← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 3186–3225 · переход к 3191.

стр. 3186

وقولها: "أكل بعضي بعضًا" (١). هو من شدتها كادت تحرق نفسها. قَالَ ابن عباس: خلق الله النَّار عَلَى أربعة: فنار تأكل وتشرب، ونار لا تأكل ولا تشرب، ونار تشرب ولا تأكل، ونار عكسه. فالأولى: التي خلقت منها الملائكة. والثانية: التي في الحجارة، وقيل: التي رفعت لموسى ﷺ ليلة المناجاة. والثالثة: التي في البحر، وقيل: التي خلقت منها الشمس. والرابعة: نار الدنيا ونار جهنم تأكل لحومهم وعظامهم، ولا تشرب دموعهم ولا دماءهم بل يسيل ذَلِكَ إلى عين الخبال، فيشرب ذَلِكَ أهل النار ويزدادون بذلك عذابًا (٢). وأخبر الشارع أن عصارة أهل النار شراب من مات مصرًّا عَلَى شرب الخمر (٣). نقل ذَلِكَ ابن بزيزة، وقال: الله أعلم بصحة ذلك، والذي في "الصحيح": أن نار الدنيا خلقت من نار جهنم (٤).

стр. 3187

وقال: قَالَ، ابن عباس: ضربت بالماء سبعين مرة، ولولا ذلك ما انتفع بها الخلائق، وإنما خلقها الله؛ لأنها من تمام الدنيوية، وفيها تذكرة لنار الآخرة وتخويف من عذابها، نسأل الله العافية منها ومن سائر البلايا. فائدة: الزمهرير: قيل: هو شدة البرد، ويطلق علي القمر أيضًا، قيل في قوله تعالى: ﴿لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا﴾ [الإنسان: ١٣]، أنه القمر؛ لأنهما عُبدا من دون الله، وورد أنهما يكوران في النار يوم القيامة (١)، وهو ضعيف. لا كما قد وقع في بعض نسخ الأطراف. وقوله: ("بِنَفَسَيْن"): النَفَس بفتح النون والفاء: واحد الأنفاس.

стр. 3188

١٠ - باب الإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ فِي السَّفَرِ ٥٣٩ - حَدَّثَنَا آدَمُ بْنُ أَبِي إِيَاسٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا مُهَاجِرٌ أَبُو الْحَسَنِ -مَوْلًى لِبَنِي تَيْمِ اللهِ- قَالَ: سَمِعْتُ زَيْدَ بْنَ وَهْبٍ، عَنْ أَبِي ذَرٍّ الْغِفَارِيِّ قَالَ: كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي سَفَرٍ، فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ لِلظُّهْرِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "أَبْرِدْ". ثُمَّ أَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ فَقَالَ لَهُ "أَبْرِدْ". حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "إِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ". [انظر: ٥٣٥ - مسلم: ٦١٦ - فتح: ٢/ ٢٠] وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ (تَتَفَيَّأُ): تتميل. ذكر فيه حديث أبي ذر، وقد سلف في الباب قبله بالكلام عليه. وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: (تَتَفَيَّأُ) [النحل: ٤٨]: تَتَمَيَّلُ، وقد سلف الكلام عَلَى الفيء أيضًا.

стр. 3189

١١ - باب وَقْتِ الظُّهْرِ عِنْدَ الزَّوَالِ وَقَالَ جَابِر: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ. [انظر: ٥٦٠] ٥٤٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشَّمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَذَكَرَ السَّاعَةَ، فَذَكَرَ أَنَّ فِيهَا أُمُورًا عِظَامًا ثُمَّ قَالَ: "مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ شَيْءٍ فَلْيَسْأَلْ، فَلَا تَسْأَلُونِي عَنْ شَيْءٍ إِلاَّ أَخْبَرْتُكُمْ مَا دُمْتُ فِي مَقَامِي هَذَا". فَأَكْثَرَ النَّاسُ فِي الْبُكَاءِ، وَأَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَقَامَ عَبْدُ اللهِ بْنُ حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ فَقَالَ: مَنْ أَبِي؟ قَالَ "أَبُوكَ حُذَافَةُ". ثُمَّ أَكْثَرَ أَنْ يَقُولَ: "سَلُونِي". فَبَرَكَ عُمَرُ عَلَى رُكْبَتَيْهِ فَقَالَ: رَضِينَا بِاللهِ رَبًّا، وَبِالإِسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ نَبِيًّا. فَسَكَتَ ثُمَّ قَالَ "عُرِضَتْ عَلَيَّ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ آنِفًا فِي عُرْضِ هَذَا الْحَائِطِ فَلَمْ أَرَ كَالْخَيْرِ وَالشَّرِّ". [انظر: ٩٣ - مسلم: ٢٣٥٩ - فتح: ٢/ ٢١] ٥٤١ - حَدَّثَنَا حَفْصُ بْنُ عُمَرَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي الْمِنْهَالِ، عَنْ أَبِي بَرْزَةَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ فِيهَا مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إِلَى أَقْصَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِى الْمَغْرِبِ- وَلَا يُبَالِي بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ إِلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ. ثُمَّ قَالَ: إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. [٥٤٧، ٥٦٨، ٥٩٩، ٧٧١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٢٢] ٥٤٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدٌ -يَعْنِي: ابْنَ مُقَاتِلٍ -قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا خَالِدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنِي غَالِبٌ الْقَطَّان، عَنْ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ الْمُزَنِيِّ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ فَسَجَدْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ. [انظر: ٣٨٥ - مسلم: ٦٢٠ - فتح: ٢/ ٢٢]

стр. 3190

ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث جابر علقه فقال: وَقَالَ جَابِرٌ: كَانَ النَّبيُّ ﷺ يُصَلِّي بِالْهَاجِرَةِ. وهذا التعليق قد أسنده في باب وقت المغرب كما ستراه (١). ثانيها: حديث أنس: أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ خَرَجَ حِينَ زَاغَتِ الشمْسُ فَصَلَّى الظُّهْرَ، فَقَامَ عَلَى المِنْبَرِ .. الحديث. هذا الحديث تقدم الكلام عَلَى بعض متنه في باب: من برك عَلَى ركبتيه عند الإمام أو المحدث (٢)، وهو: من أبي؟ قَالَ: "أبوك حذافة" فبرك عمر. إلى قوله: وبمحمد نبيًّا فسكت. زاد هنا: ثم قَالَ: "عرضت علي الجنة والنار آنفًا في عُرْضِ هذا الحائط فلم أر كالخير والشر"، وذكره البخاري فيما سيأتي من حديث بكر المزني عن أنس قَالَ: كنا إذا صلينا خلف رسول الله ﷺ الظهائر سجدنا عَلَى ثيابنا اتقاء الحر (٣). ومعنى (زاغت): مالت، وكل شيء مال وانحرف عن الاعتدال فقد زاغ، قَالَ تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: ٥] وفي الترمذي من هذا الوجه: صلى الظهر حين زالت الشمس. وصححه (٤).

стр. 3191

قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء على أن وقت الظهر زوال الشمس (١). وما حكاه القاضي عبد الوهاب في "فاخره" عن بعض الناس أنه يجوز افتتاح الظهر قبل الزوال غلط فاحش من قائله غير معتد به، وكذا ما نقل عن بعضهم أنه يدخل إذا صار الفيء قدر الشراك. وحكى ابن بطال عن الكرخي عن أبي حنيفة أن الصلاة في أول الوقت تقع نفلًا، وثانيه أنه واجب موقوف، واستغرب الأول (٢). قَالَ المهلب: وإنما خطب الشارع بعد الصلاة وذكر الساعة وقال: "سلوني" لأنه بلغه أن قومًا من المنافقين ينالون منه، ويعجزونه عن بعض ما يسألونه عنه، فتغيظ عليهم وقال: "لا تسألوني عن شيء إلا أخبرتكم به" وبكاء الناس خوف نزول العذاب المعهود في الأمم الخالية عند تكذيب الرسل، كانوا إذا جاءتهم آية فلم يؤمنوا لم يمطلهم العذاب، قَالَ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ﴾ [الأنعام: ٨] و ﴿لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ﴾ [يونس: ١١]، فبكوا إشفاقًا من ذَلِكَ الأمر، ألا ترى فهم عمر حين برك عَلَى ركبتيه وقال: رضينا بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمد نبيًا حين قَالَ ﷺ للسائل له عن أبيه: "أبوك حذافة" وكان هذا الرجل لا يعرف أبوه حَتَّى أخبر به الشارع. وقال ابن الجوزي: إنهم بكوا لغضبه ﷺ . وقوله: ("في عُرْضِ هذا الحائط") عُرض الشيء: جانبه، يقال: نظرت إليه عن عرض، وعُرض النهر والبحر: وسطهما، قاله الخليل.

стр. 3192

الحديث الثالث: ذكر فيه حديث أبي المنهال عن أبي برزة: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي الصُّبْحَ وَأَحَدُنَا يَعْرِفُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مَا بَيْنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ، وَيُصَلِّي الظُّهْرَ إِذَا زَالَتِ الشَّمْسُ، وَالْعَصْرَ وَأَحَدُنَا يَذْهَبُ إلى أَقْصَى المَدِينَةِ، ثُمَّ يَرْجِعُ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ، وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي المَغْرِبِ، وَلَا يُبَالِي بِتَأخِيرِ العِشَاءِ إلى ثُلُثِ اللَّيْلِ. قَالَ: أو إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ. وَقَالَ مُعَاذ: قَالَ شُعْبَةُ: ثُّمَّ لَقِيتُهُ مَرَّةً فَقَالَ: أَوْ ثُلُثِ اللَّيْلِ. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث سيأتي قريبًا في باب وقت العصر (١)، وفي باب ما يكره من النوم قبل العشاء (٢)، وفي السمر بعد العشاء (٣)، والقراءة في الفجر (٤). وأخرجه مسلم والأربعة (٥). ثانيها: أبو المنهال اسمه: سيار بن سلامة، تابعي ثقة، مات بعد المائة (٦)،

стр. 3193

ووالده ذكره العسكري (١). وأبو برزة اسمه: نضلة بن عبيد عَلَى الأصح الأشهر فيه، شهد الفتح، ومات بعد الستين (٢)، وهاء برزة ملفوظ بها، وهي تاء في الوصل، وقد يشتبه بأبي بردة لكن لفظًا لا خطًّا، ولهم في الأسماء بُرزة بضم الباء، شيخ ابن ماكولا، ونضلة يشتبه بنَضَلة بفتح الضاد في العرب، وبنصلة بالمهملة، لقب محمد بن محمد الجرجاني المقرئ. ثالثها: (كان) هذِه تشعر بالدوام، وذكره الخمس دون الوتر دال عَلَى عدم وجوب الوتر خلافًا لأبي حنيفة (٣).

стр. 3194

رابعها: معرفة الجليس النظر إلى وجهه، تؤيده رواية مسلم: حين يعرف بعضنا وجه بعض (١). وليجس في هذا مخالفة لقول عائشة في النساء: ما يعرفهن أحد من الغلس (٢) لأن هذا إخبار [عن] رؤية جليسه، وذاك إخبار عن رؤية النساء من بُعد، وهذا يقوي من يقول بتغليس الفجر، ويأتي -إن شاء الله- في باب: وقت الفجر، وأما باقي الحديث فذكر البخاري لكل منها بابًا مستقلًّا، وستقف عليه إن شاء الله. وقوله: (وَقَالَ مُعَاذٌ: قَالَ شُعْبَةُ) قد أخرجه مسلم عن عُبيد الله بن معاذ، عن أبيه، عن شعبة (٣). ومعنى: (والشمس حية): لم تصفر ولم تتغير. الحديث الرابع: حديث أنس: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللهِ ﷺ بِالظَّهَائِرِ سجدنا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الحَرِّ.

стр. 3195

هذا الحديث تقدم في السجود عَلَى الثوب في شدة الحر (١)، وسبب ذَلِكَ كثرة حر الحجاز، وليس هذا في حين شدة الحر هذا الذي أمر فيه بالإبراد؛ لأنه ﷺ كان جل أمره المبادرة، ويجوز أن يبادر في الحر بالظهر، وقد أمرنا بالإبراد وأخذ بالشدة عَلَى نفسه، ولئلا يظن أحدٌ أن الصلاة لا تجوز في الوقت الذي أمر فيه بالإبراد، فأراد تعليم أمته والتوسعة عليهم. والظهائر: جمع ظهيرة، والظهيرة: شدة الحر. وشيخ البخاري فيه محمد بن مقاتل، كما نص عليه خلف، وشيخه عبد الله هو ابن المبارك.

стр. 3196

١٢ - باب تَأْخِيِر الظُّهْرِ إِلَى العَصْرِ ٥٤٣ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا حَمَّادٌ -هُوَ: ابْنُ زَيْدٍ- عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا، الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ فِى لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ؟ قَالَ: عَسَى. [٥٦٢، ١١٧٤ - مسلم: ٧٠٥ - فتح ٢/ ٢٣] ذكر فيه حديث ابن عباس أَن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِالْمَدِينَةِ سَبْعًا وَثَمَانِيًا، الظُهْرَ وَالْعَصْرَ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ. فَقَالَ أَيُّوبُ: لَعَلَّهُ فِي لَيْلَةٍ مَطِيرَةٍ. قَالَ: عَسَى. هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا في باب: وقت المغرب (١)، وفي باب: الجمع في السفر بين المغرب والعشاء (٢)، وفي باب: من لم يطوع (بعد) (٣) المكتوبه (٤). وأخرجه مسلم (٥) وأبو داود (٦) والنسائي (٧). ومعنى: (سبعًا). يريد: المغرب والعشاء. و (ثمانيا). يريد: الظهر والعصر. وقد تأوله مالك كما تأوله أيوب، وبه أخذ الشافعي فجوزه تقديمًا لا تأخيرًا بشروطه المقررة في "الفروع".

стр. 3197

وبه قال أبو ثور ووافقنا مالك في المغرب مع العشاء، وخالف في الظهر والعصر، وحكي عن ابن عمر وعروة وسعيد بن المسيب والقاسم وأبي بكر بن عبد الرحمن وأبى سلمة وعمر بن عبد العزيز (١)، وبه قَالَ أحمد وإسحاق (٢). وقال مالك: يجمع بين المغرب والعشاء في الطين والظلمة وإن لم يكن مطر (٣). وكان عمر بن عبد العزيز يرى الجمع في الريح والظلمة (٤). والجمع عند مالك أن تؤخر المغرب، ثم يؤذن لها وتقام ويصلي، ثم يؤذن في المسجد للعشاء، ثم يصلي وينصرف قبل مغيب الشفق؛ لينصرف وعليه إسفار. وقال محمد بن عبد الحكم: الجمع في ليلة المطر في وقت المغرب، ولا يؤخر المغرب؛ لأنه إذا أخرها لم يصل واحدة منهما في وقتها، ولأن يصلي في وقت إحداهما أولى. وحكي عن ابن وهب وأشهب أيضًا (٥). وخالف أبو حنيفة وأصحابه هذا الحديث وقالوا: لا يجمع أحد بين الصلاتين في مطر ولا غيره (٦). قالوا: وحديث ابن عباس ليس فيه صفة الجمع، ويمكن أن يكون أخَّر الظهر إلى آخر وقتها وصلاها، ثم صلى

стр. 3198

العصر في أول وقتها، وصنع بالمغرب والعشاء كذلك. قالوا: وهذا يسمى جمعًا، ولا يجوز أن تحال أوقات الحضر إلا بيقين. وروي عن الليث مثله. وقد تأول عمرو بن دينار وأبو الشعثاء في هذا الحديث مثل تأويل أبي حنيفة، وإليه أشار البخاري في ترجمته، وقال به ابن الماجشون، وهو ضعيف؛ لأنه ﷺ لما لم يجمع بين العصر والمغرب، ولا بين العشاء والصبح علمنا أنه ﷺ جمع بين صلاتين في وقت إحداهما، وهو وقت الأخرى، ولو كان هذا الجمع جائزًا لجاز في العصر مع المغرب، والعشاء مع الصبح، والإجماع خلافه، عَلَى أنه روي حديث ابن عباس هذا عَلَى خلاف ما تأوله أيوب ومالك، ففي "صحيح مسلم": من غير خوف ولا مطر (١). وظاهرها جواز الجمع في الحضر بمجرد الحاجة، وبه قالت طائفة من العلماء، وجوَّزه جماعة بالمرض، ونقله البخاري في باب: وقت المغرب عن عطاء (٢)، وهو ظاهر. وهذا الحديث حجة في اشتراك أوقات الصلوات كما ذكرنا، ولا عبرة بقول من قَالَ: إن بين آخر وقت الظهر وأول وقت العصر فاصلة لا تصلح لهما. وعلى من قَالَ: لا يدخل وقت العصر حَتَّى يصير ظل كل شيء مثليه.

стр. 3199

١٣ - باب وَقْتِ العَصْرِ وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا. ٥٤٤ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ عِيَاضٍ، عَنْ هِشَامٍ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا. [انظر: ٥٢٢ - مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٢٥] ٥٤٥ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ مِنْ حُجْرَتِهَا. [انظر: ٥٢٢ - مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٢٥] ٥٤٦ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ عُرْوَةَ، عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَةٌ فِى حُجْرَتِي، لَمْ يَظْهَرِ الْفَيْءُ بَعْدُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ. [مسلم: ٦١١ - فتح: ٢/ ٢٥] ٥٤٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَوْفٌ، عَنْ سَيَّارِ بْنِ سَلَامَةَ قَالَ: دَخَلْتُ أَنَا وَأَبِي عَلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ فَقَالَ: كَانَ يُصَلِّي الْهَجِيرَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى رَحْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ -وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ- وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الْعَتَمَةَ، وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ الرَّجُلُ جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ بِالسِّتِّينَ إِلَى الْمِائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١ - فتح: ٢/ ٢٦] ٥٤٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَخْرُجُ الإِنْسَانُ إِلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ. [٥٥٠، ٥٥١، ٧٣٢٩ - مسلم: ٦٢١ - فتح: ٢/ ٢٦]

стр. 3200

٥٤٩ - حَدَّثَنَا ابْنُ مُقَاتِلٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا أُمَامَةَ يَقُولُ: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هَذِهِ الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: الْعَصْرُ، وَهَذِهِ صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ الَّتِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ. [مسلم:٦٢٣ - فتح: ٢/ ٢٦] ذكر فيه سبعة أحاديث: أحدها: معلقًا فقال: وَقَالَ أَبُو أُسَامَةَ، عَنْ هِشَامٍ: مِنْ قَعْرِ حُجْرَتِهَا. وهذا قد أسنده الإسماعيلي عن ابن ناجية وغيره، عن أبي عبد الرحمن، ثنا أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة قالت: كان رسول الله ﷺ يصلي العصر والشمس في قعر حجرتها وقد سلف طرف منه في المواقيت (١). الحديث الثاني: حديث عائشة قالت: كَانَ النبي ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ لَمْ تَخْرُجْ مِنْ حُجْرَتِهَا. هذا الحديث هو الذي أشرنا إليه آنفًا أنه أخرجه في المواقيت (٢)، وقد سلف الكلام عليه هناك. الحديث الثالث: حديثها أيضًا أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ صَلَّى العَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا، لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ مِنْ حُجْرَتِهَا. الحديث الرابع: عنها أيضًا: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّي صَلَاةَ العَصْرِ وَالشَّمْسُ طَالِعَة فِي حُجْرَتي، لَمْ يَظْهَرِ الفَيءُ بَعْدُ. وَقَالَ مَالِكٌ، وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، وَشُعَيْبٌ، وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ: وَالشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ.

стр. 3201

وهذا التعليق ذكره البخاري عقب حديث ابن عيينة هذا. وذكره خلف في "أطرافه" عقب حديث الليث، وهو الحديث الثالث. وحديث مالك عن ابن شهاب سلف في باب المواقيت (١). الحديث الخامس: حديث سيار بن سلامة. وقد سلف بطوله في باب: وقت الظهر عند الزوال (٢)، وهو الحديث الثالث منه، وزاد فيه: كان يصلي عَلَى الهجير التي تدعونها الأولى حين تدحض الشمس، وكان يستحب أن يؤخرَّ العشاء التي تدعونها العتمة، وكان يكره النوم قبلها والحديث بعدها، وكان ينفتل من صلاة الغداة حين يعرف الرجل جليسه. وسيأتي كل ذَلِكَ. وسميت الأولى؛ لأنها أول صلاة صلاها جبريل بسيدنا رسول الله ﷺ . فظاهره يقتضي وقوعها عند الدحض، وهو الزوال كما سلف هناك. والمراد: عقبه. وتدحض: تزول، وأصله الزلق. والهجير والهاجرة: وقت شدة الحر، سميت هاجرة لهرب كل شيء منها (٣). الحديث السادس: حديث أنس: كُنا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَخرُجُ الإِنْسَانُ إلى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ، فَنَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ العَصْرَ.

стр. 3202

ذكره من حديث مالك عن إسحاق، عنه. وأخرجه مسلم أيضًا (١)، قَالَ أبو عمر: هذا يدخل في المسند. وقد روي عنه: كنا نصلي مع رسول الله ﷺ (٢). وروي عن مالك: ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة (٣). ووهم فيه. قلت: قد أخرجها هنا من جهته كما ستعلمه. وقال النسائي: لم يتابعه أحد عليه. والمعروف العوالي. كما في البخاري ومسلم أيضًا (٤). وقد تابع مالكًا ابن أبي ذئب من رواية الشافعي كما ذكره الباجي في "شرح الموطأ" (٥). الحديث السابع: حديث أبي أمامة قال: صَلَّيْنَا مَعَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ العَزيزِ الظُّهْرَ، ثُمَّ خَرَجْنَا حَتَّى دَخَلْنَا عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، فَوَجَدْنَاهُ يُصَلِّي العَصْرَ، فَقُلْتُ: يَا عَمِّ، مَا هذِه الصَّلَاةُ التِي صَلَّيْتَ؟ قَالَ: العَصْرُ، وهذِه صَلَاةُ رَسُولِ اللهِ ﷺ التِي كُنَّا نُصَلِّي مَعَهُ. هذا الحديث أخرجه مسلم والنسائي أيضًا (٦)، وهذِه الواقعة كانت بالمدينة حين ولي عمر بن عبد العزيز نيابة لا خلافة؛ لأن أنسًا توفي قبل

стр. 3203

خلافة عمر (١)، وكان فعل عمر هذا عَلَى جاري عادة الأمراء قبله، قبل أن يبلغه التقديم، فلما بلغه صار إليه، ويجوز أن يكون لعذر عرض له. وفي مسلم وأبي داود والترمذي وصححه من حديث العلاء بن عبد الرحمن أنه دخل عَلَى أنس في داره بالبصرة حين انصرف من الظهر، وداره بجنب المسجد، فلما دخلنا عليه قَالَ: أصليتم العصر؟ فقلنا له: إنما انصرفنا الساعة من الظهر. قَالَ: فصلوا العصر. فقمنا فصلينا، فلما انصرف قَالَ: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "تلك صلاة المنافق يجلس يرقب الشمس، حَتَّى إذا كانت بين قرني الشيطان قام فنقر أربعًا لا يذكر الله فيها إلا قليلًا" (٢) وليس للعلاء عن أنس في "صحيح مسلم" غيره. ثم ذكر البخاري أيضًا:

стр. 3204

١٣ - باب (١) وَقْتِ العَصْرِ ٥٥٠ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إِلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ الْعَوَالِي مِنَ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ. [انظر: ٥٤٨ - مسلم: ٦٢١ - فتح: ٢/ ٢٨] ٥٥١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءٍ، فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ. [انظر: ٥٤٨ - مسلم: ٦٢١ - فتح: ٢/ ٢٨] وذكر فيه حديث أنس بلفظين: أحدهما: كَانَ رَسُولُ الله ﷺ يُصَلِّي العَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ، فَيَذْهَبُ الذاهِبُ إِلَى العَوَالِي فَيَأتيهِمْ وَالشَمْسُ مُرْتَفِعَةٌ، وَبَعْضُ العَوَالِي مِنَ المَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالِ أَوْ نَحْوِهِ. الثاني: كنَّا نُصَلِّي العَصْرَ ثُمَّ يَذْهَبُ الذاهِبُ مِنَّا إِلَى قُبَاءِ، فَيَأْتيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَة. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والنسائي (٢)، وهذا الباب مع ما قبله دالٌ عَلَى تعجيل العصر، وأنه السُّنَّة. وقد اختلف العلماء في أول وقت العصر وآخره والأفضل من ذَلِكَ، فقال مالك والثوري وأبو يوسف ومحمد وأحمد وإسحاق وأبو ثور: أوَّل

стр. 3205

وقته إذا صار ظل كل شيء مثله (١). زاد الشافعي: وزاد أدنى زيادة (٢). وقال أبو حنيفة: أول وقته مصير الظل مثليه بعد الزوال، ومن صلاها قبل ذَلِكَ لم يجز (٣). فخالف الآثار، وخالفه أصحابه، وعنه رواية كالجماعة، واختارها الطحاوي (٤). وعنه ثالثة: إذا صار ظل كل شيء مثله خرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حَتَّى يصير ظل كل شيء مثليه سوى في الزوال، وهي في "البدائع" (٥). ورابعة: إذا صار الظل أقل من قامتين يخرج وقت الظهر، ولا يدخل وقت العصر حَتَّى يصير قامتين، وصححه الكرخي. وخامسة: بين القامة والقامتين وقت مهمل. وعن مالك: إذا صار قامة دخل وقت العصر، ولم يخرج وقت الظهر بل يبقى بعد ذَلِكَ قدر أربع ركعات تصلح للظهر والعصر أداء (٦). وبه قَالَ ابن راهويه والمزني وابن جرير وابن المبارك، وحكي عن

стр. 3206

أبي ثور أيضًا (١). وحكى ابن قدامة في "المغني" عن ربيعة أن وقت الظهر والعصر إذا زالت الشمس. وعن عطاء وطاوس: إذا صار كل شيء مثله دخل وقت العصر، وما بعده وقت لهما عَلَى سبيل الاشتراك حَتَّى الغروب (٢). وأما آخر وقت العصر فقال أكثر العلماء: غروب الشمس. وقال الحسن بن زياد: تغيرها إلى الصفرة. حكاه عنه السرخسي، ثم قَالَ: والعبرة بتغير القرص عندنا. وهو قول الشعبي. وقال النخعي: لتغير الضوء (٣). وقال الإصطخري من أصحابنا: إذا صار ظل كل شيء مثليه خرج وقته، ويأثم بالتأخير بعده، ويكون قضاء (٤)، ولا يدخل وقت المغرب إلا بالغروب، وما بينهما وقت مهمل. وذكر أصحابنا للعصر خمسة أوقات أوضحناها في "الفروع" وزدنا عليها. ونقل ابن رشد عن الظاهرية أن آخر وقتها قبل الغروب بركعة (٥). وأما الأفضل في وقت العصر: فذكر الترمذي أن عمر وابن مسعود وعائشة وأنسًا وغير واحد من التابعين اختاروا تعجيلها، وكرهوا تأخيرها. قَالَ: وبه يقول ابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق (٦).

стр. 3207

قلت: وبه قَالَ الأوزاعي والليث (١). وعند الحنفية الأفضل تأخيرها ما لم تتغير الشمس (٢). وحكي عن جماعة منهم أبو هريرة وأبو قلابة والنخعي (٣) والثوري وابن شبرمة، ورواية عن أحمد (٤). واختلفوا في تغير الشمس، فقيل: بتغير الشعاع عن الحيطان، وقيل: يوضع طست في أرض مستوية، فإن ارتفعت الشمس من جوانبه فقد تغيرت. وإن وقعت في جوفه لم تتغير. وفي "المحيط" لهم: إذا كان قدر رمح لم تتغير، ودونه قد تغيرت، وقيل: إن كان يمكن النظر إلى القرص من غير كلفة ومشقة فقد تغيرت (٥). والصحيح تغير القرص. قَالَ المرغيناني: والتأخير إلى هذا الوقت هو المكروه دون الفعل (٦). وفي "المبسوط": أنه يصلي العصر والشمس بيضاء نقية (٧). وهذا كمذهب باقي الجماعة، ولهم الأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك.

стр. 3208

وقال الأثرم: بعد ذكر أحاديث التعجيل والتأخير: إنما وجهها إن كانت محفوظة أن يكون ذَلِكَ عَلَى غير تعمد لكن لعذر أو لأمر يكون (١). استدل من قَالَ بالتأخير بأوجه: أحدها: حديث يزيد بن عبد الرحمن بن علي بن شيبان، عن أبيه، عن جده قَالَ: قدمنا عَلَى رسول الله ﷺ المدينة فكان يؤخر العصر مادامت الشمس بيضاء نقية. أخرجه أبو داود (٢). وفي إسناده من يجهَّل. ثانيها: حديث رافع بن خديج أنه ﷺ كان يأمر بتأخير هذِه الصلاة يعني: العصر. قَالَ الدارقطني: يرويه عبد الواحد بن نافع. وليس بالقوي. ولا يصح هذا الحديث عن رافع ولا عن غيره من الصحابة. والصحيح عن رافع وغيره من الصحابة، عن النبي ﷺ التعجيل بصلاة العصر (٣). وقال الترمذي: يروى عن رافع مرفوعًا، ولا يصح (٤). وروي تأخيرها من فعل علي وأنه السنة، وصححه الحاكم (٥). وفي الترمذي عن أم سلمة أنها قالت: كان رسول الله ﷺ أشد تعجيلًا للظهر منكم، وأنتم أشد تعجيلًا للعصر منه (٦).

стр. 3209

واستدلوا أيضًا بحديث: "يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة العصر وصلاة الفجر (١)، ولا دلالة فيه. ونقله الطحاوي عن إجماع الصحابة (٢)، ولا نسلم له، والأحاديث السالفة دالة للجمهور. ثم يذهب الذاهب إلى قباء فيأتيهم والشمس مرتفعة. وكذا إلى العوالي. وبعض العوالي على أربعة أميال ونحوه. وفي "صحيح مسلم": صلى بنا النبي ﷺ العصر، فلما انصرف أتاه رجل من بني سَلِمَةَ، فقال: يا رسول الله إنا نريد أن ننحر جزورًا لنا، ونحب أن تحضرها، فانطلق وانطلقنا معه، فوجدنا الجزور لم ينحر، فنحرت، ثم قطعت، ثم طبخ منهما، ثم أكلنا قبل أن تغيب الشمس (٣). وفي "مستدرك الحاكم": كان أبعد رجلين من الأنصار من النبي ﷺ أبو لبابة وأبو عبس ومسكنه في بني حارثة، فكانا يصليان مع النبي ﷺ ، ثم يأتيان قومهما وما صلوا لتعجيله ﷺ (٤). وصح في صلاة المنافق أنه ينتظر حَتَّى إذا اصفرت الشمس قام فنقرها أربعًا (٥) وغير ذَلِكَ من الأحاديث.

стр. 3210

١٤ - باب إِثْمِ مَنْ فَاتَتْهُ العَصْرُ ٥٥٢ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". [مسلم: ٦٢٦ - فتح: ٢/ ٣٠] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ العَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ". الكلام عليه من أوجه: وهو حديث ليس في الإسلام حديث يقوم مقامه؛ لأن الله تعالى قَالَ: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾ [البقرة: ٢٣٨]، ولا يوجد حديث فيه تكييف المحافظة غيره، نبه عليه ابن بطال (١). أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا من طريق مالك، عن نافع (٢) وابن شهاب، عن سالم (٣). وأخرجه الكشي من حديث حماد بن سلمة عن أيوب، عن نافع، وزاد في آخره: وهو قاعد. وأخرجه النسائي من حديث نوفل بن معاوية (٤). وزعم أبو القاسم في "الأوسط" أن نوفلًا رواه عن أبيه معاوية بلفظ: "لأن يوتر أحدكم أهله وماله خير له من أن تفوته صلاة العصر" (٥).

стр. 3211

ثانيها: (وتر) بضم الواو أي: نقص، يقال: وترته: إذا نقصته، فكأنه جعله وترًا بعد أن كان كثيرًا. وفي بعض نسخ البخاري هنا: قَالَ أبو عبد الله: ﴿يَتِرَكُمْ﴾ أي: ينقصكم. وترت الرجل: إذا قتلت له قتيلًا وأخذت ماله (١). قَالَ الخطابي وغيره: نقص هو أهله وماله، وسلبهم فبقي بلا أهل ولا مال، فليحذر من يفوتها كحذره من ذهاب أهله وماله (٢). وقال ابن عبد البر: معناه عند أهل اللغة أنه كالذي يصاب بأهله وماله إصابة يطلب بها وترا، والوتر: الجناية التي يطلب ثأرها، فيجتمع عليه غمان: غم المصيبة، وغم مقاساة طلب الثأر. وقال الداودي من المالكية: معناه يتوجه عليه من الاسترجاع ما يتوجه عَلَى من فقد أهله وماله، فيتوجه عليه الندم والأسف؛ لتفويته الصلاة. وقيل: معناه: فاته من الثواب ما يلحقه من الأسف كما يلحق من ذهب أهله وماله (٣). وهذا كله عَلَى رواية من روى أهله وماله بالنصب، وهو الصحيح

стр. 3212

المشهور عَلَى أنه مفعول ثان لوتر، وأضمر فيه مفعول ما لم يسمَ فاعله عائدًا إلى الذي فاتته الصلاة. وقيل: معناه وتر في أهله وماله، فلما حذف الخافض انتصب. ومن رواها بالرفع فعلى ما لم يسمَ فاعله. وقال بعضهم عَلَى أنه بدل اشتمال أو بدل بعض، ومعناه: انتزع منه أهله وماله وذهب بهم، وهو تفسير الإمام مالك (١). ثالثها: اختلف في المراد بفوات العصر في الحديث، فقال ابن وهب وغيره: فيمن لم يصلها في وقتها المختار. وقال الأصيلي وسحنون: هو أن تفوته بالغروب، وقيل: إلى الاصفرار. وقد ورد مفسرًا من رواية الأوزاعي في هذا الحديث، قَالَ فيه: وفواتها أن تدخل الشمس صفرة. وروي عن سالم، عن أبيه أنه قَالَ: هذا فيمن فاتته ناسيًا. وقال الداودي: هو في العامد (٢). وهو الأظهر للحديث الآتي في الباب بعده: "من ترك صلاة العصر حبط عمله". وهذا إنما يكون في العامد. وقال المهلب: هو فواتها في الجماعة لما يفوته صلاة من شهود الملائكة الليلية والنهارية، ولو كان فواتها بغيبوبة أو اصفرار لبطل الاختصاص؛ لأن ذهاب الوقت كله موجود في كل صلاة. وفي "موطأ" ابن وهب قَالَ مالك: تفسيرها ذهاب الوقت. وعند ابن

стр. 3213

منده: الموتور أهله وماله من وتر صلاة الوسطى في جماعة وهي صلاة العصر. وفي "تفسير الطبري" عن سالم أن أباه كان يرى لصلاة العصر فضيلة للذي قاله ﷺ فيها، ويرى أنها الصلاة الوسطى (١). وفي "علل ابن أبي حاتم": "من فاتته صلاة العصر" وفواتها أن تدخل الشمس صفرة الحديث. قَالَ أبو حاتم: التفسير من قبل نافع (٢). رابعها: تخصيصه ﷺ بالعصر يحتمل أن يكون عَلَى حسب السؤال، وعدا هذا فالصبح والعشاء ملحق بها، وخصت العصر لفضلها؛ ولكونها مشهودة الملائكة عند تعاقبهم، وعلى هذا يشاركها الصبح، أو خصت بذلك تأكيدًا وحضًّا عَلَى المباشرة عليها؛ لأنها تأتي في وقت أشغال الناس، وعلى هذا فالصبح أولى بذلك؛ لأنها تأتي في وقت النوم، والأظهر أنها خصت بالذكر؛ لأنها الوسطى عَلَى الصحيح (٣)، وبها تختم صلوات النهار كما أسلفناه عن "تفسير الطبري".

стр. 3214

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3215

١٥ - باب مَنْ تَرَكَ العَصْرَ ٥٥٣ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي الْمَلِيحِ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غَزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ الْعَصْرِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ". [٥٩٤ - فتح:٢/ ٣١] ذكر فيه حديث هشامِ عن يحيى، عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، عَنْ أَبِي المَلِيحِ قَالَ: كُنَا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي غزْوَةٍ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ، فَقَالَ: بَكِّرُوا بِصَلَاةِ العَصْرِ فَإِن النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ العَصْرِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ". الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث ذكره البخاري أيضًا فيما سيأتي (١). وبُريدة: هو ابن الحُصيب الأسلمي (٢)، وأبو المليح: اسمه عامر بن

стр. 3216

أسامة الهذلي، تابعي ثقة (١)، وأبو قلابة: عبد الله بن زيد الجرمي (٢). وأخرجه ابن ماجه وابن حبان من حديث الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي قلابة، عن أبي المهاجر، عنه. قَالَ ابن حبان: وهم الأوزاعي في تصحيفه عن يحيى فقال: عن أبي المهاجر، وإنما هو أبو المهلب عم أبي قلابة، واسمه عمرو. ثم ساقه من حديث الأوزاعي، عن يحيى عن أبي قلابة، عن عمه، عنه عَلَى الصواب (٣). واعترض عليه الضياء المقدسى فقال: الصواب أبو المليح عن بريدة. ثانيها: اختلف في معنى تركها، فقال المهلب: معناه: من فاتته فوات مضيع متهاون بفضل وقتها مع قدرته عَلَى آدائها فحبط عمله في الصلاة خاصة. أي: لا يحصل له أجر المصلي في وقتها، ولا يكون له عمل ترفعه الملائكة. وقال غيره: تركها جاحدًا، فإذا فعل ذَلِكَ فقد كفر وحبط عمله. ورد بأن ذَلِكَ مقول في سائر الصلوات، فلا مزية إذًا. قد ورد من حديث عمر مرفوعًا: "من ترك صلاة متعمدًا أحبط الله

стр. 3217

عمله، وبرئت منه ذمة الله تعالى حَتَّى يراجع لله توبة" (١) وإسناده لا يقوى. وقال ابن بزيزة: هذا عَلَى وجه التغليظ -إذ لا يحبط الأعمال إلا الشرك- أو حبط جزاء عمله أي: نقص بالنسبة إلى جزاء المحافظة عليها. وقال ابن التين: كاد أن يحبط. وقال ابن العربي في "قبسه": توقف عنه عمله مدة يكون فيها بمنزلة المحبط حَتَّى يأتيه من فضله ما يدرك به فوات علمه، أو يحبط عمله عند موازنة الأعمال، فإذا جاء الفضل أدرك الثواب. ثالثها: فيه البكور بها عَلَى التحري والأغلب لا عَلَى نفس الإحاطة، وقد اختار جماعة من العلماء في يوم الغيم تأخير الظهر وتعجيل العصر، وسيأتي إيضاح ذَلِكَ في باب التبكير بالصلاة في يوم غيم (٢).

стр. 3218

١٦ - باب فَضْلِ صَلَاةِ العَصْرِ ٥٥٤ - حَدَّثَنَا الْحُمَيْدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا مَرْوَانُ بْنُ مُعَاوِيَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، عَنْ قَيْسٍ، عَنْ جَرِيرٍ قَالَ: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى الْقَمَرِ لَيْلَةً -يَعْنِي الْبَدْرَ- فَقَالَ "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هَذَا الْقَمَرَ لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا". ثُمَّ قَرَأَ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ: افْعَلُوا، لَا تَفُوتَنَّكُمْ. [٥٧٣، ٤٨٥١، ٧٤٣٤، ٧٤٣٥، ٧٤٣٦ - مسلم: ٦٣٣ - فتح: ٢/ ٣٣] ٥٥٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ، وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ، فَيَسْأَلُهُمْ وَهْوَ أَعْلَمُ بِهِمْ: كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي؟ فَيَقُولُونَ: تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ، وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ". [٣٢٣٣، ٧٤٢٩، ٧٤٨٦ - مسلم: ٦٣٢ - فتح: ٢/ ٣٣] ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث جرير بن عبد الله: كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَنَظَرَ إِلَى القَمَرِ لَيْلَة البَدْرِ فَقَالَ: "إِنَّكُمْ سَتَرَوْنَ رَبَّكُمْ كَمَا تَرَوْنَ هذا القَمَرَ، لَا تُضَامُّونَ فِي رُؤْيَتِهِ، فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا فَافْعَلُوا". ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾ [ق: ٣٩]. قَالَ إِسْمَاعِيلُ -يعني: ابن أبي خالد الراوي عن قيس، عن جرير- افْعَلُوا لَا تَفُوتَنَّكُمْ.

стр. 3219

الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا (١)، (وكرره) (٢) البخاري قريبًا في باب: فضل صلاة الفجر (٣)، ويأتي في التفسير (٤) والتوحيد (٥) أيضًا. وأخرجه والأربعة أيضًا (٦)، وطرقه الدارقطني في "علله". ولفظ البخاري في التوحيد: "إنكم سترون ربكم عيانًا" (٧)، وفي التفسير: فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة (٨) وفي آخر قريبًا: "لا تضامون" أو قَالَ: "لا تضاهون في رؤيته" (٩). وعند اللالكائي عن البخاري: "إنكم ستعرضون عَلَى ربكم وترونه كما ترون هذا القمر" (١٠). وعند مسلم: ثم قرأ جرير: ﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾ (١١) الآية. وله:

стр. 3220

"فيتجلى لهم الرب تعالى" (١). وعن صهيب عند مسلم: "فيكشف الحجاب، فينظرون إليه، فوالله ما أعطاهم الله شيئًا أحب إليهم من النظر إليه" (٢). ثانيها: تظاهرت الأخبار والقرآن وإجماع الصحابة فمن بعدهم عَلَى إثبات رؤية الله تعالى في الآخرة للمؤمنين، رواها عن النبي ﷺ نحو من عشرين صحابيًّا كما ذكره النووي (٣).

стр. 3221

وأنت إذا تأملت ما ذكره اللالكائي (١)، والآجري في "الشريعة" (٢)، وأبو الشيخ في "السنة الواضحة"، وأبو نعيم زاد عَلَى العشرين. وقد صرح بذلك ابن التين في شرحه، وهي مختصة بالمؤمنين ممنوعة من الكفار. وفي "سنن اللالكائي" من حديث أنس وأبي بن كعب وكعب بن عجرة: سئل رسول ﷺ عن الزيادة في كتاب الله تعالى، قَالَ: "النظر إلى وجهه" (٣) وعن ابن عمر: "من أهل الجنة من ينظر إلى وجهه تعالى كدوة وعشية" (٤). ومن حديث أبي عبيدة عن أبيه وذكر الموقف فيتجلى لهم ربهم. وأبعد من قَالَ: يراه المنافقون أيضًا (٥).

стр. 3222

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 3223

ومنع من ذَلِكَ المعتزلة والخوارج وبعض المرجئة بناءً عَلَى أن الرؤية تلزمها شروط عقلية اعتقدوها، وأهل السنة لا يشترطون شيئًا من ذَلِكَ ومحل الخوض في ذَلِكَ أصول الديانات. ثالثها: قوله: "لا تُضامون" هو بضم التاء المثناة فوق مع تخفيف الميم، وعليها أكثر الرواة كما قَالَ ابن الجوزي. والمعنى: لا ينالكم ضيم. والضيم أصله الظلم. وهذا الضيم يلحق الرائي من وجهين: أحدهما: من مزاحمة الناظرين له، أي: لا تزدحمون في رؤيته، فيراه بعضكم دون بعض، ولا يظلم بعضكم بعضا. والثاني: من تأخره عن مقام الناظر المحقق، وكأن المتقدمين ضاموه. ورؤية الرب ﷻ يستوي فيها الكل بلا ضيم ولا ضرر ولا مشقة. ورواية البخاري التي أسلفناها: "لا تضامون" أو "لا تضاهون" عَلَى الشك، أي: لا يشتبه عليكم وترتابون فيعارض بعضكم بعضًا في رؤيتي. وقيل: لا يشبهونه بغيره من المرئيات تقدس وتعالى. وروي "تضامُّون" بضم وتشديد الميم، وروي بفتح التاء وتشديد الميم، حكاهما الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي. وقال: المعنى فيهما لا تضاممون. أي: لا ينضم بعضكم إلى بعض في وقت النظر؛ لإشكاله وخفائه، كما يفعلون عند النظر إلى الهلال. وروي "تُضارُّون" بالراء المشددة والتاء مضمومة ومفتوحة ذكرهما الزجاج أيضًا. والمعنى: لا تضارون أي: لا يضار بعضكم بعضًا

стр. 3224

بالمخالفة. قال ابن الأنبارى: هو يتفاعلون. من الضرار أي: لا ليتنازعون ويختلفون. وروي "تُضارون" بضم التاء وتخفيف الراء أي: لا يقع بكم في رؤيته ضير ما بالمخالفة والمنازعة أو الخفاء المرئي. وروي "تمارون" مخفف الراء، أي: تجادلون، أي: لا يدخلكم شك. رابعها: قوله: ("فَإِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا") أي: لا يغلبكم عليها أحد. وقول إسماعيل: افعلوا لا تفوتنكم (١). زاد أبو نعيم في قول إسماعيل هذا: قبل طلوع الشمس وقبل أن تغرب. وقال المهلب: "إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ" يعني: شهودها في الجماعة، وخصَّ هذين الموقتين؛ لاجتماع الملائكة فيهما؛ ورفع أعمالهم فيها لئلا يفوتهم هذا الفضل العظيم، والصلاتان: الفجر والعصر. وقوله: (ثُمَّ قَرَأَ: ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ﴾) [ق: ٣٩] وقد أسلفت، لك أن جريرًا قرأه من عند مسلم. وقال شيخنا قطب الدين: لم يبين أحد في روايته من قرأ. ثم ساق من طريق أبي نعيم في "مستخرجه" أن جريرًا قرأه. وقد: علمت أنه في مسلم فلا حاجة إلى عزوه إلى "مستخرجه". قالوا: وجه مناسبة ذكر الرؤية والصلاتين أن الصلاتين من أفضل القرب، فإنه قَالَ تعالى في صلاة الفجر: ﴿وَقُرْآنَ الْفَجْرِ إِنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا﴾

стр. 3225

[الإسراء: ٧٨] وصلاة العصر هي الوسطى عَلَى الصحيح، وكأنه يقول: دوموا عَلَى أفضل القرب تنالوا أفضل العطايا وهو الرؤية، فإن بالمحافظة يتحقق الإيمان. والتسبيح في الآية: الصلاة. الحديث الثاني: حديث أبي هريرة: أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ .. " الحديث. الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في التوحيد (١). وأخرجه مسلم (٢) أيضًا. وفي رواية لأبي القاسم الجُوذي في آخره: فحسبت أنهم يقولون: فاغفر لهم يوم الدين. ثانيها: قوله: "يتعاقبون" فيه دلالة لمن قَالَ من النحاة بجواز إظهار ضمير الجمع والتثنية في الفعل إذا تقدم، وهو لغة فاشية، وحمل عليه الأخفش ومن وافقه قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنبياء: ٣] وسيأتي في ذكر الملائكة "يتعاقبون". وقال سيبويه والأكثرون: لا يجوز إظهار الضمير مع تقدم الفعل، يتأولون ما خالفهم ويجعلون الاسم بعده بدلًا من الضمير، ولا يرفعونه بالفعل، وكأنه لما قيل: ﴿وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [الأنبياء: ٣] قيل: من هم؟ قيل: هم الذين ظلموا، وكذا: "يتعاقبون" ونظائره (٣).
следующие страницы →