ولابن حبان من حديث الفريعة (١)، ولمسلم من حديث عائشة وحفصة (٢).
وفي "علل الخلال" خمسة من الصحابة يروون هذا عنه. وذكر أبو عبد الله حديث الزهري، عن عروة، عن عائشة ﵂: المعتدة تلبس السواد. قال: هو في آخر الحديث يشبه كلام الزهري.
قال أحمد: أخبرنا هشام، عن داود، عن الشعبي أنه كان لا يعرف الإحداد.
قال أبو عبد الله: ما كان بالعراق أشد تبحرًا منه ومن الحسن وذهب ذا عنهما!
ورواه ابن أبي شيبة بإسناد جيد عن الحسن أنه كان لا يراه شيئًا (٣).
ولابن عبد البر من حديث عبد الله بن عقبة، عن أبي الأسود، عن حميد ابن نافع، عن زينب بنت أبي سلمة، عن عاتكة بنت نعيم بن عبد الله النحام أنها جاءت رسول الله ﷺ فقالت: إن ابنتها توفي زوجها واسمه المغيرة -فيما قال ابن بشكوال (٤) - فحدت عليه فرمدت رمدًا شديدًا وقد خشيت على بصرها، فهل تكتحل؟ فقال: "لا، إنما هي أربعة أشهر وعشرًا، وقد كانت المرأة منكن تحد سنة" (٥) زاد ابن حزم بإسناد جيد، قالت: إني أخشى على عينها! قال: "وإن انفقأت" (٦).
стр. 15367
ولابن عبد البر بإسناد فيه ضعف من حديث بكير بن الأشج عن خولة، عن أمها أم خولة أنه ﵇ قال لأم سلمة: "لا تطيبي وأنت محد، ولا تمسي الحناء فإنه طيب" (١).
وفي "الموطأ" أن صفية زوج عبد الله بن عمر اشتكت عينها وهي حاد على ابن عمر فلم تكتحل حتى كادت عيناها ترمدان (٢).
ولابن أبي شيبة: فكانت تقطر فيها الصبر (٣).
وعن ابن عباس أنه كان ينهى المتوفى عنها عن الطيب والزينة. وقال ابن عمر: تترك الكحل والطيب والحلي والمصبغة، ولا تختضب، ولا تلبس إلا ثوب عصب، ولا تبيت عن بيتها ولكن ترقد بالنهار (٤).
وأرسلت أسماء بنت (عثمان) (٥) إلى عائشة لما توفي عنها زوجها لما رمدت فنهتها عن الكحل، فقالت: إني خشيت عليها. فقالت: لا تكتحلي الإثمد وإن انفضحت عيناك.
وقال مجاهد: لا تكتحل إلا من ضرورة. وقالت صفية ابنة شيبة: لا تلبس حليًّا (٦).
إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من وجوه:
أحدها:
الإحداد: ترك المرأة الزينة كلها من اللباس والطيب والحلي
стр. 15368
والكحل ما دامت في عدتها، ومحل تفصيله الفروع؛ لأن الزينة داعية إلى الأزواج، فنهيت عن ذلك، قطعًا للذرائع؛ وحماية لحرمات الله.
يقال: امرأة حاد ومحد، وأصل الإحداد: المنع، ومنه سمي البواب حدادًا لمنعه الداخل. والحد: العقوبة؛ لأنه ردع عن ارتكاب المعاصي.
قال أبو العباس أحمد بن يحيى يقول: حديث المرأة على زوجها تحد، وتحد إذا تركت الزينة فهي حاد، ويقال: أحدت، فهي محد.
قال القزاز: إنما كانت بغير هاء؛ لأنها لا تكون للذكر. وعن الفراء في مصادره: حديث المرأة حدادًا.
قال ابن درستويه: المعنى أنها منعت الزينة نفسها والطيب بدنها، ومنعت بذلك الخطَّاب خطبتها والطمع فيها كما منع حد السكين وحد الدار ما منعا. وفي "نوادر" اللحياني في حد جاء الحديث "لا تحد". وحكى الكسائي عن عقيل: حديث بغير ألف.
وقال الفراء: كان الأولون من النحويين يؤثرون أحدت فهي محد، والأخرى أكثر في كلام العرب، وسمي الحديد حديدًا؛ للامتناع به أو لامتناعه على مُحَاوِلِه، ومنه تحديد النظر بمعنى امتناع تقلبه في الجهات.
ويروى بالجيم، حكاه التدميري (١) في "شرحه"؛ حيث قال: يروى بالحاء والجيم، وبالحاء أشهر، والجيم مأخوذة من جددت الشيء إذا
стр. 15369
قطعته، فكأن المرأة انقطعت عن الزينة وما كانت قبل ذلك. وفي "تقويم المفسد" لأبي حاتم: أَبَى الأصمعي إلا أَحَدَّت ولم يعرف حديت.
وعند الهروي: أحدت: إذا تسلبت عن الزوج.
وروى البيهقي: من حديث عبد الله بن شداد أن أسماء بنت عميس قالت: لما أصيب جعفر أمرني رسول الله ﷺ أن اتسلب ثلاثًا. قال: "ثم اصنعي ما شئت".
قال البيهقي: لم يثبت سماع عبد الله من أسماء، وقوله: إن أسماء قالت، مرسل (١). قلت: هو مخالف لغيره من الأحاديث، ولما عليه الفقهاء. وأخرجه ابن حزم من طريق ابن أرطأة، عن الحسن بن سعيد، عن عبد الله بن شداد به، وفي آخره: ثم بعث لها بعد ثلاث أن تطهير وتكتحل (٢). ولأحمد: "لا تحدي بعد يومك هذا" (٣).
وقال أحمد فيما ذكره عنه مهنا: هذا حديث صحيح. ورواه شعبة، عن الحكم، عن ابن شداد يرفعه، قال: قلت: فما تقول في المرأة يموت عنها زوجها قال: تعتد أربعة أشهر وعشرًا. قلت: فما تقول في حديث ابن شداد فقال: إنما هذا في الإحداد لا في العدة. ثم قال: هذا حديث يخالف الأحاديث.
وقال الأثرم: قلت لأحمد: يحفظ عن حنظلة، عن سالم، عن ابن عمر يرفعه: "لا تحل الحدود فوق ثلاثة بعد الاحداد". فكأنه تعجب منه، وقال: هذا حديث منكر. قال: والمعروف عن ابن عمر من رأيه.
стр. 15370
الوجه الثاني:
قال ابن المنذر: حديث أم حبيبة يدل على معانٍ:
منها: تحريم إحداد المسلمات على غير أزواجهن فوق ثلاث، وإباحة إحدادهن عليهم ثلاثًا.
ومنها: أن المأمور بالإحداد الزوجة المسلمه دون اليهودية والنصرانية وإن كانت تحت مسلم عملًا بقوله: "تؤمن بالله واليوم الآخر" وإن الذمية لم تخاطب بذلك (١).
ومنها: الدلالة على أن المخاطب بالإحداد من الزوجات من عدتهن المشهور دون الحوامل منهن. وفيه دليل على أن المطلقة ثلاثًا لا إحداد عليها، ويدل عليه ظاهر الحديث (٢)، وقد قاله بعض من لقيته من أهل العلم وإن يكن في ذلك إجماع فهو مسلم له، وليس فيه إجماع، فإن الحسن البصري كان لا يرى الإحداد، وهو قول شاذ غريب (٣).
ومنها: وجوب الإحداد على جميع الزوجات المسلمات مدخول بهن، وغير مدخول بهن؛ لدخولهن في جملة من خوطب بالإحداد في عدة الوفاة إذا كانت بالشهور، ويدخل فيما ذكرناه الحرة تحت العبد والأمة تحت الحر والعبد، والمكاتبة والمدبرة وأم الولد المزوجة يتوفى عنهن أزواجهن والمطلقة يطلقها زوجها طلاقًا يملك رجعتها ثم يتوفى عنها قبل انقضاء عدتها إذ أحكامها أحكام الأزواج إلى أن توفي عنها.
стр. 15371
وممن قال: إن على الأمة إحدادًا إذا توفي عنها زوجها، مالك والثوري والكوفيون والشافعي وأبو ثور، وحكي ذلك عن ربيعة؛ لأنها داخلة في جملة الأزواج وفي عموم الأخبار ولا أحفظ في ذلك خلافًا إلا ما ذكر عن الحسن.
وأجمعوا على أن أم الولد لا إحداد عليها إذا توفي سيدها، والحجة في ذلك أن الأحاديث إنما جاءت في الأزواج، وأم الولد ليست بزوجة ذكره أجمع ابن المنذر (١).
واختلف قول مالك في الكتابية، هل يلزمها الإحداد على زوجها المسلم؟ فروى عنه أشهب أنه لا إحداد عليها، وهو قول ابن نافع والكوفيين (٢).
وقد سلف أن هذا القول يدل عليه الحديث، قال الكوفيون: وكيف يكون عليه الإحداد مع ما فيها من الشرك، وما تترك من الفرائض أعظم من ذلك.
وروي أيضًا عن مالك أنه قال: عليها الإحداد. وهو قول الليث والشافعي وأبي ثور وابن حي (٣)، وحجته أن الإحداد من حق الزوج، وهو يحفظ النسب كالعدة، وتدخل الكافرة في ذلك، فالمعنى كما دخل الكافر في أنه لا يجوز أن يسوم على سومه، والذي في الحديث: "لا يسم على سوم أخيه" (٤).
стр. 15372
وكما يقال هذا طريق المسلمين وهو قد يسلكه غيرهم إن كان الخطاب موجهًا إلى المؤمنات، فإن الذمية قد دخلت في ذلك لحق الزوجية؛ لأنها في النفقة والسكنى والعدة كالمسلمة فكذا في الإحداد.
واختلفوا في الصغيرة المتوفى عنها، فقالت طائفة: عليها من ذلك ما على البالغ منهن. هذا قول مالك والشافعي وأحمد وأبي عبيد وأبي ثور. وقال أبو حنيفة وأصحابه: لا إحداد عليها (١)؛ "عملًا بقوله "لامرأة" فعلم أن ذلك لا يلزم إلا المكلف البالغ، وإنما عليها العدة، وخالف داود فيما حكاه ابن التين.
حجة الأول ما قاله أبو عبيد: لما كان نكاحها غير محرم على كل ناكح كنكاح الكبيرة وجب أن تكون في الإحداد كهي وكان يقول: إنما ذلك على من تولاها من الأبوين وغيرهما. ولما أجمعوا على أن للصغيرة عدة الوفاة فكذا الإحداد.
واختلفوا في المطلقة ثلاثًا، فقالت طائفة: عليها الإحداد كالمتوفى عنها زوجها سواء. روي ذلك عن سعيد بن المسيب وسليمان بن يسار وابن سيرين والحكم، وهو قول الكوفيين وأبي ثور وأبي عبيد (٢).
وقال الشافعي وأحمد وإسحاق: الاحتياط أن تتقي المطلقة الزينة. وهو محكي عن النخعي، قال الشافعي: ولا يتبين لي أن أوجبه. واحتج من أوجبه عليها؛ لأنها في عدة يحفظ بها النسب كالمتوفى عنها زوجها (٣).
стр. 15373
وقالت طائفة: لا إحداد على مطلقة، ورخصوا لها في الزينة. وروي هذا عن عطاء وربيعة، وهو قول مالك والليث.
قال أبو عمر: ليس في الحديث إلا قوله: "أن تحد على ميت" وليس فيه لا يحل لها أن تحد على حي (١). أراد أبو عمر إحداد المبتوتة.
وقال ابن المنذر: قوله: "لا يحل" إلى آخره دليل على أن المطلقة ثلاثًا والمطلق حي لا إحداد عليها (٢)؛ لأنه أخبر أن الإحداد إنما هو على نساء الموتى مع أن الأشياء على الإباحة حتى يدل كتاب أو سنة أو إجماع على حظر شيء فيمنع منه.
الوجه الثالث: في ألفاظ وقعت فيه:
فقولها: (فدعت بطيب فيه صفرة خلوق أو غيره) هو برفع خلوق أي: دعت بصفرة، هي خلوق أو غيره. والخلوق -بفتح الخاء-: طيب مخلوط.
وقولها: (ثم مست بعارضيها). تريد الخدين، ادعى القرطبي أن أصل العوارض: الأسنان، وسميت الخدود عوارض من باب تسمية الشيء بالشيء إذا جاوره (٣)، ولا يسلم له، نعم ينطلق عليه.
قال صاحب "الموعب"، العارض: الخد، قال: أخذ من عارضيه. أي: من خديه. وقال القزاز: عارض الوجه صفحه أي: خده. وقد تجيء العوارض في الشِعر يراد بها الأسنان في بيت عنترة، فأما بيت الأعشى فالخدان.
стр. 15374
وقال الأزهري في "تهذيبه": العارض: الخد، يقال أخذَ الشعر من عارضيه (١). وهذا مثل قول صاحب "الموعب"، وقال اللحياني: عارضا الوجه وعروضاه: جانباه.
وقال ابن سيده: العارضان: جانبا اللحية. والعارض: الخد (٢).
وقال الجوهري: عارضة الإنسان: صفحتا خديه. وقولهم: فلان خفيف العارضين. يريد به: خفة شعر عارضيه (٣).
وقال ابن فارس: وربما أرادوا بالعوارض الأسنان (٤). يوضحه الحديث: "من سعادة المرء خفة عارضيه" (٥). لأنه إذا توضأ لا يحتاج إلى معاناة (ايصال) (٦) الماء إلى أصوله ولا إلى المبالغة في غسله.
وقوله: "فوق ثلاث (ليال) (٧) ". وفي أخرى: "ثلاثة أيام". وفي
стр. 15375
أخرى: "فوق ثلاث". والمراد بها: الليالي، ولذلك أنث المعدود. وقيل: أراد الأيام بلياليها. حكاه القرطبي، والأول قول الأوزاعي (١).
ويستفاد منه إذا مات (حميمها) (٢) فلها أن تمتنع من الزينة ثلاث ليالٍ متتابعة تبدأ من العدد بالليلة التي يستقبلها إلى آخر ثالثها، فإن مات في يوم أو ليلة ألغتها وحسبت من الليلة المستأنفة.
وقوله: ("وعشرًا"). هو (منصوب) (٣) على الظرف، والعامل فيه (تحد)، وإنما قالت: (وعشرًا)، ولم تقل: وعشرة؛ لأنه أراد الليالي، وقد علم أن مع كل ليلة يومها. وقال المبرد: المعنى وعشر مدد، وتلك المدة يوم وليلة.
وقولنا: المراد: بلياليها. هو مذهبنا ومذهب العلماء، إلا ما حكي عن يحيى بن أبي كثير، والأوزاعي، وأبي بكر الأصم أنها أربعة أشهر وعشر ليالٍ، وأنها تحل باليوم العاشر، ومذهب الجمهور أنها لا تحل؛ حتى تدخل ليلة الحادي عشر (٤).
وذهب مالك إلى أن الحامل إذا وضعت قبل أربعة (٥) أشهر وعشر أنها تكمل الأربعة أشهر والعشر.
وقوله: "إلا على زوج". مقتضاه: كل زوج، سواء بعد الدخول أو قبله. وكذا يدخل فيه كل امرأة صغيرة أو كبيرة أو أمة كما سلف.
стр. 15376
وفي دخول الصغيرة تحت اللفظ المذكور نظر، ولا تدخل الكتابية كما سلف، ولا المستولدة. والحِفْش: -بكسر الحاء المهملة، وسكون الفاء ثم شين معجمة- بيت صغير رديء خرب حقير قريب السُمْك، أو الخص الرديء، أو المظلة الدنية.
قال ابن حبيب: وأهل اللغة على أنه البيت الصغير. وفسره مالك بأنه البيت الرديء. وروى ابن وهب عنه أنه البيت الصغير (١)، وهو قول الخليل (٢)، وعن الشافعي: هو بيت ذليل قريب السُّمك، سمي به لضيقه (٣): والتحفش: الانضمام والاجتماع. وكذلك قال ابن الأعرابي.
وقال أبو عبيد: الحفش الدرج، وجمعه: أحفاش، يشبه البيت الصغير (٤)، وقال الخطابي: سمي حفشًا؛ لضيقه وانضمامه، والتحفش: الانضمام والاجتماع (٥).
وعبارة المازري أنه خص حقير. وفي الحديث أنه قال لبعض من وجهه ساعيًا فرجع بمال: "هل قعد في حفش أمه ينتظر هل يهدى إليه أم لا؟ " (٦) وهو الدرج كما سلف.
ومعنى تفتض به -بالفاء والضاد- تدلك جسمها. وقال مالك: تمسح به جلدها كالنشرة (٧). وقال مطرف وابن الماجشون: تمسح به فرجها وحرها ظاهره وباطنه.
стр. 15377
وأنكره بعضهم وقال: كيف تمسح فرجها بالحمار؟! وقال صاحب "العين": الفضيض: ماء عذب تصيبه ساعتئذ ويقول: افتضضته (١).
وقال ابن وهب: ترمي. وقال الأخفش: معناه: تتنظف وتنقى من الدرن تشبيهًا لها بالفضة في نقائها وبياضها.
وقيل: هو من فضضت الشيء: كسرته وفرقته. ومثه قوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ [آل عمران: ١٥٩] والمعنى: أنها كانت تكسر ما كانت فيه بتلك الدار.
وذكر الأزهري أن الشافعي رواه بالقاف والباء الموحدة والصاد المهملة، وهو الأخذ بأطراف الأصابع، وقرأ الحسن: (فقبصت قبصة من أثر الرسول) (٢).
والمعروف الأول، بل قال القزاز: إنه تصحيف. وكانت المرأة في الجاهلية تفتض بالدابة ثم تغتسل، وتتنظف ثم ترمي بالبعرة من بعر الغنم وراء ظهرها، ويكون ذلك إحلالًا لها.
ومعنى: رميها بالبعرة: إعلام لها أن صبرها عامًا أهون عليها من رميها بالبعرة.
فصل:
إنما منعت المعتدة في الوفاة من الزينة ولم تمنع منه معتدة الطلاق -كما نبه عليه المازري- لأن الزينة والطيب يدعوان إلى النكاح ويوقعان فيه، فنهى عنها؛ ليكون الامتناع فيها زاجرًا عن النكاح؛ لما كان الزوج في الوفاة معدومًا لا يحامي عن نفسه ولا يزجر زوجته، بخلاف المطلق
стр. 15378
الحي فإنه يحتفظ على مطلقته؛ لأجل نسبه، فاستغنى بوجوده عن زاجر آخر (١).
فصل:
قال مالك -كما حكاه في "الاستذكار"-: تحد امرأة المفقود في عدتها.
وقال ابن الماجشون: لا إحداد عليها. واختلف أيضًا عن المالكية في غير الكتابية وامرأة المفقود والتي زوجها في المرض والنكاح الفاسد (٢).
فصل:
قال ابن حزم: لما ذكر أنه لا عدة على أم ولد وإن عتقت ومات عنها سيدها، ولا أمة من وفاة سيدها أو عتقه لها لم يوجب ذلك كتاب ولا سنة ولهما أن ينكحا متى شاءتا.
وقد اختلف في هذا. فروى (أبو داود) (٣)، عن عبد الله بن بكر السهمي، عن ابن أبي عروبة، عن مطر، عن رجاء ابن حيوة، عن قبيصة بن ذؤيب، عن عمرو بن العاصي أنه قال: لا تُلبسوا علينا سنة نبينا، عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها عدة الحرة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر. فلو صح هذا مسندًا لقلنا به، وفيه أيضًا مطر وهو سيئ الحفظ (٤).
стр. 15379
قلت: ليته أعله بقول الدارقطني: قبيصة لم يسمع من عمرو، والصواب: لا تلبسوا علينا. موقوف (١). قلت: وهو في الحقيقة مرفوع، ومثله رواية ابن أبي شيبة من حديث خلاس عن علي قال: عدة أم الولد أربعة أشهر وعشر (٢). طعن في رواية خلاس عن عليٍّ يحيى بنُ سعيد.
وأما الجرجاني فقال عن أحمد: إنه كان من شرطة علي (٣). وكذا ذكره العقيلي في "تاريخه".
وفي "علل أحمد" من رواية ابنه عبد الله: حَدَّثَنَا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنَا سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى، عن رجاء، عن قبيصة، عن عمرٍو قال: عدة أم الولد عدة الحرة. فقال: قال أبي: هذا حديث منكر.
وحَدَّثَنَا الوليد: حَدَّثَنَا الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز، عن الزهري، عن قبيصة، عن عمرو مثله (٤).
وفي البيهقي: إن أبا معبد حفص بن غيلان روى عن سليمان بن موسى، عن رجل، عن قبيصة عنه: عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها أربعة أشهر وعشر، فإذا عتقت فعدتها ثلاث حيض (٥). وقال بقول عَمْرٍ وعليٍّ وعبيدة السلماني وأبي عياض عمرو بن الأسود وابن المسيب وعمر بن عبد العزيز وسعيد بن جبير.
وقال أيوب -فيما ذكره ابن أبي شيبة-: سألت الحكم بن عتيبة والزهري عن عدة أم الولد إذا توفي عنها سيدها. قالا: السنة. قلت:
стр. 15380
وما السنة؟ قالا: بريرة أعتقت فاعتدت عدة الحرة (١).
زاد ابن حزم: قال عمر بن عبد العزيز وابن شهاب: عدتها من وفاة سيدها أربعة أشهر وعشر. وقاله مجاهد وخلاس بن عمرو وابن سيرين والأوزاعي وابن راهويه، ورواية الحكم عن علي: عدة السرية ثلاث حيض. وهو قول النخعي وابن عمر.
ومن حديث ابن أرطأة، عن الشعبي، عن علي وابن مسعود: ثلاثة قروء، وهو قول الثوري وأبي حنيفة وأصحابه والحسن بن حي، واستحبوا لها الإحداد.
وقال مالك: عدتها حيضة، فإن لم تحض فثلاثة أشهر (٢). كذا ذكره عن مالك، والمعروف من مذهبه كمذهب الشافعي وأحمد. قال الخطابي: روي ذلك عن عروة والقاسم ومحمد بن شهاب والشعبي، وتأول بعضهم قول عمرو: لا تلبسوا علينا سنة نبينا. بأن التلبيس لا يقع في النصوص، إنما يكون في الرأي والاجتهاد، فيكون قوله: (سنة نبينا). اجتهادًا منه على معنى السنة في (الحرائر) (٣)، لا السنة التي هي عن رسول الله ﷺ نصًّا وتوقيفًا، وفيه بعد؛ لأنا لم نعهد أحدًا من أصحابنًا ذكر السنة وأراد بها غير السنة المعروفة. وأما قول من قال: إنما هذا في أم ولد بعينها كان أعتقها سيدها ثم تزوجها ومات عنها، فهو زوجها -على هذا- ومولاها (٤). فيحتاج إلى تثبت.
стр. 15381
فصل:
إنما كان عدة الوفاة بما ذكر؛ لأن غالب الحمل يتبين بحركة في تلك المدة؛ لأن النطفة تبقى في الرحم أربعين يومًا ثم تصير علقة كذلك ثم مضغة كذلك ثم ينفخ فيه الروح بعد فتظهر في العشر الزائد بعد الأربعة أشهر على ما في حديث ابن مسعود (١).
فصل:
قوله: (وقد اشتكت عينها). يجوز ضم النون على أنها مشتكية، وفتحها على أن في اشتكت ضمير الفاعل، وهي الحادة، ورُجّح الأول كما وقع في بعض الروايات: عيناها.
فإن اضطرت إليه فقيل: تكحله ليلاً وتمسحه نهارًا؛ أخذًا بحديث أم سلمة، هو قول النخعي وعطاء وأبي حنيفة والشافعي ومالك، كما حكاه الباجي (٢)، وجوزه بعضهم للحاجة وإن كان فيه طيب. ومذهبنا جوازه ليلاً عند الحاجة بما لا طيب فيه، وقوله ﵇ لا يحتمل أنه نهي تنزيه أو متأول على أنه لم يتحقق الخوف على عينها.
فصل:
قوله: "إنما هي أربعة أشهر وعشر" تقليل للمدة ونهوض للصبر عما منعت منه، ويفيد هذا الحصر لمن يقول إن مدة الحامل لا تزيد على هذِه المدة، خلافًا لما سلف عن مالك.
وفيه: تصريح نسخ الاعتداد لسنة، المذكور في سورة البقرة ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ﴾ ولما في هذا الحديث: "حتى تمر بها سنة".
стр. 15382
قال ابن عبد البر: وهذا من الناسخ والمنسوخ الذي لم يختلف العلماء فيه والمجمع عليه.
وقوله: ﴿غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ منسوخ عند الجمهور في نسخ الوصية بالسكنى للزوجات في الحول إلا رواية شاذة مهجورة عن ابن أبي نجيح عن مجاهد، لم يتابع عليها ابن أبي نجيح، ولا قال بها فيما زاد على الأربعة الأشهر والعشر أحد من علماء المسلمين من الصحابة والتابعين ومن بعدهم من المخالفين فيما علمت، وقد روى ابن أبي نجيح عن مجاهد في مثل ذلك مثل ما عليه الناس، فانعقد الإجماع وارتفع الخلاف، فالحول منسوخ بالأربعة أشهر بلا خلاف في ذلك.
وأما الوصية بالسكنى والنفقة فمن أهل الفقه من رأى أنها منسوخة بالميراث، وهم أكثر أهل الحجاز، أما أهل العراق فذلك عندهم منسوخ بالسنة بأن "لا وصية لوارث" فأي الوجهين كان النسخ فهو إجماع على رد ما رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد وأنه منكر من القول لا يلتفت إليه (١).
فصل:
وقوله: "ترمي بالبعرة". يعني: رمت بالعدة وخرجت كانفصالها من هذِه البعرة ورميها بها، وقيل: إشارة إلى ما فعلت وصبرت عليه من الاعتداد سنة، ولبسها شر ثيابها ونزولها الحفش صغير هين بالنسبة إلى حق الزوج وما يستحقه من المراعاة، كما يهون الرمي بالبعرة.
وعبارة مطرف وابن الماجشون: ترمي ببعرة من بعر الغنم أو الإبل فترمي بها أمامها فيكون ذلك إحلالها.
стр. 15383
وقال بعضهم: ترمي بها مَنْ عرض مِنْ كلب أو غيره تُري مَنْ حصرها أن مقامها حولًا بعد زوجها على تلك الحال أهون عليها من بعرة ترمي بها كلبًا أو غيره.
وقال ابن وهب: ترمي ببعرة من بعر الغنم ترمى بها وراء ظهرها بعد السنة.
وقولها: (تؤتى بدابةٍ حمارٍ أو شاةٍ أو طائرٍ) هو بدل من (دابة)، وكلها دواب؛ لأنها تدب، أي: تمشي، وهذِه تسمية لغوية.
فصل:
قولها: (قالت زينب: دخلت على أم حبيبة حين توفي أبوها أبو سفيان). لمسلم في حديث بنت أم سلمة قالت: توفي حميم لأم حبيبة (١). كذا في رواية الجلودي وغيره، وهو الصواب. ووقع في نسخة ابن الحذاء: توفي حميم لأم سلمة. مكان أم حبيبة (٢).
فصل:
وأما ما روي من أنه ﵇ رخص للمرأة أن تحد على زوجها حتى تنقضي عدتها، وعلى أبيها سبعة أيام، وعلى من سواه ثلاثة أيام، فغير صحيح؛ لما قدمناه في قصة أم حبيبة أنها تطيب بعد أبيها بثلاث؛ ولعموم الأحاديث.
وهذا الحديث أخرجه أبو داود في "مراسيله": عن عمرو بن شعيب أنه ﵇، فذكره مفصلًا (٣).
стр. 15384
وعمرو ليس تابعيًّا (١)، فلا ينبغي ذكره في المراسيل.
فصل:
قول الزهري الذي بدأ به البخاري هو قول مالك والشافعي كما سلف خلافًا لأبي حنيفة، دليلنا ما ذكره الزهري؛ وذلك أن الإحداد صفة العدة فتجب بوجوبها؛ ولأنه قال: أفنكِحلُها، بالنون، فلو لم تكن طفلة لم يقل ذلك، ولكانت تكحل نفسها. وكذلك قال أبو حنيفة في أحد قوليه في الأمة: لا إحداد عليها (٢).
فصل:
زينب بنت أم سلمة: راوية الأحاديث الثلاثة في الباب، أبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد، المخزومية، ربيبة النبي ﷺ ، قيل: كان اسمها برة، ولها صحبة، تزوجها عبد الله بن زمعة بن الأسود فقتل ولداها (منه) (٣) يوم الحرة. روت عن رسول الله ﷺ وعن أمها وعدة، وروى عنها عروة وأبو سلمة، توفيت سنة ثلاث وسبعين (٤). وأما ابن التين فنقل عن بعض العلماء أن زينب هذِه لا يعلم لها رواية عن رسول الله ﷺ ، ويروي أخوها عمر عن رسول الله ﷺ . وهو عجيب منه فاحذره.
стр. 15385
فصل:
وأم حبيبة: أم المؤمنين، اسمها رملة، هاجرت إلى الحبشة، فهلك زوجها، فزوجها النجاشي من رسول الله ﷺ ، وأمها صفية بنت أبي العاص بن أمية، روى عنها أخواها معاوية وعنبسة وعروة، وتوفيت سنة أربع وأربعين (١). وفيها نزلت: ﴿عَسَى اللهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً﴾ [الممتحنة: ٧] قاله ابن عباس (٢).
وقد سلف في الحيض.
وقوله: (باب الكحل للحاد). هو الصواب، وفي "شرح ابن بطال": الحادة (١). والصواب الأول، مثل: طالق، وطامث، وحائض؛ لأنه نعت للمؤنث لا يشركه فيه الرجل.
والأحلاس: جمع حلس، وهو ما يفرش ليجلس عليه.
وقوله: (فخشوا على عينها). أصله: فخشيوا، على وزن علموا استثقلت الضمة على الياء فحذفت، واجتمع ساكنان الياء والواو فحذفت الياء؛ لاجتماع الساكنين، وضمت الشين لتفتح الواو.
وسلف حكم الكحل في الباب [السابق] (٢)، ونقل ابن التين عن بعض العلماء أن هذِه المرأة لم تكن بلغ بها ما يوجب الأذى؛ لأنه ﵇ أذن لأم سلمة أن تكحل العين بالجلاء وتنزعه نهارًا. قال: ومذهب مالك أنها إذا اضطرت اكتحلت وإن كان فيه طيب (٣).
وقال ابن الجلاب: إذا اضطرت اكتحلت ليلاً ومسحته نهارًا.
وروى مالك أنه بلغه أنه ﵇ دخل على أم سلمة وهي حاد على أبي سلمة وقد جعلت على عينها صبرًا فقال: "ما هذا يا أم سلمة؟ " قلت: إنما هو صبر يا رسول الله. قال: "فاجعليه بالليل وامسحيه بالنهار" (٤). وهذا مخالف بحديث الباب؛ حيث لم ير لبنت أم سلمة حين توفي عنها زوجها في الكحل ليلاً ولا نهارًا، والجمع بينهما يؤخذ مما أسلفنا.
стр. 15388
وقد ذكرها ابن أبي صفرة أن النهي عن ذلك فيها قطعًا للذرائع؛ لأن ذلك من دواعي التزويج التي مُنعت منه حتى تخرج من العدة؛ احتياطًا للميت إذ قد زالت مراعاته لها، لكن إذا دخل على الناس المشقة من قطعها رفعت عنهم، ودلت إباحته ليلاً أن نهيه عنه ليس على التحريم، وإنما هو على التنزيه، فمن شاء أخذ بالشدة على نفسه كما فعلت صفية بنت أبي عبيد في ترك الكحل حتى كادت عيناها ترمضان، ومن شاء أخذ بالرخص فيه، فقد أجازه جماعة من السلف (١).
ذكر مالك في "الموطأ" أنه بلغه عن سالم بن عبد الله وسليمان بن يسار أنهما أجازا للمتوفى عنها زوجها إذا خشيت على بصرها من شكوى بها أن تكتحل وتتداوى بما فيه طيب. قال مالك: فإذا كانت الضرورة فإن دين الله يسر (٢).
وقد قال في "المختصر الصغير": لا تكتحل إلا أن تضطر إليه من غير طيب يكون فيه. وقال الشافعي: كل كحل فيه زينة للعين مثل الإثمد وشبيهه لا خير فيه، وأما الفارسي وشبهه عند الضرورة فلا بأس به؛ لأنه ليس بزينة بل يزيد العين قبحًا، وما اضطر إليه مما فيه زينة اكتحلت ليلاً ومحته نهارًا. واحتج ببلاع مالك عن أم سلمة.
قال الشافعي: في الصبر يصفر العين فيكون زينة وليس بطيب، فأذن لها ﵇ فيه ليلاً؛ حيث لا ترى. وكذلك ما أشبهه (٣).
стр. 15389
وذكر ابن المنذر قال: رخص في الكحل عند الضرورة عطاء والنخعي. وهو قول مالك والكوفيين قالوا: لا بأس بالكحل الأسود وغيره إذا اشتكت عينها (١).
٤٩ - باب تَلْبَسُ الْحَادَّةُ ثِيَابَ الْعَصْبِ
٥٣٤٢ - حَدَّثَنَا الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ حَرْبٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ حَفْصَةَ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَ قَالَتْ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا لَا تَكْتَحِلُ وَلَا تَلْبَسُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا إِلاَّ ثَوْبَ عَصْبٍ». [انظر: ٣١٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح ٩/ ٤٩٢].
٥٣٤٣ - وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ، حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَطِيَّةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ : «وَلَا تَمَسَّ طِيبًا إِلاَّ أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ». [انظر: ٣١٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح ٩/ ٤٩٢].
ثم ساقه ثم قال: وَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، حَدَّثَتْنَا حَفْصَةُ قالت: حَدَّثَتْنِي أُمُّ عَطِيَّةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ "وَلَا تَمَسَّ طِيبًا إِلَّا أَدْنَى طُهْرِهَا إِذَا طَهُرَتْ، نُبْذَةً مِنْ قُسْطٍ وَأَظْفَارٍ".
قال أبو عبد الله البخاري: والقسط، والكست مثل الكافور والقافور.
الشرح:
العَصْب: بسكون الصاد المهملة قبلها عين مهملة من البرود والحبر؛ لأنه يُعْصبُ غزله ثم يصبغ قبل نسجه، وربما سموا الثوب عصبًا فقالوا: عصب اليمن.
والقسط -بالقاف والكاف- بخور معلوم، وهو القسط الهندي، وهو عربي، قاله ابن فارس في القسط (١). وكذلك الأظفار: وهي شيء من العطر شبيهة بالظفر، ولا يصح: قسط أظفار، ولا جزع أظفار على الإضافة، ولا وجه له. ويقال أيضًا: قسط ظفار، وجزع ظفار منسوب إلى مدينة باليمن يقال لها: ظفار.
стр. 15392
وقال ابن التين: قوله: من قسط وأظفار. يريد: من قسط ظفار، كما قال في البخاري من جزع أظفار، فقالوا: فيه جزع ظفار.
والنُبذة: ما نبذته وطرحته من الكست في النار قدر ما يتبخر به، وهو اليسير من كل شيء، وقال الداودي: يسحق الكست فيلقى في الماء الذي يغسل به من الغسل؛ ليذهب رائحة الحيض.
وقوله: (وقال الأنصاري: حَدَّثَنَا هشام) يريد: محمد بن عبد الله بن المثنى قاضي البصرة شيخه ولعله أخذه عنه مذاكرة، فلهذا لم يأت عنه بصيغة التحديث.
قال ابن المنذر: أجمع العلماء غير الحسن على منع الطيب والزينة للحادة (١)، إلا ما ذكر في حديث أم عطية مما رخص لها عند الطهر من المحيض من النبذة من القسط؛ لأن القسط ليس من الطيب الذي منعت منه، وإنما تستعمل القسط على سبيل المنفعة ودفع الروائح الكريهة والنظافة. وقد رُخص لها في الدهن بما ليس بطيب، هذا قول عطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وأبي ثور (٢). وقال مالك: تدهن المتوفى عنها زوجها بالزيت والشبرق وما أشبه ذلك، إذا لم يكن فيه طيب.
قال مالك: وبلغني أن أم سلمة أم المؤمنين كانت تقول: تجمع المرأة الحادة رأسها بالشبرق والزيت، وذلك ليس بطيب (٣). وقال عطاء: تمتشط بالحناء والكتم (٤).
стр. 15393
وقال مالك: لا تمتشط بهما ولا بشيء مما يختمر، وإنما تمتشط بالسدر ونحوه مما لا يختمر في رأسها. ونهى عن الامتشاط (١)، وكره الخضاب ابن عمر وأم سلمة وعروة وسعيد بن المسيب، وقال ابن المنذر: لا يحفظ عن سائر أهل العلم في ذلك خلافًا.
والخضاب داخل في جملة الزينة المنهي عنها قال: وأجمعوا أنه لا يجوز لها لباس المصبغة والمعصفرة إلا ما صبغ بالسواد، وقد رخص في السواد عروة بن الزبير ومالك والشافعي (٢)، وكره الزهري لبسه (٣)، وكان عروة يقول: لا تلبسوا من الحمرة إلا العصب. وقال الثوري: تتقى المصبوغ إلا ثوب عصب.
وقال الزهري: لا تلبس العصب (٤). وهو خلاف الحديث، وكان الشافعي يقول: كل صبغ يكون زينة ووشي في الثوب كان زينة أو تلميع مثل العصب والحبرة والوشي وغيره، فلا تلبسه الحاد غليظًا كان أو رقيقًا (٥).
وعن مالك: تجتنب الحناء والصباغ إلا السواد، فلها لبسه وإن كان حريرًا، ولا تلبس الملون من الصوف وغيره ولا أدكن ولا أخضر. وقال في "المدونة": إلا أن لا تجد غيره فيجوز لها لبسه قال: ولا تلبس رقيق ولا عصب اليمن. ووسع في غليظه، وتلبس رقيق البياض وغليظه من الحرير والكتان والقطن (٦).
стр. 15394
والأصح عندنا عدم تحريم الإبريسم (١). قال ابن المنذر: رخص كل من أحفظ عنه في لباس البياض (٢). قال الأبهري: وهذِه الثياب التي أبيحت لها لا زينة فيها، وإنما هي ممنوعة من الزينة والطيب دون غيرها من اللباس.
والأصح عندنا أنه لا يحرم ما صبغ غزله ثم نسج كالبرود (٣). وأجابوا عن قوله: عصب. على ما يباح من المصبوغ على أن في رواية للبيهقي: ولا ثوب عصب. لكن قال: إنها ليست بمحفوظة (٤).
ويحرم عندنا حلي الذهب والفضة؛ للنص فيه في "سنن أبي داود" والنسائي بإسناد حسن (٥)، وكذا لؤلؤ في الأصح (٦)، وسلف عن الحسن البصري من بين سائر أهل العلم أنه كان لا يرى الإحداد (٧).
وقال: المطلقة ثلاثًا والمتوفى عنها زوجها تكتحلان وتمتشطان وتنتقلان وتختضبان وتتطيبان وتصنعان ما شاءا.
قال ابن المنذر: وقد ثبت الإخبار عن رسول الله ﷺ بالإحداد، وليس لأحد بلغته إلا التسليم لها، ولعلها لم تبلغه أو بلغته وتأول حديث أسماء بنت عميس، روى حماد بن سلمة، عن الحجاج، عن الحسن بن سعد وساق الحديث السالف. وقد دفع أهل العلم هذا
стр. 15395
الحديث بوجوه، وكان أحمد يقول: هذا الشاذ من الحديث لا يؤخذ به. وقاله إسحاق.
وقال أبو عبيد: إن أمهات المؤمنين اللواتي روي عنهن خلافه أعلم برسول الله ﷺ ، ثم كانت أم عطية تحدث به مفسرًا فيما تجتنبه الحاد في عدتها، ثم مضى عليه السلف وكان شعبة يحدث به عن الحكم ولا يسنده.
فصل:
قولها في الحديث الأول: (وكنا ننهى عن اتباع الجنائز). سلف بحكمه في الجنائز. قال ابن التين: عن ابن القرطبي (١): لا بأس أن يتبعها النساء ما لم يكثرن الترداد. وفي "المدونة": لا بأس أن تتبع النساء الجنائز وإن كانت شابة، فتخرج على الزوج والأخ والولد والوالد، ويكره لها الخروج على غيرهم (٢)، وكرهه ابن حبيب بجميعهم بهذا الحديث (٣).
وشبل المذكور في إسناده هو ابن عباد المكي انفرد به البخاري وابن أبي نجيح وهو عبد الله بن يسار.
ثم ساق حديث زينب بنت أم سلمة عن أم حبيبة، وقد سلف قريبًا.
والنِعيّ -بكسر العين وتشديد الياء، وبفتح النون، وإسكان العين- خبر الموت، واقتصر ابن التين على الأول، وما ذهب إليه مجاهد غريب، وقد قال ابن الزبير لعثمان ﵃: لِمَ أَثْبَتَّ هذِه الآية، وقد نسختها الآية الأخرى؟ قال: يا ابن أخي، لا أغير شيئًا من مكانه (١). يريد: نسختها أربعة أشهر وعشرًا، وقول ابن عباس: نسخت هذِه الآية عدتها عند أهلها، فتعتد حيث شاءت. قال غيره: لم تنسخ، وإنما خص الله تعالى الأزواج أن يوصوا بتمام السنة لمن لا يرث من الزوجات. وقول عطاء: (ثم جاء الميراث فنسخ السكنى، فتعتد حيث شاءت، ولا سكنى لها) (٢). هو قول أبي حنيفة أن المتوفى عنها لا سكنى لها، وهو أحد قولي الشافعي كالنفقة، وأظهرهما الوجوب؛ بحديث فريعة في السنن، وصححه الترمذي، وقد سلف (٣).
ومذهب مالك أن لها السكنى إذا كانت الدار ملكًا للميت أو نقد كراءها (٤)، والذي قال ابن عباس في هذِه الآية: نسخت بآية الميراث، ونسخ أجل الحول بأن جعل لها أربعة أشهر وعشرًا، وفي حديث الفريعة قال لها ﵇: "امكثي في بيتك حتى يبلغ الكتاب أجله".
стр. 15398
وعن مالك: لها السكنى. وعنه مرة: لا. قال مالك: وزوجة الميت أحق بالسكنى بعد كراه (١). أي: إذا أكراه مشاهرة ومسانهة، وإنما لو أكرى سنة معينة نقدًا ولم ينقد فهي أحق بالسكنى.
فرعان: عندهم طلقها بائنًا فلزمته السكنى، ثم مات أكرى لها من ماله، بخلاف من توفي عنها ولم يطلقها، وقال ابن نافع: لا سكنى لها؛ والموت يسقطها (٢).
فإن خرجت المتوفى عنها مسافرة مسافة اليومين ونحوها ردت، فإن تباعدت تركت، وليس عليها من المبيت حيث تسكن مثل ما عليها في بيت زوجها، قاله عبد الملك. وقال أصبغ: ترد من (الغد) (٣) إذا قدر على ذلك من غير ضرورة.
وقال ابن بطال: ذهب مجاهد إلى أن الآية التي فيها ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] إنما نزلت قبل الآية التي فيها ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ [البقرة: ٢٤٠] كما هي قبلها في التلاوة، ولم يجعل آية الحول منسوخة بالأربعة أشهر وعشرًا، وأشكل عليه المعنى؛ لأن المنسوخ لا يمكن استعماله مع الناسخ، ورأى أن استعمال هاتين الآيتين ممكن؛ إذ حكمهما غير متدافع، ويجوز أن يوجب الله تعالى على المعتدة التربص أربعة أشهر وعشرًا، لا تُخْرج فيها من بيتها فرضًا عليها، يأمر أهلها أن تبقى سبعة أشهر وعشرين ليلة، تمام الحول إن شاءت، أو تخرج إن شاءت وصية لها؛ لقوله: ﴿وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ﴾ الآية فحصل لها فائدتان في استعمال الآيتين، ورأى ألا يسقط
стр. 15399
حكمًا في كتاب الله يمكنه استعماله ولا يتبين له نسخه.
وهذا قول لم يقله أحدٌ من المفسرين غيره ولا تابعه عليه أحدٌ من فقهاء الأمة، بل اتفق جماعة المفسرين وكافة الفقهاء أن قوله: ﴿مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ﴾ منسوخ بقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ ويشهد لذلك الحديث السالف "وقد كانت إحداكن ترمي بالبعرة على رأس الحول".
ومما يدل على خطئه أن الله تعالى إنما أوجب السكنى للمتوفى عنهن أزواجهن عند من رأى إيجابه في العدة خاصة، وهي الأربعة أشهر وعشر وما زاد عليها، فالأُمَّة متفقة أن المرأة فيها أجنبية من زوجها لا سكنى لها ولا غيره شاءت أم لم تشأ، وكيف يجوز أن تبقى في بيت زوجها بعد العدة إن شاءت وهي غير زوجة منه، ولا حمل هناك [يوجب حبسها به] (١) ومنعها من الأزواج حتى تضعه.
وأيضاً فإن السكنى إنما كان في الحول حين كانت العدة حولاً، والسكنى ترتبط بها، فلما نسخ آية الحول بالأربعة أشهر وعشرًا استحال أن يكون سكنى في غير عدة.
وأما ابن عباس فإنه دفع السكنى للمتوفى عنها زوجها، وقال: قوله ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ﴾ الآية ولم يقل: يعتددن في بيوتهن، ولتعتد حيث شاءت.
وذهب إلى قول ابن عباس أن المتوفى عنها تعتد حيث شاءت علي وعائشة وجابر، ومن حجتهم: أن السكنى إنما وردت في المطلقة وبذلك نطق القرآن، وإيجاب السكنى إيجاب حكم، والأحكام لا تجب إلا بنص
стр. 15400
كتاب أو سنة أو إجماع، وقد سلف خلاف أهل العلم فيه قريبًا.
وقال إسماعيل: أما قول ابن عباس في ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ ولم يقل في بيتها فمثل هذا يجوز ألا (يبين) (١) في ذلك الموضع، ويبين في غيره. وقد قال تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] ولم يقل في هذا الموضع: إنها تتربص في بيتها.
ثم قال في أمر المطلقة في موضع آخر ﴿لَا تُخرِجُوهُنَّ مِن بيُوتِهِنَّ وَلَا تحرُتجنَ﴾ الآية [الطلاق: ١] وقال: ﴿أَسْكِنُوهُنَّ﴾ الآية [الطلاق: ٦].
فبين في هذا الموضع ما لم يذكر في ذلك الموضع. وقد بين أمر المتوفى بما جاء في حديث الفريعة السالف، وعمل به جملة أهل العلم، ورأينا المتوفى عنها احتيط في أمرها في العدة، بأكثر ما احتيط في المطلقة؛ لأن المطلقة إن لم يدخل بها فلا عدة بخلافها ويمكن ذلك والله أعلم؛ لأن الدخول قد يكون ولا يعلم به الناس، فإذا كان الزوج حيًّا ذكر ذلك وطالب به، وأمكن أن يبين حجته فيه، والميت قد انقطع عن ذلك وليس ينبغي في النظر إذا كانت المتوفى عنها قد جعلت عليها العدة في الموضع الذي لم يجعل على المطلقة أن تكون السكنى على المطلقة، ولا تكون على المتوفى عنها لما في السكنى من الاحتياط في أمر المرأة وما يلحق من النسب.
وروى وكيع، عن أبي جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية أنه سئل: لمَ ضمت العشر إلى أربعة أشهر؟ قال: لأن الروح تنفخ فيها في العاشر (٢). وهذا سلف، فأما إن كان المسكن بكراء قدمه الميت
стр. 15401
فلها أن تسكن في عدتها كما مر. وإن كان لم يقدمه وأخرجها رب الدار، لم يكن لها سكنى في مال الزوج، هذا قول مالك، وعلى قول الكوفيين والشافعي أنه لا سكنى للمتوفى عنها في مال زوجها إن لم يخلف مسكنًا؛ لأن المال صار للورثة، حاملًا كانت أو غير حامل، ولا نفقة لها. وأوجب مالك لها السكنى إن كانت حاملًا من مال الميت ونفقتها من مالها؛ لقوله: ﴿يَتَرَبَّصْنَ﴾ الآية وكان الواجب على ظاهر الآية أن تتربص المتوفى عنها زوجها هذِه المدة، تفعل فيها ما كانت تفعل قبل وفاته، فلما ثبت عن الشارع أنه قال: "لا يحل لامرأة" الحديث في الإحداد وجب اتباعه؛ لتفسيره لما أجمل في الآية (١).
ثالثها:
حديث أبي حازم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كَسْبِ الإِمَاءِ.
وهذا سلف في الإجارة، والأولان في البيوع، والأول سلف في الإجارة أيضًا. والتعليق أسنده ابن أبي شيبة، عن عبد الأعلى، عن سعيد، عن مطر، عنه باللفظ الثاني قال: وحَدَّثنَا هشيم عن يونس عنه باللفظ [الأول] (١) قال: وعن حماد مثله وعن إبراهيم: لها الصداق، وفي رواية: بطل النكاح، وإن دخل بها فلها الصداق، وإن لم يكن دخل بها فرق بينهما ولا صداق. وقال الحكم وحماد: لها الصداق كاملًا. وقال طاوس: ليس لها الصداق كله، لها بعضه (٢).
وقوله: (محرمة). ضبط الدمياطي بضم الميم وكسر الراء. وقال ابن التين: قوله: محرمة، يريد: ذات محرم. قال: وهو بفتح الميم، كذا ضبطه.
وقوله: (لها صداقها). هو الصحيح، وهو قول مالك المشهور؛ لأن الفاسد إذا كان في العقد قضى بالمسمى وإن كان في الصداق قضى بصداق المثل. وعن مالك في نكاح الخيار يقضي بصداق المثل (٣)، وهذا فساده في عقده، فعلى هذا يكون في هذِه المسألة تمضي بصداق المثل.
والنهي عن ثمن الكلب. يشمل كل كلب، وقال ابن التين: هو ضربان: كلاب الدور، والحرث والماشية، فالأول لا يحل اتخاذها؛ لأنها تروع الناس وتؤذيهم فثمنها حرام.
стр. 15404
واختلف في بيع كلب الصيد والماشية وفي أخذ قيمته إن قتل. وحلوان الكاهن: هو ما يعطى على الكهانة، يقال حلوته: أي أعطيته حلوان، والحلوان: الرشوة. وقيل: أصله من الحلاوة شبه بالشيء الحلو. ويقال: حلوت فلانًا إذا أطعمته الحلوى كما يقال: عسلته وتمرته.
ومهر البغي: ثمن الزنا، والبغي: بفتح الباء وكسر الغين وتشديد الياء، واحتج به من قال: لا صداق لكُرهِهِ على الزنا، قال الداودي: وليس كذلك؛ لأنه ﵇ نهى عن قتل النفس بغير الحق، وأجمعوا أن من قتل عبدًا فعليه قيمته، ومن قتل حرًّا فعليه ديته- إن اصطلحوا عليها وفي الخطأ.
وجمع بين ثمن الكلب وهو مكروه، وبين مهر البغي وحلوان الكاهن وهما حرام؛ لأن الجمع بينهما لا يوجب المساواة في الحكم لقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] فالعدل واجب فعله والإحسان مندوب إليه، وقام الإجماع على حرمة مهر البغي، ولا يلحق فيه نسب.
وأما النكاح الفاسد فإما في العقد وإما في الصداق، فما فسد في العقد لا ينعقد عند أكثر الأمة، ومنه ما ينعقد عند بعضهم، فما فسخ قبل البناء مما فسد لعقدٍ، فلا صداق فيه ويرد ما أخذت، وما فسخ بعده ففيه المسمى، وما فسد لصداقه كالبيع في فساد ثمنه أنه يفسخ قبل الدخول ويمضي إذا فات بالدخول، ويرد إلى قيمته.
وآخر قول ابن القاسم أن كل ما نص الله ورسوله على تحريمه ولا يُختلف فيه، فإنه يفسخ بغير طلاق وإن طلق فيه لا يلزم ولا يتوارثان كمتزوج الخامسة، وأختًا من الرضاعة، والمرأة على
стр. 15405
عمتها وخالتها، ومن تزوج بامرأة فلم يبن حتى تزوج ابنتها، أو نكح في العدة، قال: وكل ما اختلف الناس في إجازته أو فسخه فالفسخ فيه بطلاق وتقع فيه الموارثة والطلاق والخلع بما أخذ، ما لم يفسخ، كالمرأة تزوج نفسها أو تنكح بغير ولي أو أمة بغير إذن السيد أو بغرر في صداق، إذ لو قضى به قاضٍ لم أَنقْضه. وكذلك نكاح المحرم والشغار للاختلاف فيها.
وأما من تزوج محرمة وهما لا يعلمان التحريم يفرق بينهما فلا حد عليهما، واختلف العلماء في صداقها على قولين بحسب اختلاف قول الحسن البصري، فقوله: لها ما أخذت. يعني: صداقها المسمى. وقوله بعد ذلك: (لها صداقها). يريد: صداق مثلها، وسائر الفقهاء على هذين القولين، طائفة تقول بصداق المثل، وأخرى تقول المسمى. قلت: وقد أسلفنا قول من قال: لها بعض الصداق.
وأما من تزوج محرمة وهو عالم بالتحريم، فقال مالك وأبو يوسف ومحمد (١) والشافعي: عليه الحد ولا صداق في ذلك. وقال الثوري وأبو حنيفة: لا حد عليه، وإن علم عذر (٢). قال أبو حنيفة: ولا يبلغ به أربعين.
وفرق ابن القاسم بين الشراء والنكاح فأوجب في نكاحه محرمة إذا علم تحريمها الحد، ولا حد عليه إذا اشتراها ووطئها وهو عالم بتحريمها، وسائر الفقهاء غير الكوفيين لا يفرقون بين النكاح والملك في ذلك ويوجبون (الحد) (٣) في كلا الوجهين. وحجة أبي حنيفة أن