← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

وقد فسره البخاري به كما سلف، وجاء: خمسة. يعني: أجرب (١) وفيه: أن كل من أمر بمعروف إِذَا خاف عَلَى نفسه في التصريح أن يعرض، ولو كانت الأحاديث التي لم يحدث بها من الحلال والحرام ما وسعه كتمها؛ لأنه قَالَ: لولا آيتان في كتاب الله ما حدثت شيئًا ثمَّ يتلو ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ١٥٩] كما سلف.

стр. 1682

٤٣ - باب الإِنْصَاتِ للْعُلَمَاءِ ١٢١ - حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" فقال: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". [٤٤٠٥، ٦٨٦٩، ٧٠٨٠ - مسلم: ٦٥ - فتح: ١/ ٢١٧]. حَدَّثَنَا حَجَّاجٌ ثنا شُعْبَةُ، أَخْبَرَنِي عَلِيُّ بْنُ مُدْرِكِ، عَنْ أَبِي زُرْعَةَ، عَنْ جَرِيرِ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ لَهُ فِي حَجَّةِ الوَدَاعِ: "اسْتَنْصِتِ النَّاسَ" فقال: "لَا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في أربعة مواضع: هذا أحدها. وثانيها: في المغازي عن حفص بن عمر (١). ثالثها: في الفتن عن سليمان، كلاهما عن شعبة به (٢). رابعها: في الديات عن بندار، عن غندر، عن شعبة (٣)، وعن عبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة به، وهذا أنزل من الأول بدرجة (٤). وأخرجه مسلم في الإيمان عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن غندر، عن

стр. 1683

شعبة، وعن ابن المثنى، وابن بشار، عن غندر به (١). وهو قطعة من حديث أبي بكرة الطويل، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى (٢)، ومسلم في الجنايات (٣)، وقد سلف قطعة من حديث أبي بكرة في باب: رب مبلغ أوعى من سامع وغيره (٤). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف. وحجاج هو ابن منهال (٥)، وأبو زرعة هو هرم (٦)، وعلي بن مدرك هو أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق ثقة، عنه شعبة، مات سنة عشرين ومائة (٧).

стр. 1684

ثالثها: في معانيه وضبط ألفاظه: سميت حجة الوداع؛ لأنه ﷺ ودعهم فيها وعلمهم أمر دينهم وأوصاهم بتبليغ الشرع لمن غاب عنه بقوله: "ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ" والقياس في الحجة الفتح؛ لكونه اسمًا للمرة لا للهيئة، والمسموع: الكسر، قَالَ الهروي وغيره: هو المسموع في واحده (١). وحضور جرير حجة الوداع يدل عَلَى تقدم إسلامه، فإنه قيل: أسلم في رمضان سنة عشر (٢)، وقد أسلفنا أنه قيل: أسلم قبل وفاته ﷺ بأربعين يومًا. ومعنى "لا تَرْجِعوا": لا تصيروا. قَالَ ابن مالك: رجع هنا بمعنى: صار (٣). وقوله: "بَعْدي" أي: بعد فراقي من موقفي هذا، قاله الطبري (٤). وقال غيره: "بَعْدِي" أي: خلافي، أي: لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به، ويحتمل أنه ﷺ علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته. وقوله: "يضرب" هو برفع الباء عَلَى الصواب، وهو الرواية أي: لا تفعلوا فعل الكفار. فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضًا، ومحاربة بعضهم بعضًا، وهذا أولى الوجوه في تأويله كما قاله القاضي (٥).

стр. 1685

وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتَّى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح، فأنزل الله: ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ﴾ (١) [آل عمران: ١٠١]. أي: تفعلون فعل الكفار، وسياق الخبر دال عَلَى أن النهي عن ضرب الرقاب، وعما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة: "إنَّ دماءَكُم وأمْوَالَكُم عليكُم حَرَام" وذكر الحديث، ثمَّ قَالَ: "ليُبلغ الشاهدُ الغائبَ، لا تَرْجِعُوا بَعْدِي كُفَّارًا" الحديث (٢). فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم عَلَى بعض، وفيه ستة أقوال أخر: أحدها: أنه كُفر عَلَى بابه في حق المستحل لغير الحق. وثانيها: أن المراد: كفر النعمة وحق الإسلام. ثالثها: أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه. رابعها: لا تكفروا حقيقة، بل دوموا مسلمين. خامسها: أن المراد بالكفار: المتكفرون في السلاح، يقال: تكفر الرجل بسلاحه، إِذَا لبسه، حكاه الخطابي (٣). سادسها: لا يُكَفِّر بعضكم بعضًا، فتستحلوا قتال بعضكم بعضًا،

стр. 1686

ومن سكن الباء (١) أحال المعنى؛ لأن النهي عَلَى هذا التقدير يكون عن الكفر مجردًا، وضرب الرقاب جواب النهي ومجازاة الكفر، وسياق الخبر كما سلف يأباه، وجوزه أبو البقاء وابن مالك (٢) عَلَى تقدير شرط مضمر أي: إن ترجعوا يضرب. رابعها: في فوائده: فيه: التصريح بما بوب عليه البخاري من الإنصات للعلماء فإنه توقير لهم، وكيف لا وهم ورثة الأنبياء؟! وقد أمر الله تعالى أن لا يرفع الصوت فوق صوت النبي؛ خوف حبوط العمل (٣). وفيه أيضًاة تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه. وتعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قَالَه المازري؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها. والجواب: أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من الإمكان، وقد قَالَ تعالى: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾ [الزمر: ٦٥] ومعلوم أنه معصوم (٤).

стр. 1687

٤٤ - باب مَا يُسْتَحَبُّ لِلْعَالِمِ إِذَا سُئِلَ: أَىُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَيَكِلُ الْعِلْمَ إِلَى اللهِ ١٢٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرٌو قَالَ: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لابْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَنَا أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ [قَالَ]: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ خَطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ. فَعَتَبَ اللهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَمْ يَرُدَّ العِلْمَ إِلَيهِ، فَأَوْحَى الله إِلَيْهِ أَن عَبْدًا مِنْ عِبَادِي بِمَجْمَعِ البَحْرَيْنِ هُوَ أَعْلَمُ مِنْكَ. قَالَ: يَا رَبِّ، وَكَيْفَ بِهِ؟ فَقِيلَ لَهُ: احْمِلْ حُوتًا فِي مِكْتَل فَإِذَا فَقَدْتَهُ فهْوَ ثَمَّ. فَانْطَلَقَ وَانْطَلَقَ بِفَتَاهُ يُوشَعَ بْنِ نُونٍ، وَحَمَلَا حُوتًا فِي مِكَتَلِ، حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَل الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١]، وَكَانَ لِمُوسَى وَفَتَاهُ عَجَبًا، فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا، فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ: ﴿آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا﴾ [الكهف: ٦٢]، وَلَمْ يَجِدْ مُوسَى مَسًّا مِنَ النَّصَب حَتَّى جَاوَزَ المَكَانَ الذِي أُمِرَ بهِ. فَقَالَ لَهُ فَتَاهُ: ﴿أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ﴾ [الكهف: ٦٣]. قَالَ مُوسَى: ﴿ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤]، فَلَمَّا انْتَهَيَا إِلَى الصَّخْرَةِ إِذَا رَجُلٌ مُسَجًّى بِثَوْبٍ -أَوْ قَالَ: تَسَجَّى بِثَوْبِهِ- فَسَلَّمَ مُوسَى. فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟ فَقَالَ: أَنَا مُوسَى. فَقَالَ: مُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: ﴿هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا (٦٦) قَالَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٦٧)﴾ [الكهف: ٦٦، ٦٧]، يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْم مِن عِلْمِ اللهِ عَلّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْم عَلَّمَكَهُ لَا أَعْلَمُهُ. قَال: ﴿سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا﴾ [الكهف: ٦٩]. فَانْطَلَقَا يَمْشِيَانِ عَلَى سَاحِل البَحْر لَيْسَ لَهُمَا سَفِينَةٌ، فَمَرَّتْ بهِمَا سَفِينَةٌ، فَكَلَّمُوهُمْ أَنْ

стр. 1688

يَحْمِلُوهُمَا، فَعُرِفَ الخَضِرُ، فَحَمَلُوهُمَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، فَجَاءَ عُصْفُورٌ فَوَقَعَ عَلَى حَرْفِ السَّفِينَةِ، فَنَقَرَ نَقْرَةً أَوْ نَقْرَتَيْنِ فِي البَحْرِ. فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ. فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحٍ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ. فَقَالَ مُوسَى: قَوْمٌ حَمَلُونَا بِغَيْرِ نَوْلٍ، عَمَدْتَ إِلَىَ سَفِينَتِهِمْ فخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا! ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٢) قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٢، ٧٣]. فَكَانَتِ الأولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا. فَانْطَلَقَا، فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَ رَأْسَهُ بِيَدِهِ، فَقَالَ مُوسَى: ﴿قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾؟! [الكهف: ٧٤] ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا (٧٥)﴾ [الكهف: ٧٥]- قَالَ ابن عُيَيْنَةَ: وهذا أَوْكَدُ- ﴿فَانْطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾ [الكهف: ٧٧]. قَالَ الخَضِرُ بِيَدِهِ فَأقَامَة. فَقَالَ لَهُ مُوسَى: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (٧٧) قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ﴾ [الكهف: ٧٧، ٧٨]. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا". [انظر: ٧٤ - مسلم: ٢٣٨٠ - فتح: ١/ ٢١٧] حَدَّثنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، ثنا سُفْيَانُ، ثنَا عَمْرٌو: أَخْبَرَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قَالَ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: إِنَّ نَوْفًا البِكَالِيَّ يَزْعُمُ أَنَّ مُوسَى لَيْسَ بِمُوسَى بَنِي إِسْرَائِيلَ، إِنَّمَا هُوَ مُوسَى آخَرُ. فَقَالَ: كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ، حَدَّثَني أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "قَامَ مُوسَى النَّبِيُّ ﷺ خطِيبًا فِي بَني إِسْرَائِيلَ، فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ .. الحديث بطوله.

стр. 1689

والكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث سلف قريبًا في موضعين: مختصرًا من كتاب العلم (١)، وأتى به في كتاب الأنبياء أتم (٢)، وقد سلف في باب: ما ذكر من ذهاب موسى في البحر إلى الخضر تعداد طرقه (٣). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف. ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: الأولى: نَوف: بفتح النون، والبِكَالي -بكسر الباء الموحدة وفتح الكاف المخففة وفي آخره لام- نسبة إلى بني بكال بطن من حمير، وهو نوف بن فضالة، قَالَ أبو العباس أحمد بن عمر: وعند أبي بحر والخشني بفتح الباء وتشديد الكاف، قَالَ: ونسبه بعضهم في حمير، وآخرون في همدان. قَالَ: وكان نوف عالمًا فاضلًا إمامًا لأهل دمشق (٤). قَالَ ابن التين: وكان حاجبًا لعلي، وكان قاصًّا، وهو ابن امرأة كعب الأحبار عَلَى المشهور، وقيل: ابن أخته، وكنيته: أبو زيد، وقيل: أبو رشيد.

стр. 1690

وقال ابن العربي في "الأحوذي": لعله منسوب إلى بكيل: بطن من همدان (١). وليس كما قَالَ، فالمنسوب إلى ما ذكر هو أبو الوداك جبر بن نوف (٢) وغيره، وأما نوف هذا فمنسوب إلى بكال: بطن من حمير كما سلف، وهو المذكور في كتب الأنساب (٣). الثانية قوله: (كَذَبَ عَدُوُّ اللهِ). هذا قاله عَلَى سبيل الإغلاظ عَلَى القائل بخلاف قوله، فإنه ليس غيره وألفاظ الغضب تجيء عَلَى غير الحقيقة غالبًا (٤). الثالثة: السائل هنا هو سعيد بن جبير، وابن عباس هو المخبر، ووقع فيما مضى أن ابن عباس تمارى هو والحر بن قيس في صاحب موسى، فقال ابن عباس: هو خضر، فمر بهما أبي بن كعب فسأله ابن عباس، فأخبره، فيحتمل أن سعيد بن جبير سأل ابن عباس بعد

стр. 1691

الواقعة الأولى المتقدمة لابن عباس مع الحر، فأخبره ابن عباس لمَّا سأله عن قول نوف أن موسى ليس موسى بني إسرائيل. وجاء أن السائل غير ابن جبير، روي عن سعيد قَالَ: جلست إلى ابن عباس وعنده قوم من أهل الكتاب. فقال بعضهم: يا أبا عبد الله، إن نوفًا ابن امرأة كعب يزعم عن كعب أن موسى النبي الذي طلب العلم إنما هو موسى بن ميشا، فقال ابن عباس: كذب نوف، حَدَّثَنِي أُبَيّ وذكر الحديث. الرابعة: قوله: "فَسُئِلَ: أَيُّ النَّاسِ أَعْلَمُ؟ فَقَالَ: أَنَا أَعْلَمُ". تقدم الكلام عليه في باب: ذهاب موسى إلى الخضر (١). فينبغي لمن سُئِلَ عما لا يعلم أن يقول: لا أعلم. وقد قَالَ مالك: جُنة العالم: لا أدري، فإذا أخطأها أصيبت مقاتله (٢). وقال ابن المنير: ظن الشارح -يعني: ابن بطال- أن المقصود من الحديث التنبيه عَلَى أن الصواب من موسى كان ترك الجواب، وأن يقول: لا أعلم (٣)، وليس كذلك. بل رد العلم إلى الله تعالى متعين، أجاب أولم يجب، فإن أجاب قَالَ: الأمر كذا والله أعلم. وإن لم يجب قَالَ: الله أعلم، ومن هنا تأدب المُفْتون في أجوبتهم بقولهم: والله أعلم. فلو قَالَ موسى: أنا والله أعلم، لكان صوابًا، وإنما وقعت المؤاخذة باقتصاره عَلَى: (أنا أعلم) (٤). الخامسة: "مجمع البحرين" هما: بحر الروم مما يلي (المغرب) (٥)

стр. 1692

وبحر فارس مما يلي (المشرق) (١). قاله قتادة (٢). وحكى الثعلبي عن أُبي بن كعب أنه بإفريقية (٣). وقيل: بحر الأردن وبحر القُلْزُم. قَالَ السهيلي: وقيل: بحر المغرب وبحر الزقاق، قَالَ ابن عباس: اجتمع البحران: موسى والخضر بمجمع البحرين. السادسة: (الحوت): السمكة، وكا نت مالحة، و (المكتل) -بكسر الميم وفتح المثناة فوق-: القفة والزِّنبيل (٤)، و (فتاه): صاحبه: يوشع بن نون (٥). سلف. السابعة: قوله: "حَتَّى كَانَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ وَضَعَا رُءُوسَهُمَا وَنَامَا، فَانْسَلَّ الحُوتُ مِنَ المِكْتَلِ، فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي البَحْرِ سَرَبًا" وفي رواية للبخاري "وفي أصل (الصخرة) (٦) عين يقال لها: الحياة لا يصيب من مائها شيء إلا حيي، فأصاب الحوت من ماء تلك العين فتحرك وانسل من المكتل فدخل البحر" (٧). وفي رواية أخرى له: "فَقَالَ فَتَاهُ: لَا أُوقِظُهُ. حَتَّى إِذَا اسْتَيْقَظَ نَسِيَ أَنْ يُخْبِرَهُ، وأمسك الله عن الحوت (جِرْية) (٨) الماء فصار عليه مثل الطاق، فلما استيقظ نسي يوشع أن يخبره" (٩).

стр. 1693

فنسي يوشع وحده ونسب النسيان إليهما، فقال تعالى: ﴿نَسِيَا حُوتَهُمَا﴾ [الكهف: ٦١] كما قَالَ تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ (٢٢)﴾ [الرحمن: ٢٢] وإنما يخرج من الملح، وقيل: نسي موسى أن يتقدم إلى يوشع في أمر الحوت، ونسي يوشع أن يخبره بذهابه ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ [الكهف: ٦١] صار عليه الماء مثل الطاق، والطاق: عقد البناء وهو الأزج، وهو ما عُقد أعلاه بالبناء، وترك تحته خاليًا (١). (والصخرة): هي التي دون نهر الزيت بالمغرب (٢)، قَالَ أُبي بن كعب: إفريقية. وقال مجاهد: بين البحرين (٣). الثامنة: انتصب (سربًا) عَلَى المفعول كما قَالَ الزجاج، أو عَلَى المصدر كأنه قَالَ: سرب الحوت سربًا. قَالَ ابن عباس: أحيا الله الحوت فاتخذ سبيله في البحر سربا، والسرب: حفير تحت الأرض. وجاء: "فجعل الماء لا يلتئم حتَّى صار كالكوة" (٤). التاسعة: الضمير للحوت ويؤيده قوله: ﴿فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا﴾ وكان لموسى وفتاه عجبًا -ويبعد أن يكون لموسى- أي: اتخذ موسى سبيل الحوت في البحر سربًا- أي: مذهبًا ومسلكًا- فإنه اتبع أثره ويبس الماء في ممره، فصار طريقًا.

стр. 1694

العاشرة: قوله: "فَانْطَلَقَا بَقِيَّةَ لَيْلَتِهِمَا وَيَوْمِهِمَا" كذا جاء هنا، وفي كتاب التفسير (١) ومسلم (٢): "بَقِيَّةَ يَوْمِهِمَا ولَيْلَتِهِمَا" وهي الصواب لقوله: "فلما أصبح" وفي رواية: "حتَّى إِذَا كان من الغد" (٣) قَالَ النووي: وضبطوه، -يعني: في مسلم- بنصب "ليلتهما" وجرها (٤). الحادية عشرة: قوله: (﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾) [الكهف: ٦٤] أي: يقصان قصصا، أي: فرجعا يقصان آثارهما حتَّى أتيا الصخرة، وفي مسلم: "فأراه مكان الحوت، فقال: ها هنا وصف لي" (٥) وفيه: "فأتيا جزيرة فوجدا الخضر قائمًا يصلي عَلَى طنفسة خضراء عَلَى كبد البحر" (٦) أي: وسطه، وفي البخاري: "فلما انتهى إلى الصخرة إِذَا رجل مسجى بثوب، أو قَالَ: تسجى بثوبه" (٧) أي: مغطى به كله كتغطية الميت وجهه ورجليه وجميعه. كما جاء في رواية أخرى له: "قَدْ جعل طرفه تحت رجله، وطرفه تحت رأسه فسلم عليه موسى، فكشف الخضر عن وجهه" (٨). الثانية عشرة: قوله: (فَقَالَ الخَضِرُ: وَأَنَّى بِأَرْضِكَ السَّلَامُ؟) قَالَ عياض: تجيء أنَّى بمعنى: أين ومتى وحيث وكيف، قَالَ: وهذا يدل

стр. 1695

عَلَى أن السلام لم يكن معروفًا عندهم إلا في خاصة الأنبياء والأولياء، أو كان موضع بلاد كفر وهم ممن لا يعرف السلام (١). الثالثة عشرة: معنى ﴿إِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا﴾ [الكهف: ٦٧]: إنك سترى شيئًا ظاهره منكر ولا تصبر عليه، "يَا مُوسَى، إِنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللهِ عَلَّمَنِيهِ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ، وَأَنْتَ عَلَى عِلْمٍ عَلَّمَكَة لَا أَعْلَمُه أنا". وفي رواية أخرى لَهُ: ": فَمَا شَأْنُكَ؟ وَأَنَّ الوَحْيَ يَأْتِيكَ؟ يَا مُوسَى، إِنَّ لِي عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَعْلَمَهُ، وَإِنَّ لَكَ عِلْمًا لَا يَنْبَغِي لِي أَنْ أَعْلَمَة" (٢) ولم يسأله موسى عن شيء من دينه؛ لأن الأنبياء لا تجهل شيئًا من دينها التي تعبدت به أمتها، وإنما سأله عما لم يكن عنده علمه مما ذكر في السورة. الرابعة عشرة: (السفينة) فعيلة بمعنى: فاعلة كأنها تسفن الماء، أي تقشره. و (النول): -بالواو- والمنال والمنالة كله: الجُعل، وأما النيل والنوال: فالعطية ابتداءً، يقال: رجل نال إِذَا كان كثير النوال، كما قالوا: رجل مال أي: كثير المال، تقول: نلت الرجل أنوله نولًا، ونلت الشيء أناله نيلًا. وقال صاحب "العين": أنلته المعروف ونلته ونولته، والاسم النول والنيل يقال: نال ينال منالًا ومنالة (٣)، والنولة (٤): اسم

стр. 1696

للقبلة (١). و"العصفور"؟ بضم العين. الخامسة عشرة: قوله: "فَقَالَ الخَضِرُ: يَا مُوسَى، مَا نَقَصَ عِلْمِي وَعِلْمُكَ مِنْ عِلْمِ اللهِ إِلَّا كَنَقْرَةِ هذا العُصْفُورِ فِي البَحْرِ" اعلم أن لفظ النقص هنا ليس عَلَى ظاهره؛ فإنَّ علم الله لا يدخله الزيادة ولا النقصان، وإنما هذا عَلَى جهة التمثيل. والمعنى: أن علمي وعلمك بالنسبة إلى علم الله كنسبة ما نقر العصفور من البحر، فإنه لقلته وحقارته لا يظهر، فكأنه لم يأخذ شيئًا وهذا كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَاتِ رَبِّي﴾ (٢) الآية [الكهف: ١٠٩]. قَالَ القاضي عياض: أو يرجع ذَلِكَ في حقهما أي: ما نقص علمنا مما جهلنا من معلومات الله إلا مثل هذا في التقدير، وجاء في البخاري: "ما علمي وعلمك في جنب علم الله (- أي: معلومه- إلا كما أخذ هذا العصفور" وقال بعضهم أن "إلا" هنا بمعنى: ولا، كأنه قال: ما نقص

стр. 1697

علمي وعلمك من علم الله) (١) ولا ما أخذ هذا العصفور من هذا البحر لما تقدم من أن علم الله تعالى لا ينقص بحال، ولا حاجة إلى هذا التكلف؛ لما بيناه من التمثيل (٢). السادسة عشرة: قوله: "فَعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى لَوْحٍ مِنْ أَلْوَاحِ السَّفِينَةِ فَنَزَعَهُ" قَالَ المفسرون: قلع لوحين مما يلي الماء. وفي البخاري: "فوَتَدَ فِيهَا وَتدًا" (٣)، وفيه: "فعَمَدَ الخَضِرُ إِلَى قَدُومٍ فَخَرَقَ به". السابعة عشرة: في خرقه السفينة -كما قَالَ القاضي- مخافة أخذ الغاصب، حجة للنظر في المصالح ودفع أخف الضررين، والإغضاء عَلَى بعض المنكرات مخافة أن يتولد من عدم (تغييرهما) (٤) ما هو أشد، وجواز إفساد بعض المال لإصلاح باقيه، وخصاء الأنعام لسمنها، وقطع بعض آذانها للتمييز (٥). الثامنة عشرة: قوله: "فَعَمَدَ" هو بفتح العين والميم، يقال: عَمَد بفتح الميم في الماضي، يعمد بكسرها في المستقبل. التاسعة عشرة: معنى: ﴿لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ﴾ [الكهف: ٧٣] أي: غفلتُ، وقيل: لم ينس ولكنه ترك، والترك يسمى نسيانًا. وفي البخاري: "فكَانَتِ الأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا" وفي موضع آخر منه: "وَالْوُسْطَى شَرْطًا، وَالثَّالِثَةُ عَمْدًا" وقيل: نسي في الأولى فاعتذر، ولم ينس في

стр. 1698

الثانية فلم يعتذر (١). العشرون: معنى: ﴿وَلَا تُرْهِقْنِي﴾ [الكهف: ٧٣]: لا تغشني (٢)، وقيل: لا تلحق بي وهمًا، يقال: رهقه الشيء بالكسر يرهقه بالفتح رهقًا بالتحريك إِذَا غشيه، وأرهقته: كلفته ذَلِكَ، يقال: لا ترهقني لا أرهقك الله أي: لا تعسرني لا أعسرك الله. الحادية بعد العشرين: قوله: ("فَإِذَا غُلَامٌ يَلْعَبُ مَعَ الغِلْمَانِ، فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ مِنْ أَعْلَاهُ فَاقْتَلَعَهُ بِيَدِهِ") وجاء فيه في بدء الخلق: "فَأَخَذَ الخَضِرُ بِرَأْسِهِ فَقَطَعَهُ بيده هكذا" (٣) وأومأ سفيان بأطراف أصابعه كأنه يقطف شيئًا، وفيه في التفسير: "فَبَيْنَا هُمَا يَمْشِيَانِ عَلَى السَّاحِلِ، إِذْ أَبْصَرَ الخَضِرُ غُلَامًا مَعَ الغِلْمَانِ فَاقْتَلَعَ رأسه فَقَتَلَهُ" (٤). وجاء: "فوجَدَ غِلْمَانًا يَلْعَبُونَ، فَأَخَذَ غُلَامًا كَافِرًا ظَرِيفًا فَأَضْجَعَهُ، ثُمَّ ذَبَحَهُ بِالسِّكِّينِ" (٥). وقال الكلبي: صرعه ثمَّ نزع رأسه من جسده فقتله، فقال له موسى: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً﴾ [الكهف: ٧٤] أي: طاهرة. وفي مسلم: "فَذُعِرَ مُوسَى (ذَعْرَةَ مُنْكِرٍ) (٦) عندها". وفيه أيضًا: "وَأَمَّا الغُلَامُ فَطُبعَ يَوْمَ طُبعَ كَافِرًا، وَكَانَ أَبَوَاهُ قَدْ عَطَفَا عَلَيْهِ، فَلَوْ أَنَّهُ أَدْرَكَ أَرْهَقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا" (٧)،

стр. 1699

وهو معنى قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا﴾ [الكهف: ٨٠] والطغيان: الزيادة في الإضلال. قَالَ البخاري: وكان ابن عباس يقرؤها: (وكان أبواه مؤمنين وكان هو كافرًا) (١). وعنه: وأما الغلام فكان كافرًا وكان أبواه مؤمنين (٢). وأوَّل ابن بطال قوله: "كان كافرًا" باعتبار ما يئول إليه لو عاش. قَالَ: ووجه (استباحة) (٣) القتل لا يعلمه إلا الله، ولله تعالى أن يميت من شاء من خلقه قبل البلوغ وبعده، ولا فرق بين قتله وموته، وكل ذَلِكَ لا اعتراض عليه فيه: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: ٢٣] (٤). فائدة: الغلام جيسور كما ذكره في التفسير (٥)، وهو بجيم وسين وراء مهملة، قاله ابن ماكولا (٦). وغيره ذكر أنه اسم الملك الذي كان يأخذ كل سفينة غصبًا، وهو عجيب، ومنهم من أبدل الراء بنون، وسيأتي فيه زيادة في التفسير. وقال ابن جرير: أخذ الخضر صخرة فثلغ بها رأسه (٧). واسم أبيه: كازيري، وأمه: سهوى، وقيل: اسم أبيه: ملاس، واسم أمه: رحمى.

стр. 1700

الثانية بعد العشرين: في إخباره عن حال السفينة لو لم تخرق، والغلام لو لم يقتل دلالة لمذهب أهل الحق أن الله عالم بما كان وبما يكون أن لو كان كيف يكون (١)، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ﴾ [الأنعام: ٢٨]، وقوله: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ مَلَكًا لَجَعَلْنَاهُ رَجُلًا﴾ [الأنعام: ٩] الآية. الثالثة بعد العشرين: قوله: "غلامًا" يدل عَلَى أنه كان غير بالغ، والغلام: اسم للمولود إلى أن يبلغ (٢)، وزعم قوم أنه كان بالغًا يعمل الفساد، واحتجوا بقوله: ﴿بِغَيْرِ نَفْسٍ﴾ [الكهف: ٧٤]. والقصاص إنما يكون في حق البالغ. وأجاب الجمهور عن ذَلِكَ بأنا لا نعلم كيف كان شرعهم، فلعله كان يجب عَلَى الصبي في شرعه كما يجب في شرعنا عليهم غرامة المتلفات. الرابعة بعد العشرين: قوله: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ﴾ [الكهف: ٧٧] قَالَ ابن عباس: هي: أنطاكية. وقال ابن سيرين: (أيلة) (٣)، وهي أبعد

стр. 1701

الأرض من السماء. وجاء: أنهم كانوا من أهل قرية لئام، وقيل: من برقة (١). الخامسة بعد العشرين: قوله تعالى: ﴿جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ﴾ [الكهف: ٧٧]، أي: يسقط بسرعة، قَالَ الكسائي: إرادة الجدار هنا: ميله، وقيل: عَلَى مجاز كلام العرب لأنه لما قرب الحائط من الانقضاض كان كمن يريد أن يفعل ذَلِكَ، وكان أهل القرية يمرون تحته عَلَى خوف. وفي رواية للبخاري: "مائل فقال بيده هكذا" (٢). وفي رواية قَالَ: "فمسحه بيده" (٣). وذكر الثعلبي أن سمك الجدار مائتا ذراع بذلك الذراع الذي لذلك القرن، وطوله عَلَى وجه الأرض خمسمائة ذراع، وعرضه خمسون ذراعًا، قيل: إنه مسحه كالطين فاستوى. وجاء في كتاب الأنبياء: "فأومأَ بيدِهِ هكذا" وأشار سفيان كأنه يمسحُ شيئًا إلى فوق (٤)، وهذِه آية عظيمة تشبه آية الأنبياء. وذكر الطبري عن ابن عباس قَالَ: كان قول موسى في الجدار لنفسه ولطلب شيء من الدنيا، وفي السفينة والغلام لله (٥). السادسة بعد العشرين: قوله: ﴿لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا﴾ [الكهف: ٧٧] أي: تأكله كما قاله سعيد. والتاء: فاء الفعل، يقال: تخذ يتخذ، والاتخاذ: افتعال من الأخذ، إلا أنه أدغم بعد تليين الهمزة وإبدالها

стр. 1702

تاء. (ولما كثر استعماله عَلَى لفظ الافتعال توهموا أن التاء أصلية؛ فبنوا منها: فعل يفعل، قالوا: تخذ يتخذ، وقولهم: أخذت كذا يبدلون الدال تاء) (١) فيدغمونها وبعضهم يظهر. السابعة بعد العشرين: قوله: (يَرْحَمُ اللهُ مُوسَى، لَوَدِدْنَا لَوْ صَبَرَ حَتَّى يُقَصَّ عَلَيْنَا مِنْ أَمْرِهِمَا) فيه دلالة عَلَى تمني ما علم أنه لم يقدر. ويقال: إنه لما أرادا التفرق قَالَ الخضر لموسى: لو صبرت لأتيت عَلَى ألف عجيب كل أعجب مما رأيت. الثامنة بعد العشرين: اسم الملك فيما يزعمون هدد (٢) بن بدد، واسم الغلام جيسور، وقد سلف ما فيه، وفي اسم الملك أقوال أخر ستأتي في قصص الأنبياء في باب: حديث الخضر مع موسى. التاسعة بعد العشرين: قوله: ﴿فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا﴾ [الكهف: ٨٠] أي: يحملهما حبه عَلَى أن يتابعاه عَلَى دينه. الثلاثون: قوله: ﴿وَأَقْرَبَ رُحْمًا﴾ [الكهف: ٨١] الرحم: الرحمة، وفي رواية في البخاري: "هما به أرحم منهما بالأول الذي قتل خضر" (٣) وزعم سعيد أنهما أبدلا جارية (٤)، يقال: إنه ولد من نسلها سبعون نبيًّا، وقيل: تزوجت بنبي، فولدت نبيًّا هدى الله به أمة. قَالَ ابن دريد في "وشاحه": واسم اليتيمين: أصرم وصريم ابنا كاشح، والأب الصالح الذي حفظ كنزهما من أجله بينهما وبينه سبعة آباء، وقيل: عشرة. واسم أمهما: دنيا.

стр. 1703

والكنز جاء في حديث ابن عمر مرفوعًا عند الترمذي: أنه كان ذهبًا وفضة (١)، وروي من وجه آخر: أنه كان علمًا وحكمة (٢)، ويجمع (٣) بينهما بما روي: أنه كان لوحًا من ذهب مكتوب فيه بعد البسملة: عجبًا لمن أيقن أن الموت حق كيف يفرح؟ وعجبًا لمن أيقن بالقدر كيف يحزن، وعجبًا لمن رأى الدنيا وتقلبها بأهلها كيف يطمئن إليها؟ وعجبًا لمن عرف النار ثمَّ عصى، لا إله إلا الله محمد رسول الله (٤). الحادية بعد الثلاثين: في هذِه القصة أصل عظيم من الأصول الشرعية، وهو أنه لا اعتراض بالعقل عَلَى ما لا يفهم من الشرع، وأن لا تحسين ولا تقبيح إلا بالشرع، ألا ترى إلى ظهور قبح قتل الغلام، وخرق السفينة في الظاهر. ولذلك اشتد نكير موسى، فلما أطلعه الخضر عَلَى سر ذَلِكَ بان له وجه الحكم فيه فيجب التسليم لكل ما جاء به الشرع، وإن كان بعضه لا تظهر حكمته للعقول، فإن ذَلِكَ محنة من الله تعالى لعباده واختبار لهم؛ لتتم البلوى عليهم، ولمخالفة هذا ضل أهل البدع حين حكموا عقولهم وردوا إليها ما جهلوه من معاني القدر وشبهه. وهذا خطأ منهم؛ لأن عقول العباد لها نهاية، وعلم الباري تعالى

стр. 1704

لا نهاية له. قَالَ تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فما أخفاه عنهم فهو السر الذي استأثر به، فلا يحل تعاطيه، ولا يكلف طلبه، فإن المصلحة للعباد في إخفائه منهم، والحكمة في طيه عنهم إلى يوم تبلى السرائر، والله هو الحكيم العليم. قَالَ تعالى: ﴿وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ﴾ [المؤمنون: ٧١]. الثانية بعد الثلاثين: قوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٨٢] ظاهره أنه فعله بوحي من الله تعالى بذلك إليه، ويشهد لهذا وجوه من القصة. منها: أنه لا يجوز لأحد أن يقتل نفسًا لما يتوقع وقوعه منها بعد حين مما يوجب عليها القتل لأن الحدود لا تجب إلا بعد وقوعها. ومنها: أنه لا يقطع عَلَى فعل أحد قبل بلوغه، ولا يعلمه إلا الله؛ لأنه غيب. ومنها: الإخبار عن أخذ الملك السفينة غصبًا، والإخبار عن بنيانه الجدار من أجل الكنز الذي تحته؛ ليكون سببًا إلى استخراج الغلامين لَهُ إِذَا احتاجا إليه؛ مراعاة لصلاح أبيهما، وهذا كله لا يدرك إلا بوحي. وفيه إذًا دلالة ظاهرة لمن قَالَ بنبوة الخضر. الثالثة بعد الثلاثين: فيه من الفقه استخدام الصاحب لصاحبه ومتعلمه إِذَا كان أصغر منه، وأن العالم قَدْ يكرم بأن تقضى لَهُ حاجة، أو يوهب لَهُ شيء، ويجوز لَهُ قبول ذَلِكَ، لأن الخضر حُمل بغير أجرٍ، وهذا إِذَا لم يتعرض لذلك، وأنه يجوز للعالم والصالح أن يعيب شيئًا لغيره إِذَا علم أن لصاحبه في ذَلِكَ مصلحة.

стр. 1705

٤٥ - باب مَنْ سَأَلَ وَهْوَ قَائِمٌ عَالِمًا جَالِسًا ١٢٣ - حَدَّثَنَا عُثْمَانُ، قَالَ: أَخْبَرَنَا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النُّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِلُ غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا -فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ ". [٢٨١٠، ٣١٢٦، ٧٤٥٨ - مسلم: ١٩٠٤ - فتح: ١/ ٢٢٢]. حَدَّثنَا عُثْمَانُ، ثنا جَرِيرٌ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا القِتَالُ فِي سَبِيلِ اللهِ؟ فَإِنَّ أَحَدَنَا يُقَاتِل غَضَبًا، وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً. فَرَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ قَالَ: وَمَا رَفَعَ إِلَيْهِ رَأْسَهُ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ قَائِمًا، فَقَالَ: "مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللهِ هِيَ العُلْيَا فهُوَ فِي سَبِيلِ اللهِ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى. وفي الجهاد عن سليمان بن حرب، عن شعبة (١). وفي الخمس عن بندار، عن غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة (٢). (وفي التوحيد عن محمد بن كثير، عن الثوري، عن الشعبي (٣)، وأخرجه مسلم في الجهاد عن أبي موسى وبندار، عن غندر، عن شعبة، عن عمرو بن مرة) (٤) وعن ابن

стр. 1706

نمير وغيره عن جرير، عن منصور ثلاثتهم عن أبي وائل به (١). ثانيها: في التعريف برواته وقد سلف التعريف بهم أجمع. ثالثها: فيه: جواز سؤال العالم وهو واقف كما ترجم لَهُ لعذر من ضيق مكان ونحوه، ولا يكون ذَلِكَ تركًا لتوقير العالم، ألا ترى أنه ﷺ لم ينكر ذَلِكَ عليه، ولا أمره بالجلوس؛ ولا من باب: "مَنْ أَحَبَّ أنْ يتمثلَ لَهُ الناسُ قيامًا، فليَتَبَوَأ مقعدَهُ مِنَ النارِ" (٢) فمثل هذِه الهيئة مع سلامة النفس مشروعة. وفيه أيضًا: ما أعطي ﷺ من الفصاحة وجوامع الكلم، فإنه أجاب السائل بجواب جامع لمعنى سؤاله لا بلفظه من أجل أن الغضب والحمية قَدْ تكونان لله تعالى، وقد تكونان لعرض الدنيا، فأجابه بالمعنى مختصرًا، إذ لو ذهب يقيم وجوه الغضب لطال ولربما ألبس عَلَى السائل، وجاء أيضًا في "الصحيح": الرجل يقاتل للمغنم، ويقاتل للذكر، ويقاتل ليُرى مكانه، فمن في سبيل الله؟ فأجاب بذلك (٣).

стр. 1707

وفيه: أن الإخلاص شرط في العبادة، فمن غلب باعثه الدنيوي، فقد خسر ومن غلب الديني ففائز عند الجمهور خلافًا للحارث المحاسبي، قَالَ محمد بن جرير الطبري: إِذَا ابتدأ العمل لله لا يضره ما عرض بعده من إعجاب بالاطلاع عليه (١).

стр. 1708

٤٦ - باب الْفُتْيَا عَلَى الدَّابَّةِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ ١٢٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الَجمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: "انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". [انظر: ٨٣ - مسلم: ١٣٠٦ - فتح: ١/ ٢٢٢] حدثنا أَبُو نُعَيْمٍ، ثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو قَالَ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ عِنْدَ الجَمْرَةِ وَهُوَ يُسْأَلُ، فَقَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، نَحَرْتُ قَبْلَ أَنْ أَرْمِيَ؟ قَالَ: "ارْمِ، وَلَا حَرَجَ". قَالَ آخَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ حَلَقْتُ قَبْلَ أَنْ أَنْحَرَ؟ قَالَ: "انْحَرْ، وَلَا حَرَجَ". فَمَا سُئِلَ عَنْ شَيءٍ قُدِّمَ وَلَا أُخِّرَ إِلَّا قَالَ: "افْعَلْ وَلَا حَرَجَ". هذا الحديث تقدم بيانه واضحًا بفوائده في باب: الفتيا وهو واقف عَلَى الدابة وغيرها (١) وأراد هنا أن يبين به أن العالم يجوز أن يُسأل وهو مشغول بالطاعة، ومعنى "لا حَرَجَ": لا إثْمَ عليك ولا فدية أيضًا عند الجمهور كما سلف. وعبد العزيز هو ابن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون التيمي مولاهم الفقيه. روى عن الزهري وغيره ولم يدرك نافعًا. وعنه ابنه الفقيه عبد الملك وغيره، وليس بالمكثر.

стр. 1709

أجازه المهدي بعشرة آلاف دينار، وكان إمامًا معظمًا. قَالَ أبو الوليد: كان يصلح للوزارة. مات سنة أربع وستين ومائة (١).

стр. 1710

٤٧ - باب قَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الإسراء: ٨٥] ١٢٥ - حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ سُلَيْمَانُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَينَا أَنَا أَمْشِي مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي خَرِبِ الَمدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَّأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفَرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيْءٍ تَكرَهُونَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَنَسْألَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ: إِنَّهُ يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَفَا اَنْجَلَى عَنْهُ فقَالَ: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا (٨٥)﴾. قَالَ الأعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا. [٤٧٢١، ٧٢٩٧، ٧٤٥٦، ٧٤٦٢ - مسلم: ٢٧٩٤ - فتح: ١/ ٢٢٣] حَدَّثَنَا قَيْسُ بْنُ حَفْصٍ، ثنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثنا الأَعْمَشُ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: بَيْنَا أَنَا أَمْشِي مَعِ النَّبِيِّ ﷺ في خَرِبِ المَدِينَةِ، وَهُوَ يَتَوَكَأُ عَلَى عَسِيبٍ مَعَهُ، فَمَرَّ بِنَفرٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: لَا تَسْأَلْوة، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيءٍ تَكْرَهُونَة. فَقَالَ بَعْضُهمْ: لَنَسْأَلَنَّهُ. فَقَامَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَقَالَ: يَا أَبَا القَاسِمِ، مَا الرُّوحُ؟ فَسَكَتَ. فَقُلْتُ: إِنَّة يُوحَى إِلَيْهِ. فَقُمْتُ، فَلَمَّا انْجَلَى عَنْة، قالَ: "وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتُوا مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا". قَالَ الأَعْمَشُ: هَكَذَا فِي قِرَاءَتِنَا.

стр. 1711

الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه في التوحيد عن موسى بن إسماعيل، عن عبد الواحد (١)، وفي التفسير عن عمر بن حفص، عن أبيه (٢)، وفي الاعتصام في باب: ما يكره من السؤال وتكلف ما لا يعنيه عن محمد بن عبيد بن ميمون، عن عيسى بن يونس (٣)، وفي التوحيد أيضًا عن يحيى، عن وكيع (٤). وأخرجه مسلم في الرقاق عن عمر بن حفص، عن أبيه، وعن أبي بكر والأشج، عن وكيع. وعن (إسحاق) (٥)، وابن خَشْرم، عن عيسى كلهم عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة به (٦)، وجاء فيه في الاعتصام: لا تسألوه لا يسمعكم ما تكرهون (٧). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف كلهم، خلا شيخ البخاري قيس بن حفص بن القعقاع الدارمي، وعنه أبو زرعة وغيره وهو شيخ لا بأس به، وانفرد به البخاري عن باقي الكتب الستة، وليس في مشايخه من اسمه قيس

стр. 1712

سواه. مات سنة سبع وعشرين ومائتين (١). ثالثها: في ألفاظه ومعانيه: الأولى: (خرب) بالخاء المعجمة المكسورة وفتح الراء وعكسه والباء في آخره. قَالَ القاضي عياض: كذا رواه البخاري هنا، ورواه في غير هذا الموضع (حرث) بالحاء المهملة والثاء المثلثة، وكذا رواه مسلم في جميع طرقه وصوبه بعضهم. الثانية: العسيب: جريد النخل، وهو عود قضبان النخل يكشطون خوصها ويتخذونها عصيًّا، والمعنى: معتمد عَلَى جريدة نخل. وكانوا يكتبون في طرفه العريض منه، ومنه قوله: فجعلت أتتبعه في العسب (٢)، يعني: القرآن. الثالثة: قوله: (لَا تَسْأَلُوهُ، لَا يَجِيءُ فِيهِ بِشَيءِ تَكْرَهُونَهُ)، يجوز فيه النصب عَلَى معنى: لا تسألوه إرادة أن لا يجيء فيه، و (لا) زائدة وهذا ماشٍ عَلَى مذهب الكوفيين، والجزم عَلَى الجواب تقديره: أن لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء، فالأول سبب للثاني، وجوز بعضهم الرفع عَلَى القطع. الرابعة: (الرُّوحُ)، يذكر ويؤنث واختلف هل الروح والنفس واحد أم لا؟ والروح جاء في القرآن عَلَى معانٍ. قَالَ تعالى: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ (١٩٣)﴾ [الشعراء: ١٩٣] وقال: ﴿تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا﴾ [القدر: ٤]

стр. 1713

وقال: ﴿رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقال: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ﴾ [النبأ: ٣٨]. قيل: وسؤالهم عن روح بني آدم؛ لأن في التوراة أنه لا يعلمه إلا الله، فقالوا: إن فسرها فليس بنبي؛ فلذلك لم يجبهم. وقال القاضي عياض وغيره: اختلف المفسرون في الروح المسئول عنها. فقيل: سألوه عن عيسى فقال لهم: الروح من أمر الله، أي: لا كما تقوله النصارى، وكان ابن عباس يكتم تفسيره (١). وعنه وعن علي: هو ملك من الملائكة يقوم صفًا وتقوم الملائكة صفًا قَالَ تعالى: ﴿يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا﴾ (٢) [النبأ: ٣٨] وقيل: جبريل (٣)، وقيل: القرآن (٤)؛ لقوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا﴾ [الشورى: ٥٢] وقال أبو صالح: هو خلق كخلق بني آدم ليسوا ببني آدم لهم أيد وأرجل (٥). وقيل: طائفة من الخلق لا ينزل ملك إلى الأرض إلا نزل معه أحدهم (٦). وقيل: ملك له أحد عشر ألف جناح، وألف وجه، يسبح الله إلى يوم القيامة (٧).

стр. 1714

وقيل: علم الله أن الأصلح لهم أن لا يخبرهم ما هو؛ لأن اليهود قالوا: إن فسر الروح فليس بنبي، وهذا معنى قوله: لا تسألوه لا يجيء فيه بشيء تكرهونه، فقد جاءهم ذَلِكَ؛ لأن عندهم في التوراة كما ذكر لهم أنه من أمر الله لن يطلع عليه أحد. وذكر ابن إسحاق أن نفرًا من اليهود قالوا: يا محمد، أخبرنا عن أربع نسألك عنهن، وذكر الحديث، وفيه: فقالوا: يا محمد، أخبرنا عن الروح قَالَ: "أنشدكم بالله هل تعلمون جبريل، وهو الذي يأتيني؟ " قالوا: اللَّهُمَّ نعم، ولكنه يا محمد لنا عدو، وهو ملك يأتي بالشدة وبسفك الدماء، ولولا ذَلِكَ لاتبعناك، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِجِبْرِيلَ﴾ [البقرة: ٩٧] (١) وهذا يدل عَلَى أن سؤالهم عن الروح الذي هو جبريل كما قَالَ بعضهم. قَالَ أكثر العلماء: وليس في الآية دليل عَلَى أن الروح لا تعلم، ولا أنه ﷺ لم يكن يعلمها. فرع: أما روح ابن آدم فالكلام عليه مما يدق كما قَالَ المازري (٢)، وقد أفرد بتواليف، وأشهرها ما قاله الأشعري: إنه النفس الداخل والخارج. وقال القاضي أبو بكر: هو متردد بين ما قاله الأشعري وبين الحياة. وقيل: جسم مشارك الأجسام الظاهرة والأعضاء الظاهرة. وقيل: جسم لطيف خلقه الباري تعالى، وأجرى العادة بأن الحياة لا تكون مع فقده،

стр. 1715

فإذا شاء الله موته أعدم هذا الجسم منه عند إعدام الحياة. وهذا الجسم وإن كان حيًّا فلا يحيا إلا بحياة تختص به، وهو مما يصح عليه البلوغ إلى جسم ما من الجسم، وبكونه في مكان في العالم، أو في حواصل طير خضر إلى غير ذَلِكَ مما وقع في الظواهر إلى غيره من جواهر القلب، والجسم الحياة (١). وقيل: إنه الدم، وذكر بعضهم فيه سبعين قولًا (٢).

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1717

الخامسة: قوله: "وما أُوتوا مِنَ العِلْمِ" كذا جاء في هذِه الرواية، (وبينه) (١) البخاري بقول الأعمش: هي كذا في قراءتنا، وكذا هو في أكثر نسخ البخاري ومسلم، وذكر مسلم الاختلاف في هذِه اللفظة عن الأعمش فرواه وكيع عَلَى القراءة المشهورة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ [الإسراء: ٨٥] ورواه عيسى بن يونس عنه (وما أُوتوا) (٢) واختلف المحدثون فيما وقع من ذَلِكَ، فذهب بعضهم إلى إصلاحه عَلَى الصواب؛ لأنه إنما قصد به الاستدلال عَلَى ما سيق (بسببه) (٣) ولا حجة إلا في الثابت في المصحف. وقال قوم: تترك عَلَى حالها وينبه عليها؛ لأن من البعيد خفاء ذَلِكَ عَلَى المؤلف، ومن نقل عنه وهلم جرا، فلعلها قرئت شاذة. ووهاه القاضي عياض، نعم لا يحتج به في حكم ولا يقرأ به في صلاة. قَالَ: واختلف أصحاب الأصول فيما نقل آحادًا ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره، هل هو حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي (٤) وأثبته

стр. 1718

أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين كما نقل (عن) (١) مصحف ابن مسعود من قراءة: (ثلاثة أيام متتابعات) (٢) وبقول الشافعي قَالَ الجمهور، واستدلوا لَهُ بأن الراوي لَهُ إن ذكره عَلَى أنه قرآن فخطأ، وإلا فهو متردد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا لَهُ، فلا يكون حجة بالاحتمال، ولا خبرًا؛ لأن الخبر ما صرح به الراوي فيه بالتحديث، فيحمل عَلَى أنه مذهب له. وقال أبو حنيفة: إِذَا لم يثبت كونه قرآنًا، فلا أقل من أن يكون خبرًا. وجوابُه: أن الراوي لم يأت بها عَلَى وجه الخبر (٣). السادسة: قَالَ المهلب: هذا يدل عَلَى أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًا ولا غيره، أراد تعالى أن يختبر بها خلقه فيوقفهم عَلَى العجز عن علم ما لا يدركون حتَّى يضطرهم إلى رد العلم إليه، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فعلم الروح مما لم يشأ الله تعالى إطلاع أحد من خلقه عليه.

стр. 1719

٤٨ - باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاختِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ ١٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأسوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابن الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ". فَفَعَلَة ابن الزُّبَيْرِ. [١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ١/ ٢٢٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابن الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْت: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ مِنْه". فَفَعَلَهُ عبدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الحج، والتمني عن مسدد، عن أبي الأحوص (عن أشعث (١)، و [مسلم] (٢) في المناسك: عن

стр. 1720

سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أشعث، وعن أبي بكر، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن أشعث، عن الأسود) (١) وأخرجه من حديث عروة (٢)، وحديث عبد الله بن الزبير وفيه: سمعت عائشة (٣). وأخرجه مسلم فيما انفرد به أن عبد الملك بن مروان (٤)، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابن الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ. يَقُولُ: سَمِعْتهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ البَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ. فَإِنَّ قَوْمَكِ اقَتصَّرُوا فِي البِنَاءِ". فَقَالَ الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هذا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَا سَمِعْتُها تُحَدِّثُ بهذا. قَالَ: لَوْ كنْتُ سَمِعْتُة قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ، لَتَرَكْتُة عَلَى مَا بَنَى ابن الزُّبَيْرِ (٥). وفي بعض طرق حديث الأسود: أن ابن الزبير قَالَ له: ما نسيت أذكرك. وهذِه الرواية تدل عَلَى أن ابن الزبير سمعه من عائشة بغير واسطة، وقد سلف، لكنه أراد أن يثبت ذَلِكَ رواية غيره عن عائشة ليرد به (على من) (٦) يتكلم عليه. وللبخاري في الحج من حديث الأسود: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ،
следующие страницы →