وقوله: ﴿تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ﴾ يجوز أن يكون بدلاً وتبعًا من تلقون، والأفعال تبدل من الأفعال،، وقيل المعنى: أنتم تسرون إليهم. ثم خبر تعالى بتبرؤ إبراهيم من المشركين وعداوته إياهم، فقال: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ﴾
فائدة:
المرأة المذكورة قد أسلفنا في الجهاد أن اسمها سارة، أمر ﷺ بقتلها يوم الفتح مع هند بنت عتبة وفرتنى، وقريبة، وعكرمة، وهبار و (أم سعد) (١)، ومقيس بن صبابة الليثي، والحويرث بن نُقيد بن بحير بن عبد بن قصي، وابن خطل ستة نفر وأربع نسوة فقتل منهم ابن خطل ومقيسًا والحويرث قاله ابن سعد (٢)، و (أم) (٣) سعد قاله ابن إسحاق قال: وكان لابن خطل قينتان تغنيان بهجائه ﷺ فرتنى وصاحبتها (٤).
قال بعضهم: صاحبتها أرنب فقتلت إحداهما وهربت الأخرى حتى استؤمن لها من رسول الله ﷺ فآمنها. وأما سارة فاستؤمن لها فآمنها ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرسا زمن عمر؛ بالأبطح فقتلها، وكانت مولاة لبني عبد المطلب.
стр. 12777
والحويرث قتله علي وكان نخس بفاطمة وأم كلثوم حين أريد بهما المدينة، فرمي بفناء الأرض، وكان ابن خطل بعثه مصدقًا فقتل مسلمًا وارتد مشركًا، وكان مقيس قتل الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ بعد أخذ ديته، ورجع إلى قريش مشركًا، فقتله نميلة بن عبد الله رجل من قومه.
فائدة أخرى:
حاطب ابن أبي بلتعة -والبلتعة في اللغة: التطرف قاله أبو عبيد، واسم أبي بلتعة عمرو، وقيل: أبو بلتعة بن عمرو بن عمير بن سلمة بن صعب بن سهل بن العتيك بن سعَّاد -بتشديد العين بن راشدة وكان اسمه خالفة فسماه رسول الله ﷺ راشدة بن أدب بن جزيلة -بفتح الجيم وكسر الزاي- بن لخم أخي جزام وعاملة، حليف عبيد الله بن حميد بن زهير بن الحارث بن أسد بن عبد العزى بن قصي، يكنى أبا محمد أو أبا يحيى أو أبا عبد الرحمن، شهد بدرًا والحديبية وما بعدها، وبعثه رسول الله ﷺ بكتاب إلى المقوقس صاحب مصر والإسكندرية في المحرم سنة ست بُعيد الحديبية، فأقام عنده خمسة أيام، ورجع بهدية، منها مارية أم إبرا هيم، وأختها سيرين وبغلته دلدل، وحماره يعفور وعسل وثياب وغير ذلك من الطرف، ثم بعثه الصديق أيضًا إلى المقوقس، فصالحهم، فلم يزالوا كذلك حتى دخلها عمرو بن العاصي، فنقض الصلح وقاتلهم، وافتتح مصر، وذلك في سنة عشرين (١) في خلافة عمر (٢)، وكان شديدًا على الرقيق، انتحر رقيقه ناقة لرجل من مزينة، فقال
стр. 12778
عمر: أراك تجيعه وأضعف عليه القيمة على جهة الأدب والردع (١)، وكان من فرسان قريش وشعرائهم، مات بالمدينة سنة ثلاثين، فصلى عليه عثمان عن خمس وستين سنة، وكان تاجرًا يبيع الطعام، وترك يوم مات أربعة آلاف دينار ودراهم وغير ذلك، وفي الصحابة حاطب أربعة سواه منهم حاطب بن عمرو بن عبيد الأوسي بدري أيضًا، لم يذكره ابن إسحاق فيهم.
طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: سَافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا؛ لِيُرِيَهُ النَّاسَ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ. قَالَ: وَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ. [انظر: ١٩٤٤ - مسلم: ١١١٣ - فتح: ٨/ ٣]
وتوجه ﵇ لها يوم الأربعاء لعشر ليال خلون منه بعد العصر سنة ثمان.
ثم أسند البخاري عن ابن عباس ﵄: غَزَا غَزْوَةَ الفَتْحِ فِي رَمَضَانَ.
وعن ابن المسيب مثل ذلك، وعن ابن عباس قال: صَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَتَّى إِذَا بَلَغَ الكَدِيدَ -المَاءَ الذِي بَيْنَ قُدَيْدٍ وَعُسْفَانَ- أَفْطَرَ، فَلَمْ يَزَلْ مُفْطِرًا حَتَّى انْسَلَخَ الشَّهْرُ.
وقد سلف في الصوم.
ثم أسند عن ابن عباس أيضًا أنه ﵇ خَرَجَ فِي رَمَضَانَ مِنَ المَدِينَةِ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ، وَذَلِكَ عَلى رَأْسِ ثَمَانِ سِنِينَ وَيصْفٍ مِنْ مَقْدَمِهِ المَدِينَةَ، فَسَارَ هُوَ وَمَنْ مَعَهُ مِنَ المُسْلِمِينَ إِلى مَكَّةَ، يَصُومُ وَيَصُومُونَ حَتَّى بَلَغَ الكَدِيدَ -وَهْوَ مَاءٌ بَيْنَ عُسْفَانَ وَقُدَيْدٍ- أَفْطَرَ وَأَفْطَرُوا. قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ أَمْرِ رَسُولِ اللهِ ﷺ الآخِرُ فَالآخِرُ.
ثم أسند عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ قَالَ: خَرَجَ رسول الله ﷺ في رَمَضَانَ إِلَى حُنَيْنٍ، وَالنَّاسُ مُخْتَلِفُونَ فَصَائِمٌ وَمُفْطِر، فَلَمَّا اسْتَوى عَلَى رَاحِلَتِهِ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ لَبَنٍ أَوْ مَاءٍ، فَوَضَعَهُ عَلَى رَاحَتِهِ -أَوْ رَاحِلَتِهِ- ثُمَّ نَظَرَ إِلَى النَّاسِ، فَقَالَ المُفْطِرُونَ لِلصُّوَّامِ: أَفْطِرُوا.
стр. 12781
وعنه: خَرَجَ رسول الله ﷺ عَامَ الفَتْحِ.
وعن طاوس عنه سَافَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فِي رَمَضَانَ، فَصَامَ حَتَّى بَلَغَ عُسْفَانَ، ثُمَّ دَعَا بِإِنَاءٍ مِنْ مَاءٍ فَشَرِبَ نَهَارًا؛ ليراه النَّاسُ، فَأَفْطَرَ حَتَّى قَدِمَ مَكَّةَ، وَكَانَ ابن عَبَّاسٍ يَقُول: صَامَ رَسولُ اللهِ ﷺ فِي السَّفَرِ وَأَفْطَرَ، فَمَنْ شَاءَ صَامَ، وَمَنْ شَاءَ أَفْطَرَ.
هذا الحديث من مراسيل الصحابة؛ لأن ابن عباس كان من المستضعفين بمكة كما نبه عليه ابن التين (١)، قال: والكديد: العقبة المطلة على الجحفة.
وفي الحديث ردٌّ على جماعة:
أولهم: عبيدة السلماني، في قوله: ليس له الفطر إذا شهد أول رمضان في الحضر مستدلاً بقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٢) [البقرة: ١٨٥]، وهو عند الجماعة محمول على من شهده أجمع، إذ لا يقال لمن شهد بعض الشهر، شهده كله.
ثانيهم: أبو مجلز، في قوله: إذا أدركه الشهر مقيمًا فلا يسافر، فإن سافر صام (٣).
ثالثهم: الظاهرية، أنه لا يصح الصوم في السفر (٤).
стр. 12782
وقوله: (ومعه عشرة آلاف) هذا هو المعروف، وفي "شرف المصطفى": عن عروة: اثنا عشر ألفًا.
وقال يحيى بن سعيد: في عشرة آلاف أو اثني عشر ألفًا قد أكب على واسطة رحله حتى كاد ينكسر به تواضعًا وشكرًا لربه وقال: "الملك لله الواحد القهار"، وقال مالك: خرج في ثمانية آلاف أو عشرة آلاف وكتم الناس وجهه ذلك؛ لئلا يعلم أحد أين يريد ودعا الله أن يخفي ذلك عنهم.
وقوله: (وذلك على رأس ثماني سنين ونصف من الهجرة) بنحوه ما ذكره أبو نعيم الحداد في "جمعه بين الصحيحين": كان الفتح بعد السنة الثامنة، وقال مالك: كان الفتح في تسع عشر يومًا من رمضان على رأس ثماني سنين، وحقيقة الحساب على ما ذكره الشيخ: أبو محمد في "جامع مختصره" أنها سبع سنين وسبعة أشهر؛ لأن الفتح في الثامنة في رمضان وكان مقدمه المدينة في ربيع الأول، يدل عليه أن ابن عباس قال: أقمنا مع رسول الله ﷺ تسعة عشر نقصر الصلاة كما سلف في موضعه (١) وهو لم يحضر الفتح؛ لأنه كان من المستضعفين بمكة (٢).
وقوله: (خرج في رمضان إلى حنين) كذا وقع ولم تكن غزوة حنين في رمضان، وإنما كانت في شوال سنة ثمان، كما نبه عليه الدمياطي، وقال ابن التين: لعله يريد آخر رمضان؛ لأن حنينًا كانت عام ثمان إثر فتح مكة، قاله الداودي.
стр. 12783
وصوابه إلى خيبر أو مكة؛ لأنه ﷺ قصدها في هذا الشهر، فأما حنين فكانت بعد الفتح بأربعين ليلة، وكان قصد مكة أيضًا في هذا الشهر، كذا حكاه المجد ابن تيمية في "منتقاه" عن شيخه [ابن] (١) عبد القادر (٢).
قال المحب الطبري: فنحن نجوز أن يكون ذلك لما قصد ذلك وكان في هذا الشهر، وكان قصده بعدها حنينًا، فأطلق عليه الخروج إلى حنين؛ لاحتمال قصدهما جميعًا ويجوز فطره بعد الخروج بأيام لما بلغ الكديد، لا يوم الخروج.
ثم ما ذكر عن شيخه فيه نظر، فقد ذكر بعض أهل التاريخ أن خروجه إلى حنين كان بعد الفتح بخمسة عشر يومًا، وذكر بعضهم ذلك، كذلك قال ابن التين: وحديث ابن عباس السالف في الصلاة والآتي في باب مقامه بمكة زمن الفتح قريبًا أنه ﷺ أقام بمكة تسعة عشر يومًا يصلي ركعتين (٣) يرد هذا؛ لأن مكة فتحها على ما تقدم عن مالك يوم تسعة عشر من رمضان، فكيف يخرج في رمضان وهو بعد أقام بمكة تسعة عشر يومًا يقصر اللهم إلا أن يريد بذلك في غير زمن الفتح، وأن ذلك كان في حجة الوداع أو غيرها. وحنين: واد بمكة بينه وبين مكة بضعة عشر ميلاً، وقال: المعروف أن حنينًا كانت في شوال، وسبب حنين أنه لما أجمع ﷺ على الخروج إلى مكة لنصرة خزاعة، أتى الخبر إلى هوازن أنه يريدهم، فاستعدوا للحرب، حتى أتوا سوق ذي المجاز، فسار ﷺ حتى أشرف على وادي حنين مساء ليلة الأحد، ثم
стр. 12784
(صابحهم) (١) يوم الأحد النصف من شوال.
وقوله: (بإناء من لبن أو ماء) وقوله بعده: (بإناء من ماء) لا تعارض بينهما؛ لأن الأول شك والثاني جزم، وأما الداودي فجمع بينهما بأنه دعا بهذا مرة، والآخر أخرى، وجمع ابن التين بأن الأول كان في حنين، والثاني في الفتح.
وقوله: (للصوَّام): كذا هو بالألف في الأصول، وذكره ابن التين بحذفها، وقال هو جمع صائم.
وقوله: (فأفطر حتى قدم مكة) ظاهره فصام، لكن سلف قبله (فلم يزل مفطرًا حتى انسلخ الشهر).
وقول ابن عباس: (فمن شاء صام ومن شاء أفطر) ظاهره التخيير، والأفضل عندنا الصوم لمن لم يتضرر به (٢)، وهو مشهور مذهب مالك خلافًا لابن الماجشون. قال تعالى: ﴿وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: ١٨٤] وقوله: (ليراه) أي: لئلا يتكلف أصحابه الصوم فيضعفوا عن الحرب، فإذا فعل هو بادروا إلى الفطر، وقيل: يحتمل أن يريهم ذلك، وقد بيت هو الصوم للضرورة قاله الداودي، وجعله مطرف حجة على فطره وإن بيت الصوم، ومنعه جماعة أصحاب مالك، وفي الكفارة عندهم ثلاثة أقوال (٣).
ثالثها: أن تأول فعله ﷺ ورأى ابن القاسم الوجوب.
٤٢٨٧ - حَدَّثَنَا صَدَقَةُ بْنُ الْفَضْلِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَحَوْلَ الْبَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطْعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء:٨١]، ﴿قُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ (٤٩)﴾. [سبأ:٤٩] [انظر: ٢٤٧٨ - مسلم: ١٧٨١ - فتح: ٨/ ١٥]
٤٢٨٨ - حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، فَأُخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا مِنَ الأَزْلَامِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "قَاتَلَهُمُ اللهُ، لَقَدْ عَلِمُوا مَا اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطُّ". ثُمَّ دَخَلَ الْبَيْتَ، فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِي الْبَيْتِ، وَخَرَجَ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ. تَابَعَهُ مَعْمَرٌ، عَنْ أَيُّوبَ. وَقَالَ وُهَيْبٌ: حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٣٩٨ - مسلم: ١٣٣١ - فتح: ٨/ ١٦]
ذكر فيه ثمانية أحاديث:
أحدها:
حديث هِشَام، عَنْ أَبِيهِ: لَمَّا سَارَ رَسُولُ اللهِ عَامَ الفَتْحِ فَبَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا، خَرَجَ أَبُوً سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ، وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَلْتَمِسُونَ الخَبَرَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، فَأَقْبَلُوا يَسِيرُونَ حَتَّى أَتَوْا مَرَّ الظَّهْرَانِ، فَإِذَا هُمْ بِنِيرَانٍ كَأَنَّهَا نِيرَانُ عَرَفَةَ، فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ: مَا هذِه؟ ثم ساق الحديث وذكر إسلامه.
وفيه أنه ركز رايته بالحجون وأمر رسول الله ﷺ يومئذ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء، ودخل النبي ﷺ من كدا، فقتل من جيش خالد بن الوليد يومئذ رجلان: حبيش بن الأشعر، وكرز بن جابر الفهري.
стр. 12788
والكلام عليه من وجوه:
أحد ها:
ذكر ابن سعد أنه ﵇ لما نزل مر الظهران أمر أصحابه فأوقدوا عشرة آلاف نار، ولم يبلغ قريشًا مسيره وهم مغتمون لما يخافون من غزوه إياهم، فبعثوا أبا سفيان يتحسس الأخبار، وقالوا: إن لقيت محمدًا خذ لنا منه أمانًا، فخرج ومعه حكيم بن حزام وبديل، فلما راءوا العسكر أفزعهم وعلى الحرس تلك الليلة عمر، فسمع العباس صوت أبى سفيان فقال: أبا حنظلة.
قال: لبيك. قال: هذا رسول الله ﷺ في عشرة آلاف فأسلم ثكلتك أمك وعشيرتك (١).
ولابن إسحاق أن أبا سفيان ركب مع العباس ورجع بديل وحكيم (٢). ولابن عقبة: ذهبوا كلهم مع العباس إلى رسول الله ﷺ فأسلموا.
ولأبي معشر: أن الحرس جاءوا بأبي سفيان إلى عمر فقال: أبقوهم حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فلما أخبره الخبر جاء العباس إلى أبي سفيان فأردفه، فجاء به إلى رسول الله ﷺ وجاءوا بالآخرين.
وللبيهقي: "ومن دخل دار حكيم بن حزام فهو آمن" بعد أن قال: "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن" (٣).
стр. 12789
وذكر الطبري أنه ﵇ وجه حكيم بن حزام مع أبي سفيان بعد إسلامهما إلى- مكة وقال: "من دخل دار حكيم فهو آمن -وهي بأسفل مكة- ومن دخل دار أبي سفيان فهو آمن - وهي بأعلى مكة" وكان هذا أمانًا منه لكل من لم يقاتل من أهل مكة (١)، ولهذا قال جماعة من أهل العلم منهم الشافعي: أن مكة مؤمنة وليست عنوة، والأمان كالفتح، ورأى أن أهلها مالكون رباعهم، فلذلك كان يجيز كراءها لأربابها، وبيعها وشراءها؛ لأن من أمن فقد حرم ماله ودمه، فمكة مؤمنة إلا من استثنى الشارع.
ثانيها:
"عند حطم الجبل". هو بالحاء، وهو ما حطم منه. أي: ثلم من عرضه فبقي منقطعًا، قاله الخطابي (٢)، وكذا قال ابن التين: لعله يريد عند موضع يهدم من الجبل ويكسر. قال: فيكون بفتح الحاء وكسر الطاء، وكذا ضبط في بعض الكتب، وفي بعضها بسكون الطاء والأولى ضبط اللغة وإنما حبس هناك لأنه موضع ضيق يرون منه كلهم فلا تفوته رؤية أحد منهم، ثم حكى مقالة الخطابي السالفة.
والكتيبة: القطعة المجتمعة من الجيش، وأصله من الكتبة وهو أنك إذا جمعت شيئًا إلى شيء فقد كتبته، وكان أبو سفيان يقول عندما كثرت الحرس: يا عباس، إن هذا الملك. يقول العباس: بل النبوة يا أبا سفيان.
стр. 12790
فائدة:
كان شعار المهاجرين يومئذ عبد الرحمن، والخزرج عبد الله، والأوس عبيد الله.
ثالثها:
قوله: (فأسلم أبو سفيان) هذا هو الصواب، وقيل: بل رجع وهو على كفره، حكاه ابن التين.
وقول سعد بن عبادة: (يا أبا سفيان اليوم يوم الملحمة)، أي: يوم الحرب، أو يوم حرب لا يجد فيه المرء منه ملجئًا، أو يوم القتل، يقال: لحم فلان فلانًا: قتله.
وقوله بعده: (اليوم تستحل الكعبة): فلما بلغ رسول الله ﷺ ذلك، قال: "كذب سعد، هذا يوم يعظم الله فيه الكعبة، ويوم تكسى فيه الكعبة". وفي رواية أخرى: هذا يوم تستحل فيه الحرمة. فقال ﷺ : "بل يوم المرحمة ويوم يعظم الله فيه الحرمة".
وذكر أن أبا قتادة قال: هذا يوم يذل الله فيه قريشًا، فقال ﷺ : "مهلا فإن لله في قريش جار أما إنك لو وزنت حلمك بأحلامهم لرجحت أحلامهم".
وقول أبي سفيان: (يا عباس هذا يوم الذمار) أي: هذا يوم أؤمل فيه حفظي وحمايتي من أن ينالني مكروه.
قال الخطابي: (يوم الذمار): يوم القتل. تمنى أن يكون له يد فيحمي قومه (١).
стр. 12791
وقوله: (جاءت كتيبة وهي أقل الكتائب فيهم رسول الله ﷺ وأصحابه) كذا وقع عند جميع الرواة. ورواه الحميدي في كتابه: هي أجل الكتائب (١). وهو الأظهر، وقد كان عمر أراد قتل أبي سفيان، فقال ﷺ عندما أتى به العباس فقال العباس: دوني يا عمر، قال ﷺ : "ما دون أبي الفضل شر". قال عمر: قد برح الخفاء دعني أقتل أبا سفيان؛ فإنه رأس الكفر. فجعل العباس يتلطف رسول الله ﷺ ويقول: إن أبا سفيان يحب أن يذكر، فاجعل له شيئًا يذكر به. فقال ﷺ : "من دخل دار أبي سفيان فهو آمن".
رابعها:
(الحجون): موضع بأعلى مكة بفتح الحاء.
قوله: (وأمر رسول الله ﷺ خالد بن الوليد أن يدخل من أعلى مكة من كداء ودخل النبي ﷺ من كدى) قد أسلفنا في الحج أن الصواب دخوله ﷺ من كداء. بالفتح. فراجعه. وسلف السر فيه.
قال ابن التين: والذي عليه أهل اللغة أن كداء بفتح الكاف والمد، والكدي بالضم وتشديد الياء، وسلف في الحج عن عروة، ولم يسنده أنه ﷺ دخل عام الفتح من كداء من أعلى مكة (٢). والمضبوط في الأمهات الفتح للأعلى والضم للأسفل، وكذا أسنده عروة، عن أبيه، عن عائشة ﵂ (٣) وهو في حديث ابن عمر كذلك أيضًا (٤)، وإنما وقع هنا: أنه أمر خالدًا فدخل من أعلى مكة. ودخل هو من كدا ضبطه
стр. 12792
في الأمهات بضم الكاف، وفي إحدى روايات عروة كُدَا بالضم التي هي أعلى مكة.
خامسها:
(حبيش) بالحاء المهملة المضمومة، ثم باء موحدة (١). وقال ابن إسحاق: خُنيس (٢) -بخاء معجمة ثم نون (٣). والأول أصح- ابن خالد بن خليفة بن منقذ بن ربيعة بن أصرم ابن خنيس (٤) بن حرام بن حبيشة بن عمرو بن كعب بن لحي الأشعر، عند الكلبي: حبيش وعند ابن سعد وغيره: هو خالد أبوه، وهو المقتول مع كرز لا ابنه حبيش (٥)، وأم معبد عاتكة بنت خليفة بن منفذ، وكنية حبيش أبو صخر. روى في "الغيلانيات" من حديثه قصة أم معبد بطولها (٦). وله صحبة. وكرز بن جابر بن حسيل بن لاحب بن عتبة بن عمرو بن سنان بن محارب، أخي الحارث وغالب بن فهر كان قبل إسلامه أغار على سرح المدينة، فخرج رسول الله ﷺ في طلبه حتى بلغ شقران بناحية بدر فلم يدركه، فهي بدر الأولى، ثم أسلم فحسن إسلامه، وولاه ﷺ الجيش الذي خرج في طلب العرنيين فأدركهم وجاء بهم، استشهد يوم الفتح. وفي الصحابة أربعة سواه، يقال لكل منهم كرز.
стр. 12793
الحديث الثاني: حديث عبد الله بن مغفل: في الرجيع بسورة الفتح. يأتي في التفسير وفضائل القرآن.
الحديث الثالث: حديث أسامة: أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا؟
سلف في الحج. وسياقه هنا أتم، وفيه: "لا يرث المؤمن الكافر ولا الكافر المؤمن".
الرابع:
حديث أَبِي هُرَيْرَة ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْزِلُنَا -إِنْ شَاءَ اللهُ، إِذَا فَتَحَ اللهُ- الخَيْفُ، حَيثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفرِ".
الخامس:
حديثه أيضًا: قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حِينَ أَرَادَ حُنَيْنًا: "مَنْزِلُنَا غَدًا -إِنْ شَاءَ اللهُ- بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ، حَيْت تَقَاسَمُوا عَلَى الكُفْرِ". سلفا في الحج أيضًا.
الحديث السادس: حديث أَنَسِ في المغفر:
وقد سلف في باب دخوله الحرم ومكة غير محرم. زاد هنا: قال مالك: ولم يكن النبي ﷺ فيما نُرى -والله أعلم- يومئذ محرمًا. وهو كما قال؛ لأنه لم يرو واحد أنه تحلل يومئذ من إحرامه، وقد قال ﷺ : "وإنما أحلت لي ساعة من نهار" وقوله تعالى: ﴿وَأَنْتَ حِلٌّ بِهَذَا الْبَلَدِ (٢)﴾ [البلد: ٢] أيضًا شاهد له، وقيل: يحتمل أن يكون محرمًا، إلا أنه لبس المغفر للضرورة وهذا من خواصه، ومن دخل مكة لا لنسك فإحرامه مستحب على الأصح عندنا، وعند أبي مصعب والزهري خلافًا لمالك، لكن مشهور مذهبه [أن من] (١) تركه لا شيء عليه.
стр. 12794
وفي قتله ابن خطل دلالة أن الحرم لا يعصم من القتل الواجب، وكان قد قتل وارتد كما سلف قريبًا.
الحديث السابع:
حديث أَبِي مَعْمَرٍ عن عبد الله قَالَ: دَخَلَ النَّبِيُّ ﷺ مَكَّةَ يَوْمَ الفَتْحِ وَحَوْلَ البَيْتِ سِتُّونَ وَثَلَاثُمِائَةِ نُصُبٍ، فَجَعَلَ يَطعُنُهَا بِعُودٍ فِي يَدِهِ وَيَقُولُ: " ﴿جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ ﴿وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ﴾ ".
(نصب) بضم النون والصاد، ويجوز إسكان الصاد، ويجوز فتح النون مع ذلك أيضًا، وكلها واحد الأنصاب. كما نبه عليه ابن التين، والنصب: الحجر أو الصنم المنصوب للعبادة، ومنه: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ [المائدة: ٣] والأنصاب أيضًا أعلام الطريق يهتدى بها، سميت أنصابًا؛ لأنها تنصب، فارتفعت للأبصار. (يطعنها) بضم العين على ما سلف.
الحديث الثامن:
حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ، ثَنَا عَبْدُ الصَّمَدِ: حَدَّثَنِي أَبِي، ثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمَّا قَدِمَ مَكَّةَ أَبَى أَنْ يَدْخُلَ البَيْتَ وَفِيهِ الآلِهَةُ، فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ، وأخْرِجَ صُورَةُ إِبْرَاهِيمَ، وَإِسْمَاعِيلَ .. الحديث.
سلف في الحج في باب: من كبر في نواحي الكعبة عن أبي معمر، عن عبد الوارث، عن أيوب (١).
وقال هنا: (تابعه معمر، عن أيوب، وقال وهيب: ثنا أيوب، عن عكرمة، عن النبي ﷺ ). وسقط من نسخة الأصيلي والد عبد الصمد
стр. 12795
والصواب إثباته.
وقوله: (ولم يصلِّ فيه) قد سلف الجمع بين هذا وبين ما خالفه في الصلاة في باب قول الله تعالى: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥] فراجعه. وأخذ الناس برواية الأثبات.
تَابَعَهُ أَبُو أُسَامَةَ وَوُهَيْبٌ فِي: كَدَاءٍ.
ثم ساقه من حديث أبي أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ: أنه ﷺ دَخَلَ عَامَ الفَتْحِ مِنْ أَعْلَى مَكَّةَ مِنْ كَدَاءٍ.
هذا الباب سلف -وأصله في الحج- وبيان الاختلاف [بين] (١) كَداء وكُدى، وأن الصواب أن الفتح: العليا، والضم السفلى.
قال القاضي عياض: كَداء، وكُداء، وكُدى جاءت في أحاديث: الحج والجهاد، وفتح مكة، وغير موضع، واختلفت الروايات والتفسير فيها.
كداء مفتوح ممدود غير مصروف بأعلى مكة: ثنية. وقال الخليل وغيره: يعني كما تقدم، وكُدي -بالضم مشدد الياء-: جبلان قرب مكة، الأعلى منهما هو الممدود (٢).
وقال غيره: كدى مقصور منون مضموم: الذي أسفلها، والمشددة؛ لمن خرج إلى اليمن وليس من طريقه ﷺ في شيء (٣). وقد سلف واضحًا، فلا حاجة إلى إعادته، وقد سلف الهمز فيه أيضًا.
стр. 12798
٥٠ - باب مَنْزِلُ النَّبِيِّ ﷺ يَوْمَ الْفَتْحِ
٤٢٩٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ عَمْرٍو، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى: مَا أَخْبَرَنَا أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ ﷺ يُصَلِّي الضُّحَى غَيْرَ أُمِّ هَانِئٍ، فَإِنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّهُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ اغْتَسَلَ فِي بَيْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ، قَالَتْ: لَمْ أَرَهُ صَلَّى صَلَاةً أَخَفَّ مِنْهَا، غَيْرَ أَنَّهُ يُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ. [انظر: ١١٠٣ - مسلم: ٣٣٦ - فتح: ٨/ ١٩]
ذكر فيه حديث أم هانئ أَنَّهُ اغْتَسَلَ يَوْمَ الفَتْحِ فِي بَيْتِهَا، ثُمَّ صَلَّى ثَمَانِيَ رَكَعَاتٍ.
وقد سلف في باب: صلاة الضحى في السفر وغيره (١).
عَادَتْ حُرْمَتُهَا اليَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالأَمْسِ، وَليُبَلِّغِ الشَّاهِدُ الغَائِبَ". فَقِيلَ لأَبِي شُرَيْح: مَاذَا قَالَ لَكَ عَمْرٌو؟ قَالَ: قَالَ أَنَا أَعْلَمُ بِذَلِكَ مِنْكَ يَا أَبَا شُرَيْحٍ، إِنَّ الَحرَمَ لَا يُعِيذ عَاصيًا، وَلَا فَارًّا بِدَمٍ، وَلَا فَارًّا بِخَرْبَةٍ. [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: الَخرْبَةُ: البَلِيَّة]. [انظر: ١٠٤ - مسلم: ١٣٥٤ - فتح: ٨/ ٢٠]
٤٢٩٦ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ ﵄ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ عَامَ الْفَتْحِ وَهْوَ بِمَكَّةَ: "إِنَّ اللهَ وَرَسُولَهُ حَرَّمَ بَيْعَ الْخَمْرِ". [انظر: ٢٢٣٦ - مسلم: ١٥٨١ - فتح: ٨/ ٢٠]
ذكر فيه أربعة أحاديث:
أحدها:
حديث عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقُولُ فِي رُكُوعِهِ وَسُجُودِهِ: "سُبْحَانَكَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَبِحَمْدِكَ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي".
وقد سلف في: الصلاة، في باب: الدعاء في الركوع، وهو ظاهر في جواز الدعاء فيه (١)، ومالك لا يراه (٢)، ولعله لم يبلغه الحديث.
ثانيها:
حديث ابن عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ عُمَرُ يُدْخِلُنِي مَعَ أَشْيَاخِ بَدْرٍ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لِمَ تُدْخِلُ هذا مَعَنَا وَلنَا أَبْنَاءٌ مِثْلُهُ؟ فذكر الحديث: وأنه جاء لفهم، وفسر الفتح بفَتْح مَكَّةَ، فَذَاكَ عَلَامَةُ أَجَلِكَ ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ قال عمر: ما أعلم فيها إلا ما تعلم. وسيأتي في: التفسير أيضًا (٣).
стр. 12801
والقائل لعمر ذاك هو: عبد الرحمن بن عوف كما ذكره ابن التين (١)، ولم ينقله هذا لابن عباس، وأظنه أراد أن يكون ابنا له من أبنائهم معه فأخبره عمر ما زادهم به من القرابة والعلم، وبين لهم ذلك بما امتحنهم به.
الحديث الثالث:
حديث أَبِي شُرَيْحٍ العَدَوِيِّ وأَنَّهُ قَالَ لِعَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ، وَهْوَ يَبْعَثُ البُعُوثَ إِلَى مَكَّةَ الحديث.
سلف في الحج (٢) واضحًا، واسمه: خويلد بن عمرو بن صخر بن عبد العزى بن معاوية بن المحترش بن عمرو بن نبهان، أخي مازن رهط بديل بن ورقاء ابني عدي أخي كعب وفليح وسعد وعوف أولاد عمرو بن لحي الخزاعي العدوي، وينسب تارة الكعبي إلى العم؛ لشهرة بني كعب بن خزاعة على إخوتهم.
وقد روي في الحديث مرفوعًا: "نزل القرآن بلغة الكعبين" (٣) -يعني: كعب بن لؤي، وكعب بن خزاعة- أسلم أبو شريح قبل فتح مكة، وكان يحمل أحد ألوية بني كعب بن خزاعة الثلاثة يوم الفتح، والثاني محبر بن سفيان بن سلول بن كعب، والثالث عمرو بن سالم من بني منيح القائل:
стр. 12802
اللهم إني ناشد محمدًا … حلف أبينا وأبيه الأتلدا
مات أبو شريح بالمدينة سنة ثمان وستين.
قال الداودي: وتأويل عمرو ليس بشيء، أي: في قوله: (إن الحرم لا يعيذ عاصيًا) إلى آخره، وأكثر ما يجوز أن يجعل بمكة من الحرب، إذا أُرِيدَ بها أحد أن يدفع عن نفسه، كما جعل ابن الزبير ﵁ أو يكون الملحد من أراد ظلمه.
ووقع في "السير" لابن إسحاق: عمرو بن الزبير بدل عمرو بن سعيد (١)، والصواب ما في "الصحيح"، والوهم فيه من دون ابن إسحاق، فقد رواه يونس بن بكير عنه على الصواب، وقد سلف هناك اختلاف العلماء في الاستعاذة في الحرم، وعندنا وعند مالك: نعم (٢)، وخالف أبو حنيفة، وقيل: إن قتل في الحرم استعيذ منه، وإلا فلا (٣). وجه الأول قصة ابن خطل وغيره.
الحديث الرابع: حديث جابر ﵁، أنه سمع رسول الله ﷺ يقول عام الفتح وهو بمكة: "إن الله ورسوله حرم بيع الخمر".
وقد سلف في البيع (٤).
٤٣١٣ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ، حَدَّثَنَا أَبُو عَاصِمٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي حَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَامَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ، فَهْيَ حَرَامٌ بِحَرَامِ اللهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، لَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَلَا تَحِلُّ لأَحَدٍ بَعْدِي، وَلَمْ تَحْلِلْ لِي إِلاَّ سَاعَةً مِنَ الدَّهْرِ، لَا يُنَفَّرُ صَيْدُهَا، وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا، وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا، وَلَا تَحِلُّ لُقَطَتُهَا إِلاَّ لِمُنْشِدٍ". فَقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ إِلاَّ الإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللهِ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ وَالْبُيُوتِ. فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: "إِلاَّ الإِذْخِرَ فَإِنَّهُ حَلَالٌ". وَعَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الْكَرِيمِ عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِمِثْلِ هَذَا -أَوْ نَحْوِ هَذَا-[انظر: ١٣٤٩ - مسلم: ١٣٥٣ - فتح: ٨/ ٢٦]
رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر:١١١٢ - مسلم: ١٣٥٥]
ذكر فيه (ستة) (١) أحاديث:
أحدها:
وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَاب، أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ بْنِ صُعَيْرٍ: وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ قدْ مَسَحَ وَجْهَهُ عَامَ الفَتْحِ.
وهذا رواه يونس في كتابه عن محمد بن إسحاق، عن الزهري به أيضاً. و (ثعلبة) هذا يقال له: ابن أبي صعير أيضاً -بالصاد والعين المهملتين- بن عمرو بن زيد بن شيبان العذري حليف بني زهرة، روى عنه ابنه، وهما صحابيان، ولد ابنه سنة ستٍّ أو سبع من الهجرة، ومات سنة تسع وثمانين عن ثلاث وثمانين سنة، وروى عبد الله، عن أبيه، عن رسول الله ﷺ . وأغرب ابن التين فقال:
стр. 12808
عبد الله هذا إن كان عقل ذلك أو عقل عنه كانت له صحبة، وإن لم يعقل عنه شيئًا كانت تلك (فضيلة) (١) وهو من الطبقة الأولى من التابعين. قلت: أطبقوا (٢) على صحبته كما ذكرناه (٣).
الحديث الثاني:
حديث الزُّهْرِيِّ، عَنْ سُنَيْنٍ أَبِي جَمِيلَةَ وَنَحْنُ مَعَ ابن المُسَيَّبِ قَالَ: وَزَعَمَ أَبُو جَمِيلَةَ أَنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ ﷺ ، وَخَرَجَ مَعَهُ عَامَ الفَتْحِ.
سيأتي عنه معلقًا أنه التقط منبوذًا فأتى عمر فسأل عنه، فأثني عليه خير، وأنفق عليه عمر (٤). زاد مالك في "موطئه": وجعل ولاءه له (٥)
وهو ضمري وقيل: سمي (سُنَيْن) بضم السين المهملة، ثم نون مفتوحة، ثم مثناة تحت ساكنة وربما حكى تشديدها ثم نون. وجميلة: بفتح الجيم وكسر الميم، وذكره في الصحابة غير واحد: ابن منده وابن حبان (٦) وغيرهما، وأما ابن المنذر فقال: أبو جميلة رجل مجهول. قال البيهقي: قد قاله الشافعي (٧) أيضًا في كتاب الولاء فإن ثبت كان معناه في الولاء: أجرته والقيام بحفظه دون الولاء المعروف؛ لأنه كمن أعتق.
стр. 12809
قلت: وحج مع رسول الله، ﷺ حجة الوداع، قال ابن أبي حاتم: روى عنه الزهري وزيد بن أسلم (١)، قلت: وروى عن الصديق والفاروق أيضًا. والذي أثنى عليه هو شيبان، أفاده الشيخ أبو حامد في "تعليقه".
الحديث الثالث:
حديث عمرو بن سلمة في إمامة قومه وهو ابن ست أو سبع سنين، وهو من أفراده، ولم يخرج البخاري له غيره وهو عمرو بن سلمة -بكسر اللام- بن نفيع الجرمي أبو بريد أو أبو يزيد، وقيل: سلمة بن قيس.
وقوله: (بادر كل قوم بإسلامهم وبدر أبي قومي) يقال: بدرت إلى الشيء، وبادرت أي: سعيت.
وقوله: ("وليؤمكم أكثركم قرآنًا") هذا ما رجح به، وفي حديث أبي قلابة: "فليؤمكم أكبركم" (٢) أي: سنًّا مع التساوي في القراءة والأول مع التساوي في السن، وترجيح القراءة، وفيه: حجة للشافعي في صحة إمامة الصبي في الفرض، ومنع من ذلك مالك (٣)، قال: كان هذا في أول الإسلام، وحملوا الحديث على عمومه، ولم يبلغ فعلهم الشارع.
وقوله: (وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني) أي: انضمت ونقصت عن أن تسترني، يقال: قلص الشيء أو: تقلص إذا انضم، وقلص: إذا نقص.
وقوله: (فقالت امرأة من الحي ألا تغطون عنا است قارئكم).
стр. 12810
كذا هو في الأصول: تغطون بالنون، وذكره ابن التين بحذفها، ثم قال: والصواب إثباتها؛ لأنه مرفوع على أصله.
الحديث الرابع:
حديث عائشة ﵂ مسندًا ومعلقًا في قصة ابن وليدة زمعة، وفي آخره: "الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَلِلْعَاهِرِ الحَجَرُ". قَالَ ابن شِهَابٍ: كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَصِيحُ بِذَلِكَ، وقد سلف في أول البيع (١) فراجعه.
وقوله: ("هو لك، هو أخوك يا عبد بن زمعة") من أجل أنه ولد على فراشه، فيه رد على من يقول أنه ملكه إياه عبدًا، فإن قلت: الولد لا يستلحق على فراش أبيه.
قلت: يحتمل أن يكون قول ابن زمعة معروفا أنه وطء الأمة لو كانت فراشًا.
ويحتمل أن عبدًا وارث زمعة وحده ولم ترثه سودة؛ لأنها مسلمة وكان زمعة كافرًا، ورثه عبد إذ كان حين موته كافرًا أيضًا. ذكرها ابن التين.
الحديث (الخامس) (٢):
حديث عُرْوَة بْن الزُّبَيْرِ، أَنَّ امْرَأَةً سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي غَزْوَةِ الفَتْحِ .. الحديث سلف في الشهادات مختصرًا، واسمها فاطمة بنت الأسود بن عبد الأسود (٣) بن هلال بن عمر بن مخزوم ابنة أخي
стр. 12811
أبي سلمة عبد الله بن عبد الأسد، وابن عمها الأسود بن سفيان بن عبد الأسد، وفي صحبته نظر كما قاله أبو عمر (١)، وأخوه هبار بن سفيان قتل بمؤتة، وقتل أخوها عبد الله بن سفيان باليرموك، قاله الزبير، وقال غيره بأجنادين.
وعمر بن سفيان هاجر إلى الحبشة، قاله الزبير. وعبد الله بن سفيان من مهاجرة الحبشة هو وأخوه هبار، قاله ابن إسحاق (٢). ونزل عبد الله حمص وجرف، والأسود أبوها قتله حمزة يوم بدر أول من قتل، وكان عهد أنه ليشربن من حوض المسلمين أو ليهدمنه أو يموتن دونه فخرج، وخرج إليه حمزة فقتله -وكان سيئ الخلق- قال الزبير: أدركه حمزة وهو يكسر الحوض فقتله فاختلط دمه بالماء.
وقوله: (ففزع قومها إلى أسامة) أي: لجئوا إليه، يقال: فزعت إليه -بكسر الزاي- فأفزعني أي: لجأت إليه فأعانني، وفزعت عنه: كشفت عثه الفزع، ومنه قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَنْ قُلُوبِهِمْ﴾ [سبأ: ٢٣].
الحديث السادس:
حديث عَاصِم -هو: ابن سليمان الأحول- عَنْ أَبِي عُثْمَانَ- هو: عبد الرحمن بن مل النهدي - حَدَّثَنِي مُجَاشِعٌ فذكر حديث المبايعة.
وقد سلف في: الجهاد في باب: البيعة في الحرب أن لا يفروا (٣)، مختصرًا.
ثم ذكر بعد: وقال مجاشع بن مسعود. وقال في الأول: جِئْتُكَ بِأَخِي لِتُبَايِعَهُ عَلَى الهِجْرَةِ.
стр. 12812
وقال في الثاني: انْطَلَقْتُ بِأَبِي مَعْبَدٍ. ثم قال فيه: وَقَالَ خَالِدٌ: عَنْ أَبِي عُثْمَانَ، عَنْ مُجَاشِعٍ أَنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ مُجَالِدٍ. وهو بيان لأخيه، مجاشع ومجالد ابنا مسعود بن ثعلبة بن وهب من بني بهثَهَ بن سليم بصري قتل يوم الجمل سنة ست وثلاثين -أعني: مجاشعًا- اتفقا عليه، وادعى الدمياطي انفراد البخاري بمجالد.
الحديث السابع:
حديث أَبِي بِشْرٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ: قُلْتُ لاِبْنِ عُمَرَ: إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُهَاجِرَ إِلَى الشَّأمِ. قَالَ: لَا هِجْرَةَ ولكن جِهَادٌ ونية، فَانْطَلِقْ فَاعْرِضْ نَفْسَكَ، فَإِنْ وَجَدْتَ شيْئًا وَإِلَّا رَجَعْتَ.
وقال النضر: أنا شعبة، أنا أبو بشر: سمعت مجاهدًا: قلت لابن عمر فقال: لا هجرة اليوم، أو بعد رسول الله ﷺ .
ثم ساق عَنْ عَبْدَةَ بْنِ أَبِي لُبَابَةَ، عَنْ مُجَاهِدِ بْنِ جَبْرٍ المَكِّيِّ، أَنَّ ابن عُمَرَ كَانَ يَقُولُ: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الفَتْحِ.
ثم ساق عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ: زُرْتُ عَائِشَةَ مَعَ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، فَسَأَلَهَا عَنِ الهِجْرَةِ فَقَالَتْ: لَا هِجْرَةَ اليَوْمَ، كَانَ المُؤْمِنُ يَفِرُّ بِدِينِهِ إِلَى اللهِ وإِلى رَسُولِهِ؛ مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ، فَأَمَّا اليَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللهُ الإِسْلَامَ، فَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ، ولكن جِهَادٌ وَنِيَّةٌ.
وطريق مجاهد وعطاء سلفا في الهجرة (١).
واسم أبي بشر: جعفر بن أبي وحشية إياس اليشكري الواسطي، مات سنة خمس أو أربع أو ثلاث وعشرين ومائة، وكان مولده سنة سبعين.
стр. 12813
وقد سلف تأويل لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية.
قال ابن التين: قيل: يريد أن الهجرة لا تبتدأ حينئذ، وأن من كانت تقدمت له هجرة فهو مستمر عليها بدليل قوله في حديث الوداع: "اللهم أمض لأصحابي هجرتهم" (١).
الحديث الثامن:
حديث ابن جُرَيْجٍ عن حَسَنِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَامَ يَوْمَ الفَتْحِ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ حَرَّمَ مَكَّةَ" إلى آخره.
فَقَالَ العَبَّاسُ: إِلَّا الإِذْخِرَ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْقَيْنِ وَالْبُيُوتِ. فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ: "إِلَّا الإِذْخِرَ". وَعَنِ ابن جُرَيْج قال: أَخْبَرَنِي عَبْدُ الكَرِيمِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ بِمِثْلِ هذا -أوْ نَحْوِ هذا-
رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ ﵁ عَنِ رسول الله ﷺ مثله سلف في الحج من حديث خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس، ومن حديث جرير، عن منصور، عن (مجاهد، عن طاوس) (٢) عن ابن عباس ﵄ بطوله (٣).
والقين: الحداد. وسكوته ﵇ قبل قوله: "إلا الإذخر" لينظر ما يوحى إليه في ذلك.
فصل:
ذكر ابن سعد بعد الفتح سرية خالد بن الوليد إلى العزى لخمس بقين من رمضان سنة ثمان ليهدمها، فخرج في ثلاثين فارسًا من أصحابه حتى انتهوا إليها فهدمها.
стр. 12814
ثم سرية عمرو بن العاصي إلى سواع في رمضان، وهو صنم لهذيل ليهدمه فهدمه. ثم سرية (سعد) (١) بن زيد الأشهلي إلى مناة، فيه أيضًا: فهدمه ورجع لستٍ بقين من رمضان. ثم سرية خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من كنانة في شوال سنة ثمان (٢). وعند ابن إسحاق: قيل: هدم العزى ثم غزوة حنين (٣).