← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 2941–2980 · переход к 2946.

стр. 2941

وقوله: (لبنة .. ) إلى آخره، فيه: ارتكاب المشقة في عمل البر. قال ابن إسحاق: وعمار أول من بنى لله مسجدًا (١). قال السهيلي: فكيف أضاف إليه بنيانه، وقد بناه معه الناس (٢)؟! فنقول: إنما عنى بهذا مسجد قباء؛ لأن عمارًا هو الذي أشار على رسول الله ﷺ ببنيانه، وهو الذي جمع الحجارة له، فلما أسسه رسول الله ﷺ استتم بنيانه عمار، كذا ذكره ابن إسحاق (٣). الثالثة: التعاون في بنيان المسجد من أفضل الأعمال؛ لأن ذلك مما يجزى الإنسان أجره بعد مماته، ومثل ذلك حفر الآبار، وتحبيس الأموال التي يعم العامة نفعها، والولد الصالح يدعو له بعد موته، قال المهلب: وفيه: بيان ما اختلف فيه من قصة عمار (٤). وقوله: "يدعوهم إلى الجنة، ويدعونه إلى النار" إنما يصح ذلك في الخوارج الذين بعث إليهم علي بن أبي طالب عمارًا يدعوهم إلى الجماعة، وليس يصح في أحد من الصحابة؛ لأنه لا يجوز لأحد من المسلمين أن يتأول عليهم إلا أفضل التأويل؛ لأنهم الصحابة الذين

стр. 2942

أثنى الله عليهم وشهد لهم بالفضل بقوله: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾. قال المفسرون: وهم أصحاب محمد ﷺ ، وقد صح أن عمارًا بعثه علي إلى الخوارج يدعوهم إلى الجماعة التي فيها العصمة بشهادة النبي ﷺ أن أمته لا تجتمع على ضلال (١).

стр. 2943

وفيه: أن عمارًا فهم عن النبي ﷺ أن هذِه الفتنة في الذين يستعاذ بالله منها، وفي الاستعاذة منها دليل أنه لا يدري أحد في الفتنة أهو مأجور أم مأثوم إلا بغلبة الظن، فلو كان مأجورًا لما استعاذ بالله من الأجر، وهذا يرد الحديث المروي: "لا تستعيذوا بالله من الفتنة فإنها حصاد المنافقين" (١). الرابعة: فيه: فضيلة ظاهرة لعمار وهو علم من أعلام النبوة؛ لأن الشارع أخبر بما يكون فكان كما قال.

стр. 2944

٦٤ - باب الاِسْتِعَانَةِ بِالنَّجَّارِ وَالصُّنَّاعِ فِي أَعْوَادِ الْمِنْبَرِ وَالْمَسْجِدِ ٤٤٨ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ، عَنْ أَبِي حَازِمٍ، عَنْ سَهْلٍ قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ أَنْ: "مُرِي غُلَامَكِ النَجَّارَ يَعْمَلْ لِى أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ". [انظر: ٣٣٧ - مسلم: ٥٤٤ - فتح: ١/ ٥٤٣] ٤٤٩ - حَدَّثَنَا خَلَّادٌ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ بْن أَيْمَنَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَابِرٍ، أَنَّ امْرَأَةَ قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ". فَعَمِلَتِ الِمنْبَرَ. [٩١٨، ٢٠٩٥، ٣٥٨٤، ٣٥٨٥ - فتح: ١/ ٥٤٣] ذكر فيه حديث سهل: بَعَثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِلَى امْرَأَةٍ: "مُرِي غُلَامَكِ النَّجَّارَ يَعْمَلْ لِي أَعْوَادًا أَجْلِسُ عَلَيْهِنَّ". وحديث جابر أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، أَلَا أَجْعَلُ لَكَ شَيْئًا تَقْعُدُ عَلَيْهِ، فَإِنَّ لِي غُلَامًا نَجَّارًا؟ قَالَ: "إِنْ شِئْتِ". فَعَمِلَتِ المِنْبَرَ. أما حديث سهل تقدم في باب الصلاة في السطوح والمنبر والخشب (١)، وسيأتي في البيوع أيضًا (٢)، وحديث جابر يأتي في البيوع (٣)، وعلامات النبوة (٤). وهو دال لما ترجم له، وهو الاستعانة بأهل الصناعات والقدرة في كل شيء يشمل المسلمين نفعه، والنادر إلى ذلك مشكور له فعله. فإن قلت: حديث سهل يخالف معنى حديث جابر، وذلك أن حديث

стр. 2945

سهل: أنه ﷺ سأل المرأة أن تأمر غلامها بعمل المنبر، وحديث جابر أن المرأة سألت ذلك. وأجيب: بأنه يحتمل أن تكون المرأة بدأت رسول الله بالمسألة وتبرعت له بعمل المنبر، فلما أباح لها ذلك وقبل رغبتها أمكن أن تنظر الغلام بعمله، فتعلقت نفسه ﷺ به فاستنجزها إتمامه، وإكمال عدتها إذ علم ﷺ طيب نفسها بما بذلته من صنعة غلامها، وقد أسلفنا ذلك في باب الصلاة في السطوح، وقد يمكن أن يكون إرساله لها ليعرفها بصفة ما يصنع الغلام في الأعواد، وأن يكون ذلك منبرًا. وفيه: أن من وعد غيره لعدة أنه يجوز استنجازه فيها، وتحريكه في إتمامها.

стр. 2946

٦٥ - باب مَنْ بَنَى مَسْجِدًا ٤٥٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ، حَدَّثَنِي ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي عَمْرٌو، أَنَّ بُكَيْرًا حَدَّثَهُ، أَنَّ عَاصِمَ بْنَ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ حَدَّثَهُ، أَنَّهُ سَمِعَ عُبَيْدَ اللهِ الَخوْلَانِيَّ، أَنَّهُ سَمِعَ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ، يَقُولُ عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وِإِنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ". [مسلم: ٥٣٣ - فتع: ١/ ٥٤٤] ذكر فيه عن عثمان أنه قال عِنْدَ قَوْلِ النَّاسِ فِيهِ حِينَ بَنَى مَسْجِدَ الرَّسُولِ ﷺ : إِنَّكُمْ أَكْثَرْتُمْ، وَإنِّي سَمِعْتُ رسول الله ﷺ يقُولُ: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا -قَالَ بُكَيْرٌ: حَسِبتُ أَنَّهُ قَالَ: يَبْتَغِي بِهِ وَجْهَ اللهِ- بَنَى اللهُ لَهُ مِثْلَهُ فِي الجَنَّةِ". هذا الحديث أخرجه مسلم (١) أيضا في آخر كتابه (٢) وهي سنة مشهورة رواها جماعات عن عثمان ﵁: منهم: عمر؛ أخرجه ابن حبان في "صحيحه" بلفظ: "من بنى (لله) (٣) مسجدًا يذكر فيه اسم الله بنى الله له بيتا في الجنة" (٤)، ولأبي نعيم: "لا يريد به رياءً ولا سمعة" (٥)

стр. 2947

ومنهم علي أخرجه ابن ماجه بإسناد ضعيف بلفظ: "من بنى لله مسجدًا من ماله" (١). ومنهم جابر أخرجه ابن خزيمة بلفظ: "من حفر ماء لم يشرب منه كبد حر (٢) من جن ولا إنس ولا طائر إلا آجره الله يوم القيامة، ومن بنى (لله) (٣) مسجدًا كمفحص قطاة أو أصفر بنى الله (له) (٤) بيتا في الجنة". (٥) ومنهم أبو ذر أخرجه أبو نعيم بلفظ: "من بنى لله مسجدًا ولو كمفحص (٦) قطاة" (٧) وقال أبو حاتم الرازي: نفس الحديث موقوف، وهو أصح (٨). ومنهم: أبو بكر: "من بنى مسجدًا ولو مثل مفحص قطاة" (٩)؛ قال أبو حاتم الرازي: منكر (١٠).

стр. 2948

ومنهم أنس أخرجه أبو عيسى بلفظ: "من بنى لله مسجدًا صغيرًا كان أو كبيرًا" (١)؛ وأخرجه أبو نعيم بلفظ: "من بنى لله مسجدًا في الدنيا يريد به وجه الله" قالوا: إذن نكثر يا رسول الله، قال: "الله أكثر" (٢)، وفي لفظ: "كل بناء وبال على صاحبه يوم القيامة إلا مسجدًا، فإن له به قصرًا في الجنة من لؤلؤة" (٣). ومنهم: أبو هريرة أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" بلفظ: "من بنى بيتًا يعبد الله فيه حلالًا بنى الله له بيتًا في الجنة من الدر والياقوت" (٤). قال أبو زرعة: هو وهم، وقال ابن أبي حاتم: الصحيح أنه موقوف (٥).

стр. 2949

وروي أيضا من حديث معاذ (١)، وواثلة (٢)، وعمرو بن عبسة (٣) وأبي أمامة (٤)، وعائشة (٥)، وأبي قرصافة (٦)، وابن عمر (٧)

стр. 2950

وابن عمرو (١)، وأبي سعيد (٢)، وأم حبيبة (٣)، وغيرهم (٤). والمساجد بيوت الله وقد أضافها إلى نفسه بقوله: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وحسبك بهذا شرفًا لها، وقال تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية، فهي أفضل بيوت الدنيا وخير بقاع الأرض، وقد تفضل الله تعالى على بانيها بأن بنى له

стр. 2951

قصرًا في الجنة، وأجر المسجد جارٍ لمن بناه في حياته وبعد مماته، ما دام يذكر الله فيه، ويصلى فيه، وهذا مما جاءت المجازاة فيه من جنس الفعل. وقوله: (حين بنى مسجد الرسول) [ … ] (١) حين بناه بالحجارة وزاد فيه كما تقدم. وقوله: (يبتغي به وجه الله) أي: مخلصا في بنائه له، ومن كتب اسمه عليه. فهو بعيد من الإخلاص كما نبه عليه ابن الجوزي؛ لأن المخلص يكتفي برؤية العمل المعمول معه، وقد كان حسان بن أبي حسان يشتري أهل البيت فيعتقهم ولا يخبرهم من هو. وقوله: "بنى الله له مثله في الجنة" يحتمل أن يكون مثله في المسمى، وأما السعة فمعلوم فضلها أو فضله على بيوت الجنة كفضل المسجد على بيوت الدنيا؛ بسبب إضافته إلى الرب تعالى، وقد بشر الشارع خديجة ﵂ ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ولا نصب (٢)، والآخر يضاعف بحسب ما يقترن بالفعل من الإخلاص، ولما فهم عثمان هذا المعنى سابق في بناء المسجد، وحسنه وأخلص فيه وتابعوه.

стр. 2952

٦٦ - باب يَأْخُذُ بِنُصُولِ النَّبْلِ إِذَا مَرَّ فِي المَسْجِدِ ٤٥١ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي الَمسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا".؟ [٧٠٧٣، ٧٠٧٤ - مسلم: ٢٦١٤ - فتح: ١/ ٥٤٦] حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ، ثَنَا سُفْيَانُ قَالَ: قُلْتُ لِعَمْرٍو: أَسَمِعْتَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ يَقُولُ: مَرَّ رَجُلٌ فِي المَسْجِدِ وَمَعَهُ سِهَامٌ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا".

стр. 2953

٦٧ - باب المُرُورِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا". [٧٠٧٥ - مسلم ٢٦١٥ - فتح: ١/ ٥٤٧] حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، ثَنَا عَبْدُ الوَاحِدِ، ثَنَا أَبُو بُرْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا بُرْدَةَ، عَنْ أَبيهِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قالَ: "مَنْ مَرَّ فِي شَيْءٍ مِنْ مَسَاجِدِنَا أَوْ أَسْوَاقِنَا بِنَبْلٍ، فَلْيَأْخُذْ عَلَى نِصَالِهَا، لَا يَعْقِرْ بِكَفِّهِ مُسْلِمًا". هذان الحديثان أخرجهما البخاري أيضا في الفتن (١)، ومسلم في الأدب (٢). والكلام عليهما من أوجه: أحدها: لم يذكر في حديث جابر في آخره هنا فقال: نعم، وقد ذكره البخاري كذلك في موضع آخر (٣). وقد اختلف أهل الحديث فيما إذا قال التلميذ لشيخه: أخبرك فلان بكذا وكذا هل يشترط نطقه أم لا؟ وفي رواية ثابت عنه: "إذا مر أحدكم في مجلس أو سوق وبيده نبل

стр. 2954

فليأخذ بنصالها، ثم ليأخذ بنصالها" (١). ثانيها: في الحديث تأكيد حرمة المسلم لئلا يروع بها أو يؤذي؛ لأن المسجد مورد الخلق ولا سيما أوقات الصلوات، وهذا من كريم خلقه ورأفته بالمؤمنين، والمراد به التعظيم لقليل الدم وكثيره بين المسلمين. ثالثها: فيه جواز إدخال السلاح المسجد، وعند أبي القاسم في "الأوسط" من حديث أبي البلاد عن محمد بن (عبد الله) (٢) قال: كنا عند أبي سعيد الخدري فقلب رجل نبلا، فقال أبو سعيد: ما كان هذا يعلم أن رسول الله ﷺ نهى عن تقليب السلاح ونبله (٣) -يعني: في المسجد-. وقد جاء النهي عن شهر السلاح في المسجد ونشر النبل فيه من حديث ابن عمر (٤) وواثلة (٥) ..

стр. 2955

وابن عباس (١)، وغيرهم (٢) بأسانيد ضعيفة.

стр. 2956

٦٨ - باب الشِّعْرِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٣ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ الَحكَمُ بْنُ نَافِع قَالَ: أَخْبَرَنَا شعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بن عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أَنَّة سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتِ الأنصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ؟ " قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. [٣٢١٢، ٦١٥٢ - مسلم: ٢٤٨٥ - فتح: ١/ ٥٤٨] حَدَّثَنَا (أَبُو اليَمَانِ) (١) الحَكَمُ بْنُ نَافِعٍ، أنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، أَخْبَرَنِي أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ، أنَّهُ سَمِعَ حَسَّانَ بْنَ ثَابِتٍ الأَنْصَارِيَّ يَسْتَشْهِدُ أَبَا هُرَيْرَةَ: أَنْشُدُكَ اللهَ هَلْ سَمِعْتَ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "يَا حَسَّانُ، أَجِبْ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ القُدُسِ"؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ: نَعَمْ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هدا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في باب بدء الخلق (٢)، والأدب (٣)، وأخرجه مسلم في الفضائل (٤).

стр. 2957

ثانيها: لم يذكر أبو مسعود والحميدي وغيرهما أن لحسان بن ثابت رواية في هذا الحديث ولا ذكروا له حديثًا مسندًا، وإنما أوردوا هذا الحديث في مسند أبي هريرة (١)، وخالف خلف فذكره في مسند حسان، وأنه روى عن النبي ﷺ هذا الحديث، وذكر في مسند أبي هريرة أن البخاري أخرجه في الصلاة عن أبي اليمان به، وذكر ابن عساكر لحسان حديثين مسندين أحدهما هذا (٢)، وذكر أنه في أبي داود من طريق سعيد بن المسيب عن أبي هريرة (٣)، قال: وليس في حديثه استشهاد حسان به وأنه في النسائي مرة بالاستشهاد (٤)، ومرة من حديث سعيد عن عمر بعدمه (٥). ثم أورده في مسند أبي هريرة من طريق أبي سلمة عنه (٦). وفي كتاب "من عاش مائة وعشرين سنة من الصحابة" (٧) من حديث عبيد الله بن عبد الله، عن أبي هريرة أن عمر مر بحسان .. الحديث. قال المنذري: وسعيد لم يصح سماعه من عمر، فإن كان سمع ذلك من حسان فيتصل (٨).

стр. 2958

قلت: والبخاري أخرجه في بدء الخلق (١) من طريق سعيد، قال: مر عمر في المسجد .. الحديث، وفيه: ثم التفت إلى أبي هريرة، وقال: أنشدك بالله .. فذكره، وصرح مسلم بسماع سعيد له من أبي هريرة، وقيل: إن أبا سلمة سمع من حسان. الثالث: حسان هذا هو ابن ثابت بن المنذر بن حرام الخزرجي النجاري الشاعر، المدني أبو الحسام، أو أبو الضرب أو أبو عبد الرحمن شاعر رسول الله ﷺ ، وأمه الفُرَيْعة بنت خالد الصحابية، وكان قديم الإسلام ينصر النبي ﷺ بلسانه، ولم يشهد معه مشهدًا؛ لأنه كان يُجَبَّن، وقيل: إنه كان شجاعًا، فأصابته علة، فحدث ذلك به؛ واستُبعد ذلك فإن العرب لم تعيره به، وكان يهاجهم ولسانه فيهم أشد من النبل. وقد يجاب بأنه لما كان ينافح عن الشارع عصمه الله عن ذلك ببركته، عاش مائة وعشرين سنة، وكذا آباؤه الثلاثة، ولا يعرف لغيرهم من العرب مثله كما قاله أبو نعيم (٢). وقد قيل: مات حسان سنة خمسين. ولحسان ولد اسمه عبد الرحمن، فكان إذا ذكر ما عاشه سلفه استلقى على فراشه وضحك وتمدد، وتوهم أنه يعيش كذلك، فمات وهو ابن ثمان وأربعين سنة. ولا يعرف خمسة من الشعراء على نسق واحد، شاعر ابن شاعر ابن شاعر إلا هؤلاء.

стр. 2959

أما من عاش مائة وعشرين، ستين في الجاهلية، وستين في الإسلام، فذكر ابن الصلاح مع حسان على إشكال فيه حكيم بن حزام، ولم يذكر غيرهما (١)، وتبعه النووي في "تقريبه"، وزاد في "تهذيبه" فقال: لا يعرف لهما مشارك في ذلك (٢). وليس كما ذكر فقد ذكرت في كتابي "المقنع في علوم الحديث" ثمانية أنفس أخر (٣). أما من عاش مائة وعشرين مطلقًا (٤) فجماعة أُخر أفردهم ابن منده في جزء (٥)، وكان لحسان لسان طويل يضرب به أذنه، مات في خلافة معاوية، بعد أن عمي سنة خمس أو أربع وخمسين، وقيل: خمسين، وقيل: توفي قبل الأربعين في خلافة علي (٦). الر ابع: ليس في الباب ما ترجم له البخاري أنه أنشد في المسجد، نعم فيه في باب بدء الخلق من حديث سعيد: مر عمر بن الخطاب في المسجد وحسان ينشد فلحظ إليه، فقال: كنت أنشد فيه وفيه من هو خير منك، ثم التفت إلى أبي هريرة .. الحديث، ولأبي داود: فخشي أن يرميه برسول

стр. 2960

الله ﷺ فأجازه، وعدل البخاري عن هذا الحديث هنا ليقدح الطالب فكره، ويشحذ ذهنه؛ ولأن فيه الأمر بالإجابة عن الشارع، والدعاء بالتأييد، وهو لأجل إجابته عنه. الخامس: الحديث ظاهر في جواز إنشاد الشعر فيه، وقد اختلف العلماء في ذلك: فأجازته طائفة إذا كان الشعر فيما لا بأس بروايته، قال ابن حبيب: رأيت ابن الماجشون ومحمد بن سلام ينشدان الشعر، ويذكران أيام العرب، وقد كان اليربوع والضحاك بن عثمان ينشدان مالكًا ويحدثانه بأخبار العرب، فيصغي إليهما. وخالفهم في ذلك آخرون فكرهوا إنشاده فيه، واحتجوا بحديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده: نهى رسول الله ﷺ عن تناشد الأشعار في المساجد. أخرجه ابن خزيمة في "صحيحه"، وحسنه الترمذي (١). وحديث حكيم بن حزام مرفوعا: نهى أن يستقاد في المسجد، وأن ينشد فيه الأشعار. أخرجه أبو داود (٢).

стр. 2961

وحديث جبير (١) وابن عمر وابن عباس (٢) مثله. وحديث أسيد بن عبد الرحمن أن شاعرًا جاء إلى النبي ﷺ وهو في المسجد، فقال: أنشدك يا رسول الله؟ قال: "لا" قال: بلى. فقال له النبي ﷺ : "فاخرج من المسجد" فخرج فأنشد فأعطاه النبي ﷺ ثوبًا، وقال: "هذا بدل ما مدحت به ربك" (٣). وأجاب الأولون بالطعن في هذِه الأحاديث:

стр. 2962

أما حديث عمرو؛ فقال ابن حزم: لا يصح؛ لأنه صحيفة (١). وإن كنا لا نوافقه. وأما حديث حكيم؛ فضعفه عبد الحق (٢)، وبينه ابن القطان بما فيه نظر (٣)، وحديث جبير طعن فيه، وكذا حديث ابن عمر رده ابن عدي بالفرات بن السائب، وحديث ابن عباس ضعيف منقطع. وحديث أسيد ذكره عبد الرزاق في إسناده ابن أبي يحيى، وحالته معروفة، وحديث الباب هنا، وفي بدء الخلق دال لهم إذ كان ذلك بحضرة الصحابة، ولم ينكره أحد منهم، ولا أنكره عمر أيضا، فدل على أن الشعر الكائن بهذِه المثابة لا يمنع منه، وقد روى الترمذي مصححًا من حديث عائشة: كان رسول الله ﷺ ينصب لحسان منبرًا في المسجد، فيقوم عليه يهجو الكفار (٤). ويحمل النهي على تسليم الصحة على ما كان فيه السخف والباطل، وهذا أولى من تأويل أبي عبد الملك: أن ذلك كان في أول الإسلام، وكذا لعب الحبش فيه، وكان المشركون إذ ذاك يدخلونه، فلما كمل الإسلام زال ذلك كله (٥)، وكذا قول ابن بطال: يجوز أن يكون الشعر

стр. 2963

الذي يغلب على المسجد حتى يكون كل من فيه متشاغلًا به، كما تأول أبو عبيد في قوله ﷺ : "لأن يمتلئ جوف أحدكم قيحًا حتى يريه خير له من أن يمتلئ شعرًا" (١) أنه الذي يغلب على صاحبه (٢). السادس: "روح القدس": جبريل، و (القدس) فيه أقوال: أحدها: أنه الله تعالى، قاله كعب (٣)، أي: أنه روح الله. والثاني: البركة (٤). والثالث: الطهارة (٥)، فكأنه روح الطهارة وخالصها، وسمي روحًا؛ لأنه يأتي بالبيان عن الله فتحيا به الأرواح.

стр. 2964

٦٩ - باب أَصْحَابِ الْحِرَابِ فِي الْمَسْجِدِ ٤٥٤ - حَدَّثَنَا عَبْدُ العَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدُّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابن شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْن الزُّبَيْرِ، أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالَحْبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي الَمسْجِدِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. [٤٥٥، ٩٥٠، ٩٨٨، ٢٩٠٧، ٣٥٣٠، ٥١٩٠، ٥٢٣٦ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ١/ ٥٤٩] ٤٥٥ - زَادَ إِبْرَاهِيمُ بْن المُنْذِرِ: حَدَّثَنَا ابن وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ، عَنِ ابن شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالحبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. [انظر: ٤٥٤ - مسلم: ٨٩٢ - فتح: ١/ ٥٤٩] ذى فيه حديث عائشة: لَقَدْ رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَوْمًا عَلَى بَابِ حُجْرَتِي، وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ فِي المَسْجِدِ وَرَسُولُ اللهِ ﷺ يَسْتُرُنِي بِرِدَائِهِ، أَنْظُرُ إِلَى لَعِبِهِمْ. وفي أخرى: رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ وَالْحَبَشَةُ يَلْعَبُونَ بِحِرَابِهِمْ. هذا الحديث أخرجه البخاري هنا، وفي العيدين (١)، ومناقب قريش (٢)، وأخرجه مسلم في العيدين أيضًا (٣). وتعليق البخاري هنا عن إبراهيم بن المنذر بن حبيب، قال: وزاد ابن المنذر عن ابن وهب أسنده مسلم عن أبي الطاهر عن ابن وهب (٤). وهذا اليوم كان يوم عيد. وفي الحديث: الرخصة في المثاقفة بالسلاح لأجل رياضة الحرب،

стр. 2965

وجواز مثل ذلك في المسجد، وقد تقدم قول أبي عبد الملك: أن هذا كان في أول الإسلام، فلما كمل الإسلام أزيل ذلك، ولا يسلم له؛ لأن المسجد موضوع لأمر جماعة المسلمين، فما كان من الأعمال مما يجمع منفعة الدين وأهله فهو جائز في المسجد. واللعب بالحراب من تدريب الجوارح على معاني الحروب، وهو من الاشتداد للعدو، والقوة على الحرب فهو جائز في المسجد وغيره كما نبه عليه المهلب (١). وفيه: جواز النظر إلى اللهو المباح، ويمكن أن يكون ترك الشارع عائشة لتنظر ذلك لتضبط السنة في ذلك، وتنقل تلك الحركات المحكمة إلى بعض من يأتي من أبناء المسلمين، وتعرفهم بذلك. وفيه أيضا: من حسن خلقه وكريم معاشرته لأهله ما ينبغي للمسلم امتثاله والاقتداء به فيه، ألا ترى وقوفه وستره عائشة وهي تنظر إليهم.

стр. 2966

٧٠ - باب ذِكْرِ البَيْعِ وَالشِّرَاءِ عَلَى المِنْبَرِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٦ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ: أَتَتْهَا بَرِيرَة تَسْأَلُهَا فِي كِتَابَتِهَا، فَقَالَتْ: إِنْ شِئْتَ أَعْطَيْتُ أَهْلَكِ وَيَكُونُ الوَلَاءُ لِي. وَقَالَ أَهْلُهَا: إِنْ شِئْتِ أَعْطَيْتِهَا مَا بَقِيَ- وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّة: إِنْ شِئْتِ أَعْتَقْتِهَا ويكُونُ الوَلَاءُ لَنَا- فَلَمَّا جَاءَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ذَكَّرَتْهُ ذَلِكَ، فَقَالَ: "ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ". ثُمَّ قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الِمنْبَرِ -وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً: فَصَعِدَ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى الِمنْبَرِ -فَقَالَ: "مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللهِ؟! مَن اشْتَرَطَ شَرْطًا ليْسَ فِي كِتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ، وَإِنِ اشْتَرَطَ مِائَةَ مَرَّةٍ". قَالَ عَلِيَّ: قَالَ يَحْيَى. وَعَبْدُ الوَهَّابِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: عَنْ يَحْيَى قَالَ: سَمِعْتُ عَمْرَةَ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ. رَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ بَرِيرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ الِمنْبَرَ. [١٤٩٣، ٢١٥٥، ٢١٦٨، ٢٥٣٦، ٢٥٦٠، ٢٥٦١، ٢٥٦٣، ٢٥٦٤، ٢٥٦٥، ٢٥٧٨، ٢٧١٧، ٢٧٢٦، ٢٧٢٩، ٢٧٣٥، ٥٠٩٧، ٥٢٧٩، ٥٢٨٤، ٥٤٣٠، ٦٧١٧، ٦٧٥١، ٦٧٥٤، ٦٧٥٨، ٦٧٦٠ - مسلم: ١٥٠٤ - فتح: ١/ ٥٥٠] ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، عَنْ عَائِشَةَ، في قصة بريرة وأنه ﵇ قام على المنبر فقال: "ما بال أقوام .. " الحديث. قَالَ عَلِيٌّ -يعني: ابن المديني- قَالَ يَحْيَى وَعَبْدُ الوَهُّابِ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ. وَقَالَ جَعْفَرُ بْنُ عَوْنٍ: عَنْ يَحْيَى: سَمِعْتُ عَمْرَةَ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ. ورَوَاهُ مَالِكٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ عَمْرَةَ، أَنَّ بَرِيرَةَ. وَلَمْ يَذْكُرْ صَعِدَ المِنْبَرَ. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضا في باب: البيع والشراء مع

стр. 2967

النساء من طريق عروة عن عائشة (١)، وفي باب: إذا اشترط في البيع شروطا لا تحل من حديث هشام عن أبيه عنها (٢). وهو حديث أخرجه مسلم (٣) أيضًا (٤) والأربعة (٥) مطولًا، ومختصرًا (٦). وأخرجه البخاري في مواضع أخر: في الزكاة في باب الصدقة على موالي أزواج النبي ﷺ (٧)، وفي العتق (٨)، والمكاتب (٩)، والهبة (١٠)، والبيوع (١١)، والطلاق (١٢)، والفرائض (١٣)،

стр. 2968

والشروط (١)، وكفارة الأيمان (٢). وأخرجه البخاري في الطلاق من حديث ابن عباس (٣)، وفي الفرائض من حديث ابن عمر (٤) وأخرج مسلم طرفًا منه من حديث أبي هريرة (٥). وقول البخاري: (قال يحيى وعبد الوهاب عن يحيى عن عمرة) يريد: أن الحديث من طريق يحيى -يعني: القطان- وعبد الوهاب مرسل، يؤيده ما قاله الإسماعيلي: ليس فيما عندنا من حديث يحيى بن سعيد وعبد الوهاب عن يحيى ذكر المنبر وصعوده، وحديثهما مرسل. وقوله: (وقال جعفر .. ) إلى آخره أفاد به تصريح سماع يحيى من عمرة، وسماع عمرة من عائشة، وقد أخرجه النسائي في الفرائض كذلك مسندًا (٦).

стр. 2969

وقوله: (ورواه مالك عن يحيى) إلى آخره، رواه النسائي في الفرائض: عن الحارث بن مسكين، عن ابن القاسم، عن مالك (١)، قال ابن عساكر: مرسل. إذا عرفت ذلك فالكلام عليه من وجوه -مع أن الأئمة أفردوه بالتأليف: ابن جرير وابن خزيمة، وغيرهما، وليس بصريح فيما ترجم له البخاري من ذكر البيع والشراء على المنبر وفي المسجد-: أحدها: بريرة -بفتح الباء- فعيلة من الموالي قيل: إنها قبطية، وإنها ابنة صفوان، لأمها صحبة أيضا، روى عبد الملك عنها، وهو يدل على تأخرها إلى بعد الأربعي؛ لأن معاوية ولي سنة أربعين أو إحدى وأربعين، وهو ولاه ديوان المدينة وعمره ستة عشرة سنة، وكان لها ولد من زوجها مغيث -بالغين- أو مقسم، وهي أول مكاتبة في الإسلام، كما أن سلمان الفارسي أول مكاتب على الأصح (٢). ثانيها: كانت هذِه الواقعة قبل قصة الإفك؛ لأن في حديث الإفك قال علي: واسأل الجارية فدعا رسول الله ﷺ بريرة فسألها، فذكرت ما هو مذكور في قصة الإفك (٣)، وكانت قصة الأول في غزوة المريسيع؛ وهي

стр. 2970

غزوة بني المصطلق، قال البخاري: قال ابن إسحاق: سنة ست، وقال ابن عقبة: سنة أربع (١). وقال ابن سعد: خرج إليها يوم الإثنين، لليلتين خلتا من شعبان سنة خمس من مهاجره (٢)؛ فقصتها ما بين دخوله ﷺ على عائشة، وما بين قصة الإفك. ثالثها: مكاتبة مفاعلة؛ لأنها بين السيد وعبده، إما من الكتابة أو الإلزام. رابعها: قولها: (أتتها بريرة تسألها في كتابتها) أي: أتتها لتستعين بها في كتابتها، كما جاء مبينا في رواية أخرى في "الصحيح" (٣). وذكر شيخنا قطب الدين في "شرحه" هنا اختلاف العلماء فيما إذا طلب العبد الكتابة من السيد، ونقل عن الجمهور أن إجابته، مندوبة بشروط، لا واجبة (٤)، وكأنه فهم أن المراد بسؤالها كتابتها: أن عائشة تكاتبها، وليس كذلك لما علمته. خامسها: فيه: حل السؤال للمكاتب من غير كراهة، ولا ينتظر العجز خلافًا

стр. 2971

لمن أبعد؛ وقال: إنه ليس له السؤال حتى يعجز ويظهر أثر حاجته. سادسها: فيه أيضًا: جوازها لغير القوت وستر العورة، وكره بعضهم المسألة لغير ذلك. سابعها: فيه: قبول خبر العبد والأمة؛ لأن بريرة أخبرت أنها مكاتبة، فأجابتها عائشة بما أجابت. ثامنها: كان على بريرة تسع أواق كاتبت عليها، كما ثبت في "الصحيح" (١)، وفي رواية معلقة للبخاري: أنها دخلت عليها تستعينها وعليها خمس أواق (٢)؛ والأولى أثبت. ويحتمل أن هذِه الخمس هي التي حلت من نجومها. واستدل به من منع الكتابة الحالية، وهو قول جماعة، وخالف أبو حنيفة، فصححها، ونقل عن مالك أيضا، وعند الشافعي: أنه لا يجوز على نجم واحد بل لا بد من نجمين فصاعدًا (٣). تاسعها: فيه دلالة على جواز منع المكاتب. وهو قول أحمد ومالك في رواية، والشافعي في أحد قوليه (٤)، فإنها

стр. 2972

كانت مكاتبة وباعها الموالي واشترتها عائشة، وأمر ﷺ ببيعها، وعليه بوب البخاري: بيع المكاتب إذا رضي المكاتب، وفيه قول ثالث: أنه يجوز للعتق دون الاستخدام. ومن منع حمل الحديث على أن بريرة عجزت نفسها، وفسخوا الكتابة بعجزها وضعفها عن الأداء والكسب، ولا يحتاج في التعجيز إلى حكم حاكم، وإن خالف فيه سُحنون معللًا بخوف التواطؤ على حق الله تعالى. عاشرها: قوله: ("ابْتَاعِيهَا فَأَعْتِقِيهَا، فَإِنَّ الوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ") وفي أخرى: "واشترطي لهم الولاء" (١)؛ نسبت هذِه اللفظة إلى التفرد بها، وأولت بأن (اللام) بمعنى (على)، وأحسن منه أن هذا الشرط خاص بهذِه القضية. الحادي عشر: فيه: ثبوت الولاء للمعتق، وألحق به ما في معنى العتق كما إذا باعه نفسه ونحوه. الثاني عشر: قوله: (ثُمَّ قَامَ عَلَى المِنْبَرِ) فيه: صعوده عند الحاجة إليه. وقوله: ("ما بال أقوم") فيه استعمال الأدب وحسن المعاشرة، وجميل الموعظة؛ لأنه ﵇ لم يواجه صاحب الشرط بعينه؛ لأن المقصود يحصل له ولغيره من غير شهرة.

стр. 2973

الثالث عشر: قوله: ("مَنِ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كتَابِ اللهِ فَلَيْسَ لَهُ") أي: ليس مشروعًا في حكم الله، قال ﵇: "من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد" (١). وقوله: ("وإن اشترط مائة مرة") المراد به: التكثير، وحديث عائشة هذا أوضحت الكلام عليه في "شرح العمدة"، وذكرت في آخره خمسين فائدة ملخصة، فراجعها منه (٢). وموضع الحاجة من الترجمة ومطابقة الحديث: أن المساجد إنما اتخذت للذكر والتلاوة والصلاة وما كان فيها من البيع والشراء وسائر أمور الدنيا، إنما هو للتعليم، والتنبيه على الاحتراز من مواقعة الحرام، ومخالفة السنن، والموعظة في ذلك. وقد روي النهي عن البيع والشراء في المسجد (٣)، وهو قول مالك وجماعة من العلماء (٤)، وقد روي من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "إذا رأيتم الرجل يبيع ويشتري في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم الرجل ينشد فيه الضالة فقولوا: لا رد الله عليك" (٥).

стр. 2974

وذكر مالك عن عطاء بن يسار: أنه كان يقول لمن أراد أن يبيع في المسجد: عليك بسوق الدنيا، فإنما هذا سوق الآخرة (١). قال الطحاوي: ومعنى البيع الذي نهي عنه في المسجد الذي يغلب عليه ويعمه حتى يكون كالسوق، وأما ما سوى ذلك فلا بأس به، وكذا التحلق الذي نهي عنه قبل الصلاة إذا عم المسجد وغلبه فهو مكروه، وغير ذلك لا بأس به (٢). وقد أجمع العلماء أن ما عقد من البيع في المسجد لا يجوز نقضه، إلا أن المسجد ينبغي أن يجنب جميع أمور الدنيا، ولذلك بنى عمر بن الخطاب البطحاء خارج المسجد، وقال: من أراد أن يلغط فليخرج إليها (٣). فوجب تنزيه المسجد عما لم يكن من أمور الله تعالى.

стр. 2975

٧١ - باب التَّقَاضِي وَالْمُلَازَمَةِ فِي المَسْجِدِ ٤٥٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي الَمسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُول اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادى: "يَا كَعْبُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هذا". وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيِ: الشَّطرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "قُمْ فَاقْضِهِ". [٤٧١، ٢٤١٨، ٢٤٢٤، ٢٧٠٦، ٢٧١٠ - مسلم: ١٥٥٨ - فتح: ١/ ٥٥١] ساق فيه حديث الزُّهْرِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ كَعْبٍ أَنَّهُ تَقَاضَى ابن أَبِي حَدْرَدٍ دَيْنًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ فِي المَسْجِدِ، فَارْتَفَعَتْ أَصْوَاتُهُمَا حَتَّى سَمِعَهَا رَسُولُ اللهِ ﷺ وَهْوَ فِي بَيْتِهِ، فَخَرَجَ إِلَيْهِمَا حَتَّى كَشَفَ سِجْفَ حُجْرَتِهِ فَنَادى: "يَا كَعْبُ". قَالَ: لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "ضَعْ مِنْ دَيْنِكَ هذا". وَأَوْمَأَ إِلَيْهِ أَيِ: الشَّطْرَ قَالَ: لَقَدْ فَعَلْتُ يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "قُمْ فَاقْضِهِ". هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في أربعة أبواب (١): أولها: قريبًا في باب: رفع الصوت في المساجد، فقال: حدثنا أحمد، حدثنا ابن وهب، ثم ساقه (٢)، وأحمد هذا فيه أقوال:

стр. 2976

أحدها: هو ابن صالح المصري (١)، قاله ابن السكن، وقال كم: قيل: هو المصري. وقيل: هو أحمد بن عيسى التستري (٢)،

стр. 2977

ولا يخلو أن يكون واحدًا منهما، فقد روى عنهما في "الجامع" ونسبهما في مواضع. وقال الكلاباذي: قال لي أبو أحمد الحافظ: أحمد عن ابن وهب في كتاب البخاري هو ابن أخي ابن وهب، قال الحاكم: من قال هذا غلط ووهم، وقال ابن منده: كلما قال البخاري: أحمد عن ابن وهب، هو ابن صالح، وإذا حدث عن ابن عيسى نسبه، ولم يخرج عن ابن أخي ابن وهب في "الصحيح" شيئًا ويؤيد من قال أنه أحمد بن صالح روايةُ أبي داود: هذا الحديث عن أحمد بن صالح عن ابن وهب (١)، ورواه أبو نعيم من حديث أحمد بن صالح عنه، ثم قال: رواه البخاري عن أحمد بن صالح، عن ابن وهب. ثانيها: في الإشارة بالصلح، ولفظه: عن كعب: أنه كان له دين على عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فلقيه فلزمه حتى ارتفعت أصواتهما فمر بهما النبي ﷺ .. الحديث. ثالثها: في الملازمة عن يحيى بن بكير عن الليث قال غيره: حدثني الليث حدثني جعفر؛ وعنى بالغير: عبد الله بن صالح كاتب الليث. رابعها: في الإشخاص، في باب: كلام الخصوم بعضهم في بعض، وكأنه أخذ ذلك من قوله: (فارتفعت أصواتهما) فإن ظاهره أن ذلك منه.

стр. 2978

نعم، ذلك ظاهر في حديث الأشعث مع خصمه أنه لا يتورع، وقد أدخله في الباب معه (١)، وهو ظاهر فيه. وأخرجه مسلم في البيوع معطوفًا بعد أن وصله، فقال: روى الليث قال: حدثني جعفر، فذكره (٢)، وفي النسائي: رواه معمر عن الزهري أن كعبًا .. فأرسله (٣). وفي الطبراني من حديث (زمعة) (٤) بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن مالك، عن أبيه أن رسول الله ﷺ مر به وهو ملازم رجلًا في أوقيتين، فقال له ﷺ : "هكذا؟! تضع الشطر" (٥)؛ فقال الرجل: نعم يا رسول الله، فقال: "أد إليه ما بقي من حقه" (٦)، وفيه أيضا، من حديث ابن لهيعة، عن الأعرج، عن ابن كعب، عن أبيه (٧) (٨).

стр. 2979

إذا تقرر ذلك فالكلام عليه من أوجه: أحدها: أبو حدرد اسمه سلا مة، وقيل: عبد، وقيل: أسيد. ذكره ابن الجوزي. وولده عبد الله مدني صحابي على الأصح، شهد الحديبية فما بعدها، مات سنة إحدى أو اثنتين وسبعين عن إحدى وثمانين سنة (١)، وقي الصحابة حدرد بن أبي حدرد، وقيل: في نسبه كنسب هذا -فيكون أخاه- بصري له حديث في أبي داود (٢). وكعب: سلمي شاعر أحد السبعين الذين شهدوا العقبة، والثلاثة الذين تيب عليهم، ووهم من قال: شهد بدرًا، مات بالمدينة بعد الأربعين، أو إحدى وخمسين عن سبع وسبعين (٣)، وابنه عبد الله قائد

стр. 2980

أبيه لما عمي، ثقة تابعي مات سنة سبع أو ثمان وتسعين (١). ثانيها: معنى (يقاضي): طلبه بالدين، وأراد قضاءه. و (سجف) بكسر السين المهملة وفتحها، ثم جيم، ثم فاء، وهو الستر كما قال ابن سيده (٢)، وقيل: هو الستران المقرونان، بينهما فرجة، وكل باب ستر بسترين هرويين فكل شق منه سجف (٣)، وقال الطبري: الرقيق منه يكون في مقدم البيت، ولا يسمى سجفًا إلا أن يكون مشقوق الوسط كالمصراعين (٤). وقال الداودي: هو الباب. ثالثها: قوله: قال: ""ضع من دينك") كذا هو في "الصحيح" وفي "معجم الطبراني" من طريق زمعة بن صالح، عن الزهري، عن ابن كعب بن
следующие страницы →