← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 3956–3995 · переход к 3961.

стр. 3956

على من كان بعيدًا عنه ﷺ . وقال ابن التين: ذكر السلام عن النبي ﷺ في غير حديث، وقيل ما يأتي من طريق صحيح كيفية سلامه. وروي أنه ﷺ كان يسلم تسليمتين حتَّى يرى صفح خده. وفي مسلم: حتَّى يرى بياض خده (١). قَالَ: ورواية أنه كان يسلم واحدة غير ثابتة. وروي عنه: ثنتين. أخرجه مسلم (٢)، وهي أخبار تحتمل التأويل، والقياس يقتضي إفراد السلام في حكم الإمام والمنفرد. فرع: صفة السلام بالتعريف، وفي تنكيره خلاف عندنا، والأصح المنع (٣).

стр. 3957

فصل: وفي الحديث خروج النساء إلى المساجد وسبقهن بالانصراف، فالاختلاط بهن مظنة الفساد، ويمكث الإمام في مصلاه والحالة هذِه، فإن لم يكن هناك نساء فالمستحب للإمام أن يقوم من مصلاه عقب سلامه. كذا قاله الشافعي في "المختصر" (١). وفي "الإحياء" للغزالي: أن ذَلِكَ فعل رسول الله ﷺ وأبي بكر وعمر، وصححه ابن حبان في غير "صحيحه" ولم يذكر عمر. وفي "النهاية" لإمام الحرمين أن في الحديث: "إِذَا لم يقم إمامكم فانخسوه" وحاصل كلام ابن الرفعة في "كفايته": أن الإمام يستحب لَهُ إِذَا لم يكن نسوة أن يمكث بعد السلام للدعاء، فإذا فرغ منه وثب قائمًا ثمَّ جلس ويستقبل الناس، عَلَى الخلاف في كيفية الاستقبال، وهذا المجموع عَلَى هذا الترتيب غريب منه لم يقل به أحد، ولا معنى لَهُ أيضًا، وكلام النووي في "شرح المهذب" يخالفه، وكلام الماوردي في "حاويه" أقرب منه (٢). قَالَ النووي عقب النص السالف: اتفق عَلَى هذا النص الأصحاب وعللوه بعلتين: أحدهما: لئلا يشك هو ومن خلفه هل سلم أم لا. الثانية: لئلا يدخل غريب فيظنه بعد في الصلاة فيقتدي به (٣). قُلْتُ: لكن ظاهر حديث البراء بن عازب -الثابت في "صحيح مسلم": رمقت الصلاة مع محمد ﷺ ، فوجدت قيامه فركعته، فاعتداله

стр. 3958

بعد ركوعه، فسجدته، فجلسته بين السجدتين، فسجدته، فجلسته ما بين التسليم والانصراف قريبًا من السواء (١) - يعطي أنه لم يكن يُثب ساعة ما سلم بل كان يجلس بعد السلام جلسة قريبة من السجود وما قبله. قَالَ الشافعي في "الأم": وللمأموم أن ينصرف إِذَا قضى الإمام السلام قبل قيام الإمام، وإن أخر ذَلِكَ حتَّى ينصرف بعد الإمام أو معه كان ذَلِكَ أحب إلى (٢). وفي "الذخيرة": إِذَا فرغ من صلاته أجمعوا أنه لا يمكث في مكانه مستقبل القبلة، وجميع الصلوات في ذَلِكَ سواء، فإن لم يكن بعدها تطوع إن شاء انحرف عن يمينه أو يساره أو ذهب في حاجته، وإن شاء استقبل الناس بوجهه إِذَا لم يكن أمامه من يصلي، وإن كان بعد الصلاة سنن يقوم إليها -وبه نقول- ويكره تأخيرها عن أداء الفريضة فيتقدم أو يتأخر، أو ينحرف يمينًا أو شمالًا، أو يذهب إلى بيته فبه. وعن الحلواني من الحنفية جواز تأخير السنن بعد المكتوبة، والنص: إن التأخير مكروه (٣). ويدعو في الفجر والعصر؛ لأنه لا صلاة بعدهما، فجعل الدعاء بدل الصلاة، ويستحب أن يدعو بعد السلام (٤). فرع: إِذَا أراد الإمام أن ينفتل في المحراب ويقبل عَلَى الناس للذكر والدعاء جاز أن ينفتل كيف شاء، وأما الأفضل فأن يجعل يمينه إليهم ويساره إلى المحراب. وقيل عكسه، وبه قَالَ أبو حنيفة (٥).

стр. 3959

وقال الإمام: إن لم يصح حديث تخير. قُلْتُ: وصح بالأول، ففي مسلم من حديث البراء قَالَ: كنا إِذَا صلينا خلف النبي ﷺ أحببنا أن نكون عن يمينه يقبل علينا بوجهه، فسمعته يقول: "رب قني عذابك يوم تبعث -أو تجمع- عبادك" (١). وفي "فوائد الرحلة" للشيخ تقي الدين بن الصلاح عن "المدخل" لزاهر السرخسي أن الإمام إِذَا سلم من الظهر أو المغرب أو العشاء قام؛ ليركع السنة إما عن يمينه أو عن شماله، وإن سلم من الصبح أو العصر أقبل بوجهه عَلَى الناس. فصل: وفي الحديث أيضًا وجوب غض البصر، ومكث الإمام في موضعه لعلة -وقد علمت ما فيه- ومكث القوم في أماكنهم.

стр. 3960

١٥٣ - باب يُسَلِّمُ حِيَن يُسَلِّمُ الإِمَامُ وَكَانَ ابن عُمَرَ يَسْتَحِبُّ إِذَا سَلَّمَ الإِمَامُ أَنْ يُسَلمَ مَنْ خَلْفَهُ. ٨٣٨ - حَدَّثَنَا حِبَّانُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ الرَّبِيعِ، عَنْ عِتْبَانَ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النَّبِيِّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [فتح ٢/ ٣٢٣]. ثمَّ ذكر فيه عن محمود بن الربيع عَنْ عِتْبَانَ، قَالَ: صَلَّيْنَا مَعَ النبِيَّ ﷺ فَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. هذا الحديث تقدم مطولًا في باب: المساجد في البيوت (١). ثم ترجم عليه بعد ذَلِكَ:

стр. 3961

١٥٤ - باب مَنْ لَمْ يَرَدد السَّلَامِ عَلَى الإِمَامِ وَاكْتَفَى بِتَسْلِيمِ الصَّلَاةِ ٨٣٩ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي مَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ، وَزَعَمَ أَنَّهُ عَقَلَ رَسُولَ اللهِ ﷺ وَعَقَلَ مَجَّةً مَجَّهَا مِنْ دَلْوٍ كَانَ فِي دَارِهِمْ. ٨٤٠ - قَالَ: سَمِعْتُ عِتْبَانَ بْنَ مَالِكٍ الأَنْصَارِيَّ ثُمَّ أَحَدَ بَنِي سَالِمٍ قَالَ: كُنْتُ أُصَلِّي لِقَوْمِي بَنِي سَالِمٍ، فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ فَقُلْتُ: إِنِّي أَنْكَرْتُ بَصَرِي، وَإِنَّ السُّيُولَ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَ مَسْجِدِ قَوْمِي، فَلَوَدِدْتُ أَنَّكَ جِئْتَ فَصَلَّيْتَ فِي بَيْتِي مَكَانًا حَتَّى أَتَّخِذَهُ مَسْجِدًا، فَقَالَ: "أَفْعَلُ إِنْ شَاءَ اللهُ". فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَأَبُو بَكْرٍ مَعَهُ بَعْدَ مَا اشْتَدَّ النَّهَارُ، فَاسْتَأْذَنَ النَّبِيُّ ﷺ فَأَذِنْتُ لَهُ، فَلَمْ يَجْلِسْ حَتَّى قَالَ: "أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ مِنْ بَيْتِكَ؟ ". فَأَشَارَ إِلَيْهِ مِنَ المَكَانِ الذِي أَحَبَّ أَنْ يُصَلِّيَ فِيهِ، فَقَامَ فَصَفَفْنَا خَلْفَهُ ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. [انظر: ٤٢٤ - مسلم: ٣٣ - فتح: ٢/ ٣٢٣] وساقه مطولًا (١) وفي آخره: ثُمَّ سَلَّمَ، وَسَلَّمْنَا حِينَ سَلَّمَ. قَالَ ابن التين وغيره: يريد البخاري أن من كان خلفه ﷺ إنما سلم واحدة ينوي بها الخروج من الصلاة ولم يرد عَلَى الإمام، ولا عن يساره. قَالَ الداودي: وليس هذا مما يسقط السلام عن المأموم. قَالَ: ويحتمل قوله: (وسلمنا حين سلم). أي: عَلَى الإمام، وسكت عنه لعلم السامع. وقال بعضهم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ﴾ الآية [النساء: ٨٦]: إنه السلام، وهو عَلَى عمومه، وقد أمرهم ﷺ أن يأتموا به في. أفعاله. قَالَ: ومجه ﷺ في وجه محمود بن الربيع في الحديث؛ لتناله بركته وبركة يلقه.

стр. 3962

وقوله: (مجة مجها من دلو كان في دارهم) كذا في رواية أبي الحسن، وفي رواية أبي ذر: كانت. و (الدلو) تذكّر وتؤنث، والتأنيث أكثر. وقوله: (زعم أنه عقل) ليس عَلَى معنى التهمة. قَالَ: (وكان ابن عمر لا يرد عَلَى الإمام). وقد أسلفنا في الباب قبله كلام عمار في ذَلِكَ. وقال النخعي: إن شاء رد أو لم يرد. ومالك يرى أنه يرد (١)، وبه قَالَ ابن عمر في أحد قوليه وجماعة من التابعين. وبالرد قَالَ الشعبي وسالم وسعيد بن المسيب وعطاء. وقال ابن بطال: أظن البخاري أراد بالباب الثاني رد قول من أوجب التسليمة الثانية، ولم يوجبها إلا أحمد والحسن بن صالح (٢)، وفي صفة سلام المأموم في الرد روايتان: السلام عليكم، سلام عليكم. رواهما أشهب (٣)، والمأموم يرد بالثانية عَلَى الإمام (٤) ودليله حديث جابر: أنه ﷺ قَالَ: "وإنما يكفي أحدكم أن يضع يده عَلَى فخذه ثمَّ يسلم عَلَى أخيه من عن يمينه ويسلم من عن يساره، ثمَّ يرد هو عليه بعد ذَلِكَ" (٥)، فإن سلموا هذا فيمن عن يساره قسنا عليه الإمام؛ لأنه يسلم عَلَى من معه في صلاته، فكان حكمه للرد كالمأمومين، وعندنا أن الإمام ينوي السلام من عن يمينه ويساره من ملائكة وإنس وجن، والسلام عَلَى المأمومين، وهم: الرد عليه (٦).

стр. 3963

واختلف فيما حكاه القاضي أبو محمد: هل تجزئ بتسليمة الإمام عن كل من على يساره أو يفرد المأمومين بتسليمة ثالثة. واختلف عن مالك بأيهما يبدأ (١)، فروى ابن بطال الكلام في سلام الإمام والمأمومين كالكلام في إحرامهما (٢)، وقد سلف في باب: إنما جعل الإمام ليؤتم به واضحًا، ولا شك أن المصلي لا يكون داخلًا في الصلاة إلا بتمام التكبير، ولا ينبغي للمأموم الدخول في صلاة لم يصح فيها دخول إمامه بعد، والسلام كذلك، ولا ينبغي أن يفعله المأموم إلا بعد إمامه لأنه تحليل، أو بعد تقدمه بلفظ بعض السلام. هذا حق الائتمام في اللغة أن يكون فعل المأموم تاليًا له، ألا ترى قول عتبان: فسلمنا حين سلم، وهو يقتضي أن سلامهم كان بعد تمام سلامه، وهو الذي كان يستحبه ابن عمر (٣).

стр. 3964

١٥٥ - باب الذِّكْرِ بَعْدَ الصَّلَاةِ ٨٤١ - حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ نَصْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ: أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَمْرٌو أَنَّ أَبَا مَعْبَدٍ -مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ- أَخْبَرَهُ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ﵄ أَخْبَرَهُ، أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذِّكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. [مسلم: ٥٨٣ - فتح: ٢/ ٣٢٤] ٨٤٢ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حدَّثنا عَمْرٍو قَال: أَخْبَرَنِي أَبُو مَعْبَدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ. [انظر: ٨٤١ - مسلم: ٥٨٣ - فتح: ٢/ ٣٢٥] ٨٤٣ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مُعْتَمِرٌ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ، عَنْ سُمَيٍّ، عَنْ أَبِي صَالِحٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: جَاءَ الفُقَرَاءُ إِلَى النَّبِيِّ ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا وَالنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَلَهُمْ فَضْلٌ مِنْ أَمْوَالٍ يَحُجُّونَ بِهَا، وَيَعْتَمِرُونَ، وَيُجَاهِدُونَ، وَيَتَصَدَّقُونَ قَالَ: "أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِأَمْرٍ إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أَدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أَحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أَنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِ، إِلاَّ مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؟ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُونَ، وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". فَاخْتَلَفْنَا بَيْنَنَا فَقَالَ بَعْضُنَا نُسَبِّحُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنَحْمَدُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ، وَنُكَبِّرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ. فَرَجَعْتُ إِلَيْهِ فَقَالَ: "تَقُولُ: سُبْحَانَ اللهِ، وَالحَمْدُ لله، وَاللهُ أَكْبَرُ، حَتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ". [٦٣٢٩ - مسلم: ٥٩٥ - فتح: ٢/ ٣٢٥] ٨٤٤ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنْ وَرَّادٍ كَاتِبِ المُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ: أَمْلَى عَلَيَّ المُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فِي كِتَابٍ إِلَى مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةٍ مَكْتُوبَةٍ: "لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ، وَلَهُ الحَمْدُ، وَهْوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ،

стр. 3965

وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ". وَقَالَ شُعْبَةُ عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بِهَذَا، وَعَنِ الحَكَمِ عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ بِهَذَا. وَقَالَ الحَسَنُ: الجَدُّ غِنًى. [١٤٧٧، ٢٤٠٨، ٥٩٧٥، ٦٣٣٠، ٦٤٧٣، ٦٦١٥، ٧٢٩٢ - مسلم: ٥٩٣ - فتح: ٢/ ٣٢٥] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث معبد عن ابن عباس أَنَّ رَفْعَ الصَّوْتِ بِالذكْرِ حِينَ يَنْصَرِفُ النَّاسُ مِنَ المَكْتُوبَةِ كَانَ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ ابن عَبَّاسٍ: كُنْتُ أَعْلَمُ إِذَا انْصَرَفُوا بِذَلِكَ إِذَا سَمِعْتُهُ. وفي لفظ: كُنْتُ أَعْرِفُ انْقِضَاءَ صَلَاةِ النَّبِيِّ ﷺ بِالتَّكْبِيرِ. وقال سفيان عن عمرو قَالَ: كان أبو معبد أصدق موالي ابن عباس. الشرح: قوله: (وقال ابن عباس) هو من كلام أبي معبد عنه، كما بينه أحمد في "مسنده"، فإنه ذكره إلى قوله: (عَلَى عهد رسول الله ﷺ ) ثمَّ قَالَ: وإنه يعني: أبا معبد. قَالَ: قَالَ ابن عباس. فذكره (١). وفي مسلم: عن ابن عيينة، عن عمرو قَالَ: أخبرني بها أبو معبد ثمَّ أنكره بعد عن ابن عباس، قَالَ: نعرف انقضاء صلاة رسول الله بالتكبير. ثمَّ ساقه به. قَالَ عمرو: فذكرت لأبي معبد فأنكره، وقال: لم أحدثك بهذا. قَالَ عمرو: فقد أخبرتنيه قبل ذَلِكَ (٢). قَالَ الشافعي: كأنه نسيه بعد ما حدثه إياه (٣).

стр. 3966

قُلْتُ: ولا يقدح ذَلِكَ إِذَا كان الراوي عنه ثقة عند الجمهور خلافًا للكرخي. و (أبو معبد) اسمه: نافذ -بالذال المعجمة- مات سنة أربع أو تسع ومائة (١)، والحديث دال عَلَى ما ترجم له. ووجهه تقريره ﷺ ذَلِكَ من غير تكبر منه، وان نقل عن مالك وعبيدة أنه محدث، فالسلف عَلَى خلافه. ووجه الجهر التعليم، ثمَّ ظاهره المداومة. قَالَ الشافعي: وأختار للإمام والمأموم أن يذكر الله تعالى من الفراغ من الصلاة ويخفيان ذَلِكَ، إلا أن يقصدا التعليم فيعلما ثمَّ يسرا (٢)، وفيه أنه لم يكن يسمع جهر الصوت بتبليغ السلام، والذكر أعم من التكبير وغيره، وإنما لم يحضر ابن عباس الجماعة لصغره. وقول ابن عباس: (إن رفع الصوت بالذكر .. ) إلى آخره يدل أنه لم يكن يفعل ذَلِكَ الصحابة حين حدث ابن عباس به، إذ لو كان يفعل ذَلِكَ الوقت لم يكن، لقوله: (إن ذَلِكَ كان عَلَى عهد رسول الله ﷺ ). معنى، وهذا كما كان أبو هريرة يكبر في كل خفض ورفع، ويقول: أنا أشبهكم صلاة برسول الله ﷺ . فالتكبير إثر الصلاة، مثل هذا مما لم يواظب الشارع عليه طول حياته، وفَهِمَ أصحابه أن ذَلِكَ ليس بلازم فتركوه؛ خشية أن يظن أن من قصر علمه أنه مما لا تتم الصلاة إلا به، فلذلك كرهه من كرهه من الفقهاء؛ قاله ابن بطال (٣).

стр. 3967

الحديث الثاني: حديث سمي، عن أبي صالح عن أبي هريرة: جَاءَ فقراء المهاجرين إلَى رسول الله ﷺ فَقَالُوا: ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ مِنَ الأَمْوَالِ بِالدَّرَجَاتِ العُلَا … الحديث بطوله. وقد أخرجه مسلم أيضًا مطولًا، وفي رواية له أدرج قول أبي صالح: ثمَّ رجع فقراء المهاجرين إلى آخره، وفي آخره يقول سهيل: إحدى عشرة، إحدى عشرة، إحدى عشرة. فجميع ذَلِكَ كله ثلاث وثلاثون (١). وللبخاري في كتاب الأدعية: "تسبحون في كل صلاة عشرًا وتحمدون عشرًا وتكبرون عشرًا" ثمَّ قَالَ: ورواه أبو صالح عن أبي الدرداء (٢). قُلْتُ: أخرجه النسائي (٣)، وفي الترمذي في الأول: "والله أكبر أربعًا وثلاثين، ولا إله إلا الله عشرًا" ثمَّ قَالَ: حسن غريب (٤). وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "سبح الله عند دبر كل صلاة ثلًاثا وثلاثين، وحمد الله ثلًاثا وثلاثين وكبر الله ثلًاثا وثلاثين، فذلك تسعة وتسعون ثمَّ قَالَ تمام المائة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك، وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، غفرت خطاياه

стр. 3968

وإن كانت مثل زبد البحر" (١). وفي أفراده من حديث كعب بن عجرة مرفوعًا: "معقبات لا يخيب قائلهن -أو فاعلهن- دبر كل صلاة مكتوبة: ثلاث وثلاثون تسبيحة، وثلاث وثلاثون تحميدة، وأربع وثلاثون تكبيرة" (٢). قَالَ الدارقطني: ورواه منصور وشعبة عن الحكم موقوفًا، وهو الصواب، فلعل لأجل ذا لم يخرجه البخاري. وفي "جامع الترمذي" -وقال: حسن صحيح- من حديث عبد الله بن عمرو مرفوعًا: "خصلتان -أو خلتان- لا يحافظ عليهما رجل مسلم إلا دخل الجنة، وهما يسير. ومن يعمل بهما قليل". قالوا: وما هما يا رسول الله؟ قَالَ: "أن يحمد الله ويسبحه ويكبره في كل صلاة عشرًا عشرًا" (٣). وفي "صحيح ابن حبان" (٤) من حديث ابن عمر أن رجلًا رأى فيما يرى النائم: أي شيء أمركم نبيكم؟ قَالَ: أمرنا أن نسبح ثلاثًا وثلاثين .. الحديث، فقال: سبحوا خمسًا وعشرين، واحمدوا خمسًا وعشرين، وكبروا خمسًا وعشرين، وهللوا خمسًا وعشرين، فتلك مائة؛ فلما أصبح ذكر ذَلِكَ لرسول الله ﷺ ، فقال: "افعلوا كما قَالَ الأنصاري". وأخرجه ابن خزيمة والحاكم وقال: صحيح الإسناد (٥).

стр. 3969

إذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: (الدثور): بضم الدال. الأموال الكثيرة، واحدها (دثر) بالإسكان، وحكي التحريك. قَالَ ابن سيده: لا يثنى ولا يجمع (١)، وخالفه أبو عمر المطرز، وقال الداودي: الدثور: الغنى، والدثور الاندراس، وهو من الأضداد. والدرجات يجوز أن تكون حسية ومعنوية. و (النعيم): ما يتنعم به. و (المقيم): الدائم. والسبقية يحتمل أن تكون في المعنى أو الزمن. وقوله: "كل صلاة" تشمل الفرض والنفل، وإن وقع التقييد في حديث كعب بن عجرة بالمكتوبة. وقوله: (فرجعت إليه) هو أبو صالح الراوي، عن أبي هريرة، وظاهر الحديث أولى من تأويله كما قاله القاضي (٢). الثاني: فيه تفضيل الغني الشاكر على الفقير الصابر، وهو أصح المذاهب الخمسة فيه، وإن كان جمهور الصوفية عَلَى ترجيح الفقير الصابر؛

стр. 3970

لسبقه قبل الأغنياء بخمسمائة عام، وهم مسئولون (١). الثالث: فيه فضل الذكر أدبار الصلوات، فإنه وقت فاضل، وفيه غير ذَلِكَ كما أوضحته في "شرح العمدة" (٢)، فراجعه منه، وستكون لنا عودة إليه في كتاب الرقاق وغيره إن شاء الله تعالى.

стр. 3971

الحديث الثالث: حديث سفيان، عن عبد الملك بن عمير، عن وراد، عن المغيرة بن شعبة أنه ﷺ كَانَ يَقُولُ فِي دُبُرِ كُلِّ صَلَاةِ مَكْتُوبَةِ: "لَا إله إِلَّا اللهُ .. " الحديث. وَقَالَ شُعْبَةُ، عَنْ عَبْدِ المَلِكِ بهذا، وَعَنِ الحَكَمِ، عَنِ القَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ، عَنْ وَرَّادٍ بهذا. وَقَالَ: الجَدُّ غِنًى. وذكره في الدعوات والرقاق والاعتصام وغيرها كما ستعلمه (١). وأخرجه مسلم: كان إِذَا فرغ من الصلاة وسلم قَالَ ذَلِكَ (٢)، وفي أخرى للبخاري: كان يقولها في دبر كل صلاة (٣). ولم يقل: مكتوبة. وأدخله البخاري في كتاب القدر (٤)، وكذا مالك لأجل: "لا مانع لما أعطيت .. ". إلى آخره (٥). والقاسم هذا احتج به مسلم والأربعة، واستشهد به البخاري كما ترى. والتعليقان أخرجهما السراج في "مسنده" بإسناد صحيح، قَالَ في الأول: حَدَّثنَا معاذ بن المثنى، حَدَّثَنِي أبي، ثنا أبي، عن عبد الملك (٦).

стр. 3972

وقال في الثاني: حَدَّثَنَا أبو المثنى، حَدَّثَنِي أبي، عن شعبة، حَدَّثَنِي الحكم بن عتيبة (١). و (سفيان) السالف هو: الثوري. كما قاله خلف والبيهقي، ولابن خزيمة: لا إله إلا الله. ثلاث مرات (٢). وفي الباب حديث ابن الزبير في مسلم (٣)، وغير ذَلِكَ مما محله "عمل اليوم والليلة" للنسائي (٤)، وأبي نعيم (٥)، وغيرهما (٦). و (دُبُر): بضم الدال والباء، وتسكن. و (الجد): بفتح الجيم عَلَى الأشهر: الغنئ والحظ، وحكي الكسر فيهما، أي: الاجتهاد في الدنيا. و (منك): عَلَى بابها، بمعنى: البدل، ولا بمعنى: عندك، كما في "الصحاح"، المعنى: لا ينفع ذا المال ماله إن أنت أردته بسوء، وقد أوضحت الكلام عليه في "شرح العمدة"، فليراجع منه أيضًا (٧).

стр. 3973

١٥٦ - باب يَسْتَقْبِل الإِمَامُ النَّاسَ إِذَا سَلَّمَ ٨٤٥ - حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَجَاءٍ، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. [١١٤٣، ١٣٨٦، ٢٠٨٥، ٢٧٩١، ٣٢٣٦، ٣٢٥٤، ٤٦٧٤، ٦٠٩٦، ٧٠٧٤ - مسلم: ٢٢٧٥ - فتح: ٢/ ٣٣٣] ٨٤٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مَسْلَمَةَ، عَنْ مَالِكٍ، عَنْ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ، عَنْ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ الجُهَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللهِ ﷺ صَلَاةَ الصُّبْحِ بِالحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ كَانَتْ مِنَ اللَّيْلَةِ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ: "هَلْ تَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ؟ ". قَالُوا: اللهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ: "أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي، وَكَافِرٌ بِالكَوْكَبِ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ". [١٠٣٨، ٤١٤٧، ٧٥٠٣ - مسلم: ٧١ - فتح:٢/ ٣٣٣] ٨٤٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، سَمِعَ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إِلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا، وَإِنَّكُمْ لَنْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرْتُمُ الصَّلَاةَ". [انظر: ٥٧٢ - مسلم: ٦٤٠ - فتح: ٢/ ٣٣٤] ذكر فيه أحاديث: أحدها: حديث جرير بن حازم عن أبي رَجَاءٍ عمران بن ملحان، عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ، قَالَ: كَانَ النَبِيُّ ﷺ إِذَا صَلَّى صَلَاةً أقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ. هذا الحديث أخرجه البخاري أيضًا في الجنائز، والبيوع، وبدء

стр. 3974

الخلق، والجهاد، والأدب، وصلاة الليل (١)، وأخرجه مسلم أيضًا وفيه: إِذَا صلى الصبح (٢). ولأبي نعيم والإسماعيلي: الغداة. و (جرير) هذا ثقة، ولما اختلط حجبه ولده. وقال ابن التين: هو ثقة، لنكه قيل: يغلط. والبخاري لا يدخل ما غلط فيه، وذكره البخاري أيضًا في باب: ما قيل في أولاد المشركين. وفي بعض النسخ: لما ذكر أولاد المشركين. قَالَ: (باب). ولم يترجم له، ثمَّ ساق بالسند المذكور الحديث، وفيه: فقال: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " وذكر رؤياه بطولها، ولم يذكر ما ترجم له وهو: أولاد المشركين. وكأنه أحال عَلَى أنه في الحديث الذي ذكره في كتاب التعبير عَلَى ما هو عادته (٣)، وهو قال عَلَى استحباب إقبال الإمام بعد صلاته عَلَى أصحابه، وقد أسفلنا الخلاف في كيفيته. قَالَ المهلب: وهو عوض من قيامه من مصلاه؛ لأن قيامه إنما هو ليعرف الناس بفراغ الصلاة (٤)، وقد قَالَ مالك، في إمام مسجد القبائل والجماعات: لا بد أن يقوم من موضعه ولا يقوم في داره وسفره إلا أن يشاء (٥) -قَالَ ابن خربوذ: من غير أن يستقبل القبلة- وفي بقاء الإمام في موضعه تخليط عَلَى الداخلين، وأن موضع الإمام موضع حظه وولائه،

стр. 3975

فإذا قضى صلاته زال منه، وفيه ضرب من الرياء فإنه يجب أن يعلم الناس أنه الإمام. ذكره ابن التين. وكان علي إِذَا صلى استقبل القوم بوجهه (١)، وكان النخعي إِذَا سلم انحرف واستقبل القوم (٢)، وفي طريقه الآخر إباحة الكلام في العلم وغيره، وكان يسألهم عن الرؤيا لما كانوا عليه من الصلاح والصدق فيحصل به الاطلاع عَلَى المغيبات، وفيه: اهتمام بالرؤيا والتشوق إلى فوائدها، وأن تعبيرها إنما يكون عَلَى ذي ود. ولنتكلم عَلَى ألفاظ وقعت في هذِه الرؤيا المطولة؛ لتخف علينا المؤنة عند الوصول إلى موضعها -إن شاء الله وقدره- ومسارعة إلى الخيرات. فقوله: "من رأى منكم الليلة رؤيا؟ " كذا هنا، وفي مسلم "البارحة" بدل "الليلة" (٣) والمراد به: الليلة الذاهبة، اسم فاعل من برح الشيء إِذَا ذهب، ومنه قولهم: برح الخفاء، أي: ذهب، وإذا دخل حرف النفي عَلَى (برح) صار من أخوات (كان) التي ترفع الاسم وتنصب الخبر، وصوب ابن الجوزي ما في البخاري، وذاك من تغيير الرواة للرواية بالمعنى، وغلط من سوى بينهما. قَالَ أبو منصور اللغوي: من الغلط أن تقول فيما بين صلاة الفجر إلى الظهر: فعلت البارحة كذا، والصواب أن تقول: فعلت الليلة كذا، إلى الظهر، وتقول بعد ذَلِكَ: فعلت البارحة إلى آخر اليوم. قُلْتُ: لعله من باب المجاز، والحقيقة ما ذكر.

стр. 3976

واستدل به بعضهم عَلَى أن ما بعد طلوع الفجر إلى طلوع الشمس من الليل، ولا يصح لأنه إنما أشار إلى الليلة الماضية لا إلى الساعة الحاضرة، بدليل رواية: "البارحة" ومعناها: الماضية باتفاق، ولما كانت قرينة الانصرام أشار إليها، واكتفي بذكر الليلة عن صفتها للعلم بها، ولما كانت البارحة صفة معلومة لليلة استعملها غير متابعة استعمال الأسماء، وكان الأصل الجمع بين التابع والمتبوع، فيقال: الليلة، والبارحة. لكن جاز ذَلِكَ لما ذكرنا. قَالَ ابن العربي: وكان ﷺ يسأل عن الرؤيا استشرافًا للبشرى، واستطلاعًا لما يكون، وحرصًا عَلَى الخير، فلما ذكر له ابن زئل (١) تلك الرؤيا وعلم ما فيها من الشدائد ترك السؤال حتى يأتي الله مما شاء من أمره، وهو حديث مظلم السند، فيه: قَالَ: رأيت كأنك يا رسول الله على منبر فيه سبع درجات وأنت في أعلاها درجة، وعن يمينك رجل آدم طوال، إِذَا تكلم يكاد يفزع الرجال، وعن يسارك رجل ربعة أحمر، كثير خيلان الوجه، إِذَا تكلم أصغيتم له، وأمام ذَلِكَ شيخ تقتدون به، وإذا أمام ذَلِكَ ناقة عجفاء، وإذا أنت كأنك تبعتها. فانتقع لون رسول الله ﷺ ساعة ثمَّ سري عنه وقال: "أما المنبر فالدنيا سبعة آلاف سنة وأنا في آخرها ألفًا، وأما الرجل الطويل فموسى، والربعة عيسى، والشيخ إبراهيم، وأما الناقة العجفاء فهي

стр. 3977

الساعة، علينا تقوم، لا نبي بعدي، ولا أمة بعد أمتي" (١). قَالَ ابن العربي: فما سأل رسول الله ﷺ أحدًا عن رؤيا إلا أن يجيء الرجل متبرعًا فيحدثه (٢). وذكر أبو عبد الله محمد بن يحيى بن الحذاء في كتابه "البشرى في تأويل الرؤيا"، في قولهْ "هل رأى منكم أحد الليلة رؤيا" دليل عَلَى أن تأويلها والإخبار بها في صبيحة الليلة التي رؤيت فيها أولى؛ لقرب ذَلِكَ من رؤيتها، وإذا بعدت دخل ذَلِكَ النسيان والسهو وتأويل الرجل المضطجع يدل عَلَى غفلة في الدين، ولا غفلة أكثر من تضييع القرآن والصلاة. والذي يشق شدقه، فلأن الشدق موضع الكلام، فوقعت العقوبة فيه كما وقعت في رأس النائم الغافل، إذ الرأس موضع النوم والغفلة، وأما الزناة وعريهم فلأن اللباس ستر الله الذي كان يسترهم به، فلما كشفوه كشفه الله تعالى وفضحهم. والنهر من الدم، وفيه آكل الربا، فلا شك أن آكل الربا يؤذن بحرب من الله ورسوله، ومن حاباه قتل، ومن قتل سأل دمه، فكأنه غرق فيه؛ لكثرته.

стр. 3978

وقوله: أرض مقدسة. جاء في الإسماعيلي: مستوية. وقوله: "يدخل ذَلِكَ الكلوب في شدقه" وفي رواية أخرى له: "فيشرشر شدقه إلى قفاه، ومنخره إلى قفاه، وعينه إلى قفاه فيشق". وفي أخرى: "ثمَّ تحول إلى الجانب الآخر، فيفعل به كذلك" (١). وقد فسره في الحديث. وقول البخاري: (وقال بعض أصحابنا عن موسى بن إسماعيل) هذا ذكره أبو نعيم فقال: حَدَّثَنَا الطبراني، ثنا العباس بن الفضل، ثنا موسى ابن أبي إسماعيل فذكره. وقوله: "ثمَّ يفعل الآخر بشدقه". كذا وقع هنا، وفي رواية: "ثمَّ يفعل بشدقه الآخر". وصحح. وقوله: "فيشدج" أي: يكسر. وفي رواية: "فيثلغ" (٢) أي: يشق ويفضخ. وقوله: "يتدهده" وفي أخرى: "فيتدهدى" أي: يتدحرج، تقول: دهدهت الحجر ودهديتُه. والنقب: قَالَ صاحب "المطالع": رواه بعضهم بمثلثة، وللأصيلي بنون وقاف مفتوحة، وهو الطريق. وقوله: "فإذا أقترت ارتفعوا" قَالَ ابن التين: كذا وقع في رواية أبي الحسن: قترت، وعند أبي ذر: أقترت، وصوابه قترت بالقاف ومعناه: ارتفعت، أي: لهبت وارتفع فوارها، لأن القتر: الغبار. قَالَ أبو نصر: قتر اللحم يقتر بالكسر إِذَا ارتفع قتاره، وقتر بالكسر لغة فيه، قَالَ: وأما

стр. 3979

فترت بالفاء فلا أعلم له وجهًا، لكن بعده إِذَا خمدت، وهو بمعنى: فترت، وأما أقترت فمثل قترت، وفي "المطالع": قترت. للقابسي وابن السكن وعبدوس، وعند أبي ذر والأصيلي: أقترت. وعند النسفي: "فإذا وقدت ارتفعوا" وهو الصحيح بدليل قولة بعد: "فإذا خمدت رجعوا". الحديث الثاني: حديث زيد بن خالد الجهني أَنَّهُ قَالَ: صَلَّى لنَا رَسُولُ الله ﷺ صَلَاةَ الصُّبْح بِالْحُدَيْبِيَةِ عَلَى إِثْرِ سَمَاءٍ .. الحديث. وفي آخره "وَأمَّا مَنْ قَالَ مطرنا بِنَوْءِ كذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي، وَمُؤْمِنٌ بِالكَوْكَبِ". الشرح: الكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا الحديث يأتي إن شاء الله تعالى في الاستسقاء، والمغازي، والتوحيد (١)، وأخرجه مسلم في الإيمان (٢). ثانيها: المختار تخفيف ياء الحديبية، ولحن من شدَّدها، وهو لغة أهل العراق. قَالَ ابن سيده: قيل: إن حكي التخفيف عن بعضهم، فالحديبية

стр. 3980

موضع، وقيل: بئر سمي المكان بها (١). وهي من الحل، خلافًا لمالك. والسماء هنا المطر؛ لأنه يأتي منها، وكل عال فهو سماء. والإثر مثلث الهمزة، وفيه أن السماء مؤنثة، ولعل ذَلِكَ عَلَى لفظها، لا على معناها؛ لأن السماء تذكر وتؤنث إِذَا لم يرد بها المطر. وقوله: (فلما انصرف أقبل عَلَى الناس) هو موضع الترجمة، وقال القرطبي: أي انصرف من صلاته وفرغ منها، وظاهره أنه لم يكن يثبت في مكان صلاته بعد سلامه بل كان ينتقل عنه، ويتغير عن حالته، وهذا يستحبه مالك للإمام في المسجد (٢). وقد سلف. قوله: ("هل تدرون؟ ") لفظة استفهام ومعناها: التنبيه. يعني: اعلموا ما قَالَ ربكم. والظاهر أن المراد هنا بالكفر الحقيقي؛ لأنه قابله بالإيمان الحقيقي، فمن اعتقد أن المطر من فعل الكواكب فهو كافر كما ستعلمه، ومن اعتقد أن الله خلقه واخترعه فهو مخطئ لا كافر، ووجهه أنه خالف الشرع، فإنه حذر من الإطلاق؛ ولأنه تشبه بأهل الكفر في قولهم؛ لأنا أُمرنا بمخالفتهم، ونهينا عن التشبه بهم، وذلك يقتضي الأمر بمخالفتهم في الأقوال والأفعال، فلو قَالَ غير هذا اللفظ الممنوع يريد به الإخبار عما أجرى الله به سببه جاز. وفي "موطأ مالك": إِذَا نشأتْ بَحْرَّية ثمَّ تشامت فتلك عين غديقة (٣).

стр. 3981

والنوء: الكوكب. وجمعه أنواء، وهي ثمانية وعشرون نجمًا معروفة المطالع في أزمنة السنة كلها، يسقط منها في كل ثلاثة عشر نجم في المغرب مع طلوع الفجر، ويطلع آخر مقابله في المشرق في ساعته، وسمي نوءًا؛ لأنه إِذَا سقط الساقط ناء الطالع، وذلك النهوض هو النوء، فسمي النجم نوءًا لذلك، وانقضاء هذِه الثمانية والعشرين مع انقضاء السنة، وكانت الجاهلية إِذَا سقط منها نجم وطلع آخر يقولون: لا بد أن يكون عند ذَلِكَ مطر ورياح، فيقولون: مطرنا بنوء كذا. وقال ابن الأعرابي: الساقطة منها في الغرب هي الأنواء، والطالعة منها في الشرق هي البوارح. قَالَ صاحب "المطالع": فمنهم من يجعله الطالع؛ لأنه ناء، ومنهم من ينسبه للغارب، قَالَ: وقد أجاز العلماء أن يقال: مطرنا في نوء كذا، ولا يقال: بنوء كذا. ويحكى عن أبي هريرة أنه كان يقول: مطرنا بنوء الله. وفي رواية: مطرنا بنوء الفتح، ثمَّ يتلو: ﴿مَا يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا﴾ (١) [فاطر: ٢] وفي "المحكم" بعضهم يجعل النوء السقوط. كأنه من الأضداد (٢). وفي "الأنواء الكبير" لأبي حنيفة: الذي عندي في الحديث أن المطر كان من أجل أن الكوكب ماء، وأنه هو الذي هاجه، ثمَّ أنشد عَلَى ذَلِكَ، قَالَ: وأما من زعم أن الغيث حصل عند سقوط الثريا فهذا وما أشبهه إنما هو إعلام للأوقات والفصول، وليس من وقت ولا زمن إلا وهو معروف بنوع من مرافق العباد يكون فيه دون غيره، وقد قَالَ عمر

стр. 3982

للعباس وهو يستسقي الناس: يا عم رسول الله، كم بقي علينا من نوء الثريا (١)؟ فإن العلماء بها يزعمون أنها تعترض في الأفق سبعًا. وقال ابن عباس لامرأة: خطأ الله نوءها (٢). يريد أخطأها الغيث. فلو لم يدلك عَلَى افتراق المذهبين في ذكر الأنواء إلا هذان الخبران لكفى بهما دليلًا. هذا وابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿وَتَجْعَلُونَ رِزْقَكُمْ أَنَّكُمْ تُكَذِّبُونَ (٨٢)﴾ [الواقعة: ٨٢] وكان علي يقرؤها: (وتجعلون شكركم) (٣). وقد اختلف العلماء في كفر من قَالَ: مطرنا بنوء كذا. عَلَى قولين حكاهما النووي: أحدهما: نعم، إِذَا اعتقد أنه فاعل مدبر منشئ المطر كما كان بعض الجاهلية يزعم، ومن اعتقد هذا فلا شك في كفره، وهذا القول هو الذي ذهب إليه الجمهور منهم الشافعي (٤)، وهو ظاهر الحديث، قالوا: وعلى هذا القول لو قَالَ: مطرنا بنوء كذا، معتقدًا أنه من الله وبرحمته، وأن النوء صفات له وعلامة اعتبارًا بالعادة، فكأنه قَالَ: مطرنا في وقت كذا، فهذا لا يكفر، واختلف في كراهته، والأظهر نعم تنزيهًا؛ لترددها بين الكفر وغيره، ويساء الظن بصاحبها؛ لأنها شعار الجاهلية كما سلف. والقول الثاني: في أجل تأويل الحديث أن المراد: كفر نعمة الله

стр. 3983

تعالى؛ لاقتصاره عَلَى إضافة الغيث إلى الكوكب، وهذا فيمن لا يعتقد تدبيره (١). الحديث الثالث: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بن منير، سَمِعَ يَزِيدَ، أنبأ حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: أَخَّرَ رَسُولُ الله ﷺ الصَّلَاةَ ذَاتَ لَيْلَةٍ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ ثُمَّ خَرَجَ عَلَيْنَا، فَلَمَّا صَلَّى أَقْبَلَ عَلَيْنَا بِوَجْهِهِ فَقَالَ: "إِنَّ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا وَرَقَدُوا" … الحديث. سلف الكلام عليه في باب: وقت العشاء إلى نصف الليل (٢). ويزيد هذا هو ابن هارون، وقد جاء مصرحًا به في بعض الروايات: يعني: ابن هارون. وصرح به أيضًا أبو نعيم، ورواه عن حميدٍ يزيدُ بن زريع كما سيأتي بعد وزائدة (٣)، كما سلف.

стр. 3984

١٥٧ - باب مُكثِ الإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ ٨٤٨ - وَقَالَ لَنَا آدَمُ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ قَالَ: كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ القَاسِمُ. وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: "لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ". وَلَمْ يَصِحَّ. [فتح: ٢/ ٣٣٤] ٨٤٩ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، حَدَّثَنَا الزُّهْرِيُّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا. قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَنُرَى -واللهُ أَعْلَمُ- لِكَيْ يَنْفُذَ مَنْ يَنْصَرِفُ مِنَ النِّسَاءِ. [انظر: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ٣٤٤] ٨٥٠ - وَقَالَ ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ: أَخْبَرَنَا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ قَالَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ، أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَتَبَ إِلَيْهِ قَالَ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ ، وَكَانَتْ مِنْ صَوَاحِبَاتِهَا- قَالَتْ: كَانَ يُسَلِّمُ، فَيَنْصَرِفُ النِّسَاءُ، فَيَدْخُلْنَ بُيُوتَهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَنْصَرِفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وَقَالَ الزُّبَيْدِىُّ: أَخْبَرَنِي الزُّهْرِيُّ، أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ الحَارِثِ القُرَشِيَّةَ أَخْبَرَتْهُ، وَكَانَتْ تَحْتَ مَعْبَدِ بْنِ المِقْدَادِ -وَهْوَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ- وَكَانَتْ تَدْخُلُ عَلَى أَزْوَاجِ النَّبِيِّ ﷺ . وَقَالَ شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القُرَشِيَّةُ. وَقَالَ ابْنُ أَبِي عَتِيقٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ الفِرَاسِيَّةِ. وَقَالَ اللَّيْثُ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ، حَدَّثَهُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنِ امْرَأَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ حَدَّثَتْهُ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ . [انظر: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ٣٣٤] وقال لنا اَدَمُ: ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ: كَانَ ابن عُمَرَ يُصَلِّي فِي مَكَانِهِ الذِي صَلَّى فِيهِ الفَرِيضَةَ، وَفَعَلَهُ القَاسِمُ. وُيذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَفَعَهُ: "لَا يَتَطَوَّعُ الإِمَامُ فِي مَكَانِهِ". وَلَمْ يَصِحَّ.

стр. 3985

الشرح: قوله: (وقال لنا آدم) هو من باب المذاكرة، وقد أسنده ابن أبي شيبة، عن ابن علية، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر أنه كان يصلي سبحته مكانه (١). وأثر القاسم أخرجه ابن أبي شيبة، عن معتمر، عن عبيد الله بن عمر قَالَ: رأيت القاسم وسالمًا يصليان الفريضة ثمَّ يتطوعان في مكانهما قَالَ: وأنبأني نافع أن ابن عمر كان لا يرى به بأسًا (٢). وحديث أبي هريرة رواه أبو داود وابن ماجه من حديث حماد وعبد الوارث، عن ليث، عن حجاج بن عبيد، عن إبراهيم بن إسماعيل، عن أبي هريرة قال: قَالَ رسول الله ﷺ : "أيعجز أحدكم أن يتَقَدَّمَ أو يَتَأَخَّرَ، أو عن يمينِه أو عن شِماله في الصلاة" (٣) يعني: في السُّبْحَةِ، سكت عليه أبو داود، وفيه مجهول كما قَالَه أبو حاتم (٤)،

стр. 3986

وهو إبراهيم بن إسماعيل. قَالَ البخاري (١): وإسماعيل بن إبراهيم أصح. وليث بن أبي سليم، وأخرجه البيهقي من طرقٍ إليه (٢). ونقل عن البخاري أنه قَالَ: الليث يضطرب فيه، وطرقه الدارقطني في "علله"، ثمَّ قَالَ: ولا يصح، والاضطراب من ليث بن أبي سليم (٣). ونقل المزي في "تهذيبه" عن البخاري أن الحديث لم يثبت ولم يصح إسناده (٤). ثمَّ ساق البخاري حديث الزهري عن هند بنت (٥) الحارث عن أم سلمة. أنه ﵇ -كَانَ إِذَا سَلَّمَ يَمْكُثُ فِي مَكَانِهِ يَسِيرًا … الحديث. وقد سلف في باب التسليم (٦). ثم قَالَ: وَقَالَ ابن أَبِي مَرْيَمَ: أنبا نَافِعُ بْنُ يَزِيدَ: أَخْبَرَنِي جَعْفَرُ بْنُ رَبيعَةَ، أَنَّ ابن شِهَاب كَتَبَ إِلَيْهِ: حَدَّثَتْنِي هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ الفِرَاسِيَّةُ، عَنْ أُمَّ سَلَمَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ- ﷺ ، وَكَانَتْ مِنْ صواحبها- وَقَالَ ابن وَهْبٍ، عَنْ يُونُسَ، عَنِ ابن شِهَابٍ: أَخْبَرَتْنِي هِنْدُ الفِرَاسِيَّةُ. وهذا أسنده النسائي، عن محمد بن مسلمة، عن ابن وهب (٧).

стр. 3987

ثم قال: قَالَ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ: أنا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، حَدَّثَتْنِي هِنْدُ القرشية. هذا رواه بعد، عن عبد الله بن محمد، عن عثمان به، ثمَّ علقه بعد من طريقين وفيه: القرشية. وفي إحداهما: وكانت تحت معبد بن المقداد وهو حليف بني زهرة، وكانت تدخل على أزواج رسول الله ﷺ . وفي ثالث: الفراسية. وفي رابع: عن امرأة من قريش حدثته عن النبي ﷺ ، وحاصل ما ذكره أن جعفر بن ربيعة وابن أبي عتيق ويونس في حديث ابن وهب يقولون: الفراسية. وأن عثمان بن عمر، عن يونس والزبيدي وشعيب والليث، عن يحيى بن سعيد: القرشية. وقال يحيى: عن امرأة من قريش حدثته. قَالَ الداودي: وليس هذا الاختلاف بمانع من أن تكون فراسية من بني فراس ثمَّ من بني فارس ثمَّ من قريش، فنسبت مرة إلى أب من آبائها ومرة إلى أب آخر ومرة إلى غيره من آبائها، كما يقال في جابر بن عبد الله: السلمي والأنصاري، وسعد بن ساعدة: الساعدي والأنصاري. واعترض ابن التين على قول الداودي: ثمَّ من بني فارس. وقال: ما علمت له وجهًا؛ لأن فارس أعجمي، وفراس وقريش عرب، وليس في البخاري ذكر فارس. وذكر عن الشيخ أبي عمران أنه قَالَ جعلها قرشية لما حالف زوجها فيهم؛ لما سلف في رواية الزبيدي. أما فقه الباب وهو مكث الإمام في مصلاه بعد السلام، فأكثر العلماء -كما نقله عنهم ابن بطال- عَلَى كراهته، إِذَا كان إمامًا راتبًا إلا أن يكون مكثه لعلة كما فعله الشارع. قَالَ: وهو قول الشافعي

стр. 3988

وأحمد (١) (٢). وقد أسلفنا قول مالك فيه في الباب قبله. وقال أبو حنيفة: كل صلاة يتنفل بعدها يقوم بعد، وما لا يتنفل بعدها كالعصر والصبح، فهو غير (٣)، وهو قول أبي مجلز (٤). وقال القاضي في "شرح الرسالة": من أصحابنا من يحمل قول مالك عَلَى صلاة لا نافلة بعدها، أما إِذَا كان يتنفل بعدها فلا بأس أن يجلس في موضعه، وظاهر قول مالك الأفضل فإن كان ذَلِكَ مجلسه فذلك واسع؛ لأنه إنما يستحب لَهُ ذَلِكَ إِذَا كان قصده لأجل الصلاة. وقال أبو محمد: ينتقل في الصلوات كلها؛ ليتحقق المأموم أنه لم يبق عليه من سجوده سهو ولا غيره، كذا نقله عن أبي محمد ابن بطال (٥). وحكاه شيخنا قطب الدين في "شرحه" عن محمد بن الحسن وتوبع (٦)، ورأيته في "شرح ابن التين" أيضًا. وذكر ابن أبي شيبة، عن ابن مسعود وعائشة قالا: كان النبي ﷺ إِذَا سلم لم يقعد إلا بقدر ما يقول: "اللهم أنت السلام، ومنك السلام، تباركت يا ذا الجلال والإكرام" وقال ابن مسعود أيضًا: كان ﷺ إذا قضى صلاته انفتل سريعًا، إما أن يقوم، وإما أن ينحرف (٧). وقال ابن جبير: شرق أو غريب ولا تستقبل القبلة. وقال قتادة: كان

стр. 3989

الصديق إِذَا سلم كأنه عَلَى الرضف حتَّى ينهض (١). وقال ابن عمر: الإمام إِذَا سلم قام (٢). وقال مجاهد: قَالَ عمر: جلوس الإمام بعد السلام بدعة (٣). وذهب جماعة الفقهاء إلى أن الإمام إِذَا سلم قَالَ: من صلى خلفه من المأمومين يجوز لهم القيام قبل قيامه إلا رواية عن الحسن والزهري. وذكرها عبد الرزاق قَالَ: لا تنصرفوا حتَّى يقوم الإمام (٤). قَالَ الزهري: "إنما جعل الإمام ليؤتم به" (٥). وجماعة الناس عَلَى خلافهما، وروى معمر عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قَالَ: إِذَا فرغ الإمام ولم يقم ولم ينحرف، وكانت لك حاجة، فاذهب ودعه، فقد تمت صلاتك (٦). وروى ابن شاهين في "المنسوخ" من حديث سفيان، عن سماك، عن جابر: كان النبي ﷺ إِذَا صلى الغداة لم يبرح من مجلسه حتَّى تطلع الشمس حسنًا (٧). وفي حديث ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس:

стр. 3990

صليت مع النبي ﷺ فكان ساعة يسلم يقوم، ثمَّ صليت مع أبي بكر فكان إِذَا سلم وثب من مكانه كأنه يقوم عَلَى رضفه (١). ثمَّ حمل ابن شاهين الأول عَلَى صلاة لا يعقبها نافلة، والثاني عَلَى مقابله. ثمَّ اعلم أن الجمهور عَلَى أن الإمام لا يتطوع في مكانه الذي صلى فيه الفريضة. وذكر ابن أبي شيبة عن علي: لا يتطوع الإمام حتَّى يتحول من مكانه أو يفصل بينهما بكلام، وكرهه ابن عمر للإمام ولم ير به بأسًا لغيره. وعن عبد الله بن عمرو مثله (٢). وروى موسى عن القاسم: إن الإمام إِذَا سلم فواسع أن ينتقل من مكانه (٣). قَالَ ابن بطال: وهذا لم أجده لغيره من العلماء (٤). قُلْتُ: لكنه قول أشهب فيما حكاه ابن التين ودل عَلَى الفصل من السنة الصحيحة حديث مسلم أن معاوية رأى السائب ابن أخت نمر صلى معه الجمعة في المقصورة قَالَ: فلما سلم الإمام قمت في مقامي فصليت، فأرسل إلي: لا تعد، إِذَا صليت الجمعة فلا تَصِلْهَا بصلاة حتَّى تتكلم أو تخرج، فإن رسول الله ﷺ أمرنا بذلك (٥). وفي "سنن أبي داود" من حديث عطاء الخراساني عن المغيرة، مرفوعًا

стр. 3991

"لا يصلي الإمام في الموضع الذي صلى فيه حتَّى يتحول" ثم قَالَ: عطاء لم يدرك المغيرة (١). وفي البيهقي من حديث علي: قَالَ: من السنة إِذَا سلم الإمام أن لا يقوم من موضعه الذي صلى فيه حتَّى ينحرف أو يفصل بكلام (٢). ولفظ ابن أبي شيبة: لا يتطوع الإمام حتَّى يتحولَ من مكانه أو يفصل بينهما بكلام (٣). وفي حديث أم سلمة من الفقه أن خروج النساء ينبغي أن يكون قبل خروج الرجال.

стр. 3992

١٥٨ - باب مَنْ صلَّى بِالنَّاسِ فَذَكرَ حَاجَةً فَتَخَطَّاهُمْ ٨٥١ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عِيسَى بْنُ يُونُسَ، عَنْ عُمَرَ بْنِ سَعِيدٍ، قَالَ: أَخْبَرَنِي ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إِلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزِعَ النَّاسُ مِنْ سُرْعَتِهِ، فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ، فَرَأَى أَنَّهُمْ عَجِبُوا مِنْ سُرْعَتِهِ فَقَالَ: "ذَكَرْتُ شَيْئًا مِنْ تِبْرٍ عِنْدَنَا، فَكَرِهْتُ أَنْ يَحْبِسَنِي، فَأَمَرْتُ بِقِسْمَتِهِ" [انظر: ١٢٢١، ١٤٢٠، ٦٢٧٥، فتح ٢/ ٣٣٦] ذكر فيه حديث عمر بن سعيد، عن ابن أَبِي مُلَيْكَةَ، عَنْ عُقْبَةَ قَالَ: صَلَّيْتُ وَرَاءَ النَّبِيِّ ﷺ بِالْمَدِينَةِ العَصْرَ، فَسَلَّمَ ثُمَّ قَامَ مُسْرِعًا، فَتَخَطَّى رِقَابَ النَّاسِ إلَى بَعْضِ حُجَرِ نِسَائِهِ، فَفَزعَ النَّاسُ .. الحديث. الشرح: هذا الحديث ذكره البخاري هنا وفي أواخر الصلاة في باب: يفكر الرجل الشيء في الصلاة. ولفظه: "ذكرت وأنا في الصلاة تبرًا عندنا فكرهت أن يمسي أو يبيت عندنا" (١) والزكاة في باب: من أحب تعجيل الصدقة في يومها (٢)، وفي الاستئذان في موضعين (٣). وعقبة هذا هو: ابن الحارث أبو سروعة، بكسر السين وفتحها ويقال: بالفتح وضم الراء، أسلم يوم الفتح، وأهل النسب: الزبير وعمه مصعب وغيرهما يقولون: إن أبا سروعة هو أخو عقبة بن الحارث، وإنهما أسلما جميعًا يوم الفتح، وعقبة هو الذي قتل

стр. 3993

خبيبًا (١) وصلبه (٢). كذا في البخاري كما ستعلمه (٣)، وكذا ذكر مسلم أن أبا سروعة اسمه عقبة بن الحارث. وقال أبو حاتم: أبو سروعة قاتل خبيب، له صحبة، اسمه: عقبة بن الحارث وليس هو عندي بعقبة بن الحارث الذي روى عنه ابن أبي مليكة. كذا قَالَ في "الكنى". وقال في موضع آخر: عقبة بن الحارث بن عامر أبو سروعة له صحبة، روى عنه ابن أبي مليكة، أخرج له البخاري ثلاثة أحاديث، وأخرج لَهُ أبو داود والترمذي والنسائي (٤). وعمر بن سعيد (٥) الراوي عنه هو ابن أبي حسين النوفلي، ثقة، روى لَهُ الجماعة إلا أبا داود، ففي "مراسيله" (٦). وشيخ البخاري: محمد بن عبيد بن ميمون هو العلاف التبان المديني القرشي، روى عنه ابن ماجه أيضًا. قَالَ أبو حاتم: شيخ. وقال ابن حبان: ربما أخطأ (٧).

стр. 3994

وقوله: (ففزع الناس) سببه أنهم كانوا إِذَا رأوا منه غير ما يعهدون تخوفوا أن يكون أتى فيهم شيء. وقوله: (فخرج عليهم) سببه إما علمه بأنهم قد فزعوا، أو لعله يفرقه عليهم قبل أن يتفرقوا، والتبر: قطع الذهب. قيل: والفضة. قيل: جميع ما يستخرج من المعدن قبل أن يضرب دنانير. والقطعة منه: تبرة. قَالَ تعالى: ﴿إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ﴾ [الأعراف: ١٣٩] أي: منقطع ذاهب. وقيل: من التبر، وهو الهلاك والتبديد. وقيل: لأن صاحبه يلحقه من التعزير ما يوجب هلاكه، فهو من التبار، وهو الهلاك. وقوله: ("فيحبسني") أي: يشغل ضميري فيحبسه عما يريده من الأعمال. وقيل: يحبسني في الآخرة. حكاه ابن التين. وأما حكم الباب فالتخطي لما ترجم له مباح، ومثله ما لا غنى للإنسان عنه كإزالة حقنه ورعافه، والمكروه إِذَا كان في موضع يشغل الناس فيه عن الصلاة أو عن سماع الخطبة، فهو مكروه لأجل ذَلِكَ، وفيه أن من حبس صدقة المسلمين من وصية أو زكاة أو شبههما يخاف عليه أن يحبس في القيامة لقوله ﷺ : "كرهت أن يحبسني" يعني: في الآخرة، وفيه السرعة للحاجة المهمة، ولعله ﷺ أسرع؛ لئلا ينسى ما أراد فعله، أو لعله فعل ذَلِكَ ليفرقه عليهم قبل تفرقهم كما سلف. قَالَ الداودي: وفيه أنه كان لا يمسك شيئًا من الأموال غير الرباع، كما في الحديث الآخر: "ما يسرني أن لي مثل أحد ذهبًا تمرُّ عليَّ ثلاث وعندي منه شيء، إلا شيئًا أرصده لدين" (١). وفيه: أن من وجب عليه فرض فالمبادرة إليه أفضل.

стр. 3995

١٥٩ - باب الاِنْفِتَالِ وَالاِنْصِرَافِ عَنِ الْيَمِينِ وَالشِّمَالِ وَكَانَ أَنَسٌ يَنْفَتِلُ عَنْ يَمِينِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ، وَيعِيبُ عَلَى مَنْ يَتَوَخَّى، أَوْ يَعْمِدُ الانْفِتَالَ عَنْ يَمِينِهِ. ٨٥٢ - حَدَّثَنَا أَبُو الوَلِيدِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ سُلَيْمَانَ، عَنْ عُمَارَةَ بْنِ عُمَيْرٍ، عَنِ الأَسْوَدِ قَالَ: قَالَ عَبْدُ اللهِ: لَا يَجْعَلْ أَحَدُكُمْ لِلشَّيْطَانِ شَيْئًا مِنْ صَلَاتِهِ، يَرَى أَنَّ حَقًّا عَلَيْهِ أَنْ لَا يَنْصَرِفَ إِلَّا عَنْ يَمِينِهِ، لَقَدْ رَأَيْتُ النَّبِيَّ ﷺ كَثِيرًا يَنْصَرِفُ عَنْ يَسَارِهِ. [مسلم: ٧٠٧ - فتح: ٢/ ٣٣٧] هذا الأثر لا يحضرني من أسنده، نعم روى ابن أبي شيبة، عن وكيع، عن سفيان، عن السدي، عن أنس أن النبي ﷺ كان ينصرف عن يمينه (١)، وفي مسلم والنسائي عنه: أكثر ما رأيت رسول الله ﷺ ينصرف عن يمينه (٢). وفي "صحيح ابن حبان" من حديث قبيصة بن هُلْب عن أبيه قَالَ: أمنا رسول الله ﷺ فكان ينصرف عن جانبيه جميعًا (٣)، وأخرجه أبو داود وابن ماجه والترمذي، وقال: صح الأمران عن رسول الله ﷺ (٤).
следующие страницы →