والهام: جمع هامة، وهم الموتى، يقال: أصبح فلان هامة: إذا مات. ويحتمل أن يريد الأشراف؛ لأن هامة القوم سيدهم. وذكر الداودي عن (أبي عبيدة) (١) في "تفسيره" أن العرب كانت تقول: إذا مات الميت تكون من عظامه [هامة] (٢) تطير.
قال الهروي: يسمون ذلك الطائر الذي يخرج من هامة الميت: الصدى (٣). وذكر ابن فارس أن العرب كانت تقول: إن القتيل إذا لم يدرك بثأره يصير هامة في القبر، (فتزقو) (٤) فتقول: اسقوني اسقوني. فإذا أُدْرِكَ ثأره طارت (٥).
ويحتمل أن يريد بالهام الرئيس (٦)، قاله الداودي، والظاهر ما سلف؛ لقوله: (وكيف حياة أصداء وهام) فذلك لا يقال للرئيس؛ بلي وصار لا يرجى.
الحديث العشرون:
حديث أبي بكر، ﵁: كُنْتُ مَعَ رسول الله ﷺ فَرَفَعْتُ رَأْسِي، فَإذَا أَنَا بِأَقْدَامِ المشركين، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، لَوْ أَنَّ بَعْضَهُمْ طَأْطَأَ بَصَرَهُ رَآنَا. قَالَ: "اسْكُتْ يَا أَبَا بَكْرٍ، اثْنَانِ اللهُ ثَالِثُهُمَا".
стр. 12357
فيه: الفضل الباهر لهما.
الحديث الحادي بعد العشرين:
حديث أبي سعيد، ﵁: جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إِلَى رسول الله ﷺ فسَأَلَهُ عَنِ الهِجْرَةِ.
الحديث سلف في الزكاة، في باب زكاة الإبل فراجعه (١).
وزاد هنا: "فهل تمنح منها؟ " قال: نعم. قال "فتحلبها يوم وردها؟ " قال: نعم.
ومعنى ("يترك"): ينقصك، وذكر الإسماعيلي أن الفريابي قاله بالتشديد، والله أعلم.
ذكر فيه تسعة أحاديث:
أحدها:
حديث البراء ﵁: أَوَّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَيْنَا عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَبِلَالٌ.
قدومهما وكذا قدوم كل من هاجر إنما كان فرارًا مما لقوه من الأذى، فلما هاجر النبي ﷺ فرضت الهجرة من مكة، وذكر ابن إسحاق أنه ﵇ أرسل مصعبًا مع الأنصار لما بايعوه فكان يُسمى المقرئ، وهو أول من سمي به (١)، وذكر ابن سعد أن الأنصار أرسلت إليه: ابعث لنا من يقرئنا، فبعثه إليهم (٢)، وكان أول من هاجر من مكة إلى المدينة أبو سلمة بن عبد الأسد قبل بيعة العقبة لسنة، وذلك أنه قدم من عند الحبش فآذاه أهل مكة وبلغه إسلام من أسلم
من الأنصار فخرج إليهم.
الحديث الثاني:
حديثه أيضًا بمثله وزيادة سعد مع بلال وعمار، ثم قدم عمر في عشرين من أصحاب رسول الله ﷺ ، ثم قدم النبي ﷺ ، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم برسول الله ﷺ حتى جعل الإماء يقلن: قدم رسول الله، فما قدم رسول الله ﷺ حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى (١)﴾ في سور من المفصل.
قلت: كان الذي علمه مصعب بن عمير، ومن هاجر معه من المسلمين. وسلف الكلام في الصلاة على المفصل، ولم سمي
стр. 12362
مفصلاً، وأعظم بما فرحوا به، وفي أخرى: لما قدم المدينة جعل النساء والصبيان يقلن (١):
طلع البدر علينا … من ثنيات الوداع
وجب الشكرعلينا … ما دعا لله داع
الحديث الثالث:
حديث عائشة ﵂ في وعك أبي بكر وبلال سلف في آخر الحج، ودخولها على بلال عيادة (له) (٢) -وهي من القرب- كان قبل نزول الحجاب.
الحديث الرابع:
حديث عثمان سلف في ترجمته، ذكره من حديث معمر عن الزهري به ثم قال: وقال بشر بن شعيب: حدثني أبي عن الزهري بمثله، وسلف هناك من حديث يونس عن الزهري (٣)، ثم قال: تابعه إسحاق الكلبي: حدثني الزهري بمثله، وسلف هناك من حديث يونس عن الزهري.
الحديث الخامس:
حديث ابن عباس أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَجَعَ إِلَى أَهْلِهِ بِمِنًى فِي آخِرِ حَجَّةٍ حَجَّهَا عُمَرُ، فَوَجَدَنِي، فَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ: فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، إِنَّ المَوْسِمَ يَجْمَعُ رَعَاعَ النَّاسِ وغوغاءهم، وَإِنِّي أَرى أَنْ تُمْهِلَ حَتَّى تَقْدَمَ المَدِينَةَ، فَإِنَّهَا دَارُ الهِجْرَةِ وَالسُّنَّةِ، وَتَخْلُصَ لأَهْلِ
стр. 12363
الفِقْهِ وَأَشْرَافِ النَّاسِ وَذَوِي رَأْيِهِمْ. فقَالَ عُمَرُ لأَقُومَنَّ في أَوَّلِ مَقَامٍ أَقُومُهُ بِالْمَدِينَةِ
المراد بالرعاع: الدون، وفيه الإشارة على الأمراء بما فيه السداد.
الحديث السادس:
حديث عثمان بن مظعون في تزكيته، سلف في الجنائز (١).
وراويته أم العلاء بنت الحارث بن ثابت بن حارثة بن ثعلبة ابن خلاس بن أمية بن خدارة بن عوف بن الحارث بن الخزرج أخي الأوس، وزاد هنا: فأحزنني ذلك فنمت فأريت لعثمان بن مظعون عينًا تجري، فجئت رسول الله ﷺ فأخبرته، فقال: "ذلك عمله".
قولها: (حين قرعت). كذا هو ثلاثي وفي نسخة: (اقترعت). قال ابن فارس: الإقراع والمقارعة في المساهمة، وقارعت فلانًا فقرعته أي: أصابتني القرعة دونه (٢).
الحديث السابع:
حديث عائشة ﵂ كَانَ يَوْمُ بُعَاثٍ قَدَّمَهُ اللهُ لِرَسُولِهِ. الحديث وقد سلف (٣).
الثامن:
من حديثها أيضًا فيه، وقد سلف في العيد (٤).
стр. 12364
قال الخطابي: (يريد) (١) بالقينتين فيه جاريتين لا مغنيتين (٢)، يريد أن ينزه بيت رسول الله ﷺ أن يدعى له مغنيتان مشهرتان به.
و (يوم بعاث): سلف قريبا أنه كان للأوس على الخزرج، قال الداودي: وكل فريق منهم ما أديل (٣) له به في ذلك اليوم ففيه جواز الاستراحة في بعض الأحيان بالكلام ونحوه؛ ليقووا عليه.
وقوله: (بما تقاذفت) أي: بما ترامت به ذلك اليوم ويروى: (تعازفت).
قال الخطابي: يحتمل أن يكون من عزف اللهو، وضرب المعازف على تلك الأشعار وإنشادها يتذامرون بذلك على القتال، ويحتمل أن يكون من العزف، وهو أصوات الوغى كعزيف الرياح وهو ما يسمع من دويها ومنه عزيف الجن، وهو جرس أصواتها فيما يقال (٤). وفي رواية أبي الحسن بالراء أي: مما تعارفوا ما جرى بينهم.
الحديث التاسع:
حديث أنس ﵁: لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللهِ ﷺ المَدِينَةَ، نَزَلَ في عُلْوِ المَدِينَةِ في حَي يُقَالُ لَهُمْ: بَنُو عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ .. الحديث.
سلف بطوله في المساجد في باب نبش قبور المشركين (٥). وقوله: (عضادتيه حجارة) عضادتا الباب: ما حوله، وهو ما يشد حوله من البناء وغيره.
стр. 12365
٦٤ - كتاب المغازي
قال ابن سيده في "محكمه": غزا الشيء غزوًا: أراده وطلبه، والغزو ما غزا وطلب، والغزو: السير إلى قتال العدو وانتهابه، غزاهم غزوًا وغزوانًا -عن سيبويه: صحت الواو فيه كراهية في الإخلال- وغزاوة، قال ابن جني: الغزاوة كالشقاوة، وأكثر ما تأتي الفعالة مصدرًا إذا كانت لغير المتعدي، وعن ثعلب: إذا قيل: غزاة فهو عمل سنة، وإذا قيل: غزوة فهي المرة الواحدة من الغزو (١).
стр. 12366
١ - باب غَزْوَةِ الْعُشَيْرَةِ (أَوِ الْعُسَيْرَةِ)
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَوَّلُ مَا غَزَا النَّبِيُّ ﷺ الأَبْوَاءَ، ثُمَّ بُوَاطَ، ثُمَّ الْعُشَيْرَةَ.
٣٩٤٩ - حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَهْبٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ: تِسْعَ عَشْرَةَ. قِيلَ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ؟ قَالَ: الْعُسَيْرَةُ أَوِ الْعُشَيْرُ.
فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: الْعُشَيْرُ. [٤٤٠٤ - ٤٤٧١ - مسلم: ١٢٥٤ - فتح: ٧/ ٢٧٩]
ثم ساق من حديث شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: قال: كُنْتُ إِلَى جَنْبِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ، فَقِيلَ لَهُ: كَمْ غَزَا النَّبِيُّ ﷺ مِنْ غَزْوَةٍ؟ قَالَ تِسْعَ عَشْرَةَ. قِيلَ: كَمْ غَزَوْتَ أَنْتَ مَعَهُ؟ قَالَ: سَبْعَ عَشْرَةَ. قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ؟ قَالَ: الْعُشَيْرَةُ. أَوِ: العُسَيْرُ. فَذَكَرْتُ لِقَتَادَةَ، فَقَالَ: الْعُشَيْرُة.
الشرح:
من هنا شرع البخاري ﵀ بذكر جماع مغازي سيدنا رسول الله ﷺ وبعوثه وسراياه، ولا شك أن الله تعالى لما أذن لرسول الله ﷺ في القتال كانت أول آية نزلت في ذلك ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا﴾ كذا رويناه من طريق سعيد بن جبير (١) والزهري (٢)، وقال: "أمرت أن أقاتل الناس" الحديث (٣).
стр. 12367
قال أهل السير كما طرقه ابن سعد عنهم: كان عدد مغازيه التي غزا بنفسه ستة وعشرين، وكانت سراياه التي بعث فيها سبعة وأربعين سرية (١).
قلت: والذي بالتأمل -إن شاء الله- المجموع فوق المائة كما سيمر بك في هذا الشرح المبارك، وكان ما قاتل فيها من المغازي تسعة: بدر القتال وأحد والمريسيع والخندق وقريظة وخيبر وفتح مكة وحنين والطائف، وفي رواية: أنه قاتل في بني النضير لكن الله جعلها له نفلاً خاصة، وقاتل في غزاة وادي القرى منصرفه من خيبر، وقُتل بعض أصحابه، وقاتل في الغابة، فأول مغازيه غزوة ودان على رأس اثني عشر شهرا من مقدمه المدينة لاثنتي عشرة ليلة مضت من صفر، وهي غزوة الأبواء، ثم رجع إلى المدينة، قاله ابن إسحاق.
وكان استعمل عليها سعد بن عبادة فيما ذكره ابن هشام. قال ابن إسحاق: فوادعته فيها بنو ضمرة، وكان الذي وادعه منهم مخشي بن عمرو الضمري، وكان سيدهم في زمانه، ثم رجع ولم يلق كيدا. ثم ذكر ابن إسحاق بعده بعث حمزة بن عبد المطلب بن عبد مناف وعبيدة بن الحارث بن المطلب بن عبد مناف في ربيع الأول في ستين أو ثمانين راكباً من المهاجرين ليس معهم أحد من الأنصار، فسار حتى بلغ ماءً بالحجاز بأسفل ثنية المرة فلقي بها جمعا عظيما من قريش، فلم يكن بينهم قتال، إلا أن سعد بن أبي وقاص قد رمى يومئذ بسهم، فكان أول سهم رمي به في الإسلام (٢).
стр. 12368
قال ابن إسحاق: وكانت راية عبيدة فيما بلغنا أول راية عقدت في الإسلام، وبعض العلماء يزعم أنه ﵇ بعثه حين أقبل من غزوة الأبواء قبل أن يصل إلى المدينة، وبعث في مقامه ذلك حمزة بن عبد المطلب بن هاشم إلى سيف البحر من ناحية العيص في ثلاثين راكبًا، فلقي أبا جهل ولم يكن هناك قتال، قال: وبعض الناس يقول: كانت راية حمزة أول راية عقدها رسول الله ﷺ ، وذلك أن بعثه وبعث عبيدة كانا معا فشبه ذلك على الناس (١).
وقال موسى بن عقبة: أول البعوث بعث حمزة، ثم بعث عبيدة، ثم سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار، في ذي القعدة، ثم غزوة الأبواء وهي غزوة ودان على رأس اثني عشر شهرًا.
قال ابن إسحاق: ثم غزا في ربيع الأول حتى بلغ بواط من ناحية رضوى ثم غزوة العشيرة (٢) التي ذكرها البخاري ونقلها عن ابن إسحاق.
إذا قلت كذلك، فالكلام من وجوه:
أحدها:
قوله: (فَذَكَرْتُ ذلك لِقَتَادَةَ) هو شعبة فيما نسبه.
قوله: (قُلْتُ: فَأَيُّهُمْ كَانَتْ أَوَّلَ؟) قال الدمياطي: الكلام: أيهن أو أيها، وفي "مسند أبي داود الطيالسي" حدثنا شعبة عن أبي (٣) إسحاق: قلت لزيد بن أرقم: ما أول غزوة غزاها رسول الله ﷺ ؟ قال: ذات العسير أو العشيرة (٤).
стр. 12369
وفي "مسند مسلم" (١) و"تاريخ ابن أبي خيثمة" من رواية غندر، عن شعبة بسنده: ذات العشير أو العسير، وتابع شعبة إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن زيد، إلا أنه لا ذكر لأولاهن، قاله عبد الله بن رجاء، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البراء قال: غزوت مع رسول الله ﷺ خمس عشرة. ذكره في آخر المغازي (٢).
ثانيها:
قال عياض: وقع في البخاري العُشير والعَسير، بفتح العين وكسر السين المهملة، وحذف الهاء، قال: والمعروف تصغيرها، وبالشين المعجمة، وحكي أيضاً فتح المهملة وضم السين بغير هاء (٣)، ذكر ذلك الحاكم (٤)، قال السهيلي: معنى العسير أو العُسير أنه اسم مصغر من العسرى والعسراء، وإذا صغر تصغير الترخيم، قلت: عسيرة، وهي بقلة أذنة، أي: عصيفة، ثم تكون سحاء، ثم يقال لها: العسرى، وأما العشيرة بالشين المعجمة فتصغير واحد العشر (٥)، قال أبو عبيد: خرج ﷺ من المدينة فسلك على شعب بني دينار، ثم فيفاء الخرار ثم سلك شعب عبد الله، ثم هبط ملل فنزل بمجتمعه، ثم سلك فرش ملل حتى لقي الطريق ضمرة اليمام، ثم اعتدل به الطريق حتى نزل العشيرة، قال حسان بن ثابت يذكر قومه في أبيات منها:
ولم يكن في إيمانه خلل … وبايعوه فلم ينكث به أحد منهم
مع الرسول عليها البيض والأسل … وذا العشيرة جاسوها بخيلهم
стр. 12370
ثالثها:
كانت في جمادي الآخرة على رأس ستة عشر شهرًا من المهاجر فيما ذكره ابن سعد وحمل لواءه حمزة، وكان أبيض، واستخلف على المدينة أبا سلمة بن عبد الأسد، وخرج في خمسين ومائة، ويقال: في مائتين من المهاجرين على ثلاثين بعيرًا يعتقبونها، فبلغ ذا العشيرة وهي لبني مدلج بناحية ينبع، وبين ينبع والمدينة تسع برد (١). وذكر في هذِه الغزوة: أتى عليًّا أبا تراب وأخبره بأشقى الناس عاقر الناقة. ووادع بني مدلج وحلفائهم من بني ضمرة، وذكرها ابن إسحاق في جمادي الأولى قال: وأقام بها بقيته وليال من جمادي الآخرة (٢)، وكذا قال موسى بن عقبة: إنها في جمادي الأولى، ووجد العير التي خرج إليها قد كانت قبل ذلك بأيام، وهي العير التي خرج إليها حين رجعت من الشام، فكانت بسببها وقعة بدر الكبرى.
رابعها:
قول ابن إسحاق مخالف لما ذكره عن زيد بن أرقم أنها أول غزواته، فيحتمل أن يكون زيد أشار إلى أنها أول غزوة كان فيها مناوشة وقتال، أو أول غزواته مع رسول الله ﷺ ، أو بالنسبة إلى ما علمه. وادعى الداودي أنه قيل أنه ﷺ لم يحضرها بنفسه، وهو خلاف ما قاله موسى بن عقبة، أنه غزاها مع المهاجرين خاصة، وله هو خلاف ما ذكره ابن سعد وابن إسحاق. وادعى الداودي أن عدة مغازيه وسراياه خمس وأربعون، وقد أهمل وأكثر مما ذكر كما أسلفناه،
стр. 12371
قال: والى القتال بنفسه في ثمان، ذكرها الله في القرآن: بدر سنة اثنين، وأحد سنة ثلاث، والأحزاب سنة أربع، وفيها بنو قريظة، وبنو المصطلق سنة خمس، وخيبر سنة ست -ويقال: أول سنة سبع- والفتح وحنين سنة ثمان، ولعله والى القتال بنفسه في ثمان قاتل فيها، وقد سلف أنه قاتل في غير ذلك.
والأحزاب هي الخندق، وقيل: إنها سنة خمس، نعم، قال مالك: كانت سنة أربع في برد شديد، وقوله في بني المصطلق: إنها في سنة خمس، قال غيره: سنة ست.
المراد بقُتل بها لا جرم. في بعض النسخ: يقتل، وهو الوجه، وهي رواية أبي ذر.
ذكر فيه حديث سعد بن معاذ في إخباره ﵇ أنه قاتل أمية بن خلف، ووقع ذلك في بدر، وسيأتي أن بلالا (١) قتله، والمشهور عند أهل السير أنه ﷺ إنما قال ذلك لأخيه أبي بن خلف بمكة قبل الهجرة، وهو الذي قتله رسولُ الله ﷺ بعد ذلك يوم أحد بحربته، لا ينافي خبر سعد أيضا، وفي هذِه القصة أنهم كانوا يعتمرون قبل أن يعتمر رسول الله ﷺ . وفيه: ما كان عليه سعد من الجلد والقوة في الإيمان.
стр. 12374
٣ - باب قِصَّةُ غَزاةِ بَدْرٍ
وَقَوْلُ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾ ﴿فَيَنْقَلِبُوا خَائِبِينَ﴾ [آل عمران: ١٢٣ - ١٢٧] وَقَالَ وَحْشِيٌّ: قَتَلَ حَمْزَةُ بن عبد المطلب طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ يَوْمَ بَدْرٍ. [انظر: ٤٠٧٢]، وَقَوْلُهُ: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ الآيات [الأنفال: ٧].
٣٩٥١ - حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ كَعْبٍ، أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ كَعْبٍ قَالَ: سَمِعْتُ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ. [انظر: ٢٧٥٧ - مسلم: ٢٧٦٩ - فتح: ٧/ ٢٨٥]
ثم ساق حديث كعب بن مالك: لَمْ أَتَخَلَّفْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا إِلاَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ، غَيْرَ أَنِّي تَخَلَّفْتُ عَنْ غَزْوَةِ بَدْرٍ، وَلَمْ يُعَاتِبْ أَحَدٌ تَخَلَّفَ عَنْهَا، إِنَّمَا خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يُرِيدُ عِيرَ قُرَيْشٍ، حَتَّى جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوِّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ.
الشرح:
غزوة بدر القتال كان خروجه إليها يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر رمضان على رأس ستة عشر شهرا، وقبلها غزوة ذات العشيرة في جمادى كما سلف، وكانت قبلها غزاة بدر الأولى، خرج في طلب كرز بن جابر حين أغار على سرح المدينة، خرج في طلبه في ربيع الأول على رأس ثلاثة عشر شهرا حتى بلغ واديا يقال له: سفوان من ناحية
стр. 12375
بدر، وفاته كرز، وكانت بدر الموعد خلال ذي القعدة على رأس خمسة وأربعين شهرا بعد أحد، فاعلم ذلك، وبعد بدر الأولى سرية عبد الله بن جحش في رجب، ومعه مائة من المهاجرين إلى نخلة بين مكة والطائف يترصد أخبار قريش فغنموا، وأنكر عليهم القتل، وأنزل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ﴾ وهي أول غنيمة غنمها المسلمون، وقتل فيها عمرو بن الحضرمي، وهو أول من قتله المسلمون، واستؤسر عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، وهما أول من أسر المسلمون، وفيها سمي عبد الله بن جحش أمير المؤمنين (١).
فائدة: في هذِه السنة حولت القبلة، وفرض صوم رمضان، وزكاة الفطر، وسنة الأضحية.
إذا تقرر ذلك ففي سبب تسميتها بدرا قولان:
أحدهما: ببدر بن الحارث بن مخلد بن النضر بن كنانة، وقال السهيلي: احتفرها رجل من بني غفار، ثم من بني النجار اسمه بدر بن كنانة (٢)، قال الواقدي: ذكرت هذا لعبد الله بن جعفر، ومحمد بن صالح فأنكراه وقالا: لأي شيء سميت الصفراء؟ ولأي شيء سمي الجار؟ إنما هو اسم الموضع، قال: وذكرت ذلك ليحيى بن النعمان الغفاري، فقال: سمعت شيوخنا يقولون -يعني: بني غفار- هو مأوانا ومنزلنا، وما ملكه أحد قط اسمه بدر، وما هو من بلاد جهينة إنما هو من بلاد غفار. قال الواقدي: هو المعروف عندنا.
стр. 12376
القول الثاني: سميت بدرا؛ لاستدارتها كالبدر، وقيل: لصفائها، ورؤية البدر فيها، قال البكري: هي على ثمانية وعشرين فرسخا من المدينة، ومنها إلى الجار ستة عشر ميلا، وبه عينان جاريتان عليهما الموز والنخل والعنب (١).
وقال صاحب "الإكليل": بدر موضع بأرض العرب يقال لها: الأثيل بقرب ينبع والصفراء والجار والجحفة، وهو موسم من مواسم العرب ومجمع من مجامعهم في الجاهلية، وبها قليب وآبار ومياه تستعذب، وعن الزهري: كان بدر متجرا يؤتى في كل عام.
ثم الكلام على ما أورده البخاري من وجوه:
أحدها: في معاني الآثار التي ذكرها:
معنى ﴿وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ﴾: قليلو العدد، كما ستعلمه في باب عدتهم. (منزِلين) أي: النصر.
﴿فَوْرِهِمْ﴾: وجههم أو غضبهم أو قيل السكون.
(مسومين) معلمين من السومة أو: مرسلين. قال الداودي: السومة المعلمة للقتال، قال عروة: كانت الملائكة يومئذ على خيل بلق، وعمائمهم صفر (٢)، وقال ابن (٣) إسحاق: عمائمهم بيض، وقال الحسن: علموا على أذناب خيلهم ونواصيهم بصوف أبيض (٤)، وقال عكرمة: عليهم سيما القتال، وقال مجاهد: الصوف في أذناب
стр. 12377
الخيل (١)، وقرئ بكسر الواو؛ لأنه ﷺ قال يوم بدر: "سوموا فإن الملائكة قد سومت خيلها وأنفسها".
وادعى الداودي نزول قوله: ﴿إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿خَائِبِينَ﴾ أن ذلك كله أنزل في أحد، وهو عجيب؛ فإن أولها في بدر.
و ﴿الشَّوْكَةِ﴾: (الحد) أي: السلاح، وقال ابن إسحاق: أي: الغنيمة دون الحرب (٢)، وفي "تفسير الثعلبي": إحدى الطائفتين: أبو سفيان مع العير، والآخرى أبو جهل مع النفير.
قال الداودي: أُمدوا يوم بدر بألف من الملائكة مردفين، فقال: ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ﴾ الآية، ووعدهم يوم بدر إن صبروا خمسة آلاف مسومين، فلم يصبروا فلم يمدهم بالملائكة.
والوجه الثاني: قوله: (طُعَيْمَةَ بْنَ عَدِيِّ بْنِ الخِيَارِ).
وصوابه كما قال الدمياطي: طعيمة بن عدي بن نوفل بن عبد مناف أخو المطعم بن عدي، وعم جبير بن مطعم، والخيار جد عبد الله بن عدي الأكبر بن الخيار بن عدي بن نوفل بن عبد مناف، روى عن عمر وعثمان، والمقداد، وأم عبيد الله أم قلال بنت أسيد بن أبي العيص بن أسد بن عبد شمس.
وقوله: (وَقَالَ وَحْشِيٌّ: إلى آخره) أسنده البخاري بعد (٣).
стр. 12378
الثالث:
وقعة بدر كانت في رمضان كما أسلفناه، وأن خروجه كان يوم السبت لاثنتي عشرة ليلة خلت من رمضان، وهو ما قاله ابن سعد (١)، وقال ابن إسحاق: خرج في ليال مضت من رمضان، وقال ابن هشام: لثمان خلون منه، واستعمل على المدينة عمرو بن أم مكتوم، ثم رد أبا لبابة من الروحاء واستعمله على المدينة (٢)، قال الحاكم: ولم يتابع ابن إسحاق على ذكر أبي لبابة، وقد روينا عن الزهري وغيره أن أبا لبابة كان زميل رسول الله ﷺ في هذِه الغزوة، لكن ذكره في "مستدركه" عن عروة بن الزبير أيضاً (٣)، ونحوه ذكره ابن سعد (٤) وابن عقبة وابن حبان (٥)، وقد يحمل كلام الزهري وغيره على ابتداء المسير، ولما ذكر البيهقي حديث ابن مسعود: كنا يوم بدر نتعاقب ثلاثة على بعير، عليُّ وأبو لبابة زميلي رسول الله ﷺ ، قال: كذا في الحديث؛ والمشهور عند أهل المغازي: مرثد بن أبي مرثد بدل أبي لبابة، فإن أبا لبابة رده رسول الله ﷺ من الروحاء فاستخلفه على المدينة (٦).
رابعها:
كانت سنة اثنتين كما سلف، إما على رأس سبعة عشر شهرًا من الهجرة، أو لسنة ونصف كما حكاه في "الإكليل" عن مالك، أو لثمان
стр. 12379
عشرة شهرا كما قاله موسى بن عقبة. قال ابن إسحاق: خرج إليها في ثلاثمائة رجل وخمسة نفر، كان المهاجرون منهم أربعة وسبعين وباقيهم من الأنصار، وثمانية تخلفوا لعلة ضرب لهم رسول الله ﷺ بسهامهم وأجرهم، وهم: عثمان بن عفان فخلفه على امرأته رقية، وطلحة بن عبيد الله وسعيد بن زيد بعثهما يتحسسان خبر العير، وأبو لبابة خلفه على المدينة، وعاصم بن عدي خلفه على أهل العالية، والحارث بن حاطب رد من الروحاء إلى بني عمرو بن عوف؛ لشيء بلغه عنهم، والحارث بن الصمة كسر بالروحاء، وخوات بن جبير كسر أيضا فهؤلاء ثمانية، لا اختلاف فيهم عندنا.
وقال الحاكم في "إكليله": كانوا ثلاثمائة وخمسة عشر كما خرج طالوت، وهو قول الأوزاعي، وفي رواية ابن إسحاق وأربعة عشر (١)، وقال مالك: وثلاثة عشر، وقيل: وفي "الأوائل" للعسكري: حضر بدرًا ثلاثة وثمانون مهاجريا، وأحد وستون أوسيا، ومائة وسبعون خزرجيا، وهو مطابق لرواية ابن إسحاق، وابن عطية وفي مسلم: وتسعة عشر (٢)، ولابن الأثير: وثمانية عشر (٣)، وعلى قول ابن إسحاق عدد البصريين ثلاثمائة وأربعة عشر فزاد عليه خمسة عشر فالجملة تسعة وعشرون، وسيأتي عند تعدادهم أكثر من ذلك.
وكان المشركون ما بين تسعمائة وألف، معهم مائة فرس، وليس مع رسول الله ﷺ إلا ثلاثة أفراس: فرس عليه الزبير، والثاني: المقداد،
стр. 12380
والثالث: مرثد بن أبي مرثد الغنوي، وقال ابن عقبة: ويقال: كان مع النبي ﷺ فرسان، على أحدهما مصعب بن عمير، وعلى الأخرى سعد بن خيثمة، ومرة الزبير، ومرة المقداد، وكان طالوت ملكا ليس بنبي، كان في جيشه داود، فقتل داود جالوت فخرج إليه بمقلاع وهو الحجر الرطب، ومعه ثلاث حجارات، فقال له: خرجت إلي كما تخرج إلى الكلب، قال: نعم، وأنت كلب فأصابه بتلك الأحجار كلها في جبهته فقتله الله، وكان طالوت وعد داود إذا قتل جالوت أن
يزوجه ابنته، ثم بدا له بعد أن قتله مطله بذلك على ود، فأجاب داود فتنحى، ثم أتاه ليلاً وهو نائم فأخذ شعرات من لحيته، وعاد إلى مكانه، وقال له حين أصبح: لو شئت قتلتك، وهذِه شعرات من لحيتك، فاَمنه وزوجه ابنته.
خامسها:
كانت يوم الجمعة صبيحة سبع عشرة من رمضان كما سلف. قال ابن سعد: الثبت عندنا أن الالتقاء كان يوم الجمعة وحديث يوم الاثنين شاذ عن أيوب هي: إما لسبع عشرة خلت، أو ثلاث عشرة بقيت أو لاثنتي عشرة بقيت، أو لتسع عشرة خلت (١)، وعند الطبري من طريق الواقدي إلى عبد الله قال: كانت صبيحة لسبع عشرة من رمضان، قال الواقدي: فذكرت ذلك لمحمد بن صالح فقال: هذا أعجب الأشياء ما رأيت أن أحدا من أهل الدنيا يشك في أنها صبيحة سبع عشرة (٢).
نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وشِمَالِكَ ومن بَيْنَ يَدَيْكَ وَخَلْفَكَ. فَرَأَيْتُ رسول الله ﷺ أَشْرَقَ وَجْهُهُ وَسَرَّهُ.
وحديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ يَوْمَ بَدْرٍ: "اللَّهُمَّ أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ، اللَّهُمَّ إِنْ شِئْتَ لَمْ تُعْبَدْ بعد اليوم". فَأَخَذَ أَبُو بَكْرٍ بِيَد فَقَالَ: حَسْبُكَ. فَخَرَجَ وَهْو يَقُولُ: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ (٤٥)﴾.
معنى (أَشْرَقَ): أضاء، وكلامه المذكور أراد به تسكين نفوس صحابته إلى ذلك؛ إذ هي أول لقائهم العدو وكانوا يرقبون إجابة دعائه فألح في الدعاء؛ لذلك، فلما رأى الصديق سكن لذلك، وقال له: حسبك أقصر من الدعاء وبشرهم بالنصر، ولا يحل توهم أن الصديق كان أصح يقينًا من رسول الله إليك، نبه عليه الخطابي (١)، ووقع له يوم أحد أيضا أنه قال: "اللهم إن تشأ لا تعبد في الأرض". ذكره أبو نعيم عبيد الله بن الحسن بن أحمد الحراني من حديث أنس في "جمعه بين الصحيحين"، وفي رواية: والله لينصرنك الله، وليبيضن وجهك.
وفي رواية: بعض مناشدتك ربك فإن ربك منجز لك ما وعدك (٢) وفي أخرى: كذاك مناشدتك ربك (٣).
ورواه ثابت في "دلائله " من حديث عكرمة عن ابن عباس ﵄ عن عمر بن الخطاب ﵁، قال قاسم بن ثابت في "الدلائل" على ما نقله السهيلي: كذلك قد يراد بهذا الإغراء والأمر بالكف عن الفعل قال ثابت: إنما قال الصديق ذلك رقة على رسول الله ﷺ لما رأى
стр. 12383
من نصبه في الدعاء والتضرع حتى سقط الرداء عن منكبيه، فقال له: بعض هذا يا رسول الله، أي: لم تتعب نفسك هذا التعب والله قد وعدك بالنصر، وكان الصديق رقيق القلب شديد الإشفاق على رسول الله ﷺ ، ثم نقل السهيلي عن شيخه أبي بكر أنه ﷺ كان في مقام الخوف، وصاحبه في مقام الرجاء (١).
قال ابن الجوزي: ولما رأى ما بأصحابه من الهم ناب عنهم في الدعاء، لعلمه بإجابة دعائه فألح لذلك، وقال غيره: لما رأى الملائكة في القتال، وكذا أصحابه. والجهاد ضربان: بالسيف وبالدعاء، ومن سنة الإمام أن يكون وراء الجيش لا يقاتل معهم، فلم يكن لتستريح نفسه من أحد الجهادين، وفي "مغازي الواقدي" أن عبد الله بن رواحة لما دعا رسول الله ﷺ فقال: يا رسول، أنت أعظم وأعلم بالله من أن أشير عليك، إن الله أعظم من أن تنشد وعده فقال: "يا ابن رواحة: إنما أنشد الله وحده، إن الله لا يخلف الميعاد" (٢).
стр. 12384
٥ - باب فضل من شهد بدرًا (١)
٣٩٥٤ - حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ أَنَّهُ سَمِعَ مِقْسَمًا -مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ- يُحَدِّثُ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: ٩٥] عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إِلَى بَدْرٍ. [٤٥٩٥ - فتح: ٧/ ٢٩٠]
ذكر فيه حديث عبد الكريم -وهو ابن مالك الجزري الحراني- عن مقسم مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ الحَارِثِ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ يَقُولُ: ﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء:٩٥] عَنْ بَدْرٍ وَالْخَارِجُونَ إلى بَدْرٍ.
فيه فضل ظاهر لهم، وسيأتي لهم باب آخر.
ثانيها: عنه: حَدَّثَنِي أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ ﷺ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا أَنَّهُمْ كَانُوا عِدَّةَ أَصْحَابِ طَالُوتَ الذِينَ جَازُوا مَعَهُ النَّهَرَ، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَمِائَةٍ. قَالَ البَرَاءُ: لَا والله، مَا جَاوَزَ مَعَهُ النَّهَرَ إِلَّا مُؤْمِنٌ.
ثالثها: عنه: قال: كُنَّا أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ ﷺ نتَحَدَّثُ أَنَّ عِدَّةَ أَصْحَابِ بَدْرٍ على عِدَّةِ أَصحَابِ طَالُوتَ الذِينَ جَاوَزُوا مَعَهُ النَّهَرَ، وَلَمْ يُجَاوِزْ مَعَهُ إِلَّا مُؤْمِن، بِضْعَةَ عَشَرَ وَثَلَاثَمِائَةٍ.
رابعها: بمثله.
الشرح:
كان البراء وابن عمر ﵁، وكذا زيد بن ثابت ﵁ أبناء أربع عشرة، فردوا يومئذ وأجيزوا في أحد أبناء خمس عشرة؛ فرأى قوم لهذا أنه يستحق لهذا السن أن يأخذ جميعه إذا شهد القتال وأن يكون بالغًا، ومالك لم ينظر إلى عدة سنين في شيء من ذلك إنما نظر إلى من يطيق القتال، فيفرض له ومن أثبت في أحد الأقوال ومن لم يحتلم. قال ابن القاسم: سبع عشرة. وقال ابن وهب: خمس عشرة، وهو مذهبنا، وقال ابن حبيب: ثماني عشرة (١).
ونيف بتشديد الياء، وضبطه بعضهم بسكونها قال أبو زيد: كل ما بين عقدين وقيل: النيف كالبضع من الثلاث إلى التسع، وقيل: من الواحد إلى الثلاث، والبضع ما بين الثلاثة إلى التسع، وقيل: ما بين الواحد إلى التسع، وقيل: ما دون نصف العقد، أي: ما دون الخمسة، وقيل: ما دون العشرة، وقال قتادة: أكثر من ثلاثة إلى عشرة، وقيل: ما بين ثلاث وخمس. ذكره أبو عبيد.
стр. 12387
ومعنى أجازوه: قطعوه وخلفوه وراءهم. وقوله: (نيفًا) هو بالألف فيهما، وذكر ابن التين بحذفها نصب أربعين ومائتين بواو مع إذا قدرت عددهم نيف؛ لأن نيف وقع بغير ألف، قيل: كان المهاجرون ثلاثة وسبعين بناءً على أن البضع ثلاثة وهو أكثر الأقوال، وقيل: أربع وسبعون، وقد سلف. وقيل: كانوا أحدًا وثمانين كذا في البخاري بعد هذا قبل مجيئهم وفي: ثلاث وثمانون وقد سلف، وقيل: كانوا مائة منهم، واختلف في عدة الجميع، وقد سلف.
стр. 12388
٧ - باب دُعَاءُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى كُفَّارِ قُرَيْشٍ:
شَيْبَةَ وَعُتْبَةَ وَالْوَلِيدِ وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ وَهَلَاكُهُمْ
٣٩٦٠ - حَدَّثَنِي عمرو بن خَالِدٍ، حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ، عَنْ عمرِو بْنِ مَيْمُونٍ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ قَالَ: اسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الْكَعْبَةَ، فَدَعَا عَلَى نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ: عَلَى شَيْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَعُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ، وَالْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ، وَأَبِي جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ، فَأَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى، قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا. [انظر: ٢٤٠ - مسلم: ١٧٩٤ - فتح: ٧/ ٢٩٣]
ذكر فيه حديث ابن مسعود ﵁: أسْتَقْبَلَ النَّبِيُّ ﷺ الكَعْبَةَ، فَدَعَا على نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ، فذكرهم، فَأَشْهَدُ باللهِ لَقَدْ رَأَيْتُهُمْ صَرْعَى، قَدْ غَيَّرَتْهُمُ الشَّمْسُ، وَكَانَ يَوْمًا حَارًّا.
شيبة وعتبة هما ابنا ربيعة، والوليد هو ابن عتبة، كما بين ذلك في الحديث، وأقسم على رؤيتهم كذلك تحقيقًا لإجابته، ولا شك في ذلك ولا مرية.
وقد سلف كل ذلك في باب من لم يخمس الأسلاب واضحا، فراجعه.
ومعنى (بَرَدَ): سقط ولم يبق إلا خروج نفسه، وقال ابن فارس: برد: مات، ولعله أراد أنه في حكم الميت، ودليله قوله وهل فوق رجل قتلتموه، قال ابن فارس: ويقال للسيوف: البوارد، أي: القواتل عند قوم، وقال آخرون: مس الحديد بارد (١).
وقوله: (أأَنْتَ أبا جهل؟) يجوز على قول بعيد مثله قوله:
قد بلغا في المجد غايتاها … إن أباها وأبا أباها
وقال الداودي: يحتمل معنيين:
أحدهما: أن يقول له ذلك ويستحل اللحن ليغيظ أبا جهل كالمصغر له. الثاني: بإطناب أعني، وفيهما نظر كما أبداه ابن التين معللا بأنه إنما يصح إذا كثرت فيه النعوت، ويغيظه في مثل هذِه بالحال، فاللحن فيه بعد.
ومعنى: أعمد إلى آخره: فوق رجل قتله قومه، كذا فسره أبو عبيد في "غريبه"، قال السهيلي: وفسره ابن هشام بقوله: ليس عليه عار وهو بمعناه، وقال: هو عندي من قولهم: عمد البعير يعمد: إذا (تفضح نابه) (٢) فهلك، أي: أهلك من رجل قتله قومه (٣).
قلت: كله في "غريب أبي عبيد" (٤) وهذا لفظه: قوله: أعمد: هل
стр. 12395
زاد على سيد قتله قومه، وفي نسخة جيدة أي: هل كان ذلك إلا هذا، تقول: إن هذا ليس بعار علي، وكان أبو عبيدة يحكي عن العرب: أعمد من كيل محق، أي: هل زاد على هذا (١)، وقال الداودي: قاله تكبرا وعتوا واحتقارا لغيره، قال: وهو من الأضداد؛ لقوله: ﴿لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ﴾ وفي رواية: فلو غير أكار قتلني -يريد الأنصار؛ لأنهم أصحاب نخل وزرع- وفي رواية أبي الحسن: هل أعذرتك أعمد، أي: أنه معذور، وقال الأزهري في "تهذيبه": عن شمر أنه استفهام، أي: (أعجز) (٢) من رجل قتله قومه (٣)، وفي رواية: أن أبا جهل قال لابن مسعود: لمن الدائرة؟ قال: لله ولرسوله، وأن ابن مسعود جعل رجله على جبينه، فقال أبو جهل: يا رويعي الغنم لقد ارتقيت مرتقا صعبا (٤)، وذكر عياض أن ابن مسعود إنما وضع رجله على عنق أبي جهل لتصدق رؤياه، أي: فإنه رأى ذلك مناما.
وقوله: (قَدْ ضَرَبَهُ ابنا عَفْرَاءَ)، قد سلف الكلام فيهما في الباب المذكور، ولم يجرد قرشي يوم بدر غيره، جرده أبو سهل كما أسلفناه هناك، وروى الواقدي أنه ﷺ سأل عكرمة بن أبي جهل من قتل أباك؟ قال الذي قطعت يده (٥)، فدفع رسول الله ﷺ سيفه لمعاذ بن عمرو بن الجموح فهو عند آله، وقد أسلفناه هناك أنه قتله ابن مسعود.
وعن ابن إسحاق: لما جاء النبي ﷺ البشير بقتل أبي جهل استحلفه