← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 3291–3330 · переход к 3296.

стр. 3291

الطلوع، وعن الصلاة إذا بدا حاجب الشمس حَتَّى تبرز، وحديث ثلاث ساعات حين تطلع الشمس بازغة حَتَّى ترتفع، وكل هذا يبين أن المراد بالطلوع في الروايات الأخر: ارتفاعها وإشراقها وإضاءتها لا مجرد قرصها (١). وحكى الزجاج فيما حكاه ابن الجوزي: أشرقت: أضاءت وصفت. وشرقت: طلعت، وعلى هذا أكثر أهل اللغة. وقال بعضهم: هما بمعنى واحد. رابعها: قام الإجماع عَلَى كراهة صلاة لا سبب لها في أوقات النهي، وعلى جواز الفرائض المؤداَّة فيها، واختلفوا فيما إذا كان له سبب، فأباحه الشافعي وطائفة إذا كان السبب سابقًا أو مقارنًا (٢)، وذهب أبو حنيفة وآخرون إلى بقاء النهي لعموم الأحاديث، وتباح الفوائت عنده بعد الصبح والعصر ولا تباح في الأوقات الثلاث إلا عصر يومه، فيباح عند الاصفرار (٣)، ومشهور مذهب داود: منع الصلاة في هذِه الأوقات مطلقًا سواء ذات السبب وغيرها، وهو رواية عن أحمد (٤) ونقل القاضى عن داود أنه أباحها بسبب ودونه. واحتج الشافعي ومن وافقه بأنه ثبت أن النبي ﷺ قضى سنة الظهر بعد العصر، وهذا تصريح في قضاء السنة الفائتة، فالحاضرة أولى والفريضة المقضية أولى، وكذا الجنازة، وهو إجماع فيها، وإن حُكي عن الكرخي المنع، وقال ﷺ

стр. 3292

في التحية: "إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حَتَّى يصلي ركعتين" (١) وهذا خاص، وحديث النهي عن الصلاة في هذِه الأوقات عام، وقد دخله التخصيص بصلاة الصبح والعصر وصلاة الجنازة كما سلف، وبحديث: "من نام عن صلاة أو نسيها فليصلها إذا ذكرها" (٢). وأما حديث التحية: فهو عَلَى عمومه لم يدخله تخصيص، ولهذا أمر بهما الداخل والإمام يخطب. خامسها: الكراهة في هذين الوقتين تتعلق بالفعل كما أسلفته، حَتَّى إذا تأخر الفعل فإنه لا يكره الصلاة قبلها، فإن تقدم كرهت. وأما الكراهة المتعلقة بالوقت: فهو طلوع الشمس إلى ارتفاعه والاصفرار حَتَّى تغرب. ونقل بعض المالكية أن النهي عندهم متعلق بالوقت في الصبح وفي العصر بالفعل. وذهب مالك وأصحابه إلى إجازة الصلاة عند الزوال (٣). سادسها: استثنى الشافعي وأصحابه من أوقات النهي وقت الاستواء يوم الجمعة (٤)، وحرم مكة؛ لدليل آخر ذكرته في الفروع في "شرح المنهاج" وغيره مع بيان الخلاف في الكراهية في هذِه الأوقات هل

стр. 3293

هي كراهة تحريم أو تنزيه؟ وظاهر الحديث يدل للتحريم؛ لأنه الأصل في النهي. سابعها: روى الشافعي: "أن الشمس تطلع ومعها قرن الشيطان، فإذا ارتفعت فارقها، فإذا استوت قارنها، فإذا زالت فارقها، فإذا دنت للغروب قارنها، فإذا غربت فارقها" (١)، وهو مرسل، وهو أحد ما قيل في سبب الكراهة في هذِه الأوقات، وهو باب توقيف. تتمتان: الأولى: روي عن جماعة من السلف فيما حكاه ابن بطال عنهم أن النهي عند الطلوع وعند الغروب دون ما لم يبد حاجبها ولم تتدلى للغروب، رُوِي عن علي وابن مسعود وبلال وأبي أيوب وأبي الدرداء وابن عمر وابن عباس، وتأولوا أن المراد بالنهي عن الصلاة هذين الوقتين خاصة واستدلوا بقوله: "لا يتحرى أحدكم" (٢) الحديث (٣).

стр. 3294

ثانيهما: لا يقدح في الإجماع السالف عَلَى كراهة صلاة لا سبب لها في هذِه الأوقات بما رُوِي عن داود السالف؛ لأن خلافه لا يقدح في الإجماع، وكذا لا يقدح في جواز الفرائض المؤدَّاة فيها ما حكاه ابن العربي من المنع، وما نقله ابن حزم عن أبي بكرة وكعب بن عجرة أنهما نهيا عن الفرائض أيضًا (١) وحكي عن قوم أنهم لم يروا الصلاة أصلًا في هذِه الأوقات كلها. وأبدى الشيخ شهاب الدين السهروردي حكمة الكراهة بعد الصبح والعصر أنها لأجل راحة العمال من الأعمال، وهو معنى صوفي. الحديث الثاني: حديث ابن عمر: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاِتكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا". وفي رواية: " إِذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ، وَإِذَا غَابَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَى تغرب". تَابَعَهُ عَبْدَةُ. وهذا الحديث ذكره أيضًا قريبًا (٢)، وفي الحج أيضا (٣)، ومتابعة عبدة ليحيى بن سعيد ذكرها البخاري في صفة إبليس (٤)، زاد مسلم: "فإنها تطلع بقرني شيطان" (٥) ورواه مالك مرسلًا (٦)، وقد روي عنه

стр. 3295

رفعه (١)، ولم يتابع من رفعه عنه. والتحري: القصد والتعمد بفعل الشيء، ولا الناهية دخلت بعد الواو؛ لتفيد النهي عن كل منهما، وحاجب الشمس أول ما يبدو منها، وقد سلف فقه الحديث في الذي قبله. الحديث الثالث: حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ نَهَى عَنْ بَيْعَتَيْنِ، وَعَنْ لِبْسَتَيْنِ، وَعَنْ صَلَاتَيْنِ، نَهَى عَنِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ، وَعَنِ اشْتِمَالِ الصَّمَّاءِ، وَعَنْ الاحْتِبَاءِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ يُفْضِي بِفَرْجِهِ إِلَى السَّمَاءِ، وَعَنِ المُنَابَذَةِ وَالْمُلَامَسَةِ. وهذا الحديث أخرجه في اللباس أيضًا (٢)، ومسلم في البيوع (٣)، وسلف خلا القطعة الأولى في باب: ما يستر من العورة (٤)، مع الكلام عليه فراجعه.

стр. 3296

٣١ - باب لَا يَتَحَرى الصَّلَاةَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ٥٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا". [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٦٠] ٥٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ صَالِحٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ الْجُنْدَعِيُّ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ". [١١٨٨، ١١٩٧، ١٨٦٤، ١٩٩٢، ١٩٩٥ - مسلم: ٨٢٧ - فتح: ٢/ ٦١] ٥٨٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي التَّيَّاحِ قَالَ: سَمِعْتُ حُمْرَانَ بْنَ أَبَانَ يُحَدِّثُ عَنْ مُعَاوِيَةَ قَالَ: إِنَّكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا، يَعْنِى: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ. [٣٧٦٦ - فتح: ٢/ ٦١] ٥٨٨ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ سَلَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ خُبَيْبٍ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ، وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. [انظر: ٣٦٨ - مسلم: ٨٢٥ - فتح:٢/ ٦١] ذكر فيه حديث ابن عُمَرَ أَنَّ النبي ﷺ قَالَ: "لَا يَتَحَرى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّي عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبِهَا". وحديث أبي سعيد الخدري: عن رَسُولَ الله ﷺ : "لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ، وَلَا صَلَاةَ بَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغِيبَ الشَمْسُ". وحديث معاوية: إِنكُمْ لَتُصَلُّونَ صَلَاةً، لَقَدْ صَحِبْنَا رَسُولَ اللهِ ﷺ فَمَا رَأَيْنَاهُ يُصَلِّيهَا، وَلَقَدْ نَهَى عَنْهُمَا- يَعْني الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ العَصْرِ.

стр. 3297

وحديث أبي هريرة: نَهَى رَسُولُ اللهِ ﷺ عَنْ صَلَاتَيْنِ: بَعْدَ الفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَمْسُ، وَبَعْدَ العَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ. أما حديث ابن عمر فأخرجه مسلم أيضًا (١)، وسلف في الباب قبله من طريق آخر عنه (٢). وأما حديث أبي سعيد: فأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وأخرجه النسائي بلفظ: "حتى تبزغ" (٤) بدل: "حتى ترتفع". وأما حديث معاوية فأخرجه أيضًا في باب ذكر معاوية، رواه عنه حمران بن أبان (٥)، ورواه أبو داود الطيالسي، عن معبد الجهني بدل حمران (٦)، وشيخ البخاري فيه محمد بن أبان، وهو ابن وزير معاوية البلخي كما ذكره الدارقطني وغيره. وقال ابن عدي: هو الواسطي. وغلط الأول؛ لأن البلخي يروي عن الكوفيين، والواسطي يروي عن البصريين. وقال المزي: الأشبه الأول، وما ذكره ابن عدي محتمل، فإن البخاري ذكر الواسطي في "تاريخه الكبير" ولم يذكر فيه البلخي، وجزم بأنه البلخي ابن أحد عشر في "جمعه" (٧)، وفي طبقتهما آخر يقال له: محمد بن أبان بن علي البلخي، يروي عن عبد الرحمن بن جابر.

стр. 3298

وأما حديث أبي هريرة فسلف (١)، وفقه الباب سلف في الباب قبله، ومعنى: "لا صلاة" أي: شرعية، لأن الحسية لم تنتف.

стр. 3299

٣٢ - باب مَنْ لَمْ يَكْرَهِ الصَّلَاةَ إِلَّا بَعْدَ العَصْرِ وَالْفَجْرِ رَوَاهُ عُمَرُ، وَابْنُ عُمَرَ، وَأَبُو سَعِيدٍ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ. ٥٨٩ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: أُصَلِّي كَمَا رَأَيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. [انظر: ٥٨٢ - مسلم: ٨٢٨ - فتح: ٢/ ٦٢] هذِه كلها سلفت مسندة عنده بألفاظها. ثم ساق من حديث ابن عمر: قَالَ: أصَلَّي كَمَا رَأيْتُ أَصْحَابِي يُصَلُّونَ، لَا أَنْهَى أحَدًا يُصَلِّي بِلَيْلٍ وَلَا نَهَارٍ مَا شَاءَ، غَيْرَ أَنْ لَا تَحَرَّوْا طُلُوعَ الشمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا. وغرض البخاري بهذا الباب رد قول من منع الصلاة عند الاستواء، وهو ظاهر قوله: لا أمنع أحدًا يصلي بليل أو نهارٍ، وهو قول مالك والليث والأوزاعي، قَالَ مالك: ما أدركت أهل الفضل والعبادة إلا وهم يتحرون ويصلون نصف النهار. وعن الحسن وطاوس مثله (١)، والذين منعوا الصلاة عند الاستواء عمر وابن مسعود والحكم. وقال الكوفيون: لا يصلَى فيه فرض ولا نفل (٢). واستثنى الشافعي وأبو يوسف يوم الجمعة خاصة؛ لأن جهنم لا تسجر فيه (٣)، وفيه حديث في أبي داود أن جهنم تسجر فيه إلا يوم

стр. 3300

الجمعة (١)، وفيه انقطاع، واستثنى منه مكحول المسافر، وكانت الصحابة يتنفلون يوم الجمعة في المسجد حَتَّى يخرج عمر، وكان لا يخرج حَتَّى تزول بدليل طنفسة عقيل. وذكر ابن أبي شيبة عن مسروق أنه كان يصلي نصف النهار، فقيل له: إن الصلاة في هذِه الساعة تكره. فقال: ولم؟ قَالَ: قالوا: إن أبواب جهنم تفتح نصف النهار. فقال: الصلاة أحق ما استعيذ منه من جهنم حين تفتح أبوابها.

стр. 3301

٣٣ - باب مَا يُصَلَّى بَعْدَ العَصْرِ مِنَ الفَوَائِتِ وَنَحْوِهَا وَقَالَ كُرَيْبٌ، عَنْ أُمَ سَلَمَةَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ بَعْدَ العَصْرِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ: "شَغَلَنِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ القَيْسِ عَنِ الرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ". ٥٩٠ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ قَالَ: حَدَّثَنِي أَبِي أَنَّهُ سَمِعَ عَائِشَةَ قَالَتْ: وَالَّذِى ذَهَبَ بِهِ مَا تَرَكَهُمَا حَتَّى لَقِىَ اللهَ، وَمَا لَقِىَ اللهَ تَعَالَى حَتَّى ثَقُلَ عَنِ الصَّلَاةِ، وَكَانَ يُصَلِّي كَثِيرًا مِنْ صَلَاتِهِ قَاعِدًا -تَعْنِى: الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ- وَكَانَ النَّبِيُّ ﷺ يُصَلِّيهِمَا، وَلَا يُصَلِّيهِمَا فِي الْمَسْجِدِ مَخَافَةَ أَنْ يُثَقِّلَ عَلَى أُمَّتِهِ، وَكَانَ يُحِبُّ مَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ. [٥٩١، ٥٩٢، ٥٩٣، ١٦٣١ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤] ٥٩١ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي قَالَتْ عَائِشَةُ: ابْنَ أُخْتِي، مَا تَرَكَ النَّبِيُّ ﷺ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤] ٥٩٢ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ قَالَ: حَدَّثَنَا الشَّيْبَانِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: رَكْعَتَانِ لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدَعُهُمَا سِرًّا وَلَا عَلَانِيَةً: رَكْعَتَانِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ، وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤] ٥٩٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ: رَأَيْتُ الأَسْوَدَ وَمَسْرُوقًا شَهِدَا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ الْعَصْرِ إِلاَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. [انظر: ٥٩٠ - مسلم: ٨٣٥ - فتح: ٢/ ٦٤] وهذا التعليق أخرجه مسندًا في السهو (١) وفي وفد عبد القيس من كتاب المغازي عن يحيى بن سليمان، عن ابن وهب، عن عمرو بن

стр. 3302

الحارث، عن بكير عن غريب مطولًا (١). وأخرجه مسلم أيضًا (٢). وفي البخاري: قَالَ ابن عباس: وكنت أضرب الناس مع عمر بن الخطاب عنهما. وهو بالضاد المعجمة، وروي بالفاء والصاد المهملة. وفي مسلم: "ناس من عبد القيس بالإسلام من قومهم". وفي البيهقي أنه قدم عَلَى وفد بني تميم أو صدقة "فشغلوني عنهما" (٣). ولأحمد: "قدم عليَّ مال فشغلني عنهما" (٤) وفي ابن ماجه من حديث يزيد بن أبي زياد أنه شغله عنهما قسمة ما جاء به الساعي (٥). وللترمذي محسنًا من حديث ابن عباس: شغله عنهما مال فصلاهما بعد العصر، ثم لم يعد لهما (٦).

стр. 3303

وذكر بعده حديث عائشة في صلاته ﵇ الركعتين بعد العصر من طرق: منها: عن أيمن عنها، وهو من أفراده. ومنها: عن عروة عنها: وقالت: ما تركهما عندي قطُّ. وأخرجه مسلم أيضًا (١). ومنها: عن الأسود عنها: وأنه لم يدعها سرًا ولا علانية. وأخرجه مسلم أيضًا (٢). ومنها: عن الأسود ومسروق: أنهما شَهِدا عَلَى عَائِشَةَ قَالَتْ: مَا كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْتِينِي فِي يَوْمٍ بَعْدَ العَصْرِ إِلَّا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ. وأخرجه مسلم أيضًا (٣)، وهو في مسلم من حديث أبي سلمة (٤) وطاوس عنها (٥). ومنها: عبد الله بن الزبير عنها، وسيأتي في البخاري (٦). وذكر الدارقطني الاختلاف في حديث عائشة مبسوطًا، ثم قَالَ: والصحيح عنها: ما رواه عبد الله وهشام ابنا عروة، عن أبيهما، عنها. وقال في مسند أم سلمة: حديث بكير بن الأشج أثبتها وأصحها.

стр. 3304

وفقه الباب ظاهر كما ترجم له، وهو قضاء سنة الظهر بعد العصر، ووقع في رواية عائشة ما يوهم أنها سنة العصر، فإنها قالت: كان يصليهما قبل العصر. ويحمل عَلَى أنها سنة الظهر؛ لأنها قبل العصر، ويقاس عليه كل صلاة لها سبب، وهو مراد البخاري بقوله: (ونحوها). والاستدلال بفعله ﷺ لذلك أول مرة ومداومته عَلَى فعلها خاص به عَلَى الأصح. وقال الطبري: فعل ذَلِكَ تبيينًا لأمته أن نهيه كان عَلَى وجه الكراهة لا التحريم. وقال البيهقي: الأخبار مشيرة إلى اختصاصه بإثباتها لا إلى أصل القضاء (١). وحديث أم سلمة فيه صريح أنه بعد النهي، فلم تكن من ادَّعى تصحيح الآثار عَلَى مذهبه دعوى للنسخ فيه برواية ضعيفة عنها في هذِه القصة: فقلت: يا رسول الله، أفنقضيهما إذا فاتانا؟ قَالَ: "لا" (٢)، واعتمد عليها.

стр. 3305

٣٤ - باب التَّبْكِيِر بِالصَّلَاةِ فِي يَوْمِ غَيْمٍ ٥٩٤ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ عَنْ يَحْيَى -هُوَ: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي قِلَابَةَ، أَنَّ أَبَا الْمَلِيحِ حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْمٍ ذِي غَيْمٍ فَقَالَ: بَكِّرُوا بِالصَّلَاةِ، فَإِنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ "مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ". [انظر: ٥٥٣ - فتح: ٢/ ٦٦] ذكر فيه حديث أبي قلابة: أَنَّ أَبَا المَلِيح حَدَّثَهُ قَالَ: كُنَّا مَعَ بُرَيْدَةَ فِي يَوْم ذِي غَيْم فَقَالَ: بَكرُوا بالصَّلَاةِ فَإنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ ترَكَ صَلَاةَ العَصرِ حَبِطً عَمَلُهُ". هذا الحديث سلف في باب من ترك العصر (١). قَالَ ابن المنذر: روي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: إذا كان يوم غيم فأخروا الظهر وعجلوا العصر (٢). وهو قول مالك (٣). وقال الحسن البصري: أخروا الظهر والمغرب، وعجلوا العصر والعشاء الآخرة (٤). وهو قول الأوزاعي. وقال الكوفيون: يؤخر الظهر ويعجل العصر، ويؤخر المغرب ويعجل العشاء (٥). وروى مطرف عن مالك أنه استحب تعجيل العشاء في الغيم. وقال أشهب: لا بأس بتأخيرها إلى ثلث الليل (٦). وفيها قول آخر، قَالَ ابن

стр. 3306

مسعود: عجلوا الظهر والعصر، وأخروا المغرب (١). وقال المهلب: لا يصح التبكير في الغيم إلا بصلاة العصر والعشاء؛ لأنهما وقتان مشتركان مع ما قبلهما، ألا ترى أنهم يجمعونهما في المطر في وقت الأولى منهما، وهو سنة من النبي ﷺ .

стр. 3307

٣٥ - باب الأذَانِ بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ ٥٩٥ - حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ مَيْسَرَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ قَالَ: حَدَّثَنَا حُصَيْنٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ، عَنْ أَبِيهِ قَالَ: سِرْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ لَيْلَةً، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ: لَوْ عَرَّسْتَ بِنَا يَا رَسُولَ اللهِ. قَالَ: "أَخَافُ أَنْ تَنَامُوا عَنِ الصَّلَاةِ". قَالَ بِلَالٌ: أَنَا أُوقِظُكُمْ. فَاضْطَجَعُوا وَأَسْنَدَ بِلَالٌ ظَهْرَهُ إِلَى رَاحِلَتِهِ، فَغَلَبَتْهُ عَيْنَاهُ فَنَامَ، فَاسْتَيْقَظَ النَّبِيُّ ﷺ وَقَدْ طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَقَالَ: "يَا بِلَالُ، أَيْنَ مَا قُلْتَ؟ ". قَالَ: مَا أُلْقِيَتْ عَلَيَّ نَوْمَةٌ مِثْلُهَا قَطُّ. قَالَ: "إِنَّ اللهَ قَبَضَ أَرْوَاحَكُمْ حِينَ شَاءَ، وَرَدَّهَا عَلَيْكُمْ حِينَ شَاءَ، يَا بِلَالُ قُمْ فَأَذِّنْ بِالنَّاسِ بِالصَّلَاةِ". فَتَوَضَّأَ، فَلَمَّا ارْتَفَعَتِ الشَّمْسُ وَابْيَاضَّتْ قَامَ فَصَلَّى. [٧٤٧١ - مسلم: ٦٨١ - فتح: ٢/ ٦٦] ذكر فيه حديث أبي قتادة في نومه ﵇ حتى فاتت صلاة الصبح، ثم قضاها لما طلعت الشمس وابياضت. وفيه: "قم فآذن الناس بالصلاة". وقد سلف في التيمم في باب: الصعيد الطيب يكفيه من الماء. من حديث عمران بن حصين (١)، وتكلمنا عليه هناك واضحًا فراجعه. والتعريس: النزول آخر الليل، ونذكر هنا اختلاف العلماء في الأذان للفائتة، فذهب الإمام أحمد إلى جوازه (٢)، وهو قول أبي أيوب، واحتجا بهذا الحديث. وقال الكوفيون: إذا نسي صلاة واحدة وأراد أن يقضيها من الغد يؤذن لها ويقيم، فإن لم يفعل فصلاته تامة (٣). وقال الثوري: ليس عليه في الفوائت أذان ولا إقامة. وقال محمد بن الحسن: إن أذن فيه فحسن، وإن صلاهن بإقامة إقامة كما فعل

стр. 3308

الشارع يوم الخندق فحسن. وقال مالك والأوزاعي: يقيم للفائتة، ولم يذكروا أذانًا (١). وقال الشافعي: يقيم لها ولايؤذن في قوله الجديد، وفي القديم: يؤذن. والحديث يشهد له (٢). واحتج من منع بأن الشارع يوم الخندق قضى الفوائت كلها بغير أذان، وإنما أذن للعشاء الآخرة فقط؛ لأنها صاحبةُ الوقت. وفيه من الفقه مسائل أخر: الأولى: أنه ﷺ كان ينام أحيانًا كنوم الآدميين، وقد أسلفت الجمع بينه وبين حديث: "إن عينيّ تنامان ولا ينام قلبي" هناك فراجعه. الثانية: ادَّعى المهلب أن الحديث دال أن الصلاة الوسطى صلاة الصبح، وإنما أكدت المحافظة عليها؛ لأجل هذِه المعارضة التي عرضت بالنوم عليه وعلى العسكر حَتَّى فاته وقتها، ويدل عَلَى ذلك تأكيده بلالًا في السفر والحضر بمراقبة وقتها، ولم يأمره بمراقبة غيرها، ألا ترى أنه لم تفته صلاة كيرها بغير عذر شغله عنها. قلت: قد وردت أنه فاتته صلوات كما سيأتي. الثالثة: قوله في الحديث: (فاستيقظ رسول الله ﷺ وقد طلع حاجب الشمس)، وتركه للصلاة حَتَّى ابيضت الشمس، فيجوز أن يكون التأخير -كما قَالَ أهل الكوفة- لأجل النهي عن الصلاة عند الطلوع. ويجوز أن يكون التأخير لأجل التأهب للصلاة بالوضوء وغيره، لا لأجل ذَلِكَ، وقد جاء هذا المعنى في بعض طرق الحديث، ذكره في كتاب الاعتصام في باب المشيئة والإرادة، وفيه: (فقضوا حوائجهم

стр. 3309

وتوضئوا إلى أن طلعت الشمس وابيضت فقام فصلى) (١). ويجوز معنى ثالث قاله عطاء، وهو أنه إنما أمرهم بالخروج من الوادي عَلَى طريق التشاؤم به، ووقعت الغفلة فيه كما نهى عن الصلاة بأرض بابل، وحجر ثمود، وعن الوضوء بمائها، وهو مثل قوله ﷺ في حديث مالك عن زيد بن أسلم "إن هذا به شيطان" (٢)، فكره الصلاة في البقعة التي فيها الشيطان إذ كان السبب لتأخير الصلاة عن وقتها، وادَّعى ابن وهب وعيسى بن دينار أن خروجهم من الوادي منسوخ بقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] وهو خطأ؛ لأن طه مكية، وقصة نومه كانت بالمدينة، ومما يدل عليه قول ابن مسعود: بنو إسرائيل والكهف ومريم والأنبياء هن من العتاق الأول، وهن من تلادي (٣)، يعني: إنهن من أول ما حفظه من القرآن واستفاده. التِلاد: القديم ما يفيده الإنسان من المال وغيره. الرابعة: فيه حجة لقول مالك في عدم قضاء سنة الفجر (٤)، قَالَ أشهب: سئل مالك: هل ركع ﷺ ركعتي الفجر حين نام عن صلاة الصبح حَتَّى طلعت الشمس؟ قَال: ما بلغني (٥) وقال أشهب: بلغني أنه ﷺ ركع. وقال علي بن زياد وقاله غير مالك، وهو أحب إليَّ أن

стр. 3310

يركع، وهو قول الكوفيين والثوري والشافعي (١)، وقد قَالَ مالك: إن أحب أن يركعهما من فائتة بعد طلوع الشمس فعل (٢).

стр. 3311

٣٦ - باب مَنْ صَلَّى بِالنَّاسِ جَمَاعَةً بَعْدَ ذَهَابِ الوَقْتِ ٥٩٦ - حَدَّثَنَا مُعَاذُ بْنُ فَضَالَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ قَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَّمْسُ تَغْرُبُ. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "وَاللهِ مَا صَلَّيْتُهَا". فَقُمْنَا إِلَى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضَّأْنَا لَهَا، فَصَلَّى الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ. [٥٩٨، ٦٤١، ٩٤٥، ٤١١٢ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٦٨] ذكر فيه حديث جابر بن عبد الله: أَن عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ جَاءَ يَوْمَ الخَنْدَقِ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشمْسُ، فَجَعَلَ يَسُبُّ كُفَّارَ قُرَيْشِ وقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا كِدْتُ أصَلَّي العَصْرَ حَتَّى كَادَتِ الشَمْسُ تَغْرُبُ. فقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "والله مَا صَلَّيْتُهَا". فَقُمْنَا إلى بُطْحَانَ، فَتَوَضَّأَ لِلصَّلَاةِ، وَتَوَضأْنَا لَهَا، فَصَلَّى العَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُم صَلَّى بَعْدَهَا المَغْرِبَ. الكلام عليه من وجوه: أحدها: هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا قريبًا في مواضع، منها صلاة الخوف كما ستمر بك (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢). ثانيها: بُطْحان، تقدم ضبطه قريبًا في باب: فضل العشاء.

стр. 3312

ثالثها: جاء في هذا الحديث أنه أخر صلاة العصر فقط، وجاء في "الموطأ" (١) و"صحيح بن حبان": أنها الظهر والعصر (٢)، وفي الترمذي بإسناد منقطع: والمغرب أيضًا (٣)، وكذا هو في "مسند أحمد" من حديث أبي سعيد. وفيه: وذلك قبل أن يُنزل الله في صلاة الخوف: ﴿فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ (٤) [البقرة: ٢٣٩] والجمع ممكن، فإن الخندق كان أيامًا، فكان هذا في بعض الأيام، وهذا في بعضها، وفي رواية للنسائي: انحبس عن صلاة العشاء أيضًا (٥). ولعله عن أول وقتها المعتاد. ولأحمد من حديث أبي جمعة حبيب بن سباع، وفي إسناده ابن لهيعة: أنه ﷺ عام الأحزاب صلى المغرب، فلما فرغ قَالَ: "هل علم أحد منكم أني صليت العصر؟ " قالوا: لا يا رسول الله ما صليتها. فأمر المؤذن فأقام فصلى العصر، ثم أعاد المغرب (٦).

стр. 3313

وحمله ابن شاهين عَلَى أنه ذكرها وهو في الصلاة؛ لأنه لا يعيدها بعد تمامها، وفيه نظر. رابعها: فيه دلالة عَلَى جواز سب المشركين؛ للتقرير عليه، والمراد ما ليس بفاحش، إذ هو اللائق بمنصب عمر ﵁. خامسها: مقتضى الحديث أن عمر صلى العصر قبل المغرب؛ لأن النفي إذا دخل عَلَى (كَادَ) اقتضى وقوع الفعل في الأكثر، كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: ٧١] والمشهور في كاد أنها إذا كانت في سياق النفي أوجبت، فإن كانت في سياق الإيجاب نفت، وقيل: النفي نفي، والإيجاب إيجاب، وكلاهما وقع في كلام عمر، فالأول قوله: ما كدت أصلي العصر. والثاني: حتى كادت الشمس تغرب، وفي رواية البخاري في باب: قضاء الفوائت الأولى فالأولى أن عمر قَالَ: ما كدت أصلي العصر حَتَّى غربت الشمس (١) وليحمل عَلَى أنها قاربت الغروب، ومثل هذِه روايته في باب: قول الرجل ما صلينا، ما كدت أن أصلي حَتَّى كادت الشمس تغرب، وذلك بعدما أفطر الصائم (٢).

стр. 3314

سادسها: ورد في رواية أخرى في مسلم: حَتَّى كادت الشمس أن تغرب (١)، بإثبات أن، فاستدل به عَلَى إثبات أن في خبر كاد، والكثير حذفها كما في رواية الكتاب. سابعها: فيه: جواز الحلف من غير استحلاف، إذا بنيت عَلَى ذَلِكَ مصلحة دينية، وهو كثير في القرآن، وقد قيل: إنما حلف تطيبًا لقلب الفاروق، وقيل: للإشفاق منه عَلَى تركها، وقيل: يحتمل أنه تركها نسيانًا لاشتغاله بالقتال، فلما قَالَ عمر ذَلِكَ تذكر، وقال: والله ما صليتها، وفي مسلم: والله إن صليتها (٢)، وإن بمعنى ما. ثامنها: ظاهره أنه صلاهما جماعة، فيكون فيه دلالة عَلَى مشروعية الجماعة في الفائتة، وهو إجماع، وشذ الليث فمنع من ذَلِكَ، ويرد عليه هذا الحديث وحديث الوادي. تاسعها: فيه: دلالة عَلَى أن من فاتته صلاة وذكرها في وقت آخر ينبغي له أن يبدأ بالفائتة ثم بالحاضرة، وهذا إجماع. لكنه عند الشافعي وطائفة وابن القاسم وسحنون عَلَى سبيل الاستحباب (٣)، وعند مالك وأبي حنيفة

стр. 3315

وآخرين عَلَى الإيجاب، حَتَّى قدمها مالك إذا خشي فوات الحاضرة (١)، واتفق مالك وأصحابه عَلَى أن حكم الأربع فما دونها حكم صلاة واحدة يبدأ بهن وإن خرج الوقت. واختلفوا في خمس، وعند أبي حنيفة الكثير ست، وفي قول محمد خمس (٢). وقال زفر: من ترك صلاة شهر بعد المتروكة لا تجوز الحاضرة (٣). وقال ابن أبي ليلى: من ترك صلاة لا تجوز صلاة سنة بعدها. ثم اعلم أنه إذا ضم إلى هذا الحديث الدليل عَلَى اتساع وقت المغرب إلى مغيب الشفق، لم يكن فيه دلالة عَلَى وجوب الترتيب في القضاء؛ لأن الفعل بمجرده لا يدل عَلَى الوجوب عَلَى المختار عند الأصوليين، وإن ضم إليه الدليل عَلَى تضيق وقت المغرب كان فيه دلالة على وجوب البداءة بها عند ضيق الوقت، وحديث: "لا صلاة لمن عليه صلاة" (٤) لا يعرف، وحديث: "من نسي صلاة فلم يذكرها إلا مع الإمام فليصل مع الامام، فإذا فرغ من صلاته فليصل التي نسي، ثم ليعد صلاته التي صلى مع الإمام" (٥) الصحيح وقفه عَلَى ابن عمر،

стр. 3316

وأظهر الروايتين عن أبي حنيفة أنه إذا صلى الحاضرة وتذكر في أثنائها فائتة أنه إن مضى فيها تقع تطوعًا فيقطعها ويصلى الفائتة، وعنه رواية أخرى: لا تقع تطوعًا. وقيل: يصلى ركعتين ويسلم (١) عاشرها: قد يحتج به من يرى امتداد المغرب إلى مغيب الشفق؛ لأنه قدم العصر عليها، ولو كان ضيقًا لبدأ بالمغرب؛ لئلا يفوت وقتها أيضًا، وفيه منزع مالك السالف. الحادي عشر: فيه دلالة عَلَى عدم كراهية قول القائل: ما صليت، وسيأتي أن البخاري روى عن ابن سيرين أنه كره أن يقال: فاتتنا، وليقل: لم ندرك، قَالَ البخاري: وقول النبي ﷺ أصح (٢). الثاني عشر: هذا الحديث كان قبل نزول صلاة الخوف كما سلف، فلا حجة فيه لمن قَالَ بتأخيرها في حالة الخوف إلى الأمن.

стр. 3317

٣٧ - باب مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَليُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، وَلَا يُعِيدُ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدة. ٥٩٧ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ وَمُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَا: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِىَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَهَا، لَا كَفَّارَةَ لَهَا إِلاَّ ذَلِكَ". ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤] قَالَ مُوسَى: قَالَ هَمَّامٌ: سَمِعْتُهُ يَقُولُ بَعْدُ: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾ [طه: ١٤]. وَقَالَ حَبَّانُ: حَدَّثَنَا هَمَّامٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . نَحْوَهُ. [مسلم: ٦٨٤ - فتح ٢/ ٧٠] ذكر فيه أثرًا وحديثًا من طريقين عن أنس ﵁. أما الأثر فقال: وَقَالَ إِبْرَاهِيمُ: مَنْ تَرَكَ صَلَاةً وَاحِدَةً عِشْرِينَ سَنَةً لَمْ يُعِدْ إِلَّا تِلْكَ الصَّلَاةَ الوَاحِدَةَ. ذكر الداودي فيما حكاه عنه ابن التين عن الحسن أنه قال: يعيد ما بعدها، وهذا إذا تركها ناسيًا فيعيدها وما أدرك وقته عند مالك وإن كان ذاكرًا لها وصلى صلوات كثيرة، ففي "المدونة": يعيدها وحدها. وشذ بعض الناس فقال: لا تقضى. كما ستعلمه. وأما الحديث: فأخرجه من طريق همام عن قتادة في أنس عن النبي ﷺ قَالَ: "مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلْيُصَلِّ إِذَا ذَكَرَ، لَا كَفارَةَ لَهَا إِلا ذَلِكَ". ﴿وَأَقِمِ اَلصَّلَاةَ لِذِكْرِى﴾. ثم قَالَ: وَقَالَ حَبَّانُ: ثنَا هَمَّامٌ، ثنَا قَتَادَةُ، ثنَا أَنَسٌ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ ، نَحْوَهُ.

стр. 3318

وهذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١). وساق الثانية تعليقًا للتصريح بالسماع. وفي النسائي عن ابن شهاب أنه كان يقرأ: (للذكرى) (٢). ثم الحديث دال عَلَى وجوب القضاء عَلَى النائم والناسي، كثرت الصلاة أو قلت، وهذا مذهب العلماء كافة. وشذَّ بعضهم فيمن زاد عَلَى خمس صلوات أنه لا يلزمه قضاء، حكاه القرطبي (٣) ولا يعبأ به، فإن تركها عامدًا فالجمهور عَلَى وجوب القضاء أيضًا إلا ما حكي عن داود وجمع يسير، عدَّدهم ابن حزم، منهم خمسة من الصحابة، وأطال ابن حزم في المسألة وأفحش كعادته (٤). احتج الجمهور بالقياس عَلَى الناسي، وهو من باب التنبيه بالأدنى عَلَى الأعلى، ومن نفي القياس فغير معتد بخلافه، وقد قَالَ ﷺ : "فليصلها إذا ذكرها" والعامد ذاكر لها، ثم المراد بالنسيان: الترك، سواء كان مع ذهول أو لم يكن، قَالَ تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: ٦٧] أي: تركوا معرفته وأمره فتركهم في العذاب، ثم الكفارة إنما تكون عن ذنب غالبًا، والنائم والناسي ليس بآثم، فتعين العامد.

стр. 3319

وقوله تعالى: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] لتذكرني فيها عَلَى أحد التأويلات، وأيضًا القضاء يجب بالخطاب الأول، وخروج وقت العبادة لا يسقط وجوبها؛ لأنها لازمة في الذمة كالدين، وإنما تسقط بفعلها ولم يوجد، وبالقياس عَلَى قضاء رمضان، وهذا يئول إلى إسقاط فرض الصلاة عن العباد، وقد ترك ﷺ العصر وغيرها يوم الخندق لشغل القتال ثم أعادها. وقوله: "لا كفارة لها إلا ذلك " أي فعلها لا غير، ولا تخالف بينه وبين الحديث الآخر: "ليس في النوم تفريط" (١) وحديث: "وضع الله عن أمتي الخطأ والنسيان" (٢) فإن الكفارة قد تكون مع الخطأ كما في قتل الخطأ. وقوله: ("إذا ذكر") يحتج به من يقضي الفوائت في الوقت المنهي عن الصلاة فيه. وقوله: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: ١٤] هو عام في كل الأوقات وبينة عَلَى تبويب هذا الحكم وأخذه من الآية التيم تضمنت الأمر لموسى ﵇ بذلك، وأن هذا يلزمه اتباعه فيه. والمراد بالذكرى: تذكرها، هذا هو الظاهر؛ لأنه احتج بها عَلَى من نام عن صلاة أو نسيها. وقال مجاهد: لتذكرني فيها (٣)، وقد سلف. وقيل: إذا ذكرتني، وقد سلف أنه قرئ: (للذكرى)، ووجه إضافة

стр. 3320

الذكرى إلى الله تعالى أن الصلاة عبادة له، فمتى ذكرها ذكر المعبود، وهذِه القراءة أشبه بالتأويل الأول، وكأنه أراد: لذكرها، فناب عن الضمير.

стр. 3321

٣٨ - باب قَضَاءِ (الفَوَائتِ) (١) الأُولَى فَالأُولَى ٥٩٨ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَال: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُو: ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ- عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ: جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ: فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ. [انظر: ٥٩٦ - مسلم: ٦٣١ - فتح: ٢/ ٧٢] ذكر فيه حديث جابر السالف في باب من صلى بالناس جماعة قريبًا (٢): حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنْ هِشَامٍ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى -هُوَ ابْنُ أَبِي كَثِيرٍ-، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ جَعَلَ عُمَرُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ يَسُبُّ كُفَّارَهُمْ وَقَالَ: مَا كِدْتُ أُصَلِّي الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ. قَالَ فَنَزَلْنَا بُطْحَانَ، فَصَلَّى بَعْدَ مَا غَرَبَتِ الشَّمْسُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ.

стр. 3322

٣٩ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ السَّمَرِ بَعْدَ العِشَاءِ ٥٩٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الْمِنْهَالِ قَالَ: انْطَلَقْتُ مَعَ أَبِي إِلَى أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِىِّ، فَقَالَ لَهُ أَبِي: حَدِّثْنَا كَيْفَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ؟ قَالَ: كَانَ يُصَلِّى الْهَجِيرَ وَهْيَ الَّتِي تَدْعُونَهَا الأُولَى حِينَ تَدْحَضُ الشَّمْسُ، وَيُصَلِّي الْعَصْرَ، ثُمَّ يَرْجِعُ أَحَدُنَا إِلَى أَهْلِهِ فِي أَقْصَى الْمَدِينَةِ وَالشَّمْسُ حَيَّةٌ. وَنَسِيتُ مَا قَالَ فِي الْمَغْرِبِ. قَالَ: وَكَانَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يُؤَخِّرَ الْعِشَاءَ. قَالَ: وَكَانَ يَكْرَهُ النَّوْمَ قَبْلَهَا وَالْحَدِيثَ بَعْدَهَا، وَكَانَ يَنْفَتِلُ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ حِينَ يَعْرِفُ أَحَدُنَا جَلِيسَهُ، وَيَقْرَأُ مِنَ السِّتِّينَ إِلَى المِائَةِ. [انظر: ٥٤١ - مسلم: ٤٦١، ٦٤٧ - فتح: ٢/ ٧٢] ذكر فيه حديث أبي برزة السالف في وقت الظهر (١) وغيره: وفيه: كان يكره النوم قبلها والحديث بعدها. وكره الشارع السمر بعد العشاء خوف الاستغراق فيشتغل عن قيام الليل وصلاة الصبح، أو غيره من مصالح الآخرة والدنيا. وكان عمر ﵁ يضرب الناس عَلَى الحديث بعد العشاء ويقول: أسمرًا أول الليل ونومًا آخره؟ وقال سلمان الفارسي: إياكم والسمر أول الليل فإنه مهدمة لآخره، فمن فعل ذَلِكَ فليصل ركعتين قبل أن يأوي إلى فراشه (٢). وأما السمر في العلم والخير فجائز كما فعله الشارع وأصحابه كما ستعلمه.

стр. 3323

٤٠ - باب السَّمَرِ فِي الفِقْهِ وَالْخَيِرْ بَعْدَ العِشَاءِ ٦٠٠ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الصَّبَّاحِ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَنَفِيُّ، حَدَّثَنَا قُرَّةُ بْنُ خَالِدٍ قَالَ: انْتَظَرْنَا الْحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قَرُبْنَا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هَؤُلَاءِ. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لَنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "أَلَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِى صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". قَالَ الْحَسَنُ: وَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يَزَالُونَ بِخَيْرٍ مَا انْتَظَرُوا الْخَيْرَ. قَالَ قُرَّةُ: هُوَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٧٣] ٦٠١ - حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ، أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ قَامَ النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ اللهِ ﵇ إِلَى مَا يَتَحَدَّثُونَ مِنْ هَذِهِ الأَحَادِيثِ عَنْ مِائَةِ سَنَةٍ، وَإِنَّمَا قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ الْيَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ" يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ الْقَرْنَ. [انظر: ١١٦ - مسلم: ٢٥٣٧ - فتح: ٢/ ٧٣] ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث قرة بن خالد: قَالَ: انْتَظَرْنَا الحَسَنَ وَرَاثَ عَلَيْنَا حَتَّى قريبًا مِنْ وَقْتِ قِيَامِهِ، فَجَاءَ فَقَالَ: دَعَانَا جِيرَانُنَا هؤلاء. ثُمَّ قَالَ: قَالَ أَنَسٌ: نَظَرْنَا النَّبِيَّ ﷺ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى كَانَ شَطْرُ اللَّيْلِ يَبْلُغُهُ، فَجَاءَ فَصَلَّى لنَا، ثُمَّ خَطَبَنَا فَقَالَ: "ألَا إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا ثُمَّ رَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". ثانيهما: حديث ابن عمر: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ صَلَاةَ العِشَاءَ فِي آخِرِ

стр. 3324

حَيَاتِهِ، فَلَمَّا سَلَّمَ (قَامَ) (١) النَّبِيُّ ﷺ فَقَالَ: "أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هذِه؟ فَإِنَّ رَأْسَ مِائَةٍ لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ اليَوْمَ عَلَى ظَهْرِ الأَرْضِ أَحَدٌ". فَوَهِلَ النَّاسُ فِي مَقَالَةِ رَسُولِ الله ﷺ ، وفي آخره: يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا تَخْرِمُ ذَلِكَ (٢) القَرْنَ. أما الحديث الأول: فأخرجه مسلم من حديث قرة، عن قتادة، عن أنس (٣)، والبخاري أبدل قتادة بالحسن، وسلف في العشاء من حديث حميد عن أنس (٤). ومعنى (راث): أبطأ وتأخر، وهو بغير همز. قَالَ ابن التين: ورويناه بالهمز، ولا أعلمه به في كلام العرب (٥). ومعنى (نظرنا): انتظرنا. وقوله: (كان شطر الليل يبلغه). قيل: إن (كان) هنا زائدة. قَالَ ابن بطال: التقدير: حَتَّى كان شطر الليل، أو كاد يبلغه، والعرب قد تحذف كاد كثيرًا من كلامها لدلالة الكلام عليه، كقولهم في أظلمت الشمس: كادت تظلم. ومنه قوله تعالى: ﴿وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ﴾ [الأحزاب: ١٠] أي كادت من شدة الخوف تبلغ الحلوق (٦). وأما الحديث الثاني: فسلف في باب: ذكر العشاء (٧)، والعلم أيضًا (٨). وفي سياقته في هذا الباب متابعة شعيب بن عبد الرحمن وتصريح سماع الزهري من سالم.

стр. 3325

و (هل) -بفتح الهاء ويجوز كسرها- أي: ذهبت أوهامهم إلى ذَلِكَ (١). ومعنى (ينخرم ذَلِكَ القرن): ينقطع وينقضى (٢). وهذان الحديثان عَلَى أن السمر المنهي عنه بعد العشاء إنما هو فيما لا ينبغي، ألا ترى استدلال الحسن البصري حين سمر عند جيرانه لمذاكرة العلم بسمر الشارع إلى قريب من شطر الليل في شغله بتجهيز الجيش أو غيره مما سلف، ثم خرج فصلى بهم وخطبهم مؤنسًا لهم ومرغبًا ومعْلِمًا ومعَلِّمًا. ولعل البخاري أراد بقوله: (بعد العشاء). أي: بعد فعلها؛ لأن الموافقة كانت كذلك في الحديثين. وروى ابن أبي شيبة والترمذي محسنًا من حديث عمر قَالَ: كان رسول الله ﷺ يسمر عند أبي بكر في الأمر من أمور المسلمين وأنا معه، وصلى عَلَى العتمة. فاستفتي حتى أذن بصلاة الصبح فقال: "قوموا فأوتروا، فإنا لم نوتر" (٣) وكان ابن سيرين والقاسم وأصحابه يتحدثون بعد العشاء (٤). وقال مجاهد: يكره السمر بعد العشاء إلا لمصلٍ أو مسافر أو دارس علمٍ (٥).

стр. 3326

٤١ - باب السَّمَرِ مَعَ الضَّيْفِ وَالأَهْلِ ٦٠٢ - حَدَّثَنَا أَبُو النُّعْمَانِ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا أَبُو عُثْمَانَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا أُنَاسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أَرْبَعٌ فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ". وَأَنَّ أَبَا بَكْرٍ جَاءَ بِثَلَاثَةٍ، فَانْطَلَقَ النَّبِيُّ ﷺ بِعَشَرَةٍ، قَالَ: فَهْوَ أَنَا وَأَبِي وَأُمِّي -فَلَا أَدْرِى قَالَ: وَامْرَأَتِى- وَخَادِمٌ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ. وَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ تَعَشَّى عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ لَبِثَ حَيْثُ صُلِّيَتِ الْعِشَاءُ، ثُمَّ رَجَعَ فَلَبِثَ حَتَّى تَعَشَّى النَّبِيُّ ﷺ فَجَاءَ بَعْدَ مَا مَضَى مِنَ اللَّيْلِ مَا شَاءَ اللهُ، قَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: وَمَا حَبَسَكَ عَنْ أَضْيَافِكَ؟ -أَوْ قَالَتْ: ضَيْفِكَ- قَالَ: أَوَمَا عَشَّيْتِيهِمْ؟ قَالَتْ: أَبَوْا حَتَّى تَجِئَ، قَدْ عُرِضُوا فَأَبَوْا. قَالَ: فَذَهَبْتُ أَنَا فَاخْتَبَأْتُ، فَقَالَ: يَا غُنْثَرُ، فَجَدَّعَ وَسَبَّ، وَقَالَ: كُلُوا لَا هَنِيئًا. فَقَالَ: وَاللهِ لَا أَطْعَمُهُ أَبَدًا، وَايْمُ اللهِ مَا كُنَّا نَأْخُذُ مِنْ لُقْمَةٍ إِلاَّ رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا. قَالَ: يَعْنِي: حَتَّى شَبِعُوا وَصَارَتْ أَكْثَرَ مِمَّا كَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ، فَنَظَرَ إِلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ فَإِذَا هِىَ كَمَا هِىَ أَوْ أَكْثَرُ مِنْهَا، فَقَالَ لاِمْرَأَتِهِ: يَا أُخْتَ بَنِى فِرَاسٍ، مَا هَذَا؟ قَالَتْ: لَا وَقُرَّةِ عَيْنِي، لَهِىَ الآنَ أَكْثَرُ مِنْهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ. فَأَكَلَ مِنْهَا أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ: إِنَّمَا كَانَ ذَلِكَ مِنَ الشَّيْطَانِ -يَعْنِي: يَمِينَهُ- ثُمَّ أَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً، ثُمَّ حَمَلَهَا إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَأَصْبَحَتْ عِنْدَهُ، وَكَانَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ عَقْدٌ، فَمَضَى الأَجَلُ، فَفَرَّقَنَا اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا، مَعَ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ أُنَاسٌ، اللهُ أَعْلَمُ كَمْ مَعَ كُلِّ رَجُلٍ، فَأَكَلُوا مِنْهَا أَجْمَعُونَ، أَوْ كَمَا قَالَ [٣٥٨١، ٦١٤٠، ٦١٤١ - مسلم: ٢٠٥٧ - فتح: ٢/ ٧٥]

стр. 3327

ذكر فيه حديث عبد الرحمن بن أبي بكر: أَنَّ أَصْحَابَ الصُّفَّةِ كَانُوا ناسًا فُقَرَاءَ، وَأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "منْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامُ اثْنَيْنِ فَلْيَذْهَبْ بِثَالِثٍ، وَإِنْ أربعة فَخَامِسٌ أَوْ سَادِسٌ" الحديث بطوله. والبخاري أورده مطولًا ومختصرًا في مواضع، منها هنا، وعلامات النبوة (١)، والأدب (٢)، وأخرجه مسلم في الأطعمة (٣)، وهو ظاهر لما ترجم له هنا، وهو السمر مع الضيف والأهل، وهو من السمر المباح، وتلك كانت أخلاقهم وأحوالهم، فإنه قَالَ لزوجته: أوما عشيتهم، ويا أخت بني فراس. وقال لولده: يا غنثر. وقال لأضيافه: كلوا. ثم الكلام عليه من وجوه: أحدها: الصفة: موضع مظلل من المسجد كان للمساكين والمهاجرين والغرباء يأوون إليه، ويقال لهم أيضًا: الأوفاض. وذكرهم صاحب "الحلية" وعدَّ منهم مائة ونيفًا (٤). ثانيها: قوله: ("من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث") هذا هو الصواب، وهو أصح من رواية مسلم: "فليذهب بثلاثة" لأن ظاهرها صيرورتهم خمسة، وحينئذ لا يمسك رمق أحد، بخلاف الواحد مع

стр. 3328

الاثنين، فتأول عَلَى أن المراد: فليذهب بتمام ثلاثة كما قَالَ تعالى: ﴿وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ١٠] أي: في تمامها، فطعام الواحد كافي الاثنين، وطعام الاثنين كافي الثلاثة كما صح في الخبر (١)، والكفاية غير الشبع، فتأمله. ثالثها: قوله: ("وإن أربع فخامس أو سادس") (أو) هنا للتنويع، وقيل: للإباحة. وفي مسلم: "من كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس أو بسادس" (٢) ووجه ذَلِكَ أن تشريك الزائد عَلَى الأربعة لا يضر بالباقين، وكانت المواساة إذ ذاك واجبة؛ لشدة الحال، وزاد ﷺ واحدًا واحدًا؛ رفقًا بصاحب العيال، وضيق معيشة الواحد والاثنين أرفق بهم من ضيق معيشة الجماعات. رابعها: فيه: فضيلة الإيثار والمواساة، وأنه عند كثرة الأضياف يوزعهم الإمام عَلَى أهل المحلة، ويعطي لكل منهم ما يعلم أنه يحتمله، وياخذ هو ما يمكنه، ومن هذا أخذ عمر ﵁ فعله في عام الرمادة إذ كان يلقي عَلَى أهل كل بيت مثلهم من الفقراء، ويقول: لن يهلك امرؤ عن نصف قوته (٣). وكانت الضرورة ذَلِكَ العام أشد، وقد تأول سفيان بن عيينة في المواساة في المسغبة قوله تعالى: ﴿إِنَّ اْللَّهَ

стр. 3329

﴿اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾ [التوبة: ١١١] ومعناه: أن المؤمنين يلزمهم الفربة قي أموالهم لله تعالى عند توجه الحاجة إليهم، ولهذا قَالَ كثير من العلماء: إن في المال حقًّا سوى الزكاة، وورد أيضًا في الترمذي مرفوعًا (١). خامسها: قوله: (وإن أبا بكر جاء بثلاثة، وانطلق النبي ﷺ بعشرة) هذا مبين لما كان عليه الشارع من الأخذ بأفضل الأمور والسبق إلى السخاء والجود، فإن عياله ﵇ كانوا قريبًا من عدد ضيفانه هذِه الليلة، فآسى بنصف طعامه أو نحوه، وآسى أبو بكر بثلث طعامه أو أكثر. قَالَ -يعني: عبد الرحمن بن الصديق-: فهو أنا وأبي وأمي. ولا أدري هل قَالَ: وامرأتي وخادم. سادسها: أمه أم رومان، بضم الراء وفتحها. قَالَ السهيلي: اسمها: دعد. وقال غيره: زينب، وهي من بني فراس بن غنم بن مالك بن كنانة (٢).

стр. 3330

سابعها: قوله: (وخادم بيننا وبين أبي بكر) كذا في الرواية، وفي أخرى: بين بيتنا وبيت أبي بكو (١). ثامنها: قوله: (وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله ﷺ ) فيه فوائد: الأولى: أكل الصديق عند صديقه. الثانية: جواز من عنده ضيفان أن يقبل على مصالحه وأشغاله إذا كان له من يقوم أمورهم كما كان الصديق. الثالثة: ما كان عليه الصديق من الحب لرسول الله ﷺ ، والانقطاع إليه، وإيثاره في ليله ونهاره عَلَى الأهل والولد والضيف وغيرهم. تاسعها: قوله: (ثم لبث حيث صليت العشاء ثم رجع) كذا في رواية. وفي أخرى: حَتَّى صلى العشاء ورجع (٢). بالجيم. وفي "صحيح الإسماعيلي": ركع بالكاف. وقوله: (فلبث حَتَّى تعشى النبي ﷺ ). في مسلم: حَتَّى نعس (٣) بدل: تعشى، وهو ظاهر. عاشرها: قوله: (قالت له امرأته -يعني: أم رومان-: ما حبسك عن أضيافك؟) فيه أن الحاضر يرى ما لا يرى الغائب، فإنها ﵂ لما رأت أن الضيفان تأخروا عن الأكل قالت كذلك، فبادرت
следующие страницы →