← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 12251–12290 · переход к 12256.

стр. 12251

أحدها: حديث عائشة ﵂ في صوم يوم عاشوراء. وقد سلف في بابه (١). ثانيها: حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنَ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ. الحديث سلف في الحج (٢). وقوله: (كَانُوا يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا)، سلف أنه شق عليهم اجتماع ثلاثة أشهر متوالية حرم، ففصلوا بينها بأن جعلوا المحرم صفر بأن يقوم رجل إذا صدروا عن ميامن كنانة، فيقول: أنا الذي لا يرد قضاؤه، فيقولون: أنسئنا -أي: أخرنا- شهر الحرمة المحرم، واجعلها من صفر؛ لأن معايشهم كانت من الإغارة فيحل لهم في المحرم فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧]. وقوله: (بَرَا الدَّبَرْ) يقال: برئت من المرض وبرأت، وهو هنا بفتح الراء كما ضبط، والدبر: جمع دبرة، معناه: إذا انصرفت الإبل عن الحج، وظهورها دبرة. وقوله: (وَعَفَا الأَثَرْ) أي: درس يعني أثر الدبر، قاله الخطابي (٣)، وقال الداودي: عما أثر الحجيج، وما ناله في حجه من التعب. وقوله: (فَأَمَرَهُمُ رسول الله ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) هو فسخ للحج،

стр. 12252

وهو خاص بهم كما أسلفناه هناك، وعليه أكثر أهل العلم خلا أحمد وداود فإنهما أجازاه (١). الحديث الثالث: حديث سَعِيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ سَيْلٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَكَسَا مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُ: إِنَّ هذا الحَدِيثَ لَهُ شَأُنٌ. وقوله: (فَكَسَا مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ) أراد بالجبلين اللذين بجانب الوادي الذي فيه المسجد. وقوله: (إِنَّ هذا الحدِيثَ لَهُ شَأْنٌ) هو ما جاء في رواية أخرى أن السيل كان يدخل المسجد فيثبت بموضع البيت قبل أن يبنى وهو ربوة، ولا يعلوه، وسيل الحرم (لا) (٢) يخرج إلى الحل ولا يدخل سيل الحل الحرم ولما أراد تحديد الحرم دعا شيوخا كانوا يزعمون في الجاهلية فسألهم عن حدود الحرم فأخبروه فنصب تلك الأعلام، وإنما أخبروه بالأماكن التي يخرج إليها السيل. الحديث الرابع: حديث قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زينَبُ. فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ، [فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ؟] (٣) قَالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً. قوله: (مِنْ أَحْمَسَ) أي: من قوم أحمس.

стр. 12253

ومعنا (مصمتة) ساكتة، يقال: أصمت إصماتا، وصمت صموتا وصماتا، والاسم: الصمت (١). وقوله: (أنا أبو بكر). فيه: تكنية المرء نفسه إذا كان لا يعرف إلا بذلك كما نبه عليه الداودي. وقوله: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح) يعني: ما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ فيما جاءهم من الهدى وما بسط لهم من الدنيا، قال المغيرة: كنا في بلاء شديد نعبد الشجر والحجر، ونمص الجلد والنوى من الجوع، فبعث إلينا رب السموات رسولا منا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، وأمرنا نبينا بعبادة الله وحده وترك ما يعبد آباؤنا، وذكر الحديث (٢)، وما كانوا عليه في عهد أبي بكر ﵁ من الأمر واجتماع الكلمة وأن لا يظلم أحد أحدا. الحديث الخامس: حديث عائشة ﵂ في صاحبة الحفش، وقد سلف في المساجد (٣). و (الحفش) البيت الرديء كما قال مالك (٤)، أو الصغير كما قاله ابن فارس (٥)، أو الصغير الخرب كما قاله ابن حبيب، أو البيت الذليل القريب السمك كما قاله الشافعي (٦)، سمي بذلك لضيقه.

стр. 12254

وقال أبو عبيد: الدرج سمي به لضيقه (١). و (الأدم) بفتح الهمزة والدال، جمع أديم، وهو الجلد. وقوله: (إِذْ أَقْبَلَتِ الحُدَيَّا). قال ابن التين: صوابه الحدياة؛ لأنه تصغير حدأة (٢)، قلت: وكذا سلف هناك إذ مرت الحدياة. وقوله: (حَتَّى وَازَتْ بِرُءُوسِنَا)، أي: قابلتها. الحديث السادس: حديث ابن عُمَرَ ﵄: "أَلَا مَنْ كانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بالله". فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ". سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في بابه. الحديث السابع: حديث القَاسِمِ أنه كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجَنَازَةِ وَلَا يَقُومُ لَهَا، وَيُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا، ويَقُولُونَ إِذَا رَأَوْهَا: كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ. مَرَّتَيْنِ. أما القيام للجنازة فقد فعله الشارع، واختلف في نسخه، فقال مالك وأصحابه: هو منسوخ بجلوسه ﷺ والمختار أنه باق، واختاره ابن الماجشون، قال: هو على التوسعة والقيام فيه أجر وحكمه باق. وقال أبو حنيفة: إذا بعد منها لم يجلس حتى تحضر، يصلى عليها، وكان أبو مسعود البدري وسهل بن حنيف يقومان لها وأبو سعيد (٣).

стр. 12255

وقد سلف أن جيم الجنازة مكسورة ومفتوحة قال ابن الأعرابي: هو بالكسر للميت وبالفتح للسرير، وعكسه غيره. الحديث الثامن: حديث عمرو بن مَيْمُونٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْع حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ، فَخَالَفَهُمُ رسول الله ﷺ فَأَفَاضَ قَبْلَ انْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ. وقد سلف في الحج في باب: متى يدفع من جمع (١). ومعنى: (لا يفيضون): لا يدفعون. و (جمع) المزدلفة. و (تشرق) بفتح أوله وضم ثالثه، قال ابن التين: كذا ضبط والمعروف في المثل: أشرق ثبير كيما نغير، وهي إضاءة الشمس على ثبير. الحديث التاسع: حديث عِكْرِمَةَ ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤] قَالَ: مَلأى مُتَتَابِعَةً. قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقا. فيه: الاحتجاج في التفسير بقولهم؛ لأنه نزل بلغتهم. الحديث العاشر: حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أَصْدَقُ كلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شيء مَا خَلَا الله بَاطِلٌ. وَكادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ".

стр. 12256

يروكا أن بعض الكفار أنشد هذا البيت، فقال له بعض الصحابة: صدق، ثم قال: وكل نعيم لا محالة زائل فلطمه الكافر حتى احمرت عينه، ثم عاد القول فعاد له وقال: عيني الأخرى إلى أن يلطمها أحوج مني التي لطمت، وأراد أن يؤذى في الله (١). وفي "الصحابة" للذهبي: لبيد بن ربيعة بن عامر المعافري ثم الجعفري أبو عقيل الشاعر المشهور، قدم في بني جعفر بن كلاب فأسلم وحسن إسلامه، ولم يقل سوءا منذ أسلم مات عام الجماعة (٢). الحديث الحادي عشر: حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ لأَبِي بَكْرٍ ﵁ غُلَامٌ يُخْرِجُ لَهُ الخَرَاجَ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَأكُلُ مِنْ خَرَاجِهِ، فَجَاءَ يَوْمًا بِشَيْءٍ، فَأَكَلَ مِنْهُ الصديق، فأخبر أنه من كهانة وأنه لا يحسنها وإنما خدعة، فَأَدْخَلَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ، فَقَاءَكُلَّ شَيْءٍ فِي بَطْنِهِ. فيه: مخارجة العبد، وأكله من كسب عبده؛ لأنه من عمل يده، وقد صح: "أطيب ما أكل المؤمن من عمل يده" (٣) وقد يكون ثمن العبد من عمل يد أبي بكر ﵁.

стр. 12257

وذكر أبو الثناء وغيره أن أبا بكر أول من قاء من الشبهات فإنه لما أخبره بما ذكره استقاءه. قال ابن التين: والله تعالى قد وضع ما كان في الجاهلية، ولو كان في الإسلام مثل ما أكل أو قيمته إن لم يكن مما يقضى فيه بالمثل، ولا يزيل عنه العادة ما يلزمه من ذلك. فائدتان متعلقتان بالحديث الذي قبله أخرتهما اتفاقا. الأولى: اسم أبي الصلت هذا: ربيعة بن عوف بن عقدة بن غيرة بن عوف بن منبه (بن) (١) ثقيف، قال المرزباني: ويقال: اسم أبي الصلت عبد الله بن ربيعة، ويقال: هو أمية بن أبي الصلت بن وهب بن علاج بن أبي سلمة، وكنية أمية هو أبو عثمان، ويقال: أبو القاسم. قال الكلاباذي: كان يهوديا مات في حصار رسول الله ﷺ الطائف، وقال أبو الفتح في "مبهجه": هو تحقير أمة وهو عندنا فِعْلة؛ لأنها أوقاتا تدل على أنها فعلة فيكسرهم إياهم على أفعل، وهي أم. قال: والصلت البارز المشهور، وذكر الثعلبي أنه كان في ابتداء أمره قد قرأ الكتب يزعم أن الله يرسل رسولا في ذلك الوقت، فرجا أن يكون هو، فلما أُرسل رسول الله ﷺ حسده، فلما مات أتت أخته فارعة رسول الله ﷺ فسألها عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو راقد أتاه اثنان فنشط سقف البيت ونزل فقعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه أوعى؟ قال: أوعى، فسألته عن ذلك فقال: خيرا زيدي، ثم صرف عني، ثم غشي عليه فأفاق فقال: كلُّ عيشٍ وإن تطاول دهرًا … سائر مرةً إلى أن يزولا

стр. 12258

لَيتَني كُنتُ قَبلَ ما بَدا لي … في رُءوسِ الجِبالِ أَرعى الوعولا مع أن يوم الحساب يوم عظيم … يشاب فيه الصغير يوما ثقيلا فقال ﷺ : "أنشديني من شعره" فقالت: لك الفضل والنعماء ربنا … ولا شيء أعلى منك مجدًا وأمجد مليك على عرش السماء مهيمن … لعزته تعنو الوجوه وتسجد .. القصيدة. ثم أنشدته: عِندَ ذِي العَرضِ يُعرَضونَ عَليهِ … يَعلَمُ الجَهرَ وَالسر الخَفِيّا يَومَ يَأتي الرحمن وَهوَ رَحيمٌ … إِنَهُ كانَ وَعدُهُ مَأتِيّا يَومَ يَأتيهِ مِثلَما قالَ فَردًا … لا بد راشِدًا أوْ غَوِيّا أَسَعيدٌ إسعادة إنا نَرجو … أَم مُهانٌ بِما أكسبت شَقيّا فقال ﷺ : "آمن في شعره، وكفر قلبه" (١)، ونزلت: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا﴾ الآية [الأعراف: ١٧٥]. الثانية: تصديقه ﷺ لبيد في قوله: ألا كل شيء ما خلا الله باطل. كيف يجمع بينه وبين قول ﷺ في مناجاته "أنت الحق، وقولك حق، والجنة حق، والنار حق، ولقاؤك حق" (٢)، وعنه جوابان ذكرهما السهيلي:

стр. 12259

أحدهما: أن يريد بقوله (ما خلا الله): ما عداه، وعدا رحمته الذي وعد بها فإن وعده حق، وما عدا عقابه الذي توعد به، والباطل ما سواه، والجنة وما وعد به من رحمته، والنار وما وعد به من عقابه، وما سوى هذا باطل أي: مضمحل. والثاني: أن الجنة والنار وإن كانتا حقا، فإن الزوال عليهما جائز لذاتهما، فإنهما يبقيان بإبقاء الله لهما، وأنه خلق الدوام لأهلهما على قول من جعل البقاء والدوام معنى زائد على الذات، وهو قول الأشعري. وإنما الحق على الحقيقة من لا يجوز عليه الزوال، وهو القديم الذي انعدامه محال، ولذلك قال ﷺ : "أنت الحق" معرفًا أي: المستحق لهذا الاسم حقيقة. "وقولك الحق"؛ لأن قوله قديم وليس بمخلوق فيبيد، "ووعدك الحق" كذلك؛ لأن وعده كلامه وهذا مقتضى الألف واللام. ثم قال: "الجنة حق، والنار حق" بغير ألف ولام، "ولقاؤك" كذلك؛ لأن هذِه أمور محدثات، والمحدث لا يجب له البقاء من جهة ذاته، وإنما علمنا بقاءهما من جهة استحالة الفناء عليهما، كما يستحيل على القديم سبحانه الذي هو الحق، وما خلاه باطل؛ لأنه إما جوهر أو عرض، وليس في الأعراض إلا ما يجب له الفناء ولا في الجواهر إلا ما يجب عليه الفناء والبطول فإن بقي ولم يبطل فجائز أن يبطل، والحق سبحانه [ليس من] (١) قبيل الجواهر والأعراض، فاستحال عليه ما يجب لهما أو يجوز لهما (٢).

стр. 12260

الحديث الثاني عشر: حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَتَبَايَعُونَ لُحُومَ الجَزُورِ إلى حَبَلِ الحَبَلَةِ. وقد سلف في البيوع بتفسيره (١). الحديث الثالث عشر: حديث غَيْلَان بْن جَرِيرٍ: كُنَّا نَأْتِي أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَيُحَدِّثُنَا عَنِ الأَنْصَارِ، وَكَانَ يَقُولُ لِي: فَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا، وَفَعَلَ قَوْمُكَ كَذَا وَكَذَا يَوْمَ كَذَا وَكَذَا. هذا الحديث سلف في أول مناقب الأنصار (٢)، وغيلان هو اسم معولي، ومعول وحدان وبجر وزياد أولاد شمس بن عمرو بن غنم بن غالب بن عثمان بن نصر بن زهران بن كعب بن الحارث بن كعب بن عبد الله بن مالك بن الأزد. قال ابن سعد: وغيلان هذا العتكي عتيق بن الأزد بن عمرو مزيقيا، مات سنة تسع وعشرين ومائة وهو تابعي. وفيه: التحديث بما وقع في الجاهيلة طبق ما ترجم له.

стр. 12261

٢٧ - (باب) (١) القَسَامَةُ فِي الجَاهِلِيَّةِ ٣٨٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ، حَدَّثَنَا قَطَنٌ أَبُو الْهَيْثَمِ، حَدَّثَنَا أَبُو يَزِيدَ الْمَدَنِيُّ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ كَانَتْ فِى الْجَاهِلِيَّةِ لَفِينَا بَنِى هَاشِمٍ، كَانَ رَجُلٌ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ، اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرَى، فَانْطَلَقَ مَعَهُ فِى إِبِلِهِ، فَمَرَّ رَجُلٌ بِهِ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ قَدِ انْقَطَعَتْ عُرْوَةُ جُوَالِقِهِ، فَقَالَ: أَغِثْنِى بِعِقَالٍ أَشُدُّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِي، لَا تَنْفِرُ الإِبِلُ. فَأَعْطَاهُ عِقَالاً، فَشَدَّ بِهِ عُرْوَةَ جُوَالِقِهِ، فَلَمَّا نَزَلُوا عُقِلَتِ الإِبِلُ إِلاَّ بَعِيرًا وَاحِدًا، فَقَالَ الَّذِى اسْتَأْجَرَهُ: مَا شَأْنُ هَذَا الْبَعِيرِ لَمْ يُعْقَلْ مِنْ بَيْنِ الإِبِلِ؟ قَالَ: لَيْسَ لَهُ عِقَالٌ. قَالَ: فَأَيْنَ عِقَالُهُ؟ قَالَ: فَحَذَفَهُ بِعَصًا كَانَ فِيهَا أَجَلُهُ، فَمَرَّ بِهِ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ، فَقَالَ: أَتَشْهَدُ الْمَوْسِمَ؟ قَالَ: مَا أَشْهَدُ، وَرُبَّمَا شَهِدْتُهُ. قَالَ: هَلْ أَنْتَ مُبْلِغٌ عَنِّي رِسَالَةً مَرَّةً مِنَ الدَّهْرِ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَكُنْتَ إِذَا أَنْتَ شَهِدْتَ الْمَوْسِمَ، فَنَادِ: يَا آلَ قُرَيْشٍ. فَإِذَا أَجَابُوكَ، فَنَادِ: يَا آلَ بَنِى هَاشِمٍ. فَإِنْ أَجَابُوكَ فَسَلْ عَنْ أَبِى طَالِبٍ، فَأَخْبِرْهُ أَنَّ فُلَانًا قَتَلَنِي فِى عِقَالٍ، وَمَاتَ الْمُسْتَأْجَرُ، فَلَمَّا قَدِمَ الَّذِى اسْتَأْجَرَهُ أَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ، فَقَالَ: مَا فَعَلَ صَاحِبُنَا؟ قَالَ: مَرِضَ، فَأَحْسَنْتُ الْقِيَامَ عَلَيْهِ، فَوَلِيتُ دَفْنَهُ. قَالَ: قَدْ كَانَ أَهْلَ ذَاكَ مِنْكَ. فَمَكُثَ حِينًا، ثُمَّ إِنَّ الرَّجُلَ الَّذِى أَوْصَى إِلَيْهِ أَنْ يُبْلِغَ عَنْهُ وَافَى الْمَوْسِمَ، فَقَالَ: يَا آلَ قُرَيْشٍ. قَالُوا: هَذِهِ قُرَيْشٌ. قَالَ: يَا آلَ بَنِي هَاشِمٍ. قَالُوا: هَذِهِ بَنُو هَاشِمٍ. قَالَ: أَيْنَ أَبُو طَالِبٍ؟ قَالُوا: هَذَا أَبُو طَالِبٍ. قَالَ: أَمَرَنِي فُلَانٌ أَنْ أُبْلِغَكَ رِسَالَةً أَنَّ فُلَانًا قَتَلَهُ فِى عِقَالٍ. فَأَتَاهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ لَهُ: اخْتَرْ مِنَّا إِحْدَى ثَلَاثٍ: إِنْ شِئْتَ أَنْ تُؤَدِّيَ مِائَةً مِنَ الإِبِلِ، فَإِنَّكَ قَتَلْتَ صَاحِبَنَا، وَإِنْ شِئْتَ حَلَفَ خَمْسُونَ مِنْ قَوْمِكَ أَنَّكَ لَمْ تَقْتُلْهُ، فَإِنْ أَبَيْتَ قَتَلْنَاكَ بِهِ. فَأَتَى قَوْمَهُ، فَقَالُوا: نَحْلِفُ. فَأَتَتْهُ امْرَأَةٌ مِنْ بَنِى هَاشِمٍ كَانَتْ تَحْتَ رَجُلٍ مِنْهُمْ قَدْ وَلَدَتْ لَهُ، فَقَالَتْ: يَا أَبَا طَالِبٍ أُحِبُّ أَنْ تُجِيزَ ابْنِي هَذَا بِرَجُلٍ مِنَ الْخَمْسِينَ، وَلَا تَصْبُرْ يَمِينَهُ حَيْثُ تُصْبَرُ الأَيْمَانُ. فَفَعَلَ، فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْهُمْ

стр. 12262

فَقَالَ: يَا أَبَا طَالِبٍ، أَرَدْتَ خَمْسِينَ رَجُلاً أَنْ يَحْلِفُوا مَكَانَ مِائَةٍ مِنَ الإِبِلِ، يُصِيبُ كُلَّ رَجُلٍ بَعِيرَانِ، هَذَانِ بَعِيرَانِ، فَاقْبَلْهُمَا عَنِّي وَلَا تَصْبُرْ يَمِينِي حَيْثُ تُصْبِرُ الأَيْمَانُ. فَقَبِلَهُمَا، وَجَاءَ ثَمَانِيةٌ وَأَرْبَعُونَ فَحَلَفُوا. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: فَوَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ مَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنَ الثَّمَانِيَةِ وَأَرْبَعِينَ عَيْنٌ تَطْرِفُ. [فتح: ٧/ ١٥٥] ٣٨٤٦ - حَدَّثَنِي عُبَيْدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - قَالَتْ: كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ ، فَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا، قَدَّمَهُ اللَّهُ لِرَسُولِهِ ﷺ فِى دُخُولِهِمْ فِى الإِسْلَامِ. [انظر: ٣٧٧٧ - فتح: ٧/ ١٥٦] ٣٨٤٧ - وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ: أَخْبَرَنَا عَمْرٌو، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ كُرَيْبًا - مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ - حَدَّثَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: لَيْسَ السَّعْيُ بِبَطْنِ الْوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً، إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ: لَا نُجِيزُ الْبَطْحَاءَ إِلاَّ شَدًّا. [فتح: ٧/ ١٥٦] ٣٨٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْجُعْفِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، أَخْبَرَنَا مُطَرِّفٌ، سَمِعْتُ أَبَا السَّفَرِ يَقُولُ: سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَلَا تَذْهَبُوا فَتَقُولُوا: قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ. مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الْحِجْرِ، وَلَا تَقُولُوا الْحَطِيمُ. فَإِنَّ الرَّجُلَ فِى الْجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ. [فتح: ٧/ ١٥٦] ٣٨٤٩ - حَدَّثَنَا نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِى الْجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ. [فتح: ٧/ ١٥٦] ٣٨٥٠ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ، سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الْجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِى الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ، قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا الاِسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ. [فتح: ٧/ ١٥٦]

стр. 12263

القسامة: بفتح القاف - اسم للأيمان، وقيل: للأولياء، وهي من الأمور التي كانت في الجاهلية وأقرت في الإِسلام. واختلف في أول من سن الدية مائة من الإبل على أقوال: أحدها: عبد المطلب. ذكره ابن إسحاق (١). ثانيها: أبو سيارة، قاله أبو الفرج الأصبهاني. ثالثها: القلمس. رابعها: ذكر الزبير عن المستهل بن الكميت بن زيد، عن أبيه أنه قال: قتل النضر بن كنانة بن خزيمة أخاه لأبيه فوداه مائة من الإبل من ماله فهو أول من سنها، ذكر عن الكميت الأسدي ليزيد في ذلك شعرا دالا على ذلك. خامسها: قال الكلبي في "الجمهرة": وثب ابن كنانة على علي بن مسعود فقتله فوداه خزيمة مائة، فهو أول دية كانت في العرب. سادسها: وقال في كتاب "الجامع لأنساب العرب": قتل معاوية بن بكر بن هوازن أخاه زيدا فوداه عامر بن الضرب مائة من الإبل، فهي أول دية كانت في العرب مائة لعظم الإبل عندهم وليتناهوا عن الدماء. وفي "الجمهرة" لابن حزم: تقول العرب أن لقمان كان جعل الدية أولاً مائة جدي (٢). وجزمت في "شرح المنهاج" بأن أول من قضى بها الوليد بن المغيرة في الجاهلية، وذكر الزبير أن عمرو بن علقمة بن المطلب بن عبد مناف، كان أجيرا لخداش بن عبد الله بن أبي قيس بن عبد ود بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤي، خرج معه إلى الشام، ففقد

стр. 12264

خداش حبلا فذكر أنه أعطاه رجلا يعقل به جمله، فضرب خداش عَمرًا بعصاه (فرقى) (١) في ضربته فمرض منها فكتب إلى أبي طالب يخبره، ومات منها وفي ذلك يقول أبو طالب: أفي فضل حبل لا أبا لك ضربه … بمنسأة قدجاء حبل وأحبل فتحاكموا إلى الوليد بن المغيرة فقضى أن يحلف خمسون رجلا من بني عامر بن لؤي عند البيت ما قتله خداش، حلفوا إلا حويطب بن عبد العزى فإن أمه افتدت يمينه، فيقال: ما حال الحول حتى ماتوا كلهم إلا حويطبا، وأم حويطب: زينب بنت علقمة من بني معيص بن عامر بن لؤي. ثم ساق البخاري في الباب أحاديث: أحدها: عن أبي مَعْمَرٍ، ثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، ثَنَا قَطَنٌ -هو ابن كعب القطعي البصري من أفراده- ثَنَا أَبُو يَزِيدَ المَدَنِيُّ -ولا يعرف اسمه وهو من أفراده، وليس له عنده سواه وأهل البصرة يروون عنه ولا يعرف بالبصرة وهو ثقة- عن عكرمة -وهو من أفراده أيضًا وإن أخرج له مسلم مقرونا- عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ قَسَامَةٍ كَانَتْ في الجَاهِلِيَّةِ لَفِينَا بَنِي هَاشِمٍ، اسْتَأْجَرَهُ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ فَخِذٍ أُخْرى، فَانْطَلَقَ مَعَهُ في إِبِلِهِ، فعضد الحبل، وإنه حذفه بعصا، كان فيه أجله وانه أمر رجلا من أهل اليمن بإبلاع ذلك في الموسم أبا طالب فخيره بين ثلاث: من أن يفديه بمائة من الإبل، وبين حلف خمسين من قومه أنه لم يقتله وإلا قتلناك به وحلف ثمانية وأربعون،

стр. 12265

وفدا وأخذ يمينه ببعيرين، وجاءت امرأة فقالت له: يا أبا طالب، أحب أن تجيز ابني هذا برجل من الخمسين ولا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان فقبل، قال ابن عباس: فوالذي نفسي بيده ما حال الحول ومن الثمانية وأربعين عين تطرف. والكلام عليه من وجوه: أحدها: قوله: (لفينا) يعني: الحكم بها، وفيه دلالة كما قال الداودي أنهم كانوا يعرفونها لأنه لم يذكر أنهم تشاوروا ولا تدافعوا. قلت: وهو ذاك أيضا أن الدية لم تزل مائة من الإبل. وقوله: (لبني هاشم) إنما كانت في بني المطلب كما هو في الحديث لكنهما شيء واحد في الجاهلية والإِسلام، فلذلك قال ذلك. والفخذ: بكسر الخاء وإسكانها قال ابن فارس: بسكون الخاء دون القبيلة وفوق البطن (١). ثانيها: قوله (فقال أبو طالب: اختر منا إحدى ثلاث .. ) إلى آخره. فيه: البداءة بالمدعى عليه كسائر الحقوق، وهذا مذهب أبي حنيفة، واتفق هو والشافعي على القول بها مع الوقت وإن كانا مختلفين في صفته. واختلفوا أيضا هل يقتل بها فقال مالك: نعم، وقال الشافعي: لا بل يوجب الدية وقيل: يبدأ المدعون على كل حال.

стр. 12266

ثالثها: الجوالق: بضم الجيم وفتح اللام وكسرها فارسي معرب وأصله بالفارسية: كوالة، وجمع جوالق بفتح الجيم كما قال أبو منصور (١)، وهو من نادر الجمع. قلت: الذي في "كتاب سيبويه": جواليق بزيادة ياء قال: ولم يقولوا: جوالقات. استغنوا عنه بجواليق (٢). وقولها: (أحب أن تجيز ابني برجل). أي: تسقط عنه اليمين وتعفو عنه، ومعنى (لا تصبر يمينه حيث تصبر الأيمان) أصل الصبر في اللغة: الحبس، وصبرت الرجل إذا حلفته بأجهد اليمين. وقيل: الصبر في الأيمان الإيجاب والإلزام حتى لا يسعه إلا بحلف و (حيث تصبر الأيمان): هو بين الركن والمقام، ومن هذا استدل الشافعي على أنه لا يحلف بين الركن والمقام على أقل من عشرين دينارا وهو ما تجب فيه الزكاة. رابعها: قوله: (ما حال الحول .. ) إلا آخره لعل ابن عباس أخبره بهذا جماعة، فتصور في نفسه ذلك فحلف عليه، ولأن الظاهر أن عمره لم يبلغ أن يكون حينئذ قد عقل. وقوله: (عين تطرف) الطرف تحريك الجفن في النظر، وقيل: طرف بعينه إذا نظر بطرفة بعد طرفة، وفيه: الأخذ باليمين الكاذبة وإن اليمين في الحرم تهلك كاذبها.

стр. 12267

الحديث الثاني: حديث عائشة ﵂: كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ يَوْمًا قَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ، فقدم رسول الله ﷺ ، وَقَدِ افْتَرَقَ مَلَؤُهُمْ، وَقُتِّلَتْ سَرَوَاتُهُمْ وَجُرِّحُوا، قَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ فِي دُخُولِهِمْ فِي الإِسْلَامِ. تقدم في مناقب الأنصار (١). الحديث الثالث: وَقَالَ ابن وَهْبٍ: أنَا عَمْروٌ، عَنْ بُكَيْرِ بْنِ الأَشَجِّ، أَنَّ كُرَيْبًا -مَوْلَى ابن عَبَّاس- حدثه: قَالَ: [لَيْسَ] (٢) السَّعْيُ بِبَطْنِ الوَادِي بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سُنَّةً، إِنَّمَا كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَسْعَوْنَهَا وَيَقُولُونَ: لَا نجِوز البَطْحَاءَ إِلَّا شَدًّا. خولف فيه من الوجهين كما نبه عليه أيضا ابن التين، ولعله أراد السعي الشديد، وقد سلف أصله من فعل هاجر، وهو أحد أركان الحج والعمرة عند الشافعي (٣)، ومعنى (لا نجيز البطحاء): لا نخلفها يقال: جزت الموضع: سرت فيه، وأجزته: خلفته، وقطعته، وقيل: بل أجزته بمعنى: جزته. الحديث الرابع: حديث أبي السفر سعيد بن محمَّد -وقيل: ابن أحمد- الهمداني الثوري الكوفي: سَمِعْتُ ابن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ، اسْمَعُوا مِنِّي مَا أَقُولُ لَكُمْ، وَأَسْمِعُونِي مَا تَقُولُونَ، وَلَا تَذْهَبُوا

стр. 12268

فَتَقُولُوا: قَالَ ابن عَبَّاسٍ. مَنْ طَافَ بِالْبَيْتِ فَلْيَطُفْ مِنْ وَرَاءِ الحِجْرِ، وَلَا تَقُولُوا: الحَطِيمُ. فَإِنَّ الرَّجُلَ فِي الجَاهِلِيَّةِ كَانَ يَحْلِفُ فَيُلْقِي سَوْطَهُ أَوْ نَعْلَهُ أَوْ قَوْسَهُ. معنى: (اسمعوا مني) إلى آخره. أي: اعتمدوا على قولي إن كنتم حفظتموه، والطواف من رواء الحجر هو المشروع، فلو تجنب القدر الوارد في الحديث ودخل من إحدى الفتحتين، وخرج من أخرى لم يصح على المختار. الحديث الخامس: حديث نعيم بن حماد، ثنا هُشَيْمٌ، عَنْ حُصَيْنٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ: رَأَيْتُ فِي الجَاهِلِيَّةِ قِرْدَةً اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ وقَدْ زَنَتْ، فَرَجَمُوهَا فَرَجَمْتُهَا مَعَهُمْ. حديث عمرو هذا رويناه مطولا من حديث عيسى بن حطان: سمعت قاضي مكة ومرة البكالي يسألان عمرو بن ميمون الأودي: ما أعجب ما رأيت في الجاهلية؟ قال: كنت في اليمن في غنم لأهلي وأنا على شرف فجاء قرد معه قردة فتوسد يدها، فوضع خده فوق يدها فنام، قال: فرأيت قردًا أصغر منه جاء يمشي خفيا حتى غمز القردة بيده، ثم ولا ذاهبا قال: فَسَلَّتْ يدها من تحت خده سَلاًّ رفيقًا، ووضعت خده بالأرض، ثم تبعته قال: فوقع عليها وأنا انظر إليه، ثم رجعت فجعلت تدخل يدها من تحت خده إدخالا رفيقا، فاستيقظ فزعا مذعورا، فأطاف بها يشمها، ثم شم حياها فصاح صيحة شديدة، فجعلت القرود تجيء يمنة ويسرة، ومن بين يديه ومن خلفه قال: فجعل يصيح ويومئ إليها بيده، ثم سكت فذهبت القرود يمنة ويسرة،

стр. 12269

ومن بين يديه، ومن خلفه، فما لبثنا أن جاءوا به بعينه أعرفه فحفروا لهما حفرة فرجموهما، ولقد رأيت الرجم في غير بني آدم قبل أن أراه في بني آدم (١).

стр. 12270

قال ابن التين: إنها تعقل إلا أنها لا تكلف، ويحتمل أن هذه من نسل الذين مسخوا، فنقبت فيهم تلك الفترة لعلها شريعة نبي، وقيل: المسوخ لا ينسلون (١). الحديث السادس: حديث عبيد الله سَمِعَ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: خِلَالٌ مِنْ خِلَالِ الجَاهِلِيَّةِ: الطَّعْنُ فِي الأَنْسَابِ، وَالنِّيَاحَةُ. وَنَسِيَ الثَّالِثَةَ، قَالَ سُفْيَانُ -أحد رواته- وَيقُولُونَ: إِنَّهَا الاسْتِسْقَاءُ بِالأَنْوَاءِ. معنى خلال: أي خصال. و (الاستسقاء بالأنواء) هو قولهم: مطرنا بنوءكذا.

стр. 12271

٢٨ - باب مَبْعَثِ النَّبِيِّ ﷺ - مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَىِّ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَىِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إِلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ. ٣٨٥١ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ أَبِي رَجَاءٍ، حَدَّثَنَا النَّضْرُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قَالَ: أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهْوَ ابْنُ أَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً، ثُمَّ أُمِرَ بِالْهِجْرَةِ، فَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَمَكَثَ بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّىَ ﷺ [٣٩٠٢، ٣٩٠٣، ٤٤٥٦، ٤٩٧٩ - مسلم: ٢٣٥١ - فتح: ٧/ ١٦٢] وهذا النسب سقناه في أول هذا الشرح وتكلمنا على ألفاظه وضبطه هناك فسارع إليه، وأنه لا يصح بعد هذا إلى آدم طريق، وذكرنا أمثل ما فيه وأشهره مبسوطا، وأصحابه العشرة مجتمعون في عبد مناف (١)، وعلي ابن عمه، والزبير في قصي، وطلحة في مرة، وعمر وسعيد في كعب، وعثمان في عبد مناف، والزبير في قصي، وسعد في كلاب، وكذا عبد الرحمن وأبو عبيدة في فهر. أمه: آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب بن مرة، وذكر الزبير بن بكار وغيره أن كنانة بن خزيمة تزوج مرة بنت مرٍّ فخلف عليها

стр. 12272

بعد أبيه خزيمة، علا ما كانت العرب تفعله في الجاهلية إذا مات الرجل خلف على زوجته بعده أكبر بنيه من غيرها، وأفاد الجاحظ في كتاب "الأصنام" أنها مرة بنت أد بن طابخة ولم تلد لكنانة ذكرا ولا أنثى، ولكن كانت ابنة أخيها وهي مرة بن مر بن أد بن طابخة عند كنانة بن خزيمة، فولدت له النضر بن كنانة فغلط في ذلك من غلط لاتفاق الاسمين وتقارب النسبين، فاستفد ذلك. ثم ساق البخاري حديث عكرمة عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: أُنْزِلَ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ وهْوَ ابن أَرْبَعِينَ، فَمَكَثَ [ثلاث عشرة سنة، ثم أمر بالهجرة، فهاجر إلى المدينة، فمكث] (١) بِهَا عَشْرَ سِنِينَ، ثُمَّ تُوُفِّيَ ﷺ . أما قدر إقامته بالمدينة فلم يختلف فيه أنها عشر، وإنما اختلف في عمره عندما نزل عليه هل هو أربعون أو اثنان وأربعون؟ وهل أقام بمكة عشرًا أو ثلاث عشرة؟ قال جماعة من العلماء: وابن عباس أخذ ما ذكره من قول صرمة: ثوى في قريش بضع عشرة حجة … يُذَكِّرُ لو يلقى صديقًا مواتيًا (٢) وفي حديث أبي سلمة عنه وعن عائشة عند البخاري قالا: لبث رسول الله ﷺ بمكة عشر سنين ينزل عليه (٣)، وفي رواية جابر وأنس، وجمع ابن عبد البر بين الروايتين بأنه ﷺ لما أوحي إليه أسر أمره ثلاث سنين من مبعثه ثم أمر بإظهاره (٤).

стр. 12273

قيل: إنه ابتدئ بالرؤية الصادقة ستة أشهر، وأن الوحي فتر عنه سنتان ونصف، فصار ثلاث سنين، فمن عَدَّ من المبعث قال: ثلاث عشرة، ومن عَدَّ من حين مجيء الوحي قال: عشرًا. وقال الشعبي: إن إسرافيل وكل به ثلاث سنين من غير نزول قرآن على لسانه، فمن عد من حين نزول جبريل قال: عشر (١). وفي رواية عمار بن أبي عمار عن ابن عباس- عند ابن سعد- أقام رسول الله ﷺ بمكة خمس عشرة سنة، سبع سنين يرى الضوء ويسمع الصوت، وثمان سنين يوحى إليه (٢)، وكذا ذكره الحسن. وعن ابن جبير عن ابن عباس: نزل عليه القرآن بمكة عشرًا أو خمسا -يعني سنين- أو أكثر. وعن الحسن أيضاً أنزل عليه ثمان سنين بمكة قبل الهجرة وعشر سنين بالمدينة، وراجع ما ذكرته في الحديث الرابع من باب صفة النبي ﷺ (٣) تجد ما يشفي الغليل.

стр. 12274

٢٩ - باب مَا لَقِيَ النَّبِيُّ ﷺ وَأَصْحَابُهُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ ٣٨٥٢ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِىُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا بَيَانٌ وَإِسْمَاعِيلُ قَالَا: سَمِعْنَا قَيْسًا يَقُولُ: سَمِعْتُ خَبَّابًا يَقُولُ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُتَوَسِّدٌ بُرْدَةً، وَهْوَ فِى ظِلِّ الْكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ شِدَّةً، فَقُلْتُ: أَلَا تَدْعُو اللَّهَ؟ فَقَعَدَ وَهْوَ مُحْمَرٌّ وَجْهُهُ، فَقَالَ: «لَقَدْ كَانَ مَنْ قَبْلَكُمْ لَيُمْشَطُ بِمِشَاطِ الْحَدِيدِ مَا دُونَ عِظَامِهِ مِنْ لَحْمٍ أَوْ عَصَبٍ مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَيُوضَعُ الْمِنْشَارُ عَلَى مَفْرِقِ رَأْسِهِ، فَيُشَقُّ بِاثْنَيْنِ، مَا يَصْرِفُهُ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ، وَلَيُتِمَّنَّ اللَّهُ هَذَا الأَمْرَ حَتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِنْ صَنْعَاءَ إِلَى حَضْرَمَوْتَ مَا يَخَافُ إِلاَّ اللَّهَ». زَادَ بَيَانٌ وَ"الذِّئْبَ عَلَى غَنَمِهِ". [انظر: ٣٦١٢ - فتح: ٧/ ١٦٤] ٣٨٥٣ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه قَالَ: قَرَأَ النَّبِىُّ ﷺ النَّجْمَ فَسَجَدَ، فَمَا بَقِىَ أَحَدٌ إِلاَّ سَجَدَ، إِلاَّ رَجُلٌ رَأَيْتُهُ أَخَذَ كَفًّا مِنْ حَصًا، فَرَفَعَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ وَقَالَ: هَذَا يَكْفِينِي. فَلَقَدْ رَأَيْتُهُ بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا بِاللَّهِ. [انظر: ١٠٦٧ - مسلم: ٥٧٦ - فتح: ٧/ ١٦٤] ٣٨٥٤ - حَدَّثَنِى مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِى إِسْحَاقَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ - رضى الله عنه - قَالَ: بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ سَاجِدٌ وَحَوْلَهُ نَاسٌ مِنْ قُرَيْشٍ، جَاءَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ بِسَلَى جَزُورٍ، فَقَذَفَهُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَلَمْ يَرْفَعْ رَأْسَهُ، فَجَاءَتْ فَاطِمَةُ ﵍ فَأَخَذَتْهُ مِنْ ظَهْرِهِ، وَدَعَتْ عَلَى مَنْ صَنَعَ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ : «اللَّهُمَّ عَلَيْكَ الْمَلأَ مِنْ قُرَيْشٍ أَبَا جَهْلِ بْنَ هِشَامٍ، وَعُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَشَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ، وَأُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ - أَوْ أُبَيَّ بْنَ خَلَفٍ». شُعْبَةُ الشَّاكُّ - فَرَأَيْتُهُمْ قُتِلُوا يَوْمَ بَدْرٍ، فَأُلْقُوا فِى بِئْرٍ غَيْرَ أُمَيَّةَ - أَوْ أُبَيٍّ - تَقَطَّعَتْ أَوْصَالُهُ، فَلَمْ يُلْقَ فِى الْبِئْرِ. [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ٧/ ١٦٥] ٣٨٥٥ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنِي

стр. 12275

سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَوْ قَالَ حَدَّثَنِي الْحَكَمُ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ - قَالَ أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى قَالَ: سَلِ ابْنَ عَبَّاسٍ عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ﴾ [الإسراء: ٣٣] ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣] فَسَأَلْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الَّتِى فِى الْفُرْقَانِ، قَالَ مُشْرِكُو أَهْلِ مَكَّةَ فَقَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ،، وَدَعَوْنَا مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ أَتَيْنَا الْفَوَاحِشَ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [الفرقان: ٧٠] الآيَةَ فَهَذِهِ لأُولَئِكَ، وَأَمَّا الَّتِي فِى النِّسَاءِ الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ، فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ. فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ، فَقَالَ: إِلاَّ مَنْ نَدِمَ. [٤٥٩٠، ٤٧٦٢، ٤٧٦٣، ٤٧٦٤، ٤٧٦٥، ٤٧٦٦ - مسلم: ١٢٢، ٣٠٢٣ - فتح: ٧/ ١٦٥] ٣٨٥٦ - حَدَّثَنَا عَيَّاشُ بْنُ الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنِي الأَوْزَاعِيُّ حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ ابْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ: أَخْبِرْنِي بِأَشَدِّ شَيْءٍ صَنَعَهُ الْمُشْرِكُونَ بِالنَّبِىِّ ﷺ قَالَ بَيْنَا النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّى فِى حِجْرِ الْكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِى مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ فِى عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ﴾ [غافر: ٢٨] الآيَةَ. تَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ، قُلْتُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. وَقَالَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ. [انظر: ٣٦٧٨ - فتح: ٧/ ١٦٥] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث خباب: أَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَهْوَ مُتَوَسّدٌ بُرْدَةً وَهْوَ في ظِلّ الكَعْبَةِ، وَقَدْ لَقِينَا مِنَ المُشْرِكِينَ شِدَّةً.

стр. 12276

سلف في باب: علامات النبوة (١). واحمرَّ وجهه من الغضب. والمشي: واحد الأمشاط التي يمتشط بها. قال الصاغاني في "شوارده" (٢): مُشط ومِشَاط، كرمح ورماح، وقرط وقراط، وخف وخفاف. وهؤلاء الذين امتشطوا بأمشاط الحديد يجوز أن يكونوا أنبياء وأتباعهم، وكان في الصحابة من لو فعل به ذلك لصبر قال الصديق حين توفي رسول الله ﷺ : لو لم أجد إلا نفسي لقاتلتهم، يعني أهل الردة (٣) ومن تعرض لمثل هذا لا يقعد عما هو أعظم منه. قال الفاروق في شيء: والله لأن تضرب عنقي -إلا أن تتغير لي نفسي عند الموت- أحب إلى من كذا (٤). واحتسب عثمان نفسه، وكان علي يقاتل أول النهار ثم يخرج آخره في إزار ورداء، فيقال له: أنت تقاتل وتغفل عن هذا، فيقول: والله ما أبالي سقطت على الموت أو سقط علي، يعني: إذا كان في الله. وأعتق الصديق سبعة عذبوا في الله. وقيل لابن عمر: أي بني الزبير أشجع؟ فقال: كلهم شجاع مشى للموت وهو يراه (٥). وكان عبد الله يصلي بجانب البيت وحجارة المنجنيق تمر على يمينه وعن شماله ولا يتحرك (٦)، وما زال من الصحابة فمن بعدهم يؤذون في الله، ولو أخذوا بالرخصة لساغ لهم.

стр. 12277

الحديث الثاني: حديث الأسود عَنْ عَبْدِ اللهِ: قَرَأَ النَّبِيُّ ﷺ النَّجْمَ .. الحديث سلف في سجود التلاوة (١). الحديث الثالث: حديث عمرو بن ميمون عن عبد الله ﵁ في قصة سلا الجزور، وقد سلف في الطهارة وغيرها (٢)، والمراد بعبد الله: هو ابن مسعود من غير شك ولا مرية. وعجب من الداودي في قوله: ذكر أنه عن عبد الله، وإنما تصح الرواية عن ابن عمرو ليس ابن عمر (٣). وابن التين حيث قال: الظاهر أنه ابن مسعود؛ لأنه في الأكثر يطلقونه كذلك (٤). وقوله: (وأمية بن خلف أو أبي بن خلف). شعبة الشاك، وقد أسلفنا أنه أمية من غير شك، وهو الصحيح؛ لأن أبيَّا قتله ﵇ بيده يوم أحد، طعنه بالعنزة، فقال: قتلني ابن أبي كبشة.

стр. 12278

ولم يقتل منهم يومئذ (١) صبرًا إلا عقبة. الحديث الرابع: حديث سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ: أَمَرَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزى قَالَ: سَلِ ابن عَبَّاس عَنْ هَاتَيْنِ الآيَتَيْنِ مَا أَمْرُهُمَا؟ ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ [الإسراء: ٣٣]، ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ [النساء: ٩٣]، فَسَأَلْتُ ابن عَبَّاسٍ، فَقَالَ: لَمَّا أُنْزِلَتِ التِي في الفُرْقَانِ، قَالَ مُشْرِكُو [أَهْلِ مَكَّةَ] (٢): قَدْ قَتَلْنَا النَّفْسَ التِي حَرَّمَ اللهُ، وَدَعَوْنَا مَعَ اللهِ إِلَهًا آخَرَ، وَقَدْ أَتَيْنَا الفَوَاحِشَ. فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾ الآيَةَ [الفرقان: ٧٠]، فهذِه لأُولَئِكَ، وَأَمَّا التِي فِي النِّسَاءِ: الرَّجُلُ إِذَا عَرَفَ الإِسْلَامَ وَشَرَائِعَهُ، ثُمَّ قَتَلَ، فَجَزَاور جَهَنَّمُ. فَذَكَرْتُهُ لِمُجَاهِدٍ، فَقَالَ: إِلَّا مَنْ نَدِمَ. كذا وقع في الرواية (﴿وَلَا تَقْتُلُوا﴾) والتلاوة ﴿وَلَا يَقتُلُونَ اَلنَّفسَ﴾ [الفرقان: ٦٨]. وذكر البخاري في التفسير أن سعيد بن جبير قال: اختلف أهل الكوفة فرحلت إلى ابن عباس -أي: بالحاء المهملة (٣) - وعند ابن ماهان في مسلم: (فدخلت) بالخاء المعجمة -أي: بعد رحلتي- وفي رواية: (فسألته) (٤)، وفي رواية: (أمرني عبد الرحمن بن أبزى) (٥)، ولعله كما قال القاضي: أمرني ابن عبد الرحمن إما عبد الله

стр. 12279

أو سعيد (١)، وإن كنا لا نمنع أن يكون عبد الرحمن سأل، فإن ابن عباس كان يسأله من أقدم منه صحبة وأعلم. وقوله: ﴿فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا﴾ قيل: هي منسوخة بقوله: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا مَا شَاءَ رَبُّكَ﴾ [هود: ١٠٧]. وأما قول ابن عباس: (إذا عرف الإِسلام). فلعله ذكره تغليظًا على ظاهر الآية، وقيل: معنى الآية أن يقتله مستحلا لقتله فيكون كافرًا يستوجب الخلود. وقيل: نزل هذا بمكة الذي في الفرقان، وأنزل: ﴿يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ [الزمر: ٥٣] ثم أنزلت بالمدينة بعد ثماني سنين ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا﴾ مبهمة لا مخرج لها. وقوله: (﴿إِلَّا مَنْ تَابَ﴾) على ما ذكره ابن عباس أي: من تاب من الشرك ودخل الإِسلام (٢). الحديث الخامس: حديث الأوزاعي حَدَّثَنِي يَحْيَا بْنُ أَبِي كَثِيرٍ، حدثني مُحَمَّد بْن إبرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ قَالَ: سَأَلْتُ عبد الله بن عَمْرِو ابْنِ العَاصِي: أَخْبِرْنِي بأَشَدِّ شَىْءٍ صَنَعَهُ المُشْرِكُونَ برسول الله ﷺ . قَالَ: بَيْنَا رسول الله ﷺ يُصَلِّي في حِجْرِ الكَعْبَةِ، إِذْ أَقْبَلَ عُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ، فَوَضَعَ ثَوْبَهُ في عُنُقِهِ، فَخَنَقَهُ خَنْقًا شَدِيدًا، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ حَتَّى أَخَذَ بِمَنْكِبِهِ وَدَفَعَهُ عَنِ رسول الله ﷺ ، قَالَ: أَتَقْتُلُونَ رَجُلاً أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ. سلف آخر مناقب الصديق (٣).

стр. 12280

ثم قال البخاري: تَابَعَهُ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ عُرْوَةَ، عَنْ عُرْوَةَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو. وَقَالَ عَبْدَةُ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: قِيلَ لِعَمْرِو بْنِ العَاصِي. وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ العَاصِي. متابعة ابن إسحاق رويناها في "سيرته" (١) أخرجها البزار عن أبي طلحة موسى بن عبد الله، ثنا بكر بن سليمان، عن محمد بن إسحاق، عنه (٢). وقول عبدة أسنده أبو عبد الرحمن في كتابه عنه به من مسند عمرو بن العاصي في كتاب التفسير (٣). وقول محمد بن عمرو أخرجه أبو القاسم في "معجمه" عن عبد بن عباد، ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، عن محمد به (٤). وكفى بالفاعل شقاوة، وبالصديق ﵁ رفعة. فصل: يتعلق بحديث ابن عباس الذي قبله: روى الواحدي في "أسبابه" عن ابن عباس قال: أتى وحشي بن حرب إلى رسول الله ﷺ فقال: إني أشركت وقتلت النفس وزنيت فنزلت ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾ الآية [النساء: ٤٨] فقال: لعلي ممن لا يشاء. فنزلت ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ﴾ فقال: نعم، الآن لا أرى شرطًا فأسلم (٥).

стр. 12281

وروى الطبري في "تفسيره" عن أبي هريرة ﵁ أن امرأة سألته فقالت: إني زنيت وولدت فقتلته، فهل لي من توبة؟ فقال (١): لا، ولا نعمة عين، ثم سأل رسولَ الله ﷺ فقال: " [بئس] (٢) ما قلتَ لها"، ثم قرأ هذا الآية ﴿إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ الآية (٣). وحكى النحاس عن بعض العلماء أنه لا توبة لمن يقتل مؤمنًا متعمدًا، وبعض من قاله قال: الآية التي في الفرقان منسوخة بآية النساء، ومن العلماء من قال: له توبة؛ لأن هذا مما لا يقع ناسخ ولا منسوخ؛ لأنه خبر ووعيد، ومنهم من قال: إنه تحت المشيئة، وقيل: جزاؤه إن جازاه. وقيل: قتله مستحلا. والأول يروى عن زيد بن ثابت وابن عباس (٤) من طرق صحاح مع ما روى ابن مسعود مرفوعًا: "سباب المسلم فسوق، وقتاله كفر" (٥) وقوله ﷺ : "لا ترجعوا بعدي كفارًا يضرب بعضكم رقاب بعض" (٦)، و"من أعَان على قتل مسلم جاء يوم القيامة مكتوب بين عينيه: آيس من رحمة الله" (٧).

стр. 12282

والقول الثاني عليه جماعة من العلماء، وهو مروي عن زيد بن ثابت وابن عباس، وروي عنه أنها نزلت في أهل الشرك، وأن التي في النساء منسوخة نسختها. وحجة القائلين به ظاهرة من قوله تعالى ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ﴾ [طه:٨٢]، ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ [الشورى: ٢٥]، وهذِه أخبار لا يقع فيها ناسخ. والقول الثالث عليه الفقهاء أبو حنيفة وأصحابه والشافعي، وقول من قال: إن كان مستحلًّا قاله عكرمة؛ لأنه روى أن الآية نزلت في رجل قتل مؤمنًا متعمدًا ثم ارتد، وقول من قال: فهو جزاؤه إن جازاه قاله أبو مجلز. قال النحاس: وغلطه فيه بين (١). وقال ابن الحصار في "ناسخه": إذا لم تتوارد الآي على حكم واحد فلا تعارض بينهما، وإنما نزلت آية النساء فيمن قتل مؤمنًا متعمدً للتكذيب من غير جهالة، فتكذيبه كتكذيب إبليس، وعلماء اليهود والنصارى المتعمدين بجحد ما أنزل الله، ولذلك قال ابن عباس: لا توبة له، فالآية على هذِه ليست عامة في الكافرين، فكيف

стр. 12283

يدخل فيها المؤمنون، وكيف يشكل حكم هذِه الآية على عالم؟ وآية الفرقان نزلت في الكفار. وروى أبو صالح عن ابن عباس أنها نزلت -يعني آية النساء- في مقيس بن صبابة قتل أخوه (١) هشام في غزوة ذي قرد سنة ست مسلمًا، أصابه رجل من الأنصار، وهو يرى أنه من الكفار (٢). وزعم ابن منده أن ذلك كان ببني المصطلق فأرسل رسول الله ﷺ زهير بن عياض الفهري إلى بني النجار فجمعوا لمقيس بن صبابة الدية، فلما قبضها قتل زهيرًا ورجع إلا مكة مرتدًّا، فقال: وترت به فهرًا وحملت عقله … سراة بني النجار أرباب فارع وأدركت ثأري واضطجعت موسدًا … وكنت إلى الأوثان أول راجع فأهدر رسول الله ﷺ دمه فقتل يوم الفتح كافرًا، وقال القاضي إسماعيل: وهذِه الآية حكم من أحكام الآخرة، ليس بالناس حاجة أن يبرموا فيه قولا، غير أنا نرجو قبول التوبة من عباده المسلمين أجمعين. وروي أن رجلاً قال لسفيان: إني أريد أن أقتل رجلاً فهل لي من توبة؟ قال: لا. وقال لمن قتل واستفتاه في ذلك: لك توبة. أراد بالأول تعظيم القتل؛ لئلا يقع فيه، وبالثاني لئلا يقنط.

стр. 12284

٣٠ - باب إِسْلَامُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ - ٣٨٥٧ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَمَّادٍ الآمُلِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِى يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُجَالِدٍ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ وَبَرَةَ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ: قَالَ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلاَّ خَمْسَةُ أَعْبُدٍ وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ. [انظر: ٣٦٦٠ - فتح: ٧/ ١٧٠] ذكر فيه حديث عمار ﵁: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَمَا مَعَهُ إِلَّا خَمْسَةُ أَعْبُدٍ، وَامْرَأَتَانِ، وَأَبُو بَكْرٍ. وقد سلف في مناقب الصديق.

стр. 12285

٣١ - باب إِسْلَامُ سَعْدٍ بن أبي وقاص ﵁ - ٣٨٥٨ - حَدَّثَنِى إِسْحَاقُ، أَخْبَرَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا هَاشِمٌ قَالَ: سَمِعْتُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا إِسْحَاقَ سَعْدَ بْنَ أَبِى وَقَّاصٍ يَقُولُ: مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلاَّ فِى الْيَوْمِ الَّذِى أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَإِنِّي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ. [انظر: ٣٦٦٠ - فتح: ٧/ ١٧٠] ذكر فيه حديث أبي إسحاق سعد بن أبي وقاص ﵁ مَا أَسْلَمَ أَحَدٌ إِلَّا في اليَوْمِ الذِي أَسْلَمْتُ فِيهِ، وَلَقَدْ مَكَثْتُ سَبْعَةَ أَيَّامٍ، وَإِنَي لَثُلُثُ الإِسْلَامِ. وقد سلف في مناقبه أيضًا (١)، وأنه لا تنافي بينه وبين حديث عمار الذي قبله، وأسلم وهو ابن سبع عشرة، وهاجر إلى المدينة قبل قدومه ﷺ ، وشهد بدرًا والمشاهد. فائدة: في إسناده (هاشم) وهو: ابن هاشم بن عتبة بن أبي وقاص.

стр. 12286

٣٢ - باب ذِكْرُ الْجِنِّ، وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ [الجن: ١] ٣٨٥٩ - حَدَّثَنِى عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ، حَدَّثَنَا مِسْعَرٌ، عَنْ مَعْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بِالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا الْقُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ -يَعْنِي عَبْدَ اللَّهِ- أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ. [مسلم: ٤٥٠ - فتح: ٧/ ١٧١] ٣٨٦٠ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَدِّي، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضى الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ إِدَاوَةً؛ لِوَضُوئِهِ وَحَاجَتِهِ، فَبَيْنَمَا هُوَ يَتْبَعُهُ بِهَا، فَقَالَ: «مَنْ هَذَا؟». فَقَالَ: أَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ. فَقَالَ: «ابْغِنِي أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا، وَلَا تَأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ». فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ أَحْمِلُهَا فِى طَرَفِ ثَوْبِي، حَتَّى وَضَعْتُ إِلَى جَنْبِهِ ثُمَّ انْصَرَفْتُ، حَتَّى إِذَا فَرَغَ مَشَيْتُ، فَقُلْتُ: مَا بَالُ الْعَظْمِ وَالرَّوْثَةِ؟ قَالَ: «هُمَا مِنْ طَعَامِ الْجِنِّ، وَإِنَّهُ أَتَانِي وَفْدُ جِنِّ نَصِيبِينَ -وَنِعْمَ الْجِنُّ-، فَسَأَلُونِي الزَّادَ، فَدَعَوْتُ اللَّهَ لَهُمْ أَنْ لَا يَمُرُّوا بِعَظْمٍ وَلَا بِرَوْثَةٍ إِلاَّ وَجَدُوا عَلَيْهَا طَعَامًا». [انظر: ١٥٥ - فتح: ٧/ ١٧١] ذكر فيه حديث معن بن عبد الرحمن عن أبيه قَالَ: سَأَلْتُ مَسْرُوقًا: مَنْ آذَنَ النَّبِيَّ ﷺ بالْجِنِّ لَيْلَةَ اسْتَمَعُوا القُرْآنَ؟ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُوكَ -يَعْنِي: عَبْدَ اللهِ- أَنَّهُ آذَنَتْ بِهِمْ شَجَرَةٌ. وحديث (أبي هريرة) (١) أَنَّهُ كَانَ يَحْمِلُ مَعَ رسول الله ﷺ إِدَاوَةً. الحديث سلف في الطهارة (٢).

стр. 12287

وزاد هنا: (حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وقد حسن نصيبين -ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا". قال ابن عباس: في الآية إنما أوحي إليه قول الجن (١). والنفر: ما بين الثلاثة إلى العشرة، وقيل: من ثلاثة إلى عشرة. ومعن (٢) هذا هو ابن ابن مسعود، وكذلك عن أبيه -يعني: عبد الرحمن- قال: حدثني أبوك -يعني عبد الله بن مسعود، و (آذن): بالمد أي: أعلمه، ومعنى "ابغني أحجارًا" في حديث (أبي هريرة) (٣): اطلب لي، وهو موصول ثلاثي يقال: بغيتك الشيء: طلبته لك، وأبغيتكه -هو رباعي-: أعينك على طلبه، والأول المراد بالحديث. وفيه: الدعاء لهم. والوفد: القوم يقدمون، وقوله: "إلا وجدوا عليها طعامًا" أي: حقيقة، وقد جاء: "تجدونها أوفر ما كان لحمًا سمينًا" (٤). وقال ابن التين: يحتمل أن يجعل الله ذلك عليها، ويحتمل أن يذيقهم منها طعامًا، ويقل ذلك ويكثر، وفي مسلم أن البعر زاد دوابهم (٥)، وقال: في الروثة "هذا ركس"، وسلف في الطهارة (٦).

стр. 12288

فائدة: أسلفنا في باب ذكر الجن وثوابهم وعقابهم (١) قريبًا أنهم كانوا تسعة فيما ذكره الزجاج، وقيل: سبعة، وكانوا من نصيبين كما في الحديث. وقيل: من اليمن، وكانوا يهود، وقيل: مشركين، وفي "تفسير ابن عباس" أسما ؤهم: سليط، شاصر، وحاصر، وحيفا، ولما، ولحقم، والأرقم، والأدرس، وسلف هناك غير ذلك (٢).

стр. 12289

٣٣ - باب إِسْلَامُ أَبِي ذَرٍّ ﵁ - ٣٨٦١ - حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ عَبَّاسٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ، حَدَّثَنَا الْمُثَنَّى، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: لَمَّا بَلَغَ أَبَا ذَرٍّ مَبْعَثُ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ لأَخِيهِ: ارْكَبْ إِلَى هَذَا الْوَادِي، فَاعْلَمْ لِى عِلْمَ هَذَا الرَّجُلِ الَّذِى يَزْعُمُ أَنَّهُ نَبِيٌّ، يَأْتِيهِ الْخَبَرُ مِنَ السَّمَاءِ، وَاسْمَعْ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ ائْتِنِي. فَانْطَلَقَ الأَخُ حَتَّى قَدِمَهُ وَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى أَبِى ذَرٍّ، فَقَالَ لَهُ: رَأَيْتُهُ يَأْمُرُ بِمَكَارِمِ الأَخْلَاقِ، وَكَلَامًا مَا هُوَ بِالشِّعْرِ. فَقَالَ مَا شَفَيْتَنِي مِمَّا أَرَدْتُ، فَتَزَوَّدَ وَحَمَلَ شَنَّةً لَهُ فِيهَا مَاءٌ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، فَأَتَى الْمَسْجِدَ، فَالْتَمَسَ النَّبِيَّ ﷺ وَلَا يَعْرِفُهُ، وَكَرِهَ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ حَتَّى أَدْرَكَهُ بَعْضُ اللَّيْلِ، فَرَآهُ عَلِيٌّ، فَعَرَفَ أَنَّهُ غَرِيبٌ. فَلَمَّا رَآهُ تَبِعَهُ، فَلَمْ يَسْأَلْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ حَتَّى أَصْبَحَ، ثُمَّ احْتَمَلَ قِرْبَتَهُ وَزَادَهُ إِلَى الْمَسْجِدِ، وَظَلَّ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَلَا يَرَاهُ النَّبِيُّ ﷺ حَتَّى أَمْسَى، فَعَادَ إِلَى مَضْجَعِهِ، فَمَرَّ بِهِ عَلِيٌّ فَقَالَ: أَمَا نَالَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْلَمَ مَنْزِلَهُ؟ فَأَقَامَهُ، فَذَهَبَ بِهِ مَعَهُ لَا يَسْأَلُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا صَاحِبَهُ عَنْ شَيْءٍ، حَتَّى إِذَا كَانَ يَوْمَ الثَّالِثِ، فَعَادَ عَلِىٌّ مِثْلَ ذَلِكَ، فَأَقَامَ مَعَهُ، ثُمَّ قَالَ أَلَا تُحَدِّثُنِى مَا الَّذِى أَقْدَمَكَ؟ قَالَ: إِنْ أَعْطَيْتَنِي عَهْدًا وَمِيثَاقًا لَتُرْشِدَنَّنِي فَعَلْتُ. فَفَعَلَ، فَأَخْبَرَهُ. قَالَ: فَإِنَّهُ حَقٌّ، وَهُوَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ، فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَاتْبَعْنِي، فَإِنِّى إِنْ رَأَيْتُ شَيْئًا أَخَافُ عَلَيْكَ قُمْتُ كَأَنِّى أُرِيقُ الْمَاءَ، فَإِنْ مَضَيْتُ فَاتْبَعْنِي حَتَّى تَدْخُلَ مَدْخَلِي. فَفَعَلَ، فَانْطَلَقَ يَقْفُوهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى النَّبِيِّ ﷺ وَدَخَلَ مَعَهُ، فَسَمِعَ مِنْ قَوْلِهِ، وَأَسْلَمَ مَكَانَهُ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ : «ارْجِعْ إِلَى قَوْمِكَ، فَأَخْبِرْهُمْ حَتَّى يَأْتِيَكَ أَمْرِي». قَالَ: وَالَّذِى نَفْسِي بِيَدِهِ لأَصْرُخَنَّ بِهَا بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ، فَخَرَجَ حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ فَنَادَى بِأَعْلَى صَوْتِهِ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَامَ الْقَوْمُ فَضَرَبُوهُ حَتَّى أَضْجَعُوهُ، وَأَتَى الْعَبَّاسُ فَأَكَبَّ عَلَيْهِ، قَالَ: وَيْلَكُمْ أَلَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ غِفَارٍ وَأَنَّ طَرِيقَ تِجَارِكُمْ إِلَى الشَّأْمِ؟! فَأَنْقَذَهُ مِنْهُمْ، ثُمَّ عَادَ مِنَ الْغَدِ لِمِثْلِهَا، فَضَرَبُوهُ وَثَارُوا إِلَيْهِ، فَأَكَبَّ الْعَبَّاسُ عَلَيْهِ.

стр. 12290

واسمه جندب بن جنادة على الأصح، من السابقين، وفيه عدة أقوال أخر، الغفاري، أحد النجباء من الصحابة، ويقال فيه أيضاً: أبو الذر. أمه: رملة بنت الوقيعة بن حرام بن غفار بن مليل. ولما رآه الشارع لم يذكر اسمه قال: "أنت أبو نمله". مات بالربذة بعد الثلاثين أو قبلها قال ابن التين: وهو بدري. قلت: كذا قال: ولم يشهدها (١). ذكر فيه حديث أبي جمرة -بالجيم- عن ابن عباس ﵄ في إسلامه. وقوله: (اركب إلا هذا الوادي) يعني: وادي مكة الذي به المسجد. قوله: (وكلامًا ما هو بالشعر). يعني: القرآن. والشنة: القربة البالية. وكراهة السؤال عن رسول الله ﷺ يحتمل أن يكون خوفًا على رسول الله وخوفًا من مخالفة إرادته، وخوفًا على نفسه أن يعرض بها الإهانة قبل معرفة الأمر. وقوله: (أما آن للرجل أن يعلم منزله؟) أي: ما حان، وقال أبو بكر في الهجرة: أما نال الرحيل. قال الداودي: نال وآن وآل بمعنى واحد. و (يقفوه): يتبعه. وقوله: (حتى دخل على رسول الله ﷺ ، ودخلت معه). استنبط منه الداودي الدخول بدخول المتقدم قال: وهذا قبل الاستئذان، وهو
следующие страницы →