ثم ساق أحاديث:
أحدها:
حديث عِمْرَانَ بن حصين: "اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ". الحديث، وسلف في صفة الجنة (١)، ومعنى "اطلعت": أشرفت عليها من علوٍ.
ثانيها:
حديث أُسَامَةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ".
أي: نساء المؤمنين؛ لأن الكفار ونساءهم في النار. قال الداودي: وهذا الوقوف في الدنيا، إما ليلة أسري به، أو حين خسفت الشمس.
وقوله: ("وأصحاب الجد محبوسون") أي: موقوفون. يعني أصحاب المال والبخت، وهو بفتح الجيم، والمعني به من فاخر بماله وكاثر ولم يؤد منه الواجب عليه.
وفيه: فضل الفقر، وقد أسلفنا ما فيه، وأن الكفاف أفضل؛ لأن الغنى المطغي عابه الله بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، والفقر المدقع عابه الشارع.
الحديث الثالث:
حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صارَ أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ
стр. 18099
الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، يَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ. فَيَزْدَادُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ".
قوله: ("ثم يُذْبح") أي: يجعل الله الصفة شخصًا يراها العباد عند القبض، ويعرفونها إذا رأوها في المعاد.
الحديث الرابع:
حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ، يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: أحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".
معنى ("أحل عليكم") أنزله عليكم، يقال: أحللت الشيء: أنزلته.
الحديث الخامس:
حديث أنسٍ ﵁ في قصة حارثة، سلف في بدر سندًا ومتنًا (١)، وقيل أن يقع للبخاري أن يعيد حديثًا بسنده ومتنه سواء، نعم ذكره في الجهاد بسند آخر إلى أنس (٢)، وكذا في الباب، فراجعه
الحديث السادس:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَنَا الفَضلُ بْنُ مُوسى، ثنا الفُضَيْلُ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الكَافِرِ مَسِيرَة ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ المُسْرعِ".
стр. 18100
قال الجياني: كذا روي هذا الإسناد عن أبي زيد وأبي أحمد الفضيل غير منسوب، ونسبه ابن السكن: ابن غزوان، وكان أبو الحسن يقول: هو فضيل بن عياض. وهو وهم، والصواب ما قاله ابن السكن، وفضيل بن عياض، لا رواية له عن أبي حازم الأشجعي، ولا أدركه، وليس لابن عياض ذكر في الجامع إلا في موضعين من كتاب التوحيد (١).
الحديث السابع:
وَقَالَ إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنَا المغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا".
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَحَدَثْتُ بِهِ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا".
سلف في صفة الجنة من حديث أنس وأبي هريرة (٢).
وقوله: ("لا يقطعها") يريد: تحت ما يميل من أغصانها؛ لأنه ليس في الجنة شمس. والجواد يقال للذكر والأنثى، من خيل جياد، وأجواد، وأجاويد، يقال: جاد الفرس: إذا صار رابعًا. وقال ابن فارس: الجواد: الفرس السريع (٣). والمضمر من الخيل أن يعلف حَتَّى يسمن ثم يرده إلى القوت، وذلك في أربعين ليلة، وهذِه المدة تسمى المضمار، قاله الجوهري (٤).
стр. 18101
وعبارة الداودي: هو الذي يدخل في بيت، ويجعل عليه أجلة، ويقل علفه؛ لينتقص من لحمه شيئًا، فيزداد جريه ويؤمن عليه أن يسبق، قال: وكان للخيل المضمرة على عهد رسول ﷺ سبعة أميال في السباق، وما لم يضمر ميل.
الحديث الثامن:
حديث سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَيَدْخُلَنَّ الجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ ألفًا -أَوْ سَبْعُمِائَةِ أَلْفٍ، لَا يَدْرِي أَبُو حَازِم أَيُّهُمَا قَالَ- مُتَمَاسِكُونَ، آخِذٌ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، لَا يدخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ، وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ القَمَرِ لَيْلَةَ البَدْرِ". سلف في صفة الجنة من بدء الخلق (١).
الحديث التاسع:
حديث سَهْل ﵁، عَنِ النَبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ أَهْلَ الجَنَّةِ لَيَتَرَاءَوْنَ الغُرَفَ فِي الجَنَّةِ كمَا تتَرَاءَوْنَ الكَوْكبَ فِي السَّمَاءِ".
قَالَ أَبِي: فَحَدَّثْتُ به النُعْمَانَ بْنَ أَبِي عَياشٍ فَقَالَ: أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ أَبَا سَعِيدٍ يُحَدِّثُ وَيزِيدُ فِيهِ: "كمَا تَرَاءَوْنَ الكَوْكبَ الغَارِبَ فِي الأُفُقِ الشَّرْقِيِّ وَالْغَرْبِيِّ".
معنى: (يتراءون الغرف" أي: بعضهم أعلى من بعض، وغرف كل قوم فوق غرفهم ليس أحد تحت أحد، قاله الداودي.
وقوله: ("الكوكب الغارب في الأفق الشرقي والغربي") كذا هو في البخاري.
قال ابن التين: وفيه نظر؛ لأن الناحية الشرقية ليس يكون الغروب
стр. 18102
فيها، إنما يكون فيها المطالع، وفي رواية أبي ذر: "الغابر": أي الباقي، وهذا يصح أن يكون معناه: الباقي لم يستتر عن الأبصار، وفي رواية الأصيلي "العازب" بعين مهملة، ثم زاي: المنفرد.
الحديث العاشر:
حديث أنس الذي أسلفته: "لأهون أهل النار عذابًا" .. الحديث.
ومعنى "أردت منك أهون من هذا" أي: أمرتك فلم تفعل؛ لأنه سبحانه لا يكون إلا ما يريد من الخلق شيئًا إلا ما هم عليه، فإن قلت: كيف يصح أن يأمر بما لا يريد؟ قيل: لا يمتنع ذَلِكَ ولا يستحيل، بل قد يوجد ذَلِكَ في الواحد منا، وذلك (الأمر) (١) إذا عاتب امرءًا على ضرب عبده، قال: إني أمرته فلا يمتثل، فيجب أن يوضح له حقيقة ذَلِكَ؛ خشية أن يعاقبه، فإذا حضر العبد قال: افعل كذا، وهو لا يريد بفعله لتصدق مقالته، وذلك مقرر في الأصول.
الحديث الحادي عشر:
حديث جَابِرٍ ﵁ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ قوم مِنَ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ كَأنّهُمُ الثَّعَارِيرُ". قُلْتُ: ومَا الثَّعَارِيرُ؟ قَالَ: الضَّغَابِيسُ. وَكَانَ قَدْ سَقَطَ فَمُهُ، فَقُلْتُ لِعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ: أَبَا مُحَمَّدٍ، سَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ مِنَ النَّارِ"؟ قَالَ: نَعَمْ.
"الثعارير" بمثلثة، ثم عين مهملة، ثم ألف، ثم راء ثم مثناة تحت، ثم راء، وهي: رءوس الطراثيث، تكون بيضًا، شبهوا في البياض بها، واحدها: طرثوث، وهو نبت يؤكل، وقال ابن الأعرابي: الثعرور: قثاء
стр. 18103
صغار (١)، وهي: الضغابيس -بضاد وغين معجمتين، ثم ألف ثم باء موحدة، ثم مثناة تحت، ثم سين مهملة- قلت: شبهوا بها لسرعة نموها. قال ابن فارس: ويشبه الرجل الضعيف به، فيقال: ضغبوس (٢). وذكر عن الخليل أنها صغار القراد.
وقال الداودي: إنه طير ضعيف فوق الذباب. وذكر عن "غريب الحديث" للحربي أنها شجر على طول الإصبع. وقال غيره: نبت ضعيف (٣).
قال في "الغريبين": وفي الحديث: لا بأس باجتناء الضغابيس في الحرم. قال الأصمعي: هو نبت يشبه الهليون يسلق ويجعل بالخل والزيت ويؤكل (٤). قال الخطابي: يقال إنها (هناة) (٥) تنبت في أصول الشام طوال رخصة تؤكل (٦). وعن القابسي: الذي سمعت في الثعارير أنها الصدف التي تخرج من البحر فيها الجوهر. وقال الجوهري: هي الثعار الثآليل، وحمل الطراثيث أيضًا، قال: (والثعروران) (٧): مثل الحلمتين يكتنفان القنب من خارج (٨)، قال: والقنب وعاء قضيب الفرس وغيره من ذوات الحافر (٩). وقال ابن فارس: الثعروران كالحلمتين، يكتنفان ضرع الشاة (١٠).
стр. 18104
فصل:
وقوله: (وكان قد سقط فمه) النحويون ينكرون اجتماع الميم مع إضافة الضم إلى المضمر، ويرون أنه غير جائز في غير الشعر، كما قال: يصبح عريان وفي البحر فمه. وإنما إعرابه عندهم بالحروف، بالواو رفعًا، وبالألف نصبًا، وبالياء جرًّا.
الحديث الثاني عشر:
حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁، عَنِ النَّبِيَّ ﷺ : "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بَعْدَ مَا مَسَّهُمْ مِنْهَا سَفْعٌ، فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فَيُسَمِّيهِمْ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَهَنَّمِيِّينَ".
السفع بسين مهملة: الأثر، قال الجوهري: يقال: سفعته النار: إذا لفحته لفحًا يسيرًا، فغيرت لون البشرة (١).
الحديث الثالث عشر:
حديث أَبِي سعيدٍ الخُدْرِيِّ أَنَّ النِبيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ وأهل النَّارِ النَّارَ يَقُولُ اللهُ ﵎: مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيمَانٍ فَأَخْرِجُوهُ. فَيَخْرُجُونَ وقَدِ امْتُحِشُوا" .. الحديث.
معنى "امتحشوا": أحرقوا، والمحش: إحراق النار الجلد، وقد محشت جلده أي: أحرقته، وفيه لغة: أمحشته، عن ابن السكيت (٢). وقال الليث: المحش تناولٌ من لهب يحرق الجلد، ويبري العظم. وقال الداودي: انقبضوا كما تقبض الفحمة، وتصغر عن قدر العود.
وقوله: ("وعادوا حممًا") قال الهروي: الحمم: الفحم، واحدته حممة (٣).
стр. 18105
وقال الجوهري: الحمم: الرماد والفحم، وكل ما احترق من النار (١).
فصل:
قوله: ("فينبتون كما تنبت الحبة") هي بكسر الحاء، قال القزاز (والفراء) (٢): هي بزور البقل، وقيل: حب ينبت في الحشيش صغار، وقيل: هي الحبوب المختلفة. وقال ابن شميل: هي اسم جامع لحبوب البقول التي تنتثر إذا هاجت، ثم إذا أمطرت من قابل نبتت. وقال الكسائي: هي حب الرياحين، الواحدة حبة، فأما الحنطة ونحوها فهو الحب لا غير. وقال أبو عمرو: هي نبت ينبت في الحشيش صغار، وهي بمعنى ما سلف. وقال صاحب "الجمهرة": كل ما كان من بزر العشب فهو حبة، والجمع: حبب (٣). زاد الجوهري: والحبة بالكسر: بزور الصحراء بما ليس بقوت، وذكر الحديث (٤). وعبارة الخطابي: هي بزور النبات (٥).
فصل:
وقوله: ("في حميل السيل") أي: محموله، فعيل: بمعنى مفعول، كقتيل (وجريح) (٦)، وهو ما جاء به من طين أو غثاء، فإذا كان فيه حبة واستقرت على شط الوادي نبتت في كل يوم وليلة، وهي أسرع نابتة
стр. 18106
نباتًا، وإنما أخبر ﵇ عن سرعة نباتهم. وقال الداودي: هذا مثل ضربه للذي يغتسل عند خروجه من جهنم، فيزول عنه السفع، ويصير ضامرًا ذابلًا مصفرًا، فإذا دخل يأت إليه.
وقوله: (أو قال: "في حمئة السيل") هو الطين الأسود المنتن، كذا ذكره الخطابي (١). قال (ابن التين) (٢). والذي رويناه: "حِمة" بكسر الحاء غير مهموز، ومعناه مثل معنى حميل، وفي رواية أخرى: "حمية": بفتح الحاء وتشديد الياء، أي: معظم جريه واشتداده.
الحديث الرابع عشر:
حديث النُّعْمَان ﵁، سمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِن أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَابًا يَوْمَ القِيَامَةِ لَرَجُلٌ تُوضَعُ في أَخْمَصِ قَدَمَيْهِ جَمْرَةٌ يَغْلِي مِنْهَا دِمَاغُهُ".
وفي رواية: "على أخمص قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه كما يغلي المرجل بالقمقم".
روي هذا من حديث إسرائيل، عن أبي إسحاق عنه. والأول من حديث شعبة، عن أبي إسحاق عنه.
وأخرجه (مسلم) (٣) أيضًا من حديث شعبة به بلفظ: "لرجل" إلى قوله: "دماغه". ومن حديث الأعمش، عن أبي إسحاق، عن رسول الله ﷺ : "إن أهون أهل النار عذابًا من له نعلان وشراكان من نار يغلي منهما دماغه كلما يغلي المرجل ما يرى أن أحدًا أشد منه عذابًا، وإنه لأهونهم عذابًا" (٤).
стр. 18107
والأخمص: ما دخل من باطن القدم فلم يصب الأرض، قاله الجوهري (١). وقال ابن فارس: أخمص القدم: باطنها (٢).
قال الداودي: وفي موضع آخر من الصحاح: "من نار تبلغ كعبيه" (٣) فإما أن يكون قالهما، أو اكتفى في قوله: "جمرة" أنها في أحد الأخمصين لعلم السامع بالقدمين، كقوله تعالى: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧] قال: ويحتمل أن يكون هذا الرجل أبا طالب، أو غيره من المسلمين؛ لأن أبا طالب تبلغ النار كعبيه؛ ولأنه أخف الكافرين عذابًا؛ ولأن الكفرة: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا﴾ [النساء: ٥٦].
وقوله: ("كما يغلي المرجل بالقمقم"). قال الجوهري: المرجل: قدر من نحاس (٤). فانظر كيف يصح الكلام على هذا لا جرم، قال عياض: صوابه المرجل، والقمقم.
الحديث الخامس عشر:
حديث عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ.
سلف قريبًا في باب من نوقش الحساب (٥).
الحديث السادس عشر:
حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَذُكِرَ عِنْدَهُ عَمُّهُ أَبُو طَالِبٍ فَقَالَ: "لَعَلَّهُ تَنْفَعُهُ شَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ، فَيُجْعَلُ فِي ضَحْضَاحٍ مِنَ نارٍ يَبْلُغُ كعْبَيْهِ يَغْلِي مِنْهُ أُمُّ دِمَاغِهِ".
стр. 18108
الضحضاح: ما رق من الماء على وجه الأرض، وهذِه شفاعة خاصة له، ذكره آخر الباب من حديث العباس أنه قال لرسول الله: هل نفعت أبا طالب بشيء؟
الحديث السابع عشر:
حديث أنس ﵁ في الشفاعة بطوله، وفي آخره: "حَتَّى مَا يبقى في النَّارِ إِلَّا مَنْ حَبَسَهُ القُرآنُ" وكان قتادة يقول عند هذا: أي وجب عليه الخلود. وفي ذكر الخطيئة من يجوز وقوع الصغائر عليهم، والمختار خلافه.
وقوله: ويقول: ("ائتوا نوحًا أول رسول بعثه الله") ذكر أصحاب التواريخ أن إدريس جد نوح ﵉، فإن لم يكن إدريس رسولاً لم يصح (قولهم) (١) على صحة الخبر أنه جد نوح؛ لقوله: "أول رسول بعثه الله" وإن لم يكن (إدريس) (٢) رسول جاز، فيجوز أن يكون نبيًّا غير مرسل.
قال الداودي: فيه أن نوحًا أول رسول، وما روي أن آدم رسول الله لا يثبت كثبوت هذا النقل واشتهاره، قال: ومن هنا لم يتسق الكلام على الولاء؛ لأن بين قوله: "فأخر ساجدًا" وبين قوله: "فيحد لي حدَّا" ما يكون من أمور (يوم) (٣) القيامة من الموازين من تطاير الصحف، والحساب، والحوض، فهذا كله قبل دخول من يدخل النار، ثم يكون بعد ذَلِكَ من يخرج من النار.
стр. 18109
وقوله: ("إلا من حبسه القرآن") يعني: أهل الكفر؛ لقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ [البقرة: ١٦٧].
وفي هذا فضل نبينا على سائر الأنبياء والرسل عليهم أفضل الصلاة والسلام، خصوصًا نبينا.
وفيه: تواضع الأنبياء، ومعرفتهم بحق بعضهم بعضًا.
وفيه: أن الأنبياء لم يعلموا اختصاص نبينا بالشفاعة العظمى، ولو علموا ذَلِكَ لردوهم إليه من أول وهلة.
وفيه: أن أهل المحشر (يتصرفون) (١) فيما ينفعهم.
الحديث الثامن عشر:
حديث عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنَ النَّارِ بِشَفَاعَةِ مُحَمَّدٍ ﷺ " فَيَدْخُلُونَ الجَنَّةَ، فيُسَمَّوْنَ الجَهَنَمِيِّينَ".
وقد سلف من حديث أنس، لكن زاد في هذا الحديث بالشفاعة، وفي إسناده الحسن بن ذكوان، وهو مكبر من أفراد البخاري.
وقال النسائي في حقه: ليس بالقوي (٢).
وأما المصغر فأخرجا له.
والأول أبو سلمة بصري، روى عن أبي رجاء عمران.
والمصغر، هو المعلم العوذي بصري أيضًا.
стр. 18110
الحديث التاسع عشر:
حديث أَنَسٍ ﵁، (في قصة أم حارثة) (١)، الحديث سلف في الباب، ونوعه؛ لاختلاف السندين، فإنه أخرجه هنا بعلو عن قتيبة، عن إسماعيل بن جعفر، عن حميد، عن أنس. وأخرجه أولاً عن عبد الله ابن محمد، ثَنَا معاوية بن عمرو، ثَنَا أبو إسحاق، عن حميد، عن أنس: فعلا الأول برجل، وأخرجه في الجهاد أيضًا رباعيًّا إلى أنس (٢)، وزاد في الباب فيه:
وَقَالَ: "غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ أَوْ مَوْضِعُ قَدَهٍ مِنَ الجَنَّةِ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا، وَلَوْ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الجَنَّةِ اطَّلَعَتْ إِلَى الأَرْضِ لأَضَاءَتْ مَا بَيْنَهُمَا، [وَلَمَلأَتْ مَا بَيْنَهُمَا] (٣) رِيحًا، وَلَنَصِيفُهَا -يَعْنِي: الخِمَارَ- خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا".
قوله: (سهم غريب) قال الجوهري: أصابه سهم غريب، يضاف ويسكن ويحرك إذا كان لا يدرى من رماه (٤). وفي كتاب ابن فارس: أتاه سهم غرب، إذا لم يدر من رمى به، قال: ويقال: سهم غريب أيضًا (٥).
قال ابن التين: والذي رويناه مضاف مفتوح قال: و (قد) رويناه بفتح القاف وتشديد الدال. والقد: السوط أي: مقدار سوطه؛ لأنه يقد، أي: يقطع طولًا. وقيل: "موضع قده" أي: شراكه.
стр. 18111
قال الهروي: "موضع قده" يعني: موضع سوطه، ويقال للسوط: قد. قال: فأما القد بالفتح: فجلد السخلة، وفي الحديث أن امرأة أرسلت إلى رسول الله ﷺ بجرتين وقدٍ. فالقد: سقاء صغير يتخذ من مسك السخلة ويجعل فيه اللبن. وقال أبو بكر: يجوز أن يكون القد: النعل. يعني في الحديث، سميت قدًا؛ لأنه يقد من الجلد، قال: وروى ابن الأعرابي: كسبت اليماني قده لم يجرد.
وقال الفراء: بالكسر النعل يجرد من الشعر، فيكون ألين له.
قال الداودي "وقاب قوس" يعني: ما بين وسط الوتر، ووسط القوس.
والمعروف أن قاب: قدر، والقاب: قدر ما بين المقبض والسية، وقال بعضهم: في قوله تعالى: ﴿قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: ٩]: قابي قوس، فقلبه.
وقوله: ("ولنصيفها" يعني: الخمار)، هذا هو المعروف عند أهل اللغة (١)، وذكر الهروي قولًا ثانيًا أن نصيفها معجرها (٢).
الحديث العشرون:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، قَالَ: قال النَّبيُّ ﷺ : "لَا يَدْخُلُ أَحَدٌ الجَنَّةَ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ، لَوْ أَسَاءَ، لِيَزْدَادَ شُكْرًا، وَلَا يَدْخُلُ النَّارَ أَحَدٌ إِلَّا أُرِيَ مَقْعَدَهُ مِنَ الجَنَّةِ لَوْ أَحْسَنَ، لِيَكُونَ عَلَيْهِ حَسْرَةً"
فيه بشرى للمؤمن، وعكس للكافر.
стр. 18112
الحديث الحادي والعشرون:
حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَنْ أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِكَ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ فَقَالَ: "لَقَدْ ظنَنْتُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَنْ لَا يَسْأَلنِي عَنْ هذا الحَدِيثِ أحدٌ أَوَّلُ مِنْكَ؛ لِمَا رَأَيْتُ مِنْ حِرْصِكَ عَلَى الحَدِيثِ، أَسْعَدُ النَّاسِ بِشَفَاعَتِي يَوْمَ القِيَامَةِ مَنْ قَالَ: لَا إله إِلَّا اللهُ. خَالِصًا مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ".
معنى: "أول منك" أي: قبلك يسألني، وضبطه الحفاظ بنصب (أول) (١)، ويصح رفعها؛ لأن (أن) مخففة من الثقيلة، وهو مثل قوله تعالى: ﴿وَحَسِبُوا أَلَّا تَكُونَ فِتْنَةٌ فَعَمُوا وَصَمُّوا﴾ [المائدة: ٧١]، قرئ بالوجهين (٢)، وأول: أصله أوأل على وزن أفعل مهموز الوسط، قلبت الهمزة واوًا وأدغم، يدل على ذَلِكَ قولهم: هذا أولى منك، والجمع الأوائل، والأوالي أيضًا على القلب، وقال قوم: أصله أوول على وزن فوعل، فقلبت الواو الأولى همزة، وإنما لم تجمع على أواول لاستثقالهم اجتماع الواوين بينهما ألف الجمع.
الحديث الثاني والعشرون:
حديث عَبِيدةَ -بفتح العين- عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، قال: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "إِنِّي لأَعْلَمُ آخِرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخِرَ أَهْلِ الجَنَّةِ دُخُولًا" .. الحديث. وفي آخره. "فَيَقُولُ: تَسْخَرُ مِنِّي -أَوْ تَضْحَكُ مِنِّي- وَأَنْتَ المَلِكُ!! ". فَلَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ،
стр. 18113
وَكَانَ يُقَالُ: ذَلِكَ أَدْنَى أَهْلِ الجَنَّةِ مَنْزِلَةً أي: الذي له مئل الدنيا وعشرة أمئالها.
سيأتي بعد أن الضحك معناه: الاستهزاء، ونحوه السخرية، وورد ذلك في القرآن على سبيل المقابلة، وهو هنا على معنى المقابلة، وإن لم تذكر لفظًا، فهي موجودة معنى؛ لأنه ذكر أنه عاهد الله مرارًا لا يسأله غير ما سأله ثم غدر، فحل غدره محل الاستهزاء، وكذا دخوله الجنة وتردده، وتخيله أنها ملأى ضرب من ذَلِكَ، فأطلق ذَلِكَ جزاء على ما تقدم من غدره.
الحديث الثالث والعشرون:
حديث العَبَّاسِ ﵁ وقد أسلفناه في الحديث الخامس عشر.
رابعها: بفتح التاء وتشديد الضاد والميم. وقال ابن التين: رويناه بفتح التاء وتشديد الضاد والراء، تفاعلون. قال الجوهري: أضرني فلان: دنا مني دنوًّا شديدًا، قال: وفي الحديث "لا تضارون" بفتح التاء، أي: لا تضامون (١). وتضارون أصله: تتضاررون، حذفت التاء الأولى مثل ﴿نَارًا تَلَظَّى﴾ [الليل: ١٤]، ومعناه: لا تنازعون، ولا تجادلون فتكونون أخدانًا يضر بعضكم بعضًا في الجدال، يقال: ضاررته مضارة: إذا خالفته، وقيل: معناه: لا يمنع أحدكم (كثرة) (٢) من ينظر إليه ألَّا يراه أو يضر به في نظره، أو يستر بعضهم عن بعض.
ثم ذكر الرواية الأولى مأخوذ من الضير أصله تضيرون، فاستثقلت الفتحة على الياء؛ لسكون ما قبلها، فألقيت حركتها على الضاد، وقلبت الياء ألفًا؛ لانفتاح ما قبلها، (ومعناه) (٣) كمعنى الأول، قال: فأما ضم التاء وتشديد الراء، فمعناه أيضًا كذلك، أي: لا تضاررون أحدًا، فتسكن الراء الأولى وتدغم في التي بعدها.
فصل:
وفيه: رد على المعتزلة فيم إحالتهم الرؤية، والقرآن والسنة يرده، قال تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة:٢٢، ٢٣] وقال تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥] وحديث الباب، وكذا نحو عشرين من الصحابة، منهم: علي، وجرير، وصهيب، وأنس ﵁. قال الداودي: وهذا الحديث في وسط الذي قبله، وكذا هو في كتاب مسلم، وقد سلف شرحه.
стр. 18117
فصل:
قوله: ("من كان يعبد شيئًا فليتبعه") يحتمل أن يريد: فليأته، ويحتمل أن يخلق في تلك الأشياء إدراك فتسير معهم.
فصل:
والطاغوت: الشيطان في قول عمر، والطاغوت في قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: ٦٠]، كعب بن الأشرف، قاله مجاهد (١). قال سيبويه: الطاغوت: اسم واحد يقع على الجميع (٢).
وقال أبو عبيد: هو والجبت: كل ما عبد من دون الله. وقال محمد بن يزيد: الصواب عندي أن الطاغوت جماعة، بخلاف قول سيبويه، وقال ابن عزير: الطاغوت من الجن والإنس: شياطينهم، قال: ويكون واحداً وجمعًا. قال أبو جعفر النحاس: فعلى قول سيبويه، إذا جمع فعله ذهب به إلى الشياطين، وإذا وحد ذهب به إلى الشيطان (٣).
فصل:
قوله: ("فيأتيهم الله في غير الصورة التي يعرفون"). قيل: يحتمل أن تأتيهم صورة مخلوقة، فيقول: "أنا ربكم" على (سبيل) (٤) الامتحان، فيقولون: نعوذ بالله منك، "فيأتيهم الله في صورته التي يعرفونها" والإتيان هنا عبارة عن رؤيتهم الله تعالى، وجرت العادة في المحدثين أن من كان غائبًا عن غيره لا يتوصل إليه إلا بالإتيان، فعبر عن الرؤية
стр. 18118
به مجازًا، وقيل: معناه: ظهور فعله لنا مثل قوله تعالى: ﴿فَأَتَى اللهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ﴾ [النحل: ٢٦]، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: ٢٢].
فصل:
قوله: ("في الصورة") يحتمل وجوهًا كما قال ابن فورك، منها: أن يكون "في" بمعنى الباء، كقول ابن عباس: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: ٢١٠]: أي: بظلل (١)، وبدل إحداهما بالآخر سائغ في الكلام، تقول: الحركة في التحرك، (وبالتحرك) (٢)، وتقديره: أن الله يأتيهم بصورة غير صورته التي يعرفونه في الدنيا، وتكون الإضافة في الصورة إليه من طريق الملك والتدبير، كما يقال: سماء الله، وأرضه، وبيت الله. فيكون المعنى: أن الخلق عرفوا الله في الدنيا بدلالته (المنصوبة، وآياته) (٣)
التي ركبها في الصور، وهي الأعراض الدالة على (حدث) (٤) الأجسام، واقتضائها محدثًا بها من حيث كانوا محدثين (٥).
فصل:
قوله: ("ثم يقول: أنا ربكم") قال بعض العلماء: هذِه آخر محنة المؤمنين فإنه يظهر هذا القول فعلًا من الله في بعض هذِه الصور محنة للمكلفين في الدنيا من المؤمنين، فيظهر منهم عن صدق توحيدهم، وصحة إيمانهم ما يكون بإنكار لذلك، والفائدة فيه: تعريفنا ما قدر الله سبحاثه لأهل الإيمان به في الدنيا والآخرة، أي: يثبتهم في
стр. 18119
الدنيا على الحق عند اليقين، ويثبتهم في العقبى أيضًا في مواضع المحن، وإنما قيل للدنيا دار محن وتكليف مطلقًا، وإن كان قد تقع في العقبى المحن، فلا يطلق عليها أنها دار تكليف، بل يقال: دار جزاء؛ لأن ذَلِكَ الغالب عليها، وهذا كما يقع في الدنيا جزاء، ولا يضاف إليها؛ لأنها لا تغلب عليها ولم تبن له.
فصل:
قوله قبله: ("فإذا أتانا ربنا عرفناه") يحتمل أن يكون بإظهار فعل يبديه في قلوبهم عندما يحدث لهم من إدراكه ومعاينته، أو يكون عبارة عن رؤيتهم إياه كما تقدم (١).
وقوله: ("فيأتيهم في الصورة التي يعرفونها") أي: يظهر لهم نوع الصورة المعهودة لهم شكلًا وهيئة، ويخلق إدراكهم له، وخاطبهم بأن أسمعهم كلامه، وأفهمهم مراده، تبينوا وأتقنوا أن المكلم لهم هو ربهم. والفائدة في ذَلِكَ: تعريفنا ما يفعله الله في العقبى من عصمة أوليائه، وتثبيتهم، وتأييدهم حَتَّى لا تستفزهم مشاهدة تلك الأحوال العظيمة، ولا يستخفهم أمر تلك الصورة المنكرة التي لم يعهدوا مثلها.
ووجه معرفتهم إياه أنهم عرفوه في الدنيا عن معرفة منهم لمعبود لا يشبه شيئًا بما عبدوه"، فإذا كان (مرئيهم في العقبى معروفهم) (٢) في
стр. 18120
الدنيا اتفقوا أنه هو معبودهم، وحكى ابن أبي عاصم أنه قال في تأويل هذا الحديث: إن ذَلِكَ تغير يقع في عيون الرائين كنحو ما يتخيل الإثسان الشيء بخلاف ما هو به، فيتوهمه الشيء على الهيئة.
فصل:
قال ابن فورك: وإضافة الصورة إليه بمعنى: الملك والفعل لا بمعنى التصور بشيء من الصور -تعالى الله عن ذَلِكَ- لأن الهيئة، والصورة، والتأليف، والتركيب، إنما تصح على الأجسام المحدودة والجواهر المخلوقة (١).
قال: ويحتمل أن تكون الصورة هنا بمعنى الصفة، فيكون تقدير المعنى: ما يظهر لهم من شدة بأسه يوم القيامة، وإظهاره معايب الخلق ومساوئهم وفضائحهم، وإنما عرفوه سبحانه ستَّارًا حليمًا غفورًا، فيظهر لهم منها أن ذَلِكَ منه، وهو معنى قوله: "فيقول: أنا ربكم " على معنى قول القائل، قالت رجلي، وقالت أذني، على معنى ظهر ذَلِكَ فيه، فيقولون عند ظهور ذَلِكَ منه مستعيذين بالله: هذا
مكاننا. أي: نثبت ونصبر حَتَّى تظهر رحمته وكرمه، وهو إتيان الرب لهم بإظهار جوده لهم، وعطفه عليهم، فيأتيهم بعد ذَلِكَ عند ثباتهم في الصورة التي يعرفون على معنى إبداء عفوه ومغفرته على الصفة التي عرفوه بها في الدنيا من ستره ومغفرته وحلمه، ومن هذا المعنى تقول: عرفني صورة هذا الأمر، أي: صفته (٢).
وقيل: هو صورة اعتقادي في هذا الأمر، والاعتقاد ليس بصورة مركبة، والمعنى: يرون الله تعالى على ما كانوا يعتقدونه عليه من
стр. 18121
الصفات التي يعرفونها، والإمام مالك نهى أن يتحدث بهذا الحديث، أي: لأجل خشية وقوع في محذور. وقال غيره: لا يقطع بأخبار الآحاد في المغيبات. قال أبو جعفر: فإن ثبت، فمعناه: أن يراد بالصورة: ما يأتي به في ظلل من الغمام والملائكة، أو يكونوا رأوه حين قبضوا في الموت فعرفوه بذلك، أو حين أخرجهم من صلب آدم فأشهدهم على أنفسهم. قال: ويحتمل المجيء والإتيان أن يقربهم ولا يوصف بالنقلة قال: وقولهم: نعوذ بالله منك أن ندعو ربًّا لا نعرفه.
فصل:
قوله: ("ويضرب جسر جهنم") الجسر واحد الجسور التي يعبر عليها، بفتح الجيم وكسرها، ذكره ابن السكيت (١) والجوهري (٢). قال ابن فارس: وهو معروف، قال: وقال ابن دريد: الجسر: القنطرة، يقال لها: الجسرة (٣). قال ابن التين: وقرأناه بالكسر.
وقوله: ("فأكون أول من يجيز") أي يخلفه، قال ابن فارس والجوهري: جزت الموضع، أجوزه، (جوزاً) (٤)، أي: سلكته، وسرت فيه، وأجزته: خلفته وقطعته (٥).
فصل:
الكلاليب: جمع كلوب، بفتح الكاف، وكلاب بضمها، وهو المنشل، ويسمى المهماز، وهو الحديدة التي على خف الرائض
стр. 18122
كلابًا، والمنشال: حديدة ينشل بها اللحم من القدر. وقال الداودي: الكلاليب التي يؤخذ بها الحديد المحمى. وفي رواية أخرى: "خطاطيف". قال: وهي أصح في المعنى أن تكون الخطاطيف مثل شوك السعدان، قال الجوهري: وفي الثل: مرعى ولا كالسعدان. والنون في السعدان زائدة؛ لأنه ليس في الكلام فعلال، غير جزعال وقهقار إلا من المضاعف، قال: ولهذا النبت شوك، يقال له: حسك السعدان، قال غيره: وهو شوكة حديد عليه (١).
وقوله: ("غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله ") قال ابن التين: قرأناه بضم العين وسكون الظاء، وفي رواية أخرى: بكسر العين وفتح الظاء، وهو أشبه؛ لأنه مصدر.
قال الجوهري: عظم الشيء عظمًا، أي: كبر، فتقديره: لا يعلم قدر كبرها إلا الله، قال: وعظَّم الشيء: أكبره (٢).
وقوله: ("ومنهم المخردل") أي: المقطع صغارًا صغارًا، قال ابن التين: بالدال والذال جميعًا، وقرأناه بالمهملة، (وهو في "الصحاح" أيضًا كذلك، حيث قال: خردلت اللحم: قطعته صغارًا بالدال والذال جميعًا (٣).
فصل:
وقوله: ("وحرم الله على النار أن تأكل من ابن آدم أثر السجود") أي: لم يجعل لها قدرة على ذَلِكَ، ويجوز أن يخلق الله فيها إدراكًا يحرم عليها ذَلِكَ، وآثار السجود في الجبهة والأنف والكفين وأطراف القدمين من باطنهما والركبتين.
стр. 18123
وفيه: دليل على تبعيض المرء في النار، وكذا قوله ﵇: "من أعتق مسلمًا أعتق الله بكل عضو منه عضوًا منه من النار، حتَّى الفرج بالفرج" (١). فعلى هذا إذا كان المعتق ناقص عضو كان ما قابل ذَلِكَ العضو الناقص في النار.
فصل:
وقوله: ("قشبني ريحها "): هو بفتح الشين، ونحفظه مخففًا، وقال ابن التين: هو بتشديدها، أي: آذاني، كأنه قال: سمني، يقال: قشبه: سقاه السم، وكل مسموم قشيب.
وقوله: ("وأحرقني ذكاها") وفي بعض النسخ بالمد، يقال: ذكت النار. تذكر ذكا مقصور اشتعلت، والمد فيه لغة.
وقال ابن التين: قرأناه بالمد وفتح الذال، قال ابن ولَّاد: ذكاء النار: التهابها، مقصور يكتب بالألف؛ لأنه من الواو، يقال: ذكت تذكر (٢). وكذا ذكره الجوهري (٣). وقال ابن فارس: ذكاء اسم الشمس، قال: وذلك أنها تذكر كالنار، والصبح ابن ذكاء من ضوئها (٤).
وقوله: ("حَتَّى يضحك") الضحك من الله محمول على إظهار الرضا والقبول.
ثم ساق أحاديث:
أحدها:
حديث شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ وشعبة، عن أبي عوانة، عن سليمان، عن أبي المغيرة، عن أبي وائل، عن عبد الله، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ، وَلَيُرْفَعَنَّ معي رِجَالٌ مِنْكُمْ ثُمَّ لَيُخْتَلَجُنَّ دُونِي، فَأقولُ: يَا رَبِّ أَصْحَابِي. فَيُقَالُ: إِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ". تَابَعَهُ عَاصِم عَنْ أَبِي وَائِلٍ. وَقَالَ أبو حَصيْنٌ: عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ .
الفرط والفارط: هو الذي سبق أصحابه إلى الماء ليسقي ويقوى في الحياض، حَتَّى يردوا فيشربوا، وفراط: جمع فارط في شعر الفطامي.
ومعنى "ليختلجن دوني": يعدل بهم عن الحوض، وأصله الجذب والإسراع، وكل شيئين فرق بينهما، فقد تخلج أحدهما عن صاحبه.
وقوله: ("ما أحدثوا بعدك") هو من ارتد بعده من الأعراب. وقوله: (عن أبي وائل، عن عبد الله) ومرة: (عن حذيفة) لا ينكر أن يكون ذَلِكَ عنهما، وهذا يدل أن ذَلِكَ قبل قوله: "فيحد لي حدًا" إلى آخر الحديث.
الحديث الثاني:
حديث ابن عُمَرَ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "أَمَامَكُمْ حَوْض كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ".
هما موضعان. قال ابن التين: وقرأنا "جرباء" بالمد، وفتح الجيم، و"أذرح": غير مصروف؛ لأنه تأنيث البقعة.
стр. 18129
الحديث الثالث:
حديث أبي بِشْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ ﵁، قَالَ: الكَوثَرُ الخَيْرُ الكَثِيرُ الذِي أَعطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ. قَالَ أَبُو بِشْرٍ: قُلْتُ لِسَعِيدٍ: إِنَّ أُنَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّهُ نَهَر في الجَنَّةِ. فَقَالَ سَعِيدٌ: النَّهَرُ الذِي فِي الجَنَّةِ مِنَ الخَيْرِ الكثير الذِي أَعْطَاهُ اللهُ إِيَّاهُ.
الكوثر وزنه فوعل من الكثرة، قال الهروي: وجاء في التفسير أنه القرآن والنبوة.
الحديث الرابع:
حديث ابن أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمْرٍو ﵄: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ، مَاؤُهُ أَبْيَضُ مِنَ اللَّبَنِ، وَرِيحُهُ أَطْيَبُ مِنَ المِسْكِ، وَكيزَانُهُ كَنُجُومِ السَّمَاءِ، مَنْ شَرِبَ منه فَلَا يَظْمَأُ أَبَدًا".
الكيزان: جمع كوز، كعود وأعواد، وكوزة مثل: عود وعودة. قال الداودي: هي الأقداح والأواني.
ومعنى "لا يظمأ": لا يعطش. قال تعالى: ﴿وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى﴾ [طه: ١١٩].
الحديث الخامس:
حديث أَنَسٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ قَدْرَ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءَ مِنَ اليَمَنِ، وَإِنَّ فِيهِ مِنَ الأَبَارِيقِ كَعَدَدِ نُجُومِ السَّمَاءِ".
الحديث السادس:
حديثه أيضًا عن النبي ﷺ ، قَالَ: "بَيْنَمَا أَنَا أَسِيرُ فِي الجَنَّةِ إِذَا بِنَهَرٍ حَافَتَاهُ قِبَابُ الدُّرِّ المُجَوَّفِ قُلْتُ: مَا هذا يَا جبْرِيلُ؟ قَالَ: هذا الكَوْثَرُ الذِي أَعْطَاكَ رَبُّكَ. فَإِذَا طِينُهُ -أَوْ طِيبُهُ- مِسْكٌ أَذْفَرُ". شَكَّ هُدْبَةُ -يعني
стр. 18130
ابن خالد، شيخ البخاري.
والدر جمع درة: وهي اللؤلؤة، وتجمع درات ودرر. والمجوف: الخاوي، والمسك الأذفر: الذكي الرائحة، قال ابن فارس: الذفر: حدة الرائحة الطيبة والخبيثة (١).
وقوله: ("بينما أنا أسير") إلى آخره. قال الداودي: إن كان محفوظًا يدل على أن الحوض الذي يزاد عنه أقوام غير النهر الذي رآه، وهو في الجنة، أو يكون يراهم وهو في الجنة وهم خارج، فيناديهم، فينصرفون ذات الشمال، فيتفق (الحديثان) (٢).
الحديث السابع:
حديث أَنَسٍ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيَرِدَنَّ عَلَيَّ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِي الحوضَ، حَتَّى إذا عَرَفْتُهُمُ اخْتُلِجُوا دُونِي، فَأقُولُ: أَصْحَابِي. فَيَقُولُ: لَا تَدْرِي مَا أَحْدَثُوا بَعْدَكَ".
ثم ساقه بعد من حديث أبي سعيد الخدري بزيادة: "فَأقولُ: سُحْقًا سُحْقًا لِمَنْ غَيَّرَ بَعْدِي". وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ "سُحْقًا": بُعْدًا. يُقَالُ: سَحِيقٌ: بَعِيدٌ، وَأَسحَقَهُ وسحقه واحد: أَبْعَدَهُ.
وقال أحمد بن شبيب بن سعيد الحبطي: ثنا أبي، عن يونس، عن ابن شهاب، عن ابن المُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ كَانَ يُحَدِّثُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَرِدُ عَلَيَّ يَوْمَ القِيَامَةِ رَهْطٌ مِنْ أَصْحَابِي فَيُحَلَّئُونَ عَنِ الحَوْضِ" الحديث بنحوه "ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمُ القَهْقَرى".
ثم ساق عن ابن المُسَيَّبِ أنه كان يحدث عن أصحاب رسول الله ﷺ قال: "يرد على الحوض" وقال: "من أصحابي فيحلَّئون عنه" الحديث بنحوه.
стр. 18131
وقال شعيب، عن الزهري: كان أبو هريرة يحدث عن رسول الله ﷺ "فيحلئون" فقال عقيل: فيجلون. وقال الزبيدي، عن الزهري، عن محمد بن علي، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ .
ثم ساق من حديث عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ رسول الله ﷺ بنحوه. "ارْتَدُّوا بَعْدَكَ عَلَى أَدْبَارِهِمُ القَهْقَرى" وفي آخره. "فَلَا أُرَاه يَخْلُصُ مِنْهُمْ إِلَّا مِثْلُ هَمَلِ النَّعَمِ".
الشرح:
الرهط: ما دون العشرة من الرجال، لا يكون فيهم امرأة.
وقوله: "فيجلون" ضبطناه بالحاء والجيم، وقد سلف اختلاف (الرواة) (١) في ذَلِكَ. قال ابن التين: قرأناه بالجيم في موضع، وبالحاء في آخر مهموزًا. قال الجوهري: حلأت الإبل عن الماء، تحلئة وتحليئًا: إذا طردتها عنه ومنعتها أن ترده (٢)، ونحوه عن الخطابي (٣) وابن فارس (٤)، وأنشدوا: محلأ عن سبيل الماء (مطرود) (٥).
قال الجوهري: وكذلك غير الإبل (٦)، وذكر عن البختري حلأت الإبل، بالتشديد والتخفيف، وهو مهموز عند جميعهم. وفي رواية غير مهموز وإنما سهل الهمزة.
стр. 18132
وقال الجوهري: قوله: "يجلون" يعني: الطرد، وإن كان بالحاء فهو أطبع وتجلو أيديهم من الخير.
والقهقرى: الرجوع إلى خلف، كما قاله الجوهري وغيره، فإذا قلت: رجعت القهقرى. فإنك قلت: رجعت الرجوع الذي يعرف بهذا الاسم؛ لأن القهقرى ضرب من الرجوع (١). ومعنى الحديث: أنهم ارتدوا عما كانوا عليه. وحكى ابن ولاد، عن أبي عمرو أن القهقرى: الإحضار، وهو العدو، ويقال: حضر الفرس وأحضر.
ومعنى "يجلون" بالجيم: يصرفون، مثل: يحلون بالمهملة. والهمل بالتحريك: الإبل بلا راع مثل النفش، إلا أن النفش لا يكون إلا ليلاً، والهمل يكون ليلاً ونهارًا، يقال: إبل هاملة وهمال وهوامل، وتركتها هملًا أي: سُدى إذا أرسلتها ترعى ليلاً ونهارًا بلا راع، وفي المثل: اختلط المرعي بالهمل، المرعي: ما له راع، قاله الجوهري (٢)، وعند ابن فارس: الهمل السدى من النعم ترعى نهارًا بلا راع (٣)، وقال الخطابي: الهمل من النعم: ما لا ترعى ولا تستعمل تترك هملًا لا تتعهد حَتَّى تضيع وتهلك، قال: وقد يكون الهمل أيضًا بمعنى الضوال (٤)، وقال الهروي في الحديث سألته عن الهمل -يعني: الضوال من النعم- واحدته هامل، كحارس وحرس، وطالب وطلب، ومعنى الحديث: أنه لا يخلص منهم إلا القليل؛ لأن الهمل من الإبل قليل نادر (٥).
стр. 18133
ثم ساق البخاري حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁: "مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الجَنَّةِ".
وقد سلف في موضعه، وأن المراد ببيته: بيت عائشة الذي فيه قبره، أو معنى بيته: قبره. وسلف معناه أيضًا، واحتج به من فضل المدينة على مكة، وأنه خص ذَلِكَ الموضع منها لفضله على بقيتها فسواها أولى، وخولف.
وحديث جندب: "أَنَا فَرَطُكُمْ عَلَى الحَوْضِ".
وقد سلف معناه أول الباب.
وحديث عُقْبَةَ بن عامر أنه ﷺ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى المَيِّتِ، ثُمَّ أنْصَرَفَ إلى المِنْبَرِ فَقَالَ: "إِنِّي فَرَطٌ لَكُمْ" الحديث.
معناه: دعاء لهم، وكان ذَلِكَ بعد موتهم بثمانية أعوام. وقيل: صلى صلاة الموتى، وهو ظاهر الحديث.
وقوله فيه: ("وإني والله لأنظر إلى حوضي الآن") يحذرهم أن يأتوا بما يوجب طردهم عنه.
وقوله: ("فإني أعطيت مفاتيح خزائن الأرض") أو "مفاتيح الأرض" أي: كنوزها، وأصله من: خزن الشيء فأسره، ويقال للسر من الحديث: مختزن.
وحديث حَارِثَةَ بْنَ وَهْبِ يَقُولُ: سَمِعْتُ رسول الله ﷺ وَذَكَرَ الحَوْضَ فَقَالَ كما قال: "كَمَا بَيْنَ اَلمَدِينَةِ وَصَنْعَاءَ".
وَزَادَ ابن أَبِي عَدِيِّ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مَعْبَدِ بْنِ خَالِدٍ، عَنْ حَارِثَةَ، سَمِعَ رسول الله ﷺ قَوْلَهُ: حَوْضُهُ مَا بَيْنَ صَثْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ. فَقَالَ لَهُ
стр. 18134
المُسْتَوْرِدُ: أَلَمْ تَسْمَعْهُ قَالَ: "الأَوَانِي". قَالَ: لَا. قَالَ المُسْتَوْرِدُ: "تُرى فِيهِ الآنِيَةُ مِثْلَ الكَوَاكِبِ".
وحديث أَسْمَاءَ قَالَتْ: قَالَ رسول الله ﷺ : "إِنِّي عَلَى حوضي حَتَّى أَنْظُرُ مَنْ يَرِدُ عَلَيَّ مِنْكُمْ" الحديث.
قوله: ("الآنية مثل الكواكب") يحتمل أن يريد التكبير، ويحتمل أن يريد الحقيقة، كما قاله الداودي.
وقوله: ("ما برحوا") أي: ما زالوا.
وقوله: في الحوض ("كما بين صنعاء والمدينة") وفي الأول: "المدينة وصنعاء" يريد صنعاء الشام، وقال: قيل: كما بين صنعاء وأيلة فيحتمل أن يكون ذَلِكَ كله سواء، أو يكون ما بين صنعاء والمدينة ما بينها وبين أيلة، ومثل ذَلِكَ ما سلف أول الباب: "ما بين جرباء، وأذرح".
آخر الرقائق وما ألحق به.