وَلَا خُلُقٍ، إِلَّا أَنِّي أَخَافُ الكُفْرَ. فقال رَسُولُ اللهِ ﷺ : "فَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ. فَرَدَّتْ عَلَيْهِ، وَأَمَرَهُ فَفَارَقَهَا.
وفي إسناده قراد أبو نوح، وقراد لقب، واسمه عبد الرحمن بن غزوان مولى خزاعة، سكن بغداد، ومات سنة سبع ومائتين (١).
وعن أيوب عن عكرمة أن جميلة .. فذكر الحديث.
الشرح:
هذا الحديث من أفراد البخاري، وتعليق إبراهيم أخرجه النسائي، عن أزهر بن جميل، عنه (٢). والخوف في الآية: بمعنى: اليقين، كما قاله أبو عبيد (٣).
قال الزجاج: ويشبه عندي أن لا يكون الغالب عليهما الخوف، و ﴿يَخَافَا﴾ الرجل والمرأة، كما قاله الفراء (٤). وقرأ الأعمش وحمزة (٥) بضم الياء، وعبد الله: (إلا أن يخافوا).
وأثر عمر أخرجه ابن أبي شيبة، عن شعبة، عن الحكم، عن خيثمة قال: أتى بشر بن مروان في خلع كان بين رجل وامرأته، فلم يجزه، فقال له عبد الله بن شهاب شهدت عمر بن الخطاب أتى في خلع كان بين رجل وامرأته فأجازه.
стр. 15123
وحكاه أيضًا، عن عثمان، وابن سيرين، والشعبي، والزهري، ويحيى بن سعيد (١).
وقال الحسن: لا يكون الخلع دون السلطان (٢).
قال ابن أبي عروبة: قلت لقتادة: عمن أخذ الحسن ذلك؟ قال: عن زياد، وكان واليًا لعلي وعمر (٣)، دليله: القراءتان الأخريان، ودليل الجماعة القراءة الأولى.
وأثر عثمان لا يحضرني.
نعم أخرج ابن أبي شيبة، عن عفان، ثنا همام، حدثنا مطر، عن ثابت، عن عبد الله بن رباح، أن عمر (قال) (٤): اخلعها بما دون عقاصها. وفي لفظ: اخلعها ولو من قرطها. وعن ابن عباس: حتى من عقاصها، وقاله أيضًا مجاهد وإبراهيم (٥).
قال ابن المنذر: وبنحوه قال ابن عمر والضحاك وعثمان بن عفان وعكرمة، وهو قول الشافعي وداود.
وأثر طاوس أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا عن ابن علية، ثنا ابن جريج، عنه، بلفظ: يحل له الفداء بما قال الله: ﴿إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩]
(ولم يكن يقول قول السفهاء: حتى تقول: لا أغتسل لك من جنابة). ولكنه يقول: إلا ألا يقيما حدود الله فيما افترض لكل واحد منهما علي
стр. 15124
(صاحبه) (١) في العشرة والصحبة (٢).
وقد أسلفت لك أن حديث ابن عباس من أفراد البخاري، وأخرجه الترمذي محسنًا من حديث عمرو بن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس، وفيه: فأمرها أن تعتد بحيضة (٣).
وأخرجه ابن ماجه من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن عكرمة، عنه، أن جميلة بنت سلول .. الحديث. فأمره أن يأخذ منها حديقته ولا يزداد.
وله أيضًا من حديث حجاج، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قال: كانت حبيبة بنت سهل تحت ثابت وكان رجلاً دميمًا، فقالت: والله يا رسول الله لولا مخافة الله لبصقت في وجهه، فقال: "أتردين عليه حديقته؟ " .. الحديث (٤).
وهذا قول ثانٍ في اسمها حبيبة لا جميلة، وكذا سماها ابن وهب في "موطآته" عن مالك، عن يحيي، عن عمرة، عن حبيبة.
ورواه أبو داود من حديث عمرة، عن عائشة بزيادة: فضربها، فكسر بعضها. وفي آخره: فقال: "خذ بعض مالها وفارقها". فقال ثابت: ويصلح ذلك يا رسول الله؟ قال: "نعم". قال: فإني أصدقتها حديقتين، وهما بيدها، فقال: "خذهما وفارقها" (٥).
стр. 15125
وذكر عبد الرزاق، عن معمر قال: بلغني أنها قالت لرسول الله ﷺ : بي من الجمال ما ترى، وثابت رجل دميم (١).
وروى معتمر بن سليمان، عن فضيل، عن أبي جرير، عن عكرمة، عن ابن عباس: أول خلع كان في الإسلام أن أخت عبد الله بن أُبي قالت: يا رسول الله، لا يجتمع رأسي ورأسه أبدًا، إني رفعت جانب الخباء فرأيته أقبل في عدة، فإذا هو أشدهم سوادًا، وأقصرهم قامة، وأقبحهم وجهًا. فقال: "أتردين عليه حديقته؟ " قالت: نعم، وإن شاء زدته. ففرق بينهما (٢).
وللنسائي من حديث الرُّبَيِّع بنت معوذ قالت: اختلعت من زوجي، ثم جئت عثمان فسألت: ماذا عليَّ من العدة؟ فقال: لا عدة عليك، إلا أن يكون حديث عهد بك فتمكثين عنده حتى تحيضي حيضة. قالت: وإنما تبع في ذلك قضاء رسول الله ﷺ في مريم المغالية. وكانت تحت ثابت بن قيس فاختلعت منه (٣).
وفي اسمها قول ثالث أنها سهلة بنت حبيب، ذكره ابن الجوزي عن بعض الروايات، قاله بعد ذكره حبيبة بنت سهل، وابن سعد، فقال: جميلة بنت عبد الله بن أُبي بن سلول، وكانت تحت حنظلة، فلما قتل عنها خلف عليها ثابت، فولدت له محمدًا -قتل يوم الحرة- قال: وهي أخت عبد الله بن عبد الله بن أُبي لأبيها وأمها (٤).
стр. 15126
ثم ذكر ابن سعد أن حبيبة بنت سهل النجارية هي المختلعة من ثابت، وكان ﵇ قد هَمَّ أن يتزوجها، وهي جارية، ثم ذكر غيرة الأنصار، فكره أن يسوءهم في نسائهم، فتزوجها ثابت وأنه ضربها، فأصبحت على باب رسول الله ﷺ في الغلس تشكو. الحديث (١).
وفي "الاستيعاب": رواية البصريين: المختلعة: جميلة بنت أُبي. ورواية أهل المدينة: هي حبيبة بنت سهل بن ثعلبة الأنصاري. قال: وجائز أن تكون حبيبة وجميلة بنت أُبي اختلعتا من ثابت (٢).
وأما ابن منده فذكر أن جميلة بنت عبد الله بن أبي لما قتل عنها زوجها حنظلة بن أبي عامر تزوجها ثابت، فمات عنها، فخلف عليها مالك بن الدخشم، وأن المختلعة جميلة بنت أُبي المذكور قبل. أورد ذلك عليه أبو نعيم الحافظ (٣)، وزعم ابن الأثير أنها جميلة بنت أُبي، لا ابنة عبد الله، هذا هو الصحيح (٤).
وقال الدمياطي: جميلة بنت عبد الله هو الصواب، لا أخته كما وقع في البخاري وليس كما قال؛ لأنها إذا كانت أخت عبد الله فهي ابنة عبد الله، فعبد الله أخوها هو ابن عبد الله، فعلى هذا هي أخت عبد الله وابنة عبد الله، توضحه رواية النسائي فأتى أخوها عبد الله (فشكي) (٥) إلى رسول الله ﷺ (٦).
стр. 15127
ووقع في "سنن ابن ماجه": جميلة بنت سلول (١)، وكذا في كتاب ابن أبي شيبة من حديث أبي الطفيل سعيد بن جميل، عن عكرمة قال: عدة المختلعة حيضة، قضى بها رسول الله ﷺ في جميلة بنت سلول. (٢).
وكذا سماها الطبراني في "معجمه" من حديث قتادة عن عبد الله (٣)، وهو صحيح؛ فإنه نسبها إلى جدها الأعلى المشهور، ومن عادة العرب النسبة إلى الأب المشهور، والإعراض عمن ليس في مثله من الشهرة.
إذا تقرر ذلك، فالرب ﷻ حرم على الزوج أن يأخذ من امرأته شيئًا مما آتاها الله إلا بعد الخوف الذي ذكر، ثم أكد الله ذلك بتغليظ الوعيد على من تعدى أو خالف أمره، فقال تعالى: ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ [البقرة: ٢٢٩]. وبمعنى الكتاب جاءت السنة في جميلة المذكورة. وفي رواية قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: لا أطيقه بغضًا (٤). وهو أول خلع جرى في الإسلام كما سلف، وهو أصل الخلع وعليه جمهور العلماء.
قال مالك: لم أزل أسمع ذلك من أهل العلم، وهو الأمر المجمع عليه عندنا أن الرجل إذا لم يضر بالمرأة ولم يسئ إليها، ولم تُؤت من قبله، وأحبت فراقه، فإنه يحل له أن يأخذ منها كل ما افتدت به كما فعله الشارع في هذِه المرأة، وإن كان النشوز من قبله بأن يضربها ويضيق
стр. 15128
عليها، رد عليها ما أخذه منها (١). روي هذا عن ابن عباس وعامة السلف، وبه قال الثوري وإسحاق وأبو ثور (٢).
وقال أبو حنيفة: إن كان النشوز من قبله لم يحل له أن يأخذ مما أعطاها شيئًا ولا يزداد، فإن فعل جاز في القضاء (٣).
وروى ابن القاسم عن مالك مثله (٤).
وهذا القول خلاف ظاهر كتاب الله وسنة رسوله في امرأة ثابت، وإنما فيه أخذ الفدية من الناشز لزوجها، إذا كان لنشوزها كارهًا، وللمقام معها محبًّا، وإن كانت الإساءة من قبله لم يجز أن يأخذ منها شيئًا لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ الآية [النساء: ٢٠].
قال مجاهد: مجامعة النساء. والميثاق الغليظ: كلمة النكاح التي يستحل بها فروجهن، فجعله ثمنًا للإفضاء (٥).
قال ابن المنذر: واحتج بعض المخالفين فقال: لما جاز أن يأخذ مالها إذا طابت به نفسًا علي غير طلاق جاز أن يأخذه علي طلاق.
قيل: هذا غلط كبير؛ لأنه حمل ما حرمه الله في كتابه من أبواب المعاوضات علي ما أباحه من سائر أبواب العطايا المباحة، فيجوز
стр. 15129
لهذا القائل أن يشبه ما حرم الله من الربا في كتابه بما أباح من العطايا علي غير عوض، فيقول: لما أبيح لي أن أهب مالي بطيب نفس من غير عوض، جاز لي أن أعطيه في أبواب الربا بعوض.
فإن قال: لا يجوز ذلك فلتعلم أنه قد أتى مثل ما أنكر في باب الربا حيث شبه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا﴾ [النساء: ٤] بما حرم في قوله: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ (١) الآية [البقرة: ٢٢٩].
وفي الحديث دلالة علي فساد قول من قال: لا يجوز له أخذ الفدية منها، حتى يكون من كراهته لها علي مثل ما هي عليه.
وهو قول طاوس والشعبي. وروي مثله عن القاسم بن محمد وسعيد بن المسيب. قال الطبري: وذلك أن امرأة ثابت .. فذكر الحديث، ولم يسأل ثابتًا هل أنت لها كاره كراهتها لك؟ فإن ظن أن قوله تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩]. يدل علي أن الزوج إنما أبيح له أخذ الفدية إذا خاف من كل واحد منهما -ببغض صاحبه- التقصير في الواجب له عليه، قيل له: هو خطاب لجميع المؤمنين، وكان معلومًا أن المرأة إذا أظهرت لزوجها البغضة لم يزل عنها النشوز والتقصير في حق زوجها.
وإذا كان كذلك لم يزل من زوجها مثل ذلك من التقصير في الواجب عليه (٢). ويروى عن ابن سيرين أنه قال: لا يحل للزوج الخلع حتى يجد علي بطنها رجلاً (٣). وهذا خلاف الحديث.
стр. 15130
فصل:
ترجمته بالخلع وكيف الطلاق فيه، كان مراده بهما بيان الخلع وأنه طلقة بائنة. وقد اختلف العلماء في البينونة بالخلع على قولين (١):
أحدهما: وروي عن عثمان وعلي وابن مسعود أنه تطليقة بائنة إلا أن تكون قد سمت ثلاثًا، فهي ثلاث (٢)، وهو قول مالك والثوري والكوفيين والأوزاعي، وأحد قولي الشافعي.
والثاني: أنه فسخ وليس بطلاق إلا أن ينويه. روي عن ابن عباس وطاوس وعكرمة، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور، وهو قول الشافعي الآخر. واحتج في أنه ليس بطلاق؛ لأنه مأذون فيه لغير قبل العدة بخلاف الطلاق.
قال ابن عباس: قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] وقال: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] ثم ذكر الطلاق بعد الفدية، ولم يذكر في الفداء طلاقًا، فلا أُراه طلاقًا (٣).
واحتج من جعله طلاقًا بقوله في الحديث: فردت الحديقة وأمره بفراقها. فصح أن فراق الخلع طلاق.
وقال الطحاوي: روي عن عمر وعلي أن الخلع طلاق. وعن عثمان وابن عباس أنه ليس بطلاق، وأجمعوا أنه لو أراد به الطلاق لكان طلاقًا.
стр. 15131
ولما كان تقع (به) (١) الفرقة عند الجميع بغير نية علم أنه ليس كالمكني الذي يحتاج إلى نية، وعلم أنه طلاق.
وقال الشافعي: فإن قيل: فإذا جعلته طلاقًا فاجعل فيه الرجعة. قيل له: لما أخذ من المطلقة عوضًا، كان كمن ملك عوضًا بشيء خرج عن ملكه، فلم يكن له رجعة فيما ملك عليه، فكذلك المختلعة (٢).
فصل:
واختلفوا في الخلع بأكثر مما أعطاها، فقالت طائفة: لا يجوز له الخلع بأكثر من صداقها هذا قول عطاء وطاوس، وكره ذلك ابن المسيب والشعبي والحكم (٣).
وقال الأوزاعي: كانت القضاة لا يجيزون له منها أكثر مما ساق إليها، وبه قال أحمد وإسحاق. قالوا: وهو ظاهر حديث ثابت؛ لأن امرأته إنما ردت عليه حديقته فقط، وحكاه ابن التين عن أهل الكوفة.
وقالت طائفة: يجوز أن يأخذ منها أكثر مما أعطاها، وهو مذهب عثمان وابن عمر وقبيصة والنخعي، وبه قال مالك وأبو حنيفة والشافعي وأبو ثور. وقال مالك: يجوز أن يأخذ منها أكثر مما ساق إليها، وليس من مكارم الأخلاق.
قال: ولم أر أحدًا ممن يقُتدى به يكره ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] وقد نزع بهذِه الآية قبيصة بن ذؤيب (٤). قال إسماعيل: وقد احتج بهذِه الآية من قال: يجوز أن يأخذ
стр. 15132
منها أكثر مما ساق إليها، ليس كما ظن، ولو قال إنسان: لا تضربن فلانًا إلا أن تخاف منه شيئًا، فإن خفته فلا جناح عليك فيما صنعت به، لكان مطلقًا له أن يصنع به ما شاء.
ومعنى قول البخاري: (وَأَجَازَ عُثْمَانُ الخُلْعَ دُونَ عِقَاصِ رَأْسِهَا) يعني: أن يأخذ منها كل مالها إلى أن يكشف رأسها ويترك لها قناعها وشبهه، مما لا كبير قيمة له. وقد قال: اخلعها ولو من قرطها.
فصل:
(١) (وأجاز عمر الخلع دون السلطان)، هو قول الجمهور إلا الحسن وابن سيرين، فإنهما قالا: لا يكون إلا عند السلطان.
وقال قتادة: إنما أخذه الحسن عن زياد، وكان واليًا لعلي وعمر.
وقال الطحاوي: روي عن عثمان وابن عمر جوازه دون السلطان، وكما جاز النكاح والطلاق دون السلطان كذلك الخلع (٢).
فصل:
قال ابن حزم: الحنفيون والمالكيون لا يجوز لهم الاحتجاح بهذا الخبر؛ لأن من قولهم: إذا خالف الصاحب ما رواه عن رسول الله ﷺ دل على نسخه وضعفه. قال: وهذا الخبر لم يأتِ إلا من طريق ابن عباس-. والثابت عن ابن عباس ما ذكرناه من أن الخلع ليس طلاقًا (٣).
قلت: كأن البخاري رواه مسندًا كما ذكره بعد.
стр. 15133
وقوله: (لا يتابع فيه (١) عن ابن عباس). وقد سئل أحمد -فيما حكاه الخلال- عن حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس به، فقال أحمد: إنما ذاك مرسل. ثم قال لأحمد بن الحسين: من حدثك به؟ قال: ابن أبي شيبة، عن الوليد بن مسلم، عن ابن جريج، وزعم أنه غريب. قال أحمد: صدق إنه غريب. وإنما كان خطأ فهو غريب.
وقال ابن أبي حاتم في "علله" عن أبيه: إنما هو عطاء عن رسول الله ﷺ مرسل، ولما سأله ابنه أيضًا عن حديث حميد: جاءت امرأة ثابت .. الحديث. بلفظ: "خذ الحديقة التي أعطيتها واخلعها". قال: هذا خطأ. إنما هو حميد، عن أبي الخليل، عن عكرمة أن امرأة ثابت. وأخطأ فيه أبو جعفر الرازي، إذ رواه عن حميد عن أنس (٢). وقد أسلفناه أيضًا مسندًا من غير هذا الوجه، لكنه ليس علي شرطه.
قال: وأما من قال: لا يجوز الخلع، وكما رويناه من طريق (الحجاج بن إسماعيل) (٣): ثنا عقبة بن أبي الصهباء قال: سألت بكر بن عبد الله المزني عن الخلع قال: لا يحل له أن يأخذ منها.
قلت: قول الله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] قال: نسخت هذِه الآية. وذكر أن الناسخة لها قوله: ﴿وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ﴾ (٤) [النساء: ٢٠].
قال ابن عبد البر: أجمع الجمهور من العلماء أن الخلع والفدية والصلح كل ذلك جائز بين الزوجين في قطع العصمة بينهما. وأن كل
стр. 15134
ما أعطته على ذلك حلال له إذا كان مقدار الصداق فما دونه، وكان ذلك من غير إضرار بها، ولا إساءة إليها، إلا بكر بن عبد الله فإنه شذ فقال: لا يحل له أن يأخذ منها شيئًا علي حال من الأحوال. وقوله خلاف السنة الثابتة في أمرٍ ثابتٍ، فلا ينبغي لعالم أن يجعل شيئًا من القرآن منسوخًا إلا بتدافع يمنع من استعماله وتخصيصه وإذا حمل قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ﴾ [البقرة: ٢٢٩] أنه يرضى بها، وحمل قوله: ﴿فَلَا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئًا﴾ [النساء: ٢٠] علي أنه بغير رضاها، صح استعمال الاثنين.
وقد بينت السنة ذلك في قصة ثابت، وعليه جماعة العلماء، إلا من شذ عنهم ممن هو محجوج بهم؛ لأنهم لا يجوز عليهم الإطباق والاجتماع على تحريف الكتاب العزيز، وجهل تأويله، وينفرد بعلم ذلك واحد غيرهم (١).
قال ابن حزم: واحتج من ذهب إلى قول بكر بحديث ثوبان مرفوعًا: "أيما امرأة سألت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها الجنة" (٢) وبحديث النسائي عن الحسن، عن أبي هريرة مرفوعًا "المختلعات هن المنافقات" قال الحسن: لم أسمعه من أبي هريرة، فسقط (٣).
وأما الخبر الأول: فلا حجة فيه في المنع من الخلع؛ لأنه إنما فيه الوعيد على السائلة الطلاق من غير ما بأس، وكذا نقول (٤).
стр. 15135
قلت: حديث ثوبان قال الترمذي فيه: رواه بعضهم بهذا الإسناد ولم يرفعه (١).
وقال في "علله": سألت محمدًا عنه فلم يعرفه (٢)، وما ذكره عن الحسن سقط فيه شيء، وصوابه: من أحد غير أبي هريرة، كما هو ثابت في النسائي "الكبير" رواية ابن الأحمر (٣)، وهو يؤيد من قال: الحسن سمع منه.
وقد ذُكر سماعه منه في "مسند أبي داود الطيالسي" والطبراني في أوسط معاجمه وأصغرها (٤).
وقال أبو داود فيما حكاه ابن خلفون: زعم عبد الرحمن أن الحسن كان يقول: ثنا أبو هريرة. وهذا أثبت.
وروى ابن شاهين في "ناسخه" من حديث عنه: حدثنا. ثم قال: هذا صحيح غريب (٥).
стр. 15136
وقال الدارقطني في "علله" عن موسى بن هارون: سمع الحسن منه (١). وفي ابن ماجه بإسناد جيد عن ابن عباس مرفوعًا: "لا تسأل المرأة زوجها الطلاق في غير كنهة، فتجد ريح الجنة، وإن ريحها ليوجد من مسيرة أربعين عامًا" (٢).
فصل:
قال ابن حزم: احتج من قال: إن الخلع ليس بطلاق بقول عثمان ﵁ للرُّبَيِّع بنت معوذ لما اختلعت من زوجها لتنتقل، ولا ميراث بينهما ولا عدة عليها، إلا أنها لا تنكح حتى تحيض حيضة، خشية أن يكون بها حمل.
وعن ابن عباس: الخلع تفريق وليس بطلاق. وفي رواية: سئل عن رجل طلق امرأته تطليقتين، تم اختلعت منه أينكحها؟ قال: نعم، ذكر الله الطلاد لم في أول الآية وآخرها، والخلع فيما بين ذلك. وقال ابن طاوس: أبي لا يرى الفداء طلاقًا، ويجيزه بينهما.
وعن عكرمة: ما أجازه المال فليس بطلاق.
وقال عبد الله بن أحمد: رأيت أبي كأنه يذهب إلى قول ابن عباس في هذا، وهو قول إسحاق وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابه (٣).
وعن أحمد أنه طلاق كقول أبي حنيفة، حكاها ابن الجوزي (٤)، وعن الشافعي قولان سلفا.
стр. 15137
قال في "المغني": والفسخ اختيار أبي بكر، وهو قول طاوس وإسحاق وأبي ثور (١)، وفي "الإشراف" لابن هبيرة أنه الصحيح عن أحمد (٢).
وقد أسلفناه عن عثمان وعلي وابن مسعود، وضعف أحمد أحاديثهم، وقال: ليس لنا في الباب أصح من حديث ابن عباس. قال: وذلك أنها فرقة حلَّت من صريح الطلاق ونيته، فكانت فسخًا كسائر الفسوخ، وإن قلنا: هو فسخ لم تحرم عليه وإن خالعها مائة مرة إذا خالعها بغير طلاق ولا نية طلاق.
قال ابن حزم: أما احتجاج ابن عباس بالآية فكذلك هو، إلا أنه ليس فيه طلاقًا، ولا أنه طلاق فوجب الرجوع إلى بيان رسول الله ﷺ ، وهو ما تقدم من قصة ثابت من حديث مالك عن يحيي الذي قال فيه لثابت: "خذ منها" فأخذ منها وجلست في أهلها. ومن حديث الرُّبَيِّع فذكر حديثها السالف.
وفيه: فقال: "خذ منها الذي لها وخلِّ سبيلها". قال: نعم. فأمرها أن تتربص حيضة واحدة وتلحق بأهلها. فأخبرت بذلك ابن عمر، فقال: عثمان خبرنا وأعلمنا. فهذا عثمان وابن عمر والرُبّيع وعمها الذي رفع أمرها إلى عثمان كلهم صحابة، وكلهم رآه فسخًا لا طلاقًا، ومن طريق عبد الرزاق عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة قال: اختلعت امرأة ثابت فجعل ﵇ عدتها حيضة. قالوا: فهذا بين أن الخلع ليس طلاقًا لكنه فسخ.
стр. 15138
وأما حديث عبد الرزاق فساقط؛ لأنه مرسل، وفيه عمرو بن مسلم، وليس بشيء (١). قلت: عمرو هذا من رجال مسلم، وهو جَنَدي يماني، قال ابن معين: لا بأس به. وذكره ابن حبان وغيره في "ثقاته" (٢).
وقال أبو أحمد الجرجاني: ليس له حديث منكر (٣). وقد وصله أبو داود من طريق معمر عن مسلم، عن عكرمة، عن ابن عباس أن امرأة ثابت فذكره (٤).
قال ابن حزم: وخبر الرُّبَيِّع وحبيبة فلو لم يأتِ غيرهما لكان حجة قاطعة، لكن روينا من طريق البخاري، وساق حديث الباب، وفيه: "وطلقها تطليقة". وكان هذا الخبر فيه زيادة على الخبرين المذكورين لا يجوز تركها، وإذ هو طلاق فقد ذكر الله عدة الطلاق، فهو زائد علي ما في حديث الرُّبَيِّع، والزيادة لا يجوز تركها (٥).
فصل:
قال ابن حزم: وطلاق الخلع رجعي إلا أن يطلقها ثلاثًا، أو آخر ثلاث تطليقات، أو تكون غير موطوءة، ويجوز الفداء بجميع ما تملك، ولا يجوز بمال مجهول، وإن راجعها الزوج في العدة رد جميع ما افتدت به إلا أن يعلمها عند الافتداء أن طلاقها رجعي، فلا يرد لها شيئًا (٦).
стр. 15139
هذا كلامه ولا يسلم له كونه رجعيًّا، ولأنه ذكره عن الأعلام، وأما ردنا ما أخذ منها فإنما أخذه لئلا تكون في عصمته، فإذا أخذه على ما ذكر لئلا تكون في عصمته فأي رجعة له عليها؟!
ثم إنا نقول: لا يخلو أن يكون هذا العقد مباحًا -يعني: أخذه منها علي ألا تكون في عصمته- أو (لا) (١) يكون مباحًا، فإن كان مباحًا فقد لزم ما عقده علي نفسه؛ لأن الله تعالى أباح ذلك، وإن كان غير مباح فهو منسوخ أبدًا، مردود ما أخذ منها، فبطل قوله.
فصل:
قال وقالت طائفة: الخلع تطليقة، منهم عثمان. روينا من طريق حماد بن سلمة، عن هشام، عن أبيه، عن جمهان، أن أم بكرة الأسلمية اختلعت من عبد الله بن أسيد، وكانت تحته، فندما فارتفعا إلى عثمان، فأجاز ذلك.
وقال: هي واحدة إلا أن تكون سمت شيئًا فهو علي ما سمته، ومن طريق ابن أبي شيبة ثنا علي بن هاشم، عن ابن أبي ليلى، عن طلحة بن مصرف، عن إبراهيم، عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ قال: لا تكون تطليقة بائنة إلا في فدية أو إيلاء. ومن طريق لا يصح عن علي.
وبهذا يقول الحسن وابن المسيب وعطاء وشريح ومجاهد والشعبي وقبيصة بن ذؤيب وأبو سلمة بن عبد الرحمن وإبراهيم النخعي والزهري ومكحول وابن أبي نجيح وعروة والأوزاعي والثوري وأبو حنيفة والشافعي ومالك (٢).
стр. 15140
قلت: أثر عثمان، أخرجه ابن أبي شيبة من طريق أبي معاوية، عن هشام، عن أبيه قال: خلع جمهان امرأة ثم ندم وندمت فأتوا عثمان ﵁ .. الحديث (١).
وهذا اضطراب فيما روي عن عثمان، فبينما جمهان يروى صار صاحب القصة، وهو قال علي عدم الضبط لا سيما عن غير ثقة ولا حافظ، وما حكاه عن ابن المسيب قد رواه وكيع بن الجراح: ثنا إبراهيم بن زيد، عن داود بن أبي عاصم، عنه أنه ﵇ جعل الخلع تطليقة (٢).
والذي في "المصنف" عنه من قوله (٣). وعن أبي سلمة بن عبد الرحمن، وسعيد بن جبير، والشعبي، وعطاء، والنخعي، والزهري، ومكحول، والحسن، وشريح أنهم قالوا: الخلع تطليقة بائنة (٤). وعند أبي حنيفة: يلحقها الطلاق في العدة، ولا يلحقها مرسل الطلاق وكنايته (٥)، خلافا للشافعي وأحمد (٦).
وقال مالك: إن طلقها عقيب خلعه متصلًا به طلقت، وإن انفصل الطلاق عن الخلع لم تطلق (٧) وقيل لأحمد كما حكاه الخلال في "علله": حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس وابن الزبير
стр. 15141
أنهما قالا: لا يلحقها طلاق. صحيح هو؟ قال: نعم صحيح. ثم قال: زوجة هي فيلحقها طلاق!
وطريقة التي قال: لا تصح، أخرجها ابن أبي شيبة، عن ابن إدريس، عن موسى بن مسلم، عن مجاهد، عن علي (١). وموسى هذا هو أبو عيسى الطحان، وثقه ابن معين وغيره، وذكر أبو حاتم الرازي أن مجاهدًا أدرك عليًّا (٢)، وكذا قال الضياء: وقد اتفق رواية أيوب ووهيب عنه قال: خرج علينا علي بن أبي طالب (٣).
فصل:
قال ابن حزم: وروينا عن عبد الرزاق عن المعتمر بن سليمان، عن ليث بن أبي سليم، عن الحكم بن عتيبة، أن عليًّا ﵁ قال: لا يأخذ -يعني: من المختلعة- فوق ما أعطاها. وهذا لا يصح عن علي؛ لأنه منقطع وفيه ليث (٤).
وذكره ابن أبي شيبة في "مصنفه" عن عطاء، وطاوس، وعكرمة، والحسن، والزهري، والشعبي، وعمرو بن شعيب، والحكم، وحماد، وقبيصة بن ذؤيب (٥). قال أبو حنيفة: فإن أخذ أكثر مما أعطاها فليتصدق به.
وقال ميمون بن مهران فيما حكاه ابن حزم: إن أخذ أكثر مما أعطاها فلم يُسرح بإحسان (٦).
стр. 15142
وقال طاوس والزهري: لا يحل له أن يأخذ (أكثر) (١) مما أعطاها.
وفي رواية عمار بن عمران عن أبيه، عن علي أنه كره أن يأخذ أكثر مما أعطى. وروي ذلك أيضًا عن الشعبي والحكم وحماد. وعن عبد الكريم الجزري: لا أحب أن يأخذ منها كل ما أعطاها حتى يدع لها ما يعيشها (٢).
فصل:
ذكر الإمام أبو عبد الله محمد بن نصر المروزي في كتابه "اختلاف العلماء" عن سفيان وأصحاب الرأي ومالك والشافعي وأحمد: عدة المختلعة إن كانت ممن تحيض ثلاث حيض، وإن كان قد أيست فثلاثة أشهر.
وقال إسحاق وأبو ثور: عدتها حيضة. ونقل في هذا الكتاب عن سفيان وأصحاب الرأي ومالك أن الخلع تطليقة بائنة. وعن أحمد وإسحاق أنه فرقة وليس بطلاق، إلا أن يسمي طلاقًا، فإن سماه فهي بائن، وإن سمى أكثر فهو ما سمى.
وعن الشافعي في آخر قوله: إن نوى الخلع طلاقًا أو سماه فهو طلاق، إن سمى واحدة فهي بائنة، وإن لم ينو طلاقًا ولا شيئًا لم تقع فرقة.
وقال أبو ثور: إذا نوى الطلاق فالخلع فرقة وليس بطلاق، فإن سمى تطليقة فهي تطليقة، والزوج يملك رجعتها ما دامت في عدتها (٣).
стр. 15143
وقال الترمذي: اختلف أهل العلم في عدة المختلعة فقال أكثر أهل العلم من الصحابة وغيرهم: عدتها عدة المطلقة. وهو قول الثوري وأهل الكوفة. وبه يقول أحمد وإسحاق. وقال بعض أهل العلم من الصحابة وغيرهم: عدتها حيضة.
قال إسحاق: وإن ذهب ذاهب إلى هذا فهو مذهب قوي (١).
فرع:
اختلفوا هل للأب أن يخالع عن ابنته الصغيرة بشيء من مالها، فقالوا: لا يملك ذلك، وقال مالك: يملك (٢).
فصل:
قول طاوس: (ولم يقل قول السفهاء: لا يحل حتى تقول: لا أغتسل لك من جنابة) أي: لم يقل طاوس قول السفهاء: لا يحل إلى آخره. ويريد أن قول السفهاء: إن الخلع لا يحل حتى تقول المرأة ذلك، أي: تمنعه من أن يطأها.
وظاهر ما في البخاري أن قوله: (ولم يقل) إلى آخره، من كلام البخاري. ونقل غيره نص هذا الكلام عن ابن جريج، ويجوز أن يكون البخاري ظهر له ما قال ابن جريج فنسبه إلى نفسه، ذكره ابن التين.
فصل:
الحديقة: أرض ذات شجر، قاله ابن فارس (٣). وقال الهروي: كل ما كان أحاط به البناء، وهي: البستان.
стр. 15144
ويقال للقطعة من النخل: الحديقة.
وأثر عثمان ﵁ أنه يأخذ منها كل ما تملك دون العقاص، وهو الخيط الذي يعقص به أطراف الذوائب أي: يضفر به.
فصل:
حديث الباب يستدل به علي جواز الاختلاع في الحيض؛ لأنه ﵇ لم يسأل. وخالف فيه مالك في "المختصر" وأشهب في "المدونة".
فصل:
قد أسلفنا أن جميلة بنت عبد الله بن أُبَي بن سلول، وولدت لثابت محمدًا، قُتل مع أخيه لأمه أمير الحرة عبد الله بن حنظلة الغسيل، ثم خلف عليها بعد ثابت مالك بن الدخشم، فولدت له الفريعة، ثم خلف بعده خبيب بن أساف، فولدت له أبا كثير عبد الله (١).
стр. 15145
١٣ - باب الشِّقَاقِ، وَهَلْ يُشِيرُ بِالْخُلْعِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ ؟
وَقَوْلِهِ تَعَالَى ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا﴾ الآية [النساء: ٣٥].
٥٢٧٨ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: «إِنَّ بَنِي الْمُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابْنَتَهُمْ، فَلَا آذَنُ». [انظر: ٩٢٦ - مسلم: ٢٤٤٩ - فتح ٩/ ٤٠٣].
ثم ساق حديث المسور بن مخرمة ﵄ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ بَنِي المُغِيرَةِ اسْتَأْذَنُوا فِي أَنْ يَنْكِحَ عَلِيٌّ ابنتَهُمْ، فَلَا آذَنُ".
هذا الحديث سلف، ولا تظهر دلالته لما ترجم له، وحاول البخاري إدخاله في الباب بأن يجعل قوله: "فلا آذن". خلعا، كما ادعاه المهلب، ثم قال: ولا يقوى هذا المعنى؛ لأنه قال في الحديث: "إلا أن يريد ابن أبي طالب أن يطلق ابنتي" (١) فدل على الطلاق. فإن أراد أن يستدل من دليل الطلاق على الخلع فهو دليل من دليل، وذلك ضعيف، وإنما فيه الشقاق والإشارة بالطلاق من خوفه، وأقره عليه ابن بطال (٢).
وقال ابن المنير: قد يحتمل أن يستدل بقوله "فلا آذن لهم"، وجه الدليل أنه أشار علي عَليٍّ بعدم نكاح ابنتهم، ومنعه من ذلك إذ علم من ذلك أنه موقوف علي إذنه، فلم يأذن؛ لضرورة صيانة فاطمة عن التعريض لما جبلت عليه النفوس من المغيرة، فإذا استقر جواز الإشارة بعدم التزويج التحق به جواز الإشارة بقطع النكاح للمصلحة (٣).
стр. 15146
فصل:
ذكر ابن أبي شيبة عن علي ﵁ قال: الحكمان بهما يجمع الله وبهما يفرق. وقال الشعبي: ما قضى الحكمان جاز. وقال أبو سلمة: الحكمان إن شاءا جمعا، وإن شاءا فرقا. وقال مجاهد نحوه. وعن الحسن: إذا اختلفا جعل غيرهما، وإن اتفقا جاز حكمهما.
وقال طاوس: إذا حكم أخذ بحكمهما، ولا تتبع أثر غيرهما، وإن كان قد حكم قبلهما عليك (١). وسئل عامر عن رجل وامرأة حكَّما رجلاً ثم بدا لهما أن يرجعا. فقال: ذلك لهما ما لم يتكلما، فإذا تكلما فليس لهما أن يرجعا (٢).
فصل:
وفيه الحكم بقطع الذرائع؛ لأنه تعالى أمر ببعثة الحكمين عند خوف الشقاق قبل وقوعه.
فصل:
قام الإجماع علي أن المخاطب بالآية: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ﴾ [النساء: ٣٥]: الحكام والأمراء، وأن قوله تعالى: ﴿إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا﴾ [النساء: ٣٥] يعني أن الحكمين يكونان من أهل الرجل، والثاني من أهل المرأة إلا أن لا يوجد من أهلهما من (يصلح) (٣) لذلك، فيرسل من غيرهما، وأن الحكمين إذا اختلفا لم ينفذ قولهما. وأن قولهما نافذ في الجمع بينهما بغير توكيل من الزوجين.
стр. 15147
واختلفوا في الفرقة بينهما هل تحتاج إلى توكيل من الزوجين أم لا، فقال مالك والأوزاعي وإسحاق: يجوز قولهما في الفرقة والاجتماع بغير توكيل منهما، ولا إذن بينهما في ذلك. وروي هذا عن عثمان وعلي وابن عباس وعن الشعبي والنخعي.
وقال الكوفيون والشافعي: ليس لهما أن يفرقا إلا أن يجعل الزوج إليهما التفريق. وهو قول عطاء والحسن، وبه قال أبو ثور وأحمد.
واحتج أبو حنيفة بقول علي للزوج: لا تبرح حتى ترضى بما رضيت به. فدل أن مذهبه: لا يفرقان إلا برضا الزوج.
قالوا: والأصل المجتمع عليه أن الطلاق بيد الزوج أو بيد من جعل ذلك إليه، وجعله من باب طلاق السلطان على المولى والعنين.
قال ابن المنذر: ولما كان المخاطبون بقوله تعالى: ﴿فَابْعَثُوا حَكَمًا﴾ [النساء: ٣٥] الحكام، وأن ذلك إليهم، دل علي أن التفريق إليهم، ولو لم يكن كذلك لما كان للبعثة معنى (١).
وقال مالك في الحكمين يطلقان ثلاثًا قال: تكون واحدة، وليس لهما الفراق بأكثر من واحدة بائنة (٢). وقال ابن القاسم: تلزمه الثلاث إن اجتمعا عليهما علي حديث زيد. وقاله المغيرة وأشهب وابن الماجشون وأصبغ، وقال ابن المواز: إن حكم أحدهما بواحدة والآخر بثلاث فهي واحدة. وحكى ابن حبيب عن أصبغ أن ذلك ليس بشيء (٣).
стр. 15148
١٤ - باب لَا يَكُونُ بَيْعُ الأَمَةِ طَلَاقًا
٥٢٧٩ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، قَالَ حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَتْ: كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ، إِحْدَى السُّنَنِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ، فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا. وَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَدَخَلَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ، فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ، فَقَالَ: «أَلَمْ أَرَ الْبُرْمَةَ فِيهَا لَحْمٌ؟». قَالُوا: بَلَى، وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ، وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ. قَالَ: «عَلَيْهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ». [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥، ١٥٠٤ - فتح ٩/ ٤٠٤].
ذكر فيه حديث عائشة ﵂ في قصة بريرة وقد سلفت.
ووجه مطابقة التبويب أن عصمتها لو زالت لما خيرت. وقد اختلف العلماء فيما عقد له، فروي عن عمر بن الخطاب وعبد الرحمن بن عوف وسعد بن أبي وقاص (١) ما ترجم له، وهو مذهب كافة الفقهاء.
وخالفت فيه طائفة، روي عن ابن مسعود وابن عباس وأُبي بن كعب، ومن التابعين سعيد بن المسيب والحسن ومجاهد (٢)، واحتجوا بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ [النساء: ٢٤] فحرم الله علينا المتزوجات من النساء، إلا إذا ملكتهن أيماننا فهن حلال لنا؛ لأن البيع لها حدوث ملك قيها، فوجب أن يرتفع حكم النكاح ويبطل، دليله الأمة المسبية ذات الزوج.
وحجة الجماعة قصة بَريرة أنها أعتقت فخيرت في زوجها، فلو كان طلاقها يقع ببيعها لم يخيرها الشارع بعد ذلك عند العتق، ويقول لها: إن
стр. 15149
شئت أقمت تحته.
وأيضًا فإنه عقد علي منفعة، فوجب أن (لا) (١) يبطل بيع الرقبة، دليله المستأجرة (٢)؛ لأن النكاح عقد علي منفعة، والإجارة كذلك، ثم إن البيع لا يبطلها، وكذا النكاح. وأيضًا فإنه انتقال ملك رقبة أحد الزوجين من ملك إلى ملك، فوجب ألا يبطل، دليله إذا بيع الزوج، ولما لم يمنع ملك البائع صحة النكاح كان ملك المبتاع مثله؛ لأنه يقوم مقامه، وهو فرع مثله.
فإن قالوا: إن الأمة الحربية إذا كانت مزوجة فإنها إذا استرقت تنتقل من ملك إلى ملك، ومع هذا ينفسخ النكاح عندكم.
قلنا: إن قلنا لا ينفسخ علي إحدى الروايتين كالحربية إذا سبيت، سقط سؤالهم.
وإن قلنا: ينفسخ على الأخرى، فالفرق أن الحربي لا يملك و (إنما) (٣) له شبهة ملك، فإذا سبيت وملكها المسلم ملكًا صحيحًا، فليس تنتقل من ملك صحيح، وليس كذلك مسألتنا ولا حجة لهم في الآية؛ لأنها نزلت في سبي أوطاس خاصة، فتحرج بعض أصحاب رسول الله ﷺ خوفًا أن يكون لهن أزواج، فسألوا رسول الله ﷺ فأنزل الله الآية.
فالمراد بها المسبيات إذا حِضن قبل أن يحضر أزواجهن، إذا أسلمن معًا فإنه يحل وطؤهن وإن كان لهن أزواج مشركون، فأما إن أسلمن وأسلم أزواجهن معًا فهم علي نكاحهم، كما ستعلمه في موضعه.
стр. 15150
فصل:
وفيه: أن الناس علي عهد رسول الله ﷺ لم يكونوا مستنكرين هدية بعضهم لبعض الطعام، والشيء الذي يؤكل، ومالا يعظم خطره، دليله قوله ﷺ : "لو أهدي إلى ذراع لقبلت" (١)؛ لأنه ﵇ لم ينكره من بَريرة أن أهدت اللحم، ولا أنكر قبول عائشة ﵂ له.
وفيه: أن من أُهدي إليه هدية قَلَّت أو كَثُرت لا يردها، فإن أطاق المكأفاة عليها فعل، وإلا أثنى عليه بها وشكرها بقوله؛ لما روي عن رسول الله ﷺ في ذلك.
стр. 15151
١٥ - باب خِيَارِ الأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ
٥٢٨٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْوَلِيدِ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَهَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ. [٥٢٨١، ٥٢٨٢، ٥٢٨٣ - فتح ٩/ ٤٠٦].
٥٢٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الأَعْلَى بْنُ حَمَّادٍ، حَدَّثَنَا وُهَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: ذَاكَ مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ -يَعْنِي زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ، يَبْكِي عَلَيْهَا. [انظر: ٥٢٨٠ - فتح ٩/ ٤٠٧].
٥٢٨٢ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كَانَ زَوْجُ بَرِيرَةَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ. [انظر: ٥٢٨٠ - فتح ٩/ ٤٠٧].
ذكر فيه حديث ابن عباس ﵄ قَالَ: رَأَيْتُهُ عَبْدًا، يَعْنِي: زَوْج بَرِيرَةَ.
ثم رواه وقال: مُغِيثٌ عَبْدُ بَنِي فُلَانٍ -يَعْنِي: زَوْجَ بَرِيرَةَ- كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَتْبَعُهَا في سِكَكِ المَدِينَة يبكي عليها.
ثم رواه أيضا وقال: كان زوج بريرة عبدًا أسود، يقال له: مغيث، عبدًا لبني فلان، كأني انظر إليه يطوف وراءها في سكك المدينة.
الشرح:
قام الإجماع على أن الأمة إذا أعتقت تحت عبد أن لها الخيار في البقاء معه أو مفارقته (١): ومعناه: أنه لما كان العبد في حرمته وحدوده وجميع أحكامه غير مكافئٍ للحرة، وجب أن تخير تحته إذا حدث لها حرية في عصمته.
стр. 15152
وأيضًا فإنها حين وقعت العقد عليها لم تكن من أهل الاختيار لنفسها، فجعل الله لها ذلك حين صارت أكمل حرية من زوجها. قال المهلب: وأصل هذا في كتاب الله تعالى، وهو قول الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية [النساء: ٢٥] (فكان) (١) اشتراط الله تعالى في جواز نكاح الأحرار الإماء عدم الطول إلى الحرة، وجب مثله في العبد ألا يتطاول إلى حرة بعد أن وجَدَتَ السبيل إلى حر إلا برضاها.
واختلفوا في وقت خيار الأمة إذا عتقت، فروي عن ابن عمر وسليمان بن يسار ونافع والزهري وقتادة وأبي قلابة أن لها الخيار مالم يمسها زوجها، وهو قول مالك وأحمد، علمت أم لم تعلم.
وقالت طائفة: لها الخيار وإن أصيبت مالم تعلم، فإذا علمت ثم أصابها فلا خيار لها. وهو قول عطاء والحكم وسعيد بن المسيب، وهو قول الثوري، وزاد: بعد أن تحلف ما وقع عليها وهي تعلم أن لها الخيار، فإن حلفت خيرت. وكذلك قال الأوزاعي وإسحاق، وقال الشافعي: إن ادعت الجهالة لها الخيار، وهو أحب إلينا (٢).
وفي هذا الحديث ما يبطل أن يكون خيارها على المجلس؛ لأن مشيها في المدينة لم يبطل خيارها.
وقد روى قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس أنه قال: والله لكأني انظر إلى زوج بريرة في طرق المدينة، وإن دموعه لتنحدر على لحيته،
стр. 15153
يتبعها حتى يترضاها لتختاره، فلم تفعل (١). ومثل هذا في حديث زبراء، أنها كانت تحت عبد فعتقت، فسألت حفصة أم المؤمنين فقالت: إن أمرك بيدك ما لم يمَسُّك زوجك. فقالت: هو الطلاق ثلاثًا ففارقته.
رواه مالك عن عروة بن الزبير (٢) وفي الحديث حجة لمن قال: لا خيار للأمة إذا عتقت تحت الحر؛ لأن خيارها إنما وقع من أجل كونه عبدًا، وقد روى أهل العراق عن الأسود، عن عائشة أن زوج بريرة كان حرًّا (٣).
واختلف العلماء إذا عتقت الأمة تحت الحر، وروي عن ابن عباس وابن عمر أنه لا خيار لها، وهو قول عطاء وسعيد بن المسيب والحسن وابن أبي ليلى، وبه قال مالك والأوزاعي والليث والشافعي وأحمد وإسحاق.
وقالت طائفة: لها الخيار حرًّا كان زوجها أو عبدًا روي ذلك عن الشعبي والنخعي وابن سيرين وطاوس ومجاهد وحماد، وهو قول الثوري والكوفيين وأبي ثور، واحتجوا برواية الأسود عن عائشة ﵂ أن زوجها كان حرًّا (٤). صححه الترمذي، وقال البخاري: منقطع، وقال مرة: مرسل، وقول ابن عباس: كان عبدًا، أصح (٥).
стр. 15154
وقالوا: لأنه لا رأي لها في إنكاح مولاها؛ لإجماعهم أنه يزوجها بغير إذنها، فإذا عتقت كان لها الخيار الذي لم يكن لها في حال العبودية، وحجة من قال: لا خيار لها تحت الحر أنها لم يحدث لها حال ترتفع به عن الحر، فكأنهما لم (ير) (١) إلا حُرَّين، ولم ينقص حال الزوج عن حالها، ولم يحدث به عيب فلم يكن لها خيار، وقد قام الإجماع علي أنه لا خيار لزوجة العنين إذا ذهبت العلة قبل أن يقضى بفراقه لها، فكذلك سائر العيوب زوالها ينفي الخيار، وأما رواية الأسود، عن عائشة فقد عارضها من هو ألصق بعائشة وأقعد بها من الأسود، وهو القاسم بن محمد وعروة بن الزبير، فرويا عنها أنه كان عبدًا. والأسود كوفي سمع منها من وراء حجاب وعروة والقاسم كانا يسمعان منها بغير حجاب؛ لأنها خالة عروة وعمة القاسم، فهما أقعد بها من الأسود.
قال ابن المنذر: ورواية اثنين أولى من رواية واحد مع رواية ابن عباس من الطرق الثابتة أنه كان عبدًا. قال: وقال الحسن وقتادة: إذا اختارت نفسها فهي طلقة بائنة، وقال عطاء: واحدة، وقال إبراهيم وحماد والشافعي وأحمد وإسحاق: لا يكون طلاقًا (٢).
стр. 15155
١٦ - باب شَفَاعَةِ النَّبِيِّ ﷺ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ
٥٢٨٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبَّاسٍ: «يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ رَاجَعْتِهِ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ. [انظر: ٥٢٨٠ - فتح ٩/ ٤٠٨].
ذكر فيه حديث ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْدًا يُقَالُ لَهُ: مُغِيثٌ، كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِي، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ لِعَبَّاسٍ: «يَا عَبَّاسُ، أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا؟». فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَوْ رَاجَعْتِهِ». قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، تَأْمُرُنِي؟ قَالَ: «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قَالَتْ: لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ.
الشرح:
هو مطابق لما ترجم له، وهو استشفاع الإِمام والعالم والخليفة في الحوائج، والرغبة إلى أهلها في الإسعاف لسائلها، وأن ذلك من مكارم الأخلاق.
وقد قال ﵇: "اشفعوا تؤجروا، ويقضي الله علي لسان نبيه ما شاء".
ثم فيه فوائد أُخر:
الأولى: أن الساعي في ذلك مأجور وإن لم تنقض الحاجة، طبق ما أوردناه.
الثانية: لا حرج على الإِمام والحاكم إذا ثبت الحق علي أحد الخصمين، إذا سأله الذي ثبت الحق عليه أن يسأل من ثبت ذلك له،
стр. 15156
تأخير حقه أو وضعه عنه، وأن يشفع له في ذلك إليه، وذلك أنه ﵇ شفع إلى بريرة وكلمها بعد تأخيرها وأعلمها مالها من القرار تحته أو الفراق، فقال: "لو راجعته".
الثالثة: أنه من يُسألُ من الأمور ما هو غير واجب عليه فعله فله ردُّ سائله وترك قضاء حاجته وإن كان الشفيع سلطانًا أو عالما أو شريفًا؛ لأنه ﵇ لم ينكر علي بريرة ردَّها إياه فيما شَفع فيه، وليس أحد من الخلقِ أعلى رتبة من رسول الله ﷺ ، فغيره من الخلق أحرى أن لا يكون منكرًا رده فيما شفع فيه.
الرابعة: أن بغض الرجل للرجل المسلم علي وجه كراهة قربه والدنو منه علي غير وجه العداوة له، ولكن اختيارا للبعد منه لسوء خلقه، وخبث عشرته، وثقل (ظله) (١)، أو لغير ذلك مما يُكرِّه الناس بعضهم من بعض جائزٌ، كالذي ذكر من بغضة امرأة ثابت بن قيس بن شماس له مع مكانه من الدين والفضل لغير بأس، لكن لدمامة خلقه وقبحه، حتى افتدت منه وفرق الشارع بينهما، ولم ير أنها أتت مأثمًا، ولا ركبت معصية بذلك، بل عذرها وجعل لها (مخرجًا) (٢) من المقام معه، وسبيلًا إلى فراقه والبعد عنه، ولم يذمها علي بغضها له علي قبحه وشدة سواده، وإن كان ذلك جبلةً وفطرةً خلق عليها، والذي يبغض علي ما في القدرةِ تركهُ من قبيح الأحوال ومذموم العشرة أولى بالعذر وأبعد من الذم.
الخامسة: أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة التي يريد خطبتها، وإظهار
стр. 15157
رغبته فيها، وذلك أنه ﵇ لم ينكر علي زوج بريرة -وقد اختارت نفسها وبانت منه- إتباعه إياها في سكك المدينة باكيًا على فراقها، وإنْ ظنَّ أحد أن ذلك قبل اختيار بريرة نفسها، فقوله ﵇ "لو راجعته" يدل أن ذلك كان بعد: بينونتها، ولو كان ذلك قبل بينونتها لقال لها: لو اخترتيه.
ولا خلاف بين الجميع أنَّ المملوكةَ إذا عُتقت وهي تحت زوج فاختارت نفسها أنها لا ترجع إلى الزوج الذي كانت تحته إلا بنكاح جديد، غير النكاح الذي كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها. فعُلم أنَّ قوله ﵇ "لو راجعتيه" معناه: غير الرجعة التي تكون بين الزوجين في طلاق يكون للزوج فيه الرجعة، ولو كان ذلك معناه لكان ذلك إلى زوج بريرة دونها، ولم يكن لزوجها حاجةٌ أن يستشفع برسول الله ﷺ في أن تراجعه.
السادسة: أنه لا حرج علي مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها، ظهر ذلك أو خفي، ولا إثم عليه في ذلك، وإن أفرط مالم يأت محرمًا، وذلك أن مغيثًا كان يتبعها بعد ما بانت منه في سكك المدينة، مبديًا لها ما يجده من نفسه من فرط الهوى وشدة الحب، ولو كان قبل اختيارها نفسها لم يكن ﵇ يقول لها: "لو راجعتيه" لأنه لا يقال لامرأة في حبال رجل وملكه بعصمة النكاح: لو راجعتيه، وإنما يُسأل المراجعة المفارقُ لزوجته.
وإذا صح ذلك فغير ملوم من ظهر منه فرط هوى امرأةٍ يحل له نكاحها، نكحته (بعد ذلك) (١) أم لا، [ما] (٢) لم يأتْ محرمًا ولم يَغْشَ مأثمًا.
стр. 15158
السابعة: أنه من بانت منه زوجته بخلع أو فدية، بما تكون المرأة فيه أولى بنفسها من زوجها ولا رجعة له عليها أنه يجوز له خطبتها في عدتها، ولا بأس على المرأة بإجابته إلى ذلك؛ لأنه ﵇ شفع إلى بريرة، وخطبها على زوجها الذي بانت منه، بصريح الخطبة التي هي محظورة في العدة، ولو أن غيره كان الراغب فيها لما جاز له التصريح بالخطبة.
الثامنة: أن أمره مخالف لشفاعته، فأمره للوجوب بخلاف شفاعته.
стр. 15159
١٧ - باب
٥٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ، فَأَبَى مَوَالِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مَا تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَزَادَ: فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا. [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥ - فتح ٩/ ٤١٠].
ذكر فيه حديث بريرة أيضًا.
وفيه: (فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا) ولم يترجم عليه، وهو من قبيل ما هو فيه.
وقوله: ("هو لها صدقة") إن فسرت بالغرض دل علي عدم إلحاق الموالي ببني هاشم والمطلب، وهو وجه عندنا، وقول في مذهب مالك، ويرد به علي من يقول: إن آل أبي بكر لا تحرم عليهم الصدقة كما حكاه ابن التين.
стр. 15160
١٨ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]
٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ. [فتح ٩/ ٤١٦].
حدثنا قتيبةُ، ثَنَا اللَيْث، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ.
هذا من أفراده، وحمله ابن المرابط على التنزيه عن نساء أهل الكتاب، للتشابه الذي بينهن وبين الكفار من غير أهل الكتاب، لا على أن ذلك حرام؛ لأن الإجماعَ وقع علي إباحة نكاح الكتابيات لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
ولا جائز أن يقول: أراد بالمحصنات هنا اللواتي أسلمن من أهل الكتاب لأنهن مؤمنات، وقد تقدم ذكر المؤمنات قبله، فلا معنى لذكره ذلك بعد، فوجب استعمال النص في نساء أهل الكتاب مع ما استمر على عمل الصحابة في زمنه إلى يومنا هذا.
وقال القاضي إسماعيل: إنما كان ذلك إكرامًا للكتاب الذي بأيديهم، وإن كانوا حرفوا بعضه وبدلوه، بخلاف عبدة الأوثان، وهو قول مالك، قال: الحرمة توصل كل كافر وثني كان أو غير وثني.