عمارة بن حزم فدفعها رسول الله ﷺ إلى زيد، وقال: "هو أكثر أخذًا للقرآن منك" (١)، وكان أفرض الأمة، واستخلفه عمر وعثمان غير مرة على المدينة، وولي بيت المال لعثمان ﷺ ، وكان من أفكه شيء إذا خلا مع أهله.
стр. 12217
١٨ - باب مَنَاقِبُ أَبِي طَلْحَةَ ﵁ -
٣٨١١ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ، حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّبٌ بِهِ عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ.
وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِيًا شَدِيدَ القِدِّ، يَكْسِرُ يَوْمَئِذٍ قَوْسَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا.
وَكَانَ الرَّجُلُ يَمُرُّ مَعَهُ الْجَعْبَةُ مِنَ النَّبْلِ، فَيَقُولُ: "انْشُرْهَا لأَبِي طَلْحَةَ". فَأَشْرَفَ النَّبِيُّ ﷺ يَنْظُرُ إِلَى الْقَوْمِ، فَيَقُولُ أَبُو طَلْحَةَ: يَا نَبِيَّ اللهِ، بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي، لَا تُشْرِفْ يُصِيبُكَ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ القَوْمِ، نَحْرِي دُونَ نَحْرِكَ. وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَائِشَةَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ وَأُمَّ سُلَيْمٍ وَإِنَّهُمَا لَمُشَمِّرَتَانِ، أَرَى خَدَمَ سُوقِهِمَا، تُنْقِزَانِ القِرَبَ عَلَى مُتُونِهِمَا، تُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، ثُمَّ تَرْجِعَانِ فَتَمْلآنِهَا، ثُمَّ تَجِيآنِ فَتُفْرِغَانِهِ فِي أَفْوَاهِ القَوْمِ، وَلَقَدْ وَقَعَ السَّيْفُ مِنْ يَدَيْ أَبِي طَلْحَةَ إِمَّا مَرَّتَيْنِ، وَإِمَّا ثَلَاثًا. [انظر: ٢٨٨٠ - مسلم: ١٨١١ - فتح: ٧/ ١٢٨]
ذكر فيه حديث أَنَسٍ ﵁: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْهَزَمَ النَّاسُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَأَبُو طَلْحَةَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ ﷺ مُجَوِّب عَلَيْهِ بِحَجَفَةٍ لَهُ، وَكَانَ أَبُو طَلْحَةَ رَجُلاً رَامِيًا لقد كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة، وكان الرجل يمر معه الجعبة من النبل، فيقول: "انثرها لأبي طلحة" فأشرف النبي ﷺ ينظر إلى القوم، فيقول أبو طلحة: يا نبي الله، بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك. ولقد رأيت عائشة بنت أبي بكر ﵄ وأم سليم وإنهما لمشمرتان، أرى خدم سوقهما، تنقزان القرب .. الحديث
سلف مختصرا في الجهاد في باب: غزو النساء مع الرجال، وفي آخره هنا: (ولقد وقع السيف من يدي أبي طلحة إما مرتين أو ثلاثا)
стр. 12218
ويأتي في أحد أيضًا (١).
وأبو طلحة اسمه زيد بن سهل بن الأسود بن حرام الأنصاري النقيب، قال له ﷺ حين تصدق بحائط: "بخ، ذلك مال رابح" (٢).
وقوله: (أرى خدم سوقهما) هو جمع خدمه وهي الخلخال، وقال ابن فارس: جمعها خدام (٣)، وقال الهروي: يقال: الخدمة سير غليظ، مثل: الحلقة تشد في رسغ البعير، ثم يشد إليه شراج نعلها، وسمي الخلخال خدمة لذلك (٤).
ومعنا (مُجَوِّب بحجفة): مترس عليه يقيه بالحجفة، وهي الترس، والجوب: الترس.
وقوله: (وكان أبو طلحة رجلاً راميا شديد النقد كسر يومئذ قوسين أو ثلاثة) ضبط الدمياطي قوله (شديدًا) بالنصب، وأما الخطابي وتبعه ابن التين فقالا: قوله: (شديد القد) أي النزع، ولذلك أتبعه بقوله: (كسر قوسين أو ثلاثة). قال الخطابي: وتحتمل الرواية أن تكون بكسر القاف يريد وتر القوس (٥).
و (النقد) سَيْرٌ يُعَدُّ من جلد غير مدبوغ.
وقوله: (يصيبُك سهم) قال القاضي عياض: كذا لهم وهو الصواب. وعند الأصيلي: يصبْك، وهو خطأ وقلب للمعنى.
стр. 12219
ومعنى تنقزان تثبان بها يقال: نقز الظبي إذا وثب في عدوه، والمرأة تنقز ولدها أي: ترقصه، فأراد أنهما يحملان بنشاط، وقال الخطابي: إنما هو تزفران أي تحملان قال: فأما النقز فهو الوثب البعيد (١).
وقال الداودي: (تنقزان) أي: تنقلان، قال: وروي كذلك.
و (المتون): الظهور.
وفيه: جواز نظر الفجأة؛ لأنها لا تملك. ووقوع السيف من يده كان للنعاس الذي أصابهم قال تعالى ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُعَاسًا﴾ [آل عمران: ١٥٤] الآية.
وفيه: أن الشجاع يؤخذ له سلاح غيره لقوله: "انثرها لأبي طلحة".
وَتَمْرًا، وَتَدْخُلَ فِي بَيْتٍ؟ ثُمَّ قَالَ: إِنَّكَ بِأَرْضٍ الرِّبَا بِهَا فَاشٍ، إِذَا كَانَ لَكَ عَلَى رَجُلٍ حَقٌّ فَأَهْدَي إِلَيْكَ حِمْلَ تِبْنٍ، أَوْ حِمْلَ شَعِيرٍ، أَوْ حِمْلَ قَتٍّ، فَلَا تَأْخُذْهُ، فَإِنَّهُ رِبًا. وَلَمْ يَذْكُرِ النَّضْرُ وَأَبُو دَاوُدَ وَوَهْبٌ عَنْ شُعْبَةَ البَيْتَ. [٧٣٤٢ - فتح: ٧/ ١٢٩]
هو عبد الله بن سلام بتخفيف اللام الإسرائيلي من بني قينقاع، وهم من ولد يوسف الصديق، وكان اسمه في الجاهلية الحصين فغير، وكان حليف الأنصار.
ذكر البخاري في الباب ثلاثة أحاديث:
أحدها:
حديث عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: مَا سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يقُولُ لأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى الأَرْضِ: إِنّهُ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ إلا لعبد الله بن سلام قال: وفيه نزلت هذِه الآية ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الأحقاف: ١٠] قال: لا أدري الآية أو في الحديث.
ثانيها:
حديث قَيْسِ بْنِ عُبَادٍ قَالَ: كُنْتُ جَالِسًا فِي مَسْجِدِ المَدِينَةِ، فَدَخَلَ رَجُل عَلَى وَجْهِهِ أَثَرُ الخُشُوعِ، فَقَالُوا: هذا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزَ فِيهِمَا ثُمَّ خَرَجَ، وَتَبِعْتُهُ، فَقُلْتُ: إِنَّكَ حِينَ دَخَلْتَ المَسْجِدَ قَالُوا: هذا رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الجَنَّةِ. قَالَ: والله مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لَا يَعْلَمُ، وَسَأُحَدّثُكَ لِمَ ذَاكَ، رَأَيْتُ رُؤيَا عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ فقَصَصْتُهَا عَلَيْهِ، وَرَأَيْتُ أَنَي في رَوْضَةٍ -ذَكَرَ مِنْ سَعَتِهَا وَخُضْرَتِهَا- وَسْطَهَا عَمُودٌ مِنْ حَدِيدٍ، وفيه: فَأَتَانِي مِنْصَف فَرَفَعَ ثِيَابِي، وفي آخره "فَأَنْتَ عَلَى الاسْلَامِ حَتَّى تَمُوتَ". وَذَاكَ الرَّجُلُ عَبْدُ اللهِ ابْنُ سَلَامٍ.
стр. 12222
وقال لي خليفة: ثنا معاذ، ثنا ابن عون، عن محمد، عن قيس بن عباد، عن ابن سلام قال: وصيف مكان: منصف.
ثالثها:
حديث سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، قال: أتيت المدينة فلقيت عبد الله بن سلام فقال: ألا تجيء فأطعمك سويقًا وتمرًا وتدخل في بيت؟ ثم قال: إنك بأرض الربا بها فاشٍ؛ إذا كان لك على رجل حقٌّ فأهدى لك حمل تبنٍ أو حمل شعيرٍ أو حمل قتًّ فلا تأخذه، فإنه ربا. ولم يذكر النضر وأبو داود ووهب، عن شعبة: البيت.
الشرح:
ما ذكره في نزول الآية قال به الحسن ومجاهد والضحاك، وأنكره مسروق والشعبي وقالا (١): السورة مكية (٢). قال الشعبي: وأسلم ابن سلام قبل موته (٣) بعامين، واختلفا في المراد بالآية، فقال مسروق: موس ﵇ (٤)، وقال الشعبي: هو رجل من أهل الكتاب ابن سلام، وانفصل ابن سيرين إلى احتجابه بأن قال: كانت الآية تنزل فقال لهم: ألحقوها في سورة كذا وكذا (٥).
стр. 12223
وفيه: جواب آخر وهو أنه يجوز أن تكون الآية نزلت بمكة، والمعنى: أرأيتم إن كان من عند الله وكفرتم به وشهد شاهد من بني إسرائيل على مثله، ليؤمنوا، وقال ابن عباس، ومقاتل: إن الشاهد ابن يامين، وقال صاحب "مقامات التنزيل": هذِه السورة مكية إلا آيتان مدنيتان منها هذِه الآية، وروى السدي عن ابن عباس: أنها نزلت في ابن سلام وابن يامين، واسمه عمير بن وهب [النضري] (١) وقال سعيد بن جبير فيما حكاه عنه عبد بن حميد: اسمه ميمون بن يامين وفيه نزلت هذِه الآية (٢).
وقوله: (مَا يَنْبَغِي لأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ مَا لم يَعْلَم)، قال الداودي: هو من أهل بدر، وإنما قال ذلك خوفا وإشفاقا، ولم يسمع قوله في أهل بدر أنهم مغفور لهم، كذا جعله الداودي من أهل بدر، وهو مخالف لما أسلفناه عن الشعبي أنه أسلم قبل موته ﷺ بعامين، وقول سعيد ما سمعته يقول .. إلى آخره، كيف قال هذا، قد علم أنه قال ذلك فيه، وفي باقي العشرة.
وأجاب الخطابي بأنه كره التزكية لنفسه، ولزم التواضع، ولم ير لنفسه من الاستحقاق ما رآه لأخيه، وهذا غير بين كما قال ابن التين؛ لأنه بقي باقي العشرة بقوله: وحكي عن سفيان الثوري أنه كان يقول: أنا أحرس الصحابة، وأقدم العشرة، وأروي عن رسول الله ﷺ ما قال: إنهم من أهل الجنة وأرجو لهم ذلك، قال: ولا أشهد لغير رسول الله ﷺ أنه في الجنة، ومعنى كلامه كما قال: إن التخيير بينهم
стр. 12224
مستفاد من باب المعرفة بفضائلهم، وأما القطع بالجنة فهو من علم الغيب لا يتوصل إليه بأخبار الآحاد؛ لأنها إنما تفيد علم الظاهر، والعلم المغيب لا يتوصل إليه إلا بكتاب ناطق أو بخبر متواتر (١).
وقوله: (وأتاني منصف) هو الوصيف، كما قال في الرواية الأخرى، وهو بفتح الميم في رواية الشيخ أبي الحسن، وفي بعض روايات أبي ذر: بكسرها، وكذا هو مضبوط في كتاب ابن فارس (٢).
وفيه ما كان عليه عبد الله من الجودة، وانكاره الربا، وأن هدية الغريم ربا، وهو محمول عندنا على ما إذا اشترطها.
و (القَتُّ): نبات.
٣٨١٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ خَدِيجَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. [انظر: ١٧٩٢ - مسلم: ٢٤٣٣ - فتح: ٧/ ١٣٣]
٣٨٢٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، عَنْ عُمَارَةَ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَت مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ. [٧٤٩٧ - مسلم: ٢٤٣٢ - فتح: ٧/ ١٣٣]
٣٨٢١ - وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتِ: اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ على رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ هَالَةَ». قَالَتْ: فَغِرْتُ فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ، أَبْدَلَكَ الله خَيْرًا مِنْهَا! [مسلم: ٢٤٣٧ - فتح: ٧/ ١٣٤]
ذكر فيه حديث عَلِيُّ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ".
وشيخ البخاري فيه محمد هو ابن سلام.
وحديث: مَا غِرْتُ عَلَى امْرَأَةٍ مَا غِرْتُ عَلَى خَدِيجَةَ -هَلَكَتْ قَبْلَ أَنْ يَتَزَوَّجَنِي- لِمَا كُنْتُ أَسْمَعُهُ يَذْكُرُهَا، وَأَمَرَهُ اللهُ أَنْ يُبَشّرَهَا بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، وَإِنْ كَانَ لَيَذْبَحُ الشَّاةَ فَيُهْدِي فِي خَلَائِلِهَا مِنْهَا مَا يَسَعُهُنَّ.
وفي لفظ: من كثرة ذكر رسول الله ﷺ إياها، وتزوجني بعدها بثلاث سنين وأمره ربه -أو جبريل- أن يبشرها ببيت في الجنة من قصب.
وفي لفظ: قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة، فيقول: "إنها كانت وكانت، وكان لي منها ولد".
стр. 12227
وشيخه في هذا عمر بن محمد بن الحسن بن الزبير الأسدي الكوفي المعروف بابن التل من أولاده، قال النسائي: صدوق، مات في شوال سنة خمسين ومائتين.
وحديث إِسْمَاعِيلَ قَالَ: قُلْتُ لِعَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى ﵄: بَشَّرَ النَّبِيُّ ﷺ خَدِيجَةَ؟ قَالَ: نَعَمْ، بِبَيْتٍ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﷺ قَالَ: أَتَى جِبْرِيلُ رسول الله ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، هذِه خَدِيجَةُ قَدْ أَتَت مَعَهَا إِنَاءٌ فِيهِ إِدَامٌ أَوْ طَعَامٌ أَوْ شَرَابٌ، فَإِذَا هِيَ أَتَتْكَ فَاقْرَأْ ﵍ مِنْ رَبِّهَا وَمِنِّي، وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ، لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ.
وَقَالَ إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ: أَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂: اسْتَأذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خدِيجَةَ ﵂ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَعَرَفَ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ، فَارْتَاعَ لِذَلِكَ، فَقَالَ: "اللَّهُمَّ هَالَة". قَالَتْ: فَغِرْتُ، فَقُلْتُ: مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ، حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ، هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ، قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا!
الشرح:
خديجة بنت خويلد أم المؤمنين، أول من أسلم، وأول زوجاته، وأم سائر ولده خلا إبراهيم فمن مارية، وماتت في رمضان سنة عشر.
وقوله: ("خير نسائها خديجة") يعني: خير نساء زمانها، وماتت خديجة وعائشة بنت ثلاث سنين، وقيل: أربع، فيحتمل أن يكون دخلت فيمن خيرت عليه خديجة، ويحتمل أن يريد البوالغ ذكرها ابن التين.
стр. 12228
و (القصب) هنا اللؤلؤ المجوف الواسع كالقصر المنيف، وقد جاء في رواية عبد الله بن وهب قال أبو هريرة: قلت: يا رسول الله ك ﷺ ، وما بيت من قصب؟ قال: "من لؤلؤة مجوفة". رواه السمرقندي مجوفة، والخطابي مجوبة (١)، أي: قطع داخلها الثقب، فتفرغ وخلا من قولهم: جبت الشيء إذا قطعته، وروى أبو القاسم بن مطير من حديث صفوان بن عمرو، عن مهاجر بن ميمون، عن فاطمة بنت رسول الله ﷺ أنها قالت: يا رسول الله، أين أمي خديجة؟ قال: "في بيت من قصب لا لغو فيه ولا نصب، بين مريم وآسية امرأة فرعون". [قالت: يا رسول الله، أمن هذا القصب؟ قال: "لا بل من القصب المنظوم بالدر واللؤلؤ والياقوت"] (٢) ثم قال: لا يروى عن فاطمة إلا بهذا الإسناد تفرد به صفوان (٣).
وفي رواية: بشرها بقصر من درة مجوفة.
فإن قلت: كيف بشرها ببيت وأدنى أهل الجنة منزلة من يعطى مسيرة ألف عام في الجنة كما في حديث ابن عمر عند الترمذي (٤)، وكيف لم ينعت البيت بشيء من أوصاف النعيم أكثر من نفي الصخب، وهو رفع الصوت.
قلت: قال أبو بكر الإسكاف في "فوائده": بشرت ببيت زائد على ما أعد الله لها مما هو ثواب لأعمالها، ولذلك قال: "لَا صَخَبَ فِيهِ
стр. 12229
وَلَا نَصَبَ" أي: لم ينصب فيه، ولم يصخب أي إنما أعطيته زيادة على جميع العمل الذي نصبت فيه، ولا شاهد لما ذكره.
وقال الخطابي: يقال: البيت هنا عبارة عن قصر (١)، وقد سلف كذلك في رواية أسلفناها، وقد يقال لمنزل الرجل بيته، وهو كما قال يغالي في القوم: هم أهل بيت شرف وعز، وفي التنزيل: ﴿غَيْرَ بَيْتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الذاريات: ٣٦]
قال السهيلي: وذكر البيت هنا، ولم يقل بقصر لمعنى لائق بصورة الحال، وذلك أنها كانت ربة بيت في الإسلام لم يكن على الأرض بيت إسلام إلا بيتها حين آمنت، وأيضًا فإنها أول من بني بيتا في الإسلام بتزويجها سيد الأنام، ورغبتها فيه، قال: وجزاء الفعل يذكر بلفظ الفعل، وإن كان أشرف منه كما جاء "من كسا مسلمًا على عري كساه الله من حلل الجنة، ومن سقى مسلما على ظمأ سقاه الله من الرحيق" (٢)، ومن هذا الباب: "من بني لله مسجدا بني الله له مثله في الجنة" (٣)، ولم يرد مثله في كونه مسجدا، ولا في صفته، ولكنه قابل البنيان بالبنيان أي: كما بني يُبنى له كما قابل الكسوة بالكسوة، والسقيا بالسقيا فها هنا وقعت المماثلة لا في ذات الشيء المكسو، وإذا ثبت هذا فمن هنا اقتضت الفصاحة أن يعبر لها عما بشرت به بلفظ البيت، وإن كان فيه ما لا عين رأت، ومن يسميه الجزاء على الفعل بالفعل في عكس ما ذكرناه قوله تعالى ﴿نَسُوا اللهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ ﴿وَمَكَرُوا وَمَكَرَ الله﴾
стр. 12230
فأما قوله: "لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ". فإنه أيضًا من باب ما كنا بسبيله دعاها إلى الإيمان فأجابته عفوا لم تحوجه إلا أن يصخب كما يصخب البعل إذا تعصت عليه حليلته ولا أن ينصب، بل أزالت عنه كل نصب، وآنسته من كل وحشة وهونت عليه كل مكروه، وأزاحت بمالها كل كدر ونصب فوصف منزلها الذي بشرت به بالصفة المقابلة لفعلها وصورة حالها؛ قال ابن دحية: فهي فيه مع سيد الأمة متفردة به كما تفردت بكفالته قبل النبوة وبعدها فلا يصاحبها في هذا البيت أحد من نسائه، ممن تعذر أن تصف ما في ذلك البيت جزاء لكفالته.
قال السهيلي: وأما قوله: "من قصب"، ولم يقل من لؤلؤ، ولكن في أختصاصه هذا اللفظ من المشاكلة المذكورة، والمقابلة بلفظ الجزاء للفظ العمل؛ لأنها كانت قد أحرزت قصب السبق إلى الإيمان دون غيرها من الرجال والنساء، والعرب تسمي السابق محرزا للقصب، واقتضت البلاغة أي يعبر بالعبارة المشاكلة لعملها في جميع ألفاظ الحديث (١).
فصل:
إقراء جبريل ﵍ من ربها ﷻ دال على فضل خديجة على عائشة، وقد أقرأ عائشة ﵂ أيضًا الرب ﷻ السلام كما رواه الطبراني في "أكبر معاجمه" من حديثها (٢)، وسنده جيد فيما علمت؛ لأنه ﵇ أقرأها سلام جبريل كذا استنبطه ابن داود وإن كان فيه خلاف عنده، وسئل أيضًا أيما أفضل خديجة أم فاطمة؟
стр. 12231
فقال: الشارع قال: "فاطمة بضعة مني" (١)، ولا أعدل ببضعة منه أحدا، وتوقف ابن التين فقال: الله أعلم أيهما أفضل خديجة أم عائشة.
فصل:
وقد سلف تفسير: "لا صخب فيه ولا نصب" وقال الداودي: الصخب: العيب، والنصب: المعوج، وقيل: بشرها بقصر من زمردة مجوفة، أو من لؤلؤة مجوفة، وبيت الرجل قصره وداره.
وقوله: (حَمْرَاءِ الشِّدْقَيْنِ)، يروى بالحاء والراء المهملتين، وبالجيم والزاي (٢).
وقوله: (قَدْ أَبْدَلَكَ اللهُ خَيْرًا مِنْهَا)، في سكوته ﷺ دلالة على فضل عائشة إلا أن يريد أحسن صورة وأصغر سنا (٣).
стр. 12232
٢١ - باب ذِكْرُ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ البَجَلِيِّ ﵁ -
٣٨٢٢ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ الوَاسِطِيُّ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ بَيَانٍ، عَنْ قَيْسٍ قَالَ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ: قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ ﵁: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ مُنْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلاَّ ضَحِكَ. [انظر: ٣٠٣٥ - مسلم: ٢٤٧٥ - فتح: ٧/ ١٣١]
٣٨٢٣ - وَعَنْ قَيْسٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالَ لَهُ: ذُو الخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الْكَعْبَةُ اليَمَانِيَةُ، أَوِ الكَعْبَةُ الشَّأْمِيَّةُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : «هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟». قَالَ: فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةِ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ. قَالَ: فَكَسَرْنَا، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْنَاهُ، فَأَخْبَرْنَاهُ، فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ.
ذكر فيه حديث قَيْسٍ عن جَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵁ قال: مَا حَجَبَنِي رَسُولُ
اللهِ ﷺ منْذُ أَسْلَمْتُ، وَلَا رَآنِي إِلَّا ضَحِكَ.
وعنه: كَانَ فِي الجَاهِلِيَّةِ بَيْتٌ يُقَالُ لَهُ: ذُو الخَلَصَةِ، وَكَانَ يُقَالُ لَهُ: الكَعْبَةُ اليَمَانِيَةُ، والْكَعْبَةُ الشَّأمِيَّةُ، فَقَالَ لِي رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هَلْ أَنْتَ مُرِيحِي مِنْ ذِي الخَلَصَةِ؟ ". قَالَ: فَنَفَرْتُ إِلَيْهِ فِي مِائَةِ وخَمْسِينَ فَارِسٍ مِنْ أَحْمَسَ. قَالَ: فَكَسَرْنَا، وَقَتَلْنَا مَنْ وَجَدْنَا عِنْدَهُ، فَأَتَيْنَاهُ فَأَخْبَرْنَاهُ، فَدَعَا لَنَا وَلأَحْمَسَ.
الشرح:
(جرير) كثيته أبو عمرو جرير بن عبد الله بن جابر، وهو الشليل (١) بشين معجمة، ابن مالك بن نصر بن ثعلبة بن جشم بن عوف بن خزيمة بن
стр. 12233
مالك بن سعد بن نذير بن قسر -بفتح القاف- بن عبقر بن أنمار بن إراش -بهمزة مكسورة- بن عمرو بن الغوث بن نبت بن زيد بن كهلان كذا ساقه الكلبي في جماعة، وقال ابن إسحاق ومصعب: أنمار بن نزار بن معد بن عدنان نسبوا إلى أمهم بجيلة، واختلفوا في بجيلة، فمنهم من جعله من اليمن وهو الأكثر، وقيل: من نزار بن معد كما نقلناه عن ابن إسحاق ومصعب، وكان سيدا مطاعا ملتجأ طوالا بديع الجمال، صحيح الإسلام، كبير القدر قال ﷺ : "على وجهه مسحة ملك" (١)، وعن عمر ﵁ قال: إنه يوسف هذِه الأمة.
ولما دخل على رسول الله ﷺ أكرمه وبسط له رداءه وقال: "إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه" رواه الطبراني في "الأوسط" من حديث قيس عنه قال: لما بعث رسول الله ﷺ أتيته فقال لي: "يا جرير ما جاء بك؟ " قلت: لأسلم (٢). وسلف في الجهاد، وعنه أيضًا: ما حجبني رسول الله ﷺ منذ أسلمت، ولا رآني إلا تبسم .. الحديث.
أسلم قبل وفاة رسول الله ﷺ في رمضان سنة عشر، ووفد عليه قبل موته بأربعين يوما فيما قيل: أرسله إلى ذي الخلصة كما سلف، وقال: يا رسول الله، إني لا أثبت على الخيل فصكه في صدره، وقال: "اللهم اجعله هاديا مهديا". وقد سلف في الجهاد ويأتي في المغازي (٣).
стр. 12234
وعند أبي زرعة (١) -حفيده- وغيره: سكن الكوفة، ثم قَرْقِيسِياء فمات بها بعد الخمسين.
وروى الطبراني من حديث موسى بن عبيدة، عن محمد بن إبراهيم عنه قال: بعثني النبي ﷺ في أثر العرنيين (٢)، يعني: سنة ست من الهجرة.
وروى ابن قانع في "معجمه" من حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن الشعبي عنه قال: لما مات النجاشي سنة تسع في رجب قال ﷺ : "إن أخاكم النجاشي لك فاستغفروا له" (٣)، وفي النسائي أنه ﷺ قال في حجة الوداع: "استنصت الناس" (٤)، ولابن سعد في "طبقاته" (٥) كان ذو الخلصة بيتا لخثعم، قال جرير: فنفرت في تسعين ومائة فارس مِنْ أَحْمَسَ، وهو خلاف رواية البخاري السالفة، وفي البخاري: فنازل على خيل أحمس، ورجالها خمس مرات، وبعث جرير أبا أرطأة بشيرا (٦)، قال السهيلي: وكان من مقبلي الظعن، وكانت نعله طولها ذراع (٧)، وقال فيه عمر: إن جريرا يخطب إليكم ابنتكم وهو سيد من أهل المشرق، وسيأتي بعثه إلى اليمن.
стр. 12235
فصل:
(ذو الخلصة) بيت لخثعم كما سلف، والخلصة في اللغة: نبت طيب يتعلق بالشجر له حب كعنب الثعلب، وجمع الخلصة خلص، ذكره أبو حنيفة، وزعم المبرد أن أبا عبيدة قال: موضعه اليوم مسجد جامع لبلدة يقال لها: العبلات من أرض خثعم، وكان بعث جرير إليه قبل موت النبي ﷺ بشهرين، أو نحوهما.
وادعى السهيلي أنه ليس في البخاري.
و (الكعبة الشامية) وإنما عند مسلم وليس كذلك في بابه في البخاري كما سلف، ثم قال: وهذا مشكل ومعناه كان يقال له: الكعبة اليمانية، والكعبة الشامية بالبيت الحرام، قال: وزيادة (له) في الحديث سهو، وبإسقاطه يصح المعنى كما قاله بعض النحويين، وليس عندي بسهو، وإنما معناه كان يقال له: أي يقال من أجله الكعبة الشامية للكعبة، وهو يريد الكعبة اليمانية، و (له) يعني لأجله لا ينكر في العربية. وهو بضم الخاء المعجمة واللام، وعند ابن إسحاق بفتحهما في قول ابن هشام (١)، وهو صنم سيعبد في آخر الزمان؛ ثبت في الحديث: "لا تقوم الساعة حتى تصطفق أليات نساء دوس وخثعم حول ذي الخلصة" (٢).
стр. 12236
٢٢ - باب ذِكْرُ حُذَيْفَةَ بْنِ اليَمَانِ العَبْسِيِّ ﵁ -
٣٨٢٤ - حَدَّثَنِي إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، أَخْبَرَنَا سَلَمَةُ بْنُ رَجَاءٍ، عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ هُزِمَ المُشْرِكُونَ هَزِيمَةً بَيِّنَةً، فَصَاحَ إِبْلِيسُ: أَيْ عِبَادَ اللهِ، أُخْرَاكُمْ، فَرَجَعَتْ أُولَاهُمْ عَلَى أُخْرَاهُمْ، فَاجْتَلَدَتْ أُخْرَاهُمْ، فَنَظَرَ حُذَيْفَةُ، فَإِذَا هُوَ بِأَبِيهِ فَنَادَى: أَيْ عِبَادَ اللهِ، أَبِي أَبِي. فَقَالَتْ: فَوَاللهِ مَا احْتَجَزُوا حَتَّى قَتَلُوهُ، فَقَالَ حُذَيْفَةُ: غَفَرَ الله لَكُمْ. قَالَ أَبِي: فَوَاللهِ مَا زَالَتْ فِي حُذَيْفَةَ مِنْهَا بَقِيَّةُ خَيْرٍ حَتَّى لَقِيَ اللهَ . [انظر: ٣٢٩٠ - فتح: ٧/ ١٣٢]
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ في قتل والده يوم أحد، وقد ترجم أيضًا لحذيفة فيما مضى مع عمار، وأنه صاحب السر الذي لا يعلمه غيره.
ومعنى: (ما احتجزوا حتى قتلوه) أي: ما افتزعوا.
стр. 12237
٢٣ - باب ذِكْرُ هِنْدٍ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ﵂ -
٣٨٢٥ - وَقَالَ عَبْدَانُ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ على ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ أَحَبُّ إِلَيَّ أَنْ يَذِلُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ، ثُمَّ مَا أَصْبَحَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ. قَالَتْ: وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ، فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُطْعِمَ مِنَ الذِي لَهُ عِيَالَنَا؟ قَالَ: «لَا أُرَاهُ إِلاَّ بِالْمَعْرُوفِ». [انظر: ٢٢١١ - مسلم: ١٧١٤ - فتح: ٧/ ١٤١]
هي من مسلمة الفتح.
وقال عبدان: أنا عَبْدُ اللهِ، أَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَنِي عُرْوَةُ، عن عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: جَاءَتْ هِنْدٌ بِنْتُ عُتْبَةَ فقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ مِنْ أَهْلِ خِبَاءٍ، وفي آخره "إِلَّا بِالْمَعْرُوفِ".
كذا ذكره معلقا عن شيخه، والبيهقي أخرجه من حديث أبي الموجه أنا عبدان فذكره، ثم قال: رواه البخاري عن عبدان ولم يبين كيفية روايته (١).
والبخاري رواه في موضع آخر عن يحيى بن بكير، ثنا الليث، ثنا يونس به (٢)، وعن أبي اليمان أخبرني شعيب عن الزهري به (٣).
стр. 12238
وفيه: تسمية الخباء دارا، وقد نفت ما كانت عليه من البغض؛ ليعلم صدقها في الحب.
وقوله عند قولها: (أَحَبَّ إِلَيَّ أَنْ يَعِزُّوا مِنْ أَهْلِ خِبَائِكَ). (قال (١): "وَأَيْضًا وَالَّذِي نَفْسِي بِيَده") قاله تصديقا لها.
وقولها: (مِسِّيكٌ) بكسر الميم وتشديد السين المكسورة وهو البخيل.
وفيه: الحكم والفتوى على الغائب، وأن من حكم بشيء يأخذ به من غير علم الظالم مثل قوله تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ [الشورى: ٤٠] وقوله: ﴿وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ﴾ [النحل: ١٢٦]
يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، وَاللهِ مَا مِنْكُمْ على دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِى المَوْءُودَةَ، يَقُولُ لِلرَّجُلِ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقْتُلَ ابْنَتَهُ: لَا تَقْتُلْهَا، أَنَا أَكْفِيكَهَا مَئُونَتَهَا. فَيَأْخُذُهَا، فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ قَالَ لأَبِيهَا: إِنْ شِئْتَ دَفَعْتُهَا إِلَيْكَ، وَإِنْ شِئْتَ كَفَيْتُكَ مَئُونَتَهَا. [فتح: ٧/ ١٤٣]
هو ابن نفيل بن عبد العزى بن رياح العدوي، والد أحد العشرة سعيد بن زيد قال النبي ﷺ : "يبعث أمة وحده" (١)، مات قبل المبعث، قال سعيد بن المسيب: توفي وقريش تبني الكعبة قبل نزول الوحي على رسول الله ﷺ بخمس سنين.
وعن زكريا السعدي أنه لما مات دفن بأصل حراء.
ولابن إسحاق أنه لما توسط بلاد لخم عدوا عليه (٢).
وعند الزبير قال هشام: بلغنا أن زيدًا كان بالشام فلما بلغه خروج رسول الله ﷺ أقبل يريده فقتله أهل ميفعة.
قال البكري: وهي قرية من أرض البلقاء بالشام (٣)، وهو مذكور في كتب الصحابة (٤).
وإيراد البخاري يميل إليه.
ثم ساق البخاري من حديث مُوسَى، ثَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ لَقِيَ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ بِأَسْفَلِ بَلْدَحَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى رسول الله ﷺ الوَحْيُ، فَقُدِّمَتْ
стр. 12241
إِلَى النَّبِيِّ ﷺ سُفْرَةٌ، فَأَبَى أَنْ يَأُكُلَ مِنْهَا ثُمَّ قَالَ زَيْدٌ: إِنّي لَسْتُ آكُلُ مِمَّا تَذْبَحُونَ عَلَى أَنْصَابِكُمْ .. الحديث.
قَالَ مُوسَى: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، وَلَا أراه إلا يحدث عَنِ ابن عُمَرَ ﵄، أَنَّ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ خَرَجَ إِلَى الشَّامِ، يسأل عَنِ الدِّينِ ويتبعه، فاجتمع بعَالِمٍ مِنَ اليَهُودِ، وعَالِمٍ مِنَ النَّصَارى، فدلوه عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَشْهَدُ أَنِّي عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ.
وَقَالَ اللَّيْثُ: كَتَبَ إِلَيَّ هِشَام، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ: رَأَيْتُ زَيْدَ بْنَ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ قَائِمًا مُسْنِدًا ظَهْرَهُ إِلَى الكَعْبَةِ، يَقُولُ: يَا مَعَاشِرَ قُرَيْشٍ، والله مَا مِنْكُمْ عَلَى دِينِ إِبْرَاهِيمَ غَيْرِي، وَكَانَ يُحْيِي المَوْءُودَةَ .. الحديث.
وتعليق الليث أسنده ابن سعد عن أبي أسامة حماد بن أسامة، ثنا هشام فذكره (١)، وابن إسحاق أخرجه عن هشام فقال: ثنا هشام فذكره (٢)، ويجوز أن يكون من رواية عبد الله بن صالح عنه كغالب عادته. وأخرجه البخاري في الصيد من حديث موسى بن عقبة، عن سالم، عن أبيه أنه سمع النبي ﷺ يحدث أنه لقي زيد بن عمرو بن نفيل بأسفل بلدح، وذلك قبل نزول الوحي .. الحديث (٣).
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
(بلدح) بباء موحدة ثم لام ثم قال مهملة ثم حاء مهملة أيضا: واد
стр. 12242
قبل مكة من جهة الغرب، قاله عياض (١)، وقال البكري: موضع في ديار بني فزارة، وهو واد في طريق التنعيم إلى مكة، وفيه ورد المثل: لكن على بلدح قوم عجفى. قاله مهيس بن صهيب الفزاري، وقال ابن دريد: ابن خلدة (٢).
ثانيها:
السفرة التي قدمتها قريش لرسول الله ﷺ فأبى أن يأكل منها، وقدمها رسول الله ﷺ لزيد فأبى، ذكره ابن بطال (٣).
و (الأنصاب) جمع نصب بضم الصاد وسكونها، وهي حجارة كانت حول الكعبة يذبحون لها. قال الطبري: لم تكن أصنامًا؛ لأن الأصنام كانت تماثيل وصورًا مصورة، والنصب كانت حجارة مجموعة (٤).
وقال ابن التين: قوله: (فَأَبَى أَنْ يَأْكُلَ). يريد: أن زيدًا هو الذي أبى، وإباؤه خوفا مما ذكر، وسبب ما أسلفناه أنه يبعث أمة وحده، أنه كان منفردا بدين لا يشركه فيه أحد. قال الخطابي: وكان ﷺ لا يأكل من ذبائحهم لأصنامهم، فأما ذبحهم لمأكلهم فلم نجد في ذلك شيء من الأخبار أنه كان يتنزه منها، ولا أنه كان لا يرى الذكاة واقعة لفعلهم قبل نزول الوحي بتحريم ذبائح الشرك، فقد كان بين ظهرانيهم، ولم يذكر أنه كان لا يتميز عليهم إلا في أكل الميتة، وكانت قريش وقبائل العرب يتنزهون عن أكل الميتات (٥).
стр. 12243
قال الداودي: كان ﷺ قبل أن يوحى إليه لا يدري ما في ذبائحهم، لا يعلم إلا ما علم، وكان زيد علم ذلك فكان يعيب على قريش، والأرض لا تخلو من قائم لله.
وقال السهيلي: إن قلت: كيف وفق الله زيدًا إلا ترك أكل ذلك وسيدنا أولى بالفضيلة في الجاهلية لما بينت من عصمته.
قلت: عنه جوابان:
أحدهما: أنه ليس في الحديث أنه ﷺ أكل منها، وإنما فيه أن زيدا لما قدمت له أبى أن يأكل.
ثانيها: أن زيدًا إنما فعل ذلك برأي رآه لا بشرع متقدم، وإنما تقدم شرع إبراهيم بتحريم الميتة لا تحريم ما ذبح لغير الله، وإنما نزل بتحريم ذلك الإسلام، وبعض الأصوليين يقول: الأشياء قبل ورود الشرع على الإباحة، وإن قلنا بالوقف، وهو الأصح، فالذبائح لها أصل في كامل الشرع المتقدم كالشاة والبعير ونحو ذلك مما أحله الله في دين من كان قبلنا، ولم يقدح في التحليل المتقدم ما ابتدعوه حتى جاء الإسلام، وأنزل الله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللهِ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: ١٢١] ألا ترى كيف بقيت ذبائح أهل الكتاب عندنا على أصل التحليل بالشرع المتقدم، ولم يقدح في التحليل ما أحدثوه من الكفر وعبادة الصلبان، فكذلك ما كان ذبحه أهل الأوثان محللا بالشرع المتقدم حتى خصه القرآن بالتحريم (١).
ثالثها:
الموءودة التي كان زيد يمنع من وأدها، وفي مفعوله من وأده إذا
стр. 12244
أثقله وزعم أهل العرب أنهم كانوا يفعلون ذلك؛ غيرة على البنات، وهو الخوف خشية إملاق، وذكر النقاش في "تفسيره": أنهم كانوا يئدون من البنات من كان منهن زرقاء أو برشاء أو شيماء أو كشحاء؟ تشاؤمًا منهم بهذِه الصفات.
رابعها:
أنكر الداودي قوله عن عالم اليهود: (مَا أَعْلَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ حَنِيفًا)، وقال: لا أراه بمحفوظ، وإنما قال ذلك النصراني وحده، كذا ادعى.
والحنيف: المسلم، وأصله المائل إلى الإسلام.
قوله: (فَإِذَا تَرَعْرَعَتْ) أي: صلحت للأزواج.
فائدة تتعلق يزيد بن عمرو بن نفيل:
روى الطبري من حديث فضيل، عن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده، وقال الزبير: ثنا عمر، عن الضحاك بن عثمان، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن سعيد بن زيد قال: سألت رسول الله ﷺ عن زيد فقال: "غفر الله له ورحمه فإنه مات على دين إبراهيم".
وروى ابن سعد في "طبقاته":
عن عامر بن ربيعة، قال: قال زيد بن عمرو: يا عامر، إني قد خالفت قومي واتبعت ملة إبراهيم وإسماعيل، وما كان يعبدانه، وكانوا يصلون إلى هذِه القبلة، وأنا أنتظر نبيًّا من ولد إسماعيل يبعث ولا أراني أدركه، وأنا أؤمن به وأصدقه، وأشهد أنه نبي وإن طالت بك مدة قرابته، فأقرئه مني السلام.
стр. 12245
(زاد الطبراني) (١): وسأخبرك ما نعته حتى لا يخفى عليك، هو رجل ليس بالطويل ولا بالقصير ولا بكثير الشعر ولا بقليله، وليس بفارق عليه، وخاتم النبوة بين كتفيه واسمه أحمد، وهذا البلد مولده ومبعثه، ثم يخرجه قومه منها، ويكرهون ما جاء به حتى يهاجر إلى يثرب فيظهر أمره، وإياك أن تخدع عنه، فإني طفت البلاد كلها أطلب دين إبراهيم فكل من أسال من اليهود والنصارى والمجوس يقولون: هذا الدين وراءك وينعته مثل نعتي لك، ويقولون: لم يبق نبي غيره. قال عامر: فلما أسلمت أخبرت رسول الله ﷺ بقوله وأقرأته منه السلام فرد ﵇ وترحم عليه، قال: "قد رأيته في الجنة يسحب ذيولا" (٢).
стр. 12246
٢٥ - باب بُنْيَانُ الكَعْبَةِ
٣٨٢٩ - حَدَّثَنِي مَحْمُودٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ، سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ، فَقَالَ عَبَّاسٌ لِلنَّبِيِّ ﷺ : اجْعَلْ إِزَارَكَ عَلَى رَقَبَتِكَ يَقِيكَ مِنَ الحِجَارَةِ، فَخَرَّ إِلَى الأَرْضِ، وَطَمَحَتْ عَيْنَاهُ إِلَى السَّمَاءِ، ثُمَّ أَفَاقَ فَقَالَ: «إِزَارِي إِزَارِي». فَشَدَّ عَلَيْهِ إِزَارَهُ. [انظر: ٣٦٤ - مسلم: ٣٤٠ - فتح: ٧/ ١٤٥]
٣٨٣٠ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَا: لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ البَيْتِ حَائِطٌ، كَانُوا يُصَلُّونَ حَوْلَ البَيْتِ، حَتَّى كَانَ عُمَرُ، فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: جَدْرُهُ قَصِيرٌ، فَبَنَاهُ ابْنُ الزُّبَيْرِ. [فتح: ٧/ ١٤٦]
ذكر فيه حديث جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄: لَمَّا بُنِيَتِ الكَعْبَةُ ذَهَبَ النَّبِيُّ ﷺ وَعَبَّاسٌ يَنْقُلَانِ الحِجَارَةَ .. الحديث، وقد سلف في باب التعري في الصلاة وغيرها.
وبنيان الكعبة كان عام خمس وعشرين من الفيل، قبل تنبؤ رسول الله ﷺ بخمسة عشر عاما؛ لأنه ولد في ربيع الأول من عام الفيل.
ومعنى (طمحت عيناه): ارتفعتا، وفي هذا العام تزوج خديجة، ولما بنوا الكعبة اختلفوا فيمن يضع الحجر الأسود مكانه، فحكموا أول طالع عليهم، فطلع عليهم رسول الله ﷺ فأمر أن يجعل في ثوب، وتأخذ كل قبيلة من قريش بناحية من الثوب، ثم أخذ الحجر فوضعه بيده (١).
стр. 12247
وذكر فيه أيضًا: حديث عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي يَزِيدَ قَالَا: لَمْ يَكُنْ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ حَوْلَ البَيْتِ حَائِطٌ، كَانُوا يُصلُّونَ حَوْلَ البَيْتِ حَتَّى كَانَ عُمَرُ ﵁، فَبَنَى حَوْلَهُ حَائِطًا. قَالَ عُبَيْدُ اللهِ: جَدْرُهُ قَصِيرٌ، فَبَنَاهُ ابن الزُّبَيْرِ.
قلت: سببه أن النفقة قصرت بهم فتركوا من البيت مما يلي الحجر أذرعًا ورفعوا باب البيت ليدخلوا من شاءوا ويمنعوا من شاءوا، وقصرت نفقاتهم أن يجعلوا السقائف إلى حوله، وأن يردموه حتى يعلو فلا يصيبه السيل، وقاسوا فيما بين وضع المقام والبيت بحنوط جعلوها في الكعبة، وجعلوا المقام في حائط البيت.
أحدها:
حديث عائشة ﵂ في صوم يوم عاشوراء.
وقد سلف في بابه (١).
ثانيها:
حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄: كَانُوا يَرَوْنَ أَنَّ العُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الحَجِّ مِنَ الفُجُورِ فِي الأَرْضِ.
الحديث سلف في الحج (٢).
وقوله: (كَانُوا يُسَمُّونَ المُحَرَّمَ صَفَرًا)، سلف أنه شق عليهم اجتماع ثلاثة أشهر متوالية حرم، ففصلوا بينها بأن جعلوا المحرم صفر بأن يقوم رجل إذا صدروا عن ميامن كنانة، فيقول: أنا الذي لا يرد قضاؤه، فيقولون: أنسئنا -أي: أخرنا- شهر الحرمة المحرم، واجعلها من صفر؛ لأن معايشهم كانت من الإغارة فيحل لهم في المحرم فأنزل الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧].
وقوله: (بَرَا الدَّبَرْ) يقال: برئت من المرض وبرأت، وهو هنا بفتح الراء كما ضبط، والدبر: جمع دبرة، معناه: إذا انصرفت الإبل عن الحج، وظهورها دبرة.
وقوله: (وَعَفَا الأَثَرْ) أي: درس يعني أثر الدبر، قاله الخطابي (٣)، وقال الداودي: عما أثر الحجيج، وما ناله في حجه من التعب.
وقوله: (فَأَمَرَهُمُ رسول الله ﷺ أَنْ يَجْعَلُوهَا عُمْرَةً) هو فسخ للحج،
стр. 12252
وهو خاص بهم كما أسلفناه هناك، وعليه أكثر أهل العلم خلا أحمد وداود فإنهما أجازاه (١).
الحديث الثالث:
حديث سَعِيدٍ بنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: جَاءَ سَيْلٌ فِي الجَاهِلِيَّةِ فَكَسَا مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ. قَالَ سُفْيَانُ: وَيَقُولُ: إِنَّ هذا الحَدِيثَ لَهُ شَأُنٌ.
وقوله: (فَكَسَا مَا بَيْنَ الجَبَلَيْنِ) أراد بالجبلين اللذين بجانب الوادي الذي فيه المسجد.
وقوله: (إِنَّ هذا الحدِيثَ لَهُ شَأْنٌ) هو ما جاء في رواية أخرى أن السيل كان يدخل المسجد فيثبت بموضع البيت قبل أن يبنى وهو ربوة، ولا يعلوه، وسيل الحرم (لا) (٢) يخرج إلى الحل ولا يدخل سيل الحل الحرم ولما أراد تحديد الحرم دعا شيوخا كانوا يزعمون في الجاهلية فسألهم عن حدود الحرم فأخبروه فنصب تلك الأعلام، وإنما أخبروه بالأماكن التي يخرج إليها السيل.
الحديث الرابع:
حديث قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: دَخَلَ أَبُو بَكْرٍ ﵁ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ أَحْمَسَ يُقَالُ لَهَا: زينَبُ. فَرَآهَا لَا تَكَلَّمُ، [فَقَالَ: مَا لَهَا لَا تَكَلَّمُ؟] (٣) قَالُوا: حَجَّتْ مُصْمِتَةً.
قوله: (مِنْ أَحْمَسَ) أي: من قوم أحمس.
стр. 12253
ومعنا (مصمتة) ساكتة، يقال: أصمت إصماتا، وصمت صموتا وصماتا، والاسم: الصمت (١).
وقوله: (أنا أبو بكر). فيه: تكنية المرء نفسه إذا كان لا يعرف إلا بذلك كما نبه عليه الداودي.
وقوله: (ما بقاؤنا على هذا الأمر الصالح) يعني: ما كانوا عليه على عهد رسول الله ﷺ فيما جاءهم من الهدى وما بسط لهم من الدنيا، قال المغيرة: كنا في بلاء شديد نعبد الشجر والحجر، ونمص الجلد والنوى من الجوع، فبعث إلينا رب السموات رسولا منا من أنفسنا نعرف أباه وأمه، وأمرنا نبينا بعبادة الله وحده وترك ما يعبد آباؤنا، وذكر الحديث (٢)، وما كانوا عليه في عهد أبي بكر ﵁ من الأمر واجتماع الكلمة وأن لا يظلم أحد أحدا.
الحديث الخامس:
حديث عائشة ﵂ في صاحبة الحفش، وقد سلف في المساجد (٣).
و (الحفش) البيت الرديء كما قال مالك (٤)، أو الصغير كما قاله ابن فارس (٥)، أو الصغير الخرب كما قاله ابن حبيب، أو البيت الذليل القريب السمك كما قاله الشافعي (٦)، سمي بذلك لضيقه.
стр. 12254
وقال أبو عبيد: الدرج سمي به لضيقه (١).
و (الأدم) بفتح الهمزة والدال، جمع أديم، وهو الجلد.
وقوله: (إِذْ أَقْبَلَتِ الحُدَيَّا). قال ابن التين: صوابه الحدياة؛ لأنه تصغير حدأة (٢)، قلت: وكذا سلف هناك إذ مرت الحدياة.
وقوله: (حَتَّى وَازَتْ بِرُءُوسِنَا)، أي: قابلتها.
الحديث السادس:
حديث ابن عُمَرَ ﵄: "أَلَا مَنْ كانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إِلَّا بالله". فَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا، فَقَالَ: "لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ".
سيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى في بابه.
الحديث السابع:
حديث القَاسِمِ أنه كَانَ يَمْشِي بَيْنَ يَدَيِ الجَنَازَةِ وَلَا يَقُومُ لَهَا، وَيُخْبِرُ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ أَهْلُ الجَاهِلِيَّةِ يَقُومُونَ لَهَا، ويَقُولُونَ إِذَا رَأَوْهَا: كُنْتِ فِي أَهْلِكِ مَا أَنْتِ. مَرَّتَيْنِ.
أما القيام للجنازة فقد فعله الشارع، واختلف في نسخه، فقال مالك وأصحابه: هو منسوخ بجلوسه ﷺ والمختار أنه باق، واختاره ابن الماجشون، قال: هو على التوسعة والقيام فيه أجر وحكمه باق.
وقال أبو حنيفة: إذا بعد منها لم يجلس حتى تحضر، يصلى عليها، وكان أبو مسعود البدري وسهل بن حنيف يقومان لها وأبو سعيد (٣).
стр. 12255
وقد سلف أن جيم الجنازة مكسورة ومفتوحة قال ابن الأعرابي: هو بالكسر للميت وبالفتح للسرير، وعكسه غيره.
الحديث الثامن:
حديث عمرو بن مَيْمُونٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ ﵁: إِنَّ المُشْرِكِينَ كَانُوا لَا يُفِيضُونَ مِنْ جَمْع حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ عَلَى ثَبِيرٍ، فَخَالَفَهُمُ رسول الله ﷺ فَأَفَاضَ قَبْلَ انْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ.
وقد سلف في الحج في باب: متى يدفع من جمع (١).
ومعنى: (لا يفيضون): لا يدفعون.
و (جمع) المزدلفة.
و (تشرق) بفتح أوله وضم ثالثه، قال ابن التين: كذا ضبط والمعروف في المثل: أشرق ثبير كيما نغير، وهي إضاءة الشمس على ثبير.
الحديث التاسع:
حديث عِكْرِمَةَ ﴿وَكَأْسًا دِهَاقًا (٣٤)﴾ [النبأ: ٣٤] قَالَ: مَلأى مُتَتَابِعَةً.
قال: وقال ابن عباس: سمعت أبي يقول في الجاهلية: اسقنا كأسًا دهاقا.
فيه: الاحتجاج في التفسير بقولهم؛ لأنه نزل بلغتهم.
الحديث العاشر:
حديث أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : "أَصْدَقُ كلِمَةٍ قَالَهَا الشَّاعرُ كَلِمَةُ لَبِيدٍ: أَلَا كُلُّ شيء مَا خَلَا الله بَاطِلٌ. وَكادَ أُمَيَّةُ بْنُ أَبِي الصَّلْتِ أَنْ يُسْلِمَ".