: كان بمنكبه الأيمن بأسفل كتفه شامة خضراء منحفرة في اللحم قليلاً، رواه البيهقي في "دلائله" في آخر باب جامع صفته من حديث عائشة ﵂ (٣).
والترمذي: كالتفاحة (٤). ولابن إسحاق: كبضعة ناشزة من لحم كون بدنه (٥). وليحيى بن مالك بن عائذ: كان نورًا يتلألأ. قال: ولما شق صدره ختم بخاتم له شعاع بين كتفيه وثدييه وجد رسول الله ﷺ برده زمانًا.
ولأبي عبد الله القضاعي في "تاريخه" كانت ثلاث شعرات مجتمعات، وقيل كان خيلان مجتمعة، وفي "المستدرك" مصححًا: كان شعرًا مجتمعًا (٦).
стр. 11924
وفي حديث عمرو بن أخطب عند ابن عساكر: كشيء يختم به مثل إنسان قال بظفره عليه.
وفي "صحيح ابن حبان" من حديث ابن عمر ﵄: مثل البندقة من لحم مكتوب فيه: محمد رسول الله (١).
وللترمذي الحكيم: كبيضة حمام مكتوب في باطنها: الله وحده لا شريك له وفي ظاهرها: توجه حيث شئت فإنك منصور.
ولأحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل في السيرة: عذرة كعذرة الحمامة. قال أبو أيوب أحد رواته: يعني قرطمة الحمامة وهي التي بجانب أنفها.
وللحاكم في "تاريخ نيسابور" عن عائشة ﵂: كتينة صغيرة تضرب إلى الدهمة، وكان مما يلي الفقار، قالت: فلمسته حين توفي فوجدته قد رفع.
وفي "دلائل البيهقي": لما شكوا في موته وضعت أسماء بنت عميس يدها بين كتفيه فوجدت الخاتم قد رفع قالت: قد توفي (٢).
وفي "دلائل أبي نعيم": أنه ﵇ لما ولد ذكرت أمه أن الملك غمسه في الماء الذي أتبعه ثلاث غمسات ثم أخرج سورة من حرير أبيض فإذا فيها خاتم، فضرب على أنفه كالبيضة المكنونة تضيء كالزهرة.
стр. 11925
قال ابن عائذ: ولم يدر هل كان خاتم النبوة خلق به أم وضع فيه بعد ما ولد وحين نبئ. وقد أسند عن أبي ذر ﵁: أن ملكين وضعاه في بطنه ببطحاء مكة (١)، ووهم القاضي ثم السهيلي قوله: ببطحاء مكة فإن هذا كان في بني سعد مع حليمة كما ذكره ابن إسحاق (٢).
ونقل النووي عن القاضي أنه قال: هذا الخاتم هو أثر شق الملكين بين كتفيه ثم قال: هذا الذي قاله ضعيف أو باطل لأن شق الملكين إنما كان في صدره وبطنه (٣)، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ (١)﴾ وفي الحديث: كان أثره خطًّا واضحًا في صدره ولم يأت في شيء من الأحاديث أنه بلغ بالشق حتى نفذ إلى ظهره، ولو كان ذلك للزم أن يكون مستطيلًا من بين كتفيه إلا أسفل من ذلك؛ لأنه الذي يحاذي الصدر من سرته إلى مراق بطنه.
فصل:
الحكمة في الخاتم على وجه الاعتبار أن قلبه لما ملئ حكمة وإيمانا -كما في الصحيح (٤) - ختم عليه كما يختم على الوعاء المملوء مسكا (٥) أو درًّا، فجمع الله أجزاء النبوة له وتممه وختم عليه بخاتم، فلم يجد عدوه سبيلا إليه من أجل ذلك الختم لحراسته؛ لأن المختوم محروس، وكذا تدبير الله لنا في هذِه الدنيا إذا وجد الشيء بختمه زال الشك،
стр. 11926
وانقطع الخصام فيما بين الآدميين، فكذلك ختم رب العالمين في قلبه ختمًا تضامن له القلب وبقي النور فيه، ونفذت قوة القلب إلى الصلب وظهرت بين الكتفين كالبيضة، ومن أجل ذلك برز بالصدق على أهل الموقف وصارت له الشفاعة من بين الرسل بالمقام المحمود؛ لأن ثناء الصدق هو الذي استحقه إذ خصه ربه بما لم يخص به أحدا.
فصل:
إن قلت: ما الحكمة في كونه عند نغض كتفه؟
قلت: لقيام العصمة به، وذلك الموضع منه يوسوس الشيطان لابن آدم. وذكر ابن عبد البر عن ميمون بن مهران، عن عمر بن عبد العزيز أن رجلاً سأل ربه سنة (١) أن يريه موضع الشيطان منه فأري جسدًا ممهى يرى داخله من خارجه ورأى الشيطان في صورة ضفدع عند نغض كتفه حذاء قلبه، له خرطوم كخرطوم البعوضة وقد أدخله في منكبه الأيسر إلى قلبه يوسوس إليه، فإذا ذكر الله العبد خنس (٢).
أحدها:
حديث عُقْبَةَ بْنِ الحَارِثِ قَالَ: صَلَّى أَبُو بَكْرٍ العَصْرَ، ثُمَّ خَرَجَ يَمْشِي، فَرَأى الحَسَنَ يَلْعَبُ مَعَ الصِّبْيَانِ، فَحَمَلَهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَقَالَ: بِأَبِي شَبِيهٌ بِالنَّبِيِّ، لَا شَبِيهٌ بِعَلِيٍّ. وهو يَضْحَكُ.
وهو دال على فضل الصديق وحفظه لقربى رسول الله ﷺ وحبه من أحب.
وقوله: (بأبي) أي: فداك بأبي.
ثانيها:
حديث أَبِي جُحَيْفَةَ وهب بن عبد الله السوائي: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَكَانَ الحَسَنُ يُشْبِهُهُ.
وعنه: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَكَانَ الحَسَنُ بن علي يُشْبِهُهُ قُلْتُ لأَبِي جُحَيْفَةَ: صِفْهُ لِي. قَالَ: كَانَ أَبْيَضَ قَدْ شَمِطَ. وَأَمَرَ لَنَا النَّبِيُّ ﷺ بِثَلَاثَة عَشْرَ قَلُوصًا قَالَ: فَقُبِضَ النَّبِيُّ ﷺ قَبْلَ أَنْ نَقْبِضهَا.
وعنه: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ ، وَرَأَيْتُ بَيَاضًا مِنْ تَحْتِ شَفَتِهِ السُّفْلَى العَنْفَقَةَ.
ومعنى شمط: خالطه الشيب، والقلوص الأنثى من الإبل، قال ابن التين: وكان حقه أن يقول ثلاث عشرة قلوصًا، وقيل: القلوص الباقية من النوق على السير، وقيل: هي الطويلة القوائم. وقال الداودي: هي الثنية من الإبل.
والعنفقة ما بين الشقة السفلى والذقن، قال في "المخصص": هي ما بينهما كان عليها شعر أو لم يكن (١). وقيل هو ما كان ينبت على
стр. 11933
الشفة السفلى والذقن. (وعند القزاز هي تلك الهمزة التي بين الشفة السفلى والذقن) (١). وقال (الخليلي) (٢): هي الشعرات بينهما (٣)، (ولذلك يقولون) (٤) في التحلية نفي العنفقة إذا لم يكن (بينهما) (٥) شعر، وقال أبو بكر: العنفق خِفَّةُ الشيء وقلته، ومنه اشتقاق العنفقة، فدلَّ هذا أن العنفقة الشعر، وأنه سمي بذلك لقلته وخفَّته.
الحديث الثالث:
حديث حريز بن عثمان -بالحاء المهملة- أنه سأل عبد الله بن بُسر -بالسين المهملة- صاحب رسول الله ﷺ قال: أَرَأَيْتَ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ شَيْخًا قَالَ: كَانَ فِي عَنْفَقَتِهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ.
قلت: ولعله المراد من حديث أبي جحيفة الذي قبله: ورأيت بياضًا من تحت شفته (السفلى) (٦) العنفقة.
الحديث الرابع:
حديث رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَصِفُ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: كَانَ رَبْعَةً مِنَ القَوْمِ، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ وَلَا بِالْقَصِيرِ، أَزْهَرَ اللَّوْنِ، لَيْسَ بِأَبْيَضَ أَمْهَقَ وَلَا آدَمَ، لَيْسَ بجَعْدٍ قَطَطٍ وَلَا سَبْطٍ رَجِلٍ، أُنْزِلَ عَلَيْهِ وَهْوَ ابن أَرْبَعِينَ، فَلَبِثَ بِمَكَّةَ عَشْرَ سِنِينَ يُنْزَلُ عَلَيْهِ،
стр. 11934
وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ، وَلَيْسَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ عِشْرُونَ شَعَرَةً بَيْضَاءَ. قَالَ رَبيعَةُ: فَرَأَيْتُ شَعَرًا مِنْ شَعَرِهِ، فَإِذَا هُوَ أَحْمَرُ فَسَأَلْتُهُ، فَقِيلَ: احْمَرَّ مِنَ الطِّيبِ.
وعن أنس أيضًا مثله بطوله، ويأتي في اللباس أيضًا (١)، وأخرجه مسلم والترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي في الزينة مختصرًا (٢).
قوله: (ليس بالطويل ولا بالقصير) هو بيان لقوله: (ربعة) فليس بالطويل البائن كما في الرواية الثانية الذاهب طولًا المضطرب القامة، مضطرب من طوله كما قاله الأخفش (قال) (٣): وهو عيب في الرجال والنساء. (وأزهر اللون) هو البياض المشرب بحمرة، وقيل: هو أبيض اللون ناصعه.
وقوله: (ليس بأبيض أمهق، ولا آدم)، الأمهق: الشديد البياض الذي لا يخالط بياضه شيء من العمرة، وليس بنير ولكن كون الجصِّ ونحوه، يقول: فليس هو كذلك. وقال الأخفش وغيره: هو الأبيض الذي ليس بمشرب يتوهم أنه مرض من شدة بياضه (وإنما كان بياضه) (٤) مشربًا بحمرة.
وقال ابن التين: قوله: (ليس بأبيض) يريد أنه ليس بأبيض أمهق، وقال الداودي: إنما ابتدلت اللفظتان في رواية مالك: ليس بالأبيض (٥)، وقد عرفت أن رواية البخاري: ليس بأبيض أمهق. بالجمع بينهما،
стр. 11935
وقد (نقله) (١) هو بعد.
ونقل عن الداودي أن قوله: (أمهق) وهم، إنما هو ليس بأمهق، وهذا في رواية أبي ذر، وليس في رواية الشيخ أبي الحسن.
وقال القاضي عياض: وقع في رواية المروزي (٢): (أزهر اللون أمهق) وهو خطأ. وجاء في أكثر الروايات: (ليس بالأبيض ولا بالآدم) وهو غلط أيضًا وصوابه: (ليس بالأبيض الأمهق) (٣).
والآدم قيل: الأسمر، وقيل فوقها يعلوه سواد قليل. وعبارة ابن التين في كتاب اللباس: قوله: (وليس بالآدم) يعني: ليس بأسمر، قال الجوهري: الأُدّمة السُّمرة (٤). وكذلك قال ابن فارس (٥)، وقيل هو الشديد السمرة، وذكر صاحب "الموعب" أن الأمهق: الجصُّ البياض، وقيل: بياض في زُرقَة. وامرأة مهقاء ومقهاء، وقال بعضهم: هما الشديد البياض. وعن ابن دريد هو بياض سمج لا تخالطه حمرة ولا صفرة (٦)، وفي "التهذيب": بياض ليس بنَيِّرٍ. وفي "الجامع": بياض شديد مفتح، أي مثل بياض البرص. وقيل: المهق مثل المره سواء، وهو ترك الكحل، وقيل: هو شدة الخضرة. والجعد القطط يريد شدة الجعودة، وقال الأخفش: القطط الذي فيه تكسر والتواء لا يسترسل كشعر الحبش.
стр. 11936
(قال الهروي: الجعد غير السبط محمود لأن السبوطة أكثرها في شعور العجم) (١)(٢).
وقوله (ولا سبط) أي ليس بمرسل الشعر كشعر الهند، كان بوسط الخلقة، كان فيه جعودة بصقلة، وقيل: المسترسل من الشعر الذي فيه تكسر هو السبط.
وقوله: (رَجِل) أي سرح الشعر (مسترسله) (٣).
فصل:
قوله: (أنزل عليه -أي الوحي- وهو ابن أربعين) هو قول الأكثرين، وقيل: وعشرة أيام، وقيل: وشهرين، وذلك يوم الإِثنين لسبع عشرة خلت من رمضان، وقيل: لسبع. وقيل: لأربع وعشرين ليلة منه، فيما ذكره ابن عساكر (٤).
وعن أبي قلابة: نزل عليه القرآن لثمان عشرة (ليلة) (٥) خلت من رمضان (٦).
وعند المسعودي: (يوم الإثنين) (٧) لعشر خلون من ربيع الأول، وعند ابن إسحاق: ابتدأ بالتنزيل يوم الجمعة من رمضان (٨).
стр. 11937
(وفي "تاريخ الجعابي") (١)(٢): بعثه وعمره أربعون سنة وعشرون يومًا، وهو تاسع شباط لتسعمائة وأربعة وعشرين عامًا من سنين ذي القرنين.
وقال ابن عبد البر: يوم الإثنين لثمان خلون من ربيع الأول سنة إحدى وأربعين من الفيل، وقيل: في أول ربيع منه (٣) وفي "تاريخ يعقوب بن سفيان الفسوي": على رأس خمس عشرة سنة من بنيان الكعبة (٤)، وعن مكحول: أوحي إليه بعد اثنتين وأربعين سنة.
وقال الواقدي، وابن أبي عاصم، والدولابي في "تاريخ": نزل عليه القرآن وهو ابن ثلاث وأربعين سنة لتسع وعشرين من رجب، قاله الحسين بن علي بن أبي طالب.
وجمع بين هذِه الأقوال والأول بأن ذلك حين حمي الوحي وتتابع، فتحصلنا في السن على أقوال، اثنين وأربعين ونيف، اثنين وأربعين، ثلاث وأربعين.
وفي الشهر على ثلاثة أقوال: ربيع الأول، رمضان، رجب.
وعند الحاكم مصححًا أن إسرافيل وكل به أوَّلًا ثلاث سنين قبل جبريل (٥)، وأنكر ذلك الواقدي وقال: أهل العلم ببلدنا ينكرون أن يكون وكل به غير جبريل (٦).
стр. 11938
وزعم السهيلي أن إسرافيل وكل به تدربًا وتدريجًا لجبريل كما كان أول نبوته الرؤيا (الصادقة) (١)(٢).
فصل:
قوله: (فلبث بمكة عشر سنين) هذا على رواية أنس، ومن يقول توفي ابن ثلاث وستين يقول: لبث بها ثلاث عشرة. وكذا يلزم من قال: توفي ابن خمس وستين أن يقول: لبث بها خمس عشرة سنة ومن يقول: اثنين وستين يقول: لبث ثنتي عشرة، إذ لم يختلف في إقامته بالمدينة أنها عشر سنين.
فصل:
وقوله: (فقيل أحمر من الطيب) أي أنه لم يختضب كما صرح به في الصحيح، وقد سلف الاختلاف فيه. واختضب أبو بكر بالحناء والكتم وعمر بالحناء بحتا -بالحاء المهملة ثم مثناة فوق- أي: خالصًا، كما أخرجه مسلم (٣).
الحديث الخامس:
حديث البراء: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَحْسَنَ النَّاسِ وَجْهًا، وَأَحْسَنَهُ خَلْقًا، لَيْسَ بِالطَّوِيلِ البَائِنِ وَلَا بِالْقَصِيرِ.
(خلقا) (٤) بضم الخاء كما وصفه الله بقوله ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ (٤)﴾.
стр. 11939
الحديث السادس:
حديث قَتَادَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَنَسًا ﵁: هَلْ خَضَبَ النَّبِيُّ ﷺ ؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي (صُدْغَيْهِ) (١). قد سلفت الإشارة إلى ذلك قريبًا.
الحديث السابع:
حديث البراء بن عازب ﵁: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مَرْبُوعًا، بَعِيدَ مَا بَيْنَ المَنْكِبَيْنِ، لَهُ شَعَرٌ يَبْلُغُ شَحْمَةَ أُذُنِيهِ، رَأَيْتُهُ فِي حُلَّةٍ حَمْرَاءَ لَمْ أَرَ شَيْئًا قَطُّ أَحْسَنَ مِنْهُ.
وقَالَ يُوسُفُ بْنُ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنْ أَبِيهِ: إِلَى مَنْكِبَيْهِ.
وهذا التعليق قد أسنده بعدُ عن أحمد بن سعيد، ثنا إسحاق بن منصور، ثنا إبراهيم بن يوسف ثنا أبي، عن أبي إسحاق، عن البراء. ومن صفاته أنه كان كثير شعر الرأس كما رواه عليٌّ كذلك (٢)، وقالت أم هانئ: قدم رسول الله ﷺ قدمة وله أربع غدائر. تعني: ضفائر.
قال الداودي وقوله: شحمة أذنيه والأخرى إلى منكبيه قد نقص عنها، أو أحدهما وهم. قلت: لا وَهَمَ والجمع ممكن.
الحديث الثامن:
حديث أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: سُئِلَ البَرَاءُ ﵁: أَكَانَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ مِثْلَ السَّيْفِ؟ قَالَ: لَا، بَلْ مِثْلَ القَمَرِ.
وفي لفظ: أكان وجه رسول الله ﷺ حديدًا مثل السيف؟ قال: لا، ولكنه كان مثل القمر (٣).
стр. 11940
وفي مسلم من حديث جابر بن سمرة قال له رجل: أكان رسول الله ﷺ وجهه مثل السيف قال جابر: لا (١)، مثل الشمس والقمر مستديرًا (٢)، وفي رواية عنه: رأيته في ليلة إضحيان (٣) وعليه حلة حمراء فجعلت أنظر إليه وإلى القمر فلهو كان أحسن في عيني من القمر.
الحديث التاسع:
حديث أبي جحيفة ﵁: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بالْهَاجِرَةِ إِلَى البَطْحَاءِ، فَتَوَضَّأَ ثُمَّ صَلَّى الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ وَالْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَنَزَةٌ. وَزَادَ فِيهِ عَوْنٌ، عَنْ أَبِيهِ أَبِي جُحَيْفَةَ قَالَ: كَانَ تمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا المَرْأَةُ، وَقَامَ النَّاسُ فَجَعَلُوا يَأْخُذُونَ يَدَيْهِ فَيَمْسَحُونَ بِهَا وُجُوهَهُمْ. قَالَ: فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ فَوَضعْتُهَا عَلَى وَجْهِي، فَإِذَا هِيَ أَبْرَدُ مِنَ الثَّلْجِ، وَأَطْيَبُ من رَائِحَةً المِسْكِ.
وقد سلف (٤).
والبطحاء: المكان المتسع ليس فيه ماء (٥) ولا شجر. والعنزة العكازة أو العصا كان في أعلاه قرن. وفيه أن سترة الإمام سترة لمن خلفه، (وقال الداودي: فيه أن الإمام سترة لمن خلفه) (٦) واعترض ابن التين فقال: ليس كما ذكر لما ذكرناه.