الشرح:
أبو بكر الصديق، اسمه: عبد الله بن أبي قحافة عثمان بن عامر بن عمرو ابن كعب بن سعد بن تيم بن مرة القرشي التيمي، يلتقي مع رسول الله ﷺ في مرة، ولقبه: عتيق، وكان اسمه في الجاهلية، عبد الكعبة، قالت له أمه:
يا رب عبد الكعبَهْ … اسمع به يا ربَّهْ
فَهْوَ بِصَخْرٍ أشبَهْ
وسمي في الإسلام عبد الله، سمي الصديق لتصديقه برسولِ الله ﷺ .
ذكر ابن سعد أنه ﷺ لما أسري به قال لجبريل: إن قومي لا يصدقوني، فقال له جبريل: يصدقك أبو بكر وهو الصديق، وقال علي ﵁: سماه الله على لسان نبيه صديقًا، وكان يسمى أيضًا: الأواه، فيما قاله إبراهيم النخعي، ولقب: بعتيق لعتاقة وجهه بجماله؛ أو لأنه ليس في نسبه ما يعاب به؛ أو لأنه عتيق من النار، أو لأنه قديم في الخير، وكان له أخوان مُعتَق ومُعتِق، قالته عائشة فيما حكاه الزمخشري في "ربيعه"، وقال أبو طلحة: سمي عتيقًا؛ لأن أمه كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به البيت، ثم قالت: اللهم هذا عتيقك من الموت فهبه لي قال ابن المعلى: وكانت أمه إذا نقزته، قالت:
عتيق يا عتيق … ذو المنظر الأنيق
رشفت منه ريق … كالزرنب العتيق
وفي "وشاح ابن دريد" (١) كان يلقب ذا الخلال لعباءة كان يخلها على صدره، قال السهيلي: وكان يلقب أمير الشاكرين، فهذِه خمسة له.
стр. 12042
أمه: أم الخير سلمى بنت صخر بن عامر بن كعب بن سعد بن تيم، وعند ابن سعد كما قال: وذكر ابن إسحاق: أن أباه كان يسمى عتيقا، ولم ينقل هذا غيره، وكان أبوه يلقب شارب الذهب لكثرة نفقاته.
وهو خليفة رسول الله ﷺ ، وادعى ابن خالويه في كتاب: "ليس" أنه خالفته لا خليفته؛ لأن المخالفة الذي يكون بعد الرئيس الأول قالوا له: يا خليفة رسول الله ﷺ قال: إني لست خليفته، ولكن خالفته، كنت بعده، أي: بقيت بعده، واستخلفت فلانا جعلته خليفتي، وقد سلف الرد عليه.
الحديثان فيهما منقبة ظاهرة للصديق في قوله: ("لا تحزن إن الله معنا") وقوله: ("مَا ظَنُّكَ يَا أَبَا بَكْرٍ بِاثْنَيْنِ اللهُ ثَالِثُهُمَا").
وقول عازب: (لا حتى تحدثنا). استدل به -كما قاله الخطابي- بعض العلماء على جواز ما يأخذه شيوخ السوء من المحدثين على الحديث، وذلك أن عازبًا لم يحمل رحله إلى بيته حتى حدثه الصديق بقصِّ مخرجه مع رسول الله ﷺ إلى المدينة ولم يكن هذا من الصديق، ولا من عازب على مذهب هؤلاء، فإن هؤلاء القوم إنما اتخذوا الحديث بضاعة يبيعونها، ويأخذون عليها أجرًا، فهو كشرط معلوم لهم في أن لا يتحدثوا إلا بِجُعل.
وكان مما التمسه الصديق من حمل الرحل من باب المعروف والعادة المعروفة في فعل الشيء الذي له ثقل أو عظم حجم أن يحمله تلامذة
стр. 12043
التجار وخدمهم إلا رحل المبتاع، ومن المعروف أيضًا في ذلك أنهم (١) يسألون عن ذلك أجرًا، وكل ذلك يجري مجرى العرف الدائر بينهم، والمستحسن في عاداتهم إلا أن عازبًا لحرصه على معرفة القصة في مخرجه مع رسول الله ﷺ ، واستفادته علمها تعجل الفائدة، وقدَّم المسألة فيها، ولو لم يكن هناك الحمل المذكور؛ لكان الصديق لا يمنعه الفائدة من علم القصة فهل يسمح شيوخ السوء مما عندهم من الأحاديث إذا لم يرشوا، والقدوة في هذا قوله تعالى: ﴿اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرًا وَهُمْ مُهْتَدُونَ (٢١)﴾ [يس: ٢١]، وقوله: ﴿لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مَالًا إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللهِ﴾ [هود: ٢٩]، وشبه ذلك من الآي، ولقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: ١٨٧]. وقوله ﷺ : "من سئل عن علم فكتمه ألجم بلجام من نار" (٢)، ثم هو عامة مذهب السلف، والمرضيين من الخلف (٣).
قوله: (حَتَّى أَظْهَرْنَا) كذا عند أبي ذر بالألف، وأسقطها غيره، والصواب الأول أي صرنا في وقت الظهر، وقيل: إذا ساروا في وقت الظهر.
وقوله: (قُلْتُ لرسول الله ﷺ وَأَنَا فِي الغَارِ: لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ تَحْتَ قَدَمَيْهِ لأَبْصَرَنَا) أي: لو جلس وقرب وجهه من الأرض عند قدميه لأبصرنا، وفي رواية: أن رجلا كشف عن فرجه، وجلس يبول، فقال أبو بكر: رآنا يا نبي الله، فقال ﷺ : "لو رآنا لم يكشف عن فرجه" (٤).
стр. 12044
فصل:
وقيل في قوله: ﴿فَأَنْزَلَ الله سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ﴾ [التوبة: ٤٠]: أي: على الصديق، وأما الشارع فلا زالت عليه.
ومعنا: ("أمنَّ") أسحَّ بماله، ولم يُرِد به الامتنان؛ لأن المنة تفسد الصنيعة، ولا منة لأحد على رسول الله ﷺ ، قال الداودي: من أمن يعني: بما يجب فيه المن لو كان من غير رسول الله ﷺ ، وإنما المن لله ولرسوله.
وقوله: ("لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا") فمنع أن يتخذ خليلا من الناس، وأبو ذر وأبو هريرة ﵄، وغير واحد يقولون: (أخبرني خليلي) وجاز لهم ذلك، ولا يقول أحد: أنا خليله، وإبراهيم خليل الرحمن، ولا يقال إن الله خليله، هذا قول الداودي.
والمعنى: لو كنت أخص أحدًا بشيء مِنَ الدين لخصصت به أبا بكر، ففيه رد على الشيعة القائلين أنه خص عليًّا من الدين والقرآن ما لم يخص أحدًا، وذكر قوم أن المانع من اتخاذه خليلا هو أن هذا الحديث نهى عنه وقال فيه: "وصاحبكم خليل الله" يريد نفسه، وإن كان خليل لم يحدد غيره، قال ابن التين: وما تقدم أولى وأبين في الحجة قال: وقوله: ("ولكن أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ")، هذا هو الصحيح في هذا الحرف، وحذف الألف لا وجه له في كلام العرب، والوجه بالألف كما ذكره البخاري.
وقد اختلف في تفسير الخلة واشتقاقها على أقوال، واختار غير واحد أن الخليل: المختص، وقال بعضهم: إنه من لا يتسع قلبه لسواه، وهو معنى قوله: "لو كنت متخذًا خليلا .. " الحديث.
واختلفوا أيضًا أيهما أرفع درجة الخلة أو المحبة، جعلهما بعضهم سواء، وبعضهم قال: درجة الخلة أرفع درجة؛ لقوله ﷺ : "لَوْ كُنْتُ مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي" فلم يتخذه، وقد أطلق المحبة لفاطمة وابنيها وأسامة وغيرهم، وأكثرهم عكس، وكلاهما حاصل لنبينا ﷺ .
стр. 12047
٤ - باب فَضْلِ أَبِي بَكْرٍ بَعْدَ النَّبِيِّ ﷺ -
٣٦٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ، ثُمَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ ﵃. [٣٦٩٨ - فتح: ٧/ ١٦]
ذكر فيه حديث نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نخير أَبَا بَكْرٍ، ثُمَّ عُمَرَ، ثُمَّ عُثْمَانَ.
ورواه البخاري وأبو داود والترمذي بلفظ: كنا في زمن رسول الله ﷺ لا نعدل بأبي بكر أحدا، ثم عمر، ثم عثمان (١)، وفي لفظ للترمذي: كنا نقول ورسول الله ﷺ حي أبو بكر وعمر وعثمان، حديث صحيح غريب (٢)، ورواه الطبراني بلفظ: كنا نقول -ورسول الله حي-: أفضل هذِه الأمة أبو بكر وعمر وعثمان، يسمع ذلك رسول الله ﷺ ولا ينكره، وهو قال لمذهب الجمهور في تقديم عثمان على علي، نعم ترجم بعده:
الشرح:
قام الإجماع من أهل السنة والجماعة على أن الصديق أفضل الصحابة، ثم عمر وفي "مسند البزار" أنه ﷺ قال لعلي: "أبو بكر وعمر سيدا [كهول] أهل الجنة من الأولين والآخرين إلا النبيين والمرسلين" (١)، وأخرجه الترمذي من حديث أنس أنه ﷺ قال لأبي بكر وعمر "هذان سيدا كهول أهل الجنة .. " إلى آخره، ثم قال: حسن (٢).
واختُلف في عثمان وعلي فالأشهر عثمان، وقيل: علي، وقيل: لا تفضيل بينهما ذكره مالك في "المدونة" (٣).
وبعد علي بقية العشرة، ثم أهل بدر من المهاجرين، ثم من الأنصار، ومن جميع على قدر الهجرة والسابقة والتفضلة وأغرب من قال: العباس أفضل الأمة، وكأنهم قاسوه على الميراث. وحديث ابن عمر في الباب صريح فيما قررناه، فإنه أضاف إلا زمن رسول الله ﷺ ، وهم الصحابة فكيف يحمد بعدهم فيه، ويقال: إنها مسألة اجتهادية وأنه لا اعتراض على رجحه. قال النخعي: لو رأيت الصحابة يتوضئون إلى الكوعين، توضأت كذلك، وأنا أقرؤها إلى المرافق، وذلك أنهم لا يتهمون؛ لأنهم أحرص خلق الله على اتباع نبيه، ولا يظن أحد بهم ذلك إلا ذو ريبة من دينه، وهم أعلم بما
стр. 12050
خصهم به الشارع، وقد روي من حديث أنس: لما كان ﷺ في البستان أنه بشر الصديق، ثم عمر، ثم عثمان بالخلافة والجنة (١).
قال أبو سعيد الهروي في العوالي الصحاح: قيل: تفرد به عبد الصمد بن عبد الرحمن، وكلهم ثقات، وروي من حديث عمران مرفوعًا: "من رأى أبا بكر في المنام فقد رآه، فإن الشيطان لا يتمثل به" (٢) وهو غريب من حديث أيوب تفرد به ابن أبي يمان عبيد الله بن عمرو، وله خصائص أخر نحو الثلاثين، ذكرتها في كتابي "العدة في معرفة رجال العمدة"، فراجعها منه، وكذا ذكرت فيه خصائص باقي الأربعة.
قوله: ("ولكن أُخُوَّةُ الإِسْلَامِ أَفْضَلُ"). قال الداودي: لا أراه محفوظا، فإن يكن محفوظا فمعناه أخوة الإسلام دون مخاللة أفضل من المخاللة أخوة الإسلام، وإن يكن قوله: "لو كنت متخذا غير ربي" لم يجز أن يقول: أخوة الإسلام أفضل، وليس يقتضي هذا بأخبار الآحاد.
فصل:
وقوله: (أنزل أبو بكر الجد أبا) أي: بمنزلته يريد أنه يرث وحده دون الإخوة كالأب وهو مذهب أبي حنيفة ( .. ) (٣).
стр. 12051
فصل:
قول البخاري إثر قول ابن عباس (حدثنا معلى، وموسى) هو ابن أسد، وموسى هو ابن إسماعيل التبوذكي، وعند أبي ذر عن المستملي وحده: التنوخي بدل، التبوذكي، وهو خطأ.
فصل:
روى مسلم من حديث ابن مسعود (١) مثل حديث أبي سعيد الذي أورده البخاري، ومن حديث جندب أيضا قال: وقبل موته بخمس (٢). ولابن الزبير بيوم، وأخرجه ابن مسدي في "فضائل أبي بكر" من حديث أنس، وفي آخره: "سدوا كل خوخة في القبلة إلا خوخة أبي بكر".
أَنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَهُمَا. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. [٢٦٨٥ - مسلم: ٢٣٨٩ - فتح: ٧/ ٢٢]
٣٦٧٨ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: ٢٨] [٣٨٥٦، ٤٨١٥ - مسلم: ٢٣٨٦ - فتح: ٧/ ٢٢]
ذكر فيه سبعة عشر حديثا:
أحدها:
حديث جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: أَتَتِ امْرَأَةٌ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهَا أَنْ تَرْجِعَ إِلَيْهِ. قَالَتْ: أَرَأَيْتَ إِنْ جِئْتُ وَلَمْ أَجِدْكَ؟ كَأَنَّهَا تَقُولُ: المَوْتَ. قَالَ ﵇: «إِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِى أَبَا بَكْرٍ».
وهو كالصريح فِي استخلافه بعد ولا شك فِي إيمانه، وهو راد لقول الشيعة أنه نص على علي، وقول الرافضة أنه نص على العباس فيما حكاه الباقلاني فِي كتابه "فضائل الأئمة".
الحديث الثاني:
حديث سمعت عمار بن ياسر: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ وَأَبُو بَكْرٍ.
يريد -والله أعلم- عمار نفسه وزيد بن حارثة وبلالًا وعامر بن فهيرة وشقران، والمرأتان خديجة وأم الفضل لبابة الكبرى، بنت الحارث الهلالية، زوج العباس.
وفيه دلالة على قدم إسلام الصديق، وسيأتي، والأكثر على أنه أول
стр. 12059
من آمن من الرجال، قال حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة … فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
الثاني التالي المحمود شيمته … وأول الناس من قد صدق الرسلا (١)
والذي قاله عمار هو الذي حفظ، وقد قال سعد: أقمت سبعا وأنا ثلث الإسلام، ( … ) (٢) من يصدقون من أسلم يعني: من الرجال ولا يتأتى ذلك في حديث عمار هذا.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي الدَّرْدَاءِ ﵁ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ إِذْ أَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ آخِذًا بِطَرَفِ ثَوْبِهِ حَتَّى أَبْدَى عَنْ رُكْبَتِهِ، فَقَالَ ﵇: «أَمَّا صَاحِبُكُمْ فَقَدْ غَامَرَ .. ». الحديث أخرجه من حديث زيد بن واقد، عن بسر بن عبيد الله، عن عائذ الله أبي إدريس الخولاني عنه، وليس له عنده غيره وهو حديث عزيز.
و ("غامَر") بغين معجمة، وبعد الميم راء أي: خاصم غيره، ودخل في غمرة الخصومة، وهي معظمها كغمر الماء وغمر الحرب ونحوهما، والغامر الذي يرمي بنفسه في الأمور والحروب، وقيل: هو من الغمر وهو الحقد أي: حاقد غمرة، وقيل: من المعاجلة أي: تنازع، وقد غاضب، أي: فاعل من الغمر فرجع إلى الذي قبله.
وقوله: (فَجَعَلَ وَجْهُ النَّبِيِّ ﷺ يَتَمَعَّرُ) أي: يتغير من الضمير، وأصله من قولهم: أمعر المكان إذا جدب، يريد أنه قد ذهب نضارته ورونقه، فصار كالمكان الأمعر.
стр. 12060
وفيه: أن الرجل لا يقاوم من هو أفضل منه، ومدح المرء في وجهه إذا أمن عليه الاغترار.
وفيه: أن المرء لا يكاد يعفو عند الغضب، وأن الصالح إذا كانت منه هفوة يذكر لقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا﴾ [الأعراف: ٢٠١] الآية.
وفيه: سؤال الاستغفار والتحلل من الظلم، وفي بعض الحديث أن عمر ﵁ قال: كنت أدارئ منه بعض الحد (١).
وفي حديث آخر بعض الحدة، وفي حديث آخر: "الحدَّةُ تعتري خيار أمتي".
وفيه: منقبة ظاهرة للصديق في قوله: "إِنَّ اللهَ بَعَثَنِي إِلَيْكُمْ، فَقُلْتُمْ: كَذَبْتَ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: صَدَقت. وَوَاسَانِي بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ، فَهَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي؟ " مرتين. فما أوذي بعدها.
الحديث الرابع:
حديث عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ ﵁ أَنه ﵇ بَعَثَهُ عَلَى جَيْشِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ، فَأَتَيْتُهُ فَقُلْتُ: أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إِلَيْكَ؟ قَالَ: «عَائِشَةُ». فَقُلْتُ: مِنَ الرِّجَالِ؟ فَقَالَ: «أَبُوهَا». قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: «ثُمَّ عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ». فَعَدَّ رِجَالاً.
هذا الحديث يأتي في المغازي (٢) إن شاء الله.
стр. 12061
قال في غير هذِه الرواية: حدثت النبي ﷺ حتى ظننت أني أحب الناس إليه، فسألته فذكره.
وغزوة ذات السلاسل بفتح السين الأول، واقتصر صاحب "النهاية" على ضمها (١)، وكانت سنة سبع كما صححه ابن أبي خالد في "تاريخه".
وقال ابن سعد والحاكم: سنة ثمان في جمادى الآخرة بعد إسلامه بسنة (٢).
وهي من قضاعة، وكتب عمرو إلى رسول الله ﷺ يستمده، فأمده بنفر من المهاجرين والأنصار منهم أبو بكر وعمر، وأميرهم أبو عبيدة.
وذكر ابن إسحاق أن أم العاصي بن وائل كانت من بلي، فبعثه ﷺ على العرب يستنفر الإسلام لذلك حتى إذا كان بماء بأرض جذام (٣).
وعند يونس، عن ابن شهاب قال: هي مشارف الشام إلى بلي وسعد الله، ومن يليهم من قضاعة، وكندة وبلقين، وصحنان كفار العرب، ويقال لها: بدر الأخيرة.
قال ابن سعد: وهي وراء وادي القرى بينها وبين المدينة عشرة أيام، بلغ رسول الله ﷺ أن جمعًا قد تجمعوا يريدون أن يدنوا إلى أطراف رسول الله ﷺ فعقد له لواء أبيض وجعل معه راية سوداء، وبعثه في ثلاثمائة من سراة المهاجرين والأنصار، وأمره أن يستعين بمن مر به من بلي وعذرة وبلقين، فلما قرب من القوم بلغه جمعهم، فأرسل
стр. 12062
رافع بن مكيث الجهني إلى رسول الله ﷺ يستمده فبعث أبا عبيدة في مائتين (١).
وفي بعض الحديث أن عمرًا نهى الناس ليلة أن يوقدوا النار، فأرسل أبو بكر إليه عمر، فقال: سله لم يمنع الناس أن يوقدوا النار، وهم في شدة البرد؟ وسله متى يرتحل؟ فذكر ذلك له عمر فقال: ما كان أخرجني إلا الاصطلاء، وإن سمعت رغاء الإبل فشأنك فأخبر عمر أبا بكر فغضب أبو بكر وذهب إليه يسير، فلما سمعه عمرو توارى منه، فلما أصبح قال له: يا أبا بكر، ألستُ أميرك؟ قال: أرسلت إليك لتخبره فلم تفعل. قال: أما مَنْع الناس النار؛ فلئلا يكون علينا من المشركين عين، فيعلموا كيف نحن، وخشيت إن ذكرت متى الرحيل أن يسبق الخبر.
ولما صالحهم عظيم مصر أول مرة شرط عليهم أن يطعم عسكره ثلاثة أيام، فأمر أصحابه أن يلتحفوا بالأكسية على القمص، وأن يملئوا أكفهم بالثريد وينثروه نثرًا، وكانوا فقهوا إليهم في غير ذلك الرأي وقال لهم: إذا سألوكم فقولوا: إنا نحن أهل الحرب، وأولئك أهل الرأي، وهم لا يستحبون طعامكم، فلما بلغوا سأل عمرو الطاغيةَ: ما الذي أنفق عليهم في ذلك اليوم، فذكر مالا وزاد في القول ليتجمل في ذلك، ويستكثر، فقال له: اجعل اليومين الباقيين مالا فإن أصحابي لم يرضوا طعامك.
الحديث الخامس:
حديث أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: «بَيْنَمَا رَاعٍ
стр. 12063
في غَنَمِهِ عدا عليه الذئب .. " الحديث سلف في المزارعة (١).
وفيه: أن الله لا يأخذ أحدًا بذنب أحد إلا بعد قيام الحجة عليه بالرسل والأنبياء والآيات، وبالعلماء عند انقطاع الوحي.
وقوله: "فَإِنِّي أُومِنُ بِذَلِكَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ" يعني: أنهم أول من يؤمن به إذ جاءهم الرسول من غير أن يتعجبوا كما تعجب غيرهم.
الحديث السادس:
حديث ابْنُ المُسَيَّبِ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁: «بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُنِي عَلَى قَلِيبٍ .. " الحديث سلف قريبًا قبل باب قول الله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَهُ﴾ من حديث ابن عمر ﵄ ثم قال: وقال همام عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ : "فنزع أبو بكر ذَنُوبين" (٢).
والقليب: البئر قبل أن تطوى يذكر ويؤنث، قاله الجوهري (٣)، وقال أبو عبيد: هي البئر العادية القديمة، قال القزاز: فإذا طويت فهي الطَّوِيُّ، وجمع القليب: أَقْلِبَة، والكثرة: قُلُب، وفي "المجمل": القليب مذكر فإذا طويت فهي الطَّوِيُّ (٤).
والذَّنُوب: الدَّلْوُ العَظمية، ولا يقال لها: ذَنُوب إلا وفيها ماء كما قاله ابن عزيز، وقال الجوهري: هي الدلو المملوءة، قال: عن ابن السكيت أو قريب من الملء، فإن لم يكن فيها ماء، فلا يسمى ذنوبًا (٥)، وقيدها أبو عبد الملك، فإنها الدلو الكبيرة.
стр. 12064
والغَرْب: كل شيء رفيع، وكذا ابن فارس قال: إنها الدلو العظمية (١).
الحديث السابع:
حديث ابن عُمَرَ ﵄: «مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرِ الله إِلَيْهِ يَوْمَ القِيَامَةِ». فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: إِنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يَسْتَرْخِي إِلاَّ أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «إِنَّكَ لَسْتَ تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ»
فيه: منقبة ظاهرة للصديق بشهادة الشارع له بذلك.
الحديث الثامن:
حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁: "مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ مِنْ شَيءٍ مِنَ الأَشْيَاءِ فِي سَبِيلِ اللهِ .. ".
الحديث سلف، وقوله ("في شيء من الأشياء")، يعني: فرسين أو بعيرين، أو دينارين.
الحديث التاسع:
حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنه ﷺ مَاتَ وَأَبُو بَكْرٍ بِالسُّنْحِ .. قال إِسْمَاعِيلُ: يعني: بالعالية. الحديث بطوله.
السُّنُح: بضم أوله وثانيه، وقد تسكن النون كما قال الحازمي، وكذا كان يقولها بالإسكان كما حكاه عياض، منازل بني الحارث بالعوالي من الخزرج من عوالي المدينة. قال البكري: بينه وبين منزل النبي ﷺ ميل، وبه ولد عبد الله بن الزبير كان الصديق نازلا هناك ومعه أسماء ابنته، سكنه لما تزوج ابنة خارجة الأنصاري (٢).
стр. 12065
وقوله: (لَا يُذِيقُكَ المَوْتَتَيْنِ أَبَدًا)، أي: ليس عليك بعد هذِه الموتة كرب مقبورًا، ولا عند نَشْرِكَ، ولا في الموقف ولا في أحوال يوم القيامة كلها.
وقوله: ("عَلَى رِسْلِكَ") هو بكسر الراء، أي: على هينتك.
وقوله: ﴿قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ﴾ أي: ماتوا وهو ولا بد ميت.
وقوله: ﴿أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ﴾ الآية، لما صرخ الشيطان يوم أحد: إن محمدًا مات، فكاد يزيغ قلوب فريق، فعاتبهم الله في ذلك، وحذرهم أن ينقلبوا على أعقابهم عند موته.
وقوله: (فنشج الناس يبكون)، قال الخطابي: النشيج: بكاء معه صوت (١). وقيل: ترجيع كما يردد الصبي بكاءه في صدره.
وقال ابن فارس: نشج الباكي: غص بالبكاء في حلقه من غير انتحاب (٢).
قال: والنحيب: بكاء مع صوت بِإِعْوَال (٣). وكذا قال الجوهري: نَشَجَ الباكي يَنْشِج نَشْجًا إذا غَصَّ بالبكاء في حلقه من غير انتحاب (٤).
وقوله: (فقالوا -يعني: الأنصار-: منا أمير ومنكم أمير) إنما قالوا على عادة العرب أن لا يسود القبيلة إلا رجل منهم، ولم يعلموا حينئذ أن حكم الإسلام بخلاف ذلك، فلما سمعوا أنه ﷺ قال: "الخلافة في قريش" (٥) أذعنوا لذلك فبايعوا الصديق.
стр. 12066
وقيل: هي فريضة؛ لأن الفرائض تقوم بها؛ لأنها لم تتأخر عن وقت الحاجة إليها.
قلت: وهو الصواب فنصب الإمام ضروري لا يقوم المعاش إلا به.
وقوله: (ثم أوسط العرب دارًا)، أي: مكة قاله الداودي، وقال الخطابي: أراد به سطة النسب، قال: ومعنى الدار: القبيلة (١)، ومنه حديث: "خير دور الأنصار بنو النجار" (٢) يريد به خير قبائلهم.
وقوله: (وأعرقهم أحسابًا)، هو بالقاف، وفي بعض نسخه: هو بالباء، وعليها مشى ابن التين قال: يريد أنهم أحسن شمائل وأنفالا بالعرب، قال: سمى النسب الآباء، والحسب: الأفعال مأخوذ من الحساب إذا حسبوا مناقبهم، فمن كان يعد لنفسه ولأبيه مناقب أكثر كان أحسب، والمراد بالرفيق الأعلى: الجنة.
الحديث العاشر:
حديث مُحَمَّدِ ابْنِ الْحَنَفِيَّةِ: قُلْتُ لأَبِي: أَيُّ النَّاسِ خَيْرٌ بَعْدَ رَسُولِ اللهِ ﷺ ؟ قَالَ: أَبُو بَكْرٍ. قُلْتُ: ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: ثُمَّ عُمَرُ. وَخَشِيتُ أَنْ يَقُولَ عُثْمَانُ، قُلْتُ: ثُمَّ أَنْتَ؟ قَالَ: مَا أَنَا إِلاَّ رَجُلٌ مِنَ المُسْلِمِينَ.
فيه: فضل ظاهر للصديق وأدب من علي ﵄، وهو مثل حديث عبد الله بن مسلمة قال: سمعت عليًّا ﵁ ينادي على المنبر: ألا إن خير هذِه الأمة أبو بكر ثم عمر ثم الله أعلم، ذكره ابن عبد البر (٣)، (وعند ابن خير) (٤) فيما ذكره ابن الجوزي في "مناقب عمر" ﵁، قلت لعلي:
стр. 12067
من أول الناس دخولا الجنة بعد رسول الله ﷺ قال: أبو بكر وعمر ﵄ قال: قلت: يدخلانها قبلك، قال: إي: والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة إنهما ليأكلان من ثمارها ويتكآن على فرشها قبلي، وعن جعفر ابن محمد عن أبيه فيما ذكره أبو سعد إسماعيل بن علي في كتاب "الموافقة بين أهل البيت والصحابة": بينا علي بالكوفة إذ قال له رجل: يا خير الناس، قال: هل رأيت رسول الله ﷺ ، قال: لا، قال: أما إنك لو قلت: نعم، لضربت عنقك، قال: هل رأيت أبا بكر، وعمر ﵄ قال: لا قال: أما لو قلت: نعم لأوجعتك ضربًا.
وفيه: من حديث عبد الرحمن بن أخي محمد بن المنكدر -وفيه: ضعف- عن عمه عن جابر ﵁ قال عمر ذات يوم لأبي بكر: يا خير الناس بعد رسول الله ﷺ ، فقال أبو بكر: أما قد قلت ذاك، لقد سمعت رسول الله ﷺ يقول: "ما طلعت الشمس على خير من عمر" (١).
وذكر عبد الله بن أحمد في "فضائل عثمان" من حديث إبراهيم بن عمر بن أبان حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن ربيعة، عن أبيه، عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ (قال يومًا رأى رجل صالح) (٢) فقال أصحابه: قلنا في أصحابنا يعني: نفسه كأن دلوًا هبط من السماء فشرب رسول الله ﷺ (غير) (٣) جرع، ونصف جرعة ثم ناوله عثمان فشرب منه ثنتي عشرة جرعة، ثم رفع الدلو إلى السماء.
стр. 12068
الحديث الحادي عشر:
حديث عَائِشَةَ ﵂ أَنَّهَا قَالَتْ: خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ .. فذكرت حديث التيمم.
وقد سلف في بابه، وإقامته ﷺ يحتمل أن يكون وهو لا يعلم عدم الماء، ويحتمل أن يكون مع تقدمه لطلب العقد فيكون في ذلك حفظ المال، وإن أدى ذلك إلى عدم الماء والاضطرار، أو إلى أداء الصلاة بالتيمم، ويجوز له أيضًا سلوك طريق يتيقن فيه عدم الماء طلبًا للمال قياسًا على هذا؛ لأن مروره أجوز من مقامه، ونحو هذا في "المبسوط" لمحمد بن سلمة المالكي.
وقولها: (وجعل يَطْعُنُ بيده في خاصرتي)، هو بضم العين، يقال: طعن يطعُن بالضم، وطعن بالقول يطَعَن بالفتح، قاله بعض أهل اللغة.
الحديث الثاني عشر:
حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁: «لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ».
تَابَعَهُ جَرِيرٌ، وَعَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، وَأَبُو مُعَاوِيَةَ، وَمُحَاضِرٌ، عَنِ الأَعْمَشِ. أي عن ذكوان، عن أبي سعيد.
والبخاري أخرج الأول عن آدم بن أبي إياس، عن شعبة، عن الأعمش.
وقد سلف حقيقة الصحابي.
والنصيف: النصف، مثل: العشْر، والعشِير والثمْن والثمِين، ومعناه: أن المد ونصفه ينفقه الواحد منهم أفضل من الكبير ينفقه أحدكم مع السعة والوجدان، وقيل: النصيف هنا مكيال يكال به، قال
стр. 12069
الخطابي: ويروى: مَدَّ أحدكم بفتح الميم يريد الفضل والطول (١)، وذكر أنه قال هذا لخالد مع رجل من السابقين الأولين (٢)، فإذا كان هذا التفاضل في الصحابة كان بعدهم أكبر.
الحديث الثالث عشر:
قال البخاري: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مِسْكِينٍ أَبُو الحَسَنِ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ حَسَّانَ، حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ، عَنْ شَرِيكِ بْنِ أَبِي نَمِرٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، أَخْبَرَنِي أَبُو مُوسَى الأَشْعَرِيُّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ خَرَجَ، فَقُلْتُ: لأَلْزَمَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَلأَكُونَنَّ مَعَهُ يَوْمِي هَذَا. قَالَ: فَجَاءَ المَسْجِدَ، فَسَأَلَ عَنِ رسول الله ﷺ ، فَقَالُوا: خَرَجَ وَوَجَّهَ هَهُنَا، فَخَرَجْتُ عَلَى إِثْرِهِ أَسْأَلُ عَنْهُ، حَتَّى دَخَلَ بِئْرَ أَرِيسٍ، فذكر دخول الصديق وعمر وعثمان وبشرهم بالجنة، وفي آخره: قَالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ: فَأَوَّلْتُهَا: قُبُورَهُمْ.
الشرح:
أبو موسى الأشعري اسمه عبد الله بن قيس بن سليم بن حضار أمير زبيد والعدن لرسول الله ﷺ ، وأمير البصرة والكوفة، مات سنة أربع وأربعين، وادعى الواقدي أنه كان حليفًا لبني سعيد بن الغافقي، وأنه أسلم بمكة، وهاجر إلى الحبشة، ثم قدم عام خيبر.
وشريك بن أبي نَمِر: هو أبو عبد الله شريك بن عبد الله بن أبي نمر، مات سنة أربعين ومائة، وقد أُنْكِرَ عليه وعلى مُسْلِم إخراجُ حديثه في الإسراء، وفيه: كان نائما قبل أن يوحى إليه (٣).
стр. 12070
وقال النسائي: ليس بالقوي (١).
ويحيى بن حسان، التنيسي مات سنة ثمان ومائتين. وشيخ البخاري نميلة اليمامي بصري.
وفيه من الفوائد:
أن المرء يكون بَوَّابًا للإمام، وإن لم يأمره، وفي رواية له في مناقب عثمان: أنه أمره أن يحفظ الباب (٢)، وفي هذا مختلف الحديث كما قال الداودي، وقد يقوله أبو موسى في نفسه ثم يستأذنه، فيأمره بحفظ، فلا اختلاف.
وفيه: حركة الباب ودفعه لمن يستأذن، ويحتمل أن يكون هذا قبل الاستئذان.
وفيه: منقبة لهؤلاء الصحابة حيث بشرهم بالجنة، ولعثمان بزيادة الابتلاء، وقد وقع كما أخبر.
وبئر أريس: بفتح أوله وكسر ثانيه، ثم ياء مثناة تحت، ثم سين مهملة بالمدينة، وهو الذي وقع فيه الخاتم من يد عثمان ﵁.
والقُفُّ: بقاف مضمومة، ثم فاء: الدكة التي جعلت حول البئر، وأصله ما غلظ من الأرض وارتفع، والجمع قفاف، قال أبو موسى المديني: ولم يكن جبلا، والقف: اليابس ويحتمل أن يكون سمي به؛ لأن ما ارتفع حول البئر دون غيره عاليًا (٣).
стр. 12071
وجاء من حديث أنس ﵁ أن عثمان لما دخل غطى فخذه، وقال: "ألا أستحي من رجل استحيت منه الملائكة" (١).
الحديث الرابع عشر:
حديث قَتَادَةَ، أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ أنه ﷺ صَعِدَ أُحُدًا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ، فَرَجَفَ بِهِمْ، فَقَالَ: «اثْبُتْ أُحُدُ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ نَبِيٌّ وَصِدِّيقٌ وَشَهِيدَانِ».
فيه: فضل ظاهر لهم، وقد وقع كما أخبر.
وقوله: (وأبو بكر) هو مرفوع عطفًا على الضمير الذي في صعد، وهو جائز؛ لأنه عطف على الضمير المرفوع بعد حائل وهو قوله: "أحد".
الحديث الخامس عشر:
حديث صَخْرٌ -وهو ابن جويرية، أبو نافع البصري التميمي وقيل: النميري مولاهم- عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «بَيْنَمَا أَنَا عَلَى بِئْرٍ أَنْزِعُ مِنْهَا جَاءَنِي أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ الدَّلْوَ .. " وفي آخره: قَالَ وَهْبٌ: العَطَنُ: مَبْرَكُ الإِبِلِ، يَقُولُ: حَتَّى رَوِيَتِ الإِبِلُ فَأَنَاخَتْ.
وقد سلف، وشيخ البخاري أحمد بن سعيد بن إبراهيم، أبو عبد الله المروزي الرباطي الأشقر مات سنة ست، أو ثلاث وأربعين ومائتين، وشيخه: وهب بن جرير، هو أبو العباس مات آخر سنة ست وأول سنة سبع ومائتين.
وقوله: ("يَفْرِي فَرِيَّهُ"): روينا: (فرِيَّه) بكسر الراء وإسكانها،
стр. 12072
وأنكره الخليل وغلط قائله، ومعناه: يعمل عمله، ويَقْوى قوته، يقال: فلان يفري الفَرِيَّ أي: يعمل العمل البالغ، ومنه قوله: ﴿لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا﴾ [مريم: ٢٧].
وقوله: (فأناخت) كذا هو في الأصل، وعليه علامة ضبة، يقال: أنخت الجمل فاستناخ: أبركته فبرك، وتنوخ الجمل الناقة: أناخها ليضربها.
الحديث السادس عشر:
حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنِّي لَوَاقِفٌ فِي قَوْمٍ، قد دَعَوُا اللهَ لِعُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ ﵁ وَقَدْ وُضِعَ عَلَى سَرِيرِهِ، إِذَا رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي قَدْ وَضَعَ مِرْفَقَهُ عَلَى مَنْكِبِي، يَقُولُ: يرحِمَكَ الله، إِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَ صَاحِبَيْكَ، لأَنِّي كَثِيرًا ما كُنْتُ أَسْمَعُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَفَعَلْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ، وَانْطَلَقْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ" فَإِنْ كُنْتُ لأَرْجُو أَنْ يَجْعَلَكَ الله مَعَهُمَا. فَالْتَفَتُّ فَإِذَا هُوَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ.
قوله: ("كُنْتُ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ")، فيه العطف بدون تأكيد والأحسن خلافه، ومنعه بعضهم، وهذا الحديث يرد عليهم، وكذا قوله: ﴿مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: ١٤٨]
فإن قلت: قد حال (لا) وأجيب: بأنه قد حصل العطف قبل دخول (لا).
الحديث السابع عشر:
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الكُوفِيُّ، حَدَّثَنَا الوَلِيدُ، عَنِ الأَوْزَاعِيِّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ:
стр. 12073
سَأَلْتُ عَبْدَ اللهِ بْنَ عَمْرٍو عَنْ أَشَدِّ مَا صَنَعَ الْمُشْرِكُونَ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: رَأَيْتُ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ جَاءَ إِلَى رسول الله ﷺ وَهُوَ يُصَلِّي، فَوَضَعَ رِدَاءَهُ فِي عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ بِهِ خَنْقًا شَدِيدًا، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ حَتَّى دَفَعَهُ عَنْهُ، فَقَالَ: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ الله وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾.
قال أبو علي: هكذا هذا الإسناد في رواية أبي زيد، وأبي أحمد عن الفربري، عن محمد بن يزيد قال الكلاباذي والحاكم: ليس هذا بأبي هشام محمد بن يزيد بن رفاعة الرفاعي وعند ابن السكن عن الفربري: محمد بن كثير الكوفي بدل ابن يزيد وأراه وَهَمًا، والقول رواية أبي زيد ومن تابعه (١)، وسيأتي الحديث في المبعث والتفسير (٢) إن شاء الله تعالى.
حَائِطٍ مِنْ حِيطَانِ المَدِينَةِ، فَجَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ». فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا أَبُو بَكْرٍ، فَبَشَّرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَاسْتَفْتَحَ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ». فَفَتَحْتُ لَهُ، فَإِذَا هُوَ عُمَرُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ، ثُمَّ اسْتَفْتَحَ رَجُلٌ، فَقَالَ لِي: «افْتَحْ لَهُ وَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّةِ عَلَى بَلْوَى تُصِيبُهُ». فَإِذَا عُثْمَانُ، فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَحَمِدَ اللهَ ثُمَّ قَالَ الله الْمُسْتَعَانُ. [انظر: ٣٦٧٤ - مسلم: ٢٤٠٣ - فتح: ٧/ ٤٣]
٣٦٩٤ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي ابْنُ وَهْبٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَيْوَةُ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو عَقِيلٍ زُهْرَةُ بْنُ مَعْبَدٍ، أَنَّهُ سَمِعَ جَدَّهُ عَبْدَ اللهِ بْنَ هِشَامٍ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ وَهْوَ آخِذٌ بِيَدِ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ. [٦٢٦٤، ٦٦٣٢ - فتح: ٧/ ٤٣]
الشرح:
الحَفْصُ في اللغة: الأسد. وهو أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب بن نفيل بن عبد العزم ابن رياح بالكسر والمثناة تحت، - وخالف محمد بن حبيب فقال: بالباء الموحدة- ابن عبد الله بن قُراط بن رزاح بن عدي بن كعب بن لؤي العدوي.
أمه: حَنْتَمة بنت هاشم بن المغيرة المخزومي أم عمر، ولا عقب لهاشم إلا منها، ومن قال: بنت هشام فقد أخطأ، وإنما هي ابنة عمها، يقال: ولد بعد عام الفيل بثلاث عشرة سنة، وكان من أشراف قريش، وإليه كانت السفارة في الجاهلية، وكان إسلامه بعد ست من النبوة، وقيل: خمس، وقد عقد البخاري بابًا في إسلامه، يأتي بعدُ.
وهاجر في أول المهاجرين إلى المدينة وشهد المشاهد، قال هلال بن يساف: أسلم بعد أربعين رجلا، وإحدى عشرة امرأة، وقيل غير ذلك، وذكر العسكري عن ابن عباس قال: أسلم مع رسول الله ﷺ تسعة وتسعون رجلا، وثلاثة وعشرون امرأة، ثم أسلم عمر،
стр. 12079
ونزل جبريل بهذِه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ الله وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٦٤)﴾ [الأنفال: ٦٤]، وزعم السهيلي أن إسلامه كان والمسلمون إذ ذاك بضعة وأربعون رجلا (١)، ولعل ذلك بمكة، وإلا فقد ذكر ابن إسحاق أن في الحبشة كان منهم ثلاثة وثمانين رجلا، وذكر ابن سعد أن إسلامه كان في [ذي] (٢) الحجة وله ست وعشرون سنة (٣). وقال الموصلي: أسلم بعد تسعة وأربعين رجلا، وعليه القصاص، وقال الزهري: أسلم بعد أربعين أو نيف وأربعين من رجال ونساء (٤).
لقبه: الفاروق، واختلف هل لقبه بذلك رسول الله ﷺ أو أهل الكتاب أو جبريل. والأول: قالته عائشة ﵂، والثاني: الزهري، والثالث: حكاه البغوي (٥)، وإنما تسمى بذلك في السماء، واسمه في "الإنجيل": كافي، وفي "التوارة": منطق الحق، وفي الجنة: سراج، وكان (اسمه) (٦) عزًّا ظهر به الإسلام بدعوته ﷺ ، ففي "صحيح الحاكم" من حديث مجالد، عن الشعبي، عن عبد الله أنه ﷺ قال: "اللهم أعز الإسلام بأحب الرجلين إليك أبي جهل بن هشام أو بعمر بن الخطاب" ثم قال: تفرد به مجالد عن عامر.
ثم روى من حديث عائشة مرفوعًا: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب" يعني: خاصة، ثم قال: صحيح على شرط الشيخين، ومدار هذا الحديث على حديث الشعبي عن مسروق (٧)، وسيأتي في
стр. 12080
باب إسلامه عن عبد الله بن مسعود ﵁: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر (١).
وروى أبو سعيد إسماعيل بن علي في "الموافقة" من حديث علي مرفوعًا: "اللهم أعز الإسلام بعمر بن الخطاب". وروى ابن الجوزي في "مناقبه": عن أبي عبيدة بن عبد الله عن أبيه قال: ركب عمر فرسًا فلما ركضه انكشف فخذه فرأى أهل نجران على فخذه شامة سوداء فقالوا: هذا الذي نجد في كتبنا أنه يخرجنا من أرضنا.
وله أوليات وخصائص ذكرتها في دارجال العمدما) (٢) فراجعها منه، قتل في سنة ثلاث وعشرين على الصحيح من الهجرة في ذي الحجة ابن ثلاث وستين على الصحيح.
ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث مجموعها ستة عشر حديثا:
أحدها:
حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «رَأَيْتُنِي دَخَلْتُ الجَنَّةَ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ، وَسَمِعْتُ (خَشَفَةً) (٣)، فَقُلْتُ: مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا بِلَالٌ. وَرَأَيْتُ قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ، فَقُلْتُ: لِمَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: لِعُمَرَ. فَأَرَدْتُ أَنْ أَدْخُلَهُ، فَذَكَرْتُ غَيْرَتَكَ». فَقَالَ عُمَرُ ﵁: بِأُمِّي وَأَبِي يَا رَسُولَ اللهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ؟!
الحديث الثاني:
حديث أبي هُرَيْرَةَ ﵁، وفيه: ذكر القصر فينظر.