← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 1891–1930 · переход к 1896.

стр. 1891

الثانية: الإبانة هنا مطلقة وثبت في الحديث الآخر موصوفة بالتثليث. واختلف العلماء في أي هذِه الأنفاس الثلاثة أطول عَلَى قولين: أحدهما: الأول. والثاني: أن الأولى أقصر، والثانية أزيد منها، والثالثة أزيد منها؛ ليجمع بين السنة والطب؛ لأنه إِذَا شرب قليلًا قليلًا وصل إلى جوفه من غير إزعاج، ولهذا جاء في الحديث "مصوا الماء مصًّا ولا تعُبُّوه عبًّا فإنه أهنأ وأمرأ وأبرأ" (١) (٢).

стр. 1892

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 1893

الثالثة: لا يختص النهي المذكور بالشرب، بل الطعام مثله فيكره النفخ فيه، والتنفس في معنى النفخ (١). وفي "جامع الترمذي" مصححًا عن أبي سعيد الخدري أنه ﷺ نهى عن النفخ في الشراب فقال رجل: القذاه أراها في الإناء؟ فقال: "أهرقها". قَالَ: فإني لا أروى من نفس واحد. قَالَ: "فأبن القدح إذًا عن فيك" (٢). وأما حديث أنس الثابت في الصحيحين أنه ﷺ : كان يتنفس في الشراب ثلاثًا (٣). فمعناه: خارج الإناء، أو فعله بيانًا للجواز، أو النهي خاص بغيره؛ لأن ما يتقذر من غيره يستطاب منه. الرابعة: جواز الشرب من نفس واحد؛ لأنه إنما نهى عن التنفس في الإناء، والذي شرب في نفس واحد لم يتنفس فيه، فلا يكون مخالفًا للنهي، وكرهه جماعة وقالوا: هو شرب الشيطان. وفي الترمذي محسنًّا من حديث ابن عباس مرفوعًا: "لا تشربوا واحدًا كشرب البعير، ولكن اشربوا مثنى وثلاثًا، وسموا إِذَا أنتم شربتم، واحمدوا إِذَا أنتم رفعتم" (٤). الخامسة: النهي عن مس الذكر باليمين، وذلك لاحترامها وصيانتها.

стр. 1894

وهذا النهي للتنزيه عند الجمهور خلافًا للظاهرية حيث حرموا مس الإنسان ذكره فقط (١). السادسة: النهي عن الاستنجاء باليمين وخالف بعض الظاهرية فقال: لا يجزئ الاستنجاء به، وهو وجه لأصحاب الإمام أحمد، لاقتضاء النهي الفساد، وحكاه ابن بطال عن بعض الشافعية أيضًا (٢). والذي قاله بعض الشافعية كصاحب "المهذب" وغيره التحريم فقط (٣). وعن مالك: أنه يسيء ويجزئه. ومن العلماء من خص النهي عن مس الذكر باليمين بحالة البول آخذًا بالرواية الأخرى الآتية في تقييدها بذلك. فرع: إِذَا استنجى بالماء صبه بيمنه ومسح بيساره، وإذا استنجى بالحجر أمسك ذكره بيساره والحجر بيمينه وحرك اليسار ليخرج من النهيين. فرع: من كان في يده خاتم فيه اسم الله تعالى فلا يستنج وهو في يده؛ لأنه إِذَا نزهت اليمنى عن ذَلِكَ، فذكر الله أولى وأعظم، ورواية "العتبية" في ذَلِكَ منكرة لا يحل ذكرها. السابعة: فضل التيامن.

стр. 1895

١٩ - باب لَا يُمْسِكُ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ إِذَا بَالَ ١٥٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِذّا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الانَاءِ". [انظر: ١٥٣ - مسلم ٢٦٧ - فتح: ١/ ٢٥٤] حَدثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا الأَوْزَاعِيُّ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ، عَنْ عَبْدِ الله بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ: "إِذَا بَالَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَأْخُذَنَّ ذَكَرَهُ بِيَمِينِهِ، وَلَا يَسْتَنْجِي بِيَمِينِهِ، وَلَا يَتَنَفَّسْ فِي الإِنَاء". هذا الحديث قَدْ عرفت فقهه في الباب قبله. ورجاله سلف التعريف بهم مفرقًا، وذكر بعض الحفاظ أن أبان بن يزيد تفرد عن يحيى دون أيوب وهشام والأوزاعي وشيبان وإبراهيم القناد بقوله: "وإذا شرب فلا يشرب نفسًا واحدًا" (١). قَالَ: وإنما المعروف رواية هؤلاء: "ولا يتنفس في الإناء". ووقع في مسلم عن يحيى، عن عبد الله، عن أبي قتادة، عن أبيه. وصوابه إبدال (عن) بـ (ابن)، وفي بعض أصوله: عن ابن مهدي، عن همام، عن يحيى؛ وصوابه (هشام) (٢). كما قاله أبو مسعود وخلف.

стр. 1896

٢٠ - باب الاسْتِنْجَاءِ بِالْحِجَارَةِ ١٥٥ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ يحيى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرُو المَكِّيُّ، عَنْ جدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لَحِاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: "ابْغني أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا -أَوْ نَحْوَهُ- وَلَا تأْتِنِي بِعَظْمِ وَلَا رَوْثٍ". فأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْة، فَلَمَّاَ قَضَى أَتْبَعَة بِهِنَّ. [٣٨٦٠ - فتح: ١/ ٢٥٥] حَدَّثنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ المَكِّىُّ، ثنا عَمْرُو بْنُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدِ بْنِ عَمْرٍو المَكِّيُّ، عَنْ جدِّهِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: اتَّبَعْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَخَرَجَ لِحَاجَتِهِ، فَكَانَ لَا يَلْتَفِتُ، فَدَنَوْتُ مِنْهُ، فَقَالَ: "ابْغِني أَحْجَارًا أَسْتَنْفِضْ بِهَا -أَوْ نَحْوَهُ- وَلَا تأْتِنِي بِعَظْمٍ وَلَا رَوْثٍ". فَأَتَيْتُهُ بِأَحْجَارٍ بِطَرَفِ ثِيَابِي، فَوَضَعْتُهَا إِلَى جَنْبِهِ وَأَعْرَضْتُ عَنْهُ، فَلَمَّا قَضَىَ أَتْبَعَهُ بِهِنَّ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري وذكره في ذكر الجن مطولًا (١). وأخرج مسلم (٢) نحوه وكذا ابن ماجه والنسائي (٣). ثانيها: في التعريف برواته: أما أبو هريرة فسلف. وأما (جد عمرو) فهو سعيد بن عمرو (خ. م. د. س. ق) بن سعيد ابن العاصي بن أبي أحيحة التابعي الكوفي الثقة. عن ابن عباس

стр. 1897

وغيره. وعنه ابناه إسحاق وخالد، وحفيده عمرو بن يحيى. أخرجوا له خلا الترمذي (١). وحفيده (عمرو) قرشي مكي صالح، روى عن أبيه وجده، وعنه سويد وغيره. روى له مع البخاري ابن ماجه فقط (٢). وأما أحمد (خ) بن محمد فهو أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي الثقة. عنه البخاري، وحفيده مؤرخ مكة محمد بن عبد الله، وأبو جعفر الترمذي، وطائفة. وروى عن مالك وغيره. مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين (٣).

стр. 1898

ثالثها: في ألفاظه: معنى (اتَّبَعْتُ) (١): لحقت وهو رباعي يقال: أتبعته إِذَا سبقك فلحقته، وتبعته واتبعته إِذَا مشيت خلفه، أو مر بك فمضيت معه، كذا قاله ابن التين في "شرحه" وقال: يحتمل الحديث الوجهين. وتبعه شيخنا قطب الدين في "شرحه"، وهذا ما حكاه ابن سيده بعد أن قرر أن معنى تبعه واتبعه وأتبْعه: قفاه، قَالَ: وفي التنزيل: ﴿ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (٨٩)﴾ [الكهف: ٨٩] ومعناها: تبع وقرأ أبو عمرو (ثم اتَّبع) (٢) أي لحق وأدرك، كذا حكاه عنه، وحكى القزاز عن الكسائي أنه كان يقرأ: (ثم اتبع سببا) يريد لحق وأدرك (٣)، وحكي مثله عن أبي عمرو أنه قرأ: (ثم اتبع سببا) (٤). وقال ابن طريف (٥) في "أفعاله": المشهور: تبعته: سرت في أثره، واتبعته: لحقته. وكذلك فسر في التنزيل ﴿فَأَتْبَعُوهُمْ مُشْرِقِينَ (٦٠)﴾ [الشعراء: ٦٠]، أي: لحقوهم. وقَالَ الجوهري: تبعت القوم إِذَا مشيت أو مر بك فمضيت معهم. وقال الأخفش: تَبِعْتُه وأَتْبَعْتُه بمعنى (٦). قوله: (وكان لا يلتفت) هذِه كانت عادة مشيه ﷺ .

стр. 1899

وقوله: (فدنوت منه) أي: لأستأنس به وأنظر حاجته، وقد جاء في رواية: فدنوت منه أستأنس وأتنحنح فقال: "من هذا؟ " فقلت: أبو هريرة (١). وقوله: ("ابغني أحجارًا") قَالَ ابن التين: رويناه بالوصل، (قال الخطابي (٢): معناه: اطلب لي، فإذا قطعت الألف فمعناه: أعني على الطلب. وقال الخطابي: معناه: اطلب لي. من قولك: بغيت الشيء: طلبته) (٣). وبغيتك الشيء: طلبته لك، وأبغيتك الشئ: جعلتك طالبًا له، قَالَ تعالى: ﴿يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ﴾ [التوبة: ٤٧]، أي: يبغونها لكم. وقوله: ("أستنفض بها") أي: أستنج بها وهو مأخوذ من النفض؛ لأن المستنجي ينفض عن نفسه أذى الحدث والاستمرار. قَالَ القزاز: كذا روي هذا الحرف كأنه استفعل من النفض وهذا موضع أستنظف. أي: أنظف نفسي بها ولكن هكذا روي. وقوله: (أو نحوه) الظاهر أنه أراد أو نحو هذا من الكلام. وقوله: (بطرف ثيابي) جاء في "صحيح الإسماعيلي": في طرف ملائي. رابعها: في فوائده: الأولى: جواز الاستنجاء بالأحجار، وقد سلف ما فيه في باب: الاستنجاء بالماء. الثانية: مشروعية الاستنجاء، وقد اختلف في وجوبه عَلَى قولين:

стр. 1900

أحدهما: أنه واجب وشرط في صحة الصلاة، وبه قَالَ الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وداود، وجمهور العلماء ومالك في رواية (١). وثانيهما: أنه سنة، وهو قول أبي حنيفة ورواية عن مالك، وحكي عن المزني أيضًا (٢)، وجعل أبو حنيفة هذا أصلًا للنجاسة، فما كان منها قدر درهم بغلي عُفي عنه؛ وإن زاد فلا، وكذا عنده في الاستنجاء: إن زاد الخارج عَلَى درهم وجب وتعين الماء، ولا يجزئه الحجر. ولا يجب عنده الاستنجاء بالحجر. واحتجوا بحديث أبي هريرة المروي في "سنن أبي داود" وابن ماجه: "من استجمر فليوتر، من فعل فقد أحسن؛ ومن لا فلا حرج" (٣)؛ ولأنها نجاسة لا تجب إزالة أثرها فكذا عينها كدم البراغيث، ولأنه لا يجب إزالتها بالماء فلم يجب بغيره. قَالَ المزني: ولأنا أجمعنا عَلَى جواز مسحها بالحجر فلم يجب إزالتها كالمني، واحتج أصحابنا بحديث أبي هريرة أيضًا الثابت: "وليستنج بثلاثة أحجار" (٤). رواه الشافعي؛ وقال: إنه حديث ثابت.

стр. 1901

ورواه الأربعة خلا الترمذي، وبحديث سلمان الثابت في "صحيح مسلم": نهانا رسول الله ﷺ أن يستنجي أحدنا بأقل من ثلاثة أحجار (١). وبحديث عائشة الثابت في "مسند أحمد" و"سنن أبي داود" وابن ماجه أن رسول الله ﷺ قَالَ: "إِذَا ذهب أحدكم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن، فإنها تجزئ عنه" (٢). قَالَ الدارقطني بعد أن أخرجه: إسناده حسن صحيح. ومنها حديث خزيمة: سُئِلَ رسول الله ﷺ عن الاستطابة فقال: "بثلالة أحجار ليس فيها رجيع" رواه أبو داود واللفظ له، وابن ماجه (٣)، وفي الباب عن جابر في مسلم (٤)، والسائب وأبي أيوب عند ابن عبد البر (٥)، وأنس عند البيهقي (٦). وسهل (٧)؛ وابن عباس عند الدارقطني (٨)، وحسن الأول. واحتج أصحابنا أيضًا بحديث ابن عباس الآتي "أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول" (٩) وفي الاستدلال به وقفة؛ ولأنه نجاسة

стр. 1902

لا تلحق المشقة في إزالتها غالبًا فلم تصح الصلاة دونه. والجواب عن حديثهم بأن في إسناده مقالًا، ولئن سلمنا حسنه فالمراد: ولا حرج في ترك الإيتار أي: الزائد عَلَى ثلاثة أحجار جمعًا بينه وبين باقي الأحاديث كحديث سلمان وغيره. وعن قياسهم (على) (١) دم البراغيث عظم المشقة بخلاف أصل الاستنجاء، ولهذا تظاهرت الأحاديث الصحيحة عَلَى الأمر بالاستنجاء، ولم يرد خبر بإزالة دم البراغيث. وقياس غير المني عَلَى المني لا يصح لطهارته ونجاسة غيره (٢). الفائدة الثالثة: لا يتعين الحجر للاستنجاء بل يقوم مقامه كل جامد طاهر قالع غير محترم، وبه قَالَ العلماء كافة إلا ما حكي عن داود من تعيينه وأن غيره لا يجوز (٣)، وإن أنكر القاضي أبو الطيب حكايته عنه وقال: إن مذهبه كمذهب الكافة. حجة الكافة: نهيه ﷺ عن الروث والعظم، وهو دال عَلَى عدم تعيينه وأن غيره يقوم مقامه، وإلا لم يكن لتخصيصهما بالنهي معنى، وأما تنصيصه ﷺ عَلَى الأحجار فلكونها الغالب المتيسر وجودها بلا مشقة فيها ولا كلفة في تحصيلها، ومنعه أصبغ (٤) في الخرق واللحم

стр. 1903

ونحوهما مما هو طاهر ولا حرمة له ولا هو من أنواع الأرض وقال: يعيد إن فعل في الوقت (١). الرابعة: أنه لا يجوز الاستنجاء بنجس، وهو مذهب الجمهور، وجه الاستنباط منه أنه نبه بالروث على جنس النجس. وجوزه أبو حنيفة بالروث (٢)، وحكاه ابن وهب عن مالك (٣). وحديث الباب وغيره من الأحاديث الصحيحة يرد عليهما. الخامسة: أنه لا يجوز الاستنجاء بعظم، وبه قَالَ الشافعي وأحمد وداود. وقال أبو حنيفة ومالك: يصح الاستنجاء به، وقال بعض الشافعية: إنه يجزئه إن كان طاهرًا لا زهومة عليه، لحصول المقصود؛ حجة الأولين أنه رخصة فلا تحصل بحرام (٤).

стр. 1904

فرع: لو أحرق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حال العظم فوجهان حكاهما الماوردي من أصحابنا: أحدهما: يجوز الاستنجاء به؛ لأن النار أحالته. والثاني: لا؛ لعموم النهي عن الرمة وهي: العظم البالي، ولا فرق بين البلى بالنار أو بمرور الزمان، وهذا أصح (١). فائدة: الحكمة في النهي عن الاستنجاء بالعظم، أنه زاد إخواننا من الجن كما أخرجه مسلم في "صحيحه" من حديث ابن مسعود "لا تستنجوا بالعظم والبعر، فإنهما طعام إخوانكم من الجن" (٢). وقد أخرجه البخاري في "صحيحه" في أثناء المناقب من حديث أبي هريرة ولفظه: فلما فرغ فقلت: ما بال العظم والروث؟ فقال: "هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن- يسألوني الزاد فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا روثة إلا وجدوا عليها طعامًا" (٣). قُلْتُ: وقد يأكله بعض الناس؛ للضرورة. وقيل: نهى عنه؛ لأنه لزج لا يكاد يتماسك فيزيل الأذى إزالة تامة، والحكمة في النهي عن الروث ما ذكرناه أيضًا، ومر بي أنه زاد لدوابهم. وقيل: لأنه يزيد في نجاسة الموضع؛ لأنه يمد النجاسة ولا يزيلها.

стр. 1905

السادسة: أنه لا يجوز الاستنجاء بجميع المطعومات، فإنه ﷺ نبه بالعظم عَلَى ذَلِكَ، ويلحق بها المحرمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذَلِكَ. السابعة: إعداد الأحجار للاستنجاء؛ لئلا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه فلا يأمن التلويث.

стр. 1906

٢١ - باب لَا يُسْتَنْجَى بِرَوْثٍ ١٥٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالِ: حَدَّثَنَا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، ولكن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سَمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هذا رِكْسٌ". وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. [فتح: ١/ ٢٥٦] حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، ثنا زُهَيْرٌ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: لَيْسَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذَكَرَهُ، ولكن عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ سمِعَ عَبْدَ اللهِ يَقُولُ: أَتَى النَّبِيُّ ﷺ الغَائِطَ، فَأَمَرَنِي أَنْ آتِيَهُ بِثَلَاثَةِ أَحْجَارٍ، فَوَجَدْتُ حَجَرَيْنِ، وَالْتَمَسْتُ الثَّالِثَ فَلَمْ أَجِدْهُ، فَأَخَذْتُ رَوْثَةً، فَأَتَيْتُهُ بِهَا، فَأَخَذَ الحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ، وَقَالَ: "هذا رِكْسٌ". وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ يُوسُفَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث من أفراد البخاري لم يخرجه مسلم، وأخرجه النسائي وابن ماجه (١). ثانيها: هذا التبويب في بعض النسخ وفي بعضها حذفه، وذكر هذا الحديث مع حديث أبي هريرة. وقوله: (قَالَ إبراهيم) إلى آخره، هو ثابت في بعض النسخ وذكره

стр. 1907

(أبو) (١) مسعود وخلف وغيرهما عن البخاري. ثالثها: في التعريف برواته: أما عبد الله (٢) والأسود (٣) فسلفا، وكذا أبو نعيم (٤)، وزهير (٥)، وأبو إسحاق (٦). وأما عبد الرحمن بن الأسود فهو أبو حفص النخعي كوفي عالم عامل. روى عن أبيه وعائشة. وعنه الأعمش وغيره. مات سنة تسع وتسعين (٧). فائدة: في البخاري أيضا عبد الرحمن بن الأسود بن عبد يغوث، زهري تابعي، وليس فيه غيرهما، ووقع في كتاب الداودي وابن التين أن عبد الرحمن الواقع في رواية البخاري هو ابن عبد يغوث، وهو وهم منهما فاجتنبه (٨).

стр. 1908

فائدة: من شيوخ الترمذي والنسائي عبد الرحمن بن الأسود الوراق، وليس في هذِه الكتب عبد الرحمن بن الأسود غير هؤلاء (١). وأما أبو عبيدة (ع) فهو عامر بن عبد الله بن مسعود، وقيل: اسمه كنيته. وفي الترمذي هنا أنه لا يعرف اسمه وحكاه في "علله" عن البخاري (٢). وما ذكرته من اسمه صرح به مسلم في "كناه" (٣) وابن حبان في "ثقاته" (٤) وأبو أحمد في "كناه" وغيرهم. وهو هذلي كوفي، أخو عبد الرحمن، وكان يفضل عليه كما قاله أحمد، حدث عن عائشة وغيرها، وحدث عن أبيه في السنن. وعنه السبيعي وغيره؛ مات ليلة دجيل (٥) (٦).

стр. 1909

ذكر أبو داود حديثًا فيه أن شعبة قَالَ: كان أبو عبيدة يوم مات أبوه ابن سبع سنين، وفي "شرح ابن التين": ابن خمس سنين، وأنه لم يسمع منه شيئًا. قَالَ: وأخوه عبد الرحمن سمع من أبيه حديثًا واحدًا: "محرم الحلال كمحلل الحرام" (١)، وصرح أبو حاتم وغيره بأن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه شيئًا (٢). وروى شعبة عن عمرو بن مرة قَالَ: سألت أبا عبيدة: هل تذكر من عبد الله شيئًا؟ قَالَ: ما أذكر منه شيئا (٣). وقد روى عبد الواحد بن زياد عن أبي مالك الأشجعي عن أبي عبيدة قَالَ: خرجت مع أبي لصلاة الصبح. فضعف أبو حاتم هذِه الرواية (٤). وفي "المعجم الأوسط" للطبراني من حديث زياد بن (سعد) (٥) عن أبي الزبير قَالَ: حَدَّثَنِي يونس بن (خباب) (٦) الكوفي: سمعت أبا عبيدة بن عبد الله يذكر أنه سمع أباه يقول: كنت مع النبي ﷺ في سفر (٧) .. الحديث.

стр. 1910

ولما خرَّج الحاكم في "مستدركه" حديث أبي إسحاق عن أبي عبيدة عن أبيه في ذكر يوسف ﵇ صحح إسناده (١)، وحسن الترمذي عدة أحاديث رواها عن أبيه منها: لما كان يوم بدر وجيء بالأسرى (٢). ومنها: كان في الركعتين الأوليين كأنه عَلَى الرضيف (٣). ومنها: قوله: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٦٩] (٤) (٥). فائدة: هذا الإسناد كله كوفيون، وفيه طرفة أخرى، وهي رواية جماعة من التابعين بعضهم عن بعض، فمن أبي إسحاق إلى أبي عبد الله كلهم تابعيون. وأما إبراهيم ((ع) خلا (ق)) بن يوسف فهو سبيعي همداني كوفي، روى عن أبيه وجده، وعنه أبو غريب وجماعة، فيه لين، مات سنة ثمانٍ وسبعين ومائة، أخرجوا له خلا ابن ماجه (٦).

стр. 1911

وأما والده يوسف (ع) (١) فهو كوفي حافظ، روى عن جده والشعبي، وعنه ابن عيينة وغيره، مات في زمن أبي جعفر (٢). الوجه الرابع: هذا الحديث مصرح بأن أبا إسحاق لم يأت فيه بسماع، وهو مدلس، وقد ذكر الحاكم أبو عبد الله عن علي بن المديني أنه قَالَ: كان زهير وإسرائيل يقولان عن أبي إسحاق أنه كان يقول: ليس أبو عبيدة ثنا ولكن عبد الرزاق، فذكر حديث الاستنجاء. قَالَ ابن الشاذكوني: ما سمعت بتدليس قط أعجب من هذا ولا أخفي. قَالَ: أبو عبيدة لم يحدثني، ولكن عبد الرحمن عن فلان عن فلان، ولم يقل: حَدَّثَنِي. فجاز الحديث وسار.

стр. 1912

قُلْتُ: بل قَالَ: حَدَّثَني، كما رواه إبراهيم بن يوسف عن أبيه عن أبي إسحاق عنه كما سلف من عند البخاري. وقال أبو زرعة فيما حكاه ابن أبي حاتم: اختلفوا في هذا الحديث، والصحيح عندي حديث أبي عبيدة عن أبيه. وزعم الترمذي أن أصح الروايات عنده حديث قيس بن الربيع وإسرائيل، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قَالَ: لأن إسرائيل أثبت وأحفظ لحديث أبي إسحاق من هؤلاء، وتابعه عَلَى ذَلِكَ قيس وزهير، عن أبي إسحاق ليس بذاك؛ لأن سماعه منه بأخَرَهٍ، سمعت أحمد بن الحسن يقول: سمعت أحمد بن حنبل يقول: إِذَا سمعت الحديث عن زائدة وزهير فلا تبالي أن لا تسمعه من غيرهما، إلا حديث أبي إسحاق. ورواه زكريا بن أبي زائدة عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله، وهذا حديث فيه اضطراب. قَالَ: وسألت الدارمي: أيُّ الروايات في هذا أصح عن أبي إسحاق؟ فلم يقض فيه بشيء. قَالَ: وسالت محمد بن إسماعيل عن هذا فلم يقض فيه بشيء، وكأنه رأى حديث زهير أشبه. ووضعه في "جامعه" وأبو عبيدة لم يسمع من أبيه ولا يعرف اسمه. هذا آخر كلام الترمذي. وقد أسلفنا الخلف في سماعه منه ومعرفة اسمه أيضًا، وزهير لم يتفرد به بل تابعه يوسف بن إسحاق كما سلف من عند البخاري، وتابعه أيضًا أبو حماد الحنفي وأبو مريم وشريك وزكريا بن أبي زائدة فيما ذكره الدارقطني. وقال الآجري: سجلت أبا داود عن زهير وإسرائيل في أبي إسحاق فقال: زهير فوق إسرائيل بكثير.

стр. 1913

قُلْتُ: وقد اختلف عَلَى إسرائيل أيضًا دون زهير، فرواه كرواية زهير ورواه عباد القطواني وخالد العبد عنه، عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. ورواه الحميدي عن ابن عيينة عنه، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد ذكره الدارقطني، ومتابعة قيس لا تجدي لضعفه الواهي. ورواه الدارقطني من حديث يونس بن أبي إسحاق، عن أبي عبيدة وأبي الأحوص، عن ابن مسعود (١). ورواه ابن خزيمة في "صحيحه" من حديث زياد بن الحسن بن فرات، عن أبيه، عن جده، عن عبد الرحمن بن الأسود، عن علقمة، عن عبد الله قَالَ: أراد النبي ﷺ أن يتبرز فقال: "ائتني بثلاثة أحجار" فوجدت له حجرين وروثة حمار، فأمسك الحجرين وطرح الروثة. وقال: "هي رجس" (٢). ورواه الطبراني (٣) في "أكبر معاجمه" من حديث شريك، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن الأسود. وقول الترمذي: ورواه زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق، عن عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله هو أحد الوجوه عنه وقيل: عن عبد الرحمن، عن أبيه. وقيل: عن أبي إسحاق، عن الأسود. ورواه جماعات عن أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله. وقيل:

стр. 1914

الأسود بدل علقمة. وقيل: هبيرة بن يريم (بدلهما) (١) ذكره الدارقطني كله (٢). وقال: اختلف عليه اختلافًا شديدًا. وقول أبي إسحاق: ليس أبو عبيدة ذكره، ولكن عبد الرحمن بن الأسود، عن أبيه يحتمل أن يكون نفيًا لحديثه وإثباتًا لحديث عبد الرحمن ويحتمل أن يكون إثباتًا لحديثه أيضًا، وإن كان غالبًا يحدث به عن أبي عبيدة فقال يومًا: ليس هو حَدَّثَنِي وحده ولكن عبد الرحمن أيضًا. وقال الكرابيسي في كتاب "المدلسين": أبو إسحاق يقول في هذا الحديث مرة: حدثني عبد الرحمن بن يزيد، عن عبد الله. ومرة: (حدثني) (٣) علقمة، عن عبد الله. ومرة: حَدَّثَنِي أبو عبيدة، عن عبد الله. ومرة يقول: ليس أبو عبيدة حدثنيه، حدثني عبد الرحمن، عن عبد الله. الوجه الخامس: في أحكامه: الأول: منع الاستنجاء بالروث، وقد سلف في الباب قبله، وقد أسلفنا عند ابن خزيمة أنها روثة حمار (٤). قَالَ: وفيه بيان أن أرواث الحمر نجسة، وإذا كانت نجسة كان حكم جميع أرواث ما لا يجوز أكل لحومها من ذوات الأربع مثل أرواث الحمر. الثاني: منع الاستنجاء بالنجس فإن الركس هو النجس. وقد جاء في رواية أخرى سلفت: "إنها رجس". قال صاحب "المطالع": والمعنى

стр. 1915

واحد. أي: قد أركست في النجاسة بعد الطهارة، وقد جاء الرجس بمعنى الإثم والكفر والشرك؛ لقوله تعالى: ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ [التوبة: ١٢٥]، وقيل: نحوه في قوله تعالى: ﴿لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ﴾ [الأحزاب: ٣٣]، أي: يطهركم من جميع هذِه الخبائث. وقد تجيء بمعنى العذاب والعمل الذي يوجبه كقوله: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ [يونس:١٠٠]، وقيل: بمعنى اللعنة في الدنيا والعذاب في الآخرة، وقال ابن التين: الرجس، والركس في هذا الحديث قيل: النجس. وقيل: القذر. وقال الخطابي: معنى الركس: الرجيع؛ أي: قد رد من حال الطهارة إلى حال النجاسة، ومنه قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا﴾ [النساء: ٨٨]، أي: ردُّوا إلى الركس والعذاب (١)، ومنه: ارتكس فلان. وقال ابن بطال: يمكن أن يكون معنى ركس: رجس. قَالَ: ولم أجد لأهل اللغة شرح هذِه الكلمة، والنبي ﷺ أعلم الأمة باللغة (٢). وقال الداودي: يحتمل أن يريد بالرجس: النجس، ويحتمل أن يريد: لأنها طعام الجن. الثالث: قد يستدل به من يقول: الواجب في الاستنجاء الإنقاء حتَّى لو حصل بحجر أجزأ، وهو قول مالك وداود، ووجهٌ للشافعية وحكاه العبدري عن عمر بن الخطاب، وبه قَالَ أبو حنيفة، حيث أوجب الاستنجاء، ومذهب الشافعي أن الواجب ثلاث مسحات وإن حصل

стр. 1916

الانقاء بدونها، وهو مذهب أحمد وإسحاق وأبي ثور، وأجابوا عن هذا الحديث بأنه يجوز أن يكون وجد ماءً أو كان أحد الحجرين له أحرف كما قاله الخطابي (١). وأحسن منهما بأنه جاء في "سنن الدارقطني": لما ألقى الروثة قَالَ: "ائتني بحجر" يعني ثالثًا. وفي رواية: "ائتني بغيره" (٢) لكن رواهما من حديث أبي إسحاق، عن علقمة، عن عبد الله به، ثمَّ قَالَ: وهو منقطع فيما بين أبي إسحاق وعلقمة. قُلْتُ: وقد أسلفنا من عند الكرابيسي التصريح بسماع أبي إسحاق منه. وقال ابن القصار: إنه روي في بعض الآثار التي لا تصح أنه أتاه بثالث، ولعله لمح كلام الدارقطني ثمَّ قَالَ: وأي الأمرين كان، فالاستدلال لنا به صحيح؛ لأنه اقتصر للموضعين عَلَى ثلاثة أحجار فحصل لكل واحد منهما أقل من ثلاثة؛ لأنه لم يقتصر عَلَى الاستنجاء لأحد الموضعين ويترك الآخر، ورده ابن حزم بأن قَالَ: هذا باطل؛ لأن النص ورد في الاستنجاء، ومسح البول لا يسمى استنجاء (٣)، وفيما قاله نظر (٤).

стр. 1917

٢٢ - باب الوُضوءِ مَرَّةً مَرَّةً ١٥٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطًاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ: تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. [فتح:١/ ٢٥٨] حَدَّثنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ، ثنا سُفْيَانُ، عَنْ زيدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنِ ابن عَبَّاسٍ قَالَ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ ﷺ مَرَّةً مَرَّةً. هذا الحديث مما انفرد به البخاري عن مسلم، وأخرجه أيضًا أصحاب السنن الأربعة (١). قَالَ الترمذي عقب إخراجه: وفي الباب عن عمر (ق) وجابر (م) وبريدة وأبي رافع وابن العالية (٢). قُلْتُ: وأُبي (ق) بن كعب وحديث ابن عباس أحسن شيء في الباب. قُلْتُ: لا جرم اقتصر عليه البخاري. قَالَ: وروى رشدين بن سعد وغيره هذا الحديث عن الضحاك بن شرحبيل، عن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن عمر مرفوعًا به، وليس بشيء. والصحيح ما روى ابن عجلان وهشام بن سعد وسفيان الثوري وعبد العزيز بن محمد، عن زيد، عن عطاء، عن ابن عباس، ورواه عن سفيان جماعات غير شيخ البخاري منهم وكيع.

стр. 1918

ونبه الدارقطني أيضًا على أن ابن لهيعة ورشدين بن سعد روياه عن الضحاك أيضًا كما سلف، وأن عبد الله بن سنان خالفه فرواه عن زيد، عن عبد الله بن عمر قَالَ: وكلاهما وهم، والصواب: زيد، عن عطاء، عن ابن عباس. وفي "مسند البزار" ما أتى هذا إلا من الضحاك، وقد أغفل في سنده قصد الصواب (١). ورجاله سلف التعريف بهم. وفقهه سلف أول الوضوء. و (سفيان) هو الثوري كما صرح به أبو نعيم وغيره، وقد سلف أيضًا. واستدل ابن التين بهذا الحديث على عدم إيجاب تخليل اللحية وهو لائح؛ لأنه إذا غسل وجهه مرة لا يبقى معه من الماء ما يخلل به. قَالَ: وفيه رد على من قَالَ: فرض مغسول الوضوء ثلاث.

стр. 1919

٢٣ - باب الوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ١٥٨ - حَدَّثَنَا حُسَيْنُ بْنُ عِيسَى قَالَ: حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدِ قَالَ: حَدَّثَنَا فُلَيْحُ ابْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. [فتح: ١/ ٢٥٨] حَدَّثنَا الحُسَيْنُ بْنُ عِيسى، ثنا يُونُسُ بْنُ مُحَمَّدٍ، أنا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْن عَمْرٍو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ عَبَّادِ بْنِ تَمِيمٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ابْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ. هذا الحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود والترمذي من حديث أبي هريرة (١) وقال: حسن غريب. قَالَ: وفي الباب عن جابر (ق). وأغفل حديث زيد. والتعريف بهم سلف خلا عبد الله (ع) بن أبي بكر (٢) وهو ثقة حجة. مات سنة خمس وثلاثين ومائة. ووالده سلف.

стр. 1920

ويونس (ع) بن محمد (١) هو أبو محمد المؤدب المعلم، مات بعد المائتين سنة سبع أو ثمانٍ أو غير ذَلِكَ. وشيخ البخاري هو أبو علي الطائي القومسي البسطامي الدامغانى (٢). عنه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي وابن خزيمة، ثقة من أئمة العربية. مات سنة سبع وأربعين ومائتين وهو من الأفراد، ليس في الصحيحين من اسمه الحسين بن عيسى غيره، وفي أبي داود وابن ماجه آخر حنفي كلوفي، أخو سليم القاري، ضعيف (٣). وفقه سلف، وقد ذكر بعد بأبواب من حديث عمرو بن يحيى، عن أبيه، عن عبد الله بن زيد أيضًا: أنه ﷺ غسل يديه مرتين ومضمض

стр. 1921

واستنشق ثلاثًا، وغسل وجهه ثلاثًا، وسيأتي (١). واعترض بعض من شرح البخاري ممن عاصرته وتأخر بأن قَالَ: الحديث واحد فلا يحسن استدلال البخاري به في هذا الباب، قَالَ: اللهم، إلا لو قَالَ: إن بعض وضوئه كان مرتين وبعضه ثلاثًا كان حسنًا، هذا لفظه، وهو اعتراض ساقط إذ لا يمتنع تعدد القصة، كيف والطريق إلى عبد الله بن زيد مختلف.

стр. 1922

٢٤ - باب الوُضُوءِ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ١٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأْوُيْسِيُّ قَالَ: حَدَّثَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ- أَخْبَرَهُ أنَهُ رَأى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بِإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى الِمرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ". [١٦٠، ١٦٤، ١٩٣٤، ٦٤٣٣ - مسلم: ٢٢٦ - فتح: ١/ ٢٥٩] ١٦٠ - وَعَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: قَالَ صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ: قَالَ ابن شِهَابٍ: ولكن عُرْوَةُ يُحَدِّثُ، عَنْ حُمْرَانَ، فَلَمَّا تَوَضَّأَ عُثْمَانُ قَالَ: ألَا أُحَدِّثُكُمْ حَدِيثًا لَوْلَا آيَةٌ مَا حَدَّثْتُكُمُوهُ، سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَتَوَضَّأُ رَجُلٌ يُحْسِنُ وُضُوءَهُ، وَيُصَلِّي الصَّلَاةَ إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ حَتّى يُصَلِّيَهَا". قَالَ عُرْوَةُ: الآيَةُ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ﴾ [البقرة: ١٥٩] [انظر: ١٥٩ - مسلم: ٢٢٧ - فتح ١/ ٢٦١] حَدَثنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ الأُوَيْسِيُّ، حَدَّثَني إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ، أَنَّ عَطَاءَ بْنَ يَزِيدَ أَخْبَرَهُ، أَنَّ حُمْرَانَ -مَوْلَى عُثْمَانَ- أَخْبَرَهُ أَنَّهُ رَأى عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ دَعَا بإِنَاءٍ، فَأَفْرَغَ عَلَى كَفَّيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ فَغَسَلَهُمَا، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الإِنَاءِ فَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ، ثُمَّ غَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَيَدَيْهِ إِلَى المِرْفَقَيْنِ ثَلَاثَ مِرَارٍ، ثُمَّ مَسَحَ بِرَأْسِهِ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ ثَلَاثَ مِرَارٍ إِلَى الكَعْبَيْنِ، ثُمَّ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : "مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هذا، ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ، لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ، غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِه".

стр. 1923

الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث رواه مسلم أيضًا (١) وأبو داود والنسائي في "سننهما" (٢)، وكرره البخاري بعد، وفي الصوم (٣). ثانيها: في التعريف برجاله غير من سلف: أما راويه عثمان فهو ثالث الخلفاء ذو النورين أبو عمرو عثمان (ع) بن عفان بن أبي العاص بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف. أمه: أروى (بنت) (٤) عمة رسول ﷺ ، وهو أصغر من النبي ﷺ . روي له مائة حديث ونيف، وكثر المال في زمنه حتى أبيعت جارية بوزنها وفرس بمائة ألف، ونخلة بألف درهم. ذبح صبرًا في ذي الحجة سنة خمس وثلاثين عن نيف وثمانين سنة، وليس في الصحابة من اسمه عثمان بن عفان غيره، وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. وفي الترمذي: "لكل نبي رفيق ورفيقي في الجنة عثمان" (٥). وبويع له بالخلافة بعد ثلاثة أيام من دفن عمر غرة المحرم سنة أربع وعشرين (٦).

стр. 1924

وأما حمران فهو ابن أبان. وقيل: ابن أبّا. وقيل: أبي، مدني، قرشي مولاهم، كان من سبي عين التمر، وكان كاتب عثمان وحاجبه، وولي نيسابور زمن الحجاج، ذكره البخاري في "ضعفائه" واحتج به في "صحيحه". وكذا مسلم والباقون، وقال ابن سعد: كان كثير الحديث لم أرهم يحتجون بحديثه. مات سنة خمس وسبعين. أغرمه الحجاج مائة ألف؛ لأجل الولاية السالفة ثم رد عليه ذَلِكَ بشفاعة عبد الملك (١). وأما عطاء بن يزيد فهو ليثي تابعي سلف (٢). وكذا ابن شهاب: تابعي، فهؤلاء ثلاثة تابعيون بعضهم عن بعض (٣). الثالث: في ألفاظه: معنى (أفرغ): قلب وصبَّ (٤)؛ لأجل الغسل. و (الاستنثار): طلب دفع الماء؛ للخروج من الأنف، مأخوذ من النثرة وهي: طرف الأنف. وقال الخطابي: هي الأنف (٥). ومنهم من جعله جذب الماء إلى الأنف وهو الاستنشاق، والصواب

стр. 1925

الأول، ويدل (له) (١) حديث عثمان الآتي: ثم تمضمض واستنشق واستنثر؛ فجمع بينهما وذلك يقتضي التغاير، ومنهم من قَالَ: سُمِّي جذب الماء استنشاقًا بأول الفعل واستنثارًا بآخره. فرع: يكون الاستنثار باليسرى. و (المَرْفِق): بفتح الميم وكسر الفاء وعكسه لغتان، والمراد به: موصل الذراع في العضد (٢). الرابع: في أحكامه: وهي نيف وعشرون: أولها: جواز الاستعانة في إحضار الماء وهو إجماع من غير كراهة. ثانيها: الإفراغ على اليدين معًا، وجاء في رواية أخرى: أفرغ بيده اليمنى على اليسرى ثم غسلهما (٣). وهو قدر مشترك بين غسلهما معًا مجموعتين أو متفرقتين، والفقهاء اختلفوا في أيهما أفضل. فرع: لم يذكر في هذا الحديث التسمية، وقد سلف ما فيها في بابها (٤). ثالثها: التثليث في غسل الكفين، وهو إجماع. رابعها: استحباب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء في ابتداء الوضوء.

стр. 1926

خامسها: جواز إدخال اليدين الإناء بعد غسلهما، وأنه لا يفتقر إلى نية الاغتراف. سادسها: الترتيب بين غسل اليدين والمضمضمة؛ لأجل الفاء المقتضية للتعقيب، والأصح عند أصحابنا أن ذَلِكَ على وجه الاشتراط، وكذا الترتيب بين المضمضة والاستنشاق أيضًا، وعبَّر الماوردي عن الخلاف بأن في وجوب الترتيب في المسنونات وجهين (١). سابعها: المضمضة أصلها مشعر بالتحريك، ومنه مضمض النعاس في عينه: إذا تحرك، واستعمل في المضمضمة؛ لتحريك الماء في الفم، والأصح عند أصحابنا أنه لا يشترط الإدارة ولا المج، ومن اشترط المج جرى على الأغلب، فإن العادة عدم ابتلاعه. ثامنها: لم يذكر في هذِه الرواية الاستنشاق وذكرها بعد ذَلِكَ كما أسلفناه، وسيأتي. وجمهور العلماء على أن المضمضة والاستنشاق سنة في الوضوء. تاسعها: غسل الوجه، وأصله من المواجهة، وحده (ما بين) (٢) منابت رأسه غالبًا ومنتهى لَحْيَيْهِ (٣) وما بين أذنيه، وتفصيل القول في ذَلِكَ محله كتب الفروع، وقد (بسطناه) (٤) فيها. العاشر: تثليث غسل الوجه، والإجماع قائم على سنيته. الحادي عشر: (ثم) هنا للترتيب بين المسنون والمفروض، وهما

стр. 1927

المضمضة وغسل الوجه، وبعضهم رأى الترتيب في المفروض دون المسنون كما سلف، وهو مذهب مالك. واختلف أصحاب مالك في الترتيب في الوضوء على ثلاثة أقوال: الوجوب، والندب -وهو المشهور عندهم-، والاستحباب. ومذهب الشافعية وجوبه، وخالف المزني فقال: لا يجب، واختاره ابن المنذر والبندنيجي (١)، وحكاه البغوي عن أكثر العلماء، وحكاه الدزماري (٢) قولًا عن القديم وعزاه إلى صاحب "التقريب". قَالَ إمام الحرمين: لم ينقل أحد قط أنه ﷺ نكس وضوءه فاطرد الكتاب والسنة على وجوب الترتيب (٣).

стр. 1928

الثاني عشر: قد أسلفنا أن المراد بالمرفق هنا موصل الذراع في العضد، لكن اختلف قول الشافعي هل هو اسم لإبرة الذراع أو لمجموع عظم رأس العضد مع الإبرة؟ على قولين، وبنى على ذَلِكَ أنه لو سُل الذراع من العضد، هل يجب غسل رأس العضد أم مستحب؟ وفيه قولان: أشهرهما وجوبه. الثالث عشر: اختلف العلماء في وجوب إدخال المرفقين في الغسل على قولين، فذهبت الأئمة الأربعة كما عزاه ابن هُبَيْرَةَ إليهم (١) والجمهور إلى الوجوب، وذهب زُفر وأبو بكر بن داود إلى عدم الوجوب، ورواه أشهب، عن مالك، وزَّيفه القاضي عبد الوهاب (٢). ومنشأ الخلاف أن كلمة (إلى) لانتهاء الغاية، وقد ترد بمعنى: (مع)، والأول هو المشهور، فمن قَالَ به لم يوجب إدخالهما في الغَسْلِ، ومن قَالَ بالثاني أوجب، لكن يلزم من قَالَ بالأول الوجوب، لا من هذِه الحيثية بل من حيث أْن السنة بينته. وفرق بعضهم بين أن تكون الغاية من جنس ما قبلها أو لا، فإن كانت من الجنس دخلت كما في الوضوء وإن كان من غيره لم يدخل كما في آية الصوم. ومنهم من قَالَ: إن كانت الغاية لإخراج ما دخل فيها لم يخرج، فإن اسم اليد يطلق عليها إلى المنكب؛ حتى قَالَ أصحابنا: لو طالت أظافيره ولم يغسلها وجب غسلها قطعًا؛ لاتصالها باليد ودخولها فيه، وكذلك لو نبت في محل الفرض يد أخرى أو سلعة وجب غسلها (٣).

стр. 1929

فلو لم ترد هذِه الغاية لوجب غَسلٌ إلى المنكب، فلما دخلت أخرجت عن الغسل ما زاد على المرفقين، وانتهى الإخراج إلى المرفقين فدخلا في الغسل. الرابع عشر: تثليث غسل اليدين، والإجماع قائم على أنه سنة. الخامس عشر: ظاهر الحديث استيعاب الرأس بالمسح؛ لأن اسم الرأس حقيقة في العضو، لكن الاستيعاب هل هو على سبيل الوجوب أو الندب؟ فيه قولان للعلماء، ومذهب الشافعي أن الواجب ما يقع عليه الاسم ولو بعض شعره. ومشهور مذهب مالك وأحمد: أن الواجب مسح الجميع. ومشهور مذهب أبي حنيفة أن الواجب ربع الرأس. وقد أوضحت مدرك الخلاف في "شرحي للعمدة" فراجعه منه (١). فرع: لم يذكر في الحديث هنا تثليث المسح، وقد ذكرت فيه حديثًا في أول الوضوء، والمسألة خلافية أيضًا، والمشهور عن الشافعي أنها كغيرها في الاستحباب خلافًا للأئمة الثلاثة (٢). السادس عشر: فيه التصريح بغسل الرجلين، وفيه رد على من أوجب المسح. السابع عشر: استحباب التثليث في غسل الرجلين، وبعضهم لا يراه، وعلقه بالإنقاء، والنص يرده. الثامن عشر: إنما قَالَ ﷺ : "نحو وضوئي". ولم يقل: مثله؛ لأن حقيقة مماثلته ﷺ لا يقدر عليها غيره، كذا قاله النووي في

стр. 1930

"شرح مسلم" (١). لكن صح لفظة "مثل" أيضًا، أخرجه البخاري في كتاب الرقاق من "صحيحه" كما سيأتي (٢). التاسع عشر: فيه استحباب ركعتين بعد الوضوء، ويفعل في كل وقت حتى وقت النهي عند الشافعية، خلافًا للمالكية قالوا: وليست هذِه من السنن. قالوا: وحديث بلال في البخاري: أنه كان متى توضأ صلَّى (٣). وقال: إنه أرجى عمل له يجوز أن يخصّ بغير وقت النهي (٤). فرع: هل تحصل هذِه الفضيلة بركعة؟ الظاهر المنع، وفي جريان الخلاف فيه في التحية ونظائره نظر. العشرون: الثواب الموعود به مرتب على أمرين: الأول: وضوؤه على النحو المذكور. والثاني: صلاته ركعتين عقبه، بالوصف المذكور في الحديث، والمرتب على مجموع أمرين لا يلزم ترتبه على أحدهما إلا بدليل خارج، وقد يكون للشيء فضيلة بوجود أحد جزئيه، فيصح كلام من أدخل هذا الحديث في فضل الوضوء فقط؛ لحصول مطلق الثواب لا الثواب المخصوص على مجموع الوضوء على النحو المذكور، والصلاة الموصوفة بالوصف المذكور.
следующие страницы →