تأخير حقه أو وضعه عنه، وأن يشفع له في ذلك إليه، وذلك أنه ﵇ شفع إلى بريرة وكلمها بعد تأخيرها وأعلمها مالها من القرار تحته أو الفراق، فقال: "لو راجعته".
الثالثة: أنه من يُسألُ من الأمور ما هو غير واجب عليه فعله فله ردُّ سائله وترك قضاء حاجته وإن كان الشفيع سلطانًا أو عالما أو شريفًا؛ لأنه ﵇ لم ينكر علي بريرة ردَّها إياه فيما شَفع فيه، وليس أحد من الخلقِ أعلى رتبة من رسول الله ﷺ ، فغيره من الخلق أحرى أن لا يكون منكرًا رده فيما شفع فيه.
الرابعة: أن بغض الرجل للرجل المسلم علي وجه كراهة قربه والدنو منه علي غير وجه العداوة له، ولكن اختيارا للبعد منه لسوء خلقه، وخبث عشرته، وثقل (ظله) (١)، أو لغير ذلك مما يُكرِّه الناس بعضهم من بعض جائزٌ، كالذي ذكر من بغضة امرأة ثابت بن قيس بن شماس له مع مكانه من الدين والفضل لغير بأس، لكن لدمامة خلقه وقبحه، حتى افتدت منه وفرق الشارع بينهما، ولم ير أنها أتت مأثمًا، ولا ركبت معصية بذلك، بل عذرها وجعل لها (مخرجًا) (٢) من المقام معه، وسبيلًا إلى فراقه والبعد عنه، ولم يذمها علي بغضها له علي قبحه وشدة سواده، وإن كان ذلك جبلةً وفطرةً خلق عليها، والذي يبغض علي ما في القدرةِ تركهُ من قبيح الأحوال ومذموم العشرة أولى بالعذر وأبعد من الذم.
الخامسة: أنه لا بأس بالنظر إلى المرأة التي يريد خطبتها، وإظهار
стр. 15157
رغبته فيها، وذلك أنه ﵇ لم ينكر علي زوج بريرة -وقد اختارت نفسها وبانت منه- إتباعه إياها في سكك المدينة باكيًا على فراقها، وإنْ ظنَّ أحد أن ذلك قبل اختيار بريرة نفسها، فقوله ﵇ "لو راجعته" يدل أن ذلك كان بعد: بينونتها، ولو كان ذلك قبل بينونتها لقال لها: لو اخترتيه.
ولا خلاف بين الجميع أنَّ المملوكةَ إذا عُتقت وهي تحت زوج فاختارت نفسها أنها لا ترجع إلى الزوج الذي كانت تحته إلا بنكاح جديد، غير النكاح الذي كان بينها وبينه قبل اختيارها نفسها. فعُلم أنَّ قوله ﵇ "لو راجعتيه" معناه: غير الرجعة التي تكون بين الزوجين في طلاق يكون للزوج فيه الرجعة، ولو كان ذلك معناه لكان ذلك إلى زوج بريرة دونها، ولم يكن لزوجها حاجةٌ أن يستشفع برسول الله ﷺ في أن تراجعه.
السادسة: أنه لا حرج علي مسلم في هوى امرأة مسلمة وحبه لها، ظهر ذلك أو خفي، ولا إثم عليه في ذلك، وإن أفرط مالم يأت محرمًا، وذلك أن مغيثًا كان يتبعها بعد ما بانت منه في سكك المدينة، مبديًا لها ما يجده من نفسه من فرط الهوى وشدة الحب، ولو كان قبل اختيارها نفسها لم يكن ﵇ يقول لها: "لو راجعتيه" لأنه لا يقال لامرأة في حبال رجل وملكه بعصمة النكاح: لو راجعتيه، وإنما يُسأل المراجعة المفارقُ لزوجته.
وإذا صح ذلك فغير ملوم من ظهر منه فرط هوى امرأةٍ يحل له نكاحها، نكحته (بعد ذلك) (١) أم لا، [ما] (٢) لم يأتْ محرمًا ولم يَغْشَ مأثمًا.
стр. 15158
السابعة: أنه من بانت منه زوجته بخلع أو فدية، بما تكون المرأة فيه أولى بنفسها من زوجها ولا رجعة له عليها أنه يجوز له خطبتها في عدتها، ولا بأس على المرأة بإجابته إلى ذلك؛ لأنه ﵇ شفع إلى بريرة، وخطبها على زوجها الذي بانت منه، بصريح الخطبة التي هي محظورة في العدة، ولو أن غيره كان الراغب فيها لما جاز له التصريح بالخطبة.
الثامنة: أن أمره مخالف لشفاعته، فأمره للوجوب بخلاف شفاعته.
стр. 15159
١٧ - باب
٥٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ رَجَاءٍ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، أَنَّ عَائِشَةَ أَرَادَتْ أَنْ تَشْتَرِىَ بَرِيرَةَ، فَأَبَى مَوَالِيهَا إِلاَّ أَنْ يَشْتَرِطُوا الْوَلَاءَ، فَذَكَرَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: «اشْتَرِيهَا وَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ». وَأُتِيَ النَّبِيُّ ﷺ بِلَحْمٍ فَقِيلَ: إِنَّ هَذَا مَا تُصُدِّقَ عَلَى بَرِيرَةَ، فَقَالَ: «هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ، وَلَنَا هَدِيَّةٌ».
حَدَّثَنَا آدَمُ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ وَزَادَ: فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا. [انظر: ٤٥٦ - مسلم: ١٠٧٥ - فتح ٩/ ٤١٠].
ذكر فيه حديث بريرة أيضًا.
وفيه: (فَخُيِّرَتْ مِنْ زَوْجِهَا) ولم يترجم عليه، وهو من قبيل ما هو فيه.
وقوله: ("هو لها صدقة") إن فسرت بالغرض دل علي عدم إلحاق الموالي ببني هاشم والمطلب، وهو وجه عندنا، وقول في مذهب مالك، ويرد به علي من يقول: إن آل أبي بكر لا تحرم عليهم الصدقة كما حكاه ابن التين.
стр. 15160
١٨ - باب قَوْلِ اللهِ : ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢١]
٥٢٨٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، حَدَّثَنَا لَيْثٌ، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الْمُشْرِكَاتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ الْمَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ. [فتح ٩/ ٤١٦].
حدثنا قتيبةُ، ثَنَا اللَيْث، عَنْ نَافِعٍ، أَنَّ ابن عُمَرَ ﵄ كَانَ إِذَا سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ النَّصْرَانِيَّةِ وَالْيَهُودِيَّةِ قَالَ: إِنَّ اللهَ حَرَّمَ المُشْرِكَاتِ عَلَى المُؤْمِنِينَ، وَلَا أَعْلَمُ مِنَ الإِشْرَاكِ شَيْئًا أَكْبَرَ مِنْ أَنْ تَقُولَ المَرْأَةُ رَبُّهَا عِيسَى، وَهْوَ عَبْدٌ مِنْ عِبَادِ اللهِ.
هذا من أفراده، وحمله ابن المرابط على التنزيه عن نساء أهل الكتاب، للتشابه الذي بينهن وبين الكفار من غير أهل الكتاب، لا على أن ذلك حرام؛ لأن الإجماعَ وقع علي إباحة نكاح الكتابيات لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥].
ولا جائز أن يقول: أراد بالمحصنات هنا اللواتي أسلمن من أهل الكتاب لأنهن مؤمنات، وقد تقدم ذكر المؤمنات قبله، فلا معنى لذكره ذلك بعد، فوجب استعمال النص في نساء أهل الكتاب مع ما استمر على عمل الصحابة في زمنه إلى يومنا هذا.
وقال القاضي إسماعيل: إنما كان ذلك إكرامًا للكتاب الذي بأيديهم، وإن كانوا حرفوا بعضه وبدلوه، بخلاف عبدة الأوثان، وهو قول مالك، قال: الحرمة توصل كل كافر وثني كان أو غير وثني.
стр. 15161
والذي ذهب إليه جمهور العلماء أن الله تعالى حرم نكاح المشركات بالآية المذكورة، ثم استثنى نكاح نساء أهل الكتاب فأحلهن في سورة المائدة بقوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥] وبقي سائر المشركات على أصل التحريم.
قال أبو عُبيد: روي هذا القول عن ابن عباس، وبه جاءت الآثار عن الصحابة والتابعين وأهل العلم بعدهم أنَّ نكاحَ الكتابيات حلال، وبه قال مالك والأوزاعي والثوري والكوفيون والشافعي وعامة العلماء. وقال غيره: ولا يروى خلاف ذلك إلا عن ابن عمرَ فإنه شذَّ عن جماعة الصحابة والتابعين، ولم يجزْ نكاحَ اليهودية والنصرانية. وخالف ظاهر قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ [المائدة: ٥]، ولم يلتفت أحد من العلماء إلى قوله (١).
قال أبو عبيد: والمسلمون اليوم على الرخصة في نساء أهل الكتاب. ويرون أنَّ التحليل ناسخ للتحريم، ونقله ابن التين عن مالك وأكثر العلماء.
وقال ابن المنذر: لا يصح عن أحد من الأوائل أنه حرم ذلك (٢).
وقيل: المشركات هنا: عبدة الأوثان والمجوس.
وقد تزوج عثمان ﵁ نائلة بنت الفرافصة الكلبية وهي نصرانية، تزوجها علي نسائه. وتزوج طلحة بن عبيد الله يهودية (٣)، وتزوج حذيفة يهودية وعنده حرتان مسلمتان، وعنه: إباحة نكاح المجوسية، وتأول قوله تعالى: ﴿وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ﴾ [البقرة:
стр. 15162
٢٢١] علي أن هذا ليس بلفظ التحريم. وقيل: بناءً علي أن لهم كتابًا.
وقد روُي عن عمرَ بن الخطاب أنه كان يأمر بالتنزه عنهن. قال أبو عبيد: حدثنا محمد بن يزيد عن الصلت بن بهرام.
وقال ابن أبي شيبة: حدثنا عبد الله بن إدريس، عن الصلت، عن شقيق بن سلمة قال: تزوج حذيفة يهوديةً. ومن طريق أخرى: وعنده عربيتان (١)، فكتب إليه عُمر أنْ خلِّ سبيلها، فقال: أحرام؟ فكتب إليه عمر: لا، ولن أخاف أن تواقعوا المومسات منهن. يعني: الزواني (٢).
فنرى أن عمر ذهب إلى قوله: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [المائدة: ٥] فيقول: إن الله تعالى إنما شرط العفائف منهن، وهذِه لا يؤمن أن تكون غير عفيفة.
قال ابن أبي شيبة: وحدثنا أبو خالد الأحمر، عن عبد الملك قال: سألت عطاء عن نكاح اليهوديات والنصرانيات؟ فكرهه وقال: كان ذاك والمسلمات قليلٌ. وعن جابر قال: شهدنا القادسية مع سعد بن أبي وقاص، ولا نجد سبيلًا إلى المُسلمات، فتزوجنا اليهوديات والنصرانيات، فمنا من طلق ومنا من أمسك (٣).
وقال أبو عبيد: والذي عليه جماعة الفقهاء في قوله: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ [البقرة: ٢٢١] أن المراد الوثنيات والمجوسيات، وأنه لم ينسخ تحريمهن كتاب ولا سنةٌ. وشذَّ أبو ثورٍ عن الجماعة فأجاز مناكحة المجوس، وأكل ذبائحهم (٤)، وهو محجوجٌ بالجماعة والتنزيل.
стр. 15163
وروى ابن أبي شيبة، عن عبد الوهاب الثقفي، عن مثنى، عن عمرو بن شعيب، عن سعيد بن المسيب أنه قال: لا بأس أنْ يشتري الرجل المسلمُ الجارية المجوسية فيتسراها. وحدثنا عبيد الله بن موسى، عن مثنى قال: كان عطاء وطاوس وعمرو بن دينار لا يرون بأسًا أن يتسرى الرجل بالمجوسية (١).
قال أبو عبيد: وروي عن مجاهد، عن ابن عباس أنه قال: لا يحل مناكحة أهل الكتاب إذا كانوا حربًا، وتلى قوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ الآية [التوبة: ٢٩] وبه قال الثوري (٢).
واتفق مالك وأبو حنيفة وأصحابه والشافعي: أن نكاح الحربيات في دار الحرب حلال، إلا أنهم كرهوا ذلك من أجل أن المقام له ولذريته في دار الحرب حرام عليه؛ لئلا يجري عليه وعلي ولده (حكم) (٣) أهل الشرك (٤).
واختلفوا في نكاح إماء أهل الكتاب: فمنعه مالك والأوزاعي والليث والشافعي؛ لقوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ (٥) [المائدة: ٥].
قال: فهن الحرائر من اليهوديات والنصرانيات وقال: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ [النساء: ٢٥].
стр. 15164
قال مالك: إنما أُحلَّ نكاح الإماء المؤمنات دون نكاح إماء أهل الكتاب (١).
وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا بأس بنكاح إماء أهل الكتاب؛ لأن الله تعالى قد أحل الحرائر منهن والإماء تبع لهن (٢)، وهو قول أبي ميسرة، فيما حكاه ابن المنذر (٣)، والحجة عليهم نص التنزيل (السالف) (٤).
وأجمع أئمة الفتوى أنه لا يجوز وطء أمة مجوسية بملك اليمين، وأجاز ذلك طائفة من التابعين وقالوا: لأن سبي أوطاس وطئن ولم يُسلمن (٥)، وقد سلف ردّ هذا في الجهاد.
وَقَالَ عَطَاءٌ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ: كَانَتْ قَرِيبَةُ بِنْتُ أَبِي أُمَيَّةَ عِنْدَ عُمَرَ بْنِ الخَطَّابِ فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَكَانَتْ أُمُّ الحَكَمِ بنت أَبِي سُفْيَانَ تَحْتَ عِيَاضِ بْنِ غَنْمٍ الفِهْرِيِّ فَطَلَّقَهَا، فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ اللهِ بْنُ عُثْمَانَ الثَّقَفِيُّ.
هذا الحديث من أفراده، وقال أبو مسعود الدمشقي: هذا الحديث
في تفسير ابن جريج، عن عطاء الخراساني (عن ابن عباس) (١).
وكأن البخاري ظنه عطاء بن أبي رباح، وابن جريج لم يسمع التفسير من عطاء الخراساني، إنما أخذ الكتاب من ابنه ونظر فيه، وقال علي بن عبد الله المديني: سمعت هشام بن يوسف قال: قال لي ابن جريج: سألت عطاء عن التفسير من البقرة وآل عمران فقال: أعفني من هذا.
قال هشام: وكان بعد هذا إذا قال عطاء: عن ابن عباس قال: الخراساني. قال هشام: فكتبنا ما كتبنا، ثم مللنا. قال ابن المديني: يعني: كتبنا ما كتبنا أنه عطاء الخراساني، قال عليٌّ: وإنما كتبت هذِه القصة؛ لأن محمد بن ثوركان يجعلها عطاء عن ابن عباس، فظن الذين حملوها عنه أنه ابن أبي رباح (٢).
فصل:
وقريبة (٣): هذِه بقاف مضمومة، ثم راء مفتوحة، ثم ياء مثناة تحت، ثم موحدة، ورأيتُ الدمياطي فتح القاف وكسر الراء، وهي أخت أم
стр. 15167
المؤمنين أم سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم، ذكرت في الصحابيات وأنها كانت حاضرة ابتناء رسول الله ﷺ علي أختها، وأم الحكم ذكرت فيهن أيضًا، وأنها أسلمت يوم الفتح وكانت أخت أم حبيبة ومعاوية لأبيهما.
قال ابن عبد البر: وَلدت لعبد الله بن عثمان الثقفي عبد الرحمن المعروف بابن أم الحكم (١)، وقال ابن سعد: أمها هند بنت عتبة بن ربيعة (٢).
فصل:
إذا أسلمت المشركة وهاجرت إلى المسلمين فقد وقعت الفرقة بإسلامها بينها وبين زوجها الكافر عند جماعة الفقهاء، ووجب استبراؤها بثلاث حيض، ثم تحل للأزواج. هذا قول مالك والليث والأوزاعي وأبي يوسف ومحمد والشافعي (٣).
وقال أبو حنيفة: إذا خرجت الحربية إلينا مسلمة ولها زوج كافر في دار الحرب، فقد وقعت الفرقة ولا عدة عليها، (٤) وإنما عليها استبراء رحمها بحيضة، واعتل بأن العدة إنما تكون في طلاق، وإسلامها فسخ وليس بطلاق.
قالوا: وهذا تأويل حديث ابن عباس أنه إذا هاجرت امرأة من أهل الحرب لم تخطب حتى تحيض، ويظهر أن المراد بذلك الاستبراء، وتأويل هذا عند مالك والليث ومن وافقهما ثلاث حيض؛ لأنها قد
стр. 15168
جُعلت بالهجرة من جملة الحرائر المسلمات، ولا براءة لرحم حرة بأقل من ثلاث حيض.
وأكثر العلماء علي أن زوجها إن هاجر مسلمًا قبل انقضاء عدتها أنه أحق بها. وسيأتي اختلافهم في ذلك في الباب بعد هذا، واتفقوا أن الأمة إذا سُبيت: أن استبراءها بحيضة.
فصل:
وقول ابن عباس ﵄: (وإن هاجر عبد منهم أو أمة فهما حران). يريد أهل الحرب، وأما أهل العهد فيرد إليهم الثمن عوضًا منهم؛ لأنه لا يحل للمشركين تملك المسلمين ويكون وزن الثمن منهم من باب فداء أسرى المسلمين.
وإنما لم يجز ملك العبد والأمة إذا هاجرا مسلمين من أجل ارتفاع العلة الموجبة لاسترقاق المشركين، وهي وجود الكفر منهم، فإذا أسلموا قبل القدرة عليهم وقبل الغلبة لهم وجاءونا مسلمين، كان حكمهم حكم من هاجر من مكة إلى المدينة في تمام حرمة الإسلام والحرية إن شاء الله تعالى.
فصل:
قال ابن المرابط: وإنما رد المهاجرات إلى أزواجهن إذا أسلموا في العدة، وكذلك فعل ﵇ بزينب ابنته حين ردها إلى زوجها أبي العاص بن الربيع بالنكاح الأول ولم يحدث صداقًا، وإليه ذهب مالك وجماعة من أهل العلم، محتجين بأن النكاح لا يحل بعد انعقاده إلا أن يوجب حله كتاب أو سنة أو إجماع ولا سبيل إلى حله مع التنازع.
وأجمعوا علي ثبات عقد نكاح المشركين وأنهما لو أسلما جميعًا في
стр. 15169
وقت واحد، أقرا علي نكاحهما (١).
واختلفوا إذا أسلم أحدهما قبل صاحبه كما فعل بأبي العاصي، لكن الزهري لما ذكر قضية أبي العاصي. قال: كان هذا قبل أن تنزل الفرائض. وقال قتادة: قبل أن تنزل سورة براءة بقطع العهد بين المسلمين والمشركين (٢) وقد روى عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده أنه ﵇ ردها إليه بنكاح جديد (٣)، وكذا قاله الشافعي، ولا خلاف أنه إذا انقضت عدتها لا سبيل له عليها إلا بنكاح جديد.
فتبين في رواية ابن عباس -إن صحت- ردها بالنكاح الأول (٤)، أراد علي مثل الصداق الأول. وحديث عمرو بن شعيب هذا عندنا صحيح.
وقال محمد بن عمرو: ردها بعد ست سنين وقال الحسن: بعد سنتين (٥).
قلت: ذكر موسى بن عقبة في "مغازيه": أنها رُدت إليه قبل انقضاء العدة، وهو يؤيد قول ابن عباس ويتبين أن لا حاجة إلى تأويله، وقد رجح الحاكم وغيره قول ابن عباس علي ما ذكره عمرو بن شعيب (٦).
стр. 15170
فصل:
وقول ابن عباس: فإذا طهرت حلَّ لها النكاح ظاهره حُجة لأبي حنيفة من أن الأقراء الحيض، ومذهب مالك أنها تحل للأزواج بأول الطهر الثالث (١) ذكره ابن التين.
قال: وقول ابن عباس: (لم تخطب حتى تحيض وتطهر). تأوله بعض أهل العلم علي أن حيضة تجزئ من استبراء الحرَّة، ولابن القاسم في "العتبية" في نصرانية طلقها نصراني فتزوجت مسلمًا بعد حيضة: لا أفسخ نكاحه. قال: ومشهور مذهب مالك أن استبراء الحائض ثلاث حيض، فلعله يريد ذلك.
قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : «انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ». لَا وَاللهِ مَا مَسَّتْ يَدُ رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ، وَاللهِ مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى النِّسَاءِ إِلاَّ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: «قَدْ بَايَعْتُكُنَّ». كَلَامًا. [انظر: ٢٧١٣ - مسلم: ١٨٦٦ - فتح ٩/ ٤٢٠].
(وَقَالَ عَبْدُ الوَارِثِ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵄: إِذَا أَسْلَمَتِ النَّصْرَاييَّةُ قَبْلَ زَوْجِهَا بِسَاعَةٍ حَرُمَتْ عَلَيْهِ). هذا أسنده ابن أبي شيبة، عن عباد بن العوام، عن خالد به، وقال: فهي أملك بنفسها. قال: وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: يفرق بينهما (١).
ثم قال البخاري: وَقَالَ دَاوُدُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ الصَّائِغِ: سُئِلَ عَطَاءٌ عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِ العَهْدِ أَسْلَمَتْ ثُمَّ أَسْلَمَ زَوْجُهَا فِي العِدَّةِ، أَهِيَ امْرَأَتُهُ؟ قَالَ: لَا، إِلَّا أَنْ تَشَاءَ هِيَ بِنِكَاحٍ جَدِيدٍ وَصَدَاقٍ.
هذا أخرج معناه ابن أبي شيبة عن عباد بن العوام، عن حجاج، عن عطاء في النصرانية تسلم تحت زوجها قال: يفرق بينهما.
وحدثنا عبد الرحمن المحاربي، عن ليث، عن عطاء وطاوس ومجاهد في نصراني يكون تحته نصرانية فتسلم، قالوا: إن أسلم معها فهي امرأته، وإن لم يسلم فرق بينهما (٢).
ثم قال البخاري: وَقَالَ مُجَاهِدٌ: إِذَا أسْلَمَ في العِدَّةِ يَتَزَوَّجُهَا. وَقَالَ اللهُ تَعَالَي: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠].
стр. 15173
وَقَالَ الحَسَنُ وَقَتَادَةُ في مَجُوسِيَّيْنِ أَسْلَمَا: هُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا، وَإِذَا سَبَقَ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَأَبَى الآخَرُ بَانَتْ، لَا سبِيلَ لَهُ عَلَيْهَا
وهذا أخرجه ابن أبي شيبة أيضًا، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن وعكرمة وكتاب عمر بن عبد العزيز بلفظ: إذا سبق أحدهما -يعني: المجوسيين- صاحبه بالإِسلام فلا سبيل له عليها إلا بخطبة.
وحدثنا ابن عليه، عن يونس، عن الحسن: إذا أسلما فهما علي نكاحهما (١).
وَقَالَ ابن جُرَيْجٍ: قُلْتُ لِعَطَاءٍ: امْرَأَة مِنَ المُشْرِكِينَ جَاءَتْ إِلَى المُسْلِمِينَ، أَيُعَاوَضُ زَوْجُهَا مِنْهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَي ﴿وَآتُوهُمْ مَا أَنْفَقُوا﴾ [الممتحنة: ١٠]؟ قَالَ: لَا، إِنَّمَا ذلك بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ أَهْلِ العَهْدِ. وَقَالَ مُجَاهِدٌ: هذا كُلُّهُ في الصُّلْحِ بَيْنَ النَّبِيِّ ﷺ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ.
ثم قال البخاري: حَدَّثنَا ابن بُكَيْرٍ، ثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ.
وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ المُنْذِرِ: حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، حَدَّثَنِي يُونُسُ، عن شِهَاب: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ قالَتْ: كَانَتِ المُؤْمِنَاتُ إِذَا هَاجَرْنَ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ يَمْتَحِنُهُنَّ بِقَوْلِ اللهِ تَعَالَي: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنَّ﴾ إلى آخِرِ الآيَةِ. قَالَتْ عَائِشَةُ: فَمَنْ أَقَرَّ بهذا الشَّرْطِ مِنَ المُؤْمِنَاتِ فَقَدْ أَقَرَّ بِالْمِحْنَةِ، وكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا أَقْرَرْنَ بِذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِنَّ قَالَ لَهُنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "انْطَلِقْنَ فَقَدْ بَايَعْتُكُنَّ". لَا والله مَا مَسَّتْ يَدُ
стр. 15174
رَسُولِ اللهِ ﷺ يَدَ امْرَأَةٍ قَطُّ، غَيْرَ أَنَّهُ بَايَعَهُنَّ بِالْكَلَامِ، والله مَا أَخَذَ رَسُولُ اللهِ ﷺ على النِّسَاءِ إِلَّا بِمَا أَمَرَ اللهُ يَقُولُ لَهُنَّ إِذَا أَخَذَ عَلَيْهِنَّ: "قَدْ بَايَعْتُكُنَّ". كَلَامًا.
ولما ذكر الإسماعيلي حديث أبي الطاهر عن ابن وهب أخبرني يونس، عن ابن شهاب قال: قال عقيل: سئل ابن شهاب عن قول الله تعالى: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ﴾ [الممتحنة: ١٠] فقال: أخبرني عروة، عن عائشة قالت .. الحديث. ثم قال: هذا حديث يونس وحديث عقيل قريب منه.
قال: وأخبرنا ابن زيدان، حدثني أبو كريب، حدثنا رشدين، عن عقيل، قال: ورشدين ليس من شرط البخاري، علي أن أحمد بن حنبل قال: رشدين أرجو أنه ليس بحديثه بأس، أو قال: هو صالح الحديث (١). والذي ذهب إليه ابن عباس وعطاء في هذا الباب أن إسلام النصرانية قبل زوجها فاسخ لنكاحها؛ لعموم قوله تعالى: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فلم يخصص تعالى وقت العدة من غيره.
وقال ابن عباس: إن الإسلام يعلو ولا يُعلى، لا يعلو النصراني المسلمة (٢).
وروي مثله عن عمر بن الخطاب، وهو قول طاوس، وإليه ذهب أبو ثور.
стр. 15175
وقالت طائفة: إذا أسلم في العدة تزوجها. هذا قول مجاهد، وقتادة. (وبه) (١) قال مالك، والأوزاعي، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو عبيد.
وقالت طائفة: إذا أسلمت عُرض على زوجها الإسلام، فإن أسلم فهما علي نكاحهما، وإن أبى أن يُسلم فُرِّقَ بينهما.
وهو قول الثوري والزهري، وبه قال أبو حنيفة: إذا كانا في دار الإسلام، وأما إذا كانا في دار الحرب فأسلمت وخرجت إلينا فقد بانت منه بافتراق الدارين. وفيه قول آخر يروى عن عمر أنه خَيَّر نصرانية أسلمت وزوجها نصراني إن شاءت فارقته، وإن شاءت أقامت معه (٢).
قال ابن المنذر: والقول الأول عندي أصح الأقاويل (٣). قال ابن بطال: وإليه أشار البخاري في تلاوته: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠] يعني: ما دام الزوج كافرًا (٤).
قال ابن المنذر: وأجمع عوام أهل العلم علي أن النصراني إذا أسلم قبل امرأته أنهما علي نكاحهما إذ جائز له أن يبتدئ نكاحهما لو لم يكن له زوجة. وكذلك أجمعوا أنهما لو أسلما معًا أنهما علي نكاحهما (٥).
стр. 15176
فصل:
وأما قول الحسن وقتادة أن الوثنيين إذا أسلما معًا أنهما على نكاحهما، فهو إجماع من العلماء. واختلفوا إذا سبق أحدهما الآخر بالإِسلام، فقالت طائفة: تقع الفرقة بإسلام من أسلم منهما. وقاله - غير الحسن وقتادة- عكرمة، وطاوس، ومجاهد (١).
وقالت طائفة: إذا أسلم المتخلف منهما عن الإسلام قبل انقضاء عدة المرأة فهما على النكاح. هذا قول الزهري، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، (٢) ولم يراعوا من سبق بالإِسلام إذا اجتمع إسلامهما في العدة كما كان صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل أحق بزوجتيهما لما أسلما في العدة.
واحتج الشافعي بأن أبا سفيان بن حرب أسلم قبل امرأته هند، وكان إسلامه بمر الظهران، ثم رجع إلى مكة، وهند بها كافرة، ثم أسلمت بعد أيام، فأقرا على نكاحهما في الشرك، لأن عدتها لم تنقض. وكذلك حكيم ابن حزام أسلم قبل امرأته، ثم أسلمت بعد فكانا على نكاحهما (٣).
وقال مالك والكوفيون: إذا أسلم الرجل منهما قبل امرأته تقع الفرقة بينهما في الوقت إذا عرض عليها الإسلام فلم تسلم، واحتج مالك بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] فلا يجوز التمسك بعصمة المجوسية؛ لأن الله تعالى لم يُرد بالكوافر في هذِه الآية أهل الكتاب، بدليل إباحة تزويج نساء أهل الكتاب، فلما كانت مجوسية
стр. 15177
غير جائز ابتداء العقد عليها، فلذلك لا يجوز التمسك بها؛ لأن ما لا يجوز الابتداء عليه لا يجوز التمسك به إذا طرأ على النكاح.
وذهب مالك إلى أنه إن أسلمت الوثنية قبل زوجها، فإن أسلم في عدتها فهو أحق بها (١).
وعند الكوفيين يُعرض على الزوج الإسلام في الوقت، كما يعرض على المرأة إذا أسلمت، ولم يراعوا انقضاء عدة فيها (٢).
واحتج مالك في اعتبار العدة في إسلام المرأة قبل زوجها بما رواه في "الموطأ" عن ابن شهاب أنه قال: لم يبلغنا أن امرأة هاجرت إلى رسول الله ﷺ وزوجها كافر مقيم بدار الحرب إلا فرقت هجرتها بينها وبين زوجها، إلا أن يقدم زوجها مهاجرًا قبل أن تنقضي عدتها (٣).
فهذا من جهة الآية.
وأما من جهة القياس، فإن إسلامه بمنزلة الارتجاع، فلما كان له الارتجاع في الطلاق فكذلك إذا أسلم؛ لأن إسلامه فعله والرجعة فعله، فاشتبها لهذِه العلة (٤). ولم يجب عند الكوفيين مراعاة العدة؛ لأن العدة إنما تكون في طلاق، والكفر فرق بينهما وفسخ نكاحهما كالمرتد ولم يعلموا الآثار التي عند أهل المدينة وباعتبار العدة إذا أسلمت المرأة قبل زوجها.
واحتج أهل المقالة الأولى في أن النكاح يفسخ بالإِسلام إذا أسلم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ [الممتحنة: ١٠] قالوا: فكل
стр. 15178
امرأة لا يجوز للمسلم ابتداء عقد نكاحها فلا يجوز له أن يتمسك بذلك النكاح، ولا ترجع إليه في عدة ولا غير عدة إلابنكاح مستأنف؛ لأن الله كما حرم على المشركين نكاح المسلمات ونهى المسلمين عن نكاح المشركات فكان ابتداؤه في معنى استدامته.
فصل:
وقول عطاء ومجاهد: إذا جاءت امرأة من المشركين إلى المسلمين أنه لا يعطى زوجها المشرك عوض صداقها؛ لأن ذلك إنما كان في عهد بين رسول الله ﷺ وبين المشركين، وعلى ذلك انعقد الصلح بينهم، ولو كانوا أهل حرب لرسول الله ﷺ لم يجز رد شيء مما أنفقوا إليهم، وكذلك قال الشعبي في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ فَاتَكُمْ شَيْءٌ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ إِلَى الْكُفَّارِ فَعَاقَبْتُمْ﴾ [الممتحنة: ١١]: أنها منسوخة.
فصل:
لما ذكر ابن التين قول ابن عباس: لعله يريد غير المدخول بها قال: ومذهب مالك أنه أحق بها ما دامت في العدة إذا كانت مدخولًا بها. وسواء كانت مجوسية أو نصرانية (١) قال: واختلف إذا أسلم عقب إسلامها ولم تكن مدخولًا بها، هل يكون أحق بها وإن تقدم إسلامه وهي وثنية أو مجوسية؟
قال أشهب: هو أحق بها مادامت في العدة (٢).
وقال مالك: يُعرض عليها الإسلام فإن أسلمت وإلا فرق بينهما (٣).
стр. 15179
قال: واختلف قوله إذا عرض عليها الإسلام وأبت. ففي "المدونة" يفرق بينهما (١). وعند محمد يعرض عليها اليومين والثلاث (٢).
قال: واختلف إذا غفل عنها بعرض الإسلام ثم أسلمت: ففي "المدونة" الشهر وأكثر منه قليل قريب (٣) وقال محمد: (إذا) (٤) غفل عنها شهرًا برئ منها (٥).
عنه -: إِذَا مَضَتْ أَرْبَعَةُ أَشهُرٍ يُوقَفُ حَتَّى يُطَلِّقَ، وَلَا يَقَعُ عَلَيْهِ الطَّلَاقُ حَتَّى يُطَلِّقَ. وَيُذْكَرُ ذَلِكَ عَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعَائِشَةَ وَاثْنَي عَشَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ﵃.
الشرح:
هذا باب الإيلاء، وقد ترجم به كذلك ابن بطال في "شرحه" (١)، وهو في اللغة: الحَلِف يقال: آلي يؤلي إيلاء وألية: حلف.
وفي قراءة أُبي وابن عباس: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ﴾ قالا: (يقسمون). وقال ابن عباس: كل يمين منعت جماعًا فهي إيلاء (٢).
وقال ابن المنذر: وهو قول كل من أحفظ عنه من أهل العلم (٣)، واختلف في الإيلاء المذكور في القرآن كما سيأتي.
وحديث إيلائه سلف مطولًا من حديث ابن عباس ﵄، وليس هو مما عقد له الباب.
وقوله: (وقال لي إسماعيل). هو مما أخذه عنه في حال المذاكرة كما سلف غير مرة. وقد أخرجه في "الموطأ" من رواية يحيي وغيره عن مالك (٤). وفي رواية معن والقعنبي: إذا مضت الأربعة الأشهر وقف حتى يفيء أو يطلق، ولا يقع عليه الطلاق إذا مضت الأربعة الأشهر حتى يوقف.
وكذا رواه مَعْمر، عن أيوب، عن نافع، عنه.
стр. 15182
وفي "الغرائب" للدارقطني -من حديث بكر بن الشرود- قال: وتفرد به عن مالك -وليس بالقوي- عن نافع، عن ابن عمر أنه ﵇ آلى من نسائه، فدخل على عائشة ﵂ فقالت: إنما كنت أقسمت شهرًا فقال: "إذا مضى من الشهر تسع وعشرون يومًا فقد مضى الشهر".
وما ذكره عن عثمان فمن بعده بصيغة تمريض (أسانيدهم) (١) جيدة أخرجها ابن أبي شيبة، قال في الأول: حدثنا ابن علية، عن مسعر، عن حبيب بن أبي ثابت، عن طاوس، عن عثمان، وطاوس أدرك زمن عثمان (٢). ورواه أيضًا بإسناد جيد عنه.
وعن زيد بن ثابت: إذا مضت أربعة أشهر فهي تطليقة، وهي أملك بنفسها (٣).
قال ابن عبد البر: وهذا هو الصحيح عن عثمان (٤).
وأثر علي أخرجه (٥)، عن ابن عيينة، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عمرو بن سلمة، عنه.
وحدثنا وكيع، عن سفيان، عن الشيباني، عن بكير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى، عنه (٦). وقال ابن عبد البر: هذا حديث صحيح (٧).
стр. 15183
وأثر أبي الدرداء أخرجه، عن عبيد الله بن موسى، عن أبان العطار، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب، عنه.
وأثر عائشة أخرجه عن وكيع، عن حسن بن فرات، عن ابن أبي مليكة، عنها (١).
والتعليق عن الاثني عشر سلف منه ما تقدم عن زيد بن ثابت.
وأخرج ابن أبي شيبة، عن ابن فضيل، عن الأعمش، عن حبيب قال: سألت سعيدًا أمير مكة عن الإيلاء؛ فقال: كان ابن عباس يقول: إذا مضت أربعة أشهر ملكت نفسها، وكان ابن عمر يقول ذلك. وحدثنا ابن علية، عن أيوب، عن أبي قلابة أن النعمان بن بشير آلي من امرأته؛ فقال ابن مسعود: إذا مضت أربعة أشهر فقد بانت منه بطلقة (٢).
وذكره ابن المنذر عن عمر، وابنه، وعثمان، وعلي، وعائشة، وأبي الدرداء. وعنه أيضًا عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه قال: سألت اثني عشر رجلاً من أصحاب رسول الله ﷺ عن المؤلي، .. الحديث (٣).
وفي "جامع الترمذي" من حديث الشعبي، عن مسروق، عن عائشة ﵂: آلي ﵇ من نسائه، وحرم فجعل الحرام حلالًا وجعل في اليمين كفارة. قال وهو عن الشعبي أن النبي ﷺ .. أصح (٤).
قال: وروي عن عائشة أنها قالت: أقسم رسول الله ﷺ من نسائه (٥).
стр. 15184
وفي "سنن ابن ماجه" من حديث عكرمة بن عبد الرحمن، عن أم سلمة أنه ﵇ آلى من بعض نسائه شهرًا، فلما كان تسعة وعشرين راح أو غدا، فقيل: يا رسول الله، إنما مضى تسع وعشرون؛ فقال. "الشهر تسع وعشرون" (١).
وعبارة أبي محمد ابن حزم: صح أنه ﵇ آلي من نسائه شهرًا، فهجرهن كلهن شهرًا، ثم راجعهن (٢).
إذا تقرر ذلك؛ فقد أسلفنا مدلول الإيلاء وقراءةَ: ﴿لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ﴾ قالا: (٣) (يقسمون). أي: على الامتناع من نسائهم؛ لأنه لا يقال: آليت من كذا، إنما يقال: آليت على كذا، آليت لأفعلن كذا، لكنه [لما كان] (٤) معناه: آلي ليمتنعن من امرأته، وكثر استعماله، حذف ذلك لدلالة الكلام (٥) عليه. وقيل: آلى من امرأته، حكي هذا الفضل ابن سلمة عن بعض النحاة فيما ذكره الباجي في "منتقاه" عنه (٦).
والفراء قال: إن (من) هنا بمعنى (علي)، معناه: يُؤلون علي نسائهم.
واختلف العلماء في الإيلاء المذكور في القرآن، قال ابن المنذر: فروي عن ابن عباس: لا يكون موليًا حتى يحلف ألا يمسها أبدًا. وقالت طائفة: الإيلاء إنما هو آلى؛ حلف ألا يطأ أكثر من أربعة أشهر. هذا قول مالك، والشافعي، وأحمد، وأبي ثور، فإن حلف على أربعة أشهر فما دونها لم يكن موليًا، وكان هذا عندهم يمينًا
стр. 15185
محضًا، لو وطئ في هذِه اليمين حنث ولزمت الكفارة. وإن لم يطأ حتى انقضت المدة لم يكن عليه شيء كسائر الأيمان. وقال الثوري، والكوفيون: هو أن يحلف علي أربعة أشهر فصاعدًا وهو قول عطاء.
وقالت طائفة: إذا حلف ألا يقرب امرأته يومًا أو أقل أو أكثر لم يطأها أربعة أشهر بانت منه بالإيلاء، روي هذا عن ابن مسعود، والنخعي، وابن أبي ليلى، والحكم، وبه قال إسحاق (١). واعتل أهل هذِه المقالة؛ فقالوا إذا آلي منها أكثر من أربعة أشهر فقد صار موليًا ولزمه أن يفيء بعد التربص أو يطلق؛ لأنه قصد الإضرار باليمين. وهذا المعنى موجود في المدة القصيرة.
قال ابن المنذر: وأنكر هذا القول أكثر أهل العلم، وقالوا: لا يكون الإيلاء أقل من أربعة أشهر (٢).
قال ابن عباس: كان إيلاء أهل الجاهلية السنة والسنتين وأكثر، فَوَقَّتَ اللهُ لهم أربعة أشهر، فمن كان إيلاؤه أقل من أربعة أشهر فليس بإيلاء (٣).
وفي "الاستذكار" عن القاسم: أن رجلاً كان يولي من امرأته سنة. وفي رواية أن عائشة ﵂ أمرت رجلاً بعد عشرين شهرًا أن يفيء أو يطلق.
стр. 15186
وليس في حديث أنس إيلاء بأربعة أشهر، وإنما فيه أنه حلف أن لا يجامع نساءه شهرًا فبرَّ يمينه وترك إتمامه.
واحتج الكوفيون فقالوا: جعل الله التربص في الإيلاء أربعة أشهر، كما جعل في عدة الوفاة أربعة أشهر وعشرًا، وفي عدة الطلاق ثلاثة قروء بلا تربص بعدها. قالوا: فيجب بعد المدة سقوط الإيلاء، ولا يسقط إلا بالفيء، وهو الجماع في داخل المدة. والطلاق بعد انقضاء الأربعة الأشهر.
واحتج أصحاب مالك فقالوا: جعل الله للمولي تربص أربعة أشهر؛ فهي له بكمالها لا اعتراض للزوجة عليه. كما أن الدين المؤجل لا يستحق صاحبه المطالبة به إلا بعد تمام الأجل (١). وتقدير الكوفيين للآية: فإن (فاءوا فيهن) (٢). وتقدير المدنيين: فإن فاءوا بعدهن. قال إسماعيل: ولا يخلو التخيير الذي جعل للمولي في الفيء أو الطلاق أن يكون في الأربعة أشهر أو بعدها، فإن كان فيها فقد بعضوه من الأجل الذي ضربه الله له، وإن قالوا: بعدها -وهو ظاهر القرآن- صاروا إلى قولنا، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ﴾ [البقرة: ٢٣٤] إلى قوله: ﴿بِالْمَعْرُوفِ﴾. فليس يجوز لها أن تعمل في نفسها شيئًا بالمعروف -وهو التزويج- إلا بعد تمام الأجل المضروب لها. وكل من أجل له أجل فلا سبيل عليه في الأجل وإنما عليه السبيل بعده، فنحن وهم مجمعون علي صاحب الدين أنه كذلك. وعلى العنين إذا ضُرب له أجل سنة أنه لا سبيل عليه قبل تقضيها، فإن وطئ
стр. 15187
من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه حكم العنة، وإلا فيفرق يينه وبينها، فكذلك المولي لا سبيل عليه في المدة. فإن وطئ فيها من غير أن يؤخذ بذلك سقط عنه الإيلاء، وإن لم يطأ حتى انقضت أخذه الحاكم بالطلاق، فإن لم يطلق فرق بينهما الحاكم (١).
قال ابن المنذر: وأجمع كل من نحفظ عنه العلم أن الفيء هو الجماع لمن لا عذر له، فإن كان له عذر فيجزئه فيئه بلسانه وقلبه.
وقال بعضهم: إذا أشهد على فيئه في حال العذر أجزأه (٢)، وخالف الجماعة سعيد بن جبير؛ فقال: الفيء الجماع، لا عذر له إلا أن يجامع وإن كان في سفر أو بحر (٣).
فصل:
وأوجب أكثر أهل العلم الكفارة عليه إذا فاء بجماع امرأته، روي هذا عن ابن عباس، وزيد بن ثابت، وهو قول النخعي، وابن سيرين، ومالك والثوري، والكوفيين، والشافعي، وعامة الفقهاء.
وقالت طائفة: إذا فاء فلا كفارة عليه، هذا قول الحسن. وقال النخعي: كانوا يقولون: إذا فاء فلا كفارة عليه (٤).
وقال إسحاق بن راهويه: قال بعض أهل التأويل في قوله: ﴿فَإِنْ فَاءُوا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٦] يعني: اليمين التي حنثوا فيها. وهو مذهب في الأيمان لبعض التابعين فيمن حلف علي بر وتقوى وباب من الخير
стр. 15188
ألا يفعله، فإنه يفعله ولا كفارة عليه، وهو ضعيف ترده السنة الثابتة عن رسول الله ﷺ : "فليكفر عن يمينه، وليأت الذي هو خير" (١).
فصل:
وما ذكره البخاري عن ابن عمر أن المولي يوقف حتى يطلق، وذكره عن اثني عشر رجلاً من الصحابة، وقال سليمان بن يسار: كان تسعة عشر رجلاً من أصحاب محمد ﷺ يوقفون في الإيلاء (٢).
قال مالك: وذلك الأمر عندنا (٣) وبه قال الليث، والشافعي، وأحمد وإسحاق، وأبو ثور. فإن طلق فهي واحدة رجعية، إلا أن مالكًا قال: لا تصح رجعته حتى يطأ في العدة، ولا أعلم أحدًا قاله غيره.
وقالت طائفة: إذا مضت للمولي أربعة أشهر بانت منه امرأته دون توقف بطلقة بائنة لا يملك فيها الرجعة. وروي عن ابن مسعود وابن عباس وزيد بن ثابت، ورواية عن عثمان وعلي، وابن عمر ذكرها ابن المنذر، وهو قول عطاء والنخعي ومسروق والحسن وابن سيرين، وإليه ذهب الأوزاعي والليث وجماعة الكوفيين، وحكاه عبد الملك عن مالك.
وقالت طائفة: هي طلقة يملك فيها الرجعة إذا مضت الأربعة الأشهر. روي عن ابن المسيب -قال ابن حزم: ولم يصح عنه- (٤) وأبي بكر بن عبد الرحمن ومكحول والزهري (٥).
стр. 15189
والصواب أن يوقف المولي؛ لأن الله تعالى جعل له تربص أربعة أشهر لا يطالب فيها بالوطء، وجعله بعدها مُخيرًا في الفيء بالجماع، أو إيقاع الطلاق؛ لأنه من خيره الله في أمر، فلا سبيل للافتئات عليه ورفع ما جعله الله له منه دون إذنه.
واحتج لقول مالك: أنه إذا لم يطأ في العدة فلا تصح رجعته أن الطلاق إنما أوقع لرفع الضرر، فمتى لم يطأ فالضرر قائم، فلا معنى للرجعة، ومتى ارتجع كانت رجعته معتبرة بالوطء، فإن وطئ ولا علم أنه لم يكن له رجعة إلا أن يكون له عذر يمنعه من الوطء فتصح رجعته؛ لأن الضرر قد زال، وامتناعه من الوطء ليس من أجل الضرر، وإنما هو من أجل العذر.
فصل:
قال القاضي بكر في قوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٦]: المغفرة والرحمة لا يكونان إلا بعد ذنب، والله تعالى أباح الأربعة أشهر فيها فيئه بعد ذلك، وهي المدة التي يغفر له بتأخيرها. وقوله: ﴿فَإِنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: ٢٢٧] يدل علي أنه لا يسمع إلا ما نطق به.
فرع:
قال مالك في كتاب المدنيين: إذا تم الأجل الذي جعله الله له، وقفه الإِمام، فلم يرَ أن يزاد شيئًا، فقال ابن القاسم عنه: يؤخر المرة بعد المرة. ويكون ذلك قريبًا بعضه من بعض، فإن فاء وإلا طلق عليه.
وروى عنه ابن وهب: يؤخر، وإن أقام في الاختيار أكثر من ثلاث حيض فإنه يوقف أيضًا، فإن قال: أنا أفيء خُلِّي بينه وبينها، إلا أن يكثر ذلك فتطلق عليه وروى عنه أشهب: يخلي بينه وبينها فإن لم يَفِئْ
стр. 15190
انقضت عدتها من يومِ قال: أنا أفيء. طُلِّقت عليه طلقه بائنة (١). ومذهب الشافعي أن الحاكم لا يطلق عليه كذا حكاه ابن التين
ثم قال: دليلنا أنه طلاق لإزالة الضرر، فجاز أن يليه الحاكم عند امتناعه منه، أصله طلاق المعسر بالنفقة.
قال: واختلف في المدة التي إذا حلف عليها يكون موليًا، فقال مالك: إذا زاد على الأربعة أشهر يومًا ونحوه (٢)، وقال القاضي في "تلقينه": حتى يزيد على الأربعة زيادة مؤثرة (٣).
وقال ابن عباس: لا يكون موليًا حتى يحلف علي وطء الأبدِ (٤). وقال الحسن: لوحلف على ساعة لكان موليًا. وقد أسلفنا ذلك أول الكلام.
فصل:
أوضح أبو محمد ابن حزم الإيلاء علي طريقته حيث قال: من حَلَف بالله أو باسم من أسمائه أن لا يطأ امرأته، أو أن يسوءها، أو لا يجمعه هو وإياها فراش أو بيتٌ سواء، قال ذلك في غضب، أو في رضى لصلاح رضيعها أو لغير ذلك استثنى في نفسه أو لم يستثن فسواء وقت ساعة فأكثر إلى جميع عُمره أو لم يؤقت فالحكم في ذلك واحد، فيلزم الحاكم بأن يوقف ويأمره بوطئها ويؤجل له في ذلك أربعة أشهر من حين يحلف سواء طلبت المرأه ذلك أو لم تطلب، رضيت ذلك أو لم ترضْ. فإن فاء في داخل الأربعة الأشهر فلا سبيل عليه، وإن أبى لم يعترض عليه حتى تنقضي الأربعة الأشهر، فإذا
стр. 15191
تمت جبره الحاكم بالسوط علي أن يفيء فَيُجامع أو يطلق حتى يفعل أحدهما كما أمره الله، إلا أن يكون عاجزًا عن الجماع لا يقدر عليه أصلاً، فلا يجوز تكليفه ما لا يطيق، لكن يكلف أن يفيء بلسانه، ولا يجوز أن يطلق عليه الحاكم، فإن فعله لم يلزمه طلاق غيره.
ومن حلف في ذلك بطلاق، أو عتق، أو صدقة، أو مشي أو غير ذلك فليس موليًا وعليه الأدب؛ لأنه حلف بما لا يجوز الحلف به؛ لما صح عن رسول الله ﷺ من قوله: "من كان حالفًا فلا يحلف إلا بالله".
وقال أبو حنيفة: إن حلف بطلاق أو عتق أو حج أو عمرة أو صيام فهو إيلاء، فإن حلف بنذر صلاة، أو بأن يطوف أسبوعًا، أو بأن يُسبح مائة مرة فليس موليًا. ورأى قوم أن الهجر بلا يمين له حكم الإيلاء. قال ابن عباس ليزيد بن الأصم: ما فعلت أهلُك، عهدي بها لَسِنَةً سيئة الخلق قال: أجل، والله لقد خرجت وما أكلمها. فقال له عبد الله: عَجل السير، أدركها قبل أن تمضي أربعة أشهر، فإن مضت فهي تطليقة.
وصح عن ابن عباس ﵄ أنه قال: الإيلاء هو أن يحلف أن لا يأتيها أبدًا. وصح عن عطاء أنه قال: الإيلاء إنما هو أن يحلف بالله على الجماع أربعة أشهر فأكثر، فإن لم يحلف فليس بإيلاء، فإن قال لها: أنت عليَّ كظهر أمي إن قربتك. فقال حماد: ليس بشيء، وقال أبو الشعثاء: هو إيلاء.
وقال رجل لعلي بن أبي طالب: تزوجت امرأة أخي وهي ترضع ابن أخي، فقلت: هي طالق إن قربتها حتى تفطمه. فقال علي: إنما أردت (الإصلاح لك) (١) ولابن أخيك فلا إيلاء عليك، إنما الإيلاء ما كان في
стр. 15192
غضب. وممن لم يراعِ ذلك إبراهيم وابن سيرين، وهو قول أبي حنيفة، والشا فعي، ومالك، وأبي سليمان، وأصحابهم (١).
وقال ابن عبد البر: وعن مالك: من قال لامرأته: والله لا أقربك حتى تفطمي ولدك. لم يكن موليًا.
وهو قول الأوزاعي وأبي عبيد (٢).
قال ابن حزم: وممن صح عنه أن: بمضيِّ أربعة أشهر تبين بطلقة بائنة الحسنُ، وإبراهيم، وقبيصة بن ذؤيب، وعكرمة، وعلقمة، والشعبي، وهو قول أبي حنيفة. وتعتد بعد انقضاء الأربعة الأشهر. وقال مسروق، وشريح، وعطاء: تعتد بثلاث حيض (٣).
قال ابن عبد البر: كل الفقهاء -فيما علمت- يقولون: إنها تعتد بعد الطلاق عدة المطلقة إلا جابر بن زيد فإنه يقول: لا تعتد، يعني: إذا كانت قد حاضت ثلاث حيض في الأربعة الأشهر.
وقال بقوله طائفة، وكان الشافعي يقول به في القديم، ثم رجع عنه، وقد روي عن ابن عباس مثله (٤).
فصل:
قال ابن حزم: والحرُّ والعبد في الإيلاء كل واحد منهما من زوجته الحرة والأمة المسلمة أو الذمية الكبيرة أو الصغيرة سواء في كل ما ذكرناه؛ لأن الله تعالى عمَّ ولم يخص، وما كان ربك نسيًّا.
стр. 15193
وروينا عن عمر ﵁ -ولم يصح عنه- أنه قال: إيلاء العبد شهران. وروينا عنه أيضًا أنه قال: إيلاء الأمة شهران، ولا يصح؛ لأنه من حديث حبان بن علي، عن ابن أبي ليلى، عن عبد الكريم (١).
وقال أحمد فيما حكاه عنه الخلال في "علله": يروى عن الزهري أنه كان يقول: إيلاء العبد شهران، ولا أعلمه عن أحدٍ غير الزهري.
قال ابن حزم: وصح عن عطاء أنه قال: لا إيلاء للعبد دون سيده، وهو شهران، وبه يقول الأوزاعي، والليث، ومالك، وإسحاق.
وقالت طائفة: الحكم في ذلك للنساء؛ فإن كانت حرة فإيلاء زوجها الحر والعبد أربعة أشهر؛ وإن كانت أمة فإيلاء زوجها الحر والعبد عنها شهران، وهو قول إبراهيم وقتادة والحسن والحكم والشعبي وحماد والضحاك والثوري وأبي حنيفة وأصحابه.
وقالت طائفة: إيلاء الحرّ والعبد من الزوجة الحرة والأمة سواء، وهو أربعة أشهر، وهو قول الشافعي وأحمد وأبي ثور وأبي سليمان وأصحابهم.
فصل:
قال: ومن آلى من أربع نسوة له بيمين واحدة وقف لهن كلهن من حين يحلف، فإن فاء إلى واحدة سقط حكمها وبقي حكم البواقي، فلا يزال يوقف لمن لم يفئ إليها حتى يفيء أو يطلق، وليس عليه في كل ذلك إلا كفارة واحدة؛ لأنها يمين واحدة علي أشياء متغايرة، ولكل واحدة حكمها، وهو مولٍ من كل واحدة منهن، ومن آلي من أمته فلا توقيف عليه؛ لأن الله قال: ﴿وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلَاقَ﴾ [البقرة: ٢٢٧]
стр. 15194
فصح أن حكم الإيلاء إنما هو فيمن يلزمه فيها الفيئة أو الطلاق وليس في المملوكة طلاق أصلاً (١).
فصل:
قال ابن عبد البر: اختلف العلماء فيمن طلق ثلاثًا بعد الإيلاء ثم تزوجها بعد زوج، فقال مالك: يكون موليًا، وهو قول حماد وزفر.
وقال أبو حنيفة وصاحباه: لا يكون موليًا، وإن قربها كَفَّر يمينه، وهو قول الثوري (وقال) (٢) الشافعي في موضع: إذا بانت المرأة ثم تزوجها كان موليًا، وفي موضع: لا يكون موليًا، واختاره المزني؛ لأنها صارت في حال لو طلقها لم يقع طلاقه عليها.
فصل:
قال ابن القاسم: إذا آلي وهي صغيرة لا يجامَع مثلُهَا لم يكن موليًا حتى تبلغ الوطء، ثم يوقف بعد مضي أربعة أشهر منذ بلغت الوطء، قال: ولا يوقف الخصي إنما يوقف من قدر على الجماع.
وقال الشافعي: إذا لم يبق من الخصي ما ينال به المرأة ما يناله الصحيح؛ بمغيب الحشفة فهو كالمجبوب فاء بلسانه، ولا شيء عليه؛ لأنه ممن (يجامع) (٣) مثله.
وقال في موضع آخر: لا إيلاء عن مجبوب، واختاره المزني. وقال أبو حنيفة وأصحابه: إذا آلي وهو مريض بينه وبينها مسيرة أربعة أشهر، أو كانت رتقاء، أو صغيرة ففيئه الرضا بالقول إذا دام به العذر قالوا:
стр. 15195
ولو كان أحدهما محرمًا بالحج وبينه وبين وقت الحج أربعة أشهر لم يكن فيئه إلا بالجماع، وكذ المحبوس وقال زفر: فيئته بالقول.
وقال الثوري: إذا كان له عذر من مرض، أو كبر، أو حبس، أو كانت حائضًا، أو نفساء فليفئ بلسانه، وهو قول ابن حي.
وقال الأوزاعي: إذا آلي، ثم مرض أو سافر فأشهد على الفيء من غير جماع وكان لا يقدر على الجماع فليكفر عن يمينه، وهي امرأته. وكذلك إن ولدت في الأربعة الأشهر، أو حاضت، أو طرده السلطان فإنه يشهد على الفيء ولا إيلاء عليه.
وقال الليث: إذا مرض بعد الإيلاء تم مضت أربعة أشهر [فإنه] (١) يوقف كما يوقف الصحيح، ولا يؤخر إلى أن يصح.
قال الشافعي: ولو آلي وهي بكر، وقال: لا أقدر على افتضاضها أُجّلَ أَجَل العنين. قال: وإذا كان ممن [لا] (٢) يقدر على الجماع وفاء بلسانه، ثم قدر وقف حتى يفيء أو يطلق.
قال: وإذا حُبس أستأنف أربعة أشهر، وإن كان بينهما مسيرة أربعة أشهر وطالبه الوكيل فاء بلسانه وسار إليها كيفما أمكنه وإلا طلقت عليه (٣).
فإذا آلي من امرأته ثم مات؛ فعن الشعبي فيما ذكره ابن أبي شيبة بإسناد جيد: تعتد أحد عشر شهرًا (٤).