← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.

стр. 1751

وبالخفاف عَلَى كل ساتر للرجل، ونبه بالزعفران والورس عَلَى كل طيب، والورس: نبت أصفر تصبغ به الثياب معروف. خامسها: جاء قطع الخفين لفاقد النعلين، وفي حديث ابن عباس (١) وجابر (٢) لم يذكر القطع، وبه أخذ الإمام أحمد (٣)، وخالف الثلاثة (والجمهور) (٤) وحملوا المطلق عَلَى المقيد (٥)، ومن الغريب إعلال

стр. 1752

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1753

ابن الجوزي حديث ابن عمر هذا بالوقف (١)، وصاحب "المنتقى" وغيره بالنسخ (٢)، وهو ضعيف جدًا، وسيأتي بسط الكلام عَلَى هذا الحديث في بابه إن شاء الله وقدره (٣).

стр. 1754

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ٤ - كتاب الوضوء هو من الوضاءة بالمد، وهي النظافة والنضارة، وفيه ثلاث لغات: أشهرها: أنه بضم الواو اسم للفعل، وبفتحها اسم للماء الذي يتوضأ به، ونقلها ابن الأنباري عن الأكثرين. ثانيها: أنه بفتح الواو فيهما، وهو قول جماعات، منهم الخليل، قَالَ: والضم لا يعرف (١). ثالثها: أنه بالضم فيهما، وهي غريبة ضعيفة حكاها صاحب "المطالع"، وهذِه اللغات الثلاث مثلها في الطهور.

стр. 1755

١ - باب: ما جاء في قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾ [المائدة: ٦] [قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً، وَتَوَضَّأَ أَيْضًا مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ثَلَاثٍ، وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ .] (١) [فتح:١/ ٢٣٢] هكذا هو ثابت في النسخ الصحيحة وفي بعضها باب: ما جاء في الوضوء، وقول الله تعالى إلى آخره، وعليها مشى ابن بطال في "شرحه" (٢)، والدمياطي (في أصله) (٣). ومعنى قوله تعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ﴾ أي: مُحْدِثين كذا قدره الجمهور (٤). وذهب جماعة من السلف إلى عدم التقدير، وأنه يجب الوضوء لكل صلاة فرض عملًا بظاهر الآية، وذهب قوم إلى أن ذَلِكَ كان ثمَّ نسخ يوم

стр. 1756

الفتح (١)، وضعفه في "شرح مسلم" (٢)، وقيل: لا نسخ، بل الأمر به لكل صلاة عَلَى الندب؛ لأنه إِذَا نسخ الوجوب بقي التخيير. ثمَّ أجمع أهل الفتوى بعد ذَلِكَ على أنه لا يجب إلا عَلَى المحدث، وأن تجديده لكل صلاة مندوب، ولم يبق بينهم اختلاف (٣)، واختلف أصحابنا في الموجب للوضوء عَلَى ثلاثة أوجه: أحدها: أنه يجب بالحدث وجوبًا موسعًا. وثانيها: لا يجب إلا عند القيام إلى الصلاة. وأصحها: وجوبه بالأمرين، كذا صححه المتولي وغيره (٤)، واختلف العلماء هل الوضوء من خصائص هذِه الأمة أم لا؟ عَلَى قولين، وستأتي حجة كل منهم قريبًا في باب فضل الوضوء إن شاء الله تعالى. والواو في الآية ليست للترتيب عَلَى الصواب، وإنما أُخِذَ من أدلة أخرى -ستمر بك إن شاء الله- وهو قول الشافعي وأحمد خلافًا لمالك والكوفيين (٥).

стр. 1757

وقد وردت في الكتاب العزيز للترتيب وغيره، فمن الأول قوله تعالى: ﴿ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ [الحج: ٧٧]، وقوله: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ [البقرة: ١٥٨]. ومن الثاني قوله تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ [البقرة: ١٩٦]، وقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ [البقرة: ٤٣]، وقوله: ﴿فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ﴾ [النساء: ٩٢]. و (الوجه): ما يقع به المواجهة، وقد حددناه في كتب الفروع، وكذا اليد والمرفق، وسيأتي الكلام عَلَى مسح الرأس وغسل الرجلين إلى الكعبين -حيث ذكره البخاري- إن شاء الله تعالى. قَالَ البخاري ﵀: (وَبَيَّنَ النَّبِيُّ ﷺ أَنَّ فَرْضَ الوُضُوءِ (مَرَّةً مَرةً) (١). وجه ذَلِكَ أنه صح أنه ﷺ توضأ مرة مرة كما رواه قريبًا من حديث ابن عباس (٢)، وصلى به؛ فعلم أنه الفرض، إذ لا ينقص ﷺ منه، وهو المبين عن الله تعالى لأمته دينهم، وهو أيضًا إجماع كما نقله ابن جرير وغيره (٣). وشذ بعضهم فأوجب الثلاث، حكاه الشيخ أبو حامد وغيره، وحكاه صاحب "الإبانة" عن ابن أبي ليلى، وهو باطل يرده إجماع من قبله، والنصوص الصريحة الصحيحة أيضًا (٤).

стр. 1758

وقال مهنا: سألت أبا عبد الله -يعني: أحمد بن حنبل- عن الوضوء مرة مرة، فقال: الأحاديث فيه ضعيفة، ثمَّ ذكر حديث جابر في وضوئه مرة ومرتين وثلاث مرات، أخرجه ابن ماجه (١) وفيما قاله نظر، فقد صح من حديث ابن عباس كما أسلفناه، قَالَ مالك: ولا أحب الواحدة إلا من العالم (٢). قال البخاري: (وتوضأ -أيضًا-مرتين مرتين)، وهو كما قَالَ، وسيأتي من حديث عبد الله بن زيد في باب معقود لَهُ (٣). قَالَ: (وثلاثًا ثلاثًا)، هو كما قَالَ وقد عقد لَهُ بابا أيضًا كما سيأتي (٤)، لكن لم يذكر فيه المسح ثلاثًا، وقد أخرجه أبو داود (٥) من حديث عثمان بن عفان ﵁. قَالَ البيهقي في "خلافياته": إسناده قَدْ احتجا (٦) بجميع رواته غير (عامر بن شقيق بن سلمة) (٧)، قَالَ الحاكم (٨): لا أعلم في عامر طعنا بوجه من الوجوه (٩).

стр. 1759

ووضوؤه ﷺ مرتين وثلاثا هو من باب الرفق بأمته والتوسعة عليهم؛ ليكون لمن قصر في المرة الواحدة من عموم غسل أعضاء الوضوء أن يستدرك ذَلِكَ في المرة الثانية والثالثة. ومن أكمل أعضاءه أولا، فالثانية سنة والثالثة فضيلة، وكأن تنويع وضوئه ﷺ من باب التخيير، كما ورد التخيير في كفارة الأيمان. قَالَ البخاري ﵀: (وَلَمْ يَزِدْ عَلَى الثَلَاث) هو كما قَالَ، بل روى ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده قَالَ: جاء أعرابي إلى النبي ﷺ يسأله عن الوضوء، فأراه ثلاثًا ثلاثا. ثمَّ قَالَ: "هذا الوضوء، فمن زاد عَلَى هذا فقد أساء وتعدى وظلم" (١). ثمَّ قَالَ: لم يوصل هذا الخبر غير الأشجعي ويعلى (٢). وزعم أبو داود في كتاب "التفرد" أنه من مفردات أهل الطائف، ورواه ابن ماجه في "سننه" كذلك (٣)، ورواه أحمد في "مسنده" (٤)، والنسائي في "سننه" بلفظ: "فقد أساء وتعدى وظلم" (٥) ورواه أبو داود في "سننه" بلفظ: "أو نقص فقد أساء وظلم" أو "ظلم وأساء" (٦). قَالَ البخاري ﵀: (وَكَرِهَ أَهْلُ العِلْمِ الإِسْرَافَ فِيهِ، وَأَنْ يُجَاوِزُوا فِعْلَ النَّبِيِّ ﷺ ). هذا من البخاري إشارة إلى نقل الإجماع

стр. 1760

عَلَى منع الزيادة عَلَى الثلاث، وقد قَالَ الشافعي في "الأم": لا أحب الزيادة عليها، فإن زاد لم أكرهه، إن شاء الله (١). وحاصل ما ذكره أصحابنا في المسألة ثلاثة أوجه: أصحها: أن الزيادة عليها مكروهة (كراهة) (٢) تنزيه وهو معنى قول الشافعي: لم أكرهه، أي: لم أحرمه. وثانيها: أنها حرام. وثالثها: أنه خلاف الأولى (٣). وأبعد قوم فقالوا: إنه إِذَا زاد عَلَى الثلاث يبطل وضوؤه، كما لو زاد في الصلاة، حكاه الدارمي (٤) في "استذكاره" عنهم، وهو خطأ ظاهر، وخلاف ما عليه العلماء. وفي "سنن ابن ماجه" بإسناد ضعيف من حديث ابن عمر: رأى النبي ﷺ رجلًا يتوضأ فقال: "لا تسرف، لا تسرف" (٥)

стр. 1761

ثمَّ ساق من حديث ابن عمرو أنه ﷺ مر بسعد وهو يتوضأ فقال: "ما هذا السرف؟ " فقال: أفي الوضوء إسراف؟ قَالَ: "نعم وإن كنت عَلَى نهر جار" (١).

стр. 1762

٢ - باب لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ بِغَيْرِطُهُورٍ ١٣٥ - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن إِبْرَاهِيمَ الَحنْظَلِيُّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُول اللهِ ﷺ : "لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ". قَالَ رَجلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الَحدَثُ يَا أَبَا هرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. [٦٩٥٤ - مسلم: ٢٢٥ - فتح: ١/ ٣٤] هذِه الترجمة هي لفظ حديث صحيح من طريق ابن عمر بزيادة: "ولا صدقة من غلول" أخرجه مسلم في "صحيحه" (١) وإنما عدل عنه إلى ما ذكره من حديث أبي هريرة، مع أن حديث ابن عمر هذا مطابق لما ترجم لَهُ لأجل سماك بن حرب المذكور في إسناده، فإنه ليس من شرطه، وإن أخرج لَهُ تعليقًا. قَالَ البخاري: حدثني إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ الحَنْظَلِيُّ قَالَ: أَنا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسولُ اللهِ ﷺ : "لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ". قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْتَ: مَا الحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ؟ قَالَ: فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا إلى قوله: "يتوضأ" (٢). ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم أجمع مفرقًا، وجميع رجاله خرج لهم في

стр. 1763

الصحيحين وباقي الكتب الستة إلا إسحاق بن راهويه، فإن ابن ماجه لم يخرج له، وجميعه يمانيون خلا ابن راهويه، وهذا السائل لا يحضرني اسمه فليبحث عنه. ثالثها: حضرموت: من بلاد اليمن كما قاله صاحب "المطالع"، وهذيل تَضُمُّ مِيْمَهُ، وقَالَ الجوهري: حضرموت: اسم بلد وقبيلة أيضًا، وهما اسمان جعلا واحدًا، إن شئت بنيت الاسم الأول عَلَى الفتح وأعربت الثاني بإعراب ما لا ينصرف. قُلْتُ: هذا حضرموت، وإن شئت أضفت الأول إلى الثاني فقلت: هذا حضرموت، أعربت حضرا وخفضت موتا، وكذلك القول في سام أبرص، ورامهرمز، والنسبة إليه حضرمي، والتصغير حضيرموت، (تصغر) (١) الصدر منهما، وكذلك الجمع يقال: فلان من الحضارمة (٢). رابعها: في أحكامه وفوائده: الأولى: القبول: يراد به شرعًا: حصول الثواب، وقد تتخلف (٣) الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق، ومن أتى عرافًا، وشارب الخمر إِذَا لم يسكر مادام في جسده شيء منها، وكذا الصلاة في الدار المغصوبة عَلَى الصحيح عند الشافعية (٤).

стр. 1764

فأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله ﷺ : "لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار" (١) والمراد بالحائض: من بلغت سن (الحيض) (٢)، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة، والقبول مفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء عَلَى الشيء. فقوله ﷺ : "لَا يقْبَلُ الله صَلَاة مَنْ أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ" عام في عدم القبول من جميع المُحْدِثين في جميع أنواع الصلاة. والمراد بالقبول: وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرًا وباطنًا، وكذا العكس. ونقل عن بعض المتاخرين أن الصحة (٣) عبارة عن ترتب الثواب والدرجات عَلَى العبادة، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر، فهما متغايران، أحدهما أخص من الآخر، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم. فالقبول عَلَى هذا التفسير أخص من الصحة، فكل مقبول صحيح ولا عكس، وهذا إن نفع في نفي القبول مع بقاء الصحة فيما سلف ضرَّ في نفي القبول مع نفي الصحة، كما هو محكي عن الأقدمين.

стр. 1765

إلا أن يقال: دل الدليل عَلَى كون القبول من لوازم الصحة، فإذا انتفي انتفت، فيصح الاستدلال بنفي القبول على نفي الصحة، ويحتاج في نفيه مع بقائها في تلك الأحاديث إلى تأويل أو (تخريج) (١) جواب. ويرد عَلَى من فسر القبول بكون العبادة مثابًا عليها أو مرضية، مع أن قواعد الشرع تقتضي أن العبادة إِذَا أتي بها مطابقة للأمر كانت سببًا للثواب في ظواهر لا تحصى (٢). الثانية: الحدث: عبارة عما نقض (٣) الوضوء، ومحل الخوض في تفاصيله كتب الفروع، وقد أوضحناها فيها -ولله الحمد- وسيأتي بعضها حيث ذكره البخاري، وقد فسره أبو هريرة -راوي الحديث- بنوع من الحدث حين لسُئِلَ عنه فقال: فساء أو ضراط، كما سلف، وكانه أجاب السائل عما يجهله منها، أو عما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر، أو عما يقع في الصلاة، فإن غيرَهُ كالبول مثلًا لا يُعهد فيها، وهو نحو قوله ﷺ فيما سيأتي في حديث آخر: "لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٤). ونبه به عَلَى التسوية بين الحدث الواقع في الصلاة وغيرها، لئلا يتمثل الفرق بين أن يحصل الشك فيه في الصلاة، فيتمادى أو خارجها فيتوضأ كما فرق به بعضهم. ثمَّ الحدث بموضوعه يطلق عَلَى الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس والأصغر كنواقض الوضوء، وقد يسمى نفس الخارج حدثًا، وقد

стр. 1766

يسمى: المنع المرتب عليه حدثًا، وبه يصح قولهم: رفعت الحدث، ونويت رفعه، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعًا، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر. وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو المنع، وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما، أو بوقت ما، وليس ذَلِكَ ببدع، فإن الأحكام قَدْ تختلف باختلاف محلها، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبًا لكل صلاة، فقد ثبت أنه كان مختصًّا بوقت مع كونه رافعًا للحدث اتفاقًا، ولا يلزم من انتهائه في ذَلِكَ (الوقت) (١) بانتهاء وقت الصلاة أن (لا) (٢) يكون رافعًا للحدث، ثمَّ زال ذَلِكَ الوجوب كما سلف. وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء عَلَى معنى الوصف الحسي، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول: إن الأمر المقدر الحكمي باق لم يزل، والمنع الذي هو ترتب التيمم عليه زائل. الثالثة: قوله ﷺ : "حَتَّى يَتَوَضَّأَ" نفي القبول إلى غاية وهي الوضوء، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقًا، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا، وتحقيقه أن صلاة اسم جنس وقد أضيف فيعم. الرابعة: هذا الحديث محمول عَلَى تارك الوضوء بلا عذر، أما من تركه بعذر، وأتى ببدله، فالصلاة مقبولة قطعًا؛ لأنه قد أتى بما أمر به،

стр. 1767

عَلَى أن التيمم من أسمائه الوضوء، قَالَ ﷺ : "لصعيد الطيب وضوء المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين" (١) وهو حديث صحيح الخامسة: هذا الحديث نص في وجوب الطهارة وشرطيتها للصلاة وهو إجماع (٢). واختلفوا متى فرضت للصلاة؟ فذهب ابن الجهم إلى أن الوضوء كان في أول الإسلام (سنة) (٣) ثمَّ نزل فرضه في آية التيمم (٤). وقال الجمهور: بل كان قبل ذَلِكَ فرضًا، ثمَّ اختلفوا في أنه هل يجب على كل قائم إلى الصلاة، أو عَلَى المحدث خاصة؟ والذي أجمع عليه أهل الفتوى الثاني كما سلف. وأما الوضوء لغير الفرائض فذهب بعضهم إلى أنه بحسب [ما يفعل] (٥) لَهُ من نافلة أو فريضة، وهو عجيب، لا جرم رده بعض المالكية إلى أنه هل ينوي بالوضوء الفرض أو النفل؟ وذهب بعضهم إلى أنه فرض عَلَى كل حال، حكاه القاضي عياض (٦) وهو المتعين، وغيره مطرح.

стр. 1768

السادسة: استدل المتقدمون بهذا الحديث على أن الصلاة لا تجوز إلا بطهارة، ولا يلزم من انتفاء القبول انتفاء الصحة، وقد تكون الصلاة مقبولة، ولا تيمم في حق فاقد الطهورين، فإنها صحيحة مقبولة، ولا تجب إعادتها عَلَى أحد الأقوال للشافعي. وهو المختار عند جماعة من محققي أصحابه، وقول جماعة من العلماء، فيكون الحديث خرج عَلَى الأصل والغالب، والإعادة لا تجب إلا بأمر جديد. وهذا كله عَلَى مذهب من يقول: إن الطهارة شرط للصحة، أما من يقول: إنها شرط للوجوب كمالك وابن نافع، فإنهما قالا: فاقد الطهورين لا يصلي، ولا يقضي إن خرج الوقت (١)؛ لأن عدم قبولها لعدم شرطها يدل عَلَى أنه ليس مخاطبًا بها حال عدم شرطها، فلا يترتب في الذمة شيء، فلا يقضي. لكن قوله ﷺ : "إِذَا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم" (٢) يمنع هذا، فإنه أمر بالصلاة بشروط تعذرت فيأتى بها، ولا يلزم من انتفاء الشرط انتفاء المشروط بالنسبة إلى أصل الوجوب. وهذِه المسألة فيها أربعة (٣) أقوال للشافعي: أحدها: ما قدمناه.

стр. 1769

وثانيها: تحرم الصلاة وتجب الإعادة. وثالثها: تستحب الصلاة وتجب الإعادة. وأصحها: تجب الصلاة وتجب الإعادة (١)، وهي عند المالكية أيضًا لكن عندهم قول: إنه لا يصلي ولا يقضي كما سلف، فهذا خامس إذًا (٢). السابعة: قَدْ استدل بهذا الحديث على بطلان الصلاة بالحدث سواء أكان خروج اختياريًّا أم اضطراريًّا، لعدم تفريقه ﷺ بين حدث وحدث في حالة دون حالة. وقد حكي عن مالك والشافعي -في قوله القديم- وغيرهما أنه إِذَا سبقه الحدث يتوضأ، ويبني عَلَى صلاته، وإطلاق الحديث يرده (٣).

стр. 1770

الثامنة: قام الإجماع عَلَى تحريم الصلاة بغير طهارة من ماء أو تراب لغير فاقد الطهورين، ولا فرق في ذَلِكَ بين الصلاة المفروضة والنافلة، وسجود التلاوة والشكر. وحكي عن الشعبي (١)، ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء (٢)، وهو باطل؛ لعموم هذا الحديث والإجماع، ومن الغريب أن قولهما قَالَ به بعض الشافعية كما أفدته في "شرح المنهاج". فرع: لو صلى محدثًا متعمدًا بلا عذر أثِمَ ولا يكفر عندنا وعند الجمهور، وحكي عن أبي حنيفة أنه يَكْفُر لتلاعبه (٣). التاسعة: قَدْ يستدل بالحديث عَلَى رفع الشك واستصحاب يقين الصلاة؛ لقوله ﷺ : "لا (يقبل الله) (٤) صلاة من أحدث" ولا يقال: أحدث إلا مع اليقين.

стр. 1771

٣ - باب فَضْلِ الوُضُوءِ، وَالْغُرِّ المُحجليَن (١) مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ ١٣٦ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ، عَنْ نُعَيْمٍ الُمجْمِرِ قَالَ: رَقِيتُ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ظَهْرِ الَمسْجِدِ، فَتَوَضَّأَ فَقَالَ: إِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ أُمَّتي يُدْعَوْنَ يَوْمَ القِيَامَةِ غُرًّا مُحَجَّلِينَ مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ، فَمَنِ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ أَنْ يُطِيلَ غُرَّتَهُ فَلْيَفْعَلْ". [مسلم: ٢٤٦ - فتح: ١/ ٢٣٥] الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم (٢) أيضًا في الطهارة، وله: "يأتون" بدل: "يدعون". ثانيها: في التعريف برواته: وقد سلف التعريف بهم خلا ثلاثة: أولهم: أبو عبد الله نعيم بن عبد الله، وقيل: محمد المدني العدوي مولى آل عمر المجمر بتخفيف الميم، ويقال: بتشديدها، كان يبخر المسجد، وقيل: إن أباه كان يأخذ المجمر قدام عمر بن الخطاب إِذَا خرج إلى الصلاة في رمضان، وبه جزم ابن حبان في "ثقاته" (٣).

стр. 1772

وجزم النووي في "شرح مسلم" بأن المجمر صفة لعبد الله، وتطلق عَلَى ابنه نعيم مجازًا، قَالَ ذَلِكَ مع جزمه أولًا بأن نعيمًا هو الذي كان يبخر المسجد (١)، فتأمله. روى عن أبي هريرة، وجابر وغيرهما، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة. وثقه أبو حاتم وجماعة، وجالس أبا هريرة عشرين سنة (٢) فائدة: في الصحابة نعيم بن عبد الله النحام، وهو من الأفراد (٣)، وفيهم نعيم جماعة بدون ابن عبد الله (٤).

стр. 1773

فائدة: مِجْمَر تشتبه بمخمر -بكسر الميم وسكون الخاء المعجمة وفتح الميم الثانية- (وهم جماعة سردهم ابن ماكولا منهم ذو مخمر ابن أخي النجاشي، له صحبة، ويقال: مخبر بالباء الموحدة بدل الميم (١). ثانيهم: سعيد بن أبي هلال) (٢) الليثي، مولاهم أبو العلاء المدني، روى عن نافع ونعيم وجماعة، وعنه الليث بن سعد وغيره، مات سنة خمس وثلاثين ومائة (٣). ثالثهم: خالد (ع) وهو ابن يزيد، أبو عبد الرحيم المصري، الفقيه، روى عن عطاء والزهري، وعنه الليث وغيره، ثقة مات سنة تسع وثلاثين ومائة (٤). ثالثها: هذا الإسناد جميع رجاله من فرسان الصحيحين، وباقي الكتب الستة إلا يحيى بن بكير، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط، وفيه لطيفة أيضًا وهو أن النصف الأول من إسناده مصريون والنصف الثاني مدنيون.

стр. 1774

رابعها: هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة، ذكرهم ابن منده في "مستخرجه": ابن مسعود، وجابر بن عبد الله، وأبو سعيد الخدري، وأبو أمامة الباهلي، وأبو ذر الغفاري، وعبد الله بن بسر المازني، وحذيفة بن اليمان ﵁. خامسها: في ألفاظه ومعانيه وفوائده: أحدها: قوله (رقيت): هو بكسر القاف، أي: صعدت، هذِه اللغة الصحيحة المشهورة، وحكى صاحب "المطالع" فتح القاف من غير همز ومعه، فحصل ثلاث لغات. وقال كراع: الهمز أجود، وخالفه صاحب "الجامع" فقال: عدمه أصح، وقال الزمخشري: لا أعلم صحة الفتح، وهذا كله من الرقي، أما من الرقية فرقيت بالفتح كما اختاره ثعلب في "فصيحه" (١). ثانيها: (الأمة): تطلق بإزاء أمور ليس هذا موضع الخوض فيها قَدْ ذكرتها في "شرح العمدة" (٢)، والمراد هنا أتباعه ﷺ جعلنا الله منهم. ثالثها: (يوم): من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة، فهو من باب: ويل وويح. و (القيامة): فعالة من قام يقوم أصله القوامة، فقلبت الواو فيه ياء؛ لانكسار ما قبلها. رابعها: قوله: ("غرًّا محجلين") هما منصوبان عَلَى الحال من الضمير في "يدعون" وهو الواو، والأصل: يدعوون، بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها، قلبت ألفا اجتمع ساكنان: الألف والواو

стр. 1775

بعدها، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون، والمعنى -والله أعلم-: يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك. قَالَ الشيخ تقي الدين القشيري في "شرح العمدة": ويحتمل أيضًا أن يكون مفعولًا لـ "يدعون" بمعنى: التسمية، أي: يسمون غرًّا، قَالَ: والحال أقرب، وتعدى يدعون في المعنى بالحرف، كما قَالَ تعالى: ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللهِ﴾ [آل عمران: ٢٣] ويجوز ألا يعدى يدعون باالحرف، وتكون (غرًّا) حالًا أيضًا (١). خامسها: الغرة: بياض في جبهة الفرس، والتحجيل: بياض في يديها ورجليها، فسمي النور الذي يكون في مواضع الوضوء يوم القيامة غرًّا وتحجيلا تشبيها بذلك. قَالَ ابن سيده: الغرة: بياض في الجبهة، فرس أغر وغراء، وقيل: الأغر من الخيل: الذي غرته أكبر من الدرهم، قَدْ وسطت جبهته، ولم تصب واحدة من العينين ولم تَمِل عَلَى واحد من الخدين، ولم تَسِل سُفْلا، وهي أفشى من القرحة. وقال بعضهم: بل يقال للأغر: أغرُّ أقرح، لأنك إِذَا قُلْتَ: أغر فلابد أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعِظم والدقة، وكلهن غُرَرُ، فالغرة جامعة لهن. وغرة الفرس: البياض يكون في وجهه، فإن كانت (مدورة) (٢) فهو (وتيرة) (٣)، وإن كانت طويلة فهي شادخة، وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض.

стр. 1776

والأغر: الأبيض من كل شيء، وقد غرّ وجه يغر بالفتح (غررًا) (١) وغرة، وغرارة: صار ذا غرة (٢). قَالَ: والتحجيل: بياض يكون في قوائم الفرس كلها، وقيل: هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رِجْل ويدَيْن، ولا يكون التحجيل في اليدين خاصة إلا مع الرجلين، ولا في يد واحدة دون الأخرى إلا مع الرجلين، والتحجيل: بياض قل أو كثر حتَّى يبلغ نصف الوظِيفِ، (ولون) (٣) سائره ما كان (٤). وفي "الصحاح": يجاوز الأرساغ ولا يجاوز الركبتين ولا العرقوبين (٥) وفي "المغيث" لأبي موسى المديني: فإذا كان البياض في طرف اليد فهو العصمة، يقال: فرس أعصم. (٦) سادسها: المراد بالغرة: غسل شيء من مقدم الرأس وما يجاوز الوجه زائدًا عَلَى الجزء الذي يجب غسله؛ لاستيعاب كمال الوجه، وفي التحجيل غسل ما فوق المرفقين والكعبين. وادعى ابن بطال ثمَّ القاضي عياض ثمَّ ابن التين اتفاق العلماء عَلَى أنه لا تستحب الزيادة فوق المرفق والكعب (٧).

стр. 1777

وهي دعوى باطلة، فقد ثبت عن رسول الله ﷺ فعل ذلك وأبي هريرة، وعمل العلماء وفتواهم عليه، فهم (محجوجون) (١) بالإجماع. واحتجاجهم بالحديث السالف: "من زاد عَلَى هذا أو نقص فقد أساء وظلم" لا يصح، لأن المراد به الزيادة في عدد المرات، أو النقص عن الواجب، أو الثواب المرتب عَلَى نقص العدد لا الزيادة عَلَى تطويل الغرة والتحجيل. وأما حد الزائد فغايته استيعاب العضد والساق، وقال جماعة من أصحابنا: يستحب إلى نصفها، وقال البغوي: نصف العضد فما فوق، ونصف الساق فما فوقه. (٢) وحاصلها ثلاثة أوجه كما جمعها النووي في "شرح مسلم" فقال: اختلف أصحابنا في العدد المستحب عَلَى ثلاثة أوجه: أحدها: أنه تستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت. وثانيها: إلى نصف العضد والساق. وثالثها: إلى المنكب والركبتين، قَالَ: والأحاديث تقتضي ذَلِكَ كله (٣). وقال الشيخ تقي الدين القشيري: ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره في طلب إطالة الغرة، فغسل إلى قريب من المنكبين، ولم ينقل ذَلِكَ عن النبي ﷺ ، ولا كثر استعماله في

стр. 1778

الصحابة والتابعين، فلذلك لم يقل به الفقهاء، ورأيت بعض الناس قَدْ ذكر أن حد ذَلِكَ نصف العضد والساق (١)، هذا آخر كلامه. وقوله: لم يقل به الفقهاء. غريب مع ما قدمناه عنهم. ومن أوهام ابن بطال والقاضي عياض (٢) إنكارهما عَلَى أبي هريرة بلوغه الماء إبطيه وأن أحدًا لم يتابعه عليه، وقد قَالَ به القاضي حسين (٣) وآخرون من أصحابنا أيضًا، وفي "مصنف ابن أبي شيبة": حَدَّثنَا وكيع، عن العمري، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف. ثمَّ روى عن وكيع أيضًا، عن عقبة ابن أبي صالح، عن إبراهيم أنه كرهه (٤). قُلْتُ: وهذا مردود بما سلف، وما أبعد من أول الاستطاعة في الحديث عَلَى إطالة (الغرة) (٥) والتحجيل بالمواظبة عَلَى الوضوء لكل صلاة، فتطول غرته بتقوية نور أعضائه، وهو ابن بطال قَالَ: والطول والدوام معناهما متقارب (٦). سابعها: قوله: "مِنْ آثَارِ الوُضُوءِ" هو بضم الواو، ويجوز فتحها عَلَى إرادة آثار الماء المستعمل في الوضوء، فإن الغرة والتحجيل نشأ عن الفعل بالماء، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما.

стр. 1779

ثامنها: قوله: "فَمَنِ اسْتَطَاعَ .. " إلى آخره اقتصر فيه على ذكر الغرة دون التحجيل، وإن ذكر معها في رواية أخرى في "الصحيح" للعلم به (١)، فهو من باب قوله: ﴿سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ﴾ [النحل: ٨١] ولم يذكر البرد للعلم به. وقال الشيخ تقي الدين القشيري: كأنَّ ذَلِكَ من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين عَلَى الآخر، (إن) (٢) كانا كسبيل واحد للترغيب فيه، وقد استعمل الفقهاء ذَلِكَ فقالوا: يستحب تطويل الغرة، ومرادهم الغرة والتحجيل (٣). وهذا ليس تغليبًا حقيقيًّا إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين، والتغليب: اجتماع الاسمين أو الأسماء وتغليب أحدهما عَلَى الآخر نحو: القمرين، والعمرين وشبههما. ثمَّ القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر عَلَى المؤنث لا بالعكس، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل، ويجاب أيضًا بأنها خصت بالذكر؛ لأن محلها أشرف أعضاء الوضوء، ولأنه أول ما يقع عليه البصر يوم القيامة. ونقل ابن بطال عن بعضهم أنه كنى بالغرة عن التحجيل معللًا بأن الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله (٤)، وهذا غريب عجيب.

стр. 1780

تاسعها: رأيت مَنْ شرح هذا الموضع من هذا الكتاب من شيوخنا ادعى أن قوله: "فمن استطاع .. " إلى آخره من قول أبي هريرة أدرجه آخر الحديث (١). وفي هذِه الدعوى بُعدٌ عندي. عاشرها: استدل جماعة من العلماء بهذا الحديث عَلَى أن الوضوء من خصائص هذِه الأمة -زادها الله شرفًا- وبه جزم الحليمي في "منهاجه"، وفي "الصحيح" أيضًا: "لكم سيماء (٢) ليست لأحد من الأمم، تردون عليّ غرًّا محجلين من أثر الوضوء" (٣)

стр. 1781

وقال آخرون: ليس الوضوء مختصًّا بها، وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل، و (ادعوا) (١) أنه المشهور من قول العلماء، واحتجوا بالحديث الآخر: "هذا وضوئي ووضوء الأنبياء من قبلي" (٢) وأجاب الأولون عن هذا بوجهين: أحدهما: أنه حديث ضعيف. ثانيهما: أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء دون أممهم بخلاف هذِه الأمة. وفيه: شرف عظيم لهم، حيث استووا مع الأنبياء في هذِه الخصوصية، وامتازت بالغرة والتحجيل، لكن سيأتي في حديث جريج في موضعه: أنه توضأ وصلى (٣). وفيه دلالة عَلَى أن الوضوء كان مشروعًا لهم. وعلى هذا فيكون خاصية هذِه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا الوضوء، ونقل الزناتي المالكي شارح "الرسالة" عن العلماء أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذِه الأمة، من توضأ منهم ومن لم يتوضأ. كما قالوا: لا يكفر أحد من أهل القبلة بذنبٍ، إن أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل، وهذا نقل غريب، وظاهر

стр. 1782

الأحاديث يقتضي خصوصية ذَلِكَ بمن توضأ منهم، وفي "صحيح أبي حاتم ابن حبان": يا رسول الله، كيف تعرف من لم تر من أمتك؟ قَالَ: "غرٌ محجلون بلق من آثار الوضوء" (١). الحادي عشر: قَدْ استوفي ﷺ بذكر الغرة والتحجيل جميع أعضاء الوضوء، فإن الغرَّ: بياض في الوجه، والرأس داخلة في مسماها. والتحجيل: بياض في اليدين والرجلين. الثاني عشر: فيه استصحاب المحافظة عَلَى الوضوء وسننه المشروعة فيه. الثالث عشر: فيه ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة. الرابع عشر: فيه ما أَطْلَع اللهُ نبيه ﷺ من المغيبات المستقبلة التي لم يُطْلع عليها نبيًّا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها. الخامس عشر: فيه أيضًا جواز الوضوء عَلَى ظهر المسجد، وهو من باب الوضوء في المسجد، وقد كرهه قوم وأجازه الأكثرون، ومن كرهه لأجل التنزيه كما يتنزه عن البصاق والنخامة، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله، وممن أجازه في المسجد ابن عباس، وابن عمر، وعطاء، والنخعي، وطاوس (٢).

стр. 1783

وهو قول ابن القاسم المالكي (١)، وأكثر العلماء كما حكاه ابن بطال عنهم (٢)، وكرهه ابن سيرين (٣) وهو قول مالك، وسحنون (٤). وقال ابن المنذر: أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه، إلا أن يبله ويتأذى به الناس، فإنه مكروه (٥). قُلْتُ: وصرح جماعة من أصحابنا بجوازه فيه، وأن الأولى أن يكون في إناء (٦). قَالَ البغوي: ويجوز نضحه بالماء المطلق، ولا يجوز بالمستعمل؛ لأن النفس تعافه (٧). وفي هذا نظر. السادس عشر: فيه قبول خبر الواحد، وهو مستفيض في الأحاديث (٨).

стр. 1784

٤ - باب لَا يَتَوَضَّأُ مِنَ الشَّكِّ حَتَّى يَسْتَيْقِنَ ١٣٧ - حَدَّثَنَا عَلِيٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الُمسَيِّبِ وعَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَّهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : الرَّجُلُ الذِي يخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّئ فِي الصُّلَاةِ. فَقَالَ: "لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِف- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". [١٧٧، ٢٠٥٦ - مسلم: ٣٦١ - فتح: ١/ ٢٣٧] حَدَّثنَا عَلِيٌّ، ثَنَا سُفْيَانُ، ثنا الزُّهْرِيُّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ [و] (١) عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَمِّهِ أَنَهُ شَكَا إلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : الرَّجُلُ الذِي يُخَيَّلُ إِلَيْهِ أَنَّهُ يَجِدُ الشَّئ فِي الصَّلَاةِ. فَقَالَ: "لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ- حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري هنا كما ترى، وأخرجه قريبًا في باب: من لم ير الوضوء إلا من المخرجين القبل والدبر، عن أبي الوليد، عن سفيان به، وقال: "لا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا أو يجد ريحًا" (٢)، وأخرجه في البيوع: عن أبي نعيم، عن ابن عيينة، عن الزهري به (٣).

стр. 1785

وأخرجه مسلم هنا عن عمرو الناقد، وغيره عن ابن عيينة به (١). ثانيها: في التعريف برواته: أما عم عباد فهو غبد الله (ع) بن زيد بن عاصم بن كعب بن عمرو بن عوف بن مبذول بن عمرو بن غنم بن مازن بن النجار الأنصاري المازني، من بني مازن بن النجار المدني. له ولأبويه صحبة، ولأخيه حبيب بن زيد الذي قطعه مسيلمة عضوًا عضوا، فقضى أن عبد الله هو الذي شارك وحشيًّا في قتل مسيلمة، وهو راوي هذا الحديث، وحديث صلاة الاستسقاء أيضًا الآتي في بابه (٢)، وغيرهما من الأحاديث كما ستعلمه. ووهم ابن عيينة فزعم أنه الذي أُرِيَ الأذان أيضًا، وهو عجيب فإن ذاك عبد الله بن زيد بن عبد ربه بن ثعلبة بن زيد والأنصاري، فكلاهما اتفقا في الاسم واسم الأب والقبيلة وافترقا في الجد والبطن من القبيلة، فالأول مازني، والثاني حارثي، وكلاهما أنصاريان خزرجيان فيدخلان في نوع المتفق والمفترق. وممن غلط ابن عيينة في ذَلِكَ البخاري في "صحيحه" في باب الاستسقاء. كما ستعلمه هناك إن شاء الله تعالى وَقَّدرَه. ثمَّ عبد الله صاحب الترجمة له ثمانية وأربعون حديثًا، اتفقا عَلَى ثمانية منها، وذاك اشتهر له حديث واحد، وهو حديث الأذان، حتَّى قَالَ البخاري فيما نقله الترمذي عنه: لا نعرف له غيره (٣). لكنا ظفرنا

стр. 1786

له بحديث ثان وثالث وذكرتهما في تخريجي لأحاديث الرافعي (١). قتل صاحب الترجمة في ذي الحجة بالحرة عن سبعين سنة، وكانت الحرة في آخر سنة ثلاث وستين، وهو أُحُدِي، وقال ابن منده وأبو أحمد الحاكم وأبو عبد الله صاحب "المستدرك": إنه بَدْرِي (٢)، وهو وهم (٣). فائدة: ليس في الصحابة من اسمه عبد الله بن زيد بن عاصم سوى هذا، وفيهم أربعة أخر اسم كل منهم عبد الله بن زيد منهم صاحب الأذان (٤). فائدة أخرى: عبد الله بن زيد هذا هو عم عباد من قبل أمه، وقيل: من قبل أبيه فتنبه له. وأما عباد بن تميم بن غزية فهو أنصاري مازني مدني ثقة. قَالَ: أَعِي يوم الخندق وأنا ابن خمس سنين.

стр. 1787

فينبغي إذن أن يعد في الصحابة، وليس فيهم من يسمى عباد بن تميم سواه (إذن) (١) وقد عده الذهبي فيهم (٢)، ووقع في بعض نسخ ابن ماجه رواية عباد، عن أبيه، عن عمه حديث الاستسقاء، وتبعها ابن عساكر، والصواب عن عبد الله بن أبي بكر قَالَ: سمعت عباد بن تميم يحدث أبي عن عمه الحديث (٣). فائدة: عَبَّاد -بفتح أوله وتشديد ثانيه- ويشتبه بِعُبَاد -بضم أوله وتخفيف ثانيه- وهو والد قيس وغيره، وبِعبَاد -بكسر أوله وفتح ثانيه- وبعياذ وبعيَّاد وبعَنَّاد، والكل موضح في "مشتبه النسبة" تأليفي. وأما سعيد بن المسيب والزهري فسلف التعريف بهما، وليس في الكتب الستة من اسمه سعيد بن المسيب سوى هذا الإمام، بل، ولا يحضرني في غيرها أيضًا. وسفيان: هو ابن عيينة سلف، وكذا علي بن المديني. فائدة: هذا الإسناد كلهم من رجال الكتب الستة، إلا علي بن المديني فإنه من رجال البخاري وأبي داود والترمذي والنسائي فقط، وجميع رجاله مدنيون، خلا ابن المديني، فإنه بصري، وخلا سفيان فإنه مكي. الوجه الثالث: قول البخاري، (عن الزهري، عن سعيد بن المسيب وعن عباد بن

стр. 1788

تميم، عن (عمه) (١)) يعني به أن الزهري رواه عنهما جميعًا أعني: سعيد بن المسيب، وعباد بن تميم، عن عبد الله بن زيد. الوجه الرابع: في ألفاظه وفوائده: الأولى: الياء في (شكى) منقلبة عن واو؛ لأنه من شكى يشكو، ويجوز أن تكون أصلية غير منقلبة في لغة من قَالَ: شكى يشكي. الثانية: هذِه الرواية ظاهرها أن الشاكي عبد الله بن زيد، وضبط النووي في "شرح مسلم" رواية مسلم، عن عمه شكى إلى رسول الله ﷺ الرجل يخيل إليه .. الحديث. فقال: شُكي بضم الشين وكسر الكاف، والرجل مرفوع. ثمَّ قَالَ: ولم يسم هنا الشاكي، وجاء في رواية البخاري، أنه عبد الله بن زيد الراوي. قَالَ: ولا ينبغي أن يتوهم من هذا أن شكى بفتح الشين والكاف، وبجعل الشاكي هو عمه المذكور، فإن هذا الوهم غلط (٢). هذا لفظه، ولم يظهر لي وجه الغلط في ذَلِكَ، فإن العم هو عبد الله بن زيد، وإن كان هو الشاكي فلم لا تصح قراءة شكى بالفتح؟ الثالثة: الشيء المشار إليه هو الحركة التي يظن بها أنها حدث، وليس كذلك ولهذا قَالَ ﷺ : "حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا" ومعناه: حتَّى يعلم وجود أحدهما يقينًا، ولا يشترط اجتماع السماع والشم بالإجماع.

стр. 1789

وفي صحيحي ابن خزيمة وابن حبان، و"مستدرك الحاكم" من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ أن رسول الله ﷺ قَالَ: "إِذَا جاء أحدكم الشيطان، فقال إنك أحدثت، فليقل كذبت إلا ما وجد ريحًا بأنفه أو سمع صوتًا بأذنه" (١) وفي رواية ابن حبان "فليقل في نفسه كذبت". قَالَ ابن خزيمة: وقوله: "فليقل كذبت" أراد بضميره لا بالنطق (٢). قُلْتُ: رواية ابن حبان تؤيد ما قاله، وزعم بعض العلماء أنه ﷺ ذكر الصوت لمن حاسة شمه معلولة، والريح لمن حاسة سمعه معلولة. وقد أسلفنا في حديث أبي هريرة السالف في باب: لا تقبل صلاة بغير طهور. أنه يجوز أن يكون أشار به لكونه أنه الواقع في الصلاة، فإن غيره كالبول مثلًا لا يعهد فيها. وفي "مسند أحمد" من حديث أبي سعيد الخدري أيضًا: "إن الشيطان ليأتى أحدكم وهو في صلاته فيأخذ شعرة من دبره فيمدها فيرى أنه أحدث، فلا ينصرف حتَّى يسمع صوتًا" (٣) وفي إسنادها علي بن زيد بن جدعان وحالته معلومة (٤).

стр. 1790

الرابعة: معنى الحديث أنه يمضي في صلاته ما لم يتيقن الحدث، ولم يرد تخصيص هذين النوعين من الحدث، وإنما هو جواب خرج حذو سؤال السائل، لا يعني الوضوء إلا من أحدهما. ودخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين من بولٍ أو غائطٍ أو مذي أو ودي أو دم، وقد يكون بأُذُنِهِ وَقْرٌ فيخرج الريح ولا يسمع له صوتًا، وقد يكون أخشم فلا يجد الريح. والمعنى إِذَا كان أوسع من الاسم كان الحكم للمعنى. وهذا كما روي أنه ﷺ قَالَ: "إِذَا استهل الصبي ورث وصلي عليه" (١) لم يرد تخصيص الاستهلال الذي هو الصوت دون غيره من أمارات الحياة من حركة ومصٍّ وبسط ونحوهما، وهذا أصل في كل ما ثبت يقينًا، فإنه لا يرفع بالشك. الخامسة: قوله: ("لَا يَنْفَتِلْ -أَوْ لَا يَنْصَرِفْ") الظاهر أنه شك من الراوي. ووقع في كتاب الخطابي: "ولا يَنْصَرِفْ" بحذف الهمزة (٢). وقد أسلفنا رواية أخرى للبخاري: "لا يَنْصَرِفْ" من غير شك. السادسة: هذا الحديث كما قدمناه أصل من أصول الإسلام، وقاعدة من قواعد الفقه، وهي أن الأشياء يُحْكَم ببقائها عَلَى أصولها
следующие страницы →