وقال محمد: لا تخرج المطلقة ولا المتوفى عنها ليلاً ولا نهارًا في العدة (١).
وقالت طائفة: المتوفى عنها تعتد حيث شاءت.
روي هذا عن علي وابن عباس وجابر وعائشة وعن عطاء والحسن.
قال ابن عباس: إنما قال الله تعالى: تعتد أربعة أشهر وعشرًا، ولم يقل تعتد في بيتها، فتعتد حيث شاءت (٢). وقام الإجماع على أن الرجعية تستحق السكنى والنفقة؛ إذ حكمها حكم الزوجات في جميع أمورها.
واختلف في وجوب السكنى والنفقة للمطلقة ثلاثًا إذا لم تكن حاملاً، فقالت طائفة: لا فيهما على نص حديث الباب. وروي عن علي وابن عباس وجابر، وبه قال أحمد وإسحاق وأبو ثور.
وممن قال لا نفقة للمبتوتة إبراهيم في رواية، والحسن وعكرمة وسعيد بن جبير وعروة فيما ذكره ابن أبي شيبة بأسانيد جيدة (٣) وخالف ذلك جابر بن عبد الله والحسن وعطاء والشعبي وشريح القاضي والحكم وحماد وإبراهيم والإسناد إليهم جيد (٤).
وقالت أخرى: للمبتوتة السكنى دون النفقة. روي عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وعطاء والشعبي، وهو قول مالك وابن أبي ليلى والليث والأوزاعي والشافعي.
стр. 15332
وقالت طائفة ثالثة: لكل مطلقة السكنى والنفقة ما دامت في العدة حاملًا كانت أو غير حامل، مبتوتة كانت أو رجعية. هذا قول الثوري والكوفيين (١)، وروي عن عمر وابن مسعود (٢).
احتج الكوفيون بأن عمر وعائشة وأسامة بن زيد ردوا حديث فاطمة بنت قيس، وأنكروه عليها، وأخذوا في ذلك بما رواه الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر أنه قال: لا ندع كتاب ربنا وسنة نبينا لقول امرأة وهمت أو نسيت. وكان عمر ﵁ يجعل لها النفقة والسكنى (٣) وقال ابن حزم: ما كنا لنعتد في ديننا بشهادة امرأة (٤)، ووصل هذا أبو يوسف، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عمر (٥).
وفي الدارقطني أن عمر قال لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعا عن رسول الله ﷺ وإلا لم نترك كتاب الله لقول امرأة ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بُيُوتِهِنّ﴾. ولم يقل فيه وسنة نبينا، وهذا أصح؛ لأنه لا يثبت (٦).
والحديث عند النسائي بدونها (٧) قالوا: ما احتج به عمر في دفع حديث فاطمة حجة صحيحة، وذلك أن الله تعالى قال: ﴿يأيُّهَا ألنَّبىُّ إِذَا طَلَّقتُمُ ألنِّسَآءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ [الطلاق: ١] ثم قال: ﴿لَا تَدرِى لَعَلَّ
стр. 15333
اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] وأجمعوا أن الأمر إنما هو الرجعة ثم قال تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٦] الآية.
ثم قال: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ [الطلاق: ١] يريد في العدة، فكانت المرأة إذا طلقها زوجها اثنتين للسنة ثم راجعها كما أمر الله ثم طلقها أخرى للسنة حرمت عليه ووجبت عليها العدة التي جعل الله لها فيها السكنى وأمرها فيها ألا تخرج، وأمر الزوج ألا يخرجها، ولم يفرق بين مطلقة ومطلقة، فلما جاءت فاطمة هذِه فروت عن النبي ﷺ : "إنما السكنى والنفقة لمن كانت عليها الرجعة"، خالفت بذلك كتاب الله؛ لأن الله تعالى جعل السكنى لمن لا رجعة عليها، وخالفت السنة؛ لأن عمر ﵁ خالف ما روت، فخرج المعنى الذي منه أنكر عمر عليها ما أنكر خروجًا صحيحًا، وبطل حديث فاطمة فلم يجب العمل به أصلاً؛ لما بينا.
وقال الكوفيون: إن السكنى تتبع النفقة فتجب بوجوبها وتسقط بسقوطها فقال لهم أصحاب مالك: السكنى التي في حالة الزوجية هي تبع النفقة من أجل التمكين من الاستمتاع، فلا يجوز أن تسقط إحداهما وتجب الأخرى، والسكنى بعد البينونة حق الله فلا تتبعها النفقة، ألا ترى أنهما لو اتفقا على سقوطها لم يجز أن تعتد في غير منزل الزوج الذي طلق فيه، وفي الزوجية يجوز أن ينقلها إلى حيث شاء، وبعد الطلاق ليس كذلك.
وقال من منعها وأخذوا بحديث فاطمة: إن عمر إنما أنكر عليها؛ لأنها خالفت عنده كتاب الله، يريد قوله: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ وهذا إنما هو في الرجعية، وفاطمة كانت مبتوتة لا رجعة لزوجها عليها، وقد قالت أنه ﵇ قال لها: "إنما النفقة والسكنى لمن كانت عليها الرجعة"
стр. 15334
وفاطمة لم يكن لزوجها عليها الرجعة، فما روت من ذلك لا يدفعه كتاب الله ولا سنة نبيه، [فإن كان عمر وعائشة وأسامة أنكروا على فاطمة ما روت عن النبي ﷺ ] (١) وقالوا بخلافه، فقد تابع فاطمة على ذلك علي وابن عباس وجابر.
وحديث الشعبي بين في ذلك، روى هشيم: ثنا مغيرة وحصين وإسماعيل بن أبي خالد ومجالد، عن الشعبي قال: دخلت على فاطمة بنت قيس فسألتها عن قضاء رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، فقالت: طلقني زوجي البتة فخاصمته إلى رسول الله ﷺ في السكنى والنفقة، فلم يجعل لي سكنى ولا نفقة، وأمرني أن أعتد في بيت ابن أم مكتوم (٢) وقال مجالد في حديثه: إنما السكنى والنفقة لمن كانت له الرجعة (٣). وأعله ابن القطان بمجالد (٤)، ورواها أيضًا عن الشعبي سعيد بن يزيد الأحمسي، وهو ضعيف (٥).
واحتج من قال بالسكنى دون النفقة بأن حديث الشعبي غلط؛ لأنه قد روي عنه أنه جعل للمبتوتة السكنى وقال بعضهم: السكنى والنفقة.
وقال إسماعيل بن إسحاق: حَدَّثَنَا ابن أبي شيبة ثَنَا حميد، عن حسن بن صالح، عن السدي، عن إبراهيم والشعبي في المطلقة ثلاثًا قال: لها السكنى والنفقة (٦).
стр. 15335
وهذا يوهن رواية الشعبي قال (أبو إسحاق) (١) كنت مع الأسود بن يزيد في المسجد الجامع ومعنا الشعبي يحدث بحديث فاطمة أنه ﵇ لم يجعل لها سكنى ولا نفقة فأخذ الأسود كفًا من حصى فحصبه، وقال: ويحك أتحدث بهذا أين عمر بن الخطاب (٢)؟ قال إسماعيل: فلعله أفتى بخلاف ما روى عن فاطمة لما (روي) (٣) من إنكار الناس عليه.
وروى أبو عوانة، عن منصور، عن إبراهيم قال في المطلقة ثلاثًا: لها السكنى والنفقة ولا يجبر على النفقة.
قال إسماعيل: فلخص منصور في روايته شيئًا يدل على ضبطه، وبين أن إبراهيم إنما أراد إثبات السكنى دون النفقة، وإسقاط السكنى هو الذي أنكر على فاطمة، وكذلك أنكرت عليها عائشة إطلاق اللفظ (٤)، وكتمان السبب الذي من أجله أباح ﵇ خروجها من المنزل فقالت: اتق الله ولا تكتمي السر الذي من أجله نقلك. وذلك أنها كانت في لسانها ذرابة فاستطالت على أحمائها -أهل زوجها- فلذلك نقلها، لا أنه لا سكنى لها، والمرأة عندنا إذا آذت أهل زوجها جاز نقلها من ذلك الموضع، فدل أن عائشة ﵂ علمت معنى ما أمر به رسول الله ﷺ فاطمة، ولم يكن قولها شيئُا قالته برأيها، ألا ترى
стр. 15336
قولها لمروان: دع عنك حديث فاطمة فإن لها شأنًا وقالت: ألا تتقي الله فاطمةُ، علمت يقينًا أنها عرفت قصتها كيف كانت.
وقول مروان لعائشة: إن كان بك من الشر فحسبك ما بين هذين من الشر. يدل أن فاطمة إنما أمرت بالتحويل إلى الموضع الذي أمرت به لشر كان بينها وبينهم. وإذا كان الشر والشقاق واقعًا بين الزوجين جاز للحاكم أن يبعث إليها حكمين يكون لهما الجمع بينهما أو الفرقة. فكان تحويل المعتدة من مسكن إلى مسكن إذا وقع الشر أحرى أن يجوز.
وقد روي في قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ أحاديث: فمنهم من ذهب إلى أن الفاحشة البذاء وسوء الخلق، وهذا يشبه قول مروان السالف. وقد روي غير ذلك على ما يأتي ذكره في الباب بعد.
قال المهلب: في إنكار عائشة على فاطمة فتياها بما أباح لها الشارع من الانفصال وترك السكنى ولم تخبر بالعلة فيه: أن العالم لا يجب أن يفتي في المسألة إذا لم يعرف معناها كما لم تعرف فاطمة الوجه الذي أباح الشارع إخراجها من أجله من مسكنها، فتوهمت أنه ليس لها بهذا سكنى (١).
واحتج من قال بوجوب السكنى دون النفقة بقوله تعالى: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿حَمْلَهُنَّ﴾ فلو كانت النفقة تجب كما تجب السكنى لما كان لاختصاص النفقة للحامل معنى، فلما وقع الاختصاص وجب أن لا نفقة للمرأة إذا لم تكن حاملاً، ووجب أيضًا
стр. 15337
أن تعلم أن هذِه المرأة ليست التي يملك زوجها رجعتها؛ لأن تلك نفقتها واجبة عليه وإن كانت غير حامل على الأصل الذي كانت عليه قبل الطلاق.
واحتيج إلى ذكر السكنى في الآية لأن المبتوتة قد حدث في طلاقها ما خرجت به عن أحكام الزوجات كلها الوراثة وغيرها، فأعيد ذكر السكنى من طريق التحصين لها؛ ما دامت في عدتها، وأجريت مجرى التي قبلها، وأسقطت عنها النفقة التي كانت تجب لها قبل أن تبين من زوجها، ولم نجعل لها ذلك في عدتها إلا أن تكون حاملًا فيجب عليه حينئذٍ أن يغذو ولده بغذاء أمه، كما يجب عليه إذا وضعت وقد انقضت عدتها أن يغذي ولده بغذاء التي ترضعه، فكما وجب على الأب أن ينفق على من ترضعه، وجب عليه أن ينفق على أمه ما دام في بطنها، فدل هذا كله أنها إذا لم تكن حاملًا فلا نفقة لها. وسيأتي اختلافهم في سكنى المعتدة عن وفاة بعد.
فصل:
قصة فاطمة هذِه سلفت في تفسير سورة الطلاق أيضًا (١). قال الترمذي: قال بعض أهل العلم من الصحابة: لها السكنى والنفقة، منهم عمر وابن مسعود (٢).
قال ابن حزم: ثبت ذلك عنهما. وهو قول سفيان بن سعيد، والحسن بن حي، وأهل الكوفة (٣).
стр. 15338
وفي الدارقطني من حديث حرب بن أبي العالية، عن أبي الزبير، عن جابر ﵁ مرفوعًا: "المطلقة ثلاًثا لها السكنى والنفقة" (١).
وفي مسلم من حديثها: "لا نفقة لك ولا سكنى" وكانت بائنًا حاملًا (٢). ولأبي داود: لا نفقة لك إلا أن تكوني حاملًا (٣). وفي الموطأ والسنن الأربعة من حديث الفريعة بنت مالك بن سنان -وهي أخت أبي سعيد الخدري- لما سالت رسول الله في الخروج من بيتها لما قتل زوجها وقالت: إنه لم يتركني في مسكن يملكه ولا نفقة، فقال لها: "اسكني في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله"، قالت: فاعتددت فيه أربعة أشهر وعشرًا. فلما كان زمن عثمان أرسل إلى فسألني عن ذلك فأخبرته فأتبعه وقضى به (٤). صححه الترمذي والذهلي والحاكم وابن حبان (٥)، ووهم ابن حزم في إعلاله كما ستعلمه.
وروى الطحاوي من حديث الشعبي عن فاطمة أنها أخبرت عمر بأن زوجها طلقها ثلاثًا فأتت رسول الله ﷺ فقال: "لا نفقة لك ولا سكنى". فأخبرت بذلك النخعي قال: أخبر عمر بذلك، فقال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" (٦).
стр. 15339
قال ابن حزم: في سند الأول زينب بنت كعب بن عجرة، وهي مجهولة ولم يرو حديثها غير سعد بن إسحاق بن كعب، وهو غير مشهور بالعدالة، مالك وغيره يقول: إسحاق بن سعد، وسفيان يقول: سعد (١).
قلت: زينب هذِه صحابية، ذكرها أبو إسحاق الطليطلي وابن فتحون في جملة الصحابه، قالا: وكانت تحت أبي سعيد الخدري. وأما ما ذكره عن سعد فإن جماعة قالوا: إن سفيان وهم في تسميته، وأن مالكًا هو المصيب في اسمه، ولهذا فإن الترمذي وغيره لما أخرجوه صححوه.
وقال أبو عمر: هذا حديث معروف مشهور عند علماء الحجاز والعراق (٢).
وخرجه ابن الجارود في "منتقاه" أيضًا (٣)،، ووثقه ابن المديني وصالح بن محمد، وذكره ابن حبان وابن خلفون في "الثقات" (٤). وقال أبو عمر: ثقة لا يختلف في عدالته (٥).
فصل:
قال الشافعي: عائشة ومروان بن الحكم وابن المسيب يعرفون أن حديث فاطمة إنما كان للشر، ويزيدُ ابن المسيب: استطالتها على أحمائها، وأنها كتمت في حديثها السبب؛ خوفًا أن يسمع ذلك سامع فيرى أن للمبتوتة أن تعتد حيث شاءت، كما ذهب إليه عطاء (٦).
стр. 15340
ولابن حزم من حديث هارون عن ابن إسحاق أحسبه عن محمد بن إبراهيم أن عائشة ﵂ قالت لفاطمة: إنما أخرجك هذا -تعني: اللسان- ثم قال: خبر ساقط لا حجة فيه؛ لأنه مشكوك في إسناده، ومنقطع فيما بين إبراهيم وعائشة؛ لأنه لم يسمع منها.
وله من حديث كاتب الليث: حَدَّثَنَا الليث حدثني جعفر، عن إبراهيم، عن ابن الهرمز، عن أبي سلمة قال: كان محمد بن أسامة يقول: كان أسامة إذا ذكرت فاطمة شيئُا من ذلك -يعني انتقالها في عدتها- رماها (بما) (١) في يده، ثم قال: وهذا ساقط؛ لأن كاتب الليث ضعيف جدًّا، ولو صح لما كان إلا إنكار أسامة لذلك، فهو كإنكار عائشة وعمر، وروى أبو صالح أيضًا، عن الليث، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة فذكر حديث فاطمة وفيه فأنكر الناس عليها ما كانت تحدث من خروجها من قبل أن تحل (٢).
قال الشافعي: وسنته ﵇ في فاطمة يدل على ما تأول ابن عباس في قوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ﴾ [الطلاق: ١] هو البذَاءُ على أهل زوجها كما تأول إن شاء الله، ولم يقل لها ﵇: اعتدي حيث شئت، ولكنه حصنها حيث رضي بقوله: اعتدي عند ابن أم مكتوم. إذ كان زوجها غائبًا ولم يكن له وكيل يحصنها (٣). وفي أبي داوفى: قال ابن المسيب فوضعت على يدي ابن أم مكتوم (٤).
стр. 15341
فصل:
وقول البخاري: (ورواه ابن أبي الزناد) إلى آخره هو ثابت في بعض النسخ هنا وفي رواية أبي ذر أيضًا وفي أكثرها آخر الباب بعده، وقد أخرجه أبو داود عن سليمان بن داود: أنبا ابن وهب: أخبرني عبد الرحمن فذكره (١).
وهو ابن أبي الزناد عبد الرحمن بن عبد الله بن ذكوان.
قال ابن حزم: هذا حديث باطل؛ لأنه من رواية ابن أبي الزناد، وهو ضعيف وأول من ضعفه جدًا مالكُ، قال: وهو يرد حديث ابن إسحاق؛ لأنه إن كان إخراجها من أجل لسانها فقد بطل هذا الذي علل به هنا: إنما كانت في مكان وحش (٢).
وفي مسلم من حديث هشام، عن أبيه، عن فاطمة قالت: قلت يا رسول الله، إن زوجي طلقني ثلاثًا، وأنا أخاف أن يقتحم علي. قال: فأمرها فتحولت (٣).
قال ابن حزم: فأمرها فتحولت. ليس من كلام رسول الله ﷺ ، ولا من كلام فاطمة، فصح أنه من كلام عروة، ولا يخلو هذا الخبر من أن يكون لم يسمعه عروة من فاطمة فيكون مرسلاً، يوضحه ما رواه ابن أبي شيبة عن عروة قال: قالت فاطمة (٤) فإن كان هذا هو أصل الخبر فهو منقطع أو يكون عروة سمعه منها، ولا حجة فيه أيضًا؛ لأنه ليس (فيه) (٥) أن
стр. 15342
رسول الله ﷺ قال: إنما آمرك بالتحول؛ من خوف الاقتحام (١).
فصل:
قال الشافعي: لم أعلم مخالفًا فيما وصفت من نسخ نفقة المتوفى عنها وكسوتها سنة وأقل من سنة، ثم احتمل سكناها إذا كان مذكورا مع نفقتها فإنه يقع عليه اسم المتاع أن يكون منسوخًا في السنة وأقل منها كما كانت النفقة والكسوة منسوختين في السنة وأقل، واحتمل أن تكون نسخت في السنة وأثبتت في عدة المتوفى عنها حتى تنقضي بأصل هذِه الآية، أو تكون داخلة في جملة (المعتدات) (٢).
وإن الله يقول في المطلقات ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِن بيُوتِهِنَّ﴾ فلما فرض في المعتدة من الطلاق والسكنى، فكانت المعتدة المتوفى عنها في معناها، احتملت أن يجعل لها السكنى فإنها في معنى المعتدات فإن كان هذا كذا فالسكنى لها في الكتاب منصوص أو في معنى المنصوص، وإن لم يكن هكذا ففرض السكنى لها في السنة (٣).
قال: والاختيار للورثة أن يسكنوها، فإن لم يفعلوا فقد ملكوا المال دونه (٤).
قال البيهقي: روي عن عمر وابنه ما يدل على وجوب السكنى لها.
وقال الشافعي: بلغني عن محمد بن عبيد، عن إسماعيل عن الشعبي أن عليًّا ﵁ كان (يُرَحَّل) (٥) المتوفى عنها لا ينتظر بها.
стр. 15343
وبلغني عن ابن مهدي، عن سفيان، عن فراس، عن الشعبي قال: نقل علي أم كلثوم بعد قتل عمر بسبع ليالٍ؛ لأنها كانت في دار الإمارة.
وعن عائشة ﵂ أنها كانت تخرج المرأة وهي في عدتها من وفاة زوجها، وقيل: كانت الفتنة فلذلك أحجبت أختها من قبل طلحة.
قال: وأنا مالك، عن هشام، عن أبيه في المرأة البدوية يتوفى عنها زوجها أنها (تنتوي) (١) حيث (انتوى) (٢) أهلها. وعن عبيد الله بن عبد الله مثله.
قال: وأخبرنا مالك، عن يحيى بن سعيد، عن ابن المسيب أنه سئل عن المرأة يطلقها زوجها في بيت بكراء، على من الكراء؟ قال: على زوجها. قال: فإن لم يكن زوجها؛ قال: فعليها. قال: فإن لم يكن عندها؟ قال: فعلى الأمير (٣).
فصل:
قال ابن حزم: لم يصح في وجوب السكنى للمتوفى عنها أثر أصلاً، والمنزل إنما يكون ملكًا للميت أو لغيره، فإن كان لغيره وهو مكرى أو مباح فقد بطل العقد بموته، وإن كان ملكًا للميت فقد صار للغرماء أو الورثة أو للوصية، فلا يحل لها ذلك؛ لما ذكرناه، وإنما لها منه مقدار ميراثها إن كانت وارثة فقط، وقد قال بقولنا ابن عباس وطاوس والشعبي وأبو الشعثاء وسالم وعمر بن عبد العزيز ويحيى بن سعيد الأنصاري.
стр. 15344
وعن الرُّبيع أنها لما اختلعت من زوجها أتى عمها معوذ زمن عثمان، فسأله أتنتقل؟ قال: نعم، قال: وإنما أوردنا هذا؛ لأن المختلعة عندهم طلاق بائن (١).
فصل:
قال أيضًا: قول عمر ﵁ يجمع ثلاث معان: أما سنة رسول الله فهي بيد فاطمة ونحن نشهد بشهادة الله أنه لم يكن عند عمر في ذلك سنة غير عموم سكنى المطلقة فقط، وأما ما رواه عنه النخعي فلا التفات إليه؛ لأن إبراهيم لم يولد إلا بعد وفاته بسنتين، وأما كتاب الله فقد بينه إذ أتى به -كما تقدم- فهو حجة قاطعة لفاطمة؛ لأن فيها ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ [الطلاق: ١] قالت: فأي أمر يحدث بعد الثلاث.
وأما قوله: (لا ندري أحفظت أم نسيت). فإن ما أمكن من النسيان على فاطمة فهو ممكن على عمر ﵁ كما نسي أمر اليتيم وشبهه.
وليس جواز النسيان مانعًا من قبول رواية المعدَّل الذي افترض الله قبول روايته، ولو كان كذلك لوجب على أصول خصومنا ترك خبر الواحد جملة ورد شهادة كل شاهد في الإسلام بجواز نسيانه، وكذا القول في عمر لها: إن جئت بشاهدين يشهدان أنهما سمعا من رسول الله ﷺ إذ هم أول مخالف له. ولو لزم هذا في فاطمة للزم في غيرها.
قال: وأما حديث إبراهيم عنه: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لها السكنى والنفقة" لو صح لما كانت فيه حجة؛ لأنه ليس فيه أن عمر
стр. 15345
سمع رسول الله ﷺ يقول: للمطلقة ثلاثًا السكنى والنفقة، وقد يمكن أن يسمعه يقول: للمطلقة السكنى والنفقة. فيجعل ذلك على عمومه، وهذا لا يجوز؛ بل يجب استعمال ذلك مع حديث فاطمة ولا بد فيستثنى الأقل من الأكثر، ولا يجوز رد نص ثابت إلابنص ثابت لا بمشكلات لا تصح ومحتملات لا بيان فيها (١).
وروى ابن عبد البر في "استذكاره" عن الشعبي أنه قيل له: إن عمر لم يصدق فاطمة فقال: ألا تصدق امرأة فقيهة نزل بها هذا الأمر (٢).
وقول مروان بن الحكم في "صحيح مسلم": لم نسمع هذا الحديث إلا من امرأة، سنأخذ بالعصمة التي وجدنا الناس عليها (٣).
قال ابن حزم: لو أن مروان مع هذا الورع حيث فعل ما فعل كان خيرًا له، وفاطمة هذِه من المهاجرات الأول، وخبرها هذا صحيح كالشمس، ولم نجد لأحد خلافه (٤).
فصل:
زعم بعض الحنفيين أن قوله تعالى: في ﴿أسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية يتضمن الدلالة على وجوب نفقة المبتوتة من وجوه ثلاثة:
أحدها: إن السكنى لما كانت حقًا في مال الزوج، وقد أوصاها الله بنص القرآن، فكانت الآية الكريمة قد تناولت المبتوتة والرجعية اقتضى ذلك وجوب النفقة؛ لأنها حق في مال.
стр. 15346
ثانيها: إن المضارة تقع في النفقة كهي في السكنى.
ثالثها: إن التضييق قد يكون في النفقة أيضًا، فعليه أن ينفق عليها ولا يضيق عليها فيها. وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ﴾ [الطلاق: ٦] انتظمت فيها المبتوتة والرجعية.
ثم لا تخلو هذِه النفقة إما أن يكون وجوبها لأجل الحمل أو لأجل أنها محبوسة في بيته والأول باطل؛ لأنها لو كانت لأجل الحمل لوجب إذا كان للحمل مال أن ينفق عليه من ماله كما أن نفقة الصغير في مال نفسه، وأيضاً كان يجب في الطلاق الرجعي نفقة الحامل إذا كان له مال في ماله لنفقته بعد الولادة.
وكان يجب أن تكون نفقة الحامل المتوفى عنها زوجها في نصيب الحمل من الميراث، فلما اتفق الجميع على أن النفقة في مال الزوج بطل أن يكون وجوب النفقة لأجل الحمل، وتعين أن يكون لأجل أنها محبوسة، وهذِه العلة موجودة في المبتوتة.
فإن قيل: فما فائدة تخصيص الحامل بالذكر في إيجاب النفقة؛ قيل له: قد دخلت فيه المطلقة الرجعية، ولم يمنع ذلك وجوب النفقة لغير الحامل، فكذلك في المبتوتة، وإنما ذكر الحمل؛ لأن مدته قد تطول وقد تقصر، فأراد إعلامنا بوجوب النفقة مع طول المدة التي هي في العادة أطول من مدة الحيض (١). وقال الطحاوي: أجمعوا أن قوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ أن الأمر هو الرجعة ثم قال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا يَخْرُجْنَ﴾ يعني: في العدة، ولم يفرق تعالى بين المطلقة للسنة التي لا رجعة
стр. 15347
عليها، وبين المطلقة للسنة التي عليها الرجعة، فلما روت فاطمة عن سيدنا رسول الله ﷺ قال: "إنما السكنى لمن له الرجعة عليها"، قال عمر: لا ندع كتاب ربنا؛ لأن روايتها مخالفة له (١) وسنة نبينا يعني: ما أسلفنا من روايته، ولما روي أنها استطالت على أحمائها، فكانت سبب النقلة من جهتها كالناشز.
فصل:
نقل ابن التين عن مالك في قوله تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ أنه لكل مطلقة. قال: وقيل النساء اللواتي هن أزواج، راجع إلى قوله: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ ويدخل فيه من لم يبت طلاقها. قال قتادة: هو من لم تطلق ثلاثًا خاصة.
واستدل بقوله تعالى: ﴿لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ﴾ وهو من جهة الترويج، هذا لا يكون للمبتوتات. قيل: لا يلزم ذلك لجواز أن يكون المعنى ﴿لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا﴾ من النسخ، أو يكون على الخصوص لمن لم تبن.
فصل:
قال عكرمة: كان ابن عباس يقرأ في مصحف أبي (إلا أن يفحشن عليكم) (٢) ويقويه قول عائشة لفاطمة: (ألا تتقي الله). أي: فأنت تعلمي لم أخرجت، وهو معنى قولها في الباب: (أما إنه ليس لها خير في ذكر هذا الحديث).
وقال بعضهم: كل فاحشة لم يذكر معها في القرآن (مبينة) فهي الزنا، فإن نعتت بها فهي: البذاءة في اللسان. وعن ابن عباس: الزنا وهو أن
стр. 15348
ترى فتخرج فيقام عليها الحد. وهو قول زيد بن أسلم. وقال ابن عمر والضحاك: إنها خروجها من بيتها.
فصل:
نقل ابن التين أيضًا عن مالك أن قوله ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ هو لكل مطلقة، وقيل: لغير من طلقت ثلاثًا.
فصل:
والوجد في الآية -بالضم-: السعة. وقرأ الأعرج بالفتح قيل: هو لحن؛ لأن الوجد -بالضم-: الغنى، وبالفتح: الحزن والحب والعطف. والمراد بالتضييق عليهن في المسكن، قاله مجاهد (١).
فصل:
وقول عائشة ﵂ لمروان: (اتق الله وارددها إلى بيتها). معناه: أنها أنكرت على مروان إخراج المطلقة من بيتها؛ حتى تتم عدتها.
وقول مروان (في) (٢) حديث سليمان: إن عبد الرحمن غلبني. أي: بالحجة؛ لأنه احتج بالشر الذي كان بينها، فكانت كفاطمة بنت قيس.
وفيه: موعظة الإمام وأنه إذا تبين له الحق فيما حكم فيه لا يرجع إلى قول غيره. وقول عائشة: (لا يضرك أن لا تذكر حديث فاطمة) تقول: إنها خصت بعذر فاحتج مروان بالعذر وهو بذاءة اللسان موجود في هذين.
وقال ابن وضاح: إنما اعتدت في غيره؛ لأن البيت لم يكن لزوجها.
стр. 15349
وقولها لقاطمة: (ألا تتقي الله). يعني: في قولها: لا سكنى ولا نفقة. قال الخطابي: وفي حديثها: أن لها السكنى. يريد: اعتدادها عند ابن أم مكتوم، ثم إنه ذهب عليها معرفة السبب في نقلها فتوهمت إبطال سكناها فقالت عند ذلك لم يجعل لي النفقة ولا السكنى، فكان إخبارها عند أحد الأمرين علمًا، وعن الآخر وهمًا، وهو السكنى وبين ذلك ابن المسيب أنها كانت لَسِنَةً استطالت على أحمائها -كما سلف- فنقلت لذلك (١).
стр. 15350
٤٢ - باب الْمُطَلَّقَةِ إِذَا خُشِيَ [عَلَيْهَا] (١) فِي مَسْكَنِ زَوْجِهَا أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيْهَا، أَوْ تَبْذُوَ عَلَى أَهْلِهَا بِفَاحِشَةٍ
٥٣٢٧، ٥٣٢٨ - وَحَدَّثَنِي حِبَّانُ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ. [انظر: ٥٣٢١، ٥٣٢٢ - مسلم: ١٤٨١ - فتح ٩/ ٤٨١].
حَدَّثَنَا حبان -أي: بكسر الحاء- ثنا عَبْدُ اللهِ، أنَا ابن جُرَيْجٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ أَنْكَرَتْ ذَلِكَ عَلَى فَاطِمَةَ. زاد ابن أبي الزناد إلى آخر ما سلف.
والوحش -بفتح الواو وإسكان الحاء-: الخلاء الذي لا ساكن به.
وقوله: (أو تبذو). كذا هو في الأصول من البذاءة بالذال المعجمة، فذكره ابن التين بلفظ: أو تبذو وقال: هو مهموز من بذأت يقال: هو بذيء اللسان، وبذأت عليه إبذاء. ولم يذكر في الباب ما ترجم له وهو البذاءة، وكأنه قاسه على خوف الاقتحام، وقد سلف أيضًا أنه كان بها بذاءة.
روي عن عائشة ﵂ أنها قالت لها: (إنما أخرجك هذا اللسان). ذكره إسماعيل، عن ابن إسحاق، عن محمد بن إبراهيم، عن عائشة (٢). وقد روي مثل هذا عن ابن عباس أنه قال: الفاحشة المبينة: النشوز وسوء الخلق وأن تبذو عليهم، فإذا بذت فقد جل لهم إخراجها (٣).
стр. 15351
وروى الحارث بن أبي أسامة، عن يزيد بن هارون، عن عمرو بن ميمون بن مهران، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب أنها استطالت على أحمائها وآذتهم بلسانها (١). روي عن ابن عمر أنه قال: خروجهن من بيوتهن فاحشة (٢). وقد سلف، وهو قول الشعبي (٣).
قال إسماعيل: ذهب كل واحد من هؤلاء إلى غير مذهب صاحبه، غير أنه إذا قيل: فاحشة مبينة دل أنه شيء يكون بعضه أبين من بعض، وأما الزنا وغيره من الحدود، فإنما هو حد محدود إذا بلغه الإنسان كان زانيًا.
وأما غير ذلك من الشر الذي يقع بين الرجل وامرأته، فإن بعضه أكثر من بعض، ويحتاج فيه إلى اجتهاد الرأي، فإن كان شرًّا لا يطمع في صلاحه بينهم، انتقلت المرأة إلى مسكن غيره، فأما الزنا فليس فيه اجتهاد رأي.
وأما من قال أن خروجها فاحشة فهو جائز في كلام العرب، غير أن الأظهر أن خروجها بعد الفاحشة، والله أعلم بإرادته. وإن كان ما حكي من قراءة أبي بن كعب السالفة محفوظًا، فهو حجة قوية.
وما رواه البخاري، عن عائشة ﵂ أنها كانت في مكان وحش فخيف عليها، يشبه قول مالك وغيره في البدوية المعتدة أنها تنتوي مع أهلها حيث (انتووا) (٤)، وقد سلف.
стр. 15352
قال المهلب: وإن صحت الرواية أنها أخرجت من أجل البذاء. ففيه دليل أنه يجوز إخراج الرجل المؤذي لجيرانه وتباع الدار عليه ويسقط حق سكناه (١).
стр. 15353
٤٣ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ [البقرة: ٢٢٨]
مِنَ الْحَيْضِ والحمل.
٥٣٢٩ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنِ الأَسْوَدِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ، إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً، فَقَالَ لَهَا: «عَقْرَى -أَوْ حَلْقَى- إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟». قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: «فَانْفِرِي إِذًا». [انظر: ٢٩٤ - مسلم: ١٢١١ - فتح ٩/ ٤٨١].
ثم ذكر حديث عائشة ﵂ لَمَّا أَرَادَ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ يَنْفِرَ، إِذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً، فَقَالَ "ما لها عَقْرى (١) حَلْقَى إِنَّكِ لَحَابِسَتُنَا أَكُنْتِ أَفَضْتِ يَوْمَ النَّحْرِ؟ ". قَالَتْ: نَعَمْ. قَالَ: "فَانْفِرِي إِذًا".
الشرح:
أما الآية فقال أبي بن كعب: إن من الأمانة أن المرأة اؤتمنت على فرجها (٢). وقال ابن عباس وابن عمر: لا يحل لها إن كانت حاملًا أن تكتم حملها، ولا يحل لها إن كانت حائضًا أن تكتم حيضها. يعني: المطلقة (٣).
стр. 15354
قال الزهري: لتنقضي العدة فلا يملك الزوج الرجعة إذا كانت له.
وقال مجاهد: وذلك في بغض المرأة زوجها وحبه.
وقال قتادة: إن كانت المرأة تكتم حملها فتذهب به إلى رجل آخر مخافة الرجعة فنهى الله عن ذلك، وتقدم [ما] فيه (١).
قال إسماعيل: وهذِه الآية تدل أن المرأة المعتدة مؤتمنة على رحمها من الحيض والحمل، فإن قالت: قد حضت، كانت مصدقة، وإن قالت: قد ولدت، فكانت مصدقة إلا أن تأتي من ذلك بما يعرف كذبها فيه، وكذلك كل مؤتمن فالقول قوله قال الله تعالى في آية الدين: ﴿فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلَا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٢٨٢] فوعظ الذي عليه الحق حين جعل القول قوله كما وعظت المرأة حين جعل القول قولها.
وقول أبي بن كعب، يدل على ذلك. وقال سليمان بن يسار: لم نؤمر أن نفتح النساء فننظر إلى فروجهن لنعلم صدق قولهن، ولكن كل ذلك إليهن إذ كن مؤتمنات (٢).
وأما حديث عائشة ﵂ فسلف في الطهارة وغيرها وهو شاهد لتصديق النساء فيما يدعينه من الحيض والحمل دون شهادة القوابل، وكذلك الإماء، ألا ترى أنه ﵇ أراد أن يحبس المسلمين كلهم بما ذكرت صفية من حيضها، ولم يمتحن ذلك عليها ولا أكذبها.
стр. 15355
وقد روى ابن أبي شيبة في "مصنفه" معنى هذا عن علي بن أبي طالب، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمرو، وعبيد بن عمير، وسليمان ابن يسار (١).
وفيه: أن طواف الوداع على الحائض لا يجب، وقد سلف في الحيض اختلاف العلماء في أقل ما تصدق فيه المرأة من انقضاء عدتها.
ومعنى: كئيبة: محزونة سيئة الحال، ومعنى "عقرى حلقى" عقرها الله وحلقها أي: أصابها بوجع في حلقها، كما يقال: حلق رأسه. وقال الأصمعي: يقال (للأمر) (٢) يعجب منه ذلك (٣).
وقال أبو عمرو: يقال للمرأة ذلك إذا كانت مشئومة مؤذية. وقيل: العرب تقول ذلك لمن دهمه أمر وهو بمعنى الدعاء، لكنه جرى على لسانهم من غير قصد إليه (٤)، وروي بالتنوين فيهما يجعلونهما مصدرين، وهذا هو المعروف في اللغة، وأهل الحديث على ترك التنوين. ومن مواضع التعجب قول أم الصبي الذي تكلم: عقرى (٥).
الحَسَنُ، أَنَّ مَعْقِلَ بْنَ يَسَارٍ كَانَتْ أُخْتُهُ تَحْتَ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، ثُمَّ خَلَّى عَنْهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، ثُمَّ خَطَبَهَا، فَحَمِيَ مَعْقِلٌ مِنَ ذَلِكَ أَنَفًا فَقَالَ: خَلَّى عَنْهَا وَهْوَ يَقْدِرُ عَلَيْهَا، ثُمَّ يَخْطُبُهَا فَحَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ﴾ [البقرة: ٢٣٢] إِلَى آخِرِ الآيَةِ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ فقَرَأَ عَلَيْهِ، فَتَرَكَ الحَمِيَّةَ وَاسْتَقَادَ لأَمْرِ اللهِ.
وقد سلف في التفسير.
ثم ساق حديث ابن عمر في طلاقه زوجته وهي حائض وقد سلف.
وَكَانَ عَبْدُ اللهِ إِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لأَحَدِهِمْ: إِنْ كُنْتَ طَلَّقْتَهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرك. وَزَادَ فِيهِ غَيْرُهُ عَنِ اللَّيْثِ: حَدَّثَنِي نَافِعٌ: قَالَ ابن عُمَرَ: لَوْ طَلَّقْتَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ أَمَرَنِي بهذا.
ثم ترجم عليه:
стр. 15358
٤٥ - باب مُرَاجَعَةِ الْحَائِضِ
٥٣٣٣ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ، حَدَّثَنِي يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ: سَأَلْتُ ابْنَ عُمَرَ: فَقَالَ: طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهْيَ حَائِضٌ، فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ ﷺ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا، ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا، قُلْتُ: فَتَعْتَدُّ بِتِلْكَ التَّطْلِيقَةِ؟ قَالَ: أَرَأَيْتَ إِنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ.
ومعنى ﴿أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في العدة كما سلف، وهو قول النخعي وقتادة ومجاهد (١). والمراجعة مراجعة في العدة على حديث ابن عمر، ومراجعة بعدها على حديث معقل. وقام الإجماع على أن المرء إذا طلق زوجته الحرة -وكان دخل بها- تطليقة واحدة أو تطليقتين، أنه أحق برجعتها؛ حتى تنقضي عدتها وإن كرهت المرأة.
وقد قال المفسرون في الآية المذكورة أنه الرجعة، ولذلك كان ابن عمر يقول: لو طلقت مرة أو مرتين خشية أن يبدو لي في مراجعتها وهو قد بت طلاقها فلا يمكنه، فإن لم يراجعها المطلق للسنة حتى انقضت عدتها فهي أحق بنفسها، فتصير أجنبية منه لا تحل إلا بخطبة ونكاح مستأنف بولي وإشهاد ليس على سنة المراجعة، وهذا إجماع، وعلى هذا جاء حديث معقل بن يسار؛ ألا ترى أن زوج أخته لو راجعها في العدة كان أملك بها، فلما انقضت عدتها وصارت أجنبية منه أحب مراجعتها فعضلها أخوها ومنعها نكاحه، ولم يجز له عضلها (إلا) (٢) (إن كان ذلك) (٣) مباحًا، ولم يجز لزوجها أن يردها بعد ذلك إلا بنكاح جديد وصداق وإشهاد.
стр. 15359
هذا معنى حديث معقل هنا.
وأما حديث ابن عمر: ففيه خلاف هذا المعنى؛ وذلك أنه ﵇ أمره بمراجعتها في تلك الحيضة التي طلقها فيها، ولم يذكر في الحديث أنه احتاج إلى صداق ولا ولي؛ من أجل أنه ﵇ حين أمره بارتجاعها لم يذكر رضاها ولا رضي وليها؛ لأنه إنما يرد من لم تقطع عصمته منها، ولو احتيج إلى ذلك لم يكن ابن عمر المأمور بذلك وحده دون المرأة والولي، فكان هذا حكمًا في كل من راجع في العدة أنه لا يلزمه شيء من أحكام النكاح غير الإشهاد على المراجعة فقط -على خلاف فيه، أعنى: الإشهاد- وهذا إجماع من العلماء، وإنما لم يلزمه شيء من فروض النكاح؛ لأنه -المطلق للسنة- لم يدخل على نكاحه ما ينقضه، وإنما أحدث فيه ثلمة. فإذا راجعها في العدة فقد سدها.
ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: في العدة ﴿إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا﴾ [البقرة: ٢٢٨] يعني: الرجعة، فجعل لهم الرجعة دون استئذان النساء ودون اشتراط شيء من فروض النكاح.
ولم يختلف العلماء في السنة في المراجعة أن تكون بالإشهاد عليها؛ لأنه تعالى قال: ﴿فَأَمْسِكُوهُنَّ﴾ [الطلاق: ٢] دون ذكر الإشهاد فيها، ولم يذكره في النكاح ولا في الطلاق فقال في الرجعة ميم ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ [الطلاق: ٢] واختلفوا فيما يكون به مراجعًا: فقالت طائفة: إذا جامعها فقد راجعها، روي ذلك عن سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس، وهو قول الأوزاعي.
وقال مالك وإسحاق: إذا وطئها في العدة -وهو يريد الرجعة- وجهل أن يشهد فهي رجعة، وينبغي للمرأة أن تمنعه الوطء حتى يشهد.
стр. 15360
وقال ابن أبي ليلى: إذا راجع ولم يشهد صحت الرجعة. وقال الشافعي: لا تكون رجعة إلا بالكلام أن يقول: راجعتك. وهو قول أبي ثور، فإن جامعها بنية المراجعة أو دونها فلا رجعة، ولها عليه مهر المثل (١).
واستشكل (٢)؛ لأنها في حكم الزوجات، فكيف يجب مهر؟ وعند أبي حنيفة والثوري: إن لمسها أو نظر إلى فرجها بشهوة من غير قصد المراجعة فهي رجعة، وينبغي أن يشهد (٣). ولم يختلفوا فيمن باع جارية بالخيار ثم وطئها في أيام الخيار أنه قد ارتجعها بذلك إلى ملكه، واختار نقض البيع، وللمطلقة الرجعية حكم هذا.
فرع:
قال ابن المنذر: اختلف في مراجعة الحائض: فقال مالك: ومن طلقها وهي حائض أو نفساء أجبر على رجعتها. وقال الكوفيون: ينبغي له أن يراجعها، وهو قول أبي ثور.
وقال الشافعي: لا يجبر على رجعتها. قال ابن المنذر: ويشبه أن تكون حجة من أجبره عليها قوله ﵇ لعمر: "مره فليراجعها". وأمره فرض (٤).
стр. 15361
فرع:
الطلاق الرجعي عندنا يحرم الوطء، وخولف فيه، وتتزوج البائن في عدته بعدها، لا البائن بالثلاث إلا بشرط. والتزويج عندهم ليس رجعة؛ لأنه لغو، والوطء بناء عليه، فإن (حنّ) (١) بعد ثم راجعها بفعل أو قول اختلف فيه أشياخهم على أقوال: لا، نعم، يصح بالفعل دون القول. قالوا: فإن وطئها في دبرها فليس برجعة. والفتوى نعم. فإن أجاز المطلق مراجعة الفضولي صح.
فصل:
في "مصنف ابن أبي شيبة"، عن جابر بن زيد، إذا راجع في نفسه فليس بشيء قال: فإن طلقها ثم لم يخبرها بالرجعة حتى تنقضي العدة، فتزوجت ودخل بها الثاني، فلا شيء له.
وقال علي: إذا طلقها وأشهد على رجعتها فهي امرأته، أعلمها أو لم يعلمها، دخل بها الثاني أو لم يدخل. وقال عمر: إن أدركها قبل أن تتزوج فهو أحق بها. وفي لفظ: ما لم يدخل بها الثاني.
وعن ابن المسيب في رجل طلق امرأته ثم بعث إليها بالرجعة فلم تأتها الرجعة حتى تزوجت قال: بانت منه، فإن أدركتها الرجعة قبل أن تتزوج فهي امرأته (٢). وعن إبراهيم: إذا ادعى الرجعة بعد انقضاء العدة فعليه البينة. وقال الزهري: لم يصدق وإن جاء ببينة.
وقال ابن عباس: إن قال بعد انقضائها قد راجعتك، لم يصدق. قال هو وإبراهيم: فإن طلق سرًّا راجع سرًّا.
стр. 15362
قال عبد الله: فتلك رجعة، وإن واقع فلا بأس، فإن طلق علانية وراجع أشهد على رجعته (١).
فصل:
في حديث معقل دليل على أنه ليس للمرأة أن تنكح بغير إذن وليها، وأنه إذا عضلها فللسلطان أن يسأله ما الذي يحمله على عضلها ولا يفتأت عليه فيزوجها بغير أمره؛ حتى يعرف معنى فعله؛ فربما عضلها لأمر إن تم عليه كانت (فيه) (٢) غضاضة عليه في عرضه؛ ألا ترى أنه ﵇ ضم معقلاً إلى العقد عليها بعد أن ثبت عضله لها ولم يعقد لها ﵇ دونه.
ففيه حجة للجمهور أن الولي من شرط النكاح، وقد سلف إيضاحه، وقال أبو عبيد: هذِه الآية التي نزلت في قصة معقل هي الأصل عندنا في نكاح الأولياء؛ لأنه لو لم يكن لهم فيه حظ ما كان لنهيهم عن عضلهن معنى (٣).
فصل:
قوله في حديث معقل: (فحمي معقل من ذلك أنفًا). أي: أبى من فعله وأنف، وحمِي -بكسر الميم- على وزن علم.
وقوله: (فترك الحمية واستراد لأمر الله). كذا في أصل الدمياطي (استراد) أي: رجع وَلَانَ واْنَقاد.
وذكره ابن التين بلفظ: فاستقاد. وقال: كذا وقع عند الشيخ أبي الحسن بتشديد الدال والألف. ولا يتبين لي وجهه؛ لأن ألف المفاعلة
стр. 15363
لا تجتمع (مع) (١) سين الاستفعال قال: وعند أبي ذر: فاستقاد لأمر الله. أي أذعن وطاع، وهو بين.
فصل:
حديث ابن عمر ﵄ قال على أن الأقراء: الأطهار، وذكره ابن التين بلفظ: فأمره ﵇ أن يراجعها ثم يطلق من قبل عدتها.
ولم يذكره البخاري كذلك، ثم قال: فيه رد على أبي حنيفة في قوله الأقراء: الحيض، فإنّ (قُبُل) بضم القاف والباء: هو أول عدتها، وهي حالة تعتد بها من العدة وهي فيها طاهر يدل أن الأقراء: الأطهار.
زَيْنَبُ كَانَتِ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّىَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا، وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا، وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ، ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَائِرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ، فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَىْءٍ إِلاَّ مَاتَ، ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعَرَةً فَتَرْمِى، ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ. سُئِلَ مَالِكٌ مَا تَفْتَضُّ بِهِ قَالَ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا. [انظر: ١٤٨٩ - مسلم: ١٤٨٩ - فتح ٩/ ٤٨٤].
ثم ساق حديث زينب بنت أبي سلمة أنها دَخَلَتْ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ حينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبِ، فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبِ فِيهِ صُفْرَةٌ .. الحديث بطوله.
وفيه: عن أم سلمة وزينب بنت جحش، وقد أخرجه مسلم أيضًا (١) واللفظ: "لا يحل لا مرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث إلا على زوج أربعة أشهر وعشرا" وذكر فيه، وفي الباب بعده حديث أم سلمة المخرج عند مسلم والأربعة أيضًا (٢)، وحديث أم عطية أخرجه مسلم أيضًا (٣).
قال البيهقي: قال بعضهم: قولها: إلا ثوب عصب. ليس بمحفوظ وقد قال الشافعي في القديم فيما لا تلبسه: (في) (٤) العصب من الثياب إلا عصبًا غليظًا. قال: وهذا القول أقرب من الحديث (٥).
ولأبي داود والنسائي من حديث أم سلمة (٦)، وإسناده جيد لا كما طعن فيه ابن حزم.
стр. 15366
ولابن حبان من حديث الفريعة (١)، ولمسلم من حديث عائشة وحفصة (٢).
وفي "علل الخلال" خمسة من الصحابة يروون هذا عنه. وذكر أبو عبد الله حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: المعتدة تلبس السواد. قال: هو في آخر الحديث يشبه كلام الزهري.
قال أحمد: أخبرنا هشام، عن داود، عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد.
قال أبو عبد الله: ما كان بالعراق أشد تبحرًا منه ومن الحسن وذهب ذا عنهما!
ورواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن الحسن أنه كان لا يراه شيئًا (٣).
ولابن عبد البر من حديث عبد الله بن عقبة، عن أبي الأسود، عن حميد ابن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، عن عاتكة بنت نعيم بن عبد الله النحام أنها جاءت رسول الله ﷺ فقالت: إن ابنتها توفي زوجها واسمه المغيرة -فيما قال ابن بشكوال (٤) - فحدت عليه فرمدت رمدًا شديدًا وقد خشيت على بصرها، فهل تكتحل؟ فقال: "لا، إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت المرأة منكن تحد سنة" (٥) زاد ابن حزم بإسناد جيد، قالت: إني أخشى على عينها! قال: "وإن انفقأت" (٦).
стр. 15367
ولابن عبد البر بإسناد فيه ضعف من حديث بكير بن الأشج عن خولة، عن أمها أم خولة أنه ﵇ قال لأم سلمة: "لا تطيبي وأنت محد، ولا تمسي الحناء فإنه طيب" (١).
وفي "الموطأ" أن صفية زوج عبد الله بن عمر اشتكت عينها وهي حاد على ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمدان (٢).
ولابن أبي شيبة: فكانت تقطر فيها الصبر (٣).
وعن ابن عباس أنه كان ينهى المتوفى عنها عن الطيب والزينة. وقال ابن عمر: تترك الكحل والطيب والحلي والمصبغة، ولا تختضب، ولا تلبس إلا ثوب عصب، ولا تبيت عن بيتها ولكن ترقد بالنهار (٤).
وأرسلت أسماء بنت (عثمان) (٥) إلى عائشة لما توفي عنها زوجها لما رمدت فنهتها عن الكحل، فقالت: إني خشيت عليها. فقالت: لا تكتحلي الإثمد وإن انفضحت عيناك.
وقال مجاهد: لا تكتحل إلا من ضرورة. وقالت صفية ابنة شيبة: لا تلبس حليًّا (٦).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي
стр. 15368
والكحل ما دامت في عدتها، ومحل تفصيله الفروع؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج، فنهيت عن ذلك، قطعًا للذرائع؛ وحماية لحرمات الله.
يقال: امرأة حاد ومحد، وأصل الإحداد: المنع، ومنه سمي البواب حدادًا لمنعه الداخل. والحد: العقوبة؛ لأنه ردع عن ارتكاب المعاصي.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى يقول: حديث المرأة على زوجها تحد، وتحد إذا تركت الزينة فهي حاد، ويقال: أحدت، فهي محد.
قال القزاز: إنما كانت بغير هاء؛ لأنها لا تكون للذكر. وعن الفراء في مصادره: حديث المرأة حدادًا.
قال ابن درستويه: المعنى أنها منعت الزينة نفسها والطيب بدنها، ومنعت بذلك الخطَّاب خطبتها والطمع فيها كما منع حد السكين وحد الدار ما منعا. وفي "نوادر" اللحياني في حد جاء الحديث "لا تحد". وحكى الكسائي عن عقيل: حديث بغير ألف.
وقال الفراء: كان الأولون من النحويين يؤثرون أحدت فهي محد، والأخرى أكثر في كلام العرب، وسمي الحديد حديدًا؛ للامتناع به أو لامتناعه على مُحَاوِلِه، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات.
ويروى بالجيم، حكاه التدميري (١) في "شرحه"؛ حيث قال: يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذة من جددت الشيء إذا
стр. 15369
قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة وما كانت قبل ذلك. وفي "تقويم المفسد" لأبي حاتم: أَبَى الأصمعي إلا أَحَدَّت ولم يعرف حديت.
وعند الهروي: أحدت: إذا تسلبت عن الزوج.
وروى البيهقي: من حديث عبد الله بن شداد أن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر أمرني رسول الله ﷺ أن اتسلب ثلاثًا. قال: "ثم اصنعي ما شئت".
قال البيهقي: لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقوله: إن أسماء قالت، مرسل (١). قلت: هو مخالف لغيره من الأحاديث، ولما عليه الفقهاء. وأخرجه ابن حزم من طريق ابن أرطأة، عن الحسن بن سعيد، عن عبد الله بن شداد به، وفي آخره: ثم بعث لها بعد ثلاث أن تطهير وتكتحل (٢). ولأحمد: "لا تحدي بعد يومك هذا" (٣).
وقال أحمد فيما ذكره عنه مهنا: هذا حديث صحيح. ورواه شعبة، عن الحكم، عن ابن شداد يرفعه، قال: قلت: فما تقول في المرأة يموت عنها زوجها قال: تعتد أربعة أشهر وعشرًا. قلت: فما تقول في حديث ابن شداد فقال: إنما هذا في الإحداد لا في العدة. ثم قال: هذا حديث يخالف الأحاديث.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحفظ عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر يرفعه: "لا تحل الحدود فوق ثلاثة بعد الاحداد". فكأنه تعجب منه، وقال: هذا حديث منكر. قال: والمعروف عن ابن عمر من رأيه.
стр. 15370
الوجه الثاني:
قال ابن المنذر: حديث أم حبيبة يدل على معانٍ:
منها: تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة إحدادهن عليهم ثلاثًا.
ومنها: أن المأمور بالإحداد الزوجة المسلمه دون اليهودية والنصرانية وإن كانت تحت مسلم عملًا بقوله: "تؤمن بالله واليوم الآخر" وإن الذمية لم تخاطب بذلك (١).
ومنها: الدلالة على أن المخاطب بالإحداد من الزوجات من عدتهن المشهور دون الحوامل منهن. وفيه دليل على أن المطلقة ثلاثًا لا إحداد عليها، ويدل عليه ظاهر الحديث (٢)، وقد قاله بعض من لقيته من أهل العلم وإن يكن في ذلك إجماع فهو مسلم له، وليس فيه إجماع، فإن الحسن البصري كان لا يرى الإحداد، وهو قول شاذ غريب (٣).
ومنها: وجوب الإحداد على جميع الزوجات المسلمات مدخول بهن، وغير مدخول بهن؛ لدخولهن في جملة من خوطب بالإحداد في عدة الوفاة إذا كانت بالشهور، ويدخل فيما ذكرناه الحرة تحت العبد والأمة تحت الحر والعبد، والمكاتبة والمدبرة وأم الولد المزوجة يتوفى عنهن أزواجهن والمطلقة يطلقها زوجها طلاقًا يملك رجعتها ثم يتوفى عنها قبل انقضاء عدتها إذ أحكامها أحكام الأزواج إلى أن توفي عنها.