يقظة بن خزيمة بن مالك بن سلامان بن أسلم بن أفضى الأسلمي، نزل الكوفة وبني بها دارًا ومات بها في ولاية المغيرة لمعاوية.
أخرى: أهبان أيضًا ابن صيفي الغفاري أبو مسلم، نزل البصرة وروى حديثًا في الفتنة عن رسول الله ﷺ ، وأوصى أن يكفن في ثوبين فكفن في ثلاثة ودفن فيه، فأصبح القميص الثالث موضوعًا على المشجب. قال أبو عمر: خبر صحيح رواه جماعة من ثقات البصريين (١).
ثالثة: مكلم الذئب أيضًا رافع بن أبي رافع الطائي، واسم أبي رافع عميرة، وقيل: عمير، وقيل: عمرو، كلمه الذئب في ضأن يرعاها فيما تزعم طيء فدعا إلى رسول الله ﷺ واللحاق به، وقالوا فيه شعرًا، وله خبر في صحبة الصديق في غزوة ذات السلاسل، مات قبيل قتل عمر سنة ثلاث وعشرين، وقيل: إن رافعًا قطع ما بين الكوفة ودمشق في خمس ليال، لمعرفته بالمفاوز.
وروى ابن وهب أن أبا سفيان بن حرب وصفوان بن أمية أخذ ظبيًا فاصطاداه وكلمهما، وروي مثله أنه جريح لا دحيم وأصحابه. وفي "معجم الطبراني" عن أنس قال: كنت مع رسول الله ﷺ في غزوة تبوك فمررت على غنم فجاء الذئب أخذ منها شاة، فاشتد الرعاء خلفه، فقال الذئب: طعمة أطعمنيها الله تنزعونها مني .. الحديث (٢).
الحديث العشرون:
حديث ابن أَبِي عَدِيٍّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ سُوَيْدِ بْنِ النُّعْمَانِ -وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ- كَانَ رَسُولُ اللهِ
стр. 12672
- ﷺ وَأَصْحَابُهُ أُتُوا بِسَوِيقٍ فَلَاكُوهُ. تَابَعَهُ مُعَاذٌ (بن عدي) (١) عَنْ شُعْبَةَ.
أي: كما رواه ابن أبي عدي عنه، وسلف القول في الهجرة.
الحديث الحادي بعد العشرين:
حديث شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ قَالَ: سَأَلْتُ عَائِذَ وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مِنْ أَصحَابِ الشَّجَرَةِ: هَلْ يُنْقَضُ الوِتْرُ؟ قَالَ: إِذَا أَوْتَرْتَ مِنْ أَوَّلهِ فَلَا تُوتِرْ مِنْ آخِرِهِ.
هو الصحيح عندنا وهو قول مالك أيضًا، وكان ابن عمر يشفع وتره ثم يوتر من آخر صلاته وأبو جمرة بالجيم، وصحف من قاله بالحاء.
قال أبو علي الجياني: وقع في نسخة أبي ذر عن أبي الهيثم بالحاء والزاي وهو وهم والصواب بجيم وراء (٢). وعائذ هذا هو ابن عمرو بن هلال المزني كنيته أبو هبيرة، وعنه: ابنه حشرج وغيره، وكان شريفًا جوادًا صالحًا صلى عليه أبو برزة.
الحديث الثاني بعد العشرين:
حديث زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَسِيرُ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ، وَعُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ يَسِيرُ مَعَهُ لَيْلاً، فَسَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ شَيء فَلَمْ يُجِبْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، ثُمَّ سَأَلَهُ فَلَمْ يُجِبْهُ، فقَالَ عُمَرُ: ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا عُمَرُ، نَزَّرْتَ رَسُول اللهِ ﷺ ثلَاثَ مَرَّاتٍ كُلُّ ذَلِكَ لَا يُجِيبُكَ. قَال عُمَرُ: فَحَرَّكْتُ بَعِيرِي ثُمَّ تَقَدَّمْتُ أَمَامَ المُسْلِمِينَ، وَخَشِيتُ أَنْ يَنْزِلَ فِيَّ قُرْآنٌ، فَمَا نَشِبْتُ أَنْ سَمِعْتُ صَارِخًا يَصْرُخُ بِي. إلى أن قال: وَجِئْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ، فَقَالَ: "لَقَدْ أُنْزِلَتْ عَلَيَّ اللَّيْلَةَ سُورَة لَهِيَ
стр. 12673
أَحَبُّ إِلَى مِمَّا طلعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ"، ثُمَّ قَرَأَ: ﴿إِنَّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا (١)﴾ [الفتح: ١].
معنى (نزَّرت): ألححت وضيقت عليه حتى أحرجته، بتشديد الزاي وتخفيفها وهو المعروف واقتصر بعض شيوخنا على التشديد، والنزر: القلة، ومنه البئر النزور: القليلة الماء، فقيل ذلك أن أكثر عليه السؤال حتى انقطع جوابه، وقال ابن الأعرابي: النزر: الإلحاح في السؤال، تقول: ألححت عليه في مسألتك إلحاحًا أو أدَّبك بسكوته عنك (١) وأجزأته عن جوابك. وعن الأصمعي: نزر فلان فلانًا: إذا استخرج ما عنده قليلاً قليلاً (٢).
قال ابن التين: وظاهر ضبط أهل اللغة أنه نزرت على زيد: أتيت ثلاثي، ومنه عطاء منزور: إذا استخرج بشدة سؤال وإلحاح، قال: وقيل: هو القليل، قال: وهو يدل على أنه مخفف؛ لأن منزورًا لا يكون إلا من ثلاثي، قال الداودي: وقيل: إنه يقال نزرت ويزرت وبزرت بالنون والياء والباء.
فائدة:
اختلف في الموضع الذي نزلت عليه فيه سورة الفتح، فعند أبي معشر بالجحفة وفي "الإكليل" عن مجمع بن جارية بكراع الغميم، وعند ابن سعد بضجنان (٣) وسيأتي الكلام على الحديث بأوضح من هذا في التفسير.
стр. 12674
الحديت الثالث بعد العشرين:
حديث سُفْيَانَ: سمِعْتُ الزُّهْرِيَّ حِينَ حَدَّثَ هذا الحَدِيثَ، حَفِظْتُ بَعْضَهُ، وَثَبَّتَنِي فيه مَعْمَرٌ، عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنِ المِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَمَرْوَانَ -يَزِيدُ أَحَدُهُمَا عَلَى صَاحِبهِ- قَالَا: خَرَجَ رسول الله ﷺ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ فِي بِضْعَ عَشْرَةَ مِائَة مِنْ أًصْحَابِه، فَلَمَّا أَتَى ذَا الحُلَيْفَةِ قَلَّدَ الهَدْىَ، وَأَشْعَرَهُ، حَتَّى كَانَ بِغَدِيرِ الأَشْطَاطِ أَتَاهُ عَيْنُهُ قَالَ: إِنَّ قُرَيْشًا جَمَعُوا لَكَ جُمُوعًا، وَقَدْ جَمَعُوا لَكَ الأَحَابِيشَ، وَهُمْ مُقَاتِلُوكَ وَصَادُّوكَ عَنِ البَيْتِ وَمَانِعُوكَ. فَقَالَ: "أَشِيرُوا أيّهَا النَّاسُ عَلَيَّ، أَتَرَوْنَ أَن أَمِيلَ إِلى عِيَالِهِم وَذَرَارِيِّ هؤلاء الذِينَ يُرِيدُونَ أَن يَصُدُّونَا عَنِ البَيْتِ، فَإِن يَأْتُونَا كانَ اللهُ قَدْ قَطَعَ عنقًا مِنَ المُشْرِكِينَ، وَإِلَّا تَرَكْنَاهُمْ مَحرُوبِينَ؟ ". قَالَ أَبُو بَكْرٍ: يَا رَسُولَ اللهِ، خَرَجْتَ عَامِدًا لهذا البَيْتِ لَا تُرِيدُ قَتْلَ أَحَدٍ وَلَا حَرْبَ أَحَدٍ، فَتَوَجَّهْ لَهُ، فَمَنْ صَدَّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ. قَالَ: "امْضُوا عَلَى اسمِ اللهِ".
الحديث الرابع بعد العشرين:
حديث الزهري عن عُرْوَةَ أيضًا، أَنَّهُ سَمِعَ مَرْوَانَ بْنَ الحَكَمِ، وَالْمِسْوَرَ بْنَ مَخْرَمَةَ يُخْبِرَانِ خَبَرًا مِنْ خَبَرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي عُمْرَةِ الحُدَيْبِيَةِ .. الحديث بطوله.
و (الحديبية) إحدى غزواته ﷺ وإحدى عمراته كما سلف.
وهو دال على أن من أحرم يمشي تطوعًا عمرة أو حجة ثم صُدَّ أنه يجزئه ولا قضاء عليه، وبه قال مالك والشافعي وخالف أبو حنيفة فيه (١)، وقد شرحنا الحديث بطوله في الصلح وأوائل الشروط، وقد أسلفنا هناك
стр. 12675
اسم العين (١).
وفيه: جواز سفر الإنسان وحده إذا مست الحاجة إلى ذلك أو كان فيه صلاح المسلمين، ولا يكون داخلاً في النهي عن السفر وحده.
فصل:
ينعطف على ما مضى: كان سبب بيعة الرضوان فيما ذكره ابن عقبة أن رسول الله ﷺ بعث بكتاب الصلح مع عثمان بن عفان، ثم أراه الله وعثمان بمكة أن يبايع المؤمنين تحت الشجرة وعلى الموت، وأراد القتال، فلبث يومًا أو ما شاء الله ولما لان بعضهم لبعض وأمن بعضهم بعضًا، فهم ينتظرون نفاذ ذلك وإمضاءه، رمى رجل من أحد الفريقين رجلاً من الآخر وكان بينهم شجار وقتال تراموا بالحجارة والنبل فتصالحا وارتهن كل واحد من الفريقين من كان عنده من الأخرين، وارتهن المشركون عثمان ومن كان معه.
وكذا ذكره في "الإكليل" عن عروة، قال موسى: وارتهن المسلمون سهيل بن عمرو ومن كان معه، فعند ذلك دعا رسول الله ﷺ إلى البيعة وأراد القتال، فبايعوا على الموت كما سلف عن سلمة بن الأكوع (٢).
وكذا ذكره أبو معشر وأنكره جابر وقال: إنما بايعناه على أن لا نفر وقد سلف. وعمر آخذ بيده.
والشجرة سمرة (٣) فلما رأت ذلك قريش رعبهم الله فأرسلوا من كان بأيديهم ودعوا إلى الموادعة.
стр. 12676
وروى البيهقي في "دلائله" أن قريشًا كانوا بعثوا سبعين رجلاً (١)، وعند الصباح اثني عشر رجلاً، وفي "أسباب الواحدي" ثمانين، رواه أنس وفي رواية عبد الله بن المغفل ثلاثين (٢). وفي "شرف المصطفى" أربعين فأخذوا أخذًا.
وفي "الدلائل" لأبي نعيم يخرج ثلاثون شابًا عليهم السلاح فدعا عليهم رسول الله ﷺ ، فأخذ الله بأبصارهم فقمنا إليهم فأخذناهم، فأتُي بهم رسول الله ﷺ ، فعفا عنهم وخلَّى سبيلهم.
وعن عروة نادى منادي رسول الله: ألا إن روح القدس نزل على رسول الله ﷺ وأمر بالبيعة، فاخرجوا على اسم الله. فبايعوا على أن لا يفروا أبدًا، فرهبهم المشركون وأرسلوا من كانوا ارتهنوا من المسلمين (٣).
وعند مقاتل في قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ﴾ [الفتح: ٢٤] قال: كان أهل مكة خرجوا يقاتلون رسول الله ﷺ عام الحديبية فهزمهم ﷺ بالطعن والنبل حتى أدخلهم بيوت مكة (٤)، وأصله في مسلم (٥).
وقال الفراء في "معانيه " نزلت في أسد وغطفان وكان (٦) مع أهل
стр. 12677
خيبر على رسول الله ﷺ فصالحوه وخلوا بينه وبين أهل خيبر (١). وهو خلاف ما عند البخاري. نزلت في بني النضير لما ضيق على أهل مكة. قال ابن هشام: وأول من بايع بيعة الرضوان أبو سنان الأسدي (٢)، قلت: لا، فقد قال الواقدي وابن حبان، وابن جرير (٣) وغيرهم: مات أبو سنان في حصار بني قريظة قبل الحديبية، قال الواقدي: وإنما هو سنان بن أبي سنان الأسدي (٤)، وفي مسلم: أول من بايع يومئذٍ سلمة بن الأكوع (٥)، وذكر أن أول من بايع ابن عمر ولم يصح كما نبه عليه أبو عمر (٦)، وسيأتي أنه بايع قبل أبيه ولم يتخلف أحد من المسلمين حضرها إلا الجد بن قيس أخا بني مسلمة فكان جابر يقول: لكأني أنظر إليه لاصقًا ناقته قد صبا إليها ليستتر بها من الناس.
فصل:
وقوله في الحديث (فإن يأتونا) إلى آخره (٧): (كان الله قد قطع عنقًا من المشركين).
قال القاضي: كذا لكافة الرواة من الإتيان ولابن السكن: باتُّونا بباء موحدة ومثناة فوق مشددة من البتات بمعنى: قاطعونا بإظهار المحاربة، والأول أظهر هنا (٨).
стр. 12678
قوله: (عنقًا) قال الخليل: جاء القوم عنقًا عنقًا أي: طوائف (١)، والأعناق الرؤساء وفي نسخة: (عينًا).
فصل:
قال ابن دريد: الأحابيش حلفاء قريش، تحالفوا تحت جبل يسمى حبشي فسموا الأحابيش (٢)، وقال الخليل: هم أحياء من القارة انضموا إلى بني ليث في الحرب التي وقعت بنيهم وبين قريش قبل الإسلام، فلما سميت تلك الأحياء بالأحابيش من قبل سمعها، صار التحبيش في الكلام كالتجميع (٣).
وقال يعقوب: الحباشة: الجماعة، يقال: تحبش بنو فلان على بني فلان، أي: تجمعوا، وقال الزبير: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة وحلفاؤهم عضل وديش ابنا ينبع بن الهون بن خزيمة والجنا والمصطلق وهما بطنان من خزاعة، فسمت هذِه البطون الأحابيش. وقال الداودي: الأحابيش: قبائل الحبش. وقال ابن فارس: هم جماعات تجتمع من قبائل شتى (٤)، واحده أحبوش وهو الوجه.
وقوله: (محروبين) أي: مسلوبين. والحرب بفتح الراء مصدر حرب ماله. أي: سلبه، وكأنهم سلبوا أموالهم وأهليهم.
فصل:
قوله: (وامتعضوا) أصله انمعضوا أدغمت النون في الميم وهو في الأصل بالظاء وهو عند أهل اللغة بالضاد المعجمة، يقال: امعض الرجل
стр. 12679
من الأمر إذا شق عليه، وكذلك معض مثله. وامتعض، وقد سلف في الشروط وغيره أوضح من هذا.
فصل:
وكانت أم كلثوم بنت حفصة فيمن هاجر إلى رسول الله ﷺ وهي عاتق، أي: أدركت فخدرت وهي بين البالغة والعانس، وقال الأصمعي: فوق المعصر، وقيل: التي لم تزوج، وقال الخليل: الشابة (١). وقيل: من أشرفت على البلوغ، وقد سلف واضحا في أبواب العيد ومختصرًا في أول الشروط.
فصل:
قول عائشة ﵂ كان ﷺ يمتحن من هاجر من المؤمنات بهذِه الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠]، قد سلف في الشروط (٢).
وادعى ابن التين أن الآية: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ﴾ [الممتحنة: ١٢] تجوز رد أبي جندل إلى أبيه؛ لأنه كان يأمن عليه القتل قاله الخطابي (٣).
فصل: في فوائده:
في الحديث دلالة على أن للإمام أن يعقد الصلح على ما يراه صلاحا للمسلمين، وإن كان يظهر في بادئ الرأي أن فيه ما ظاهره انهضام الحق؛ لأنه ﷺ محا اسمه وعاقدهم على ردِّ من جاء منهم إلينا ومنا إليهم، ومذهب مالك -كما قال المازري: أن الإمام إذا
стр. 12680
عاقد على الرد إن جاء مسلمًا ينفذ عقده في الرجال دون النساء.
وفيه أيضًا: مصالحة المشركين على غير مال يؤخذ منهم، وذلك جائز إذا كان بالمسلمين ضعف، واختلف هل يجوز صلحهم إلى أكثر من عشر سنين، فقال بعضهم: إذا رآه الإمام، وقالت طائفة: لا يجاوز ذلك لما في أبي داود أنهم اصطلحوا على وضع الحرب عشر سنين (١)، وفي غيره سنتين، ذكره ابن عقبة وغيره.
وفيه أيضًا: الصلح على رد المسلم إلى دار الكفر، وهو منسوخ عند أبي حنيفة بحديث سرية خالد حين وجهه ﷺ إلى خثعم وفيهم ناس مسلمون واعتصموا بالسجود فقتلهم خالد فوداهم رسول الله ﷺ نصف الدية وقال: "أنا بريء من مسلم أقام بين مشركين" (٢) وقال فقهاء الحجاز: هو جائز ولكن للإمام الأعظم لا لمن دونه.
وفيه أيضًا: نسخ السنة بالقرآن على أحد القولين: فإن هذا العهد كان يقتضي ألا يأتيه مسلم إلا رده، فنسخ الله ذلك في النساء خاصة حيث قال: ﴿فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾ الممتحنة: ١٠] عملاً بقوله: لا يأتيك منا أحد. وهو متضمن النساء أيضًا، وإن وردت في رواية
стр. 12681
أخرى للبخاري سلفت (رجل) مكان (أحد) (١)، والأحسن أن يقال: إنه تخصيص لا نسخ على أن بعض حذاق الأصوليين قد قال: في العموم إذا عمل بمقتضاه في عصره ﷺ واعتقد فيه العموم ثم خص فهو نسخ، ولا بأس به.
وقالت طائفة: إنما استجاز رد المسلمين إليهم في هذا الصلح؛ لقوله ﷺ : "الا تدعوني قريش إلى خطة يعظمون فيها الحرم إلا أجبتهم" وفي رد المسلم إلى مكة عمارة للبيت وزيادة خير له في الصلاة فيه والطواف به، فكان هذا من تعظيم حرمات الله، فعلى هذا يكون الحكم خاصًّا بمكة والشارع، ويكون غير جائز لمن بعده، قاله العراقيون.
قلت: رده في تلك الحال لا يتأتى بعدما ذكر؛ لأنه مقهور مأسور. وقد سلف أوضح من هذا في الشروط. وقال أبو زيد بن الحنفية: هو عند أهل العلم مخصوص بنساء أهل العهد والصلح.
وْكان الامتحان أن يستحلف المرأة المهاجرة أنها ما خرجت ناشزًا ولا هاجرت إلا لله ولرسوله، فإذا حلفت لم ترد، ورد صداقها إلى بعلها، وإن كانت من غير أهل العهد لم تستحلف ولم يرد صداقها.
فصل:
روي في رواية: "وإن بيننا وبينكم عيبة مكفوفة وأن لا إسلال ولا إغلال" (٢) يريد بالعيبة صدورًا منطوية على ما فيها لا تبدي عداوة. وضرب العيبة مثلاً، ومثله الحديث: "الأنصاركرشي
стр. 12682
وعيبتي" (١) أي: موضع سري. والإغلال: الجناية. والإسلال: السرقة والخلسة ونحوها، وهي السلة. وفي المثل: الخلة تدعو إلى السلة.
الحديث الخامس بعد العشرين:
حديث نَافِع، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ ﵄ خَرَجَ مُعْتَمِرًا فِي الفِتْنَةِ، فَقَالَ: إِن صُدِدْتُ عَنِ البَيْتِ صَنَعْنَا كَمَا صَنَعْنَا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ . فَأَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مِنْ أَجْلِ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كانَ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ عَامَ الحُدَيْبِيَةِ.
ثم ساق عنه: أَنَّهُ أَهَلَّ وَقَالَ: إِنْ حِيلَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فعلت كَمَا فَعَلَ رسول الله ﷺ حِينَ حَالَتْ كُفَارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وبينه. وَتَلَا: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ [الأحزاب: ٢١].
ثم ساق عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عُبَيْدَ اللهِ بْنَ عَبْدِ اللهِ وَسَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللهِ أَخْبَرَاهُ أَنَّهُمَا كَلَّمَا عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ.
ثم ساق عن نَافِعٍ، أَنَّ بَعْضَ بَنِي عَبْدِ اللهِ قَالَ لَهُ: لَوْ أَقَمْتَ العَامَ، فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ لَا تَصِلَ إِلَى البَيْتِ. قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ . ثم ذكر أنه اعتمر ثم أوجب حجة معها.
هذا سبق في الحج في باب: إذا أحصر المعتمر (٢).
وإنما فعل عبد الله بن عمر ذلك أولاً؛ لأنه غلب على ظنه أنهم لا يصدوه، ولو قلت: وأحرم على ذلك لم يحله إلا البيت كما قاله عبد الملك من المالكية، وابن عمر كان اعتزلهم، فلذلك كان الغالب أن لا يصدوه.
стр. 12683
وتقصير أصحاب رسول الله ﷺ دال على الحسن في إيجابه الحلق في أول حجة حجها.
الحديث السادس بعد العشرين:
حديث صَخْرٍ -هو ابن جويرية- عَنْ نَافِعٍ قَالَ: إِنَّ النَّاسَ يَتَحَدَّثُونَ أَنَّ ابن عُمَرَ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، ولكن عُمَرُ يَوْمَ الحُدَيْبِيَةِ أَرْسَلَ عَبْدَ اللهِ إِلَى فَرَسٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ يَأْتِي بِهِ لِيُقَاتِلَ عَلَيْهِ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُبَايعُ عِنْدَ الشَّجَرَةِ، وَعُمَرُ لَا يَدْرِي بِذَلِكَ، فَبَايَعَهُ عَبْدُ اللهِ، ثمَّ ذَهَبَ إِلَى الفَرَسِ فَجَاءَ بِهِ إِلَى عُمَرَ، وَعُمَرُ يَسْتَلْئِمُ لِلْقِتَالِ، فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ -يُبَايعُ تَحْتَ الشَّجَرَةِ قَالَ: فَانْطَلَقَ فَذهَبَ مَعَهُ حَتَّى بَايَعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ ، فَهِيَ التِي يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ ابن عُمَرَ أَسْلَمَ قَبْلَ عُمَرَ.
وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ: ثَنَا الوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، ثَنَا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ العُمَرِيُّ، أَخْبَرَنِي نَافِعٌ، عَنِ ابن عُمَرَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ، فَقَالَ لي: يَا عَبْدَ اللهِ، انْظُرْ مَا شَانُ النَّاسِ قَدْ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللهِ ﷺ . فَوَجَدَهُمْ يُبَايِعُونَ، فَبَايَعَ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى عُمَرَ، فَخَرَجَ فَبَايَعَ.
هذِه المتابعة أخرجها البيهقي في "دلائله" من طريق نعيم: حدثني الوليد، فذكره. قال ابن التين لما ذكر الرواية الأولى: وهذِه وهذا اختلاف. ولم يسند نافع إلى ابن عمر في شيء من الروايتين، وذكر أن ذلك إنما كان حين قدم رسول الله ﷺ إلى المدينة مهاجرًا فبايع، فمر به ابن عمر وهو يبايع فبايع، ثم رجع إلى أبيه فأخبره، فمضى وبايع، وأسلم عمر وعبد الله ابن خمس سنين.
وقوله: (وعمر يستلئم للقتال) أي: يلبس اللأمة، وهي الدرع.
يقال: استلأم الرجل مهموز إذا لبس لأمته.
стр. 12684
ومعنى: (محدقون به): محيطون، يقال: حدق القوم بالرجل وأحدقوا.
الحديث السابع بعد العشرين:
حديث عَبْدِ اللهِ بْنَ أَبِي أَوْفَى ﵄ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ حِينَ اعْتَمَرَ فَطَافَ فَطُفْنَا مَعَهُ، وَصَلَّى وَصَلَّيْنَا مَعَهُ، وَسَعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَكُنَّا نَسْتُرُهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ؛ لَا يُصِيبُهُ أَحَد بِشَيْءٍ.
كان ذلك في عام القضية سنة سبع بعد الحديبية بسنة، كما قاله ابن التين.
الحديث الثامن بعد العشرين:
حديث أبي حصين -وهو عثمان بن عاصم بن حصين الأسدي الكوفي- قال: قال أبو وائل- وهو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي-: لَمَّا قَدِمَ سَهْلُ بْنُ حُنَيْفٍ مِنْ صِفِّينَ أَتَيْنَاهُ نَسْتَخْبِرُهُ، فَقَالَ: اتَّهِمُوا الرَّأْيَ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنِي يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ وَلَوْ استطعت أَنْ أَرُدَّ عَلى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَمْرَهُ لَرَدَدْتُ، والله وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، وَمَا وَضَعْنَا أَسْيَافَنَا عَلى عَوَاتِقِنَا لأَمْرٍ يُفْظِعُنَا إِلَّا أَسْهَلْنَ بِنَا إِلَى أَمْرٍ نَعْرِفُهُ قَبْلَ هذا الأَمْرِ، مَا نَسُدُّ مِنْهَا خُصْمًا إِلَّا انْفَجَرَ عَلَيْنَا خُصْمٌ لا نَدْرِي كَيْفَ نَأْتِي لَهُ.
معنى (نستخبره) أي: نسأله ما فعل علي ومعاوية.
وقوله: (اتهموا الرأي) كان أكثر الناس فرقتين، تأول كل فرقة أنها مصيبة تدعو إلى شيء يجب لها أن تقاتل عنه، وتخلف عن الدخول في ذلك سعد وسعيد وابن عمر وأسامة، ولم يتبين لهم أن إحدى الطائفتين باغية، فرجعوا عليها، وإلى ذلك أشار سهل فقال: اتهموا الرأي، فإنه ربما التبس. وذكر شأن المدينة، يريد: سلَّموا الأمر إلى الله؛ لأن عواقب الأمور قد تخرج إلى ما لا يبدو في أول الأمر.
стр. 12685
وقوله: (وما وضعنا أسيافنا على عواتقنا) يريد: البأس والقوة، والعاتقان من المرء ما بين المنكبين إلى العنق.
وقوله: (الأمر يفظعنا) كذا هو بالظاء، وذكر ابن التين بالضاد، ثم قال: أي هو أمر مهول قال: وضبط في بعض الكتب بضم الياء، وفي بعضها بفتحها، جعله ثلاثيًّا، إلا أنه في سائر الروايات بالضاد.
قال ابن فارس: أفظع الأمر وفظع: اشتد، ذكره في باب الفاء مع الظاء (١).
وقوله: (إلا أسهلن بنا) أي: استمر بنا إلى أمر نعرفه قبل هذا الأمر. قال الداودي: يعني: ما كان من قتال أهل الردة، أنهم كانوا على بصيرة حتى بين لهم أبو بكر ﵁، وقيل: معنى أسهل بنا: أفضى بنا إلى سهولة.
والخصم -بضم الخاء، وسكون الصاد-: جانب العدل الذي فيه العروة، وقيل: جانب كل شيء خصمه، ويجمع على أخصام. ومنه قيل للخصمين: خصمان؛ لأن كل واحد منهما يأخذ في ناحية من الدعوى غير ناحية صاحبه، وأصله خصم القربة، ولهذا استعاروه هنا مع ذكر الانفجار كما ينفجر الماء من نواحي القربة. وكان قول سهل هذِه المقالة يوم صفين لما حكم الحكمان. وقيل: الخصم: الحبل الذي تشد به الأحمال. أي: ما نلفق منه حبلاً إلا انقطع اخر. قال أبو نصر: يقال للمتاع إذا وقع في جانب الوعاء أو من خُرْجٍ أو جُوالق أو عَيبةٍ: قد وقع في خُصم الوعاء وفي (زاوية الوعاء) (٢) وخَصْم كل
стр. 12686
شيء: جانبه وناحيته (١). شبه ما فيه من انتهام الأمر عليهم بمن جعل متاعًا في وعاء انقتق جانب منه فبينا هو يصلحه انفتق جانب آخر.
الحديث: التاسع والعشرون:
حديث كعب بن عجرة السالف في الباب: أَتَى عَلَيَّ رسول الله ﷺ . وفيه: "فَاحْلِقْ وَصُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ، أَوْ أَطْعِمْ سِتَّةَ مَسَاكينَ، أَوِ أنْسُكْ نَسِيكَةً". قَالَ أَيُّوبُ: لَا أَدْرِي بِأَيِّ هذا بَدَأَ.
ئم ساقه عنه أيضًا: كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَنَحْنُ مُحْرِمُونَ، وَقَدْ حَصرَنَا المُشْرِكُونَ وَكَانَتْ لِي وَفْرةٌ .. الحديث.
ولو ساق الكل مثله هناك كان أولى.
وقوله: (وقد حصرنا المشركون) يدل على أنه عنده، يقال: حصره العدو بخلاف المرض، فإنه يقال: أحصره وحكي عن بعض أهل اللغة، وبه قال مالك (٢). وقال أشهب: حصره العدو. فائدة الخلاف إيجاب الهدي على المحصر فمالك يقول: لا شيء عليه (٣). وأشهب وأبو حنيفة والشافعي يقولون عليه لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ [البقرة: ١٩٦] والإحصار عندهم يقاتلون من العدو ومن المرض حصر (٤).
وقوله: (وكانت لي وفرة) فيه جواز اتخاذها، والوفرة: من الشعر إلى شحمة الأذن.
стр. 12687
فصل:
كان خروجه ﷺ في هذِه الغزوة لزيارة البيت، وساق معه الهدي سبعين بدنة كما سلف، وأحرم بالعمرة كما سلف، وكان الناس سبعمائة رجل، فكانت كل بدنة عن عشرة نفر. وقال ابن عقبة عن جابر: عن كل سبعة بدنة. وقد سلف قدر عددهم واضحًا.
وحانت صلاة الظهر فصلى بأصحابه صلاة الخوف كما ذكر ابن سعد (١)، وأقام بها شهرًا ونصفًا على ما ذكر ابن عائذ. وقال ابن سعد: بضعة عشر يومًا. ويقال: عشرين ليلة (٢). قال: ولما حلقوا بالحديبية بعث الله ريحًا عاصفًا فاحتملت أشعارهم فألقتها في الحرم. قال: وفي هذِه نادى منادي رسول الله ﷺ : "ألا صلوا في الرحال" (٣).
و (عُرينة) -بضم أوله- بن النذير بن قسر، واسمه مالك، بطن من بجيلة.
ثم ساق البخاري حديث قَتَادَةَ: أَنَّ أَنَسًا حَدَّثَهُمْ أَنَّ نَاسًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ قَدِمُوا المَدِينَةَ .. فذكر الحديث بطوله.
وسلف في الطهارة والجهاد والزكاة أيضًا (١)، أخرجه هنا من حديث سعيد، عن قتادة، عن أنس كما ذكرناه. وروي بعده: من عرينة. وروي أيضًا: من عكل. كل واحد بمفرده.
ومعنى (استوخموا): لم يوافقهم. قال ابن فارس: الوَخم: الوبي من الشيء. واستوخمت البلد، وبلد وخم ووخيم إذا لم يوافق ساكنه. ورجل وخم ووخيم. أي: ثقيل. واشتقاق التخمة منه (٢).
والذود من الثلاثة إلى العشرة. وقال الداودي: والقطيع من الإبل. وقيل للواحد: ذود.
والحرة: أرض بركتها حجارة سود.
وقوله: (فسمروا في أعينهم) أي: أحموا المسامير ففقئوا بها أعينهم.
وقول قتادة في النهي عن المثلة، كأنه ذهب إلى أن المحارب لا يمثل به، وهي في القرآن في آية المحاربة. والنهي عن المثلة إذا كانت عيناء أو في حق من وجب له قبل فلا يمثل. والمثلة عند ابن فارس إذا جدع
стр. 12690
القتيل (١). وقال الهروي (المثلاث) [الرعد: ٦]: العقوبات، فمن قال في الواحد مثلة قال في الجمع المثلات. ومن قال: مثلة قال: مثلات ومثلات. قيل: إنما مثل بهم؛ لأنهم فعلوا مثل ذلك.
وأبو رجاء مولى أبي قلابة اسمه سلمان.
стр. 12691
٣٧ - باب غَزْوَةُ ذَاتِ قَرَد
وَهْيَ الْغَزْوَةُ الَّتِي أَغَارُوا عَلَى لِقَاحِ النَّبِيِّ ﷺ قَبْلَ خَيْبَر بِثَلَاثٍ.
٤١٩٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا حَاتِمٌ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي عُبَيْدٍ قَالَ: سَمِعْتُ سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ يَقُول: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى، وَكَانَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ قَالَ: فَلَقِيَنِي غُلَامٌ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، فَقَالَ: أُخِذَتْ لِقَاحُ رَسُولِ اللهِ ﷺ قُلْتُ: مَنْ أَخَذَهَا قَالَ: غَطَفَانُ. قَالَ فَصَرَخْتُ ثَلَاثَ صَرَخَاتٍ: يَا صَبَاحَاهْ قَالَ: فَأَسْمَعْتُ مَا بَيْنَ لَابَتَىِ الْمَدِينَةِ، ثُمَّ انْدَفَعْتُ عَلَى وَجْهِي حَتَّى أَدْرَكْتُهُمْ وَقَدْ أَخَذُوا يَسْتَقُونَ مِنَ الْمَاءِ، فَجَعَلْتُ أَرْمِيهِمْ بِنَبْلِي، وَكُنْتُ رَامِيًا، وَأَقُولُ:
أَنَا ابْنُ الأَكْوَعْ … الْيَوْمُ يَوْمُ الرُّضَّعْ
وَأَرْتَجِزُ حَتَّى اسْتَنْقَذْتُ اللِّقَاحَ مِنْهُمْ، وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً. قَالَ: وَجَاءَ النَّبِيُّ ﷺ وَالنَّاسُ، فَقُلْتُ: يَا نَبِيَّ اللهِ، قَدْ حَمَيْتُ الْقَوْمَ الْمَاءَ وَهُمْ عِطَاشٌ، فَابْعَثْ إِلَيْهِمُ السَّاعَةَ. فَقَال: "يَا ابْنَ الأَكْوَعِ مَلَكْتَ فَأَسْجِحْ". قَالَ: ثُمَّ رَجَعْنَا، وَيُرْدِفُنِي رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى نَاقَتِهِ حَتَّى دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ. [انظر: ٣٠٤١ - مسلم: ١٨٠٦ - فتح: ٧/ ٤٦٠]
الشرح:
(قرد) بفتح القاف والراء، كذا صوبه الداودي، وقال الحازمي: إنه الذي يقوله أهل الحديث. وحكى السهيلي عن أبي علي الضم فيهما (١)، وربما وجد مضبوطًا بضم القاف وفتح الراء.
والقرد في اللغة: الصوف الرديء خاصة. قال ابن سيده: وقيل: هو ما يسقط من الوبر والصوف (٢)، وهو ماء في شعب يقال له: ذو قرد،
стр. 12692
على مسيرة ليلتين من المدينة بينها وبين خيبر على طريق الشام. وعبارة القزاز وغيره: هي موضع، وتسمى غزوة الغابة، وكانت في ربيع الأول سنة ستٍّ كما قاله ابن سعد (١). وادعى القرطبي أنها في جمادى الأولى (٢). واللقاح واللقح واحدها: لقحة بكسر اللام، وهي الناقة لها لبن.
وقال ابن السكيت: واحدتها لَقُوح ولِقْحَة. وقيل: لُقْحَة ولِقْحَة، والجمع: لُقَح ولِقَح.
وقوله: (قبل خيبر بثلاث) مما غلط فيه، وأنه قبلها بسنة، فإنها في جمادى الَاخرة سنة سبع -أعني: خيبر- نعم في مسلم من حديث سلمة بن الأكوع لما ذكر غزوة ذي قرد: فما لبثنا إلا ثلاث ليال حتى خرجنا إلى خيبر (٣). لكن أهل السير على خلافه. وادعى القرطبي أن بعدها بني المصطلق في شعبان، ثم عمرة الحديبية في ذي القعدة، ثم رجع إلى المدينة فأقام بها ذا الحجة وبعض المحرم، وخرج في بقيته إلى خيبر، قال: كما صرح به أبو عمر (٤) وغيره ولا يكادون يختلفون في ذلك، ونسب ما وقع في الحديث إلى وهم بعض الرواة، ويحتمل أن يكون أغزى سرية فيهم سلمة إلى خيبر قبل فتحها، فأخبر سلمة عن نفسه، و (عمن) (٥) خرج معه يبين ذلك أن ابن إسحاق ذكر أنه ﷺ أغزى إليها عبد الله بن رواحة قبل فتحها مرتين (٦).
стр. 12693
وروى يونس بن بكير، عن ابن إسحاق أن غزوة بني لحيان كانت في شعبان سنة ستٍّ وأنه ﵇ لما رجع منها إلى المدينة لم يقم بها إلا ليالي حتى أغار عيينة بن حصن على لقاح رسول الله ﷺ في أربعين فارسًا قبل قصة عيينة لستة أشهر. ولما ذكر الحاكم غزوة ذي قرد قال: هذِه الغزوة الثالثة لذي قرد، فإن الأولى سرية زيد بن حارثة في جمادى الآخرة على رأس ثمانية وعشرين شهرًا من الهجرة، والثانية خرج فيها بنفسه إلى بني فزارة، وهي على رأس تسعة وأربعين شهرًا من الهجرة، وهذِه الثالثة كانت في سنة ست. وعند ابن سعد: كانت لقاح رسول الله ﷺ بالغابة عشرين لقحة، وكان أبو ذر فيها، وأغار عليهم عبد الرحمن بن عيينة (١). وعند البلاذري كان المغير يومئذ عبد الله بن عيينة بن حصن. قال الواقدي: والثبت عندنا أنه ﷺ أقر على هذِه السرية سعيد بن زيد الأشهلي، وكان المسلمون خمسمائة، ويقال: سبعمائة (٢).
ثم ذكر البخاري حديث سَلَمَةَ بْنَ الأَكْوَعِ قال: خَرَجْتُ قَبْلَ أَنْ يُؤَذَّنَ بِالأُولَى، وَكَانَ لِقَاحُ النبي ﷺ تَرْعَى بِذِي قَرَدٍ .. الحديث بطوله.
وقد سلف في الجهاد في باب من رأى العدو فنادى بأعلى صوته: يا صباحاه.
يذكر القصة بطولها (٣). وزاد هنا: ثم رجعنا ويردفني رسول الله ﷺ على ناقته حتى دخلنا المدينة. ولما ذكر ابن التين مقالة البخاري السالفة قال: ذكر الشيخ أبو محمد أنه ﷺ خرج في طلب اللقاح في شعبان من السنة الثانية حتى بلغ ينبع فرجع باللقاح، ثم قال: وهذا اختلاف، ولم
стр. 12694
يرد على ذلك وهو عجيب منه. ورضع جمع راضع، كراكع وركَّع. وغطفان: قبيلة من العرب. والصراخ: رفع الصوت.
وقوله: (اليوم يوم الرضع) وجاء في غير هذا الموضع: خذها وأنا ابن الأكوع (١). وهي كلمة يقولها الرامي عندما تصيب رميته فرحًا. وكان ابن عمر إذا رمى وأصاب يقول: خذها وأنا أبو عبد الرحمن. ويقول: أنا بها، أنا بها.
فائدة:
اسم الأكوع: سنان، قال السهيلي: قيل: هو الذي كلمه الذئب. وقيل: هو أهبان بن صيفي (٢) كما سلف.
أخرى: ذكر ابن سعد أنه نودي: يا خيل الله اركبي، وأنه أول ما نودي بها (٣)، لكن روى ابن عائذ من طريق قتادة النداء بذلك في بني قريظة (٤)، وهي قبل هذِه.
ثالثة: صلى ﷺ بذي قرد صلاة الخوف أيضًا.
فصل:
ذكر ابن سعد أن سرية سعيد بن زيد إلى العرنيين في شوال سنة ست (٥).
عَلَى أَبي بَكْرٍ، وَلَا إِنْكَارًا لِلَّذِي فَضَّلَهُ اللهُ بِهِ، وَلَكِنَّا كُنَّا نَرى لَنَا فِي هذا الأمرِ نَصِيبًا، فَاسْتَبَدًّ عَلَيْنَا، فَوَجَدْنَا فِي أَنْفُسِنَا. فَسُرَّ بِذَلِكَ المسْلِمُونَ وَقَالُوا: أَصَبْتَ. وَكَانَ الُمسْلِمُونَ إِلَى عَليٍّ قَرِيبًا حِينَ رَاجَعَ الأمرَ الَمعْرُوفَ. [انظر: ٣٠٩٢، ٣٠٩٣ - مسلم: ١٧٥٩ - فتح: ٧/ ٤٩٣]
٤٢٤٢ - حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا حَرَمِيٌّ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُمَارَةُ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: وَلَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ قُلْنَا: الآنَ نَشْبَعُ مِنَ التَّمْرِ. [فتح: ٧/ ٤٩٥]
٤٢٤٣ - حَدَّثَنَا الْحَسَنُ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ حَبِيبٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ أَبِيه، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: مَا شَبِعْنَا حَتَّى فَتَحْنَا خَيْبَرَ. [فتح: ٧/ ٤٩٥]
كانت هذِه الغزوة في جمادى الأولى سنة سبع، وأبعد من قال: إنها في سنة ست، وهي على ثمانية برد من المدينة، وفرق فيها الرايات، ولم تكن الرايات إلا يوم خيبر، إنما كانت الألوية، فكانت رايته السوداء من برد لعائشة تدعى العقاب ولواؤه أبيض، ودفعه إلى علي، وراية إلى الحباب بن المنذر، وراية إلى سعد بن عبادة، وكان شعارهم: يا منصور أمت.
ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث نحو الثلاثين:
أحدها:
حديث بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ -بضم أوله- أَنَّ سُوَيْدَ بْنَ النُّعْمَانِ أَخْبَرَهُ، أَنَّهُ خَرَجَ مَعَ رسول الله ﷺ عَامَ خَيْبَرَ، حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالصَّهْبَاءِ -وَهْيَ مِنْ أَدْنَى خَيْبَرَ- صَلَّى العَصْرَ، ثُمَّ دَعَا بِالأَزْوَادِ فَلَمْ يُؤْتَ إِلَّا بِالسَّوِيقِ، فَأَمَرَ بِهِ فَثُرِّيَ، فَأَكَلَ وَأَكَلْنَا، ثُمَّ قَامَ إِلَى المَغْرِبِ، فَمَضْمَضَ وَمَضْمَضنَا، ثُمَّ صَلَّى وَلَمْ يَتَوَضَّأْ.
стр. 12708
وهذا الحديث سلف في الطهارة بالإسناد المذكور والمتن، فراجعه (١).
وفيه: جواز الشركة في الأزواد.
ومعنى (ثري): بلَّ بالماء.
وقوله: (ولم يتوضأ) قيل: المراد غسل اليدين والأصح الشرعي، ثم نسخ كما سلف هناك.
ثانيها: حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ رسول الله ﷺ إِلَى
خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلاً، فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ القَوْمِ: يَا عَامِرُ أَلَا تُسْمِعُنَا، مِنْ
هُنَيْهَاتِكَ. وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلاً شَاعِرًا، فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ:
اللَّهُمَّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا … وَلَا تَصَدَّقْنَا وَلَا صَلَّيْنَا
فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا أَبْقَيْنَا … وَثَبِّتِ الأَقْدَامَ إِنْ لَاقَيْنَا
وَأَلْقِيَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا … إِنَّا إِذَا صيحَ بِنَا أَبَيْنَا
وَبِالصِّيَاحِ عَوَّلُوا عَلَيْنَا
فَقَالَ ﷺ : "مَنْ هذا السَّائِق؟ " وساق الحديث في فتح خيبر، وإلقاء لحوم الحمر الأهلية، وعود سيفه عليه فمات.
الشرح:
قوله: (من هنيهاتك) أي: من أراجيزك، وهو تصغير هنة أنثها بنية الأرجوزة أو الكلمة أو نحوها، وجعل أصلها الهنا كما قال قوم: تصغير السنة سهنة وتمد سُنيها، وقيل في تصغيرهما: هنية وسنية.
قال السهيلي: وهو كناية عن كل شيء لا يعرف اسمه أو يعرفه فكنى عنه أراد أن يحدو بهم، والإبل تستحث بالحداء، ولا يكون الحداء
стр. 12709
إلا شعرًا، وأول من سن حداء الإبل مضر بن نزار لما سقط عن بعيره، فكسرت يده، فبقي يقول: وا يداه، وا يداه.
والرجز شعر وإن لم يكن قريضًا، وقد قيل ليس بشعر وإنما هو أشطار أبيات، وأما الرجز الذي هو شعر سداسي الأجزاء نحو مقصورة ابن دريد، ورباعي الأجزاء نحو قوله:
يا مر يا خير أخ … نازعت در الحلمة (١)
وقوله: (وكان عامر رجلاً شاعرًا).
عامر هذا هو ابن الأكوع أخو سلمة بن الأكوع، كما صرح به مسلم في "صحيحه" (٢) وكذا صرح به ابن سعد وغيره (٣)، وعند ابن إسحاق عامر عم سلمة (٤). ووقع في "الروض" أن ابن إسحاق قال: قال ﷺ لسلمة بن الأكوع: "أسمعنا من هنياتك" (٥)، والموجود عند ابن إسحاق ما سلف.
وقوله: (يحدو) أي: يزجر الإبل ويغني لها.
وقوله: (فاغفر فداء) هو بفتح الفاء وكسرها، فإذا كسرت مددت، وإذا فتحت قصرت، لكن هنا مع الكسر تقصر للضرورة، والفتح على الأصل، قيل: الخطاب لرسول الله ﷺ ، أي: اغفر لنا تقصيرنا في حقك وطاعتك، إذ لا يتصور أن يقال مثل هذا الكلام لله تعالى.
стр. 12710
قال المازري: وفي بعض الروايات: فاغفر لذا بذال ولا اعتراض عليها؛ لأن الرب لا يخاطب بالفداء؛ لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله لبعض الأشخاص، ولعله وقع من غير قصد لمعناه ( … ) (١) يداه، أو يكون من ضروب الاستعارة؛ لأن الفادي لغيره قد بالغ في رضا المفدى حتى بذل نفسه في محابه أو يكون المراد رجلاً يخاطبه، وقطع بذلك بين الفعل والمفعول، كأنه يقول: فاغفر، ثم عاد إلى رجل ينبهه، فقال: فداء لك، ثم عاد إلى الأول، فقال: ما أبقينا. وفيه تعسف.
وقوله: (ما أبقينا). كذا في الأصول، أي: ما خلفنا مما اكتسبنا، أو يكون معناه: ما أبقينا من الذنوب، فعلم تحقق التوبة منه كما ينبغي، ويروى: اقتفينا. أي: ما تتبعنا من الخطايا من قفوت الأمر واقتفيته، وفي التنزيل: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ [لإسراء: ٣٦] ويروى: ما اتقينا.
وقوله: (وبالصياح عولوا علينا). أي: أجلبوا علينا بالصوت مأخوذ من العويل، يقال: أعولت القوس: إذا صوتت، وهذا قول الخطابي (٢).
قال ابن التين: الظاهر أنه مأخوذ من التعويل، أي: استعانوا علينا بالصياح، يقال: عولت بفلان وعليه: إذا استعنت به. قلت: وفي كتاب "العين" عولت بكذا: استعنت به (٣).
وقولهم: (لولا أمتعتنا به). وأصل التمتع التعمير، ومنه متع النهار إذا طال، وقيل: معنى أمتعتنا به: نفعتنا به، ومنه أمتعني الله بك، أي: نفعني. والمخمصة: المجاعة.