وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ -قَالَ: "يَعْرَقُ النَّاسُ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يَذْهَبَ عَرَقُهُمْ في الأَرْضِ سَبْعِينَ ذِرَاعًا، وَيُلْجِمُهُمْ حَتَّى يَبْلُغَ اَذَانَهُمْ".
الشرح:
الوصلات: ضبطناه بضم الصاد، ويجوز إسكانها، وفتحها أيضًا، كما نبه عليه ابن التين، وقال الجوهري: جمع وصلة: وصل (١)، ويعرق بفتح الراء في مستقبله، وكسرها في ماضيه، و"يُلجمهم" بضم الياء من ألجم، يلجم.
والرشح: العرق.
ولفظ البيهقي في حديث ابن عمر ﵄: "أن الشمس لتدنوا حَتَّى يبلغ العرق نصف الأذن" (٢).
وله من حديث إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا: "إن الكافر ليلجم بعرقه يوم القيامة من طول ذَلِكَ اليوم حَتَّى يقول رب أرحني ولو إلى النار" (٣).
ومن حديث أبي خالد الدالاني، عن المنهال بن عمرو، عن عبد الله بن الحارث، عن أبي هريرة ﵁ قال: "يحشر الناس حفاة، عراة، مشاة غرلاً، قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء- قال: فيلجمهم العرق من شدة الكرب". الحديث.
وكان كعب الأحبار يزعم: أنهم يقومون مقدار ثلاثمائة عام.
стр. 18063
وروى مسلم من حديث المقداد ﵁ مرفوعًا: "إذا كان يوم القيامة أدنيت الشمس من العباد حَتَّى تكون (منهم كمقدار) (١) ميل أو ميلين" قال سُليم: (لا) (٢) (أدري) (٣) (أراد أي الميلين) (٤)، أمسافة الأرض؟ أم الميل الذي تكتحل به العين، قال: " (فتصهرهم) (٥) الشمس فيكونون في العرق بقدر أعمالهم، فمنهم من يأخذه إلى حقويه، ومنهم من يلجمه إلجامًا" قال: فرأيت رسول الله ﷺ وهو يشير بيده إلى فيه (٦).
وروى البيهقي من حديث عقبة بن عامر مرفوعًا: "تدنو الشمس من الأرض يوم القيامة فيعرق الناس، (فمن الناس) (٧) من يبلغ عرقه عقبيه، ومنهم من يبلغ نصف ساقيه، ومنهم من يبلغ ركبتيه، ومنهم من يبلغ فخذه، ومنهم من يبلغ خاصرته، ومنهم من يبلغ منكبيه، ومنهم من يبلغ فاه -فأشار بيده فألجمها- ومنهم من يغطيه عرقه، وضرب بيده على رأسه هكذا" (٨).
وعن ابن مسعود ﵁ أنه قال: الأرض يوم القيامة كلها نار، والجنة من ورائها ترى (كواكبها) (٩)، وكواعبها؛ فيعرق الرجل حَتَّى يرشح عرقه في الأرض قدر قامته، ثم يرتفع حَتَّى يبلغ أنفه، وما مسه الحساب (١٠).
стр. 18064
وعن عبد الله بن عمرو ﵄ قال: يشتد كرب ذَلِكَ اليوم حَتَّى يلجم الكافر العرق، قيل له: فأين المؤمنون؟ قال: على كراسي من ذهب، ويظل عليهم الغمام (١). وعن أبي ظبيان قال أبو موسى: الشمس فوق رءوس الناس، وأعمالهم تظله.
وروى ابن المبارك في "رقائقه" من حديث شهر، حَدَّثَني ابن عباس ﵄: " (إن الله) (٢) يحشر الأمم من الإنس والجن عراة أذلاء، قد نزع الملك من ملوك أهل الأرض، ولزمهم الصغار بعد عتوهم، والذلة بعد تجبرهم على عباد الله في أرضه حَتَّى إذا وافوا الموقف أهل السماوات السبع، والأرضين السبع كسيت الشمس حر سبع سنين، ثم أدنيت من الخلائق قاب قوس أو قوسين". الحديث بطوله (٣).
وفي "كشف علوم الآخرة" للغزالي: الخلق يتداخل إلى أن يبقى على القدم ألف يوم لشدة الزحام، ولخوض الناس في العرق في أنواع مختلفة، ومنهم من يصيبه يسير، كالقاعد في الحمام، ومنهم من يصيبه البلة كالعاطش إذا شرب الماء، وكيف لا يكون القلق والعرق وقد قربت الشمس من رءوسهم حَتَّى لو مد أحدهم يده لنالها مع تضاعف حرها إلى سبعين مرة.
قال بعض السلف: لو طلعت الشمس على الأرض كهيئتها يوم القيامة لأحرقت الأرض، وذاب الصخر، ونشفت الأنهار فيقفون كذلك ألف عام، فإذا بالعرش يحمله ثمانية أملاك، فلا يزالون كذلك يموج بعضهم في بعض ألف عام، والجليل ﷻ لا يكلمهم كلمة واحدة، فحينئذٍ يذهب الناس إلى آدم فيسألونه الشفاعة في فصل القضاء.
стр. 18065
وروى ابن أبي شيبة، عن أبي معاوية، عن عاصم، عن أبي عثمان، عن سلمان الخير قال: تعطى الشمس يوم القيامة حر عشر سنين، ثم تُدنى من جماجم الناس حَتَّى تكون قاب قوسين قال: فيعرقون حَتَّى يرشح العرق في الأرض قامة، ثم ترتفع حَتَّى يغرغر الرجل. قال سلمان: حَتَّى يقول الرجل: غرغر (١). وروى هناد بن السرى: حَدَّثَنَا قبيصة، عن سفيان، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان، عن سلمان بلفظ: ولا يجد حرها مؤمن ولا مؤمنة، وأما الكفار (تطحنهم طحنًا) (٢) حَتَّى يسمع (لأجوافهم) (٣) غق غق (٤).
والمراد من هذا: لا (تضير) (٥) مؤمنًا كامل الإيمان، أو من استظل، كما سلف من حديث المقداد. وروى ابن المبارك، عن مالك بن مغول، عن عبيد الله بن العيزار قال: يزاد في حر الشمس يومئذٍ تسعة وستون ضعفًا (٦).
وروى الوائلي من حديث عبد الله بن عمرو قال: تلا رسول الله ﷺ ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (٦)﴾ [المطففين: ٦] ثم قال: "كيف بكم إذا جمعكم الله كما يجمع النبل في الكنانة خمسين ألف سنة لا ينظر إليكم" (٧).
стр. 18066
فصل:
قال ابن العربي: كل أحد يقوم عرقه معه فيغرق فيه إلى أنصاف ساقيه، وإلى جانبيه كما سلف، قال: وهذا خلاف المعتاد في الدنيا؛ فإن الجماعة إذا وقفوا في الأرض (المستوية) (١)، أخذهم الماء أخذًا واحداً ولا يتفاوتون، وهذا من القدرة التي تخرق العادات. ومثَّله ابن برجان في "إرشاده" بالمؤمن في الدنيا يمشي بنور إيمانه في الناس، والكافر في ظلمات كفره، والمؤمن في وقاية الله وكفايته، والكافر والعاصي في خذلانه لهما وعدم العصمة، والمؤمن السُني يكدع في السُنَّة، ويروى ببرد اليقين، ويمشي في سبيل الهداية بحسن الاقتداء، والمبتدع عطشان إلى ما يرويه.
فصل:
قال الغزالي: واعلم أن كل عرق لا يخرجه التعب في سبيل الله من جهاد، وحج، وقيام، وصيام، وتردد في قضاء حاجة مسلم، وتحمل مشقة في أمر بمعروف، أو نهي عن منكر، فسيخرجه الحياء والخوف في صعيد القيامة، ويطول فيه كربه. ولو سلم ابن آدم من الجهل والغرور لعلم أن تعب العرق في حمل مصاعب الدنيا أهون أمرًا، وأقصر زمانًا من عرق الكرب، والانتظار في يوم القيامة.
فصل:
سلف حديث ابن عمر ﵄ أيضًا في التفسير، في تفسير: ﴿وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ (١)﴾ (٢) [المطففين: ١]، وتكلمنا عليه أيضًا هناك، وأعدناه لبعده.
وقيل: لأنها تحق كل الكفار الذين حاقوا الأنبياء إنكارًا، يقال: حاققته فحققته، أي: خاصمته فخصمته، وسميت القيامة القارعة؛ لأنها تقرع القلوب، و ﴿الْغَاشِيَة﴾ لأنها تغشاهم، أي: تجللهم (١).
والصاخة في الأصل: الداهية، يقال: رجل أصخ، أي: أصم.
وقال الحسن: ﴿الصَّاخَّةُ﴾: الآخرة، يصخ لها كل شيء أي: ينصب.
وفي "الصحاح": الصاخة: الصيحة يقال: صخ الصوت الأذن يصخها صخًا، ومنه سميت القيامة (٢).
ثم ساق حديث شَقِيقٍ: سَمِعْتُ عَبْدَ اللهِ ﵁، قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ فِي الدِّمَاءِ".
وحديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ مَظْلِمَة لأَخِيهِ فَلْيَتَحَلَّلْهُ مِنْهَا، فَإِنَّهُ لَيْسَ ثَمَّ دِينَارٌ وَلَا دِرْهَمٌ، مِنْ قَبْلِ أَنْ يُؤْخَذَ (لأَخِيهِ) (٣) مِنْ حَسَنَاتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ حَسَنَاتٌ أُخِذَ مِنْ سَيِّئَاتِ أَخِيهِ فَطُرِحَتْ عَلَيْهِ".
وحديث أبي سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "يَخْلُصُ المُؤْمِنُونَ مِنَ النَّارِ، فَيُحْبَسُونَ عَلَى قَنْطَرَةٍ بَيْنَ الجَنَّةِ وَالنَّارِ، فيقتص لِبَعْضِهِمْ مِنْ بعْضٍ مَظَالِمُ كانَتْ بَيْنَهُمْ في الدُّنْيَا، حَتَّى إِذَا هُذِّبُوا وَنُقُّوا أُذِنَ لَهُمْ في دُخُولِ الجَنَّةِ، فَوَالَّذِي نفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لأَحَدُهُمْ أَهْدى بِمَنْزِلِهِ في الجَنَّةِ مِنْهُ بِمَنْزِلِهِ كانَ فِي الدُّنْيَا".
стр. 18069
الشرح:
حديث عبد الله بن مسعود في حقوق العباد، وجاء في حديث آخر: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة" (١). وهو في حقوق الله، فإن وجدت كاملة نظر في غير ذَلِكَ فلا تضاد، ولما كانت الدماء من أكبر الذنوب بعد الكفر ذكرت.
وفي النسائي: "أول ما يحاسب به العبد الصلاة، وأول ما يقضى بين الناس في الدماء" (٢).
وفي "الموطأ" عن يحيى بن سعيد قال: بلغني أن أول ما ينظر فيه من عمل المرء الصلاة (٣).
ورواه الترمذي مرفوعًا من حديث أبي هريرة، وقال: حسن غريب (٤).
وقال الداودي: أول من يقضى بينهم علي، وحمزة، وعبيدة (بن الحارث) (٥)، وعتبة وشيبة ابنا ربيعة، والوليد بن عتبة الذين تبارزوا يوم بدر، وفيهم نزل ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩].
وقد سلف الحديث في ذَلِكَ في البخاري عن علي ﵁: أنا أول من يجثو يوم القيامة بين يدي الرحمن للخصومة، يريد قصته في مبارزته هو والجماعة. قال أبو ذر: وفيهم نزلت: ﴿هَذَانِ خَصْمَانِ﴾ [الحج: ١٩] (٦).
стр. 18070
فصل:
والمظلمة بفتح اللام، وهو القياس، وبه ضبطه ابن التين، والدمياطي ضبطه بكسرها. قال الجوهري: ظلمه، ظلمًا، ومظلمة، وأصله: وضع الشيء في غير موضعه، قال: والظلامة والظليمة والمظلمة: ما تطلبه عند الظالم، وهو اسم ما أخذ عن ظلمة (١).
وقوله: ("فليتحلله منها") قال الهروي: يقال تحللته، واستحللته: إذا سألته أن يجعلك في حل من قبله (٢).
والدينار: أصله دنار، بدليل جمعه على دنانير، فإن الجمع يرد الشيء إلى أصله، والدرهم فارسي معرب، وكسر الهاء لغة، وربما قالوا: درهام، وجمع درهم: دراهم، ودرهام: دراهيم، وليس في كلام العرب يقال سواه، وسوى هيلع: وهو الأكول، وهجرع: وهو الطويل، وبلعم: وهو اسم رجل، ذكر عن الخليل، زاد غيره: ضفدع، والجماعة على كسر داله.
وقوله: ("من قبل أن يؤخذ لأخيه من حسناته") يعني: المسلم، قال بعضهم: اقتص لبعض العباد من بعض عاد الأمر فيما بينهم، وبين الله، وهذا قد أسلفته.
فصل:
قوله: ("يَخلُصُ") هو بفتح أوله، وضم ثالثه، وهو اللام أي: يخلصوا.
стр. 18071
ومنه: خلاصة السمن: ما خلص منه؛ لأنهم إذا طبخوا الزبد ليتخذوه سمنًا طرحوا فيه شيئًا من سويق وتمر وأبعار غزلان، كما ذكره ابن التين، فإذا جاد وخلص من الثقل ذَلِكَ السمن.
والقنطرة: الجسر، والتهذيب بالذال المعجمة: التنقية، يقال: رجل مهذب أي مطهر الأخلاق.
وقوله: ("بمنزله") أي: أعرف بطريقه، وموضعه.
فصل:
قال البيهقي: ينبغي أن نعلم أن سيئات المؤمن على أصول أهل السنة والجماعة متناهية الجزاء، وحسناته غير متناهية الجزاء؛ لأن مع ثوابها الخلود في الجنة، فلا يأتي بما هو متناهٍ على ما ليس بمتناه، فعلى هذا وجه هذا الحديث عندي أنه يعطى خصماء المؤمن المسيء من أجر حسناته ما يوازي عقوبة سيئاته، فإن فنيت حسناته أي: أخذ حسناته الذي قابل عقوبة سيئاته أخذ من خطايا خصومه، فطرحت عليه، ثم طرح في النار إن لم يعف عنه، حَتَّى إذا انتهت عقوبة تلك الخطايا رد إلى الجنة بما كتب له من الخلود فيها بإيمانه، ولا يعطى خصماؤه ما زاد من أجر حسناته على ما قابل عقوبة سيئاته، لأن ذَلِكَ من فضل الله يخص به من وافى القيامة مؤمنًا (١).
فصل:
عند مسلم: "أتدرون من المفلس؟ " قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع قال: "المفلس من أمتي من يأتي يوم القيامة بصلاة، وصيام، وزكاة (ويأتي قد شتم هذا وقذف هذا، وأكل مال هذا، وسفك دم هذا،
стр. 18072
وضرب هذا) (١) (فيعطى هذا) (٢) من حسناته، وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل انقضاء ما عليه أخذ من خطاياهم، وطرحت عليه ثم طرح في النار" (٣). وفي لفظ: "لتؤدن الحقوق إلى أهلها حَتَّى يقاد للشاة الجلحاء من الشاة القرناء" (٤). وفي ابن ماجه من حديث ثعلبة بن سوار: ثَنَا عمي محمد بن سوار، عن حسين المعلم، عن مطر الوراق، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ يرفعه: "من مات وعليه دينار أو درهم قضي من حسناته ليس ثم دينار ولا درهم من ترك دينارًا أو ضياعًا فعلى الله ورسوله" (٥).
فصل:
روى الحارث بن أبي أسامة في "مسنده" عن عبد الله بن أنيس ﵁: سمعت رسول الله ﷺ : يقول: "يحشر الله العباد -أو قال: الناس. وأومأ بيده إلى الشام- عراة، غرلًا بُهْمًا" قيل: ما بُهْمًا؟ قال: "ليس معهم شيء، فيناديهم بصوت يسمعه من بعد ومن قرب: أنا الملك، أنا الديان، لا ينبغي لأحد من أهل الجنة أن يدخل الجنة وأحد من أهل النار يطلبه بمظلمة حَتَّى اللطمة، ولا ينبغي لأحد من أهل النار أن يدخل النار وأحد من أهل الجنة يطلبه بمظلمة حَتَّى اللطمة" قلنا: كيف، وإنما نأتي الله حفاة عراة؟ قال: "بالحسنات، والسيئات" (٦).
стр. 18073
فصل:
وقع هنا ذكر الصوت. قال البيهقي: بصوت، لم يثبت بإسناد يكون حجة بانفراده، والأشبه أن يكون المراد به: نداء يليق بصفات الله تعالى، ويحتمل أن يأمر به ملكًا فيكون الصوت مضافًا إلى الملك في الحقيقة، وأضيف إلى الله؛ لأنه بأمره كان (١).
وقال الحافظ أبو الحسن علي بن المفضل المقدسي في كتابه "الجواب عن أحاديث الأصوات" بعد أن ساقها: أما حديث جابر، عن ابن أنيس فذكره البخاري تعليقًا فقال: ويذكر عن جابر، وهو حديث مداره على ابن عقيل، وهو ضعيف، وتفرد به عنه القاسم بن عبد الواحد، وليس ممن يحتج بحديثه، وروي من طريق عمر بن صبيح، عن مقاتل، عن أبي الجارود، وابن صبيح وضاع، ورواه ابن لهيعة، عن يزيد، وابن لهيعة حاله مشهور، والحديث أيضًا مضطرب؛ فتارة قال: قدمت عليه الشام، وأخرى: بمصر، وحديث محمد بن كعب عن أبي هريرة بمثله رواه عن أبي عاصم، عن إسماعيل بن رافع، عن محمد بن زياد، عن محمد بن كعب، فقال عن رجل، عن أبي هريرة، ومثل هذا لا تقوم به حجة، وحديث أبي
стр. 18074
سعيد تفرد بلفظ الصوت فيه حفص بن غياث عن الأعمش، وخالفه الحفاظ، فلم يذكروه فيه، والرواية الصحيحة ينادى بفتح الدال، نص عليه أبو ذر الهروي، وحديث ابن (عمر) (١) موقوف وضعيف، وحديث ابن مسعود روي من طرق مرفوعًا وموقوفًا، وليس فيه ذكر الصوت، وإنما ذكر أبو نصر السجزي أنه وجده مذكورًا في موقوفٍ عليه، وليس بصحيح. وحديث النواس كذلك أيضًا، وكذا حديث بهز بن حكيم، عن أبيه، عن جده، ولا ذكر فيها للصوت، وحديث أنس بن مالك ضعيف، قال: وهذا بمعنى ألفاظ ابن حبان، والأزدي، والدارقطني في الكلام على هذِه الأحاديث.
فصل:
روينا في جزء الأنصاري بعلو: حَدَّثَنَا محمد بن عمرو، عن يحيى بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن الزبير، عن الزبير قال: لما نزلت هذِه الآية: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ (٣١)﴾ [الزمر: ٣١]، قال: قال الزبير: يا رسول الله، أيكرر علينا ما كان بيننا في الدنيا مع خواص الذنوب؟ قال: "نعم ليكررن عليكم حَتَّى تؤدوا إلى كل ذي حق حقه" قال الزبير: والله إن الأمر لشديد (٢).
стр. 18075
ومن حديث إبراهيم الهجري، عن أبي الأحوص، عن عبد الله يرفعه: "اتقوا الظلم ما استطعتم، فإن العبد ليجيء بالحسنات الكثيرة يوم القيامة، فيرى أنهن ستنجينه، فما يزال عبد يجيء فيقول: يا رب إن فلانًا ظلمني مظلمة، فيقول: امح من حسناته، فما يزال كذلك حَتَّى ما يبقي له من حسناته شيئًا، وإن مثل ذَلِكَ: مثل سفر نزلوا بفلاة من الأرض ليس معهم حطب فتفرق القوم، فحطبوا، فلم يلبثوا أن أعظموا نارهم، وصنعوا ما أرادوا، وكذلك الذنوب" (١).
ومن حديث عاصم الأحول، وخالد الحذاء قالا: سمعنا أبا عثمان، عن سلمان وحذيفة، وسعد بن مالك وابن مسعود حَتَّى عد ستة أوسبعة من الصحابة قالوا: إن الرجل ليرفع له يوم القيامة صحيفة حَتَّى يرى أنه ناج، فما تزال مظالم بني آدم تتبعه حَتَّى ما تبقى له حسنة، وتحمل عليه من سيئاتهم.
ومن حديث زياد النميري، عن أنس ﵁ رفعه: "الظلم ثلاثة: ظلم لا يغفره الله، وهو الشرك، وظلم يغفره الله، وهو ظلم العباد أنفسهم، وظلم لا يتركه الله، وهو ظلم العباد بعضهم بعضا حَتَّى يدين بعضهم من بعض" (٢).
قال البيهقي: ورواه صدقة بن موسى، عن أبي عمران الجوني، عن يزيد بن بابنوس، عن عائشة ﵂، عن رسول الله ﷺ مرفوعًا،
стр. 18076
وقد روي عن بعض التابعين، وقال: البخاري: سعيد بن أنس، عن أنس، عن رسول الله ﷺ في المظالم لا يتابع عليه، قاله عبد الله بن بكر، ثَنَا عباد بن شيبة، عن سعيد.
وقد روي ذَلِكَ أيضًا عن زياد بن ميمون البصري، عن أنس، إلا أن زيادًا متروك، ولا تعني متابعته شيئًا.
ومن حديث ابن كنانة بن عباس بن مرداس السلمي عند أبي داود السجستاني، عن أبيه، عن جده عباس، أنه ﵇ دعا عشية عرفة لأمته بالمغفرة والرحمة فأكثر الدعاء؛ فأجابه الله: "إني قد فعلت إلا ظلم بعضهم بعضا. قال: أي رب، إنك قادر أن تثيب المظلوم خيرًا عن مظلمته، وتغفر لهذا الظالم". فلم يجبه تلك العشية، فلما كانت غداة المزدلفة أعاد الدعاء، فأجابه: "إني قد غفرت لهم" (١).
قال البيهقي: كان البخاري يضعف إسناد حديث العباس هذا ويقول: لا يصح، [وحديثه] (٢) في قصة يوم عرفة باطل.
قال البيهقي: ويحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة بعد أن يذيقهم شيئًا من العذاب دون الاستحقاق، فيكون الخبر خاصًا في وقت دون وقت، ويحتمل أن تكون الإجابة إلى المغفرة لبعضهم فيكون الخبر خاصًا في قوم دون قوم، ثم من لا يغفر له يذيقه من العذاب بما اكتسب، ويحتمل أن يكون عامًا، ونص القرآن يدل على أنه مفوض إلى المشيئة في قوله: ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨] فلا ينبغي لمسلم أن يضر نفسه؛ فإن المعصية شؤم وخلاف الخيار في
стр. 18077
أوامره ونواهيه عظيم (١).
قلت: وروينا عن أبي داود الطيالسي ما يقويه، فقال: حَدَّثَنَا صدقة بن موسى، ثَنَا أبو عمران الجوني، عن زيد بن قيس -أو قيس بن زيد- عن قاضي المصرين شريح، عن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق ﵄: أن النبي ﷺ قال: "إن الله ﵎ يدعو صاحب الدين يوم القيامة فيقول: يا ابن آدم فيم أضعت حقوق الناس وأموالهم، فيقول: يا رب لم أفسد، ولكنني أصبت إما غرقًا أو حرقًا، فيقول: أنا أحق من يقضي عنك اليوم، فترجح حسناته على سيئاته، ويؤمر به إلى الجنة" (٢).
وروى البيهقي من حديث عبد الله بن بكر السهمي، ثَنَا عباد بن شيبة الحبطي، عن سعيد بن أنس عن أنس قال: بينما رسول الله ﷺ جالس إذ رأيناه ضحك حَتَّى بدت ثناياه، فقال عمر: ما يضحكك يا رسول الله؟ فقال: "رجلان من أمتي جثيا بين يدي ربِّ العزة، فقال أحدهما: يا رب خُذْ لي مظلمتي من أخي. فقال الله ﵎: أعط أخاك مظلمته. فقال: يا رب لم يبق من حسناتي شيء. فقال الله للطالب: كيف تفعل ولم يبق من حسناته شيء. فقال: يا رب يتحمل من أوزاري" قال: وفاضت عينا رسول الله ﷺ بالبكاء، ثم قال: "إن ذَلِكَ يوم عظيم، يوم يحتاج الناس إلى أن يحمل عنهم من أوزارهم -قال- فقال الله للطالب: ارفع رأسك، فرفع رأسه، فقال: يا رب أرى مدائن من فضة مرتفعة، وقصورًا من ذهب مكللة باللؤلؤ، فلأي نبي، أو صديق، أو شهيد هذا؟ قال: هذا لمن أعطى الثمن. قال: يا رب، ومن يملك
стр. 18078
ذَلِكَ؟ قال: أنت تملكه. قال: بم يا رب؟ قال: بعفوك عن أخيك. قال: يا رب إني قد عفوت عنه، قال الله: خذ بيد أخيك فأدخله الجنة".
ثم قال رسول الله ﷺ عند ذَلِكَ: "اتقوا الله، وأصلحوا ذات بينكم فإن الله يصلح بين المؤمنين يوم القيامة" (١).
فصل:
روى ابن عبد البر من حديث البراء بن عازب ﵄ مرفوعًا: "صاحب الدين مأسور يوم القيامة بالدين" (٢).
وروى أبو نعيم من حديث زاذان أبي عمر، عن ابن مسعود ﵁ قال: يؤخذ بيد العبد أو الأمة فينصب على رءوس الأولين والآخرين، ثم ينادي مناد: هذا فلان ابن فلان فمن كان له حق فليأت إلى حقه، فتفرح المرأة أن يدور لها الحق على أبيها، وأخيها، أو على زوجها، ثم قرأ عبد الله: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون: ١٠١]، فيقول الرب تعالى للعبد: آت هؤلاء حقوقهم. فيقول: يا رب فنيت الدنيا، فمن أين أوتيهم، فتقول الملائكة: خذوا من أعماله الصالحة فأعطوا كل إنسان بقدر طلبته، فإن كان وليًّا لله فضلت من حسناته مثقال حبة من خردل من خير فيضاعفها الله حَتَّى يدخله بها الجنة، ثم قرأ ﴿إِنَّ اللهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٤٠]، وروي نحوه أيضًا مرفوعًا (٣).
стр. 18079
وعن أبي هريرة ﵁ قال: كنا نسمع أن الرجل يتعلق بالرجل يوم القيامة، وهو لا يعرفه، فيقول: مالك إليَّ وما بيني وبينك معرفة؟ فيقول: كنت تراني على الخطايا والمنكر ولا تنهاني (١).
فصل:
إياك أن تعترض على هذِه الأحاديث بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام:١٦٤] وبقوله: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] كما توهمه بعض السخفاء؛ لأن الله تعالى لم يبن أمور الدنيا على عقول العباد بل أوعد ووعد بمشيئته وإرادته، وأمر ونهى بحكمته، ولا يُسأل عما يفعل ونحن نُسأل، ولو كان كل ما لا تدركه العقول مردودًا، لكان أكثر الشرع مستحيلًا على موضوع عقولهم، فقد أوجب بخروج المني وهو طاهر عند جماعة الغسل، وبخروج الأحداث عينًا وريحًا، غسل الأعضاء الأربعة والتسليم متعين، فكذا القصاص بالحسنات والسيئات. وقد قال تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئًا﴾ [الأنبياء: ٤٧]، وقال: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾ [العنكبوت: ١٣] وقال: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ [النحل: ٢٥]، وهذا يبين معنى قوله: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. أي: لا تحمل حاملة حمل أخرى إذا لم تتعد وإن تعدت حملت وأخذ منها بغير اختيارها. قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا يَوْمًا لَا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا﴾ [البقرة: ٤٨].
стр. 18080
فصل:
فيجب على كل مسلم البدار إلى محاسبة نفسه، كما قال عمر ﵁: حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا، وزنوها قبل أن توزنوا (١). فإن المرء إذا مات وليس عليه فريضة ولا مظلمة دخل الجنة بغير حساب، فإن مات قبل رد المظالم أحاط به خصماؤه، وأنشبوا به مخاليبهم، وهو مبهوت متحير من كثرتهم حَتَّى لم يبق في عمره أحد عامله على درهم أو جالسه في مجلس إلا وقد استحق عليه مظلمة بغيبة أو خيانة أو نظرة بعين استحقارًا إذ قرع سمعه نداء الجبار ﴿الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٧)﴾ [غافر: ١٧] فعند ذَلِكَ ينخلع قلبه من الهيبة ويوقن بالبوار، فعند ذلك يؤخذ من حسناتك التي فنيت فيها عمرك، وتنقل إلى خصمائك عوضًا من حقوقهم، كما ورد في الأحاديث التي سقناها. وقد قيل: لو أن رجلاً له ثواب سبعين صديقًا، وله خصم بنصف دانق لم يدخل الجنة حَتَّى يرضي خصمه، وقيل: يؤخذ بدانق واحد سبعمائة صلاة مقبولة، فيعطى للخصم، ذكره القشيري في "تحبيره".
فصل:
اختلف الناس في حشر البهائم، وفي قصاص بعضها من بعض، فروي عن ابن عباس: أن حشر الدواب والطير موتها، وقاله الضحاك (٢). وفي رواية أخرى عن ابن عباس أنها تحشر وتبعث،
стр. 18081
وقاله أبو ذر، وأبو هريرة، وعمرو بن العاصي، والحسن البصري، وهو الصحيح لقوله: ﴿وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ (٥)﴾ [التكوير: ٥] وقوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨].
قال أبو هريرة: يحشر الله الخلق كلهم يوم القيامة البهائم والطير والدواب وكل شيء، فيبلغ من عدل الله أن يؤخذ للشاة الجماء من القرناء، ثم يقول: كوني ترابًا، ونحوه عن عبد الله بن عمر وعبد الله بن عمرو، وفي بعض الأخبار: أن البهائم إذا صارت ترابًا يوم القيامة حول الله ذَلِكَ التراب في وجوه الكفار، فذلك قوله: ﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ (٤٠)﴾ [عبس: ٤٠] أي: غبار. وقالت طائفة: الحشر في قوله: ﴿ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨]، للكفار، وأن ما تخلل من قوله: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ﴾ [الأنعام: ٣٨] كلام معترض، وإقامة حجج، وأما الحديث فالمقصود منه: التمثيل على جهة تعظيم أمر الحساب والقصاص، وأنه لا محيص لمخلوق عنه، وعضدوا ذَلِكَ بما روي حين يقاد للشاة الجماء من القرناء، وللحجر لم ركب الحجر، والعود لم خدش العود، قالوا: فظهر من هذا أن المقصود التمثيل المفيد التهويل؛ لأن الجمادات لا تعقل خطابها، ولا عقابها ولا ثوابها، ولم يصر إليه أحد من العقلاء، ومتخيلة من جملة المعتوهين الأغبياء. وأجاب من قال: إنها تحشر وتبعث بأن قال: من الحكمة الإلهية أن لا يجري أمرًا من أمور الدنيا، والآخرة إلا على مشيئة مستوية، وحكمة موزونة، ومن قال هنا بما قالته طائفة من المتسمين بالعلم: أن الجامد لا يفقه، والحيوان غير الإنسان لا يعقل، وإنما هو مميز في الحيوان، ولسان حال في الجامد والنامي.
стр. 18082
وقال: إن الله تعالى يقول في الظالمين المكذبين ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ [الفرقان: ٤٤] ولو كان عندها عقل أو فهم ما نزل بالكافر الفاسق إلى درجتها في موضع التنقيص والتقصير، والله تعالى قد وصفه بالصمم والموت في موضع التبصير والتذكير، فقال: ﴿وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ﴾ [النمل: ٨٠] وقال: ﴿أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ أَوْ تَهْدِي الْعُمْيَ﴾ [الزخرف: ٤٠]، وقال: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [البقرة: ١٧١] قيل له: ليس الأمر كما ذكرت، وإن شئت فارجع بصرك في الذي رأيت، تجده قد وصفهم بالموت والصم، كما وصفهم بالعمى والبكم، وليسوا في الحقيقة الظاهرة موتى ولا صم ولا عميان ولا بكم، وإنما هم أموات بالعقول والأذهان عن صفة الإيمان، وحياته دار الحيوان صم عن كلمة الأحياء، عمى عن النظر في مرآة وجوه الأخلاء، كذلك وصف الأنعام بضلال، وليست في الحقيقة بضلال من حيث شرعها وحكمتها، وإنما ذَلِكَ من حيث واقعها، وكيف يكون ذَلِكَ كذلك والله تعالى يقول: ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿يُحْشَرُونَ﴾ [الأنعام: ٣٨] ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ﴾ [مريم: ٦٨] حما وقرعًا، وليحاسبن حساباً يسيرا ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: ٨٢] وأن الله لا يسأل إلا عاقلاً، وجعل كل موجود من موجوداته في أشتات الخلائق، وأجناس العالم دار دنيا، ودار آخرة، فمن نظر إلى الأنعام وجدها من حيث نحن لا من حيث فلكها، فكل حيوان وجماد محشور لما عنده من الإدراك والمشاهدة والحضور من حيث هي، لا من حيث نحن، قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ [الإسراء: ٤٤]، وقال: ﴿وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (١٥)﴾ [الرعد: ١٥]،
стр. 18083
وقال: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ﴾ [الحج: ١٨]، قالوا: لا يقال هذا بلسان الحال دون المقال، قلنا: نقول هذا مجاز، والله يقضي بالحق، كما أخبر في كتابه: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ﴾ [الأنعام: ٥٧] ومن نظر بنور الله حل الرمز، وفك المعمى، وهم إنما نظروا من حيث هم، ومن حيث العقل، ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠]
قال القرطبي: وهذا كله صحيح لحديث أبي سعيد الخدري، وحديث أبي هريرة في شهادة الأرض بما عمل عليها، وهما صحيحان.
وقد روى ليث بن أبي سليم، عن عبد الرحمن بن مروان، عن الهذيل، عن أبي ذر ﵁ قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان فقال: "ليقضِ الله يوم القيامة لهذِه الجماء من هذِه القرناء" (١).
وذكر ابن وهب قال: أخبرني ابن لهيعة، وعمرو بن الحارث، عن بكر بن سوادة أن أبا سالم الجيشاني حدثه أن ثابت بن طريف استأذن على أبي ذر ﵁ فسمعه رافعًا صوته يقول: والله لولا يوم الخصومة لسؤتك، قال ثابت: يا أبا ذر ما شأنك، فقال: والذي نفسي بيده لتسألن الشاة فيما نطحت صاحبتها، وليسألن الجماد فيما شك أصبع الرجل.
وروى شعبة عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبي ذر قال: رأى رسول الله ﷺ شاتين تنتطحان، فقال:
стр. 18084
"يا أبا ذر أتدري فيم تنتطحان؟ " قلت: لا، قال: "لكن الله يعلم، (وسيقضي بينهما) (١) يوم القيامة" (٢).
وروي في بعض الأخبار كما قال القشيري في "تحبيره": تحشر البهائم والوحوش يوم القيامة فتسجد لله سجدة، فتقول الملائكة: ليس هذا يوم سجود، هذا يوم الثواب والعقاب. فتقول البهائم: هذا سجود، حيث لم يجعلنا الله من بني آدم، ويقال: إن الملائكة تقول للبهائم: إن الله لم يحشركم لثواب ولا عقاب، إنما حشركم تشهدون فضائح بني آدم (٣).
فصل:
وذكر أبو عمرو الدقاق في "أهواله وألويته" عن ابن عباس ﵄ أن المؤمنين لما أمر بهم إلى الجنة، وكان بين قوم وآخرين دعوى وضغائن وتبعات، فطفقوا ينظر بعضهم إلى بعض كالطالب الذي يطلب صاحبه فمحى الله تلك الضغائن والتبعات والدعوى من قلوبهم، وعقد لهم لواء، ونادى المنادي: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٤٥) ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِين﴾ [الحجر: ٤٥ - ٤٦] فاتبع القوم لواءهم حَتَّى دخلوا منازلهم من الجنة.
فصل:
في زيادة تنعطف على حديث ابن مسعود ﵁ في الباب: "أول ما يقضى بين الناس بالدماء".
стр. 18085
وروينا في كتاب ابن (غيلان) (١) من حديث محمد بن كعب القرظي، عن رجل، عن أبي هريرة ﵁، ثَنَا رسول الله _صلى الله عليه وسلم: "أول ما يقضى بين الناس في الدماء، ونادى كل قتيل قتل في سبيل الله قد حمل رأسه، تشخب أوداجه، فيقول: يا رب سل هذا فيم قتلني؟ فيقول الله تعالى -وهو أعلم: فيم قتلته؟ فيقول: يا رب قتلته لتكون العزة لك. فيقول: صدقت فيجعل الله وجهه مثل نور الشمس، وتشيعه الملائكة إلى الجنان. ثم يأتي كل من قتل على غير ذَلِكَ، فيقول: يا رب: سل هذا فيم قتلني؟ فيقول له- وهو أعلم: فيم قتلته؟ فيقول: لتكون العزة لك، فيقول الله تعالى: تعست، ثم لا تبقى قتلة إلا قتل بها، ولا مظلمة ظلمها إلا أخذ بها، وكان في مشيئة الله إن شاء عذبه، وإن شاء رحمه" (٢).
وروى القاضي إسماعيل من حديث نافع بن جبير بن مطعم، عن ابن عباس ﵄: سمعت نبيكم ﷺ يقول: "يأتي المقتول معلق رأسه بإحدى يديه ملببًا قاتله بيده الأخرى، تشخب أوداجه دمًا، حَتَّى يقفا بين يدي الله، فيقول المقتول: هذا قتلني، فيقول الله تعالى للقاتل: تعست، ويذهب به إلى النار" (٣).
ورواه ابن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله ﵁ مرفوعًا (٤)، ورواه الترمذي بمعناه من حديث ورقاء بن عمر، عن عمرو بن دينار، وقال: حسن غريب (٥).
٢١٩ - فتح: ١١/ ٤٠٦].
٦٥٤٤ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا يَعْقُوبُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا أَبِي، عَنْ صَالِحٍ حَدَّثَنَا نَافِعٌ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ «إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ: يَا أَهْلَ النَّارِ لَا مَوْتَ، وَيَا أَهْلَ الْجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، خُلُودٌ». [٦٥٤٨ - مسلم: ٢٨٥٠ - فتحِ: ١١/ ٤٠٦].
٦٥٤٥ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ، أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : «يُقَالُ لأَهْلِ الْجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ. وَلأَهْلِ النَّارِ يَا أَهْلَ النَّارِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ». [فتح ١١/ ٤٠٦].
ذكر فيه أحاديث:
أحدها: حديث ابن عَبَّاسٍ.
وسلف في الطب بطوله، وفي إسناده أسيد بن زيد، وهو بفتح أوله، وجده نجيح أبو محمد الكوفي الحمال، مولى صالح بن علي، ضعفه ابن معين والدارقطني، وأطلق الترك عليه النسائي، وقال ابن عدي: عامة ما يرويه لا يتابع عليه، والبخاري أخرج له وحده مقرونًا (١).
ثانيها: حديث أبي هريرة ﵁ مثله.
ثالثها: حديث سَهْلِ سلف في صفة الجنة.
رابعها: حديث ابن عُمَرَ ﵄: "إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الجَنَّةِ الجَنَّةَ، وَأَهْلُ النَّارِ النَّارَ، ثُمَّ يَقُومُ مُؤَذَنٌ بَيْنَهُمْ: يَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ خلود (٢)، وَيَا أَهْلَ الجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، خُلُودٌ".
стр. 18091
خامسها: حديث أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: قَال النَّبِيَّ ﷺ : "يُقَالُ لأَهْلِ الجَنَّةِ خُلُودٌ لَا مَوْتَ. وَلأَهْلِ النَّارِ (يَا أَهْلَ النَّارِ) (١)، خُلُودٌ لَا مَوْتَ".
الشرح:
قوله في الحديث الأول ("وَالنَّبِيُّ يَمُرُّ مَعَهُ النَّفَرُ") النفر: من الثلاثة إلى العشرة، واحتج به من قال بكراهية التداوي، وكل مذاهب العلماء على خلافه (٢)، وقد ذكر- ﵇ منافع الأدوية كما سلف، وتداوى وأمر به، وقد يحمل على من يعتقد أنها مبرئة بطبعها كما يقول بعض الطبائعيين، فيفوضون أمورهم إلى الله تعالى، وقيل: المعنى من اتخذ ذَلِكَ معاذه. وقد كوى الشارع سعدًا واكتوى ابن عمر وعمران بن حصين وخباب، وخلق من الصحابة.
و ("الزمرة"): الجماعة من الناس.
و ("البدر")، سمي لتمامه، أو لأنه يسبقها قبل أن تغيب هي، كأنه يعجلها للمغيب.
ووقع للداودي حكايته: أنه لمبادرة القمر الشمس في صبيحتها تكون الشمس من المشرق وهو من المغرب، والمعروف الثاني.
ثم ساق أحاديث:
أحدها:
حديث عِمْرَانَ بن حصين: "اطَّلَعْتُ في الجَنَّةِ فَرَأَيْتُ أَكْثَرَ أَهْلِهَا الفُقَرَاءَ". الحديث، وسلف في صفة الجنة (١)، ومعنى "اطلعت": أشرفت عليها من علوٍ.
ثانيها:
حديث أُسَامَةَ ﵁، عن رسول الله ﷺ قَالَ: "قُمْتُ عَلَى بَابِ الجَنَّةِ فَكَانَ عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا المَسَاكِينَ، وَأَصْحَابُ الجَدِّ مَحْبُوسُونَ، غَيْرَ أَنَّ أَصْحَابَ النَّارِ قَدْ أُمِرَ بِهِمْ إِلَى النَّارِ، وَقُمْتُ عَلَى بَابِ النَّارِ فَإِذَا عَامَّةُ مَنْ دَخَلَهَا النِّسَاءُ".
أي: نساء المؤمنين؛ لأن الكفار ونساءهم في النار. قال الداودي: وهذا الوقوف في الدنيا، إما ليلة أسري به، أو حين خسفت الشمس.
وقوله: ("وأصحاب الجد محبوسون") أي: موقوفون. يعني أصحاب المال والبخت، وهو بفتح الجيم، والمعني به من فاخر بماله وكاثر ولم يؤد منه الواجب عليه.
وفيه: فضل الفقر، وقد أسلفنا ما فيه، وأن الكفاف أفضل؛ لأن الغنى المطغي عابه الله بقوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى (٦) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: ٦ - ٧]، والفقر المدقع عابه الشارع.
الحديث الثالث:
حديث ابن عُمَرَ ﵄ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِذَا صارَ أَهْلُ الجَنَّةِ إِلَى الجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ إِلَى النَّارِ جِيءَ بِالْمَوْتِ حَتَّى يُجْعَلَ بَيْنَ
стр. 18099
الجَنَّةِ وَالنَّارِ، ثُمَّ يُذْبَحُ، ثُمَّ يُنَادِي مُنَادٍ: يَا أَهْلَ الجَنَّةِ، لَا مَوْتَ، يَا أَهْلَ النَّارِ، لَا مَوْتَ. فَيَزْدَادُ أَهْلُ الجَنَّةِ فَرَحًا إِلَى فَرَحِهِمْ، وَيَزْدَادُ أَهْلُ النَّارِ حُزْنًا إِلَى حُزْنِهِمْ".
قوله: ("ثم يُذْبح") أي: يجعل الله الصفة شخصًا يراها العباد عند القبض، ويعرفونها إذا رأوها في المعاد.
الحديث الرابع:
حديث أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ اللهَ يَقُولُ لأَهْلِ الجَنَّةِ، يَا أَهْلَ الجَنَّةِ. فيَقُولُونَ: لَبَّيْكَ رَبَّنَا وَسَعْدَيْكَ. فَيَقُولُ: هَلْ رَضِيتُمْ؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لَنَا لَا نَرْضَى وَقَدْ أَعْطَيْتَنَا مَا لَمْ تُعْطِ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ. فَيَقُولُ: أَنَا أُعْطِيكُمْ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ. قَالُوا: يَا رَبِّ وَأَيُّ شَيْءٍ أَفْضَلُ مِنْ ذَلِكَ. فَيَقُولُ: أحِلُّ عَلَيْكُمْ رِضْوَانِي، فَلَا أَسْخَطُ عَلَيْكُمْ بَعْدَهُ أَبَدًا".
معنى ("أحل عليكم") أنزله عليكم، يقال: أحللت الشيء: أنزلته.
الحديث الخامس:
حديث أنسٍ ﵁ في قصة حارثة، سلف في بدر سندًا ومتنًا (١)، وقيل أن يقع للبخاري أن يعيد حديثًا بسنده ومتنه سواء، نعم ذكره في الجهاد بسند آخر إلى أنس (٢)، وكذا في الباب، فراجعه
الحديث السادس:
حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ أَسَدٍ، أَنَا الفَضلُ بْنُ مُوسى، ثنا الفُضَيْلُ، عَنْ أَبِي حَازِم، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَا بَيْنَ مَنْكِبَيِ الكَافِرِ مَسِيرَة ثَلَاَثةِ أَيَّامٍ لِلرَّاكِبِ المُسْرعِ".
стр. 18100
قال الجياني: كذا روي هذا الإسناد عن أبي زيد وأبي أحمد الفضيل غير منسوب، ونسبه ابن السكن: ابن غزوان، وكان أبو الحسن يقول: هو فضيل بن عياض. وهو وهم، والصواب ما قاله ابن السكن، وفضيل بن عياض، لا رواية له عن أبي حازم الأشجعي، ولا أدركه، وليس لابن عياض ذكر في الجامع إلا في موضعين من كتاب التوحيد (١).
الحديث السابع:
وَقَالَ إسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، أنَا المغِيرَةُ بْنُ سَلَمَةَ، ثَنَا وُهَيْبٌ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعدٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكبُ فِي ظِلِّهَا مِائَةَ عَامٍ لَا يَقْطَعُهَا".
قَالَ أَبُو حَازِمٍ: فَحَدَثْتُ بِهِ النُّعْمَانَ بْنَ أَبِي عَيَّاشٍ فَقَالَ: حَدَّثَنِي أَبُو سَعِيدٍ عَنِ النبيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ فِي الجَنَّةِ لَشَجَرَةً يَسِيرُ الرَّاكِبُ الجَوَادَ المُضَمَّرَ السَّرِيعَ مِائَةَ عَامٍ لا يَقْطَعُهَا".
سلف في صفة الجنة من حديث أنس وأبي هريرة (٢).
وقوله: ("لا يقطعها") يريد: تحت ما يميل من أغصانها؛ لأنه ليس في الجنة شمس. والجواد يقال للذكر والأنثى، من خيل جياد، وأجواد، وأجاويد، يقال: جاد الفرس: إذا صار رابعًا. وقال ابن فارس: الجواد: الفرس السريع (٣). والمضمر من الخيل أن يعلف حَتَّى يسمن ثم يرده إلى القوت، وذلك في أربعين ليلة، وهذِه المدة تسمى المضمار، قاله الجوهري (٤).