стр. 2976
← Шархи хадиса следующие страницы →
Шархи хадиса · id 13252
التوضيح لشرح الجامع الصحيح
ابن الملقن
Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.
стр. 2977
ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، فقد روى عنهما في "الجامع" ونسبهما في مواضع.
وقال الكلاباذي: قال لي أبو أحمد الحافظ: أحمد عن ابن وهب في كتاب البخاري هو ابن أخي ابن وهب، قال الحاكم: من قال هذا غلط ووهم، وقال ابن منده: كلما قال البخاري: أحمد عن ابن وهب، هو ابن صالح، وإذا حدث عن ابن عيسى نسبه، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في "الصحيح" شيئًا ويؤيد من قال أنه أحمد بن صالح روايةُ أبي داود: هذا الحديث عن أحمد بن صالح عن ابن وهب (١)، ورواه أبو نعيم من حديث أحمد بن صالح عنه، ثم قال: رواه البخاري عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب.
ثانيها: في الإشارة بالصلح، ولفظه: عن كعب: أنه كان له دين على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما فمر بهما النبي ﷺ .. الحديث.
ثالثها: في الملازمة عن يحيى بن بكير عن الليث قال غيره: حدثني الليث حدثني جعفر؛ وعنى بالغير: عبد الله بن صالح كاتب الليث.
رابعها: في الإشخاص، في باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض، وكأنه أخذ ذلك من قوله: (فارتفعت أصواتهما) فإن ظاهره أن ذلك منه.
стр. 2978
نعم، ذلك ظاهر في حديث الأشعث مع خصمه أنه لا يتورع، وقد أدخله في الباب معه (١)، وهو ظاهر فيه.
وأخرجه مسلم في البيوع معطوفًا بعد أن وصله، فقال: روى الليث قال: حدثني جعفر، فذكره (٢)، وفي النسائي: رواه معمر عن الزهري أن كعبًا .. فأرسله (٣).
وفي الطبراني من حديث (زمعة) (٤) بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أن رسول الله ﷺ مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له ﷺ : "هكذا؟! تضع الشطر" (٥)؛ فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: "أد إليه ما بقي من حقه" (٦)، وفيه أيضا، من حديث ابن لهيعة، عن الأعرج، عن ابن كعب، عن أبيه (٧) (٨).
стр. 2979
إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه:
أحدها: أبو حدرد اسمه سلا مة، وقيل: عبد، وقيل: أسيد. ذكره ابن الجوزي.
وولده عبد الله مدني صحابي على الأصح، شهد الحديبية فما بعدها، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة (١)، وقي الصحابة حدرد بن أبي حدرد، وقيل: في نسبه كنسب هذا -فيكون أخاه- بصري له حديث في أبي داود (٢).
وكعب: سلمي شاعر أحد السبعين الذين شهدوا العقبة، والثلاثة الذين تيب عليهم، ووهم من قال: شهد بدرًا، مات بالمدينة بعد الأربعين، أو إحدى وخمسين عن سبع وسبعين (٣)، وابنه عبد الله قائد
стр. 2980
أبيه لما عمي، ثقة تابعي مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (١).
ثانيها:
معنى (يقاضي): طلبه بالدين، وأراد قضاءه.
و (سجف) بكسر السين المهملة وفتحها، ثم جيم، ثم فاء، وهو الستر كما قال ابن سيده (٢)، وقيل: هو الستران المقرونان، بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين هرويين فكل شق منه سجف (٣)، وقال الطبري: الرقيق منه يكون في مقدم البيت، ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين (٤). وقال الداودي: هو الباب.
ثالثها:
قوله: قال: ""ضع من دينك") كذا هو في "الصحيح" وفي "معجم الطبراني" من طريق زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن
стр. 2981
مالك، عن أبيه أنه ﷺ مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال ﷺ : "هكذا يضع عنك الشطر" فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: "أد إليه ما بقي من حقه" (١).
وظاهر هذِه الرواية أنه قال ذلك للغريم، وفيها تعيين مقدار الدين.
رابعها:
فيه: دلالة على إباحة رفع الصوت في المسجد ما لم يتفاحش؛ لعدم الإنكار منه ﷺ ؛ فإن تفاحش كان ممنوعا؛ لأنه ﷺ نهى عن رفع الأصوات في المسجد؛ روي من طريق جبير بن مطعم، وابن عمر وغيرهما (٢)، وإن ضعفت، وعن مالك: لا بأس أن يقضي الرجل الرجل في المسجد رهنًا فأمَّا بمعنى التجارة والصرف، فلا أحبه (٣).
خامسها:
فيه الاعتماد على الإشارة لقوله: (وأومأ إليه) أي: الشطر، وإنها بمنزلة الكلام إذا فهمت لدلالتها عليه، فصح على هذا يمين الأخرس، ولعانه وعقوده إذا فهم عنه ذلك، وهذا الأمر منه ﷺ على جهة الإرشاد إلى الصلح، وهو صلح على الإقرار المتفق عليه؛ لأن نزاعهما لم يكن في الدين إنما كان في التقاضي، وأما الصلح على الإنكار، فأجازه أبو حنيفة ومالك، وهو قول الحسن، وأبطله الشافعي وابن أبي ليلى (٤).
стр. 2982
سادسها:
فيه: الشفاعة إلى صاحب الحق والإصلاح بين الخصوم، وحسن التوسط بينهم، وقبول الشفاعة في غير معصية.
سابعها:
قوله: ("قُمْ فَاقْضِهِ") أمر إيجاب؛ لأن رب الدين لما أطاع بوضع ما أمر به تعين على المديون أن يقوم بما بقي عليه لئلا يجتمع على رب الدين وضيعة ومطل، وهكذا ينبغي أن يبت الأمر بين المتصالحين، فلا يترك دينهما علقة ما أمكن.
ثامنها:
فيه أيضا: أن الحاكم إذا سمع قول الخصمين أن يشير عليهما بالصلح، ويأمرهما به وأنه إذا ثبت عنده عسر المديون يأمر بالوضيعة؛ لقطع الخصوم، وإصلاح ذات البين.
تاسعها:
قوله: (حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ) كذا هنا، وفي أخرى: (مر بهما) (١)، فيحتمل أنه مر بهما أولًا، ثم إن كعبًا أشخصه للمحاكمة في المسجد، فهناك نظر إليهما من سجف الحجرة.
стр. 2983
٧٢ - باب كَنْسِ الْمَسْجِدِ وَالْتِقَاطِ الْخِرَقِ وَالْقَذَى وَالْعِيدَانِ
٤٥٨ - حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ -أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ- كَانَ يَقُمُّ الَمسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عَنْة، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: "أَفَلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ". أَوْ قَالَ: "قَبْرِهَا". فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيهِ. [٤٦٠، ١٣٣٧ - مسلم: ٩٥٦ - فتع: ١/ ٥٥٢]
ساق فيه حديث حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا أَسْوَدَ -أَوِ امْرَأَةً سَوْدَاءَ- كَانَ يَقُمُّ المَسْجِدَ، فَمَاتَ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ ﷺ عنْهُ، فَقَالُوا: مَاتَ. قَالَ: "أَفلَا كُنْتُمْ آذَنْتُمُونِي بِهِ، دُلُّونِي عَلَى قَبْرِهِ". أَوْ قَالَ: "قَبْرِهَا". فَأَتَى قَبْرَهُ فَصَلَّى عَلَيْهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع، أخرجه قريبًا في باب الخدم في المسجد، وفيه: أن امرأة أو رجلا (١) كما وقع هنا، ثم قال: ولا أراه إلا امرأة (٢)، ويأتي في الجنائز أيضا (٣)، وجاء في بعض الروايات: أنها امرأة سوداء بغير شك (٤).
стр. 2984
وأخرجه مسلم بلفظ: أن امرأة أو شابًا وفيه: فكأنهم صغروا أمرها أو أمره، فقال: "دلوني على قبره" فصلى عليه، ثم قال: إن هذِه القبور مملوءة ظلمة على أهلها، وإن الله تعالى ينورها لهم بصلاتي عليهم" (١).
قال البيهقي: الذي يغلب على القلب أن هذِه الزيادة في غير رواية أبي رافع، عن أبي هريرة، فإما أن تكون عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ مرسلًا كما رواه أحمد بن عبدة ومن تابعه، أو عن ثابت عن أنس عن النبي ﷺ كما رواه خالد بن خداش [عن حماد بن زيد، عن ثابت] (٢)، عن أبي رافع، عن أبي هريرة فلم يذكرها، قال: وروى حماد بن واقد، عن ثابت، عن أبي رافع، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ صلَّى على قبر بعد ثلاثة أيام، وحماد ضعيف، قال: وهذا التأقيت لا يصح البتة (٣).
وفي "صحيح ابن حبان" من حديث خارجة بن زيد بن ثابت، عن عمه يزيد بن ثابت قال: خرجنا مع رسول الله ﷺ ، فلما ورد البقيع إذا بقبر جديد، فسأل عنه، فقيل: فلانة. فعرفها وقال: "ألا آذنتموني بها؟ قالوا: كنت قائلًا صائمًا فكرهنا أن نؤذيك. قال: أفلا تفعلوا، (ألا) (٤) أعرفن ما مات منكم ميت ما كنت بين أظهركم إلا آذنتموني به، فإن صلاتي عليه رحمة له". ثم أتى القبر فصففنا خلفه فكبر عليه أربعًا (٥).
стр. 2985
وفي سماع خارجة من يزيد وقفة؛ لأن يزيد قتل باليمامة سنة ثنتي عشرة (١)، وخارجة مات سنة مائة أو أقل عن سبعين سنة (٢)، وفي الدارقطني عن أنس أن رجلًا كان ينظف المسجد فمات، فدفن ليلا فأتي النبي ﷺ وأخبر فقال: "اطلبوا لي قبره" فذكره بالتنوير (٣)، كما سلف.
الثاني:
الحديث دال على الكنس -كما ترجم له- والتقاط ما ذكر في معناه ولا زمه.
و (يقم المسجد) يكنسه، و (القمامة) بضم القاف: الكناسة.
الثالث:
فيه ما كان عليه من تفقد أحوال ضعفاء المسلمين وما جبل عليه من التواضع والرأفة والرحمة، والتنبيه على أنه لا ينبغي احتقار مسلم ولا تصغير أمره.
الرابع:
فيه جواز الصلاة على القبر، وهي مسألة خلافية، جوزه طائفة، منهم: علي (٤)، وأبو موسى (٥)، وابن عمر (٦)، وعائشة (٧)،
стр. 2986
وابن مسعود، والشافعي (١)، والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق (٢).
ومنعه آخرون منهم: أبو حنيفة، والنخعي (٣)، والحسن (٤)، ومالك، والثوري، والليث (٥).
وتوسط بعضهم فقيد الجواز بما إذا لم يصلَّ الولي أو الوالي، وتمسكوا بظاهر الحديث فإنه ﷺ لم يصلَّ عليه وخصوا ذلك بالشارع؛ لأجل تنويره وغيره ليس كهو.
ثم اختلف من قال بالجواز إلى كم يجوز؟ فقيل: إلى شهر. وقيل: ما لم يبل جسده (٦). وقيل: أبدًا، والمسألة مبسوطة في الفروع، وسيكون لنا عودة إليها في الجنائز إن شاء الله وقدره (٧).
الخامس:
فيه الحض على كنس المسجد وتنظيفه، وأنه ذكر في معرض الصلاة عليه بعد الدفن، وقد روي عن النبي ﷺ أنه كنس المسجد، ذكر ابن أبي شيبة عن وكيع، عن موسى بن عبيدة، عن يعقوب بن زيد أنه ﷺ كان يتبع غبار المسجد بجريدة (٨)، وعن وكيع، حدثنا كثير بن زيد، عن
стр. 2987
стр. 2988
٧٣ - باب تَحْرِيمِ تِجَارَةِ الخَمْرِ فِي المَسْجِدِ
٤٥٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، عَنْ أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأعمَشِ، عَنْ مُسْلِمِ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى الَمسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الَخمْرِ. [٢٠٨٤، ٢٢٢٦، ٤٥٤٠، ٤٥٤١، ٤٥٤٢، ٤٥٤٣ - مسلم: ١٥٨٠ - فتح: ١/ ٥٥٣]
ساق من حديث أَبِي حَمْزَةَ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ مُسْلِمٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَمَّا أُنْزِلَتِ الآيَاتُ مِنْ سُورَةِ البَقَرَةِ فِي الرِّبَا، خَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ إِلَى المَسْجِدِ، فَقَرَأَهُنَّ عَلَى النَّاسِ، ثُمَّ حَرَّمَ تِجَارَةَ الخَمْرِ.
هذا الحديث ذكره البخاري في باب: آكل الربا وشاهده وكاتبه (١)، وفي باب: تحريم تجارة الخمر (٢) وتفسير قوله تعالى: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا﴾ (٣)، وقوله: ﴿فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾، ثم ذكره معلقًا عن الفريابي، عن سفيان يعني الثوري، عن منصور والأعمش به (٥).
ووصله الإسماعيلي عن القاسم بن حسين بن محسر الأبيوردي، عن حسين بن حفص، قال: وحدثنا ابن زنجويه عن الفريابي به، وكأن وجه دخوله هنا أن الآيات هنا متعلقة بالربا، فكأن الإشارة إلى الجمع.
وزعم عياض أن تحريم الخمر في سورة المائدة ونزولها كان قبل
стр. 2989
نزول آية الربا بمدة طويلة، وأن آية الربا آخر -أو من آخر- ما نزل (١)،
فيحتمل أن يكون هذا النهي متأخرا عن تحريمها، ويحتمل أنه أخبر بتحريمها حين حرمت، ثم أخبر به مرة أخرى بعد نزول آية الربا تأكيدًا ومبالغة في إشاعته، ولعله حضر المسجد من لم يكن بلغه تحريم التجارة فيها قبل، وحكم التجارة في الخمر والربا يأتي في موضعه إن شاء الله.
وغرض البخاري هنا في هذا الباب -والله اعلم- أن المسجد لما كان للصلاة ولذكر الله منزها عن ذكر الفواحش، والخمر والربا من أكبر الفواحش، فلما ذكر الشارع تحريمهما في المسجد ذكر أنه لا بأس بذكر المحرمات والأقذار في المسجد على وجه النهي عنها والمنع منها.
стр. 2990
٧٤ - باب الخَدَمِ لِلْمَسْجِدِ
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: ﴿نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا﴾ [آل عمران: ٣٥] لِلْمَسْجِدِ يَخْدُمُهُا.
٤٦٠ - حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ وَاقِدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْ أَبِي رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ اَمْرَأةً -أَوْ رَجُلًا- كَانَتْ تَقُمُّ المَسْجِدَ -وَلَا أُرَاهُ إِلَّا امْرَأَةً- فَذَكَرَ حَدِيثَ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ صَلَّى عَلَى قَبْرِهِ. [انظر: ٤٥٨ - مسلم: ٩٥٦ - فتح: ١/ ٥٥٤]
ثم ساق حديث أبي هريرة السالف.
وهذا الأثر ذكره الضحاك، عن ابن عباس في "تفسيره"، وفيه: وقف الإنسان على مصالح المسلمين ونفعهم.
стр. 2991
٧٥ - باب الأَسِيرِ أَوِ الْغَرِيمِ يُرْبَطُ فِي الْمَسْجِدِ
٤٦١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: أَخْبَرَنَا رَوْحٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةَ نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكَرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. [ص: ٣٥] قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا. [١٢١٠، ٣٢٨٤، ٣٤٢٣، ٣٤٢٣، ٤٨٠٨ - مسلم ٥٤١ - فتح: ١/ ٥٥٤]
ساق حديث أبي هريرة عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ عِفْرِيتًا مِنَ الجِنِّ تَفَلَّتَ عَلَيَّ البَارِحَةَ -أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا- لِيَقْطَعَ عَلَيَّ الصَّلَاةَ، فَأَمْكَنَنِي اللهُ مِنْهُ، فَأَرَدْتُ أَنْ أَرْبِطَهُ إِلَى سَارِيةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ؛ حَتَّى تُصْبِحُوا وَتَنْظُرُوا إِلَيْهِ كُلُّكُمْ، فَذَكرْتُ قَوْلَ أَخِي سُلَيْمَانَ: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ بَعْدِي﴾. [ص: ٣٥] قَالَ رَوْحٌ: فَرَدَّهُ خَاسِئًا.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث ذكره البخاري هنا، وفي أواخر الصلاة (١)، وأحاديث الأنبياء (٢)، وصفة إبليس (٣)، وسورة ص من التفسير (٤)، وأخرجه مسلم في الصلاة (٥).
стр. 2992
ثانيها:
(سليمان) هو ابن داود صلوات الله وسلامه عليه وعلى والده وعلى سائر الأنبياء، ذكره الله تعالى في القرآن العظيم في مواضع.
وسيأتي في حديث أبي هريرة في قصة المرأتين في عدو الذئب على أحد ولديهما (١)، وكان والده يشاوره في كثير من أموره مع صغر سنه لوفور عقله، وفيه قال تعالى: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ [النمل: ١٦] أي: في نبوته وملكه وحكمه دون سائر أولاد داود.
وذكر الثعالبي في "عرائسه"، قال: وكان لداود اثنا عشر ابنا، وكان سليمان ملك الشام، وقيل: ملك الأرض كلها. وروي عن ابن عباس قال: ملك الأرض مؤمنان: سليمان وذو القرنين، وكافران: نمروذ وبختنصر (٢).
قال كعب ووهب: كان سليمان أبيض جسيما وسيما وضيئا جميلا خاشعا متواضعا، يلبس الثياب البيض، ويجالس المساكين، ويقول: مسكين جالس مساكين. وكان حين ملك كبير الغزو لا يكاد يتركه يحمله الرمح هو وعسكره وداوبهم حيث أرادوا، وتمر به وبعسكره الريح على المزر لا يحركها.
وعن محمد بن كعب القرظي: بلغنا أن عسكر سليمان كان مائة
فرسخ: خمسة وعشرون للإنس، وخمسة وعشرون للجن، وخمسة
стр. 2993
وعشرون للطير، وخمسة وعشرون للوحش. وكان عمر سليمان ثلاثا وخمسين، وملك وهو ابن (ثلاث عشرة) (١) سنة، وابتدأ ببيت المقدس بعد ابتداء ملكه بأربع سنين.
ثالثها:
العفريت: وزنه فِعْلِيت، العاتي المتمرد من الجن الخبيث المنكر النافذ في الأمر المبالغ فيه، وقرئ: (عفرية من الجن) (٢) قال الجوهري: إذا سكنت الياء صيرت الهاء تاء، وإذا حركتها فالتاء هاء في الوقف (٣).
ومعنى: ("تفلت علي"): تعرض علي فلتة أي: فجأة، وفي مسلم: (يفتك) بدل (تفلت)، وهو الأخذ في غفلة وخديعة وسرعة، وهو المراد بقوله في البخاري: أو كلمة نحوها، قال ابن قرقول: يفتك بضم التاء وكسرها، والفتك هنا تصحيف من تفلت كما في البخاري أي: توثب وأسرع لإضراري والجمع: فلتات.
رابعها:
(البارحة) أقرب ليلة مضت، قال في "المحكم": هي الليلة الخالية ولا تحقر. قال ثعلب: يحكى عن أبي زيد أنه قال: تقول: مُذْ غدوة إلى أن تزول الشمس قد سرينا الليلة، وفيما بعد الزوال إلى آخر النهار رأيت البارحة (٤).
стр. 2994
وفي "المنتهى" لأبي (المعالي) (١): كل زائل بارح، ومنه سميت
البارحة أدني ليلة زالت عنك، تقول: لقيته البارحة، والبارحة الأولى، ومنذ ثلاث ليال. وقال قاسم في "دلائله": يقال بارحة الأولى يضاف الاسم إلى الصفة كما يقال: مسجد الجامع، ومنه الحديث: كانت لي شاة فعدا عليها الذئب بارحة الأولى (٢).
خامسها:
فيه دلالة على وجود الجن، وأنه قد يراهم بعض الآدميين، وإن قوله تعالى: ﴿مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ﴾ محمول على الغالب، فرؤيتهم غير مستحيلة؛ لأنهم أجسام لطيفة، والجسم وإن لطف فدركه غير مستحيل.
قال الخطابي: وقد رأينا غير واحد من الثقات وأهل الزهد والورع، وبلغنا عن غير واحد من أهل الرياضة وأهل الصفاء والإخلاص من أهل المعرفة أنهم يخبرون أنهم يدركون أشخاصهم.
قلت: ورأيت أنا بعضهم في اليقظة (وسلمت) (٣) عليه، وسلم عليَّ بعضهم نهارًا من غير رؤية شخصه، قال: وروينا عن عمر بن الخطاب وأبي أيوب الأنصاري وغير واحد من الصحابة رؤية الجن، ومعالجتهم إياهم في غير طريق من حديث الأثبات والثقات من النقلة (٤).
стр. 2995
وقد قيل: إن رؤيته كانت للعفريت وبجسمه حتى يربطه من خصوصياته كما خص برؤية الملائكة، وقد رآه يوم انصرافهم عن الخندق، ورأى في هذِه الليلة الشيطان وأقدر عليه لتجسمه؛ لأن الأجسام ممكن القدرة عليها، وأما غيره من الناس فلا يتمكن من هذا، ولا يرى أحد الشيطان على صورته غيره ﷺ للآية السالفة، لكنه يراه سائر الناس إذا تشكل في غير شكله، كما تشكل للأنصاري في بيته صورة حية فقتله، فمات الأنصاري، ومن ذلك ﷺ في قوله: "إن بالمدينة جنا قد أسلموا" (١).
وسموا جنًّا لاستتارهم، وهم نوع من العالم، والإجماع قائم على وجودهم، وإنما أنكرت المعتزلة تسلطهم على البشر فقط.
سادسها:
معنى قوله: "فذكرت قول أخي سليمان أنه أعطي مملكة الجن، فلم أرد أن أزحمه فيما أعطي" فإذا لم يربطه، ويبعد أنه قال ذلك مع عدم القدرة عليه، وهذا الربط يحتمل أن يكون بعد تمامها، ويحتمل أن يكون فيها؛ لأنه شغل بشر.
سابعها:
فيه إباحة ربط ما ذكر في المسجد، وعليه ترجم البخاري: والأسير مثله. قال المهلب: وفيه ربط من خشي هروبه لحق عليه أو دين، والتوثق منه في المسجد، وغيره حكاه ابن بطال عنه، ثم قال: ورؤيته للعفريت هو مما خص به كما خص برؤية الملائكة، فقد أخبر أن جبريل له ستمائة جناح، وأخبرنا الله تعالى بذلك بقوله: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى (١٨)﴾.
стр. 2996
وبقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣)﴾ وقد رآهم (١)، وهذا قد أسلفناه.
ثامنها:
قوله: "فرده الله خاسئا" أي: ذليلا صاغرا مطرودا، يقال: خسأ الكلب خسوءًا: تباعد، وخسأته: قلت: اخسأ، واعلم أن في بعض نسخ البخاري بعد هذا الباب الاغتسال إذا أسلم، وعليه مشى ابن بطال في "شرحه" (٢) ونحن أيضا، وفي بعضها ذكر الحديث الذي فيه من غير تبويب، وهو مطابق لما بوب له من ربط الأسير مطابقة ظاهرة؛ لأن ثمامة كان أسيرًا وغريما للصحابة لما جاءوا به.
قال ابن المنير: ويجوز أن يكون البخاري سلك عادته في الاستدلال بالخفي والإعراض عن الجلي (اكتفاء) (٣) بسبق الأفهام إليه، ويجوز أن يكون ترك الاستدلال بحديث ثمامة؛ لأنه ﷺ لم يربطه، ولم يأمر بربطه، وحيث رآه مربوطًا قال: "أطلقوا ثمامة" فهو بأن يكون إنكارًا لفعلهم أولى منه بأن يكون تقريرًا بخلاف قصة العفريت، فإنه ﷺ هم بربطه.
قلت: في وفد بني حنيفة غدا عليه ثلاثة أيام، وهو كذلك، فإن تقرير
أكثر من ذلك على أن ابن إسحاق ذكر أنه ﵇ أمر بربطه (٤)؛ فزال ما ذكره.
وفي بعض النسخ: وكان شريح يأمر بالغريم أن يحبس إلى سارية المسجد (٥).
стр. 2997
وهذا رواه معمر عن أيوب، عن ابن سيرين قال: كان شريح إذا قضى على رجل بحق أمر بحبسه في المسجد إلى أن يقوم بما عليه، وإن أعطى حقه، وإلا أمر به إلى السجن (١).
стр. 2998
٧٦ - باب الاِغْتِسَالِ إِذَا أَسْلَمَ، [وَرَبْطِ الأَسِيرِ أَيْضًا فِي الْمَسْجِدِ
وَكَانَ شُرَيْحٌ يَأْمُرُ الغَرِيمَ أَنْ يُحْبَسَ إِلَى سَارِيَةِ المَسْجِدِ] (١).
٤٦٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ قَالَ: حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْن أَبِي سَعِيدٍ، سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ". فَانْطَلَقَ إِلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنَ الَمسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَّ مُحَمَّدَا رَسُولُ اللهِ. [٤٦٩، ٢٤٢٢، ٢٤٢٣، ٤٣٧٢ - مسلم: ١٧٦٤ - فتح: ١/ ٥٥٥]
ذكر فيه حديث أبي هُرَيْرَةَ قَالَ: بَعَثَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ، فَجَاءَتْ بِرَجُلٍ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ، يُقَالُ لَهُ ثُمَامَةُ بْنُ أُثَالٍ، فَرَبَطُوهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي المَسْجِدِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ". فَانْطَلَقَ إِلَى نَجْلٍ قَرِيبٍ مِنَ المَسْجِدِ، فَاغْتَسَلَ ثُمَّ دَخَلَ المَسْجِدَ، فَقَالَ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ وَأَنَ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه قريبًا أيضًا (٢)، وفي الإشخاص (٣) ومطولًا في وفد بني حنيفة من المغازي (٤).
стр. 2999
وأخرجه مسلم في المغازي (١)، وطرقه الدارقطني في "علله"، وقال: طريقة البخاري هي الصواب (٢).
ووقع في كتاب ابن المنير أن البخاري أخرجه في البيع والشراء في المسجد، ومعه شيخنا في "شرحه"، وهو عجيب فليس فيه إلا حديث بريرة كما سلف، ثم قال: ووجه المطابقة أن الذي تخيل المنع إنما أخذه من ظاهر: "إن هذِه المساجد إنما بنيت للصلاة وذكر الله". فبين البخاري تخصيص هذا العموم بإجازة فعل غير الصلاة في المسجد، وهو ربط ثمامة؛ لأنه لمقصود صحيح، والبيع كذلك (٣).
وهذا أعجب من الأول، وليته على تقدير وجدانه فيه، وأنى له ذلك، استنبط ذلك من قوله في وفد بني حنيفة: (إن تُنعم تُنعم على شاكر، وإن كنت تريد المال فسل) قيده مساومة وبيع في النفس والمال.
ثانيها:
هذا الحديث روي أيضا من حديث ابن عباس أخرجه ابن منده في "معرفة الصحابة" من حديث علباء بن أحمر، عن عكرمة، عن ابن عباس أن ثمامة بن أثال الحنفي أتى النبي ﷺ أسيرًا فخلى سبيله، فلحق بمكة فحال بين أهل مكة والميرة من اليمامة، فجاء أبو سفيان إلى رسول الله ﷺ فقال: ألست تزعم أنك بعثت بالرحمة؟ قال: "بلى". قال: فقد قتلت الآباء بالسيف والأبناء بالجوع، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٧٦] الآية (٤).
стр. 3000
ثالثها:
(ثمامة): -بالثاء المثلثة المضمومة- ابن أثال -بضم الهمزة، ثم ثاء مثلثة مفتوحة وبعد الألف لام؛ مصروف- ينتهي نسبه إلى عدنان، وهو سيد أهل اليمامة، وكناه ابن الطلاع أبا أمامة وسماه أثاثة، قال: ويقال: ثمامة، وإسلامه قبل الفتح.
رابعها:
أخذ ابن المنذر من هذا الحديث جواز مكث الجنب المسلم في المسجد، وأنه أولى من المشرك؛ لأنه ليس بنجس، بخلاف المشرك، وروى ابن جريج، عن عثمان بن أبي سليمان أن مشركي قريش حين أتوا رسول الله ﷺ في نداء من أسلم منهم ببدر كانوا يبيتون في مسجد الرسول منهم جبير بن مطعم ( … ) (١)، وسيأتي حديثه عند البخاري (٢).
خامسها:
في ربطه بالسارية جواز ربط الأسير وحبسه وإدخال الكافر المسجد، ومذهبنا جوازه بإذن المسلم سواء كان الكافر كتابيًّا أو غيره. واستثنى الشافعي من ذلك مسجد مكة وحرمه (٣)، وذكر ابن التين عن مجاهد وابن محيريز جواز دخول أهل الكتاب فيه (٤).
стр. 3001
وقال عمر بن عبد العزيز (١) وقتادة ومالك (٢): لا يجوز. ونقله القرطبي عن المزني أيضًا (٣).
وقال أبو حنيفة: يجوز للكتابي دون غيره (٤). وكان حجته ما رواه أحمد في "مسنده" من حديث جابر مرفوعًا: "لا يدخل مسجدنا هذا بعد عامنا هذا مشرك إلا أهل العهد وخدمهم" (٥).
وحجة الشافعي حديث ثمامة، وبأن ذات المشرك ليست نجسة، ومالك أخذ بظاهر الآية، وأنه خاص بالحرم، ومقتضاه تنزه المساجد عنهم كما تنزه عن سائر الأنجاس، عنده أنه نجس لما يخالطه منها إذ كان لا ينفك عنها ولا يتحرز عنها، وبقوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ [النور: ٣٦]، ودخول الكافر فيها مناف لذلك، وبقوله ﷺ : "إن هذِه المساجد لا يصلح فيها شيء من البول والقذر" (٦). والكافر لا يخلو عن ذلك، وبالحديث السائر: "لا أحل المسجد لحائض ولا جنب" (٧). والكافر جنب.
стр. 3002
واعتذروا عن حديث ثمامة بأوجه:
منها: أن ذلك كان متقدمًا على الآية -وفيه نظر- فإنه في سنة ست، والآية كانت سنة تسع.
ومنها: أنه ﷺ كان قد علم بإسلامه.
ومنها: أنها قصة في حين قال القرطبي: ويمكن أن يقال: إنه ﷺ إنما ربط ثمامة في المسجد؛ لينظر حسن صلاة المسلمين واجتماعهم عليها وحسن آدابهم في جلوسهم في المسجد فيأنس بذلك، وكذلك كان (١).
ويوضحه حديث عثمان بن أبي العاصي في "صحيح ابن خزيمة" أن وفد ثقيف لما قدموا على رسول الله ﷺ أنزلهم المسجد ليكون أرق لقلوبهم (٢).
وقال جبير فيما ذكره أحمد: دخلت المسجد والنبي ﷺ يصلي المغرب فقرأ بالطور، فكأنما صدع قلبي حين سمعت القرآن (٣). قال: ويمكن أن يقال أيضًا: إنهم لم يكن لهم موضع ربط يربط فيه إلا المسجد.
سادسها: قوله (فقال: "أطلقوا ثمامة") سبب إطلاقه أنه قال له ثلاثة أيام: "ما عندك يا ثمامة؟ " -كما يأتي في المغازي (٤) - قال: عندي يا محمد خير، إن تقتل تقتل ذا دم، وإن تنعم تنعم على شاكر، وإن
стр. 3003
كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت، فعند ذلك أمر بإطلاقه، ففيه: جواز اللين على الأسير، وهو مذهبنا ومذهب الجمهور (١).
وادعى ابن الجوزي أنه لم يسلم تحت الأسر لعزة نفسه، وكأن ﷺ أحس منه بذلك فقال: "أطلقوه" فلما أطلق أسلم، ورواية ابن خزيمة وابن حبان في "صحيحهما" بزيادة: إذ فيهما فمر ﷺ يومًا فأسلم فحله وبعث به إلى حائط أبي طلحة، فأمره أن يغتسل، فاغتسل وصلى ركعتين، فقال ﷺ : "لقد حسن إسلام أخيكم" (٢). ورواه ابن الجوزي أيضا كذلك.
سابعها:
قوله: (فانطلق إلى نجل) كذا الرواية هنا، وفي مسلم وغيرهما بالنون والخاء المعجمة، أي: انطلق إلى نخيل فيه ماء، وزعم ابن دريد أنه بالجيم، وهو الماء القليل المنبعث، وقيل: الجاري.
وعن عائشة ﵂ أن بطحان وهو -واد بالمدينة يجري نجلًا (٣). أي: نزًّا فيمكن أن يكون مضى لذلك المكان، وفي رواية: أنه ذهب إلى المصانع فغسل ثيابه، واغتسل (٤).
ولا شك أن الكافر إذا أراد الإسلام بادر به، ولا يؤخره للاغتسال، ولا يحل لأحد أن يأذن له في تأخيره، بل يبادر به ثم يغتسل. ورواية
стр. 3004
البخاري أنه تشهد بعد الغسل محمولة على أنه أظهر ذلك، وقد أسلفنا أنه أسلم قبله.
ومذهبنا أن اغتساله واجب إن كان عليه جنابة في شركه سواء اغتسل منها أم لا، وأبعد بعض أصحابنا، فقال: إن كان اغتسل أجزأه، وإلا وجب.
وأبعد منه قول بعض أصحابنا وبعض المالكية: لا غسل عليه، ويسقط حكم الجنابة بالإسلام كما تسقط الذنوب، وهو منقوض بالوضوء، وأنه لازم إجماعًا هذا كله إذا كان أجنب في كفره، وإلا فهو مستحب، وقاله مالك (١).
قال القرطبي: وهذا الحديث دال على أن الغسل في حق الكافر كان مشروعًا عندهم معروفًا، ألا ترى أنه لم يحتج في ذلك إلى من يأمره به، ولا لمن نبهه عليه.
قلت: قد سلف صريحًا أنه أمره به قال: والمشهور من قول مالك أنه إنما يغتسل لكونه جنبًا، قال: ومن أصحابنا من قال: يغتسل للنظافة واستحبه ابن القاسم ولمالك قول: إنه لا يعرف الغسل (٢).
وقال أحمد وأبو ثور: يلزمه الغسل لهذا الحديث ولحديث قيس بن [أبي] (٣) عاصم في الترمذي محسنًا (٤)، وصححه ابن خريمة (٥)، وعند
стр. 3005
أبي حنيفة أن الغسل للإسلام مستحب. قال محمد في "السير الكبير": ينبغي للرجل إذا أسلم أن يغتسل للجنابة، وعلل بأن الكفار لا يغتسلون للجنابة، ولا يدرون كيفيته (١)، قيل: أراد أن من المشركين من لا يدين الاغتسال من الجنابة، ومنهم من يدينه كقريش، وبني هاشم، فإنهم توارثوه عن إسماعيل ﵇ إلا إنهم كانوا لا يدرون كيفيته، وهذا في حق من لم يجنب، وقد اختلف خطابهم بالفروع أيضًا.
стр. 3006
٧٧ - باب الخَيْمَهَ فِي المَسْجِدِ لِلْمَرْضَى وَغَيِرْهِمْ
٤٦٣ - حَدَّثَنَا زَكَرِيَّاءُ بْنُ يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ نُمَيْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبِ، فَلَمْ يَرُعْهُمْ -وَفِي الَمسْجِدِ خَيْمَةٌ مِنْ بَنِي غِفَارٍ- إِلَّا الدَّمُ يَسِيلُ إِلَيْهِمْ، فَقَالُوا: يَا أَهْلَ الخَيْمَةِ، مَا هذا الذِي يَأْتِينَا مِنْ قِبَلِكُمْ؟ فَإِذَا سَعْدٌ يَغْذو جُرْحُهُ دَمًا، فَمَاتَ فِيهَا. [٢٨١٣، ٣٩٠١، ٤١١٧، ٤١٢٢ - مسلم: ١٧٦٩ - فتح: ١/ ٥٥٦]
ذكر فيه حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: أُصِيبَ سَعْدٌ يَوْمَ الخَنْدَقِ فِي الأَكْحَلِ، فَضَرَبَ النَّبِيُّ ﷺ خَيْمَةً فِي المَسْجِدِ لِيَعُودَهُ مِنْ قَرِيبٍ .. الحديث.
والكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه في الأحزاب مطولًا (١)، وأخرجه مسلم في المغازي (٢).
ثانيها:
(سعد) هذا هو: ابن معاذ، أبو عمرو، وسيد الأوس، بدري، كبير القدر، واهتز عرش الرحمن لموته، أي: استبشارًا لقدوم روحه، أو المراد: حملة العرش، ومن عنده من الملائكة، وأبعد من قال: المراد بالعرش الذي وضع عليه، وتوقف مالك في رواية هذا الحديث، ولعله لا يصح عنه. قال أبو نعيم: مات في شوال (٣)، ونزل
стр. 3007
في جنازته سبعون ألف مَلِكٍ ما وطئوا الأرض (١).
ثالثها:
هذِه الخيمة كانت لرفيدة الأنصارية، وقيل: الأسلمية، وكانت تداوي الجرحى، وتحتسب بخدمتها من كانت فيه ضيعة من المسلمين.
رابعها:
الأكحل: عرق في اليد يفصد، ولا يقال: عرق الأكحل، كما قال في "الصحاح" (٢)، ويقال له كما قال في "المحكم": النسا في الفخذ، وفي الظهر الأبهر، وقيل الأكحل: عرق الحياة، ويدعى نهر البدن، وفي كل عضو منه شعبة لها اسم على حدة، فإذا قطع في اليد لم يرقأ الدم (٣)، وفي "الجامع": هو عرق الحياة.
خامسها:
قوله: (فلم يرعهم) أي: يفزعهم، وقال الخطابي: هو من الروع، وهو إعظامك الشيء وإكباره فترتاع، قال: وقد يكون من خوف، والمعنى فهم في سكون حتى أفزعهم الدم فارتاعوا له (٤).
стр. 3008
سادسها:
قوله: (يغذو) أي: سال.
والحديث دال لما ترجم له، وهو سكنى المساجد للعذر، وأن الإمام إذا شق عليه النهوض إلى عيادة مريض يأمر أن ينقل به إلى موضع يقرب ويخف عليه زيارته، واستدل به مالك وأحمد (١) على أن إزالة النجاسة ليست فرضًا؛ لأنه لم يحل بينها وبين الذريعة إليها، ولم يمنعه من السكنى، وعزاه بعضهم إلى القديم، ولك أن تقول: إن ما سكن إلا بعد الاندمال، ولا يخشى منه محذور غالبا.
стр. 3009
٧٨ - باب إِدْخَالِ البَعِيِر فِي المَسْجِدِ لِلْعِلَّةِ
وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: طَافَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى بَعِيرٍ. [١٦٠٧]
٤٦٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْن يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنِ نَوْفَلٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ". فَطفْتُ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي إِلَى جَنْبِ البَيْتِ، يَقْرَأُ بِالطُّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ. [١٦١٩، ١٦٢٦، ١٦٣٣، ٤٨٥٣ - مسلم: ١٢٧٦ - فتح: ١/ ٥٥٧]
ثم ساق حديث أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ: شَكَوْتُ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ أَنِّي أَشْتَكِي. قَالَ: "طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النَّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ .. " الحديث.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
التعليق الأول يأتي -إن شاء الله تعالى- في الحج من حديث عكرمة (١)، وحديث أم سلمة أخرجه مع مسلم في الحج (٢)، وفي تفسير سورة الطور (٣)، وفي لفظ له: "إذا أقيمت صلاة الصبح فطوفي على بعيرك، والناس يصلون" (٤).
ثانيها:
معنى (شكوت) أي: أشتكي تعني: أنها مريضة، وإنما أمرها
стр. 3010
بالطواف وراء الناس؛ لأنه صلاة وسنة النساء التباعد عن الرجال في الصلاة.
ثالثها:
فيه جواز الطواف راكبًا للمعذور، ولا كراهة فيه، فإن كان غير معذور ففيه خلاف ستعلمه في الحج، وطوافه ﷺ على بعير يوضح جوازه، وبه أخذ ابن المنذر وقوم والجمهور كما حكاه القرطبي (١) على كراهة ذلك ومنعه، وذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يعيد ما دام قريبًا من مكة، فإن بَعُد إلى مثل الكوفة فعليه دم (٢)، ولم ير الشافعي فيه شيئًا (٣)، وبه قال أحمد كما حكاه ابن الجوزي (٤).
وأجابوا عن طوافه راكبًا بأوجه:
منها: أنه للاستعلاء كما أخرجه مسلم (٥).
ثانيها: أنه كان شاكيا. رواه أبو داود (٦) من حديث ابن عباس (٧)، وهذا فهمه البخاري هناك، وترجم عليه، باب: المريض يطوف راكبًا (٨).
стр. 3011
ثالثها: قول عائشة لو كان ماشيًا لطرق بين يديه ولصرفوا عنه، وكان يكره ذلك (١).
رابعها: فيه جواز دخول الدواب المسجد كما ترجم له، ولا يلزم من دخولها التلوث، وناقته ﷺ كانت ناقة منوقة، والعادة أن الدابة إذا كانت سائرة لا تبول (٢)، وخصه مالك بالدواب المأكولة.
وفيه أيضًا أن راكب الدابة ينبغي له أن يتجنب ممر الناس ما استطاع ولا يخالط الرجالة، وكذلك ينبغي أن يخرج النساء إلى حواشي الطرق.
قال أبو عمر: وصلاته ﷺ إلى جنب البيت من أجل أن المقام كان حينئذ ملصقًا بالبيت قبل أن ينقله عمر من ذلك المكان، والوجه أن البيت كله قبله، فحيث صلى المصلي منه إذا جعله أمامه كان حسنًا (٣).
стр. 3012
٧٩ - باب
٤٦٥ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الُمثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي، عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسٌ أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ. [٣٦٣٩، ٣٨٠٥ - فتح: ١/ ٥٥٧]
ذكر فيه أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ خَرَجَا مِنْ عِنْدِ النَّبِيِّ ﷺ فِي لَيْلَةٍ مُظْلِمَةٍ، وَمَعَهُمَا مِثْلُ المِصْبَاحَيْنِ يُضِيآنِ بَيْنَ أَيْدِيهِمَا، فَلَمَّا افْتَرَقَا صَارَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَاحِدٌ حَتَّى أَتَى أَهْلَهُ.
الكلام عليه من أوجه:
أحدها:
هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في علامات النبوة متنًا وإسنادًا (١)، وفي منقبة أسيد بن حضير، وعباد بن بشر في مناقب الأنصار، وقال فيه: وقال معمر، عن ثابت، عن أنس أن أسيد بن حضير ورجلًا من الأنصار، وقال حماد: أنا ثابت، عن أنس كان أسيد وعباد بن بشر عند النبي ﷺ (٢)، وتعليق معمر أخرجه البيهقي في "دلائله" من حديث عبد الرزاق عنه (٣)، وتعليق حماد هذا وصله النسائي في "سننه" فقال: حدثنا أبو بكر بن نافع، عن بهز بن أسد، عن حماد بن سلمة أنا ثابت فذكره (٤)، وأخرجه البيهقي في "دلائله" من حديث يزيد بن هارون، عن حماد به، وفيه: أضاءت لهما عصى أحدهما (٥).
стр. 3013
ثانيها:
الرجلان قد عرفتهما، وقال ابن التين: هما عباد وعويم بن ساعدة أو أسيد، وجزم ابن بطال بأنهما عباد وأسيد (١)، وبه جزم ابن التين في باب: علامات النبوة، وهو الموافق لباقي الباب، وهو شبيه بما ذكره ابن عساكر وغيره، عن قتادة بن النعمان أنه خرج من عند رسول الله ﷺ وبيده عرجون فأضاء العرجون (٢).
وفي "دلائل البيهقي" من حديث ميمون بن زيد بن أبي عبس، حدثني أبي أن أبا عبس كان يصلي مع رسول الله ﷺ الصلوات، ثم يرجع إلى بني حارثة، فخرج في ليلة مظلمة مطيرة، فنورت له عصاه حتى دخل دار بني حارثة (٣)، ومن حديث كثير بن زيد، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه قال: كنا مع رسول الله ﷺ فنفرنا في ليلة مظلمة، فأضاءت أصابعي حتى جمعوا عليها ظهرهم وما هلك منهم، وإن أصابعي لتنير، وفي لفظ: نفرت دوابنا ونحن في سفر .. الحديث (٤).
ثالثها:
قال ابن بطال: إنما ذكر البخاري هذا الحديث في أحكام المساجد؛ لأن الرجلين كانا مع رسول الله ﷺ في موضع جلوسه مع الصحابة، فلما كان معه هذان في علم ينشره، أو في صلاة فأكرمهما الله بالنور في الدنيا ببركة الشارع، وفضل مسجده، وملازمته، وذلك آية للشارع وكرامة له،
стр. 3014
وأنه خص في الآيات بما لم يخص به من كان معه (١) أن أعطى أن يكرم أصحابه بمثل هذا النور عند حاجتهم إليه، وذلك من خرق العادات (٢).
وذكر بعضهم فيما نقله شيخنا قطب الدين في "شرحه" ويحتج به غيره: أنه يحتمل أن يكون البخاري أراد بذكر هذا الحديث هنا قول الله تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ ثم قال في آخرها: ﴿يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ وختمها بقوله: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦] إلى أن قال: ﴿لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا﴾ [النور: ٣٨] فكان هذا من أولئك فهداهما الله بالنور في قلوبهم باطنًا ورزقهم إياه ظاهرًا في الظلمة، كما إن كانا من جملة من كان في البيوت التي أذن الله في رفعها، جعل الله لتمام النور بين أيديهما يستضيئان به في ممشاهما مع قوله: "بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (٣) فجعل الله لهم منه في الدنيا ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم.
رابعها:
فيه دلالة ظاهرة لكرامات الأولياء ولا شك فيه.
خامسها:
قال ابن بطال: كان يصلح أن يترجم لهذا الحديث باب قول الله
стр. 3015
تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ﴾ [النور: ٤٠] يشير إلى أن الآية عامة فيهما فيحتمل أن يستثبت منها المعنى لا سيما وقد ذكر الله النور في المشكاة والزجاجة: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ﴾ [النور: ٣٦]، الآية.
فاستدل أن الله يجعل لمن يسبح في تلك المساجد نورًا في قلوبهم، ونورًا في جميع أعضائهم، ونورًا بين أيديهم، ومن خلفهم في الدنيا والآخرة، فلما خرجا من عند الشارع في الليلة المظلمة أراهم بركة نبيه وكرامته بما جعل الله لهما من النور بين أيديهما يستضيئان به في ممشاهما مع الحديث السالف: "بشر المشائين" إلى آخر ما سلف، ويوقِنَا أن كذلك يكون ما وعدهم الله به من النور الذي يسعى بين أيديهم وبأيمانهم يوم القيامة برهانًا لمحمد ﵊ على صدق ما وُعِد به أهل الإيمان الملازمين للبيوت التي أذن الله أن ترفع (١).
وهذا هو عين الاحتمال السالف الذي أباده شيخنا احتمالا، وذكره آخر ( … ) (٢) فذكره (٣).