← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 3921–3960 · переход к 3926.

стр. 3921

أما أم الدرداء الكبرى فهي خيرة بنت أبي حدرد الأسلمي، نزلت الشام وتوفيت في إمرة عثمان (١). و (الِجلسة) -بكسر الجيم-: الحالة التي يكون عليها الجالس. قَالَ ابن التين: وكذا رويناه. ثمَّ ذكر البخاري بعد ذَلِكَ حديث ابن عمر وحديث أبي حميد. أما حديث ابن عمر فرواه مالك عن عبد الرحمن ابن القاسم عن عبد الله بن عبد الله أنه كان ير عبد الله بن عمريتربع في الصلاة ففعلته -وأنا يومئذ حديث السن- فنهاني عبد الله بن عمر، وقال: إنها سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني رجلك اليسرى فقلت: إنك تفعل ذلك، قال: إن رجليَّ لا تحملاني (٢). وللنسائي: من سنة الصلاة أن تنصب القدم اليمنى واستقبالك بأصابعها القبلة، والجلوس عَلَى اليسرى (٣). وفي رواية: من سنة الصلاة أن تضجع رجلك اليسرى وتنصب اليمنى (٤). وللبيهقي: من حديث مالك عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد كان إِذَا جلس في التشهد نصب رجله اليمنى وثنى اليسرى، وجلس عَلَى وركه اليسرى، ولم يجلس عَلَى قدمه ثمَّ قَالَ: أراني

стр. 3922

عبد الله بن عبد الله بن عمر وحَدَّثَنِي أن أباه كان يفعل ذَلِكَ (١). وللإسماعيلي: مالك عن عبد الرحمن بن القاسم عن أبيه عبد الله، وكذا رواه ابن نافع، والأكثرون عن القعنبي فقالوا: عن أبيه. وفي "الموطآت" للدارقطني: وقال عبد الرزاق، عن مالك: صلى ابن عمر متربعًا ففعلت. الحديث. وقول ابن عمر: (إن رجلاي لا تحملاني) يريد أنه كان فُدِعَ بخيبر فلم يقدر عَلَى أكثر مما فعل. وقوله: (رجلاي). قَالَ ابن التين: كذا روي ويُحتمل وجهان: أن تكون (أن) بمعنى نعم. كقوله: ويقلن شيب قَدْ علاك … وقد كبرت، فقلت: إنه ويحتمل أن يريد ما ذكر عن بعض العرب أن التثنية عَلَى صفة واحدة في حال الرفع والنصبِ والجر، كقوله تعالى: ﴿إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ [طه:٦٣]. وقوله: إن أباها وأبا أباها … قَدْ بلغا في المجد غايتاها ولم يقل: غايتيها. وليس هناك ضرورة شعر. وهذا الحديث من المسند؛ لأن الصحابي إِذَا قَالَ سنة فإنما يريد سنة النبي ﷺ ، ولا يرد عَلَى ذَلِكَ قول عليّ لما حلف الوليد بن عقبة: جلد رسول الله ﷺ كذا، وجلد أبو بكر كذا، وكلٌّ سنة (٢)؛ لأنه أراد بالنسبة إلى فعل أبي بكر: الطريقة.

стр. 3923

وقول ابن عمر: (سنة الصلاة أن تنصب رجلك اليمنى وتثني اليسرى). هي صفة جلوس الصلاة عند مالك (١). الحديث الثاني: حديث أبي حميد أخرجه عن يَحْيَى عن بُكَيْرٍ ثنا اللَّيْثُ، عَنْ خَالِدٍ بن يزيد، عَنْ سَعِيدٍ يعني ابن أبي هلال، عَنْ مُحَمَّد بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ. قال: وحدثني اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، وَيزِيدَ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَلْحَلَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عَمْرِو بْنِ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا مَعَ نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ- ﷺ ، فَذَكَرْنَا صَلَاةَ رسول الله ﷺ ، فَقَالَ أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ: أَنَا كُنْتُ أَحْفَظَكُمْ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ ، رَأَيْتُهُ إِذَا كَبَّرَ جَعَلَ يَدَيْهِ حِذَاءَ مَنْكِبَيْهِ، وَإِذَا رَكَعَ أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ هَصَرَ ظَهْرَهُ، فَإِذَا رَفَعَ رَأُسَهُ اسْتَوى حَتَّى يَعُودَ كُلُّ فَقَارٍ مَكَانَهُ، فَإذَا سَجَدَ وَضَعَ يَدَيْهِ غَيْرَ مُفْتَرِشٍ وَلَا قَابِضِهِمَا، وَاسْتَقْبَلَ بِأَطْرَافِ أَصَابعِ رِجْلَيْهِ القِبْلَةَ، فَإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ جَلَسَ عَلَى رِجْلِهِ اليُسْرى وَنَصَبَ اليُمْنَى فإذا جلس فِي الركعتين جلس على رجله اليسرى، ونصب الأخرى وقعد على مقعدته، وفي نسخة: وإِذَا جَلَسَ فِي الرَّكْعَةِ الأخيرة قَدَّمَ رِجْلَهُ اليُسْرى وَنَصَبَ الأُخْرى. قال أبو عبد الله: وَسَمِعَ اللَّيْثُ يَزِيدَ بْنَ أَبِي حَبِيبٍ، وَيزِيدُ مِنْ مُحَمَّدِ ابْنِ عمر بن حَلْحَلَةَ، وَابْنُ حَلْحَلَةَ عن عَطَاءٍ. قَالَ أَبُو صَالِحٍ، عَنِ اللَّيْثِ: كُلُّ فَقَارٍ. وَقَالَ ابن المُبَارَكِ، عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ قَالَ: حَدَّثَنِي يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ، أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ عَمْرٍو حَدَّثهُ: كُلُّ فَقَارٍ.

стр. 3924

الشرح: تعليق أبي صالح عن الليث رواه الطبراني في أكبر معاجمه: ثنا مطلب بن شعيب الأزدي، ثنا عبد الله بن صالح، حَدَّثَنِي الليث، عن يزيد بن محمد القرشي ويزيد بن أبي حبيب، فذكره. وأخرجه ابن خزيمة من حديث سهل بن سعد وأبي حميد وأبي أسيد الساعدي (١)، وفي لفظ عبد الحميد: وفيهم أبو قتادة (٢). واعترض ابن القطان فقال: أبو قتادة مات زمن علي، وسن محمد بن عمرو نقص من إدراك ذَلِكَ، وقد قيل في وفاة أبي قتادة: سنة أربع وخمسين ولم يصح (٣). قُلْتُ: محمد بن عمرو سمع أبا قتادة كما صرح به ابن حبان في "ثقاته" (٤)، وما ضعفه في وفاته هو ما ذكره البخاري والترمذي وخلائق. و (الفقار) بفتح الفاء وكسرها كما سلف، وصوب ابن قرقول الفتح، وقول أبي صالح عن الليث: كل قفار بتقديم القاف، كذا للأصيلي كما ذكره ابن قرقول، وعند ابن السكن بكسر الفاء ولغيرهما فتحها، وصححه ابن التين وقال: إنه الذي رويناه، قَالَ: ورواية أبي صالح: قفار، بسبق القاف وكسرها، وليس ببين، وإنما الفقار جمع فقر (٥)، وهي الفقار.

стр. 3925

واختلف العلماء في صفة الجلوس في الصلاة، فذهب قوم إلى حديث ابن عمر وقالوا: سنة الجلوس في الصلاة كلها وبين السجدتين أن ينصب رجله اليمنى، ويثني اليسرى، ويقعد على وركه الأيسر حتىَّ يستوي قاعدًا. هذا قول مالك (١)، وروي عن النخعي وابن سيرين. وذهب آخرون إلى حديث أبي حميد وقالوا: إنما القعود في آخر الصلاة، فكما قَالَ أهل المقالة الأولى لأن الجلسة الآخرة فيه متقاربة كما قَالَ ابن عمر، وأما الأولى فعلى الرجل اليسرى على ما في حديث أبي حميد، هذا قول الشافعي وأحمد وإسحاق، وعن أحمد: يفترش في الثانية ويتورك في آخر الرباعية (٢). وذهب الثوري والكوفيون في الجلوس كله إلى الجلسة الأولى من حديث أبي حميد، وهو الافتراش (٣). حجة الأولين قول ابن عمر: "إن ذَلِكَ سنة الصلاة". وهو مرفوع كما سلف. وحجة الثانية حديث أبي حميد كما سلف ولم ينكر عليه، فدل عَلَى أنه السنة. وحجة الثالثة حديث وائل بن حجر أنه ﷺ كان إِذَا جلس في الصلاة فرش رجله اليسرى ثمَّ قعد عليها (٤)، وجمع بعضهم بأن هذِه أحوال

стр. 3926

جائزة كلها، وقد روي عن جماعة من السلف أنهم كانوا يقعدون متربعين في الصلاة، كما كان يفعل ابن عمر منهم ابن عباس وأنس، وفعله سالم وعطاء وابن سيرين ومجاهد، وأجازه الحسن في النافلة (١)، وكرهه ابن مسعود وقال: لأن أصلي على رضفتين أحبُّ إلى من أن أتربع في الصلاة، وكرهه الحسن والحكم (٢)، وحكمه التفرقة بين الجلوس أنه أقرب إلى تذكر الصلاة وعدم اشتباه عدد الركعات، ولأن الأول بعضه حركة بخلاف الثاني، وليتوقر للدعاء، ولأن المسبوق إِذَا رآه علم في أي التشهدين هو. قَالَ الشافعي: حديث أبي حميد صريح في التفرقة بينهما، وبقية الأحاديث مطلقة فيجب حملها عليه، فمن روى التورك أراد الآخر ومن روى الافتراش أراد الأول (٣). وقول أبي حميد: (أنا كنت أحفظكم لصلاة رسول الله ﷺ ). فيه جواز ذَلِكَ للعالم ليؤكد ذَلِكَ عند سامعه لما في التعليم من الأجر. وقوله: (كنت). يعني: فيما مضى وما يأتي، فيصف نفسه بالعناية لهذا الأمر وتحفظه عليه (٤).

стр. 3927

١٤٦ - باب مَنْ لَمْ يَرَ التَّشَهُّدَ الأَوَّلَ وَاجِبًا؛ لأَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَامَ مِنَ الرَّكْعَتَين وَلَمْ يَرْجِعْ ٨٢٩ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ -مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ- أَنَّ عَبْدَ اللهِ ابْنَ بُحَيْنَةَ -وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، وَهْوَ حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، وَكَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ . أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ لَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالِسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. [٨٣٠، ١٢٢٤، ١٢٢٥، ١٢٣٠، ٦٦٧٠ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٢/ ٣٠٩] ذكر فيه حديث الزهري عن عبد الرحمن بن هرمز مَوْلَى بَنِي عَبْدِ المُطَّلِبِ، وَقَالَ مَرَّةً: مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -أن عَبْدَ اللهِ ابن بُحَيْنَةَ- وَهْوَ مِنْ أَزْدِ شَنُوءَةَ، حَلِيفٌ لِبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ، أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى بِهِمُ الظُّهْرَ فَقَامَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الأُولَيَيْنِ ولَمْ يَجْلِسْ، فَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ حَتَّى إِذَا قَضَى الصَّلَاةَ، وَانْتَظَرَ النَّاسُ تَسْلِيمَهُ، كَبَّرَ وَهْوَ جَالسٌ، فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلَّمَ ثُمَّ سَلَّمَ. هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١) وترجم لَهُ عَقَبهُ باب: التشهد في الأولى وباب: إِذَا حنث ناسيًا من الأيمان والنذور (٢). وعند مسلم: وقال الليث، عن ابن شهاب: قام في صلاة الظهر وعليه جلوس، فلما أتم صلاته سجد سجدتين يكبر في كل سجدة وهو جالس قبل أن يسلم، وسجدهما الناس معه مكان ما نسي من الجلوس.

стр. 3928

قَالَ النووي في "شرح مسلم": قوله: حليف بني عبد المطلب. كذا وقع في مسلم، والذي ذكره ابن سعد (١) وغيره أنه حليف بني المطلب بن عبد مناف (٢)، وكان جده حالف المطلب بن عبد مناف (٣). هذا كلامه، وكأنه اعتقد أن هذا ينصرف إلى ابن بحينة فذكر ما عند ابن سعد، وإنما ينصرف إلى الأعرج وهو الموصوف بولاء ابن عبد المطلب فليتأمل. أما حكم الباب فأجمع فقهاء الأمصار: أبو حنيفة، ومالك، والثوري، والشافعي، وإسحاق، والليث، وأبو ثور على أن التشهد الأول غير واجب (٤)، حاشى أحمد فإنه أوجبه (٥)، كذا قَالَ ابن القصار لكن وافقه إسحاق فيما حكاه ابن الأثير، ونقله ابن التين أيضًا عن الليث وأبي ثور، وفي "شرح الهداية" قراءة التشهد في القعدة الأولى واجبة عند أبي حنيفة وهو المختار والصحيح، وقيل: سنة. وهو أقيس لكنه خلاف ظاهر الرواية، وفي "المغني": إن كانت الصلاة مغربًا أو رباعية فهما واجبان فيهما عَلَى إحدى الروايتين، وهو مذهب الليث وإسحاق (٦)؛ لأنه ﷺ فعله وداوم عليه وأمر به.

стр. 3929

وفي حديث ابن عباس بقوله: فقولوا: "التحيات لله" (١) وجبره بالسهو حين نسيه، وقال: "صلوا كما رأيتموني أصلي" (٢). وفي مسلم عن عائشة: وكان يقول في كل ركعتين التحية (٣). وللنسائي من حديث ابن مسعود مرفوعًا: "إِذَا قعدتم في كل ركعتين فقولوا: التحيات" الحديث (٤)، وحديث المسيء وحديث رفاعة السالف، وروي عن عمر بن الخطاب أنه قَالَ: من لم يتشهد فلا صلاة له (٥). حجة الجمهور هذا الحديث، ولو كان واجبًا لرجع إليه حين سبح فيه ولم ينسب منابه سجود السهو لأنه لا ينوب عن الفرض، ألا ترى أنه لو نسي تكبيرة الإحرام أو سجدة لم ينسب عنها سجود السهو فثبت أنه غير واجب. واعترض ابن التين فقال، عن أبي جعفر: ليس تأويل من لم ير التشهد الأول فرضًا بين؛ لأن عائشة قالت: فرضت الصلاة ركعتين (٦)؛ ولأن المسافر فرضه أن يجلس في الركعتين، وليس جعل الشارع السجود بدلًا منه مما يوجب زوال فرضيته. قَالَ: ولأن من تعمد ترك الجلوس تبطل صلاته، كذا ادعى، وفيه أيضًا أن الجلسة الأولى سنة

стр. 3930

لأن سجوده ﷺ للسهو نائب عن التشهد، وعن الجلوس، فدل أن الجلوس فيها كالتشهد، وحكم السهو يأتي في موضعه إن شاء الله.

стр. 3931

١٤٧ - باب التَّشَهُّدِ فِي الأُولَى . ٨٣٠ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بَكْرٌ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَالِكٍ ابْنِ بُحَيْنَةَ قَالَ: صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ الظُّهْرَ فَقَامَ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ، فَلَمَّا كَانَ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهْوَ جَالِسٌ. [انظر: ٨٢٩ - مسلم: ٥٧٠ - فتح: ٢/ ٣١٠] ذكر فيه حديث ابن بحينة السالف في الباب المذكور.

стр. 3932

١٤٨ - باب التَّشَهُّدِ فِي الآخِرَ ٨٣١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ -فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ للهِ صَالِحٍ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". [٨٣٥، ١٢٠٢، ٦٢٣٠، ٦٢٦٥، ٦٣٢٨، ٧٣٨١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح: ٢/ ٣١١] ذكر فيه حديث عبد الله قال: كُنَّا إِذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ النَّبِيِّ ﷺ قُلْنَا: السَّلَامُ على الله قبل عباده، السلام عَلَى جِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَالْتَفَتَ إِلَيْنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ فَقَالَ: "إِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلِ: التَّحِيَّاتُ لله، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أيّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمُوهَا أَصَابَتْ كُلَّ عَبْدٍ لله صَالِحِ فِي السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إله إِلَّا اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ". الشرح: هذا الحديث أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١)، وهو أشدها صحة باتفاق المحدثين. وأخرجه البخاري في مواضع جمة منها غير ما في الصلاة:

стр. 3933

الدعوات (١) والتوحيد (٢)، والاستئذان، وباب: الأخذ باليد من كتاب الاستئذان، ولفظه، عن عبد الله: علمني رسول الله ﷺ وكفي بين كفيه التشهد كما يعلمنا السورة من القرآن. فذكره، وفي آخره: وهو بين ظهرانينا فلما قبض قلنا: السلام. يعني: على النبي ﵇ (٣). ولمسلم فقال لنا ذات يوم: "إن الله هو السلام"، وفي "المنتقى" "السلام على إسرافيل"، وفي "المصنف": ما كنا نكتب في عهد رسول الله ﷺ من الحديث إلا التشهد والاستخارة. واختلف العلماء في التشهد الأخير، فذهب الكوفيون ومالك والأوزاعي إلى أنه ليس بفرض (٤)، وقال الشافعي وأحمد: هو فرض (٥). واحتج الشافعي بقوله ﷺ : "فإذا صلى أحدكم فليقل: التحيات لله" والأمر للوجوب، واعترض بأن كل أمر ليس كذلك بدليل تكبيرات الانتقالات مع الأمر بها وفعله، وقال حين نزلت ﴿فَسَبِّحْ بِاسْمِ رَبِّكَ العَظِيمِ (٥٢)﴾ [الحاقة: ٥٢] "اجعلوها في ركوعكم" ولما نزلت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلَى (١)﴾ [الأعلى: ١] قَالَ: "اجعلوها في سجودكم" (٦).

стр. 3934

وتلقى العلماء والشافعي هذا الأمر عَلَى الندب ولم يقم عنده فرضه بفعله ﷺ وأمره به، فلذلك فعله ﷺ التشهد وأمره به لأن كليهما عنده ذكر ليس من عمل بدن، وقد يأمر بالسنن كما يأمر بالفرائض، وأيضًا فإنه كما ناب سجود السهو عن التشهد في الأولى وعن الجلوس فيها فأحرى أن ينوب عن التشهد في الآخرة إِذَا جلس فيها وسهى عن التشهد. فإن قُلْت: الجلسة الآخرة فرض. وكذا ذكرها، كما أن الأولى سنة، وكذا ذكرها. وأجيب بأنه لا تكون الجلسة الآخرة مقدرة بذكرها وإنما هي للسلام، وقد روي عن جماعة من السلف أنه من رفع رأسه من آخر سجدة فقد تمت صلاته، روي ذَلِكَ عن علي وابن المسيب والحسن وإبراهيم (١). وقال عطاء: من نسي التشهد فصلاته جائزة. وعن الحكم وحماد مثله. وقال الطبري والطحاوي: أجمع جميع المتقدمين والمتأخرين من علماء الأمة على أن الصلاة عَلَى النبي ﷺ في التشهد غير واجبة، وشذ الشافعي في ذَلِكَ فقال: من لم يصل عليه في التشهد الأخير وقبل السلام فصلاته فاسدة، وإن صلى عليه قبل ذَلِكَ لم يجزئه، ولا سلف لَه في هذا القول ولا سنة تبعها، وتشهد ابن مسعود ليس

стр. 3935

فيه ذكرها؛ وليس كما قالا، فقد وافق الشافعي على ذَلِكَ جماعة من الصحابة، وروي عن أحمد أيضًا (١)، وابن المواز من المالكية (٢)، حكاه الروياني في "بحره" عن عمر وابنه وابن مسعود وأبي مسعود البدري، ونقله الماوردي عن محمد بن كعب القرظي التابعي (٣)، ورواه البيهقي عن الشعبي وغيره عن علي بن الحسين (٤)، وقال إسحاق: إن تركها عمدًا لا يصح، وإن تركها سهوًا رجوت أن تجزئه (٥). وروى ابن حبان والحاكم في صحيحهما من حديث أبي مسعود عقبة ابن عمرو الأنصاري قَالَ: أقبل رجل حتَّى جلس بين يدي رسول الله ﷺ ونحن عنده فقال: يا رسول الله، أما السلام عليك فقد عرفناه، فكيف نصلي عليك إِذَا نحن صلينا عليك في صلاتنا؟ قَالَ: "قولوا: اللَّهُمَّ صلى على محمدٍ" (٦) الحديث، وهو في "صحيح مسلم" بدون: إِذَا

стр. 3936

نحن صلينا عليك في صلاتنا (١). وفي "سنن الدارقطني" و"سنن البيهقي" -وقالا: إسناده صحيح- عن ابن مسعود ﵁ قَالَ: كنا نقول قبل أن يفرض علينا التشهد: السلام على الله قبل عباده، السلام عَلَى جبريل وميكائيل، السلام على فلان. فقال ﷺ : "لا تقولوا: السلام على الله، فإن الله هو السلام، ولكن قولوا: التحيات لله" الحديث (٢). ففيه دليلان: أحدهما: قول ابن مسعود: قبل أن يفرض التشهد. فدل عَلَى أنه قَدْ فرض. والثاني: قوله: "قولوا" وهو أمر والأمر للوجوب، وعند أبي حنيفة أن الجلوس بقدر التشهد واجب ولا يجب التشهد (٣)، والأشهر عن مالك أنه يجب الجلوس بقدر السلام (٤)، ثمَّ اعلم أنه ورد في الباب تشهدات عددتها في تخريجي لأحاديث الرافعي، فبلغت ثلاثة عشر تشهدًا (٥)، واختار الشافعي تشهد ابن عباس في مسلم والأربعة (٦).

стр. 3937

ومالك تشهد عمر في "الموطأ" (١)، وخالف عمر فيه ابنه كما قَالَ ابن حزم (٢). وأبو حنيفة: تشهد ابن مسعود، وأكثر المحدثين وأحمد (٣)، وقد بسطت ذَلِكَ في الكتاب المذكور فراجعه منه، والرواية السالفة: فلما قبض قلنا: السلام على النبي ﷺ . يدل على أن الخطاب خاص بزمنه. وروى أبو موسى المديني في "ترغيبه وترهيبه" من حديث سعد بن إسحاق بن كعب قَالَ: كانت الصحابة يقولون إِذَا سلموا على رسول الله ﷺ : السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. فقال ﵇: "هذا السلام علي وأنا حي، فإذا مت فقولوا: السلام على النبي ﷺ ورحمة الله وبركاته" (٤) (٥).

стр. 3938

فائدة: السلام: الله. كما نطق به في الحديث، وهو المسلم لعباده. وقيل: ذو السلام. و (التحيات): جمع تحية، وهو الملك أو البقاء أو العظمة أو السلامة أو الحياة. (الصلوات)، أي: الخمس أو النوافل أو العبادات أو الدعاء. الطيبات، أي: طيب القول أو الأعمال الزاكية. تنبيه: وقع في "شرح ابن التين" عزو حديث ابن عمر في كيفية وضع اليد في التشهد إلى البخاري، وهو وهم، وإنما هو في أفراد مسلم (١)، ووقع فيه أيضًا أن مسلمًا زاد فيه: "هي مُدْيَة الشيطان لا يسهو أحدكم مادام يشي بإصبعه" وهذا لم نره في مسلم أصلًا، فاجتنبت ذلك.

стр. 3939

١٤٩ - باب الدُّعَاءِ قَبْلَ السَّلَامِ . ٨٣٢ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وَفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأْثَمِ وَالمَغْرَمِ". فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ". ٨٣٣ - وَعَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي عُرْوَةُ، أَنَّ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ. [انظر: ٨٣٢ - مسلم: ٥٨٧ - فتح: ٢/ ٣١٧] ٨٣٤ - حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ، عَنْ أَبِي الخَيْرِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁. أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلاَّ أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ". [٦٣٢٦، ٧٣٨٧، ٧٣٨٨ - مسلم: ٢٧٠٥ - فتح: ٢/ ٣١٧] ذكر فيه حديث عائشة أَنَّ النبي ﷺ كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ، وَأَعُوذُ بكَ مِنْ فِتْنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ فِتْنَةِ المَحْيَا وفِتْنَةِ المَمَاتِ، اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ المَأثمِ وَالمَغْرَمِ". فَقَالَ لَهُ قَائِلٌ: مَا أَكْثَرَ مَا تَسْتَعِيذُ مِنَ المَغْرَمِ فَقَالَ: "إِنَّ الرَّجُلَ إِذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ، وَوَعَدَ فَأخْلَفَ". وفي رواية عنها قالت: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْتَعِيذُ فِي صَلَاتِهِ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ.

стр. 3940

وحديث أبي الخير -واسمه مرثد بن عبد الله اليزني- عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَمْرِو، عَنْ أَبِي بَكْرِ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ قَالَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ : عَلِّمْنِي دُعَاءً أَدْعُو بِهِ فِي صَلَاتِي. قَالَ: "قُلِ: اللَّهُمَّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ظُلْمًا كثِيرًا وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا أَنْتَ، فَاغْفِرْ لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي إِنَّكَ أَنْتَ الغَفُورُ الرَّحِيمُ".

стр. 3941

١٥٠ - باب مَا يُتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ٨٣٥ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ قَالَ: حَدَّثَنَا يَحْيَى، عَنِ الأَعْمَشِ، حَدَّثَنِي شَقِيقٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كُنَّا إِذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الصَّلَاةِ قُلْنَا السَّلَامُ عَلَى اللهِ مِنْ عِبَادِهِ، السَّلَامُ عَلَى فُلَانٍ وَفُلَانٍ. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تَقُولُوا: السَّلَامُ عَلَى اللهِ. فَإِنَّ اللهَ هُوَ السَّلَامُ، وَلَكِنْ قُولُوا التَّحِيَّاتُ للهِ، وَالصَّلَوَاتُ وَالطَّيِّبَاتُ، السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ، السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللهِ الصَّالِحِينَ- فَإِنَّكُمْ إِذَا قُلْتُمْ أَصَابَ كُلَّ عَبْدٍ فِي السَّمَاءِ أَوْ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ- أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو" [انظر: ٨٣١ - مسلم: ٤٠٢ - فتح: ٢/ ٣٢٠] ذكر فيه حديث ابن مسعود السالف، وقال في آخره: "ثُمَّ يَتَخَيَّرُ مِنَ الدُّعَاءِ أَعْجَبَهُ إِلَيْهِ فَيَدْعُو". وحديث أبي بكر قَدْ أخرجه البخاري كما ترى، وأخرجه في الدعوات والتوحيد (١). وأخرجه النسائي في "اليوم والليلة" عن أبي الطاهر فقال: عن ابن عمرو أن أبا بكر (٢) .. فجعله من مسند ابن عمرو. ورواه مسلم عن أبي الطاهر فجعله من مسند أبي بكر (٣)، والله أعلم.

стр. 3942

وصح في الباب أحاديث منها حديث علي: "اللَّهُمَّ اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما أسررت وما أعلنت، وما أسرفت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر، لا إله إلا أنت" أخرجه مسلم (١). ومنها حديث أبي هريرة: "اللَّهُمَّ إني أعوذ بك من عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال" أخرجاه (٢). ومنها حديث ابن عباس: "اللَّهُمَّ إنا نعوذ بك من عذاب جهنم، ونعوذ بك من عذاب القبر، ونعوذ بك من فتنة المسيح الدجال، ونعوذ بك من فتنة المحيا والممات" أخرجه مسلم (٣). ومنها حديث عائشة: "اللهم إني أعوذ بك من شر ما عملت ومن شر ما لم أعمل" أخرجه مسلم (٤). ومنها حديث محجن بن الأدرع: "اللَّهُمَّ إني أسألك بالله الأحد الصمد الذي لم يلد ولم يولد ولم يكن له كفوًا أحد، أن تغفر لي ذنوبي، إنك أنت الغفور الرحيم" أخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين (٥).

стр. 3943

ومنها حديث شداد بن أوس: "اللَّهُمَّ إني أسألك الثبات في الأمر، وأسألك عزيمة الرشد، وأسألك شكر نعمتك وحسن عبادتك، وأسألك قلبًا سليمًا ولسانًا صادقًا، وأستغفرك لما تعلم، وأسألك من خير ما تعلم وأعوذ بك من شر ما تعلم" رواه أحمد والنسائي (١). ومنها حديث عمار بن ياسر: "اللَّهُمَّ بعلمك الغيب وبقدرتك عَلَى الخلق، أحيني ما علمت الحياة خيرًا لي، وتوفني ما كانت الوفاة خيرا لي، أسألك خشيتك في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الغضب والرضا، والقصد في الفقر والغنى، ولذة النظر إلى وجهك، والشوق إلى لقائك، وأعوذ بك من ضراء مضرة وفتنة مضلة، اللَّهُمَّ زينا بزينة الإيمان واجعلنا هداة مهتدين". رواه أحمد من حديث عطاء بن السائب، عن أبيه عنه (٢)، وغير ذلك. واختلف العلماء في هذا الباب، فقال مالك والشافعي وجماعة: لا بأس أن يدعو الرجل في صلاته مما شاء من أمر الدين والدنيا. وقال أبو حنيفة: لا يجوز أن يدعو في الصلاة إلا بالأدعية المأثورة

стр. 3944

أو الموافقة، وهو قول النخعي وطاوس، زاد ابن أبي شيبة: وإبراهيم ومحمد بن سيرين، واحتجوا بحديث معاوية بن الحكم لما شَمَّت الرجل في صلاته، فقال ﷺ : "إن صلاتنا هذِه لا يصلح فيها شيء من كلام الآدميين، إنما هو التسبيح والتكبير وقراءة القرآن" أو كما قَالَ رسول الله- ﷺ ، وهو من أفراد مسلم (١). قالوا: ولا يجوز أن يريد جنس الكلام؛ لأن جميع ما يوجد في الصلاة من الأذكار من نفس الكلام، فوجب أن يكون المراد ما يتخاطبون به في العادة. وقوله: (يرحمك الله). دعاء، وقد نهى الشارع عنه، وهذا يمنع من فعل الدعاء بهذا الجنس، والجواب: أن هذا وشبهه يعني أن يوجه دعاءه إلى إنسان يخاطبه به في الصلاة، وكأنه جواب: على شيء كان منه، فأما أن يدعو لنفسه ولغيره ابتداء من غير أن يخاطب فيه إنسانا فلا، فصار قوله ﷺ : "لا يصلح فيها شيء من كلام الناس" متوجهًا إلى هذا. ومن حجة الأولين: حديث ابن مسعود "ثمَّ ليتخير من الدعاء أعجبه إليه فيدعو" ولم يخص دعاءً من دعاء، ولو كان لا يجوز الدعاء إلا بما قاله المخالف بينه ﷺ ، فلما لم يخص عم الجميع، واستعاذة الشارع بما في حديث عائشة وغيره ليس شيء منه في القرآن، وقد روي عن جماعة من السلف مثل ذَلِكَ. روي عن ابن عمر أنه قَالَ: إني لأدعو في صلاتي حتىَّ لشعير حماري وملح بيتي.

стр. 3945

وعن عروة بن الزبير مثله، وكان الشارع يدعو في صلاته عَلَى أحياء من العرب (١)، لا يقال: إن ذَلِكَ كان وقت إباحة الكلام في الصلاة ثمَّ نسخ؛ لأنه قَدْ روي عن السلف استعمال الحديث، ولا يجوز أن يخفى عليهم نسخه لو نسخ، وكان علي يقنت في صلاته على قوم يسميهم، وكان أبو الدرداء يدعو لسبعين رجلًا في صلاته، وعن ابن الزبير أنه كان يدعو للزبير في صلاته (٢). وإذا انضاف قول هؤلاء إلى قول ابن عمر وعروة جرى مجرى الإجماع إذ لا مخالف لهم، وقد كان ﷺ يدعو في سجوده: "أعوذ برضاك من سخطك .. " إلى آخره (٣). وروي عن ابن شبرمة أنه قَالَ: يجوز الدعاء في المكتوبة بأمر الآخرة، فأما الدنيا فلا. وقال ابن عون: أليس في القرآن ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ [النساء: ٣٢] فسكت، وقد ترجم البخاري في كتاب الدعاء: باب: الدعاء في الصلاة، وستعلمه إن شاء الله (٤). وانفرد ابن حزم قَالَ بفرضية التعوذ الذي في حديث عائشة، ولأن مسلمًا ذكر عن طاوس أنه أمر ابنه بإعادة صلاته التي لم يدع بها فيها (٥).

стр. 3946

وفي الحديث: إثبات عذاب القبر وقد مضى ما فيه. و (المسيح الدجال): بفتح الميم وتخفيف السين، ويروى بكسر الميم وتشديد السين، أي: لأنه ممسوح العين، أو لتمرده، أو شبه بالدرهم الأطلس الذي لا نقش عليه، والتخفيف من السياحة. قَالَ خلف بن عامر: لا فرق بينهما، أحدهما عيسى ﵇، والآخر: الدجال، وقيل: سمي المسيح لمسحه الأرض، وقيل: لأنه ممسوح العين اليمنى أعورها. قَالَ ابن فارس: المسيح: الذي أحد شقي وجهه ممسوح لا عين له ولا حاجب، وبذلك سمي الدجال مسيحًا؛ لأنه ممسوح العين (١). وأما عيسى ﵇ فقيل: سمي مسيحًا لحسنه أو لسياحته، أو لأنه كان يقطع الأرض ويمسحها، أو لأنه خرج من بطن أمه ممسوحًا بلا دهن، أو لأنه لا أخمص لرجله وهو ما حفي عن الأرض من باطن الرجل، أو لأن زكريا مسحه، أو لأنه كان لا يمسح ذا عاهة إلا برأ، أو أنه اسم خصه الله به، أو المسيح: المدبر. قَالَ أبو عبيد: أصله (بالعبرانية: مَشِيحًا) (٢) فعرب (٣)، كما عرب موسى. والدجال قَالَ ابن دريد (٤): سمي بذلك؛ لأنه يغطى الأرض بالجمع الكثير، وقيل: لتغطيته الحق بكذبه، وفي "الغريبين": لأنه يقطع الأرض. قَالَ ثعلب: الدجال: المموه، وهذا من معنى الكذب؛ لأنه يموه بتكذيبه ويلبس.

стр. 3947

وقال ابن دحية في "تنويره": قيل: إنه من طلي البعير بالقطران، سمي بذلك؛ لتغطيته نواحي الأرض أو لوطئه جميع البلاد إلا ما استثني، أو لأنه (بمخرق) (١) وعن أبي عمرو أن منهم من قَالَ: إنه بالخاء المعجمة، وهو خطأ. والمراد بـ"المحيا والممات": الحياة والموت. ويحتمل زمن ذَلِكَ؛ لأن ما كان معتل العين من الثلاثي فقد يأتي منه المصدر والزمان والمكان بلفظ واحد. ويريد بذلك: محنة الدنيا وما بعدها حالة الاحتضار، وحالة المساءلة في القبر، فكأنه لما استعاذ من فتنة هذين المقامين سأل التثبت فيهما، كما قَالَ تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧] وأما الماثم: فهو: الإثم الذي يجر إلى الذم والعقوبة. والمغرم: الذي غرم بكسر الراء: أدان. وكل هذا منه تعليم لنا لندعو به، وأما هو فقد عوفي من ذَلِكَ كله واستعاذ من الغرم؛ لأنه إما أن يكون في مباح ولكن لا وجه عنده لقضائه فهو، متعرض لهلاك مال أخيه، وإما مستدين وله إلى القضاء سبيل، غير أنه يرى ترك القضاء. ولا يعارض هذا حديث عبد الله بن جعفر يرفعه: "إن الله مع الدائن حتَّى يقضي دينه ما لم يكن فيما يكره الله ". وكان ابن جعفر يقول لخازنه: اذهب فخذ لي بدين فإني أكره أن أبيت الليلة إلا والله معي (٢).

стр. 3948

فإن قُلْت: كيف استعاذ من الدجال وقد ثبت أن الدجال إِذَا رأى المسيح ﵇ يذوب، فكيف نبينا؟ قُلْتُ: أراد تعليمنا، أو أنه تعوذ منه لأمته، أو أنه معصوم ويظهر الاستعاذة. وأما قوله: (كثيرًا). فهو بالثاء المثلثة، وفي مسلم بالباء الموحدة وينبغي جمعهما كما قاله النووي أو يقول: ذا مرة وذا أخرى (١). فإن قُلْتَ: المغفرة لا تكون إلا من عند الله، فكيف قَالَ: مغفرة من عندك؟ قُلْتُ: المعنى: هب لي الغفران بفضلك وإن لم أكن أهلا له بعملي، وقد أوضحت الكلام عَلَى هذا الحديث في "شرحي للعمدة" (٢) فراجعه منه تجد نفائس، وكذا عَلَى حديث أبي هريرة وهو في معنى حديث عائشة الذي في "العمدة". ومعنى: "يتخير من الدعاء أعجبه" ما يجوز الدعاء به، كما قَالَ الداودي. تنبيه: هذا حكم التشهد الأخير، فأما الأول فلا دعاء فيه؛ لثباته عَلَى التخفيف، وعن مالك كذلك، وروى عنه ابن نافع: لابأس أن (يُدعى) (٣) بعده (٤).

стр. 3949

١٥١ - باب مَنْ لَمْ يَمْسَحْ جَبْهَتَهُ وَأَنفَهُ حَتَّى صَلَّى ٨٣٦ - حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: حَدَّثَنَا هِشَامٌ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا سَعِيدٍ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطِّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. [انظر: ٦٦٩ - مسلم: ١١٦٧ - فتح: ٢/ ٣٢٢] ذكر فيه حديث أبي سلمة قَالَ: سَأَلْت أَبَا سَعِيدِ الخُدْرِيَّ فَقَالَ: رَأَيْتُ رَسُولَ الله ﷺ يَسْجُدُ فِي المَاءِ وَالطّينِ حَتَّى رَأَيْتُ أَثَرَ الطِّينِ فِي جَبْهَتِهِ. هذا الحديث سلف مطولًا في باب: السجود عَلَى الأنف في الطين (١)، ويأتي إن شاء الله في الصوم والاعتكاف أيضًا (٢)، واستحب العلماء ترك مسح الوجه حتَّى يفرغ من صلاته؛ لأنه من التواضع لله تعالى، وخفف مالك مسحه في الصلاة (٣).

стр. 3950

١٥٢ - باب التَّسْلِيمِ ٨٣٧ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ: فَأُرَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ مُكْثَهُ لِكَىْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. [٨٤٩، ٨٥٠ - فتح: ٢/ ٣٢٢] ذكر فيه حديث هند بنت الحارث أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَمَكَثَ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ ابن شِهَابٍ: فَأُرى -والله أَعْلَمُ- أَنَّ مُكْثَهُ لِكَيْ يَنْفُذَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ مَنِ انْصَرَفَ مِنَ القَوْمِ. هذا الحديث لم يخرجه مسلم -ويأتي أيضًا- (١)، وفيه من حديث عائشة: كان ﷺ لم يقعد إلا مقدار ما يقول: "أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والاكرام" (٢). ولابن خزيمة من حديث ابن مسعود: كان ﷺ إِذَا سلم في الصلاة لا يجلس إلا مقدار ما يقول: "اللَّهُمَّ أنت السلام ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" (٣). ولأبي نعيم في "اليوم والليلة" من حديث أبي سعيد، بإسناد فيه ضعف: كان ﷺ لا يجلس بعد أن ينصرف من الصلاة إلا قدر ما

стр. 3951

يقول: ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ العِزَّةِ﴾ [الصافات: ١٨٠] إلى آخر السورة. واختلف العلماء في وجوب التسليم: فذهبت جماعة منهم إلى أنه فرض لا يصح الخروج من الصلاة إلا به، وممن أوجب ذلك ابن مسعود قَالَ: مفتاح الصلاة التكبير وانقضاؤها التسليم (١). ذكره الطبري. وبه قَالَ عطاء والزهري ومالك والشافعي وأحمد وغيرهم حتَّى لو أخل بحرف من حروفه لم تصح صلاته (٢). وذهب أبو حنيفة والثوري والأوزاعي إلى أن السلام سنة، وأن الصلاة يصح الخروج منها بغير سلام، وعنه أنه واجب (٣). وفي "العتبية" عن ابن القاسم: إِذَا أحدث الإمام متعمدًا قبل السلام صحت صلاته كقول أبي حنيفة، واحتجوا بحديث ابن مسعود لما ذكر التشهد. فإذا قُلْتَ هذا -أو قضيتَ هذا- فقد قضيت صلاتك، إن شئت أن تقوم فقم، وإن شئت أن تقعد فاقعد.

стр. 3952

والجواب أن هذِه مدرجة من عند ابن مسعود باتفاق الحفاظ كما أوضحه الدارقطني (١) والبيهقي (٢) والخطابي (٣) والخطيب (٤)، وخلق، قَالَ البيهقي: ذهب الحفاظ إلى أن هذا وهم، وأن ذَلِكَ من قول ابن مسعود أدرج في الحديث (٥). وذهب بعض أهل العلم أن ذَلِكَ قبل أن ينزل التسليم. قُلْتُ: ويتنزل ويجاب بأن المراد: فقد قضيت معظم صلاتك وبقي عليه الخروج منها بالسلام، فكنى عن التسليم بالقيام؛ إذ كان القيام إنما يقع عقبه جمعًا بينه وبين قوله ﷺ : "تحريمها التكبيروتحليلها التسليم" قالوا: وروي عن علي ﵁ أنه قَالَ: إِذَا رفع رأسه من آخر سجدة ثمَّ أحدث فقد تمت صلاته؛ قُلْتُ: وروي أيضًا مرفوعًا (٦) وهو ضعيف. قَالَ الشافعي: ليسوا يقولون به (٧)، وقد روي عن رجل: فيه كلام كثير هم ينكرونه، وعن سعيد بن المسيب والنخعي مثله، واحتج الطحاوي بأنه ﷺ صلى الظهر خمسًا، فلما أخبر بصنعه ثنى رجله فسجد سجدتين، فقد خرج منها إلى الخامسة لا بتسليم، ولو جاء بالخامسة وقد بقي عليه بما قبلها سجدة، كان ذَلِكَ مفسدًا للأربع،

стр. 3953

فلو كان واجبًا كالسجدة لكان حكمه كالسجدة، فعلم أنه ليس بركن ولا نسلم له ذَلِكَ (١). قَالَ الطبري: السلام من الأعمال التي علم النبي ﷺ أمته العمل به، كما علمهم التحريم فيها والقراءة، فمن ضيع ذَلِكَ أو تركه عامدًا فهو مفسد؛ لأنه ضيع ما قامت به الحجة لجواز الصلاة معهم، وكما لا يجوز الدخول في الصلاة إلا بالاحرام فكذلك لا يجوز الخروج منها إلا بالسلام. واختلفوا في صفة السلام من الصلاة، قالت طائفة: يسلم تسليمتين عن يمينه وعن يساره، روي ذَلِكَ عن أبي بكر الصديق وعمر وعلي وابن مسعود وعمار، وروي ذَلِكَ عن الشعبي وعطاء وعلقمة والأسود وأبي عبد الرحمن السلمي، وهو قول الثوري وأبي حنيفة والشافعي وأحمد إسحاق وأبي ثور (٢). قَالَ ابن المنذر: وبه أقول (٣). واحتجوا بآثار كثيرة رويت عن النبي ﷺ بذلك، منها حديث ابن مسعود وأبي موسى وعمار ووائل بن حجر وأبي حميد الساعدي وأبي رمثة وواثلة وابن عمر وجابر بن عبد الله وجابر بن سمرة والبراء بن عازب وقبيصة بن ذؤيب ويعقوب بن الحصين وعدي بن عميرة الحضرمي وسهل بن سعد وأبي سلمة الأشعري وعائشة وسلمة بن الأكوع وأنس، وبعضها عند مسلم وابن خزيمة وابن حبان، وغالبها

стр. 3954

عند الطبراني والطبري، فالأولى واجبة والثانية سنة. قَالَ ابن المنذر: أجمع العلماء على أن صلاة من اقتصر عَلَى تسليمة واحدة جائزة (١)، وعند الطحاوي: عن الحسن بن (حي) (٢): هما واجبتان (٣) وهي رواية عن أحمد، وبها قَالَ بعض أصحاب مالك (٤). وقالت طائفة: يسلم تسليمة واحدة فقط. روي ذَلِكَ عن ابن عمر وأنس وعائشة وسلمة بن الأكوع، ومن التابعين سليمان بن يسار وأبي وائل وسعيد بن جبير وابن سيرين والحسن، وهو قول مالك والليث والأوزاعي (٥) ودفعوا الأحاديث الأول، وذكر محمد بن عبد الحكم عن عبد الرحمن بن مهدي قَالَ: أحاديث التسليمتين لا أصل لها. وقال الأصيلي: حديث أم سلمة المذكور في الباب يقتضي تسليمة واحدة، وكذلك حديث ابن بحينة، وحديث ذي اليدين، لأن قول أم سلمة: كان ﷺ إِذَا سلم؛ يقتضي ظاهره أن كل ما وقع عليه اسم سلام يتحلل به من الصلاة. قَالَ المهلب: لما كان السلام تحللًا من الصلاة وعلمًا عَلَى فراغها

стр. 3955

دلت التسليمة الواحدة عَلَى ذَلِكَ، وإن كان في التسليمتين كمالًا فقد مضى العمل بالمدينة في مسجده ﷺ عَلَى تسليمة واحدة فلا تجب مخالفة ذَلِكَ. وذكر الطبري بإسناده إلى أنس قَالَ: صليت خلف علي بن أبي طالب فسلم واحدة، ذكره ابن أبي شيبة (١). قَالَ الطبري: والقول في ذَلِكَ أن يقال: كلا الخبرين الواردين عن رسول الله ﷺ أنه كان يسلم واحدة وثنتين صحيح، وأنه كان من الأمور التي كان يفعل هذا مرة وهذا مرة، يعلم بذلك أمته أنهم مخيرون في العمل بأي ذَلِكَ شاءوا، كرفعه يديه في الركوع والرفع منه وتركه ذَلِكَ مرة أخرى، وبجلوسه في الصلاة على قدمه اليسرى ونصبه اليمنى فيها مرة، وإفضائه بإليتيه إلى الأرض، وإدخاله قدمه اليسرى تحت فخذه اليمنى مرة، في أشباه ذَلِكَ كثيرة. وعند الشافعية قول آخر: أنه إن كان منفردًا أو في جماعة قليلة ولا لغط عندهم، فتسليمة وإلا فثنتان (٢). وروي أنه ﷺ سلم ثلاثًا، وهي معلولة. وعن مالك في "الواضحة": يسلم الفذ تسليمتين. وقد قَالَ مالك: يأخذ في خاصة نفسه (٣). وقال عمار بن أبي عمار: كان مسجد الأنصار يسلمون فيه تسليمتين، وكان مسجد المهاجرين يسلمون فيه تسليمة واحدة لا يردون عَلَى الإمام (٤). واعتذر في "المحيط" فقال: لما كانت التسليمة الثانية أخفض من الأولى خفيت

стр. 3956

على من كان بعيدًا عنه ﷺ . وقال ابن التين: ذكر السلام عن النبي ﷺ في غير حديث، وقيل ما يأتي من طريق صحيح كيفية سلامه. وروي أنه ﷺ كان يسلم تسليمتين حتَّى يرى صفح خده. وفي مسلم: حتَّى يرى بياض خده (١). قَالَ: ورواية أنه كان يسلم واحدة غير ثابتة. وروي عنه: ثنتين. أخرجه مسلم (٢)، وهي أخبار تحتمل التأويل، والقياس يقتضي إفراد السلام في حكم الإمام والمنفرد. فرع: صفة السلام بالتعريف، وفي تنكيره خلاف عندنا، والأصح المنع (٣).

стр. 3957

فصل: وفي الحديث خروج النساء إلى المساجد وسبقهن بالانصراف، فالاختلاط بهن مظنة الفساد، ويمكث الإمام في مصلاه والحالة هذِه، فإن لم يكن هناك نساء فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقب سلامه. كذا قاله الشافعي في "المختصر" (١). وفي "الإحياء" للغزالي: أن ذَلِكَ فعل رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وصححه ابن حبان في غير "صحيحه" ولم يذكر عمر. وفي "النهاية" لإمام الحرمين أن في الحديث: "إِذَا لم يقم إمامكم فانخسوه" وحاصل كلام ابن الرفعة في "كفايته": أن الإمام يستحب لَهُ إِذَا لم يكن نسوة أن يمكث بعد السلام للدعاء، فإذا فرغ منه وثب قائمًا ثمَّ جلس ويستقبل الناس، عَلَى الخلاف في كيفية الاستقبال، وهذا المجموع عَلَى هذا الترتيب غريب منه لم يقل به أحد، ولا معنى لَهُ أيضًا، وكلام النووي في "شرح المهذب" يخالفه، وكلام الماوردي في "حاويه" أقرب منه (٢). قَالَ النووي عقب النص السالف: اتفق عَلَى هذا النص الأصحاب وعللوه بعلتين: أحدهما: لئلا يشك هو ومن خلفه هل سلم أم لا. الثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به (٣). قُلْتُ: لكن ظاهر حديث البراء بن عازب -الثابت في "صحيح مسلم": رمقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه فركعته، فاعتداله

стр. 3958

بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء (١) - يعطي أنه لم يكن يُثب ساعة ما سلم بل كان يجلس بعد السلام جلسة قريبة من السجود وما قبله. قَالَ الشافعي في "الأم": وللمأموم أن ينصرف إِذَا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وإن أخر ذَلِكَ حتَّى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذَلِكَ أحب إلى (٢). وفي "الذخيرة": إِذَا فرغ من صلاته أجمعوا أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة، وجميع الصلوات في ذَلِكَ سواء، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره أو ذهب في حاجته، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إِذَا لم يكن أمامه من يصلي، وإن كان بعد الصلاة سنن يقوم إليها -وبه نقول- ويكره تأخيرها عن أداء الفريضة فيتقدم أو يتأخر، أو ينحرف يمينًا أو شمالًا، أو يذهب إلى بيته فبه. وعن الحلواني من الحنفية جواز تأخير السنن بعد المكتوبة، والنص: إن التأخير مكروه (٣). ويدعو في الفجر والعصر؛ لأنه لا صلاة بعدهما، فجعل الدعاء بدل الصلاة، ويستحب أن يدعو بعد السلام (٤). فرع: إِذَا أراد الإمام أن ينفتل في المحراب ويقبل عَلَى الناس للذكر والدعاء جاز أن ينفتل كيف شاء، وأما الأفضل فأن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب. وقيل عكسه، وبه قَالَ أبو حنيفة (٥).

стр. 3959

وقال الإمام: إن لم يصح حديث تخير. قُلْتُ: وصح بالأول، ففي مسلم من حديث البراء قَالَ: كنا إِذَا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك" (١). وفي "فوائد الرحلة" للشيخ تقي الدين بن الصلاح عن "المدخل" لزاهر السرخسي أن الإمام إِذَا سلم من الظهر أو المغرب أو العشاء قام؛ ليركع السنة إما عن يمينه أو عن شماله، وإن سلم من الصبح أو العصر أقبل بوجهه عَلَى الناس. فصل: وفي الحديث أيضًا وجوب غض البصر، ومكث الإمام في موضعه لعلة -وقد علمت ما فيه- ومكث القوم في أماكنهم.

стр. 3960

١٥٣ - باب يُسَلِّمُ حِيَن يُسَلِّمُ الإِمَامُ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلمَ مَنْ خَلْفَهُ. ٨٣٨ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [فتح ٢/ ٣٢٣]. ثمَّ ذكر فيه عن محمود بن الربيع عَنْ عِتْبَانَ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. هذا الحديث تقدم مطولًا في باب: المساجد في البيوت (١). ثم ترجم عليه بعد ذَلِكَ:
следующие страницы →