قوله: (كأن مشيتها مشية رسول الله ﷺ )، كان ﵇ إذا مشى كأنه ينحدر من صبب وهو دال على فضلها. قال ﵇ لجعفر: "أشبهت خَلقي وخُلقي" (١) وفي هذِه الرواية أنها ضحكت؛ لإخباره لها أنها سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين، وفي الثانية؛ لأنها أول أهل بيته يتبعه.
وفي الرواية الأولى أنها بكت منه ومن قوله: "ما أراه إلا حضر أجلي". فليتأمل الجمع.
وماتت بعد أبيها بستة أشهر، قالت عائشة: وذلك في رمضان، عن خمس وعشرين سنة، وقيل: ماتت بعده بثلاثة أشهر.
وذكر أبو محمد في آخر "جامع مختصره" أن عمرها حينئذ تسعًا وعشرين سنة.
وفيه: أن المرء لا يحب البقاء بعد محبوبه، قال ابن عمر في عاصم:
فليت المنايا كن خلفن عاصمًا … فعشنا جميعًا أو ذهبن بنا معًا
قيل: وما رئيت فاطمة ضاحكة بعد رسول الله ﷺ إلا تبسمًا حتى ماتت، وتبسمت فيما قيل عند قولها لامرأة: ترين ما صنع بي المرض، فأرتها ما تصنع على النعش فتبسمت وقالت: سترتيني سترك الله (٢).
стр. 12007
الحديث السابع بعد الأربعين:
حديث أَبِى بِشْرٍ -واسمه جعفر بن أبي وحشية إياس- عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ﵁ يُدْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ: إِنَّ لَنَا أَبْنَاءً مِثْلَهُ. فَقَالَ: إِنَّهُ مِنْ حَيْثُ تَعْلَمُ. فَسَأَلَ عُمَرُ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ الآيَةِ ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١)﴾ [النصر: ١]. فَقَالَ: أَجَلُ رَسُولِ اللهِ ﷺ أَعْلَمَهُ إِيَّاهُ. قَالَ: مَا أَعْلَمُ مِنْهَا إِلاَّ مَا تَعْلَمُ.
إنما حصل له ذلك بدعاء رسول الله ﷺ : "اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل" (١).
الحديث الثامن بعد الأربعين:
حديث ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما -: خَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي مَرَضِهِ الذِي مَاتَ فِيهِ بِمِلْحَفَةٍ قَدْ عَصَّبَ بِعِصَابَةٍ دَسْمَاءَ، حَتَّى جَلَسَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَحَمِدَ اللهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ النَّاسَ يَكْثُرُونَ وَيَقِلُّ الأَنْصَارُ". الحديث.
والدسماء: السوداء على ما قاله الخطابي (٢). وقال الداودي: هي التي أخذ فيها العرق ونحوه.
وفيه: التجاوز عن الهفوة ما لم تكن حدًّا.
стр. 12008
الحديث التاسع بعد الأربعين:
حديث أَبِي مُوسَى -وهو إسرائيل بن موسى بصري كان ينزل الهند- عَنِ الحَسَنِ، عَنْ أَبِي بَكْرَةَ: أَخْرَجَ النَّبِيُّ ﷺ ذَاتَ يَوْمٍ الحَسَنَ، فَصَعِدَ بِهِ عَلَى المِنْبَرِ فَقَالَ: «ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ مِنَ المُسْلِمِينَ».
هذا الحديث تقدم في الصلح، وهو دليل على ولاية المفضول بحضرة الفاضل.
الحديث الخمسون:
حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ أَنه ﵇ نَعَى جَعْفَرًا وَزَيْدًا قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ خَبَرُهُمْ، وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ.
الحديث الحادي بعد الخمسين:
حديث جَابِرٍ ﵁: «هَلْ لَكُمْ مِنْ أَنْمَاطٍ؟ .. ». الحديث.
وقد سلف أيضًا، فأخبر ﵇ أنها ستكون، ودلهم على ترك السرف وابتغاء القصد بين الأنماط ليظهر نعمة الله عنده ولا يريد رياء ولا سمعة.
وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : «فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبَيْنِ». [٧٠٢٢ - مسلم: ٢٣٩٢]
٣٦٣٤ - حَدَّثَنِي عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ ﵇ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟». أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ يُخْبِرُ جِبْرِيلَ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
(باب) أي من أعلام نبوته أيضًا. وذكر فيه ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: انْطَلَقَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ مُعْتَمِرًا، فَنَزَلَ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَبِي صَفْوَانَ، وَكَانَ أُمَيَّةُ إِذَا انْطَلَقَ إِلَى الشَّأْمِ فَمَرَّ بِالْمَدِينَةِ نَزَلَ عَلَى سَعْدٍ، فَقَالَ أُمَيَّةُ لِسَعْدٍ: انْتَظِرْ حَتَّى إِذَا انْتَصَفَ النَّهَارُ، وَغَفَلَ النَّاسُ انْطَلَقْتُ فَطُفْتُ، فإِذَا أَبُو جَهْلٍ. وذكر فيه قتله ببدر.
وفيه: أنهم كانوا يعتمرون بالمدينة قبل أن يعتمر رسول ﷺ .
وفيه: موآخاة المشركين.
وفيه: أمر أمية لسعد لا يرفع صوته على أبي جهل تلطفًا منه؛ لئلا يلحقه مكروه.
وقوله: (فلما خرجوا إلى بدر جاءهم الصريخ) فيه تقديم وتأخير، وهو أن الصريخ جاءهم فخرجوا إلى بدر، أخبرهم أنه ﵇ وأصحابه خرجوا إلى عير أبي سفيان، فخرجت قريش أشرين بطرين موقنين عند أنفسهم أنهم غالبون فكانوا ينحرون يومًا عشرة من الإبل ويومًا تسعة.
стр. 12011
وقوله: (فتلا حيا) أي: تسابا. وقيل: تنازعا، وهو متقارب، ويأتي في غزوة بدر إن شاء الله.
فائدة:
أمية بن خلف هو ابن وهب بن حذافة بن جمح. ولما قال النضر بن الحارث العبدري: إن الملائكة بنات الله. فأنزل الله: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ [الزخرف: ٨١] وقال: ألا ترونه قد صدقني؟ قال أمية له- وكان أفصح منه-: لا والله بل كذبك. فقال: ما كان للرحمن ولد (١).
ومظعون بن حبيب بن وهب ابن عم أمية بن خلف بن وهب. وعمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف على نسق مطعم بن مطعم بن مطعام بن مطعام، ليس في بيوت قريش مثلهم. وفي الأنصار قيس بن سعد بن عبادة بن دليم بن حارثة بن أبي خزيمة بن ثعلبة بن طريف بن ساعدة بصيغة على نسق جواد بن جواد بن جواد، على سبعة ليس في العرب قابلته غيرهم نقلته من خط الدمياطي.
الحديث الثاني:
حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ المُغِيرَةِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: «رَأَيْتُ النَّاسَ مُجْتَمِعِينَ فِي صَعِيدٍ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَنَزَعَ ذَنُوبًا -أَوْ ذَنُوبَيْنِ- وَفِي بَعْضِ نَزْعِهِ ضَعْفٌ، وَاللهُ يَغْفِرُ لَهُ، ثُمَّ أَخَذَهَا عُمَرُ، فَاسْتَحَالَتْ بِيَدِهِ غَرْبًا، فَلَمْ أَرَ عَبْقَرِيًّا فِي النَّاسِ يَفْرِي فَرِيَّهُ، حَتَّى ضَرَبَ النَّاسُ بِعَطَنٍ».
стр. 12012
وَقَالَ هَمَّامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "فَنَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبَيْنِ".
الشرح:
عبد الرحمن شيخ البخاري هو عبد الرحمن بن عبد الملك بن محمد بن شيبة، فشيبة جده الأعلى أبو مسلم القرشي الحزامي مولاهم المدني وروى النسائي عن رجل عنه.
وشيخه عبد الرحمن بن المغيرة هو ابن عبد الرحمن بن عبد الله بن خالد بن حزام بن خويلد أبو القاسم الثقة، أخرج له أبو داود أيضا، ووالده عالم بالنسب يسمى قُصيًّا ثقة، وقال النسائي وغيره: ليس بالقوي.
وابنه عبد الرحمن من فقهاء أهل المدينة.
وموسى بن عقبة إمام ثقة، وهذِه رؤيا منام.
والذنوب: الدلو العظيم، قاله ابن فارس (١)، وسلف بزيادة.
وقوله ("وفي نزعه ضعف") يريد ما قاله المسلمون في خلافته من أقوال المشركين.
وقوله ("والله يغفر له") أي قد غفر الله له، وقيل: ضعف نزعه اشتغاله بقتال أهل الردة فلم يتفرغ لفتح الأمصار وجباية الأموال وقصر مدته فإنها سنتان وثلاثة أشهر وعشرون يوما.
وقوله: ("ثم أخذها عمر") يعني: الخلافة، وممن صرح به الداودي.
والغَرب: الدلو العظيمة يستقى بها البعير فهي أكبر من الذنوب. وقال الداودي: يعني: أحالت بباطن كفيه فصارت بها حمرة من كثرة
стр. 12013
الاستقاء، وأنكره كثير من أهل العلم وجود نزعه طول أيامه وما فتح الله في عهده وأغنمه المسلمين.
وقوله: ("فلم أر عبقريًّا .. ") إلا آخره قال الخطابي: يقال في الشجاع: ما يفري أحد فريه مخففة الياء، ومن شدد أخطأ قالوا معناه: ما كل أحد يفري على عمله. قال الجوهري: فلان يفري الفرى إذا كان يأتي، بالعجيب (١). والعبقري: الحاذق في عمله، وقيل: سيد القوم ومقدمهم، وقيل: أصل هذا كله: أرض تسكنها الجن، فصار مثلًا إلى كل منسوب إلى شيء رفيع وقيل: هي قرية يعمل فيها النيات الحسنة؛ فنسب إليها كل شيء جيد، وقيل: كل شيء بلغ النهاية في الخير والشر. ذكره الخطابي (٢).
وقوله: ("حتى ضرب الناس بعطن") يقول: حتى أتى الإبل الماء يعني: تشربه في منازلها من غير أن تشاق فيه، فتشربه، والعطن: مناخ الإبل إذا صدرت عن الماء.
الحديث الثالث:
حَدَّثَنِى عَبَّاسُ بْنُ الْوَلِيدِ النَّرْسِيُّ، ثَنَا مُعْتَمِرٌ، عن أبيه ثَنَا أَبُو عُثْمَانَ قَالَ: أُنْبِئْتُ أَنَّ جِبْرِيلَ أَتَى النَّبِيَّ ﷺ وَعِنْدَهُ أُمُّ سَلَمَةَ، فَجَعَلَ يُحَدِّثُ ثُمَّ قَامَ، فَقَالَ لأُمِّ سَلَمَةَ: «مَنْ هَذَا؟». أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَتْ: هَذَا دِحْيَةُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: ايْمُ اللهِ مَا حَسِبْتُهُ إِلاَّ إِيَّاهُ حَتَّى سَمِعْتُ خُطْبَةَ نَبِيِّ اللهِ ﷺ يُخْبِرُ جِبْرِيلَ، أَوْ كَمَا قَالَ. قَالَ: فَقُلْتُ لأَبِي عُثْمَانَ: مِمَّنْ سَمِعْتَ هَذَا؟ قَالَ: مِنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ.
стр. 12014
هذا الحديث يأتي في فضائل القرآن أيضًا، وأخرجه مسلم في فضائل أم سلمة (١).
وفيه: تمثله ﵇ بدحية فظهر ذلك لخبره ﵇، وربما لم يره إلا رسول الله ﷺ ؛ ولهذا قالت عائشة ﵂ لما أقرأها سلامه: ترى ما لا نرى (٢).
ووجه إيراد البخاري هذا الحديث هنا؛ لأنه هو الذي كان يخبره بالمغيبات فكان علمًا من أعلام نبوته. قال ابن التين: وإتيانه إما أن يكون من وراء حجاب أو قبل نزول الحجاب.
فائدة:
شيخ البخاري كنيته أبو الفضل، وجده بصري، روى له مسلم أيضًا والنسائي، وهو صدوق تُكلم فيه، مات سنة ثمان وثلاثين ومائتين، وابن عمه عبد الأعلى مات قبله سنة سبع وثلاثين. ومعتمر هو ابن سليمان التيمي كان رأسًا في العلم والعبادة كأبيه مات سنة سبع وثمانين ومائة. ووالده سليمان بن طرخان التيمي نزل فيهم بالبصرة من السادة، تابعي مات سنة ثلاث وأربعين ومائة. وأبو عثمان هو النهدي واسمه عبد الرحمن بن مِلّ سلف وكني في زمن رسول الله ﷺ .
ويطاف بهما (١).
وفي رواية للبخاري: نسخم وجوههما ونخزيهما (٢). وفي أكثر نسخ مسلم: نحملهما بدل: نحممهما وهو أصوب، وروي بالجيم.
وعبد الله بن سلام مخفف اللام وجده الحارث إسرائيل من بني قينقاع، وهو من ولد يوسف الصديق، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فغير، وكان حليف الأنصار، مات سنة ثلاث وأربعين في ولاية معاوية بالمدينة، شهد له الشارع بالجنة (٣).
والواضع يده على آية الرجم هو عبد الرحمن بن صوريا الأعور (٤). وقال ابن المنذر: إنه ابن صوري. وقيده بعضهم بكسر الصاد.
قوله: (فرأيت الرجل يجنأ على المرأة يقيها الحجارة) هو بجيم ثم نون، ثم ألف مهموزة ويروى بياء مثناة تحت بدلها وبضم أوله، وذكرت في "شرح العمدة" فيه سبع روايات، وكلها راجعة إلى الوقاية، منها: الحاء المهملة بضم الياء وفتحها. ومنها الباء الموحدة بدل النون (٥)، وصوب الدارقطني الإهمال، وكما ذكر ابن التين عن الخطابي أن المحفوظ بالجيم والهمز. أي: يكب عليها، يقال: جنأ يجنؤ جنوءًا (٦).
стр. 12017
وعن ابن فارس: حنوت الشيء عطفته (١). عندي أنه ليس من هذين؛ لأن جنا: يجني يكب مستقبله بالألف، وليس هو كذلك في الأصل. قلت بل هو الأصح في الأصول، وحنوت أحنو مستقبله بالواو، وليس هو كذلك في الأمهات. وقال ابن فارس: (انحنى الرجل ينحني) (٢) ولم يهمزه (٣).
وفيه من الفوائد: أن الكفار مخاطبون بفروع الشريعة، وهو الصحيح، وأنهم إذا تحاكموا إلينا نحكم شرعنا؛ لأنه ﵇ رجمهما، وأن أنكحتهم صحيحة؛ لأنه لا رجم إلا على المحصن.
وفيه: أن الإسلام ليس شرطًا في الإحصان، وهو قول الشافعي خلافًا لأبي حنيفة ومالك (٤). واعتذروا بمعتذرات: منها أن رجمهما لكونهما أهل ذمة، لعله كان قبل النهي عن قتل النساء. ومنها: أنه رجمهما بحكم التواراة، فإنه سألهم ذلك عند قدوم المدينة، وأن آية حد الزنا نزلت بعد ذلك، فبان الحديث منسوخًا ويحتاج إلى تحقيق التاريخ. وكانا من أهل العهد.
ومنها: أن ابن عمر ﵄ راويه يقول: لا تحصن أنحكة الكفار. وجوابه أن العبرة بما رواه. ومنها: أن يكون رجمهما قبل أن يكون الإحصان من شروط الرجم، وهو دعوى. واحتج به بعض الحنفية على قبول شهادة الكفار بعضهم على بعض. وجوابه: أنه كان
стр. 12018
بإقرارهما. واستدل به بعضهم على أنه لا يحفر للمرأة ولا للرجل، على أنه لو حفر لهما لم يجنأ عليها يقيها الحجارة (١).
وسيأتي في موضعه.
ثانيها:
حديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ أَهْلَ مَكَّةَ سَأَلُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ آيَةً، فَأَرَاهُمُ انْشِقَاقَ القَمَرِ.
ثالثها:
حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ الْقَمَرَ انْشَقَّ فِي زَمَانِ رسول الله ﷺ .
هذِه الثلاثة الأحاديث ذكرها بعد إسلام عمر قريبا، وترجم عليه باب انشقاق القمر، وقال هناك: وقال أبو الضحى - وهو مسلم بن صبيح، عن مسروق عن عبد الله: انشق بمكة.
قال: وتابعه محمد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبد الله، وهذِه المتابعة أخرجها البيهقي من حديث عبد الرزاق، ثنا ابن عيينة، ومحمد بن مسلم، عن ابن أبي نجيح به بلفظ: رأيت القمر منشقا شقتين مرتين (١) بمكة، شقة على أبي قبيس، وشقة على السويداء (٢)، وقد روي حديث انشقاق القمر أيضا من طرق أخر:
منها عن ابن عمر: فلقة من دون الجبل، وفلقة من خلفه، وفي حديث ابن عباس فكانت فلقة على الجبل، وفلقة على أبي قبيس
ومنها: جبير بن مطعم، وفيه: فرقة على هذا الجبل، وفرقة على هذا الجبل، فقالوا: سحرنا محمد، فقال بعضهم: إن كان سحرنا فإنه لا يستطيع أن يسحر الناس كلهم، وذلك بمنى فرأيت الجبل بين فرقتي القمر.
стр. 12021
وعن الضحاك: فقال أبو جهل: هذا سحرنا فابعثوا إلى الآفاق حتى تنظروا أرأوا ذلك أم لا، فأخبر أهل الآفاق أنهم رأوه منشقا، فقال: الكفار: هذا سحر مستمر.
ومنها: عليّ: انشق ونحن معه، وفي حديث أنس في باب انشقاق القمر، من البخاري: حتى رأوا حراء بينهما، وفي رواية: أنه أراهم القمر مرتين من انشقاقه، فنزلت ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ﴾ [القمر: ١].
ومنها: حديث حذيفة بن اليمان: ولا شك في ذلك ولا مرية، وفي رواية ابن مسعود: هذا سحر ابن أبي كبشة، فسألوا السفار يقدمون عليكم، فإن كان مثل ما رأيتم فقد صدق، وإلا فهو سحر، فقدم السفار فسألوهم فقالوا: رأيناه قد انشق (١)، وسيأتي ذكره في التفسير.
وأيضًا لا شك في عظمها، بل لا يكاد يعدلها شيء من آيات الأنبياء؛ لأنه أمر ظاهر في الأملاك العلوية خارج من جملة طباع ما في هذا العالم المركب من الطبائع، فطبع في مثله بحيلة وعلاج وتأليف وتركيب، ونحوها من الأمور التي يتعاطها (المحتالون) (٢) ويتصنع بها المتكلفون فلذلك صار الخطب فيه أعظم، ولا عبرة بمن أنكر ذلك معللا بأنه لو كان ذلك حقيقة لم يجز أن يخفى أمره على العوام، ولتواترت الأخبار؛ لأنه أمر مصدره عن حس ومشاهدة، والناس فيه شركاء، وهم مطالبون بنقل الغريب، والأمر العجب، فقد قال الله تعالى ﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ (١)﴾ لا يقال: هي الماضي المراد به المستقبل: لأنه لا يرد إليه إلا بدليل.
стр. 12022
وقد قال عقيبه: ﴿وَإِنْ يَرَوْا آيَةً يُعْرِضُوا﴾ [القمر: ٢] وهذا لا يكون في القيامة وهذا ليس باب قياس، وقد طلبه جماعة خاصة فأراهم ذلك مع كثرة الناس، هذا يطرأ ولا يشعر به كثير من الناس.
وقوله: (إن أهْلَ مكةَ سألوا رسولَ الله ﷺ ) يريد: كفار قريش.
عَنِ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنِّي سَمِعْتُ مِنْكَ كَثِيرًا فَأَنْسَاهُ. قَالَ: «ابْسُطْ رِدَاءَكَ». فَبَسَطْتُ فَغَرَفَ بِيَدِهِ فِيهِ، ثُمَّ قَالَ: «ضُمَّهُ» فَضَمَمْتُهُ، فَمَا نَسِيتُ حَدِيثاً بَعْدُ. ٤/ ٢٥٤ [انظر: ١١٨ - مسلم: ٢٤٩٢ - فتح: ٦/ ٦٣٣]
ذكر فيه تسعة أحاديث:
أحدها:
حديث أَنَس ﵁ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ، يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
هذا الحديث سبق في أحكام المساجد، واتفق إيراد البخاري هناك باتحاد المتن والسند، وهو قليل، وهي كرامة لهما لصحبتهما النبي ﷺ لخروجهما من عنده.
الحديث الثاني:
حديث المُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ﵁، أن النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «لَا يَزَالُ نَاسٌ مِنْ أُمَّتِي ظَاهِرِينَ حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ ظَاهِرُونَ».
وهذا الحديث يأتي في الاعتصام إن شاء الله تعالى.
الحديث الثالث:
عُمَيْرُ بْنُ هَانِئٍ، أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاوِيَةَ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ : «لَا يَزَالُ مِنْ أُمَّتِي أُمَّةٌ قَائِمَةٌ بِأَمْرِ اللهِ، لَا يَضُرُّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ، حَتَّى يَأْتِيَهُمْ أَمْرُ اللهِ وَهُمْ عَلَى ذَلِكَ». قَالَ عُمَيْرٌ: فَقَالَ مَالِكُ بْنُ يُخَامِرَ: قَالَ مُعَاذٌ: وَهُمْ بِالشَّأْمِ. فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: هَذَا مَالِكٌ يَزْعُمُ أَنَّهُ سَمِعَ مُعَاذًا يَقُولُ: وَهُمْ بِالشَّامِ. ويأتي في التوحيد (١).
стр. 12026
وشيخ البخاري الأول (١): عبد الله بن أبي الأسود وهو ابن محمد بن أبي الأسود، حميد بن الأسود أبو بكر البصري الحافظ ابن أخت عبد الرحمن بن مهدي قاضي همدان، مات سنة ثلاث وعشرين ومائتين، وهو من أفراد البخاري عن مسلم.
وفي إسناد الثاني (٢): ابن جابر، وهو عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي، أخو يزيد بن يزيد، وعبد الرحمن الأكبر، مات سنة ثلاث وخمسين ومائة.
قال الداودي: في قول معاذ لعله ذكر الشام في حديث آخر ثم ذكر هذا ليبين أنه لا تكون الظاهرة إلا بالشام.
وقوله: ("حتى يأتي أمر الله") يعني: القيامة.
وقال البخاري في موضع آخر: هم أهل العلم (٣)، وقيل: هي ظاهرة بالمغرب، وفي مسلم عن سعد بن أبي وقاص مرفوعًا: "لا يزال أهل الغرب ظاهرين على الحق حتى تقوم الساعة" (٤)، والشام غير الغرب؛ لأن الشام من المدينة، ومكة ليست من الغرب بين اليمن والشام، وحديث مالك بن يخامر لم يرفعه، وحديث سعد مرفوع.
стр. 12027
الحديث الرابع:
حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ -هو ابن المديني- ثنا سُفْيَانُ -وهو ابن عيينة- ثَنَا شَبِيبُ بْنُ غَرْقَدَةَ قَالَ: سَمِعْتُ الحَيَّ يُحَدِّثُونَ، عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَعْطَاهُ دِينَارًا يَشْتَرِي بِهِ شَاةً، (فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ) (١)، فَبَاعَ إِحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ وَجَاءَهُ بِدِينَارٍ، وَشَاةٍ، فَدَعَا لَهُ بِالْبَرَكَةِ فِي بَيْعِهِ، وَكَانَ لَوِ اشْتَرَى التُّرَابَ لَرَبِحَ فِيهِ. قَالَ سُفْيَانُ: كَانَ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ جَاءَنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ، قَالَ: سَمِعَهُ شَبِيبٌ بنْ غرْقدةَ، مِنْ عُرْوَةَ فَأَتَيْتُهُ، فَقَالَ شَبِيبٌ: إِنِّى لَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ عُرْوَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ الْحَيَّ يُخْبِرُونَهُ عَنْهُ. ولكن سمعته يقول: سمعت النبي ﷺ يقول: «الخَيْرُ مَعْقُودٌ بِنَوَاصِي الخَيْلِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ». قال: وقد رأيت في داره سبعين فرسًا. قال سفيان: يشترى له شاة كأنها أضحية.
هذا الحديث ذكره البخاري هنا كذلك، وذكر حديث الجبل مقتصرًا عليه في الجهاد وفيه جهالة الحي كما ترى، فهو غير متصل، والشافعي توقف فيه، في بيع الفضولي، فقال: إن صح.
قلت: به كذا في البويطي، وحكى المزني عن الشافعي أنه حديث ليس بثابت عنده، قال البيهقي: وإنما ضعفه؛ لأن شبيب بن غرقدة رواه عن الحي، وهم غير معروفين (٢)، وقال في موضع آخر: وإنما قال الشافعي: لما في إسناده من الإرسال، وهو أن شبيب بن غرقدة لم يسمعه من عروة البارقي، إنما سمعه من الحي يخبرونه عنه (٣)، وقال في موضع آخر: الحي الذي أخبر شبيب بن غرقدة عن عروة، لا أعرفهم،
стр. 12028
وليس هذا من شرط أصحاب الحديث في قول الأخيار، ولهذا قال الخطابي: إنه خبر غير متصل؛ لأن الحي حدثوه عن عروة، وكان سبيله من الرواة لم تقم به الحجة (١).
وقال الشافعي في "الأم": قد روى هذا الحديث (غير) (٢) سفيان بن عيينة عن شبيب فوصله ويرويه عن عروة بمثل هذِه القصة أو معناها (٣).
ولعله يشير إلى رواية سعيد بن زيد (٤) أخي حماد بن زيد في الدارقطني وهو من رجال مسلم، واستشهد به البخاري، وثقه جماعة، وضعفه يحيى القطان.
وقال المنذري في "اختصاره للسنن": تخريج البخاري لهذا الحديث في صدر حديث: "الخير معقود بنواصي الخيل" يحتمل أن يكون سمعه من علي بن المديني على التمام فحدث به كما سمعه، وذكر فيه إنكار شبيب سماعه من عروة حديث الشاة، وإنما سمعه من الحي عن عروة، وإنما سمع من عروة قوله ﷺ : "الخير معقود بنواصي الخيل"، ويشبه أن الحديث لو كان على شرطه لأخرجه في البيوع والوكالة كما جرت عادته في الحديث الذي يشتمل على أحكام أن يذكره في
الأبواب التي تصلح له، ولم يخرجه إلا هنا، وذكر بعده حديث الخيل من رواية ابن عمر وأنس وأبي هريرة، فدل ذلك أن مراده حديث الخيل فقط إذ هو على شرطه، وقد أخرج مسلم حديث شبيب بن غرقدة
стр. 12029
مقتصرًا على ذكر الخيل، ولم يذكر حديث الشاة (١).
وذكره ابن حزم في "محلاه" من طريق ابن أبي شيبة عن سفيان عن شبيب عن عروة (ومن طريق أبي داود) (٢) وأخرجه أيضًا الترمذي وابن ماجه (٣)، ثم قال: أحد طريقيه سعيد بن زيد، وهو ضعيف وقد أسلفنا من وثقه وفيه (٤) أيضًا أبو لبيد لُمازة بضم اللام ابن زبار بفتح الراء، وتشديد الباء الموحدة وليس بمعروف العدالة (٥).
قلت: بلى ذكره ابن سعد في الطبقة الثانية، وقال: سمع من علي، وكان ثقة (٦)، وقال آخر: صالح الحديث، وأثنى عليه ثناءً حسنا.
فائدة:
عروة هذا ابن عياض بن أبي الجعد البارقي نسبة إلى بارق، جبل باليمن نزله بنو سعد بن عدي بن حارثة بن عمرو مزيقيا فسموا به، ومن قال فيه: عروة بن الجعد كما قاله غندر فقد وهم، قاله ابن المديني، استعمله عمر ﵁ على قضاء الكوفة قبل شريح، وفي الصحابة والتابعين خلق على هذا النمط، فمن الصحابة أوس بن أوس الثقفي، ويقال فيه: ابن أبي أوس، وبشر بن أرطأة، ويقال فيه: ابن أبي أرطأة، وغير ذلك.
стр. 12030
فصل:
سلف تفسير حديث: "الخير (١) معقود بنواصي الخيل" في الجهاد واضحًا.
وأما فقه حديث عروة فإذا وكل في شراء شاة بدينار فاشترطا شاتين بدينار كل واحدة منهما أو إحداهما مساوية لدينار، فيقع الشراء للموكل، وفي تصرف الفضولي للشافعي قولان: أظهرهما على البطلان، وثانيهما: موقوف إن أجاز مالكه، بعذر وإلا فلا؛ تعلقًا بهذا الحديث، وهو مشهور مذهب مالك وأبي حنيفة وإسحاق، واختلف قول المالكية فيما إذا أمر بشراء سلعة فوجد سلعتين من صفة ما أمر به، وفيهما ما أمر به وأخذ، وقدر على شراء واحدة بحصتها من الثمن، فقال ابن القاسم: الآمر غير إن شاء أخذ واحدة بحصتها من الثمن، ويرجع ببقية الثمن على المأمور، وإن شاء أخذهما جميعًا، وقال أصبغ عند ابن حبيب: يلزمان الآمر جميعًا، وقال عبد الملك في "مبسوطه": إن شاء الآمر أخذهما جميعا أو تركهما جميعا.
الحديث الخامس:
حديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: «الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الخَيْرُ إِلَى يَوْمِ القِيَامَةِ».
وقد سلف كما قلنا في الجهاد.
الحديث السادس أيضا وفيه أبو التياح واسمه: يزيد بن حميد، وشيخه فيه: قيس بن حفص بن القعقاع أبو محمد البصري الدارمي مولاهم، من أفراده، وقال: مات سنة تسع وعشرين ومائتين،
стр. 12031
أو نحوها، وقال غيره: سنة سبع، وليس في شيوخهم من اسمه قيس سواه، وشيخ قيس خالدُ بن الحارث بن عبيد أبو عثمان الهجيمي البصري، مولده سنة سبع عشرة ومائة، ومات سنة ست وثمانين.
الحديث السابع:
حديث أبي هريرة ﵁: "الخيل لثلاثة رجل" الحديث. سلف في الجهاد أيضًا (١).
الحديث الثامن:
حديث أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁: صَبَّحَ رَسُولُ اللهِ ﷺ خَيْبَرَ بُكْرَةً وَقَدْ خَرَجُوا بِالْمَسَاحِي، فَلَمَّا رَأَوْهُ قَالُوا مُحَمَّدٌ وَالْخَمِيسُ. وَأَحَالُوا إِلَى الحِصْنِ يَسْعَوْنَ، فَرَفَعَ النَّبِيُّ ﷺ يَدَيْهِ وَقَالَ: «اللهُ أَكْبَرُ، خَرِبَتْ خَيْبَرُ، إِنَّا إِذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ المُنْذَرِينَ».
هذا الحديث سلف في الجهاد، في باب التكبير عند الحرب (٢).
ومعنى ("خربت"): ستخرب في توجهنا، هذا وقد وقع ذلك، و (أحالوا): بالحاء المهملة، أقبلوا هاربين إليه، قال أبو عبيد: يقال: أحال الرجل إلى مكان كذا تحول إليه، وقال الخطابي: حلت عن المكان تحولت عنه أيضًا (٣).
ورواه بعضهم عن أبي ذر بالجيم، وليس بالشيء، إلا أن يكون من أجال الشيء أطاف به، وجال به أيضا وهو بعيد، وعليه اقتصر ابن التين، حيث قال عن أبي الهيثم: يقال أجال الرجل إذا تحول من
стр. 12032
شيء إلى شيء، وقال ابن فارس: حال الرجل إلى مكان آخر إذا تحول (١).
الحديث التاسع:
حديث أبي هريرة ﵁: يَا رَسُوَلَ اللهِ، إِنِّي أسمع مِنْكَ حديثًا فَأَنْسَاهُ. الحديث.
سلف في باب حفظ العلم بالعلم من كتاب العلم، وفيه: ابن أبي فديك، وهو أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل بن مسلم بن أبي فديك دينار المدني مولاهم مات سنة مائتين أو سنة تسع وتسعين (٢)، أو إحدى ومائتين.
وفيه ابن أبي ذئب، وهو أبو الحارث محمد بن عبد الرحمن بن المغيرة بن الحارث بن أبي ذئب هشام العامري مات سنة تسع وخمسين ومائة بالكوفة، وكان مولده عام الجحاف سنة ثمانين أو إحدى وثمانين.
وفيه: من أعلام نبوته إخباره بما يكون.
وما ذكره البخاري من أن الصحبة ثبتت بالرؤية من المسلم هو المعروف من طريقة أهل الحديث.
وفيه قول بأن الذين طالت صحبتهم على طريقة التبع له والأخذ به وهو طريق أهل الأصول وأهل اللغة، فإن ابن الحاجب رجح الأول، وعبر بقوله: من رأى رسول الله ﷺ فدخل ابن أم مكتوم الأعمى وغيره.
وقول ثالث: من أقام معه سنة أو سنتين، وغزا معه غزوة أو غزوتين قاله سعيد بن المسيب، ونقض عليه بجرير بن (عبد الله) (١) البجلي وشبهه.
ورابع: أنه من أدركه وأسلم وعقل أمور الدين، وصحبه ولو ساعة من نهار، قاله الواقدي نقلا عن أهل العلم.
وخامس: وهو أوسع من الكل ذهب إليه أبو عمر في آخرين أنه من رآه وأسلم في حياته أو ولد، وإن لم يره ولو كان ذلك قبل وفاته ﷺ بساعة لكونه معه في زمن واحد وجمعه وإياه عصر واحد مخصوص (٢).
وقال موسى السيلاغى (٣) أتيت أنس بن مالك ﵁، فقلت: هل بقي أحد من أصحاب رسول الله ﷺ غيرك قال: قد بقي ناس من الأعراب، قد رأوه، فأما من صحبه فلا، وفي الترمذي من حديث جابر ﵁ مرفوعًا، وقال: حسن: "لا تمس النار مسلمًا رآني أو رأى من رآني" (٤).
стр. 12037
فائدة:
أولهم موتًا على إطلاق فيما يقال: أم أيمن مولاة رسول الله ﷺ طعنها أبو جهل في قبلها فماتت حكاه الداودي (١)، وآخرهم موتًا على الإطلاق أبو الطفيل عامر بن واثلة، مات سنة مائة.
وأما بالإضافة إلى النواحي فقد أوضحتهم في "المقنع في علوم الحديث" (٢).
فائدة:
حديث أبي سعيد الخدري ﵁ فيه لطيفة وهي: رواية صحابي عن صحابي فإنه حدث جابر بن عبد الله عنه كذا رواه هنا، وفي الموضعين السابقين.
فائدة:
الفئام: بكسر الفاء، الجماعة، مهموز، والعامة لا تهمزه.
وقوله: ("وَلَا يُسْتَشْهَدُونَ") يعني: يظهر فيهم الزور.
وقوله: ("وَيَخُونُونَ وَلَا يُؤْتَمَنُونَ"). قيل: يطلبونها ثم يخونون فيها، وقيل: ليسوا ممن يؤتمن، وعلى هذا الأكثر.
والسمن إنما يذم ممن استدعاه دون من طبع عليه.
ومعنى ("تسبق شهادة أحدهم يمينه، ويمينه شهادته") قال الداودي: يعني: إن لم تسبق شهادته.
стр. 12038
فائدة أخر: قوله: ("خَيْرُ النَّاسِ قَرْنِي") يعني: أصحابي.
("ثم الذين يلونهم") يعني: التابع بإحسان فاشتقاقه من الأقران، واختلف في مقداره على أقوال سلفت هناك.
جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا يَا رَسُولَ اللهِ. فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا». [انظر: ٢٤٣٩ - مسلم: ٢٠٠٩ (سيأتي بعد رقم: ٣٠١٤) - فتح: ٧/ ٨]
٣٦٥٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِنَانٍ، حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَنَسٍ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لِلنَّبِيِّ ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا». [٣٩٢٢، ٤٦٦٣ - مسلم: ٢٣٨١ - فتح: ٧/ ٨]
ثم ذكر حديث إِسْرَائِيلُ -هو: ابن يونس بنْ أَبِي إِسْحَاقَ عمرو بن عبد الله أخو عيسى- عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ هو الهمداني عمرو بن عبد الله السبيعي- عَنِ البَرَاءِ قَالَ: اشْتَرَى أَبُو بَكْرٍ ﵁ مِنْ عَازِبٍ رَحْلاً بِثَلَاثَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ لِعَازِبٍ: مُرِ البَرَاءَ فَلْيَحْمِلْ إِلَيَّ رَحْلِي. فَقَالَ عَازِبٌ: لَا، حَتَّى تُحَدِّثَنَا كَيْفَ صَنَعْتَ أَنْتَ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ خَرَجْتُمَا مِنْ مَكَّةَ .. وفي آخره: فَلَمْ يُدْرِكْنَا أَحَدٌ مِنْهُمْ غَيْرُ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ جُعْشُمٍ عَلَى فَرَسٍ لَهُ، فَقُلْتُ: هَذَا الطَّلَبُ قَدْ لَحِقَنَا. فَقَالَ: «لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا».
وقد سلف قريبًا.
وحديث أنس عَنْ أَبِي بَكْرٍ ﵁ قَالَ: قُلْتُ لرسول الله ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ (إلى) (١) تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا. فَقَالَ: «مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا؟!».
و (عازب) هو بن الحارث، والد البراء. قال الواقدي: لم يسمع له ذكر في المغازي.
стр. 12041
الشرح:
أبو بكر الصديق، اسمه: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة، ولقبه: عتيق، وكان اسمه في الجاهلية، عبد الكعبة، قالت له أمه:
يا رب عبد الكعبَهْ … اسمع به يا ربَّهْ
فَهْوَ بِصَخْرٍ أشبَهْ
وسمي في الإسلام عبد الله، سمي الصديق لتصديقه برسولِ الله ﷺ .
ذكر ابن سعد أنه ﷺ لما أسري به قال لجبريل: إن قومي لا يصدقوني، فقال له جبريل: يصدقك أبو بكر وهو الصديق، وقال علي ﵁: سماه الله على لسان نبيه صديقًا، وكان يسمى أيضًا: الأواه، فيما قاله إبراهيم النخعي، ولقب: بعتيق لعتاقة وجهه بجماله؛ أو لأنه ليس في نسبه ما يعاب به؛ أو لأنه عتيق من النار، أو لأنه قديم في الخير، وكان له أخوان مُعتَق ومُعتِق، قالته عائشة فيما حكاه الزمخشري في "ربيعه"، وقال أبو طلحة: سمي عتيقًا؛ لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، ثم قالت: اللهم هذا عتيقك من الموت فهبه لي قال ابن المعلى: وكانت أمه إذا نقزته، قالت:
عتيق يا عتيق … ذو المنظر الأنيق
رشفت منه ريق … كالزرنب العتيق
وفي "وشاح ابن دريد" (١) كان يلقب ذا الخلال لعباءة كان يخلها على صدره، قال السهيلي: وكان يلقب أمير الشاكرين، فهذِه خمسة له.
стр. 12042
أمه: أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، وعند ابن سعد كما قال: وذكر ابن إسحاق: أن أباه كان يسمى عتيقا، ولم ينقل هذا غيره، وكان أبوه يلقب شارب الذهب لكثرة نفقاته.
وهو خليفة رسول الله ﷺ ، وادعى ابن خالويه في كتاب: "ليس" أنه خالفته لا خليفته؛ لأن المخالفة الذي يكون بعد الرئيس الأول قالوا له: يا خليفة رسول الله ﷺ قال: إني لست خليفته، ولكن خالفته، كنت بعده، أي: بقيت بعده، واستخلفت فلانا جعلته خليفتي، وقد سلف الرد عليه.
الحديثان فيهما منقبة ظاهرة للصديق في قوله: ("لا تحزن إن الله معنا") وقوله: ("مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا").
وقول عازب: (لا حتى تحدثنا). استدل به -كما قاله الخطابي- بعض العلماء على جواز ما يأخذه شيوخ السوء من المحدثين على الحديث، وذلك أن عازبًا لم يحمل رحله إلى بيته حتى حدثه الصديق بقصِّ مخرجه مع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يكن هذا من الصديق، ولا من عازب على مذهب هؤلاء، فإن هؤلاء القوم إنما اتخذوا الحديث بضاعة يبيعونها، ويأخذون عليها أجرًا، فهو كشرط معلوم لهم في أن لا يتحدثوا إلا بِجُعل.
وكان مما التمسه الصديق من حمل الرحل من باب المعروف والعادة المعروفة في فعل الشيء الذي له ثقل أو عظم حجم أن يحمله تلامذة
стр. 12043
التجار وخدمهم إلا رحل المبتاع، ومن المعروف أيضًا في ذلك أنهم (١) يسألون عن ذلك أجرًا، وكل ذلك يجري مجرى العرف الدائر بينهم، والمستحسن في عاداتهم إلا أن عازبًا لحرصه على معرفة القصة في مخرجه مع رسول الله ﷺ ، واستفادته علمها تعجل الفائدة، وقدَّم المسألة فيها، ولو لم يكن هناك الحمل المذكور؛ لكان الصديق لا يمنعه الفائدة من علم القصة فهل يسمح شيوخ السوء مما عندهم من الأحاديث إذا لم يرشوا، والقدوة في هذا قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢١]، وقوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ [هود: ٢٩]، وشبه ذلك من الآي، ولقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقوله ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" (٢)، ثم هو عامة مذهب السلف، والمرضيين من الخلف (٣).
قوله: (حَتَّى أَظْهَرْنَا) كذا عند أبي ذر بالألف، وأسقطها غيره، والصواب الأول أي صرنا في وقت الظهر، وقيل: إذا ساروا في وقت الظهر.
وقوله: (قُلْتُ لرسول الله ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا) أي: لو جلس وقرب وجهه من الأرض عند قدميه لأبصرنا، وفي رواية: أن رجلا كشف عن فرجه، وجلس يبول، فقال أبو بكر: رآنا يا نبي الله، فقال ﷺ : "لو رآنا لم يكشف عن فرجه" (٤).
стр. 12044
فصل:
وقيل في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]: أي: على الصديق، وأما الشارع فلا زالت عليه.