الأربعة أخماس في من يزيد، فباعها فروة، وقسم ذلك بين أصحابه، فكان الذي ولي إحصاء الناس زيد بن ثابت، وكانوا ألفًا وأربعمائة والخيل مائتي فرس، وكانت السهمان على ثمانية عشر سهمًا لكل مائة سهم وللخيل أربعمائة سهم، فكان الخمس الذي صار لرسول الله ﷺ يعطي منه على ما أراه الله من السلاح والكسوة.
قال: وأعطى منه أهل بيته من بني المطلب والأيتام والسُّؤَّال، وأطعم من الكتيبة نساءه وبني عبد المطلب وغيرهم (١).
وفي "شرف المصطفى" أنه ﷺ عرب العربي وهجن الهجين يوم خيبر فأسهم للعربي سهمين وللهجين سهمًا، وقاد ﷺ يومئذ ثلاثة أفراس لزاز والسكب والظرب، وقاد الزبير أفراسًا.
وروى البلاذري من حديث الكلبي عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: قسمت خيبر على ألف وخمسمائة سهم وثمانين سهمًا؛ لأنهم كانوا ألفًا وخمسمائة وثمانين رجلاً، لذين شهدوا الحديبية منهم ألفٌ وخمسمائة وأربعون رجلاً، والذين كانوا مع جعفر بالحبشة أربعون رجلاً (٢). وهو غريب، فإن ابن إسحاق وغيره ذكروا أن أهل السفينتين (٣) كانوا ستة عشر رجلاً (٤)، وأن قومًا منهم قدموا قبل ذلك بنحو سنتين وليس لهم مدخلٌ في هذا.
стр. 12742
وللحاكم في "مستدركه" من حديث ابن أبي سبرة، عن فطر الحارثي خرج رسول الله ﷺ بعشرة من يهود المدينة إلى خيبر، فأسهم لهم كسهمان المسلمين، ومعه أيضًا عشرون امرأة فأخذ الخمس ولم يسهم لهن.
ولأبي عبيد في "أمواله" أنه ﷺ قسمها أثلاثًا إلا ثلاثًا السلالم والوطيح والكتيبة فإنه تركها لنوائب المسلمين (١)، وللسهيلي: لما قسمها أخرج الخمس لله ولرسوله ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل (٢).
стр. 12743
٣٩ - باب اسْتِعْمَالُ النَّبِيِّ ﷺ عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ
٤٢٤٤ و ٤٢٤٥ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ: قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً عَلَى خَيْبَرَ، فَجَاءَهُ بِتَمْرٍ جَنِيبٍ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "كُلُّ تَمْرِ خَيْبَرَ هَكَذَا؟ ". فَقَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّا لَنَأْخُذُ الصَّاعَ مِنْ هَذَا بِالصَّاعَيْنِ وَالصَّاعَيْنِ بِالثَّلَاثَةِ. فَقَالَ: "لَا تَفْعَلْ، بِعِ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ، ثُمَّ ابْتَعْ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا". [انظر: ٢٢٠١، ٢٢٠٢ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٧/ ٤٩٦]
٤٢٤٦، ٤٢٤٧ - وَقَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ سَعِيدٍ، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيٍّ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى خَيْبَرَ فَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا.
وَعَنْ عَبْدِ الْمَجِيدِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ. [انظر: ٢٢٠١، ٢٢٠٢ - مسلم: ١٥٩٣ - فتح: ٧/ ٤٩٦]
ذكر فيه حديث مالك، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ بْنِ سُهَيْلٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ﵄ أَنه ﵇ اسْتَعْمَلَ رَجُلاً .. وذكر قصة التمر الجنيب.
وقد سلف في البيوع في باب: إذا أراد بيع تمر بتمر خير منه.
ثم قال: وَقَالَ عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَبْدِ المَجِيدِ، عَنْ سَعِيدٍ بن المسيب، أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَاهُ أَنَّه ﵇ بَعَثَ أَخَا بَنِي عَدِيَّ مِنَ الأَنْصَارِ إِلَى خَيْبَرَ فَأَمَّرَهُ عَلَيْهَا.
وَعَنْ عَبْدِ المَجِيدِ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ مِثْلَهُ.
وقد أسلفنا هناك اسم الذي استعمله وأنه سواد بن غزية بن وهب بن
стр. 12744
علي بن عمرو بن الحارث بن قضاعة حليف بني عدي بن النجار، شهد بدرًا وأسر فيه خالد بن هشام المخزومي، وأمره على خيبر، وهو الذي طعنه ﷺ بمخصرة ثم أعطاه إياها وقال: "استقد"، وهو أخو بني عدي السالف في الحديث الثاني.
و (عبد المجيد) هو ابن سهيل بن عبد الرحمن بن عوف الزهري، أخرج له مسلم أيضًا، وانفرد مسلم بعبد المجيد بن عبد العزيز بن أبي رواد، وليس في الصحيحين غيرهما. وفي السنن الأربعة عبد المجيد بن وهب العامري له حديث في ثلاثيات "المسند" (١).
فائدة: "الجمع": الرديء، وهو عند الأصمعي وغيره: كل لون من النخل لا يعرف اسمه. والجنيب: الجيد.
وقوله: (إنا لنأخذ الصاع من هذا بالصاعين. فقال: "لا تفعل").
ولم يذكر فسخ تلك البياعات، فلعل ذلك لا يقدر عليه؛ لتعذر إحصاء ذلك. وقد سلف هناك أنه قال: "أوه عين الربا، لا تفعل" (٢).
والأصل فسخ ذلك، وأن يرد مثله. وعند ابن وهب: أن حوالة الأسواق في ذلك فور يوجب القيمة.
وقوله: ("بع الجمع بالدراهم ثم ابتع بالدراهم جنيبًا") معناه أن تبتاع من غير من بعت منه الجمع عند المالكية، وغيره عمم احتجاجًا بهذا الحديث.
стр. 12745
٤٠ - باب مُعَامَلَةُ النَّبِيِّ ﷺ أَهْلَ خَيْبَرَ
٤٢٤٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: أَعْطَى النَّبِيُّ ﷺ خَيْبَرَ الْيَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. [انظر: ٢٢٨٥ - مسلم: ١٥٥١ - فتح: ٧/ ٤١٦]
ذكر فيه حديث عَبْدِ اللهِ قَالَ: أَعْطَى رسول الله ﷺ خيْبَرَ اليَهُودَ أَنْ يَعْمَلُوهَا ويزْرَعُوهَا، وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وقد سلف في المزارعة (١)
وهو ظاهر في جواز المعاملة، وخالف أبو حنيفة.
стр. 12746
٤١ - باب الشَّاةِ الَّتِي سُمَّتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ بِخَيْبَرَ
رَوَاهُ عُرْوَةُ، عَنْ عَائِشَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
٤٢٤٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، حَدَّثَنِي سَعِيدٌ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ. [انظر: ٣١٦٩ - فتح: ٧/ ٤٩٧]
ثم ساق حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ.
الشرح:
المرأة التي سمته في الذراع وأكل منها رسول الله ﷺ وبشر بن البراء بن معرور اسمها زينب بنت الحارث بن سلام. وقيل: هي أخت مرحب اليهودي. واختلف هل قتلها وصلبها أو صفح عنها؟ وقد يجمع بينهما بأنه صفح عنها لنفسه أولاً، فلما مات بشر من تلك الأكلة قتلها، وذلك أن بشرًا لم يزل معتلاً من تلك الأكلة حتى مات بعد حول.
وروى معمر في "جامعه" عن الزهري أنها أسلمت فتركها ﷺ . قال معمر: هكذا قال الزهري: أسلمت، والناس يقولون قتلها وأنها لم تسلم (١). وفي "جامع معمر" أيضًا أن أم بشر بن البراء قالت للنبي ﷺ في المرض الذي مات فيه: ما تتهم يا رسول الله، فإني لا أتهم إلا الأكلة التي أكلها معك بشر بخيبر، فقال: "وأنا لا أتهم بنفسي إلا تلك فهذا أوان قطعت أبهري" (٢) والأبهر: عرق مستبطن القلب،
стр. 12747
وفي رواية أنه ﷺ قال عند موته: "مازالت أكلة خيبر تعادني -أي: تعاودني- وتعتادني المرة بعد المرة فهذا أوان قطعت أبهري" وكان ينفث منها مثل الزيت، قال الشاعر:
ألاقي في تذكر آل سلمى … كما يلقى السليم من العداد
فائدة:
السم مثلث السين.
стр. 12748
٤٢ - باب غَزْوَةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ
٤٢٥٠ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ دِينَارٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ قَالَ: أَمَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أُسَامَةَ عَلَى قَوْمٍ، فَطَعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَالَ: "إِنْ تَطْعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ، فَقَدْ طَعَنْتُمْ فِي إِمَارَةِ أَبِيهِ مِنْ قَبْلِهِ، وَايْمُ اللهِ لَقَدْ كَانَ خَلِيقًا لِلإِمَارَةِ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ، وَإِنَّ هَذَا لَمِنْ أَحَبِّ النَّاسِ إِلَيَّ بَعْدَهُ". [انظر: ٣٧٣٠ - مسلم: ٢٤٢٦ - فتح: ٧/ ٤٩٨]
ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ ﵄: أَمَّرَ رَسولُ اللهِ ﷺ أسَامَةَ عَلى قَوْمٍ، فَطَعَنُوا فِي إِمَارَتِهِ .. الحديث.
سلف في مناقبه، أعني: زيد بن حارثة.
فصل:
بعد خيبر وادي القرى في جمادي الآخرة سنة سبع افتتحها عنوة كما قال أبو عمر (١).
وأما ابن إسحاق فذكر أنه ﷺ حاصر أهلها ليالي ثم انصرف راجعًا إلى المدينة، وفيها أصيب غلامه ﷺ مدعم، أصابه سهم غرب فقتله (٢).
وقد أسلف البخاري ذلك من حديث أبي هريرة واضحًا (٣).
قال البلاذري: ولما بلغ أهل تيماء ما وطئ به رسول الله ﷺ أهل وادي القرى صالحوه على الجزية فأقاموا ببلادهم وأرضهم في أيديهم، وولاها رسول الله ﷺ يزيد بن أبي سفيان، وكان إسلامه يوم
стр. 12749
فتحها (١). وروى عن عمر بن عبد العزيز أن عمر أجلى أهل فدك وتيماء وخيبر (٢).
قال ابن سعد عطفًا على غزوة خيبر: ثم سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبَة في شعبان سنة سبع من الهجرة. على مثال عربة، ذكره الحازمي وقال: بقرب مكة على مسافة يومين منها، وذكره ابن سيده أيضًا قال: وبسكون الراء موضع من بلاد بني عامر بن مالك (٣).
ثم سرية الصديق إلى بني كلاب بنجد بناحية ضرية في شعبان سنة سبع (٤)، ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى فدك في شعبان أيضًا، ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى الميفعة في رمضان وهو وراء بطن نخل، وبوب عليها البخاري فيما يأتي، باب بعثه ﵇ أسامة بن زيد إلى الحرقات من جهينة، ثم سرية بشير بن سعد الأنصاري إلى يمن وجبار في شوال.
قال ابن سعد: ثم عمرة القضاء (٥). وستأتي.
فصل:
استشهد بخيبر جماعة من قريش: ربيعة بن أكثم (٦)، ورفاعة بن مسروح من بني الأسد، ومن الأنصار وغيرهم، وذكرهم ابن سعد
стр. 12750
خمسة عشر، وزاد غيره على ذلك (١)، وقتل من اليهود ثلاثة وتسعون رجلاً (٢).
فائدة:
ذكر ابن إسحاق بإسناده عن عمرو أنه ﷺ لما أشرف على خيبر قال لأصحابه وأنا فيهم: "قفوا"، ثم قال: "اللهم رب السموات وما أظللن، ورب الأرضين وما أقللن، ورب الشياطين وما أضللن، ورب الرياح وما ذرين، فإنا نسألك من خير هذِه القرية وخير أهلها وخير ما فيها، ونعوذ بك من شرها وشر أهلها وشر ما فيها، أقدموا بسم الله". قال: وكان يقولها لكل قرية دخلها (٣).
الْمُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ. [انظر: ١٦٠٢ - مسلم: ١٢٦٦ - فتح: ٧/ ٥٠٩]
٤٢٥٨ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ وَهْوَ مُحْرِمٌ، وَبَنَى بِهَا وَهْوَ حَلَالٌ، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ. [انظر: ١٨٣٧ - مسلم: ١٤١٠ - فتح: ٧/ ٥٠٩]
٤٢٥٩ - وَزَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ وَأَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: تَزَوَّجَ النَّبِيُّ ﷺ مَيْمُونَةَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ. [انظر: ١٨٣٧ - مسلم:١٤١٠ - فتح: ٧/ ٥٠٩]
يقال لهذِه العمرة: عمرة القضية، وعمرة القضاء -كما سيأتي.
فكان من خبرها أنه ﷺ خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدًا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشًا - في الحديبية، فلما اتصل ذلك بقريش خرج أكابر منهم عن مكة؛ عداوة لله ولرسوله، ولم يقدروا على الصبر في رؤيته يطوف بالبيت هو وأصحابه، فدخل ﷺ مكة وأتم الله له عمرته، وقعد بعض المشركين بقعيقعان ينظرون إلى المسلمين وهم يطوفون بالبيت، فأمرهم ﷺ بالرمل ليُروا المشركين جلدهم لما قالوا: وهنتهم حمى يثرب، وتزوج ﷺ في هذِه العمرة ميمونة بنت الحارث الهلالية، قيل: تزوج بها قبل الإحرام، وقيل: بعد أن حل منها، وقيل: في حال إحرامه، فلما تمت الأيام الثلاثة التي هي أمد الصلح جاء حويطب بن عبد العزى ومعه سهيل بن عمرو إلى رسول الله ﷺ عن المشركين بأن يخرج عن مكة، ولم يمهلوه أن يبني على ميمونة ويصنع لهم طعامًا، فقال حويطب: اخرج عنا، فلا حاجة لنا بطعامك، فقال له سعد: يا عاض بظر أمه، أرضك وأرض أمك دونه، فأسكته رسول الله ﷺ فخرج وبنى بها بسرف وماتت به سنة ثلاث وستين وقيل: سنة ست وستين، وصلى عليها
стр. 12754
ابن عباس (١) وابن الأصم وكلاهما ابن أخت لها وفيها نزلت: ﴿وَامْرَأَةً مُؤْمِنَةً إِنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: ٥٠] في أحد الأقوال وذلك أن الخاطب جاءها وهي على بعير لها فقالت: البعير وما عليه لرسول الله ﷺ .
وذكر ابن سعد: أن المعتمر بهم كانوا ألفين هم أهل الحديبية ومن انضاف إليهم، إلا من مات منهم أو استشهد بخيبر، واستخلف على المدينة أبا رُهم الغفاري، وقيل: غيره، وساق ستين بدنة وجعل عليها ناجية بن جندب ومائة فرس قدم عليها محمد بن مسلمة أمامه وجعل على السلاح أوس بن خولي في مائتي (٢) رجل ببطن يأجج، ثم خلفهم غيرهم حتى قضى الكل مناسك عمرتهم (٣).
وقول البخاري: (ذكره أنس عن النبي ﷺ )، هذا أسنده البيهقي في "دلائله" من حديث معمر، عن الزهري عنه قال: لما دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء مشى عبد الله بن رواحة بين يديه وهو يقول:
خلوا بني الكفار عن سبيله … قد نزل الرحمن في تنزيله
بأن خير القتل في سبيله … نحن قتلناكم على تأويله
كما قتلناكم على تنزيله (٤).
وأسنده ابن حبان في "صحيحه" من حديث ثابت عنه بزيادة:
وبذهل الخليل عن خليله … يا رب إني مؤمن بقيله
فقال له عمر: يا ابن رواحة، أتقول الشعر بين يدي رسول الله ﷺ ،
стр. 12755
فقال ﷺ : "دعه يا عمر، لهذا أشد عليهم من وقع النبل" (١). وأوله في
"إكليل الحاكم":
بسم الذي لا دين إلا دينه .... بسم الذي محمد رسوله
أنا الشهيد أنه رسوله … قد أنزل الرحمن في تنزيله
في صحف تتلى على رسوله
زاد النيسابوري في "شرفه ": أعرف حق الله في قوله.
وزعم ابن هشام في "سيرته" أن قوله:
نحن قتلناكم على تأويله … كما قتلناكم على تنزيله
لعمار بن ياسر قالها يوم صفين يريد الذي فيه عمار مع علي وهو ظاهر؛ لأن المشركين لم يقاتلوا على التأويل (٢)، وذكره ابن عقبة من طريق الزهري بعد (خلوا):
أنا الشهيد أنه رسوله (٣).
وقال مجاهد: فيما ذكره عبد بن حميد: لما صده قريش عام الحديبية وفخروا بذلك ما قصه الله، فدخل عليهم من قابل، وأنزل الله تعالئ في ذلك: ﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ﴾ (٤).
وقال الحاكم في "إكليله":
قد تواترت الأخبار عن أئمة المغازي أنه لما دخل هلال ذي القعدة من سنة سبع أمر ﷺ أصحابه أن يعتمروا عمرتهم ولا يتخلف منهم أحدًا
стр. 12756
ممن شهد الحديبية، وخرج معه قوم من المسلمين سوى أهل الحديبية ممن لم يشهد صلح الحديبية عُمَّارًا، فكان المسلمون فيها ألفين سوى النساء والصبيان وتسمى هذِه العمرة بعمرة الصلح وعمرة القضاء، كما سلف. والقضاء: الفصل.
قلت: وأحرم من باب المسجد بذي الحليفة ولبى، والمسلمون معه يلبون.
وقال السهيلي: سميت عمرة القضاء؛ لأنه ﷺ قاضى قريشًا عليها، لا لأنه قضى العمرة التي صُدَّ عنها فيها، فإنها لم تكن فسدت بصدهم عن البيت، بل كانت عمرة تامة متقبلة حتى أنهم حين حلقوا شعورهم بالحل احتملتها الريح، فألقتها في الحرم فهي معدودة في عُمَر النبي ﷺ (١)، قال ابن الأثير: وذكر البخاري لها في الغزوات وليست منها؛ لأنها تضمنت ذكر المصالحة مع المشركين بالحديبية.
ثم ذكر البخاري في الباب أحاديث:
أحدها: حديث أبي إسحاق، عن البراء قَالَ: اعْتَمَرَ رسول الله ﷺ فِي ذِي القَعْدَةِ، فَأَبَى أَهْلُ مَكَّةَ .. الحديث بطوله.
ذكره في الصلح في باب كيف يكتب هذا ما صالح فلان بن فلان (٢)، سندًا ومتنًا إلا أنه قال هنا: لا نقر بهذا وقال: هناك: لا نقر بها، وقال هنا: (فأخذ رسول الله ﷺ الكتاب وليس يحسن يكتب فكتب). وقد سلف تأويله هناك.
وقوله: (أتوا عليًّا وقالوا قل لصاحبك يخرج عنا) وقد سلف من القائل لذلك، واقتصر الدمياطي على حويطب وقال هنا عن علي: (أنا أخذتها)، وقال هناك: أنا أحق بها.
стр. 12757
وقوله: (وقال زيد: ابنة أخي) أي: لأنه كان ﷺ آخى (١) بمكة بين مولاه زيد وعمه حمزة، وفي آخره (قال علي: ألا تتزوج ابنة حمزة؟ قال: "إنها ابنة أخي من الرضاعة" واسمها أمامة على أحد الأقوال الستة (٢) فيها أو أمة الله أو سلمى أو عمارة أو فاطمة، وأمها سلمة بنت عميس، وعمارة بنت حمزة أمة خولة بنت قيس بن قهد من بني مالك بن النجار، ويعلى بن حمزة وعامر بن حمزة درج أمهما من بني عبيد بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن مالك بن الأوس. وكان حمزة يكنى بيعلى وعمارة أيضا، وكان ليعلى أولاد: عمارة والفضل والزبير وعقيل ومحمد درجوا، فلم يبق لحمزة عقب. وقوله: (وقال جعفر ابنة عمي وخالتها تحتي) هي أسماء بنت عميس الخثعمية، ولدت لجعفر أولادًا، ثم ولدت للصديق محمدًا، ثم ولدت لعلي يحيى، زاد ابن سعد: وعونًا (٣).
وقوله: (هذا ما قاضى) القضاء قطع الأشياء والنزاع منها بأحكام فكأنهم قسموا ما كان بينهم مما اتفقوا عليه، وإنما شرطوا أن يكون السيف في القراب ليكون ذلك أمارة للسلم، فلا يظن أنهم دخلوا قهرًا، وعادة العرب لا يفارقهم السلاح في سلم أو حرب.
والقراب معروف: شيء يخرز من الجلود.
وقضاؤه ﷺ بابنة حمزة لخالتها فيه أن النساء أولى بالحضانة من
стр. 12758
الرجال، والعصبة إنما حقهم في ولاية العقود وإنالة المال ونحوهما، والأصل في الحضانة الأم، وهي أولى من الأب؛ لأنها أحنى على الولد، وأهدى لما يصلحة فإذا عدمت فأمها.
الحديث الثاني:
حديث ابن عُمَرَ ﵄ أنه ﵇ خَرَجَ مُعْتَمِرًا، فَحَالَ كُفَّارُ قُرَيْشٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ البَيْتِ، فَنَحَرَ هَدْيَهُ، وَحَلَقَ رَأْسَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ، وَقَاضَاهُمْ عَلى أَنْ يَعْتَمِرَ العَامَ المُقْبِلَ، وَلَا يَحْمِلَ سلَاحًا عَلَيْهِمْ إِلَّا سُيُوفًا، وَلَا يُقِيمَ بِهَا إِلَّا مَا أَحَبُّوا، فَاعْتَمَرَ مِنَ العَامِ المُقْبِلِ، فَدَخَلَهَا كَمَا كَانَ صَالَحَهُمْ، فَلَمَّا أَنْ أَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا أَمَرُوهُ أَنْ يَخْرُجَ فَخَرَجَ.
هذا الحديث سلف في باب الصلح مع المشركين بالسند والمتن سواء، و (سريج) شيخ شيخ البخاري -بالسين المهملة- ابن النعمان الجوهري، مات سنة سبع عشرة ومائتين، روى عنه مرة، وهنا روى عن واحد عنه.
الحديث الثالث:
حديث ابن عمر ﵄ في عمرة رجب وإنكار عائشة عليه. سلف في العمرة سندًا ومتنًا، إلا أنه هناك أبسط، ورواه هنا عن قتيبة، عن جرير. وهناك عن عثمان بن أبي شيبة، عن جرير به (١).
الحديث الرابع:
حديث ابن أَبِي أَوْفَى ﵄ في العمرة أيضًا. وقد سلف قريبًا في الحديبية سندًا ومتنًا (٢).
стр. 12759
الحديث الخامس:
حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ في الرمل. سلف في الحج (١) كيف كان بدء الرمل سندًا ومتنًا.
وقال في آخره: وَزَادَ ابن سَلَمَةَ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: لَمَّا قَدِمَ رسول الله ﷺ لِعَامِهِ الذِي اسْتَأمَنَ قَالَ: "ارْمُلُوا" … ليُريَ المشركينَ قُوَّتَهُمْ، وَالْمُشْرِكُونَ مِنْ قِبَلِ قُعَيْقِعَانَ.
ئم ساق عن عَطَاء، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: إِنَّمَا سَعَى النَّبِيُّ ﷺ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَة؛ لِيُرِيَ المُشْرِكِينَ قُوَّتَهُ.
ومعنى (وهنتهم حمى يثرب) أضعفتهم، وروي: وهنهم.
ويثرب من كلام المشركين وقد روي النهي عنه (٢). والوفد: القوم يفدون. والرمل: الهرولة.
وقوله: (وأن يمشوا بين الركنين) يعني: اليماني والأسود وهذا مذهب ابن عباس، والفقهاء على الرمل في جميع الثلاث، وكره بعضهم تسميته شوطًا، وإنما يقال: (طوف) (٣). والحديث يرده.
الحديث السادس:
وهو في الحقيقة ثامن: حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: تَزَوَّجَ رسول الله ﷺ مَيْمُونَةَ وَهْوَ مُحْرِمٌ، وَبَنَى بِهَا وَهْوَ حَلَالٌ، وَمَاتَتْ بِسَرِفَ.
стр. 12760
وَزَادَ ابن إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي ابن أَبِي نَجِيحٍ وَأَبَانُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ تزوجها فِي عُمْرَةِ القَضَاءِ.
وهذا رويناه في "السيرة" من طريق زياد بن عبد الله عنه (١)، وسلف في الحج مسندًا من طريق النسائي وغيره إليه (٢)، والبخاري أخرجه هناك في باب: تزويج المحرم من طريق الأوزاعي، عن عطاء بن أبي رباح، عن ابن عباس أنه ﷺ تزوجها وهو محرم، وقد سلف الكلام عليه هناك، فليراجع.
فصل:
ذكر ابن سعد بعد عمرة القضاء سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم في ذي الحجة سنة سبع، بعث ابن أبي العوجاء السلمي في خمسين رجلاً إلى بني سليم، فخرج إليهم وتقدمه عين لهم كان معهم فحذرهم فجمعوا، فأتاهم ابن أبي العوجاء وهم معدون له، فدعاهم إلى الإسلام قالوا: لا حاجة لنا إلى ما دعوتنا إليه فتراموا بالنبل ساعة وجعلت الأمداد تأتي حتى أحدقوا بهم من كل ناحية، فقاتل القوم قتالاً شديدًا حتى قتل عامتهم وأصيب ابن أبي العوجاء جريحًا مع
القتلى ثم تحامل حتى بلغ رسول الله ﷺ فقدموا المدينة في أول صفر
سنة ثمان. قال ابن سعد: ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى بني الملوَّح بالكَديِد في صفر سنة ثمانٍ. قال: ثم سرية غالب بن عبد الله الليثي إلى مصاب أصحاب بشير بن سعد بفدك في صفر أيضًا. قال: ثم سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى بني عامر في ربيع الأول سنة
стр. 12761
ثمان. قال: تم سرية كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح في ربيع الأول، ثم مؤتة (١).
لكن في "أمالي" أبي الحسن علي بن سليمان الأخفش قال أبو العباس محمد بن يزيد: لا تهمز موتة.
وقال صاحب "المطالع": أكثر الرواة لا يهمزونها. وأما ثعلب فلم يحك في "فصيحه" غير الهمز (١)، وتبعه الجوهري (٢) وآخرون. وفي "الواعي" و"الجامع" بالهمز ودونه، واقتصر ابن فارس على الهمز (٣).
ولما ذكر ابن إسحاق أن مؤتة قرية من أرض البلقاء قال: لقيهم -يعني: زيد بن حارتة ومن معه- جموع الروم بقرية من قرى البلقاء يقال لها: مشارف، ثم دنا العدو، وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها: مؤتة (٤).
وهذا منه يؤذن أن مشارف غير مؤتة. وقد قال المبرد: المشرفية سيوف تنسب إلى المشارف من أرض الشام، وهو الموضع الملقب بمؤتة (٥).
فصل:
وكان سببها أنه ﷺ بعث الحارث بن عمير الأزدي أحد بني لِهب بكسر اللام بكتابه إلى ملك الروم -وقيل: إلى ملك بصرى- فعرض له شرحبيل بن عمرو الغساني، فأوثقه (رباطًا) (٦) ثم قدم فضربت عنقه
стр. 12765
صبرًا ولم يقتل لرسول الله ﷺ رسول غيره، فاشتد ذلك عليه وندب الناس فأسرعوا، وأمر عليهم زيد بن حارثة. وقال: ("إن أصيب زيد فجعفر، وإن أصيب فعبد الله بن رواحة") فتجهزوا ثُم تهيئوا وعسكروا بالجرف، وهم ثلاثة آلاف، وأوصاهم أن يأتوا مقتل الحارث بن عمير، وأن يدعوا من هناك إلى الإسلام، فإن أجابوا وإلا استعانوا عليهم بالله وقاتلوهم. وخرج مشيعًا لهم حتى بلغ ثنية الوادع، فقال المسلمون: دفع الله عنكم وردكم صالحين غانمين: فلما ودع عبد الله بن رواحة بكى، فقال: ما يبكيك؟ فقال: أما والله ما بي حب الدنيا ولا صبابة بكم، ولكن سمعت رسول الله ﷺ يقرأ آية من كتاب الله يذكر فيها النار ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا﴾ [مريم: ٧١] فكيف بالصدر بعد الورود، ثم قال:
لكنني اسأل الرحمن مغفرة … وضربة ذات فرغ تقذف الزبدا
أو طعنة بيدي حران مجهزة … بحربة تنفذ الأحشاء والكبدا
حتى يقال إذا مروا على جَدَثي … أرشده الله من غاز وإن رشدا
ثم مضوا حتى نزلوا مُعان من أرض الشام بضم الميم. وقال الوقشي: الصواب فتحها فبلغ الناس أن هرقل نزل مآب من أرض البلقاء في مائة ألف من الروم، وانضم إليهم من لخم وجذام والقين وبهراء وتغلب مائة ألف منهم، عليهم رجل من بلي يقال له: مالك بن زافلة، فلما بلغ ذلك المسلمين فأقاموا على مُعان ليلتين ينظرون في أمرهم، وقالوا: نكتب لرسول الله ﷺ فنخبره بعدد عدونا، فإما أن يمدنا بالرجال، وإما أن يأمرنا بأمر فنمضي له، فشجع الناس عبد الله بن رواحة، وقال: يا قوم، والله إن الذي تكرهون للذي خرجتم تطلبون الشهادة، وما نقاتل الناس بعددٍ ولا قوة ولا كثرة، ما نقاتلهم
стр. 12766
إلا بهذا الدين الذي أكرمنا الله به، فانطلقوا فإنما هي إحدى الحسنيين، إما ظهور وإما شهادة، ثم التقى الناس فقتل الثلاثة كما أخبر ﷺ ، زيد، ثم جعفر، ثم ابن رواحة، ثم أخذ الراية خالد بن الوليد، فدفع القوم وتحاشى بهم، ثم حاز وانحيز عنه، حتى انصرف بالناس كما ذكره ابن إسحاق (١) وهو المحاز. وحكى ابن سعد وغيره أن الهزيمة كانت على المسلمين. وحكى أيضا أن الهزيمة كانت على الروم (٢)، كما سيأتي في البخاري. ورفعت الأرض لرسول الله ﷺ فرأى معتركهم (٣) فلما أخذ خالد اللواء قال: "الآن حمي الوطيس" (٤).
وعدد ابن إسحاق من استشهد من المسلمين، ومنهم الأمراء الثلاثة كما سلف (٥)، ولما قدموا استقبلهم أهل المدينة يحثون في وجوهم التراب، ويقولون: يا فرارون، فيقول ﷺ : "ليسوا بفرارين ولكنهم كرارين (٦) إن شاء الله" (٧).
وقد ذكر الحاكم شعر عبد الله بن رواحة لما ودع رسول الله ﷺ ، قال ﷺ في حق زيد: "دخل الجنة وهو يسعى". وقال في حق جعفر: "فإنه شهيد دخل الجنة، وهو يطير فيها بجناحين من ياقوت حيث شاء من الجنة" وذكر شعره لما عقر فرسه، وهو أول من عقر فرسًا في الإسلام وقاتل. ثم ذكر شعر ابن رواحة وقتله، وأنه دخل معترضًا (٨).
стр. 12767
وعند ابن هشام أن جعفرًا أخذ اللواء بيمينه فقطعت وأخذها بشماله فقطعت، فاحتضنه بعضديه حتى قتل وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة (١).
وفي "الدلائل" للبيهقي: لما أخذ خالد اللواء قال ﷺ : "اللهم إنه سيف من سيوفك فأنت تنصره" فمن يومئذ سمي خالد سيف الله (٢). زاد ابن عائذ: ونعم عبد الله وأخو العشيرة.
وفي حديث العطاف بن خالد: لما أصبح خالد جعل مقدمته ساقته وساقته مقدمته، وميمنته ميسرته، وميسرته ميمنته، فأنكر الروم ذلك وقالوا: قد جاءهم مدد، فرعبوا وانكشفوا منهزمين فقتلوا مقتلة لم يقتلها قوم (٣). وفي حديث جابر بن عبد الله: وغنم المسلمون بعض أمتعة المشركين.
إذا عرفت ذلك فقد ساق البخاري في الباب أحاديث:
أحدها: عَمْرو، عَنِ ابن أَبِي هِلَالٍ قَالَ: وَأَخْبَرَنِي نَافِعٌ، أَنَّ ابن عُمَرَ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى جَعْفَرٍ يَوْمَئِذٍ وَهْوَ قَتِيلٌ، فَعَدَدْتُ بِهِ خَمْسِينَ بَيْنَ طَعْنَةٍ وَضَرْبَةٍ، ولَيْسَ مِنْهَا شَى فِي دُبُرِهِ.
وذكر في الحديث بعده (فوجدناه في القتلى، ووجدنا في جسده بضعًا وتسعين بين طعنة ورمية) ولا تحالف بينهما؛ لأنه لم يعد الرمي في الأولى.
و (ابن أبي هلال) هو سعيد بن أبي هلال الليثي الذي ولد بمصر سنة سبعين، ونشأ بالمدينة، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام، ومات بها سنة ثلاثين أو خمس وثلاثين ومائة.
стр. 12768
ثانيها: حديث ابن عُمَرَ: "إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ فَجَعْفرٌ" .. إلى آخره.
سلف، رواه عن أحمد بن أبي بكر، عن المغيرة بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن سعيد بن أبي هند، عن نافع، عنه. وليس للمغيرة في "الصحيح" غيره، وهو ثقة وإن ضعفه أبو داود. عرض عليه الرشيد قضاء المدينة وجائزة أربعة آلاف دينار فامتنع فأجازه بألفين (١)، وكان فقيه المدينة بعد مالك، ومات سنة ست أو ثمان وثمانين ومائة، وروى عمر بن الحكم، عن أبيه قال: جاء النعمان بن مهض اليهودي
فوقف مع الناس وقال للنبي ﷺ : أبا القاسم إن كنت نبيًا فسميت من سميت قليلاً أو كثيرًا أصيبوا جميعًا؛ لأن الأنبياء في بني إسرائيل كانوا إذا استعملوا الرجل على القوم فقالوا: إن أصيب فلان ففلان فلو سمى مائة أصيبوا جميعًا، ثم جعل اليهودي يقول لزيد: اعهد فلا ترجع إلى محمد أبدًا، إن كان محمد نبيًا، قال زيد: أشهد أنه نبي صادق بار.
فائدة: ظواهر الحديث أن زيدًا أصيب أولاً، ثم جعفر، ثم ابن رواحة. بل صريح حديث أنس الآتي، وكذا حديث الحكم السالف.
وقال ابن إسحاق: قول كعب بن مالك يصدق أن جعفرًا كان أول قتيل، وهو:
إذ يقتدون بجعفر ولوائه … قُدَّامَ أولهم ونعم الأول
حتى تفرجت الصفوف وجعفر … حيث اللقاء تحت الصفوف مجدّل (٢)
وكذا ذكر ابن سعد، عن أبي عامر أنه أول قتيل، ثم زيد، ثم عبد
стр. 12769
الله بن رواحة، ثم انهزم المسلمون أسوأ هزيمة رأيتها قط، حيث لم أر اثنين جميعًا، ثم أخذ اللواء رجل من الأنصار فسلمه لخالد -في حديث عروة: فأخذه ثابت بن أقرم العجلاني، ثم تسلمه خالد (١) - فحمل على الروم، فهزمهم الله أسوأ هزيمة رأيتها قط حتى وضع المسلمون أسيافهم حيث شاءوا (٢).
الحديث الثالث:
حديث أَنَسٍ ﵁ أنه ﵇: نَعَى زَيْدًا وَجَعْفَرًا وَابْنَ رَوَاحَةَ لِلنَّاسِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَهُمْ خَبَرُهُمْ، فَقَالَ: "أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَها جَعْفَرٌ فَأُصِيبَ، ثُمَّ أَخَذَ ابن رَوَاحَةَ فَأُصِيبَ -وَعَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ- حَتَّى أَخَذَ الرَّايَةَ سَيْف مِنْ سُيُوفِ اللهِ حَتَّى فَتَحَ اللهُ عَلَيْهِمْ".
هذا الحديث سلف في الجهاد (٣)، وهو ظاهر في نصره على الكفار، وكذا قوله في الجنائز والجهاد: "ثم أخذها خالد من غير إمرة ففتح له".
ومعنى: (نعى زيدًا) .. إلى آخره أخبر بموتهم، وقوله: (تذرفان) أي: الدمع، وقيل: (تدمعان) وهو مثله.
الحديث الرابع:
حديث عَائِشَةَ ﵂ في قتل هؤلاء الثلاثة: جلس يُعرف فيه الحزن.
سلف بطوله في الجنائز. و (صائر الباب): شقه، كما صرح به فيه.
стр. 12770
وقوله: ("فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ مِنَ التُّرَابِ") وقع هنا بكسر الثاء وفيه لغتان كما سلف. حثا يحثو، وحثى يحثي حثيًا.
و (العناء): النصب. يقال: عنا عناءً إذا نصب.
الحديث الخامس:
حديث عامرٍ قَالَ: كَانَ ابن عُمَرَ إِذَا حَيَّا ابن جَعْفَرٍ قَالَ: السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا ابن ذِي الجَنَاحَيْنِ.
هو من مناقبه الظاهرة.
السادس:
حديثْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ قَالَ: سَمِعْتُ خَالِدَ بْنَ الوَلِيدِ يَقُولُ: لَقَدِ أنْقَطَعَتْ فِي يَدِي يَومَ مُوتَةَ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، فَمَا بَقِيَ فِي يَدِي إِلَّا صَفِيحَةٌ يَمَانِيَةٌ.
وفي رواية: لَقَدْ دُقَّ فِي يَدِي يومئذ تِسْعَةُ أَسْيَافٍ، وَصَبَرَتْ فِي يَدِي صَفِيحَة لي يَمَانِيَةٌ. أصلها أن تقرأ بتشديد الياء؛ لأنها ياء النسبة، إلا أنهم خففوها، يقال: سيف يمان، والأصل يماني.
الحديث السابع:
حديث النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ: أُغْمِيَ عَلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ، فَجَعَلَتْ أُخْتُهُ عَمْرَةُ تَبْكِي: وَاجَبَلَاهْ وَاكَذَا وَاكَذَا. تُعَدِّدُ عَلَيْهِ، فَقَالَ حِينَ أَفَاقَ: مَا قُلْتِ شَيْئًا إِلَّا قِيلَ لِي: آنْتَ كَذَلِكَ؟!
وعنه أيضًا قَالَ: أُغْمِيَ عَلى عَبْدِ اللهِ بْنِ رَوَاحَةَ بهذا، فَلَمَّا مَاتَ لَمْ تَبْكِ عَلَيْهِ.
كذا أورده البخاري هنا، وإغماؤه كان في غير هذا الموضع، وأخته لم تكن إذْ ذَاك معه. وقد سلف الكلام على النوح في بابه.
ذكر فيه حديث أبي ظبْيَانَ قَالَ: سَمِعْتُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يَقُولُ: بَعَثَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى الحُرَقَةِ، فَصَبَّحْنَا القَوْمَ فَهَزَمْنَاهُمْ، وَلَحِقْتُ أَنَا وَرَجُل مِنَ الأَنْصَارِ رَجُلاً مِنْهُمْ، فَلَمَّا غَشِينَاهُ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ. فَكَفَّ الأَنْصَارِيُّ، فَطَعَنْتُهُ بِرُمْحِي حَتَّى قَتَلْتُهُ، فَلَمَّا قَدِمْنَا بَلَغَ النَّبِيَّ ﷺ فَقَالَ: "يَا أُسَامَةُ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ" قُلْتُ: كَانَ مُتَعَوِّذًا. فَمَا زَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ قَبْلَ ذَلِكَ.
هذا الحديث أخرجه في الديات أيضًا، كما ستعلمه، وأخرجه مسلم في الإيمان وأبو داود في الجهاد والنسائي في السير (١). ورواه محمد بن شجاع بن نبهان المروزي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي ظبيان، عن سعد (٢) بن مالك، عن أسامة (٣).
و (الحرقة): اسم جهيش بن عامر بن ثعلبة بن مودوعة بن جهينة.
قال الكلبي: سموا بذلك؛ لأنهم أحرقوا بني مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بالنبل أي: قتلوهم، والذي قتله أسامة نهيك بن مرداس بن ظالم.
وقوله: (حتى تمنيت) إلى آخره للمبالغة، لا على الحقيقة.
وفيه: أن من تأول لا قود عليه، ولم يذكر فيه أيضًا دية ولا كفارة، واستنبط الداودي تأمير من لم يبلغ، وفيه: حسن إسلام جهينة، وقد سلف حديث: "سبعة مولى لا مولى لهم إلا الله ورسوله" وعد منهم جهينة.
стр. 12773
فصل:
ذكر البخاري هذا البعث بعد مؤتة وأنه كان الأمير وقد أسلفناه قبلها، فإن الأمير غيره، والله أعلم الصحيح من ذلك ويبعد تعدد الواقعة فإنه لا يقتل بعد النهي، ويبعد النسيان أيضًا.
الحديث الثالث:
حديث سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ يَقُولُ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَخَرَجْتُ فِيمَا يَبْعَثُ مِنَ البُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ: مَرَّةً عَلَيْنَا أَبُو بَكْرٍ، وَمَرَّةً عَلَيْنَا أُسَامَةُ. وفي لفظ: غَزَوْتُ مَعَ النَّبِيِّ ﷺ سَبْعَ غَزَوَاتٍ، وَغَزَوْتُ مَعَ ابن حَارِثَةَ استَعْمَلَهُ عَلَيْنَا. وفي لفظ: فَذَكَرَ خَيْبَرَ وَالْحُدَيْبِيَةَ ويوْمَ حُنَيْنٍ وَيوْمَ القَرَدِ. قَالَ يَزِيدُ -ابن أبي عبيد الراوي عن سلمة-: وَنَسِيتُ (بَقِيَّتَهُمْ) (١).
فيه: فضل ظاهر لأسامة الحب ابن الحب رضوان الله عليه
فصل:
ذكر ابن سعد هنا سرية عمرو بن العاصي إلى ذات السلاسل في جمادى الأولئ سنة ثمان، وذكرها البخاري في الأواخر كما سيأتي، ثم سرية الخبط أميرها أبو عبيدة في رجب سنة ثمان، والبخاري ذكرها في الأواخر ثم سرية (أبي قتادة) (٢) بن ربعي إلى خَضِرة وهي أرض محارب في شعبان سنة ثمان، ثم سريته أيضًا إلى بطن إِضَم في أول رمضان، ثم سرية ابن أبي حدرد إلى الغابة فيما ذكره ابن إسحاق (٣)، ثم الفتح (٤). فاعلم ذلك.
وقول علي ﵁: (بعثني رسول الله ﷺ أنا والزبير والمقداد) أكد الضمير المنصوب بأنا، كقوله تعالى: ﴿إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مَالًا وَوَلَدًا﴾ [الكهف: ٣٩] وقيل: لا يؤكد بها ضمير المنصوب؛ لأنها في موضع رفع، ولا يؤكد المنصوب بالمرفوع، ويكون أنا في الآية فاصلة على هذا مثل: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا﴾ [المزمل: ٢٠] وقوله: (فأنزل الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ الآية إلى قوله: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾ هذا صريح في نزول الآية فيه، وقد ذكره كذلك في التفسير كما ستعلمه.
قال مجاهد: نزلت أيضًا في قوم مع حاطب كتبوا إلى أهل مكة يحذرونهم (١).
وقوله تعالى: ﴿بِالْمَوَدَّةِ﴾ أي: تلقون إليهم النصيحة بالمودة؛ لأن (من) لا تزاد في الواجب عند البصريين (٢)، وأجازه بعض الكوفيين كما سلف هناك. قال الفراء: دخول الباء وخروجها سواء (٣).
وقوله تعالى: ﴿وَأَنَا أَعْلَمُ بِمَا أَخْفَيْتُمْ﴾ أي: فكيف يخفى عليَّ تحذيركم الكفار.
وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَادًا فِي سَبِيلِي﴾ فيه تقديم وتأخير، المعنى: لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء إن كنتم خرجتم، هذا ما عليه الأكثر، وقيل: إن في الكلام حذفًا، أي: إن كنتم خرجتم جهادًا في سبيلي فلا تلقوا إليهم بالمودة.
стр. 12776
وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً وتبعًا من تلقون، والأفعال تبدل من الأفعال،، وقيل المعنى: أنتم تسرون إليهم. ثم خبر تعالى بتبرؤ إبراهيم من المشركين وعداوته إياهم، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾
فائدة:
المرأة المذكورة قد أسلفنا في الجهاد أن اسمها سارة، أمر ﷺ بقتلها يوم الفتح مع هند بنت عتبة وفرتنى، وقريبة، وعكرمة، وهبار و (أم سعد) (١)، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نُقيد بن بحير بن عبد بن قصي، وابن خطل ستة نفر وأربع نسوة فقتل منهم ابن خطل ومقيسًا والحويرث قاله ابن سعد (٢)، و (أم) (٣) سعد قاله ابن إسحاق قال: وكان لابن خطل قينتان تغنيان بهجائه ﷺ فرتنى وصاحبتها (٤).
قال بعضهم: صاحبتها أرنب فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فآمنها. وأما سارة فاستؤمن لها فآمنها ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا زمن عمر؛ بالأبطح فقتلها، وكانت مولاة لبني عبد المطلب.
стр. 12777
والحويرث قتله علي وكان نخس بفاطمة وأم كلثوم حين أريد بهما المدينة، فرمي بفناء الأرض، وكان ابن خطل بعثه مصدقًا فقتل مسلمًا وارتد مشركًا، وكان مقيس قتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ بعد أخذ ديته، ورجع إلى قريش مشركًا، فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه.
فائدة أخرى:
حاطب ابن أبي بلتعة -والبلتعة في اللغة: التطرف قاله أبو عبيد، واسم أبي بلتعة عمرو، وقيل: أبو بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل بن العتيك بن سعَّاد -بتشديد العين بن راشدة وكان اسمه خالفة فسماه رسول الله ﷺ راشدة بن أدب بن جزيلة -بفتح الجيم وكسر الزاي- بن لخم أخي جزام وعاملة، حليف عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يكنى أبا محمد أو أبا يحيى أو أبا عبد الرحمن، شهد بدرًا والحديبية وما بعدها، وبعثه رسول الله ﷺ بكتاب إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية في المحرم سنة ست بُعيد الحديبية، فأقام عنده خمسة أيام، ورجع بهدية، منها مارية أم إبرا هيم، وأختها سيرين وبغلته دلدل، وحماره يعفور وعسل وثياب وغير ذلك من الطرف، ثم بعثه الصديق أيضًا إلى المقوقس، فصالحهم، فلم يزالوا كذلك حتى دخلها عمرو بن العاصي، فنقض الصلح وقاتلهم، وافتتح مصر، وذلك في سنة عشرين (١) في خلافة عمر (٢)، وكان شديدًا على الرقيق، انتحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة، فقال
стр. 12778
عمر: أراك تجيعه وأضعف عليه القيمة على جهة الأدب والردع (١)، وكان من فرسان قريش وشعرائهم، مات بالمدينة سنة ثلاثين، فصلى عليه عثمان عن خمس وستين سنة، وكان تاجرًا يبيع الطعام، وترك يوم مات أربعة آلاف دينار ودراهم وغير ذلك، وفي الصحابة حاطب أربعة سواه منهم حاطب بن عمرو بن عبيد الأوسي بدري أيضًا، لم يذكره ابن إسحاق فيهم.