← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.

стр. 1716

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1717

الخامسة: قوله: "وما أُوتوا مِنَ العِلْمِ" كذا جاء في هذِه الرواية، (وبينه) (١) البخاري بقول الأعمش: هي كذا في قراءتنا، وكذا هو في أكثر نسخ البخاري ومسلم، وذكر مسلم الاختلاف في هذِه اللفظة عن الأعمش فرواه وكيع عَلَى القراءة المشهورة ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ﴾ [الإسراء: ٨٥] ورواه عيسى بن يونس عنه (وما أُوتوا) (٢) واختلف المحدثون فيما وقع من ذَلِكَ، فذهب بعضهم إلى إصلاحه عَلَى الصواب؛ لأنه إنما قصد به الاستدلال عَلَى ما سيق (بسببه) (٣) ولا حجة إلا في الثابت في المصحف. وقال قوم: تترك عَلَى حالها وينبه عليها؛ لأن من البعيد خفاء ذَلِكَ عَلَى المؤلف، ومن نقل عنه وهلم جرا، فلعلها قرئت شاذة. ووهاه القاضي عياض، نعم لا يحتج به في حكم ولا يقرأ به في صلاة. قَالَ: واختلف أصحاب الأصول فيما نقل آحادًا ومنه القراءة الشاذة كمصحف ابن مسعود وغيره، هل هو حجة أم لا؟ فنفاه الشافعي (٤) وأثبته

стр. 1718

أبو حنيفة وبنى عليه وجوب التتابع في كفارة اليمين كما نقل (عن) (١) مصحف ابن مسعود من قراءة: (ثلاثة أيام متتابعات) (٢) وبقول الشافعي قَالَ الجمهور، واستدلوا لَهُ بأن الراوي لَهُ إن ذكره عَلَى أنه قرآن فخطأ، وإلا فهو متردد بين أن يكون خبرًا أو مذهبًا لَهُ، فلا يكون حجة بالاحتمال، ولا خبرًا؛ لأن الخبر ما صرح به الراوي فيه بالتحديث، فيحمل عَلَى أنه مذهب له. وقال أبو حنيفة: إِذَا لم يثبت كونه قرآنًا، فلا أقل من أن يكون خبرًا. وجوابُه: أن الراوي لم يأت بها عَلَى وجه الخبر (٣). السادسة: قَالَ المهلب: هذا يدل عَلَى أن من العلم أشياء لم يطلع الله عليها نبيًا ولا غيره، أراد تعالى أن يختبر بها خلقه فيوقفهم عَلَى العجز عن علم ما لا يدركون حتَّى يضطرهم إلى رد العلم إليه، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥] فعلم الروح مما لم يشأ الله تعالى إطلاع أحد من خلقه عليه.

стр. 1719

٤٨ - باب مَنْ تَرَكَ بَعْضَ الاختِيَارِ مَخَافَةَ أَنْ يَقْصُرَ فَهْمُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْهُ، فَيَقَعُوا فِي أَشَدَّ مِنْهُ ١٢٦ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْن مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأسوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابن الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكعْبَةِ؟ قُلْتُ: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ". فَفَعَلَة ابن الزُّبَيْرِ. [١٥٨٣، ١٥٨٤، ١٥٨٥، ١٥٨٦، ٣٣٦٨، ٤٤٨٤، ٧٢٤٣ - مسلم: ١٣٣٣ - فتح: ١/ ٢٢٤] حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ إِسْرَائِيلَ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ لِي ابن الزُّبَيْرِ: كَانَتْ عَائِشَةُ تُسِرُّ إِلَيْكَ كَثِيرًا، فَمَا حَدَّثَتْكَ فِي الكَعْبَةِ؟ قُلْت: قَالَتْ لِي: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ، لَوْلَا قَوْمُكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ -قَالَ ابن الزُّبَيْرِ: بِكُفْرٍ- لَنَقَضْتُ الكَعْبَةَ، فَجَعَلْتُ لَهَا بَابَيْنِ: بَابٌ يَدْخُلُ النَّاسُ، وَبَابٌ يَخْرُجُونَ مِنْه". فَفَعَلَهُ عبدُ الله بْنُ الزُّبَيْرِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه هنا كما ترى، وفي الحج، والتمني عن مسدد، عن أبي الأحوص (عن أشعث (١)، و [مسلم] (٢) في المناسك: عن

стр. 1720

سعيد بن منصور، عن أبي الأحوص، عن أشعث، وعن أبي بكر، عن عبيد الله بن موسى، عن شيبان، عن أشعث، عن الأسود) (١) وأخرجه من حديث عروة (٢)، وحديث عبد الله بن الزبير وفيه: سمعت عائشة (٣). وأخرجه مسلم فيما انفرد به أن عبد الملك بن مروان (٤)، بَيْنَمَا هُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ إِذْ قَالَ: قَاتَلَ اللهُ ابن الزُّبَيْرِ حَيْثُ يَكْذِبُ عَلَى أُمِّ المُؤمِنِينَ. يَقُولُ: سَمِعْتهَا تَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَا عَائِشَةُ لَوْلَا حِدْثَانُ قَوْمِكِ بِالْكُفْرِ، لَنَقَضْتُ البَيْتَ حَتَّى أَزِيدَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ. فَإِنَّ قَوْمَكِ اقَتصَّرُوا فِي البِنَاءِ". فَقَالَ الحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ: لَا تَقُلْ هذا يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، أَنَا سَمِعْتُها تُحَدِّثُ بهذا. قَالَ: لَوْ كنْتُ سَمِعْتُة قَبْلَ أَنْ أَهْدِمَهُ، لَتَرَكْتُة عَلَى مَا بَنَى ابن الزُّبَيْرِ (٥). وفي بعض طرق حديث الأسود: أن ابن الزبير قَالَ له: ما نسيت أذكرك. وهذِه الرواية تدل عَلَى أن ابن الزبير سمعه من عائشة بغير واسطة، وقد سلف، لكنه أراد أن يثبت ذَلِكَ رواية غيره عن عائشة ليرد به (على من) (٦) يتكلم عليه. وللبخاري في الحج من حديث الأسود: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثٌ عَهْدُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ فَأَخَافُ أَنْ تُنْكِرَ قُلُوبُهُمْ، أَنْ أُدْخِلَ الجَدْرَ فِي البَيْتِ،

стр. 1721

وَأَنْ أُلْصِقَ بَابَهُ بالأَرْضِ" (١). وفي حديث عروة: "لَوْلَا أَنَّ قَوْمَكِ حَدِيثُ عَهْدٍ بِجَاهِلِيَّةٍ لأَمَرْتُ بِالْبَيْتِ فَهُدِمَ، فَأَدْخَلْتُ فِيهِ مَا أُخْرِجَ مِنْهُ وَأَلْزَقْتُهُ بِالأَرْضِ، وَجَعَلْتُ لَهُ بَابَيْنِ: بَابًا شَرْقِيًّا، وَبَابًا غَرْبِيًّا، فَبَلَغْتُ بِهِ أَسَاسَ إِبْرَاهِيم". فَذَلِكَ الذِي حَمَلَ ابن الزُّبَيْرِ ﵄ عَلَى هَدْمِهِ. قَالَ يَزِيدُ راوي الحديث: وَشَهِدْتُ ابن الزُّبَيْرِ حِينَ هَدَمَهُ وَبَنَاهُ وَأَدْخَلَ فِيهِ مِنَ الحِجْرِ، وَقَدْ رَأَيْتُ أَسَاسَ إِبْرَاهِيمَ حِجَارَةً كَأَسْنِمَةِ الإِبِلِ. وفيه أنه حزر مِنَ الحِجْرِ سِتَّةَ أَذْرُعٍ أَوْ نَحْوَهَا (٢). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف. أما الأسود (ع) فهو أبو عبد الرحمن الأسود بن يزيد بن قيس بن عبيد الله بن مالك بن علقمة بن سلامان بن ذهل بن بكر بن عوف النخعي التابعي الجليل الثقة الحبر، أخو عبد الرحمن بن يزيد، وابن أخي علقمة بن قيس، وهو أسن من علقمة، وهو أيضًا خال إبراهيم النخعي. روى عن عائشة وغيرها من الصحابة. وعنه أبو إسحاق وغيره، سافر ثمانين حجة وعمرة ولم يجمع بينهما، وكذا ولده عبد الرحمن، وقيل: إنه كان يصلي كل يوم سبعمائة ركعة، وكانوا يقولون: إنه أقل أهل بيته اجتهادًا، وصار عظمًا وجلدًا، وكانوا يسمون آل الأسود من أهل الجنة. مات سنة خمس وسبعين، وقيل: أربع (٣).

стр. 1722

فائدة: في الصحيحين الأسود جماعة غير هذا، منهم الأسود بن عامر شاذان (١). وأما إسرائيل فهو أبو يوسف إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي الهمداني الثقة -وخالف ابن المديني فضعفه- سمع جده وغيره، وعنه شبابة وغيره، قَالَ يحيى: هو أقرب حديثًا، وشريك أحفظ. ولد سنة مائة، ومات سنة ستين ومائة. وقيل: سنة إحدى. وقيل: سنة اثنتين وستين (٢).

стр. 1723

ثالثها: في فوائده: فيه: ترك شيء من الأمر بالمعروف، إِذَا خشي منه أن يكون سببًا لفتنة قوم ينكرونه ويسرعون إلى خلافه واستبشاعه، وترك المصلحة لمعارضة مفسدة أشد منها، فخشي ﷺ أن تنكر ذَلِكَ قلوبهم لقرب عهدهم بالكفر، ويظنون أنه فعل ذَلِكَ لينفرد بالفخر، وعظم هدمها لديهم. وقد روي أن قريشًا حين بنت البيت في الجاهلية تنازعت فيمن يجعل الحجر الأسود، فحكَّمُوا أول رجل يطلع عليهم، فطلعَ النبي ﷺ ، فرأى أن يحمل الحجر في ثوب، وأمر كل قبيلة أن تأخذ بطرف الثوب، فرضوا بذلك (١). ولم يروا أن ينفرد بذلك واحد منهم خشية أن ينفرد بالفخر. فلما ارتفعت الشبهة فعل فيه ابن الزبير ما فعل، فجاء الحجاج فردَّه كما كان، وتركه من بعده خشية أن يتلاعب الناس به، فيكثر هدمه وبنيانه، فتذهب هيبته من صدور الناس، كما قاله الإمام مالك لما سأله عن ذَلِكَ هارون الرشيد (٢). وفيه: أن النفوس تُساس بما تُساس إليه في الدين من غير الفرائض بأن يترك ويرفع عن الناس ما ينكرون منها كما قررناه.

стр. 1724

فائدة: بنيت الكعبة مرات، الملائكة، ثمَّ إبراهيم، ثمَّ قريش في الجاهلية، وحضر النبي ﷺ هذا البناء وهو ابن خمس وثلاثين -وقيل: خمس وعشرين- وفيه سقط عَلَى الأرض حين رفع إزاره، ثمَّ بناه ابن الزبير، ثمَّ بناه الحجاج بن يوسف واستمر، وقيل: مرتين أخريين أو ثلاثًا. فائدة أخرى: استدل أبو محمد الأصيلي فيما حكاه ابن بطال من هذا الحديث في مسألة من النكاح، ذلك أن جارية يتيمة غنية كان لها ابن عم وكان فيه ميل إلى الصبا، فخطب ابنة عمه وخطبها رجل غني، فمال إليه الوصي، وكانت اليتيمة تحب ابن عمها ويحبها، فأبى وصيها أن يزوجها منه، ورفع ذَلِكَ إلى القاضي، وشاور فقهاء وقته، فكلهم أفتى أن لا تزوج من ابن عمها، وأفتى الأصيلي أن تزوج منه خشية أن يقعا في المكروه، استدلالًا بهذا الحديث، فزوجت منه (١).

стр. 1725

٤٩ - باب مَنْ خَصَّ بِالْعِلْمِ قَوْمًا دُونَ قَوْمٍ كَرَاهِيَةَ أَنْ لَا يَفْهَمُوا وَقَالَ عَلِيٌّ: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ ١٢٧ - حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللهِ بْنُ مُوسَى، عَنْ مَعْرُوفٍ بْنِ خَرَّبُوذٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ بِذَلِكَ. [فتح: ١/ ١٢٧]. ١٢٨ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ وَمُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرّحْلِ، قَالَ: "يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أفَلَا أخْبِرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. [١٢٩ - مسلم: ٣٢ - فتح: ١/ ٢٢٦] ١٢٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لُمِعَاذٍ: "مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ". قَالَ: ألَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا، إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا". [انظر: ١٢٨ - مسلم ٣: ٢ - فتح: ١/ ٢٢٧] حَدَّثنَا عُبَيْدُ اللهِ عَنْ مَعْرُوفٍ، عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ، عَنْ عَلِيٍّ ﵁ قال: حَدِّثُوا النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُونَ، أَتُحِبُّونَ أَنْ يُكَذَّبَ اللهُ وَرَسُولُهُ؟ حَدَّثنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، (ثَنَا) (١) مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ، حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ ثنا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ ومُعَاذٌ رَدِيفُهُ عَلَى الرَّحْلِ، قَالَ:

стр. 1726

"يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. قَالَ: "يَا مُعَاذُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ وَسَعْدَيْكَ. ثَلَاثًا، قَالَ: "مَا مِنْ أَحَدٍ يَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ صِدْقًا مِنْ قَلْبِهِ، إِلَّا حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النَّارِ". قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَفَلَا أخْبرُ بِهِ النَّاسَ فَيَسْتَبْشِرُوا؟ قَالَ: "إِذًا يَتَّكِلُوا". وَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمًا. حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، ثنا مُعْتَمِرٌ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا قَالَ: ذُكِرَ لِي أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِمُعَاذٍ: "مَنْ لَقِيَ اللهَ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا دَخَلَ الجَنَّةَ". قَالَ: أَلَا أُبَشِّرُ النَّاسَ؟ قَالَ: "لَا، أَخَافُ أَنْ يَتَّكِلُوا". الكلام عَلَى هذِه الأحاديث: أما حديث علي فالكلام عَلَى إسناده ثمَّ متنه. أما إسناده: فعلي ﵁ سلف. وأبو الطفيل هو عامر بن واثلة، وقيل: عمرو بن عبد الله بن عمرو بن جحش بن جري بن سعد بن بكر بن عبد مناة بن كنانة الكناني الليثي. ولد عام أحد، كان يسكن الكوفة، ثمَّ سكن مكة إلى أن مات. وعن سعيد الجريري، عن أبي الطفيل قَالَ: لا يحدثك أحد اليوم في وجه الأرض أنه رأى النبي ﷺ غيري. وكان من أصحاب على المحبين له، وشهد معه مشاهده كلها، وكان ثقة مأمونًا، يعترف بفضل الشيخين، فاضلًا بليغًا عاقلًا شاعرًا محسنًا. قَالَ ابن عبد البر في "كناه": وكان فيه تشيع. قَالَ: وكان من (كبار) (١) التابعين. روي لَهُ عن النبي ﷺ تسعة أحاديث، وهو آخر من مات من الصحابة عَلَى الإطلاق كذا قاله غير واحد.

стр. 1727

لكن ذكر ابن دريد في كتاب "الاشتقاق الكبير": عكراش بن ذؤيب (ت. ق)، وقَالَ: لقي النبي ﷺ ، وله حديث، وشهد الجمل مع عائشة. فقال الأحنف: كأنكم به، وقد أتي به قتيلًا أو به جراحة لا تفارقه حتَّى يموت، فضرب يومئذ عَلَى جهة أنفه، فعاش بعدها مائة سنة (١). وأثر الضربة به (٢). فعلى هذا تكون وفاته بعد سنة خمس وثلاثين ومائة. وأبو الطفيل أكثرهم لا يُثْبِت لَهُ صحبة، إنما يذكرون لَهُ رؤية، والبخاري أخرج لَهُ هنا هذا الأثر خاصة عن علي، وأخرج لَهُ مسلم في الحج (٣)، وصفة النبي ﷺ (٤)، وعن معاذ وغيره من الصحابة، وروى لَهُ أيضًا الأربعة، مات سنة عشر ومائة عَلَى الصحيح بمكة (٥). وأما معروف (خ م دق) فهو ابن خربوذ المكي مولى قريش روى عن أبي الطفيل وغيره. وعنه عبيد الله بن موسى وغيره، وروى لَهُ مسلم وأبو

стр. 1728

داود وابن ماجه، وضعفه ابن معين، وقواه غيره، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه (١). وأما عبيد الله هو ابن موسى وقد سلف. وأما متنه: فمعناه أنه ينبغي أن يحدث كل أحد عَلَى قدر فهمه، ولا يحدثه بما يُشتبه عليه، فيذهب في معناه إلى غير ما أريد به، وقد ذكر مسلم في مقدمة "صحيحه" بإسناده الصحيح إلى ابن مسعود ﵁ قَالَ: "مَا أَنْتَ بِمُحَدِّثٍ قَوْمًا حَدِيثًا لَا تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلَّا كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَة" (٢). وأما حديث أنس، عن معاذ فالكلام عليه أيضًا من وجهين: أحدهما: في التعريف برواته غير من سلف التعريف به. أما معاذ (ع) بن جبل هو الخزرجي النجيب، جمع القرآن في حياته ﷺ ، كان يشبه بإبراهيم، كان أمة قانتًا لله حنيفًا. مات بالأردن سنة ثماني عشرة (٣). وأما معاذ (ع) بن هشام فهو الدستوائي البصري سكن ناحية من

стр. 1729

اليمن، ومات بالبصرة سنة مائتين. روى عن أبيه وابن عون، وعنه أحمد وغيره، قَالَ ابن معين: صدوق، وليس بحجة، وعنه أيضًا، وقد سئل: أهو أثبت في شعبة أو غندر؟ فقال: ثقة، ثقة. وقال ابن عدي: ربما يغلط في الشيء وأرجو أنه صدوق (١)، وأما والده فسلف في باب: زيادة الإيمان ونقصانه. وأما إسحاق بن إبراهيم (خ، م، د، ت، س) فهو الإمام أبو يعقوب إسحاق بن إبراهيم ابن راهويه بن مخلد بن إبراهيم بن عبد الله بن مطر المروزي، أمير المؤمنين، الإمام المجمع عَلَى جلالته وعلمه وفضله وحفظه. روى عنه مَنْ عدا ابن ماجه، وبَقِيَّةُ شيخُه، وخَلْق من آخرهم السراج. وروى عن جرير، ومعتمر، ومعاذ، وطبقتهم. وُلدَ أبوه بطريق مكة فقالت المراوزة: راهوي؛ لأنه ولد في الطريق، والطريق بالفارسية: راه، وكان يكره هذا النعت (٢). أملى مسنده من حفظه، وأملى مرة أحد عشر ألف حديث من حفظه، ثمَّ قرئت عليه فما زاد حرفًا ولا نقص حرفًا، وعنه قَالَ:

стр. 1730

أعرف مكان مائة ألف حديث كأني أنظر إليها. وأحفظ سبعين ألف حديث عَلَى ظهر قلبي، وأحفظ أربعة آلاف حديث مزورة؛ لأفليها من الأحاديث الصحيحة. وثناء الحفاظ عليه مشهور. وقال أبو داود: تغير قبل موته بخمسة أشهر، وأنكر عليه غيره زيادته في حديث ابن عيينة، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، عن ميمونة دون أصحاب الزهري: "وإن كان ذائبًا (لما) (١) تقربوه" (٢) ويجوز أن يكون الخطأ من بعد إسحاق، وكذا حديث أنس روى فيه جمع التقديم بين الظهر والعصر، والذي في الصحيحين جمع التأخير. ولد سنة إحدى وستين ومائة وقيل: سنة ست ومات في شعبان سنة ثماني وثلاثين ومائتين بنيسابور عن سبع وسبعين سنة. فائدة: أخرج البخاري هنا لإسحاق بن راهويه. قَالَ أبو علي الجياني: وفي موضعين في الصلاة، وفي الأنبياء وشهود الملائكة، وفي باب قول الله تعالى: ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ﴾ [التوبة: ٢٥]. وفي كتاب النبي ﷺ إلى قيصر وكسرى، وتفسير براءة والممتحنة، والذبائح، والاستئذان: حَدَّثَنَا إسحاق، ثنا يعقوب. نسبه ابن السكن في بعض هذِه المواضع إسحاق بن إبراهيم بن راهويه، وجاء منسوبًا عند الأصيلي، وابن السكن في الفتيا وهو واقف عَلَى الدابة: حدثنا إسحاق بن منصور، أنا يعقوب بن إبراهيم، ثنا أبي، عن صالح. وفي: حج الصبيان، نسبه الأصيلي أيضًا: إسحاق بن منصور.

стр. 1731

قَالَ الكلاباذي: إسحاق بن إبراهيم، وإسحاق بن منصور يرويان عن يعقوب بن إبراهيم بن سعد الزهري (١). ثانيهما: في ألفاظه ومعانيه: الأولى: قوله: (يَا مُعَاذُ بْنَ جَبَلٍ) أما (ابن) فمنصوب قطعًا (٢) ويجوز في معاذ النصب والرفع، واختار ابن الحاجب النصب عَلَى أنه (تابع لـ (ابن) فيصيران) (٣) كاسم واحد مركب كأنه أضيف إلى جبل، والمنادى المضاف منصوب قطعًا، واعترضه ابن مالك فقال: الاختيار الضم؛ لأنه منادى علم ولا حاجة إلى إضمار. الثانية: (لبيك): مشتق من لب يقال: لب بالمكان لبًا وألب إلبابًا إِذَا أقام به، وبني؛ لأن معناه إجابة بعد إجابة كما قالوا: حنانيك. أي: رحمة بعد رحمة. قَالَ الأزهري: ومعنى لبيك: أنا مقيم عَلَى طاعتك، إقامة بعد إقامة، أصلها لبين فحذفت النون للإضافة. قَالَ الفراء: نصبت عَلَى المصدر (٤)، أي: كقولك: حمدًا وشكرًا. الثالثة: الرديف: الركوب خلف الدابة. قَالَ ابن سيده: ردف الرجل وأردفه وارتدفه: جعله خلفه عَلَى الدابة، ورديفك: الذي يرادفك، والجمع: رُدَفاء ورُدَافي، والرديف: الراكب خلفك، والرداف: موضع مركب الرديف (٥).

стр. 1732

وفي "الصحاح": كل شيء تبع شيئًا فهو ردفه (١). وفي "مجمع الغرائب": ردفته ركبت خلفه. وأردفته: أركبته خلفي. وفي "جامع القزاز": أنكر بعضهم الرديف، وقال: إنما هو الردف، وحكي: ردفت الرجل وأردفته إِذَا ركبت وراءه، وإذا جئت بعده. وأرادف الملوك في الجاهلية: هم الذين كانوا يخلفون الملك كالوزراء. وعند ابن حبيب: يركب مع الملك عديله أو خلفه، وإذا قام الملك جلس مكانه، وإذا سقي الملك سقي بعده. وقد جمع ابن منده أرداف النبي ﷺ فبلغوا نيفًا وثلاثين رديفًا. الرابعة: إن قُلْت: أخبر الشارع ﷺ أنه إِذَا قَالَ ذَلِكَ حرم عَلَى النار، ومظالم العباد لا تسقط إجماعًا، وأيضًا من خلط، ففعل المحرم وضيع ما وجب، تحت المشيئة، فكيف يجمع بين ذلك؟ قُلْتُ: بوجوه: أحدها: أن الأول قبل نزول الفرائض والأمر والنهي. قاله سعيد بن المسيب وجماعة. ثانيها: أن ذَلِكَ لمن قالها وأدى حقها وفرائضها، قاله الحسن. ثالثها: أن ذَلِكَ لمن قالها عند الندم والتوبة ومات عليها وهو قول البخاري، كما سيأتي في كتاب اللباس إن شاء الله تعالى. رابعها: أن المراد حرم عليه الخلود؛ لقوله: "أَخْرِجُوا مِن النار مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّة خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ" (٢) وهذا فيه قوة.

стр. 1733

الخامسة: قوله: "إِذًا يَتَكِلُوا" فيه تخصيص قوم بالعلم إِذَا أمن منهم الاتكال والترخص دون من لم يأمن منهم، وهو معنى قول البخاري: كراهية أن لا يفهموا أي: فيعملوا بالإطلاق ويتركوا التقييد. السادسة: قوله: (فَأَخْبَرَ بِهَا مُعَاذٌ عِنْدَ مَوْتِهِ تَأَثُّمَا) هو بفتح التاء المثناة فوق، ثمَّ همزة مفتوحة أيضًا، ثمَّ مثلثة أي: فعل فعلًا خرج به عن الإثم، وقد سلف الكلام عَلَى هذِه (المادة) (١) فيما مضى عند قوله: (والتحنث: التعبد) وتأثمه: أنه كان يحفظ علمًا، فخاف فواته بموته، فخشي أن يكون ممن كتمه. وأما حديث أنس فسلف التعريف برواته غير معتمر ووالده. أما مُعتمر (ع) فهو ابن سليمان بن طرخان التيمي البصري لم يكن من بني تيم، بل كان نازلًا فيهم، وهو مولى بني مرة، روى عن أبيه، ومنصور وغيرهما. وعنه ابن مهدي وغيره، وكان ثقة صدوقًا رأسًا في العلم والعبادة كأبيه. ولد سنة ست ومائة، ومات سنة سبع وثمانين ومائة ويقال: كان أكبر من سفيان بن عيينة بسنة (٢). وأما والده فهو أبو المعتمر سليمان (ع) التيمي، نزل فيهم بالبصرة، لما أخرج لأجل الكلام في القدر، وكان من السادة، ومناقبه جمة، سمع

стр. 1734

أنسًا وغيره. وعنه الأنصاري وغيره. مات سنة ثلاث وأربعين ومائة، مكث أربعين سنة يصوم يومًا ويفطر يومًا، ويصلي الصبح بوضوء عشاء الآخرة، وكان مائلًا إلى علي، وما روى عن الحسن، وابن سيرين فهو صالح إِذَا قَالَ: (سمعت أو قُلْتُ) (١) (٢). وأما فقهه فسلف في الحديث قبله.

стр. 1735

٥٠ - باب الحَيَاءِ فِي العِلْمِ وَقَالَ مُجَاهِدٌ: لَا يَتَعَلَّمُ العِلْمَ مُسْتَحْي وَلَا مُسْتَكْبِرٌ. وَقَالَتْ عَائِشَةُ: نِعْمَ النِّسَاءُ نِسَاءُ الأَنْصَارِ، لَمْ يَمْنَعْهُنَّ الحَيَاءُ أَنْ يَتَفَقَّهْنَ فِي الدِّينِ (١). ١٣٠ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زَيْنَبَ ابنةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الَحقِّ، فَهَلْ عَلَى الَمرْأَةِ مِنْ غُسْلٍ إِذَا احْتَلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ المَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ الَمرْأَةُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا". [٢٨٢، ٣٣٢٨، ٦٠٩١، ٦١٢١ - مسلم ٣١٣ - فتح: ١/ ٢٢٨] ١٣١ - حَدَّثَنَا اِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي مَالِك، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا، وَهِيَ مَثَلُ المُسْلِمِ، حَدِّثُونِي مَا هِيَ؟ ". فَوَقَعَ النَّاسُ فِي شَجَرِ البَادِيَةِ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّهَا النَّخْلَةُ. قَالَ عَبْدُ اللهِ: فَاسْتَحْيَيْتُ. فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَخْبِرْنَا بِهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "هِيَ النَّخْلَةُ". قَالَ عَبْدُ اللهِ فَحَدَّثْتُ أَبِي بِمَا وَقَعَ فِي نَفْسِي، فَقَالَ: لأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي كَذَا وَكَذَا. [انظر: ٦١ - مسلم: ٢٨١١ - فتح: ١/ ٢٢٩] حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَام، أنا أَبُو مُعَاوِيَةَ، ثنا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ زينَبَ ابنةِ أُمِّ سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: جَاءَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ، فَهَل

стр. 1736

عَلَى المَرْأَةِ مِنْ غُسْل إِذَا احْتلَمَتْ؟ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِذَا رَأَتِ المَاءَ". فَغَطَّتْ أُمُّ سَلَمَةَ -تَعْنِي وَجْهَهَا- وَقَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، وَتَحْتَلِمُ المَرْأَةُ؟ قَالَ: "نَعَمْ، تَرِبَتْ يَمِينُكِ، فَبِمَ يُشْبِهُهَا وَلَدُهَا". حَدَّثنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ دِينَارِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ مِنَ الشَّجَرِ شَجَرَةً .. ". وذكر الحديث كما سلف. أراد البخاري ﵀ بهذا الباب بيان أن الحياء المانع من تحصيل العلم مذموم، ولذلك بدأ بقول مجاهد وعائشة، والحياء الواقع عَلَى وجه التوقير والإجلال مطلوب حسن كما فعلت أم سلمة حين غطت وجهها، وقد أسلفنا في باب أمور الإيمان حقيقة الحياء، وأن المذموم منه ليس بحياء حقيقة، وإنما هو عجز وخور. وحديث أم سلمة سلف التعريف برواته خلا زينب بنت أم سلمة. وأبوها أبو سلمة عبد الله بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم كان اسمها برة فسماها رسول الله ﷺ زينب، ولدتها أمها بأرض الحبشة وقدمت بها، وهي أخت عمر وسلمة ودرة. روى لها البخاري حديثًا، ومسلم آخر، وقتل لها يوم الحرة ابنان فاسترجعت، ماتت سنة ثلاث وسبعين (١).

стр. 1737

ثمَّ الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي الطهارة (١)، والأدب (٢)، وخلق آدم (٣)، كما (ستعلمه) (٤) إن شاء الله، وأخرجه مسلم (٥) والأربعة في الطهارة (٦). ثانيها: معنى قولها: (إِنَّ اللهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الحَقِّ) أي: لا يأمر بالحياء فيه، ولا يمنع من ذكره فتعتذر به، فعبر بالحياء عن الأمر به، من باب إطلاق اسم التعلق عَلَى المتعلق؛ لأن الله لا يوصف بالاستحياء عَلَى حد ما يوصف به المخلوق؛ لأنه منهم تغير وانكسار بتغير الأحوال، تعالى الله عن ذَلِكَ (٧).

стр. 1738

ثالثها: قدمت أم سليم هذا القول بسطًا لعذرها في ذكر ما تستحيي النساء من ذكره. رابعها: معنى: "تَرِبَتْ" افتقرت. يقال: ترب الرجل إِذَا افتقر، وأترب إِذَا استغنى، هذا هو المشهور، وهذِه الكلمة وشبهها تجري عَلَى ألسنة العرب من غير قصد الدعاء، وعليه يحمل كل ما جاء من الأحاديث من هذا وشبهه. ومنه قوله في حديث خزيمة: "أَنْعِمْ صباحًا تربت يداك" (١) فأراد الدعاء لَهُ ولم يرد الدعاء عليه. والعرب تقول: لا أم لك، ولا أب لك، يريدون: لله درك، فتستعمل هذِه الألفاظ عند الإنكار عَلَى الشيء أو التأنيب أو الإعجاب أو الاستعظام، دون إرادة معناها الأصلي. خامسها: أخرج مسلم -منفردًا به- من حديث أنس أن أم سليم سألت ذَلِكَ بحضرة عائشة، وأن عائشة أنكرت ذَلِكَ عليها (٢)، فيحتمل كما قَالَ القاضي أن عائشة وأم سلمة كانتا أنكرتا عليها، فأجاب ﷺ كل واحدة بما أجاب، وإن كان أهل الحديث يقولون: إن الصحيح هنا أم سلمة لا عائشة (٣).

стр. 1739

سادسها: إنما قالت أم سلمة ما قالت؛ لأنهن يستحيين منه؛ لأن خروجه منهن يدل عَلَى قوة شهوتهن، أو لأنه يقل فيهن، ولهذا جاء في "صحيح مسلم": فضحت النساء (١)، أي: كشفت من أسرارهن ما يكنه من الحاجة إلى الرجال، ورؤية الاحتلام. سابعها: الشِّبه، والشَّبه واحد يريد: شبه الابن لأحد أبويه كما جاء مبينًا في "الصحيح": "إِذَا علا ماؤها ماءه؛ آنَّث -أي: أشبه أخواله- وإذا عكس أذكر"، أي: أشبه أعمامه (٢). ثامنها: استدل به بعضهم عَلَى رد من يقول: إن ماء الرجل يخالط دم المرأة، وإن ماءه كالأنفحة ودمها كاللبن الحليب. تاسعها: أن المرأة تحتلم ويعرف منيها بالتدفق والتلذذ والرائحة -كمني الرجل- وأنكر جماعة تدفقه، والمسألة مبسوطة في الفروع، وأوضحتها في شروحي. عاشرها: أن الحياء لا يمنع من طلب الحق.

стр. 1740

فائدة: جاء عن جماعة من الصحابيات أنهن سألن كسؤال أم سليم، منهن خولة (١) بنت حكيم، أخرجه ابن ماجه (٢) وفي إسناده علي بن زيد بن جُدعان (٣)، وبسرة ذكره ابن أبي شيبة (٤)، وسهلة بنت سهيل رواه الطبراني في "الأوسط" وفي إسناده ابن لهيعة (٥). وأما حديث ابن عمر فسلف الكلام عليه في باب: قول المحدّث: ثنا وأنبا (٦). وفيه: حرص الرجل عَلَى ظهور ابنه في العلم عَلَى من هو أكبر سنًّا منه، فإن في آخره (قَالَ عبد الله: فحدثت أبي بما وقع في نفسي، فقال: لأن تكون قلتها أحب إلي من أن يكون لي كذا وكذا).

стр. 1741

وإنما تمنى ذَلِكَ رجاء أن يسر النبي ﷺ بإجابته، فيدعو له، وقد كان عمر بن الخطاب يسأل ابن عباس وهو صغير مع شيوخ الصحابة. وذكر ابن سلام أن الحطيئة أتى مجلس عمر، فرأى ابن عباس قَدْ نزع الناس بلسانه فقال: من هذا الذي نزل عن القوم في سنه ومدته وتقدمهم في قوله وحكمته. وإن كبير القوم لا علم عنده صغير … إذا التفت عليه المحافل وفيه: أن الابن العالم الموفق أفضل مكاسب الدنيا؛ لقوله: (لأن تكون قلتها أحب إلي من كذا وكذا).

стр. 1742

٥١ - باب مَنِ اسْتَحْيَا فَأَمَرَ غَيْرَهُ بِالسُّؤَالِ ١٣٢ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن دَاوُدَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدٍ بنِ الَحنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ الِمقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَألَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الوُضوءُ". [١٧٨، ٢٦٩ - مسلم: ٣٠٣ - فتح: ١/ ٢٣٠] حدثنا مُسَدَّدٌ، ثنا عَبْدُ اللهِ بْنُ دَاوُدَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُنْذِرٍ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الحَنَفِيَّةِ، عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً، فَأَمَرْتُ المِقْدَادَ أَنْ يَسْأَلَ النَّبِيَّ ﷺ ، فَسَأَلَهُ، فَقَالَ: "فِيهِ الوُضُوءُ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الطهارة كما سيأتي (١)، ورواه مسلم في الطهارة عن أبي بكر، عن وكيع وغيره. وعن يحيى بن حبيب، عن خالد بن الحارث، عن شعبة، عن الأعمش به (٢). ثانيها: في التعريف برواته غير من سلف. أما منذر (ع) فهو أبو يعلى منذر بن يعلى الثوري الكوفي الثقة، عن ابن الحنفية وغيره. وعنه فطر وغيره. قَالَ منذر: لزمت محمد بن الحنفية حتَّى قَالَ بعض ولده: لقد غلبنا هذا النبطي عَلَى أبينا (٣). وأما عبد الله (خ، ٤) بن داود فهو أبو عبد الرحمن عبد الله بن

стр. 1743

داود بن عامر بن الربيع الخريبي البصري الهمداني الشعبي، أصله كوفي نزل البصرة بالخريبة وهي محلة منها. روى عن هشام وغيره. وعنه بندار وغيره. ثقة حجة ناسك. قَالَ: ما كذبت كذبة قط إلا مرة في صغري قَالَ لي أبي: ذهبت إلى الكتاب؟ قُلْتُ: نعم، ولم أكن ذهبت. قَالَ أبو حاتم: وكان يميل إلى الرأي، مات سنة ثلاث عشرة ومائتين (١). فائدة: ليس في البخاري والأربعة عبد الله بن داود غير هذا، نعم، في الترمذي آخر واسطي مختلف في ثقته (٢). ومحمد ابن الحنفية: أبوه علي، والحنفية أمه، يروي عن أبيه، وعثمان، وغيرهما. وعنه بنوه وعمرو بن دينار وغيره. مات سنة ثمانين عَلَى المشهور، ابن سبع وستين سنة (٣).

стр. 1744

ثالثها: في ألفاظه: قوله: (كُنْتُ رَجُلًا مَذَّاءً) هو: بتشديد الذال المعجمة والمد، فعَّال من المذي أي: كثير المذي، وهو بإسكان الذال عَلَى الأفصح، وفيه لغة ثانية: كسر الذال مع تشديد الياء، وثالثة: كسرها مع تخفيف الياء، ويقال: أمذى ومذَّى ومذَى بتشديد الذال وتخفيفها، وهذِه الثلاث في المني والودي. والمذي: ماء أبيض رقيق يخرج بلا شهوة عند الشهوة، وهو في النساء أغلب منه في الرجال، وفي المثل: كل ذكر يمذي، وكل أنثى تقذي. أي: تلقي بياضًا. رابعها: في فوائده: الأولى: إيجاب الوضوء منه وهو إجماع (١)، وللبخاري في الطهارة: "توضأ واغسل ذكرك" (٢). ولمسلم: "توضأ وانضِح فرجك" (٣). والمراد: غسل ما أصابه منه، واختلف عن مالك في غسل الذكر كله وهل يحتاج إلى نية أم لا؟ (٤)

стр. 1745

الثانية: جواز الاستنابة في الاستفتاء. الثالثة: جواز الاعتماد عَلَى الخبر المظنون مع القدرة عَلَى المقطوع لأن عليًّا بعث من يسأل مع القدرة على المشافهة، وإن كان جاء في النسائي أنه كان حاضرًا وقت السؤال إذ فيه: فقلت لرجل جالس إلى جنبي: سله. فقال: "فيه الوضوء" (١). الرابعة: عموم قضايا الأحوال، وفيه خلاف في الأصول. الخامسة: استحباب حسن العشرة مع الأصهار، وأن الزوج ينبغي ألا يذكر ما يتعلق بالجماع والاستمتاع بحضرة أبي المرأة، وأخيها وغيرهما من أقاربها؛ لأن المذي غالبًا إنما يكون عند الملاعبة. السادسة: خصَّ أصحاب مالك إيجاب الوضوء بما إِذَا حصل المذي عن ملاعبة؛ لأن في "الموطأ" أنه سأل عن الرجل إِذَا دنى من أهله وأمذى، ماذا يجب عليه؟ (٢) والجواب خرج عَلَى مثله في المعتاد بخلاف المستنكح، والذي به علة فإنه لا وضوء عليه. ويدل عليه استحياء علي إذ لو كان (عن) (٣) مرض أو سلس لم يستحي منه (٤). وعمم الشافعي وأبو حنيفة فأوجبا منه الوضوء عملًا بإطلاق سؤال المقداد (٥).

стр. 1746

وفي "سنن أبي داود" عنه قَالَ: كنت رجلًا مذاءً فجعلت أغتسل حتَّى تشقق ظهري (١). وهذا دال عَلَى كثرة وقوعه منه ومعاودته. السابعة: جاء أيضًا أنه أمر عمارًا أن يسأل (٢)، وجاء أيضًا أنه سأل بنفسه (٣)، فيحمل عَلَى أنه أرسلهما ثمَّ سأل بنفسه. الثامنة: جاء في أبي داود الأمر بغسل الأنثيين أيضًا (٤)، وعللت بالإرسال وغيره. وقال بعضهم بوجوب ذَلِكَ والجمهور عَلَى خلافه (٥). وأولت هذِه الرواية عَلَى الاستظهار، وفي بعض أحوال انتشاره، ويقال: إن الماء البارد إِذَا أصاب الأنثيين رد المذي وكسره (٦).

стр. 1747

٥٢ - باب ذِكْرِ الْعِلْمِ وَالْفُتْيَا فِى الْمَسْجِدِ ١٣٣ - حَدَّثَنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا نَافِعٌ - مَوْلَى عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الَخطَّابِ- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الَمسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّاْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . [١٥٢٢، ١٥٢٥، ١٥٢٧، ١٥٢٨، ٧٣٤٤ - مسلم: ١١٨٢ - فتح: ١/ ٢٣٠] حدّثنِي قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ثنا اللَّيْثُ، عن نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ رَجُلًا قَامَ فِي المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يُهِلُّ أَهْلُ المَدِينَةِ مِنْ ذِي الحُلَيْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ الشَّاْمِ مِنَ الجُحْفَةِ، وَيُهِلُّ أَهْلُ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ". وَقَالَ ابن عُمَرَ: وَيَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "وَيُهِلُّ أَهْلُ اليَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمَ". وَكَانَ ابن عُمَرَ يَقُولُ: لَمْ أَفْقَهْ هذِه مِنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ . الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه في الحج أيضًا وقال: لم أسمع هذِه من رسول الله ﷺ (١). بدل: (أفقه)، وأخرجها مع مسلم أبو داود، والنسائي من حديث ابن عباس مرفوعًا (٢) كما سيأتي هناك، وفي مسلم من حديث

стр. 1748

جابر غير مجزوم برفعه: "ومهل أهل العراق ذات عرق" (١). وفي أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس أنه ﷺ وقت لأهل المشرف العقيق (٢). وسيأتي في البخاري أن تحديد ذات عرق من اجتهاد عمر (٣). ثانيها: سيأتي الكلام عَلَى هذِه المواضع في الحج فإنه أليق به. و (قرن): بسكون الراء، وغلط الجوهري في فتحها وفي نسبة أويس القرني إليها، وإنما هو منسوب إلى قبيلة (٤). وأصل القرن: الجبل الصغير المستطيل المنقطع عن الجبل الكبير. ثالثها: هذِه المواقيت الأربعة المذكورة في حديث ابن عباس، وابن عمر ثابتة بالنص والإجماع (٥)، واختلف في ذات عرق لأهل العراق، والجمهور عَلَى أنه من اجتهاد عمر (٦)، ولأصحابنا اضطراب في تصحيحه (٧) كما أوضحته في كتب الفروع، وسنقف عليه إن شاء الله في موضعه.

стр. 1749

٥٣ - باب مَنْ أَجَابَ السَّائِلَ بِأَكْثَرَ مِمَّا سَأَلَهُ ١٣٤ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابن أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلهُ: مَا يَلْبَسُ الُمحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ". [٣٦٦، ١٥٤٢، ١٨٣٨، ١٨٤٢، ٥٧٩٤، ٥٨٠٣، ٥٨٠٥، ٥٨٠٦، ٥٨٤٧، ٥٨٥٢ - مسلم: ١١٧٧ - فتح: ١/ ٢٣١] حَدّثَنَا آدَمُ، ثنا ابن أَبِي ذِئْبِ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . وَعَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمٍ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، أَنَّ رَجُلًا سَأَلَهُ: مَا يَلْبَسُ المُحْرِمُ؟ فَقَالَ: "لَا يَلْبَسِ القَمِيصَ، وَلَا العِمَامَةَ، وَلَا السَّرَاوِيلَ، وَلَا البُرْنُسَ، وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الوَرْسُ أَوِ الزَّعْفَرَانُ، فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسِ الخُفَّيْنِ، وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا تَحْتَ الكَعْبَيْنِ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري في اللباس عن عليّ (عن) (١) سفيان، وفي الصلاة عن عاصم بن عليّ، عن ابن أبي ذئب، وفي الحج عن أحمد بن يونس، عن إبراهيم، وأخرجه من طريق عبد الله بن دينار، عن ابن عمر أيضًا (٢).

стр. 1750

ثانيها: الزائد عَلَى السؤال في الحديث قوله: (فَإِنْ لَمْ يَجِدِ النَّعْلَيْنِ) إلى آخره، وله تعلق به؛ فلذا ذكره عقبه. ثالثها: جوابه ﷺ مما لا يلبس، وإن كان السؤال عما يلبس من بديع الكلام وجزله، فإن المسئول عنه غير منحصر، إذ الأصل الإباحة، وأجابه بالمنحصر الذي كان من حق السؤال أن يقع به. وأيضًا لو أجاب بما يلبس لتوهم المفهوم، وهو أن غير المحرم لا يلبسه، فانتقل إلى ما لا يلبس لإزالة ذَلِكَ، عَلَى أن سفيان رواه مرة عن الزهري، عن سالم، عن أبيه قَالَ: سأل رجل رسول الله ﷺ ما يترك المحرم من الثياب؟ فقال .. الحديث، رواه أحمد في "مسنده" وأبو داود والدارقطني في "سننهما" فجاء عَلَى الأصل (١). رابعها: الإجماع قائم عَلَى أن ما ذكر لا يلبسه المحرم (٢)، وعداه القياسيون إلى ما رأوه في معناه، وأنه ﷺ نبه بكل واحد من المذكورات عَلَى ما في معناه. فنبه بالقميص والسراويل عَلَى كل مخيط أو مُحيط معمول عَلَى قدر البدن أو عضو منه كالجوشن والتبان وغيرهما. ونبه بالعمائم والبرانس عَلَى كل ساتر للرأس مخيطا كان أو غيره،

стр. 1751

وبالخفاف عَلَى كل ساتر للرجل، ونبه بالزعفران والورس عَلَى كل طيب، والورس: نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف. خامسها: جاء قطع الخفين لفاقد النعلين، وفي حديث ابن عباس (١) وجابر (٢) لم يذكر القطع، وبه أخذ الإمام أحمد (٣)، وخالف الثلاثة (والجمهور) (٤) وحملوا المطلق عَلَى المقيد (٥)، ومن الغريب إعلال

стр. 1752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1753

ابن الجوزي حديث ابن عمر هذا بالوقف (١)، وصاحب "المنتقى" وغيره بالنسخ (٢)، وهو ضعيف جدًا، وسيأتي بسط الكلام عَلَى هذا الحديث في بابه إن شاء الله وقدره (٣).

стр. 1754

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - كتاب الوضوء هو من الوضاءة بالمد، وهي النظافة والنضارة، وفيه ثلاث لغات: أشهرها: أنه بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به، ونقلها ابن الأنباري عن الأكثرين. ثانيها: أنه بفتح الواو فيهما، وهو قول جماعات، منهم الخليل، قَالَ: والضم لا يعرف (١). ثالثها: أنه بالضم فيهما، وهي غريبة ضعيفة حكاها صاحب "المطالع"، وهذِه اللغات الثلاث مثلها في الطهور.

стр. 1755

١ - باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ .] (١) [فتح:١/ ٢٣٢] هكذا هو ثابت في النسخ الصحيحة وفي بعضها باب: ما جاء في الوضوء، وقول الله تعالى إلى آخره، وعليها مشى ابن بطال في "شرحه" (٢)، والدمياطي (في أصله) (٣). ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: مُحْدِثين كذا قدره الجمهور (٤). وذهب جماعة من السلف إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكل صلاة فرض عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذَلِكَ كان ثمَّ نسخ يوم
следующие страницы →