← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4026–4065 · переход к 4031.

стр. 4026

البصري عن امرأة حلفت إن خرج زوجها من السجن أن تصلي في كل مسجد تجمع فيه الصلاة بالبصرة ركعتين، فقَالَ الحسن: تصلي في مسجد قومها؛ لأنها لا تطيق ذَلِكَ، لو أدركها عمر لأوجع رأسها (١). وفي "المدونة": لا تمنع النساء المساجد (٢). فيحتمل أن يريد: يحكم لهن به، ويحتمل أن يريد به حض الأزواج عَلَى إباحة ذَلِكَ لما كان لهم المنع، وعليه جماعة أهل العلم أن خروجهن مباح، قَالَه ابن التين. وقول عائشة: (ما أحدث النساء) تعني: من الطيب والتجمل وقلة التستر، قَالَ: وقولها: (كما منع نساء بني إسرائيل) يحتمل أن تكون شريعتهم المنع، ويحتمل أن يكون منعهن بعد الإباحة، ويحتمل غير ذَلِكَ مما لا طريق لنا إلى معرفته إلا بالخبر. وقال ابن مسلمة في "المبسوط": إنما يكره من خروجهن الفتنة للرائحة، أو الجميلة المشتهرة التي يكون في مثلها الفتنة (٣). قال الداودي: فكيف لعائشة لو أدركت وقتنا هذا. قُلْتُ: فكيف لو أدركت وقتنا هذا (٤). وكانت عاتكة بنت زيد امرأة عمر تقول: لأخرجن إلا أن يمنعني، وكان عمر شديد المغيرة، فكره منعها؛ لقوله ﷺ ، وكره خروجها، فذكر أنه جلس لها في الغلس في طريق المسجد، فمس طرف ثوبها وهي لا تعرفه، فرجعت، فقال لها: لم لا تخرجين، قالت: كنا

стр. 4027

نخرج حين كان الناس ناسا، وذكر أنه أعلمها بعد ذَلِكَ أنه فاعل ذَلِكَ، فقالت: ولو. وأبت أن تخرج. والبخاري ذكر بعض هذا في كتاب الجمعة كما ستعلمه (١). وروى ابن عباس أن امرأة جميلة دخلت المسجد، فوقفت في الصف الأول من صفوف النساء فمن الناس من تقدم حتَّى لا يراها، ومنهم من تأخر يلاحظها، فأنزل الله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْنَا المُسْتَقْدِمِينَ﴾ الآية [الحجر: ٢٤] (٢).

стр. 4028

وفي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعًا: "خير صفوف الرجال أولها وشرها آخرها، وخير صفوف النساء آخرها وشرها أولها" (١). قَالَ الخطابي: في حديث أبي قتادة دليل عَلَى أن الراكع إِذَا ما أحس بمقتدٍ مقبلا طوّلَ ليدركها، كما جاز التخفيف لسببه (٢). وفيه نظر كما أبداه ابن التين؛ لأن طول المقام ضرر بمن خلفه، ولا يستدل بالتخفيف عنهم عَلَى الشدة عليهم، وقد قَالَ القاضي أبو محمد: يكره فعل ذَلِكَ (٣). وفي كتاب ابن الحارث عن سحنون: تبطل صلاتهم. وفيه: أن من طول في صلاةٍ أو عرض له ما يخفف يراعيه، ويتجوز أيضًا؛ ليكلم أبويه، ومن عرضت له حاجة أيضًا، ومن دخل في نافلة قائمًا لا بأس أن يجلس لغير علة، قاله ابن القاسم. وقال أشهب: لا يجلس إلا من علة (٤).

стр. 4029

١٦٣ - باب صَلَاةِ النِّسَاءِ خَلْفَ الرَّجَالِ ٨٧٠ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ قَزَعَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ﵂ قَالَتْ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ، وَيَمْكُثُ هُوَ فِي مَقَامِهِ يَسِيرًا قَبْلَ أَنْ يَقُومَ. قَالَ: نَرَى -وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لِكَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُنَّ [أَحَدٌ] مِنَ الرِّجَالِ. [٨٧٥ - فتح: ٢/ ٣٥٠] حَدَّثَنَا يَحْييَ بْنُ قَزَعَةَ، ثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ هِنْدٍ بِنْتِ الحَارِثِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إِذَا سَلَّمَ قَامَ النِّسَاءُ حِينَ يَقْضِي تَسْلِيمَهُ .. الحديث. وقد سلف. ويحيى من أفراد البخاري، وأم سلمة: هند بنت أبي أمية بن المغيرة ابن عبد الله بن عمر بن مخزوم أم المؤمنين.

стр. 4030

١٦٤ - باب انْتِظَارِ النَّاسِ قِيَامَ الإِمَامِ العَالِمِ ٨٦٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ، أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: حَدَّثَتْنِى هِنْدُ بِنْتُ الحَارِثِ، أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ - أَخْبَرَتْهَا، أَنَّ النِّسَاءَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ كُنَّ إِذَا سَلَّمْنَ مِنَ المَكْتُوبَةِ قُمْنَ، وَثَبَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وَمَنْ صَلَّى مِنَ الرِّجَالِ مَا شَاءَ اللهُ، فَإِذَا قَامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ قَامَ الرِّجَالُ. [انظر: ٨٣٧ - فتح: ٢/ ٣٤٩] ٨٧١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ، عَنْ إِسْحَاقَ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فَقُمْتُ وَيَتِيمٌ خَلْفَهُ، وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. [انظر: ٣٨٠ - مسلم: ٦٥٨ - فتح: ٢/ ٣٥١] ذكر فيه حديث هند عن أم سلمة السالف. وحديث أنس: صَلَّى النَّبِيُّ ﷺ فِي بَيْتِ أُمِّ سُلَيْمٍ، فقمت ويتيم خلفه وَأُمُّ سُلَيْمٍ خَلْفَنَا. هكذا سنة صلاة النساء أن يقمن خلف الرجال كما سلف في الباب قبله، وذلك -والله أعلم- خشية الفتنة بهن، واشتغال النفوس بما جبلت عليه من أمورهن عن الخشوع في الصلاة، والإخلاص والإقبال عليها، وإخلاص الفكر فيها لله تعالى، إِذ النساء مزينات في القلوب، ومقدمات عَلَى جميع الشهوات، وهو أجل في سد الذرائع. ووجه ما بوب له قوله: (فإذا قام رسول الله ﷺ قام الرجال).

стр. 4031

١٦٥ - باب سُرْعَةِ انصِرَاف النِّسَاءِ مِنَ الصُّبْحِ، وَقِلَّةِ مَقَامِهِنَّ فِي المَسْجِدِ ٨٧٢ - حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ مُوسَى، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحٌ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ القَاسِمِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. [انظر: ٣٧٢ - مسلم: ٦٤٥ - فتح: ٢/ ٣٥١] ذكر فيه حديث فليح عن عبد الرحمن بن القاسم، عن أبيه، عن عائشة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يُصَلِّي الصُّبْحَ بِغَلَسٍ، فَيَنْصَرِفْنَ نِسَاءُ المُؤْمِنِينَ، لَا يُعْرَفْنَ مِنَ الغَلَسِ، أَوْ لَا يَعْرِفُ بَعْضُهُنَّ بَعْضًا. وقد سلف (١). وفليح لقب، واسمه: عبد الملك بن سليمان العدوي مولاهم المدني، مات سنة ثمانٍ وستين ومائة. قَالَ ابن معين وأبو حاتم والنسائي: ليس بالقوي (٢). وهذِه السنة المعمول بها أن ينصرف النساء في الغلس قبل الرجال؛ ليخفين أنفسهن، ولا يبن لمن لقيهن من الرجال، فهذا يدل أنهن لا يقمن في المسجد بعد تمام الصلاة، وهذا من باب سد الذرائع، والتحظير عَلَى حدود الله تعالى، والمباعدة بين الرجال والنساء خوف الفتنة ومواقعة الإثم في الاختلاط بهن. وقوله: (فينصرفن) قَالَ بعض من فسره: يبادرن بالخروج؛ لئلا يزاحمن الرجال.

стр. 4032

قَالَ ابن التين: وعندي أنهن يخرجن بانقضاء الصلاة؛ لأن الفاء تقتضي التعقيب، ويصح أن يبادرن لستر الظلام لهن، ويصح أن يفعلنه مبادرة لبيوتهن، وفعل ما يلزمهن فعله من أمور دنياهن.

стр. 4033

١١ كتاب الجمعة

стр. 4034

١١ - كتاب الجمعة ١ - باب فَرْضِ الجُمُعَةِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى: ﴿إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ الآية. ٨٧٦ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو الزِّنَادِ، أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ هُرْمُزَ الأَعْرَجَ -مَوْلَى رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ- حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ". [انظر: ٢٣٨ - مسلم: ٨٥٥ - فتح: ٤/ ٣٥٢] ثمَّ ذكر حديث أبي هريرة سَمِعَ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ القِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا، ثُمَّ هذا يَوْمُهُمُ الذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللهُ له، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، اليَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارى بَعْدَ غَدٍ".

стр. 4035

الشرح: الجمعة: بضم الميم وإسكانها وفتحها، حكاها الواحدي، وقرئ بها في الشواذ كما قاله الزمخشري (١)، وعن "المعاني" للزجاج أنه قرئ بكسرها أيضًا، والمشهور الضم، وبه قرئ في السبعة، سميت بذلك، لاجتماع الناس لها. وقيل: لما جمع فيها من الخير. وقيل: لاْن الله جمع فيه خلق آدم. وقيل: لاجتماع آدم فيه مع حواء في الأرض، وفيه حديث، وقيل: لأنه آخر الأيام الستة التي خلق الله فيها المخلوقات، فاجتمع جميع الخلق فيه. وفي "أمالي ثعلب": سمي بذلك لأن قريشًا كانت تجتمع إلى قصي في دار الندوة. وفي "الإنساب" للزبير: كانت تسمى: العروبة، وأن كعب بن لؤي كانوا يجتمعون إليه فيها فيخطبهم ويعلمهم بخروج سيدنا رسول الله ﷺ ، وأنه من ولده، قَالَ: فسميت الجمعة بذلك (٢). وقال ابن حزم: هو اسم إسلامي، ولم يكن في الجاهلية، وإنما كان يسمى في الجاهلية: العروبة. فسمي في الإِسلام الجمعة؛ لأنه يجتمع فيه للصلاة، اسمًا مأخوذًا من الجمع (٣). وادعى الشيخ أبو حامد في "تعليقه" أن الجمعة فرضت بمكة قبل الهجرة، وفيه نظر. والآية المذكورة مذكررة كلها في رواية أبي الوقت، وهذِه السورة مدنية، وهي من آخر ما نزل بها، وأنه لم ينزل بعدها إلا التغابن والتوبة والمائدة. كما ذكره الأستاذ أبو القاسم الحسن بن محمد بن حبيب في كتاب "ترتيب التنزيل".

стр. 4036

والنداء: الأذان، والمراد به: الأذان عند قعود الإمام عَلَى المنبر. وقوله: ﴿فَاسْعَوْا﴾ [الجمعة: ٩] أي: امضوا. وقد قرئ بها، وقيل: المراد به: القصد دون العدو. والذكر: الخطبة والصلاة. وفي هذِه الآية خمس فوائد: النداء للجمعة، والأمر بالسعي، والنهي عن البيع -وهو تنبيه عن كل ما يشغله مما هو في معناه- ووجوب الخطبة؛ لأن الذكر الذي يحضره الساعي هو في وقت إتيانه الخطبة، والخطبةُ غير محصورٍ ما يذكر فيها، وسيأتي اختلاف العلماء فيه. وأما الحديث فأخرجه مسلم أيضًا، وفيه: "نحن أول من يدخل الجنة" (١). وفيه: "فهم لنا فيه تبع" (٢) وسيأتي في البخاري فيه زيادة أخرى في الغسل عن قريب في باب: هل عَلَى من لم يشهد الجمعة غسل (٣) وأخرجه مسلم منفردًا به من حديث حذيفة بلفظ: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا". وفيه: "فجعل الجمعة والسبت والأحد، وكذلك هم فيه لنا تبع يوم القيامة، نحن الآخرون من أهل الدنيا والأولون يوم القيامة، المقضي لهم قبل الخلائق" (٤). ومعنى: "نحن الآخرون السابقون": الآخرون الذين جاءوا آخر الأمم، السابقون في الفضل والكرامة، والذين سبقوا

стр. 4037

الناس يوم القيامة إلى الموقف، فحازوا سرعة الحساب والتقدم عَلَى العباد، وسبقوا في الدخول إلى الجنة. ورواية حذيفة السابقة توضحه، وحصل لهم ذَلِكَ أجمع بهذا النبي العظيم، وبشفاعته فيهم، خير أمة أخرجت للناس، وقد سلف في حديث: "إنما مثلكم فيمن خلا من الأمم قبلكم" (١) إن هذِه الأمة أعطيت أجر أهل الكتابين، فالوصفان أعني: الآخرون السابقون ثابتان، وبذكرهما يعرف الآخر، ورواية مسلم: "نحن الآخرون ونحن السابقون" (٢) بالعطف وله فائدتان: الأولى: ما في إعادة ضمير المتكلم الذي يضاف الخبر إليه من الفائدة يقرع السمع به في كل خصلة. الثانية: ليبين أن السبق لهم دون غيرهم، كأن قائلًا قَالَ لما قَالَ: نحن الآخرون فماذا لكم بذلك إِذَا ثبت لكم التأخر وتركتم المتقدم؟ فقال: ونحن السابقون. و (بيد) بفتح الباء ثم مثناه تحت ساكنة يعني: غير. قال القرطبي: نصبه على الاستثناء ويمكن على ظرف الزمان. وقيل بمعنى على أنهم. وعن الشافعي: يعني: من أجل، وحكي بالميم بدل الباء؛ لقرب المخرج. قَالَ ابن سيده: والأولى عَلَى وزن بأيد أي: بقوة إنا أعطينا، حكاها صاحب "مجمع الغرائب" وهي غلط، قَالَ أبو عبيد: هو غلط ليس له معنى يعرف (٣). وكذا قَالَ في "الواعي" وابن الأثير: لا أعرفها لغة ولا في كتاب، ولا أعلم وزنها، وهل الباء أصلية أم زائدة؟ (٤) وقال

стр. 4038

القرطبي: وقوله: "أوتوا الكتاب من قبلنا" يريد به: التوراة والإنجيل (١). واختلف في كيفية ما وقع لليهود، هل أمروا بيوم معين وهو الجمعة، أو بيوم غير معين؟ على قولين، ويؤيد الأول وهو الظاهر، كما قال القاضي (٢). قوله: ("هذا يومهم الذي فرض عليهم") وعينت اليهود السبت، قالوا: لأن الله فرغ فيه من الخلق؛ فنحن نستريح فيه عن العمل، ونشتغل بالشكر، وعينت النصارى الأحد؛ لأن الله تعالى بدأ الخلق فيه، وهذِه الأمة عينه الله لهم، ولم يكلهم إلى اجتهادهم فضلًا منه ونعمة، فهو خير يوم طلعت عليه الشمس وفيه ساعة يستجاب فيها الدعاء. ويؤيد الآخر، وهو ما جزم به ابن بطال (٣)، قوله: ("فاختلفوا فيه") أي: في تعيينه، ("فهدانا الله له") أي: بتعيينه لنا لا باجتهادنا، إذ لو عين لهم فعاندوا فيه لما أجيب بالاختلاف، بل بالمخالفة والعناد، ويؤيده رواية حذيفة السالفة: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا" وقد جاء أن موسى ﷺ أمرهم بالجمعة، وأعلمهم بفضلها، فناظروه أن السبت أفضل، فقيل له: دعهم. قَالَ النووي: ويمكن أن يكونوا أمروا به صريحًا ونص على عينه، فاختلفوا فيه، هل لهم إبداله (٤) فغلطوا في إبداله، أم ليس لهم إبداله؟ قَالَ الداودي: وفيه أنزلت: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾ [البقرة: ٢١٣].

стр. 4039

وروي نحوه عن زيد بن أسلم قَالَ: اختلفوا فيه وفي القبلة والصلاة والصيام، وفي إبراهيم وعيسى (١)، فهدى الله هذِه الأمة للحق من ذَلِكَ بإذنه أي: بعلمه، ولسبق الجمعة على السبت والأحد معنى، وذلك لأن ترتيب الأيام الثلاثة إِذَا سردت متتابعة لا يصح إلا بأن يتقدمها الجمعة، وليس ذَلِكَ لواحد من السبت والأحد. وفيه: دلالة عَلَى وجوب الجمعة -وهو إجماع إلا من شذ (٢) - وفضيلة هذِه الأمة، وفيه: سقوط القياس مع وجود النص وذلك أن كلًّا منهما قال بالقياس مع وجود النص على قول التعيين فضلَّا. وفيه: التفويض وترك الاختيار؛ لأنهما اختارا فضلَّا، ونحن علقنا الاختيار عَلَى من هو بيده فهدى وكفى. قَالَ مجاهد في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [النحل: ١٢٤] تركوا الجمعة واختاروا السبت (٣)، وقال قتادة: أحله بعضهم وحرمه بعضهم (٤). ونصبَ غدًا عَلَى الظرف، وهو متعلق بمحذوف، التقدير: فاليهود يعظمون غدًا والنصارى بعد غد، وسببه أن ظروف الزمان لا تكون أخبارًا عن الجثث، فيقدر فيه معنى يمكن تقديره خبرًا، ويجوز أن يكون فرض عليهم الاجتماع للعبادة في ذَلِكَ اليوم، ونسكه وتعظيمه، فهدينا نحن

стр. 4040

لذلك فاجتمعنا فيه لها بفرض الله، وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ﴾ الآية [الجمعة: ٩]، وهذا يصلح أن يكون مناسبة الباب للحديث. وفي قوله: "أضل الله عن الجمعة من كان قبلنا" دلالة لمذهب أهل السنة أن الهدى والإضلال، والخير والشر كله بإرادة الله تعالى، وهو فعله خلافًا للمعتزلة.

стр. 4041

٢ - باب فَضْلِ الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَهَل عَلَى الصَّبِيِّ شُهُودُ يَوْمِ الجُمُعَةِ أَوْ عَلَى النِّسَاءِ ؟ ٨٧٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَال: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". [٨٩٤، ٩١٩ - مسلم: ٨٤٤ - فتح: ٢/ ٣٥٦] ٨٧٨ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسْمَاءَ قَالَ: أَخْبَرَنَا جُوَيْرِيَةُ، عَنْ مَالِكٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ بَيْنَمَا هُوَ قَائِمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلِينَ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ ، فَنَادَاهُ عُمَرُ: أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ؟ قَالَ: إِنِّي شُغِلْتُ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إِلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْتُ التَّأْذِينَ، فَلَمْ أَزِدْ أَنْ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ وَالوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتَ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ كَانَ يَأْمُرُ بِالغُسْلِ.؟! [٨٨٢ - مسلم: ٨٤٥ - فتح: ٢/ ٣٥٦] ٨٧٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ صَفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيِّ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢/ ٣٥٧]. ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن عمر أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِذَا جَاءَ أَحَدُكُمُ الجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ". وهو حديث صحيح أخرجه مسلم أيضًا والأربعة (١)، وفي رواية

стр. 4042

لمسلم "إِذَا أراد أحدكم أن يأتي الجمعة فليغتسل" (١) وفي رواية له: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" (٢)، وفي رواية لابن حبان في "صحيحه" وأبي عوانة في "مستخرجه": "من أتى الجمعة من الرجال والنساء فليغتسل" (٣)، ورواه ابن خزيمة بزيادة: "ومن لم يأتها فليس عليه كسل من النساء والرجال" (٤) ووهم أبو غسان فجعله عن ابن عمر، عن عمر كما نبه عليه الدارقطني، ذاك في الحديث بعده. الحديث الثاني: حديث: ابن عمر عن عمر: بَيْنَمَا هُوَ قَائمٌ فِي الخُطْبَةِ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ مِنَ المُهَاجِرِينَ الأَوَّلينَ الحديث. وفي آخره: "إِذَا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" (٥)، وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي، وسمى هذا الرجل عثمان بن عفان (٦)، وفي لفظ له يأتي من طريق أبي هريرة: "إِذَا راح أحدكم إلى الجمعة

стр. 4043

فليغتسل" (١) قَالَ الدارقطني: هو في "الموطأ" بإسقاط ابن عمر، والصواب إثباته (٢). الحديث الثالث: حديث عطاء بن يسار عن أبي سعيد الخدري مرفوعًا: "غُسْلُ يَوْمِ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ". ويأتي أيضًا في الباب مكررًا، وفي الشهادات بلفظ: أشهد عَلَى أبي سعيد قَالَ: أشهد عَلَى رسول الله ﷺ (٣). الحديث. وأخرجه مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه أيضًا (٤)، ووهم من قَالَ: عطاء بن يزيد كما نبه عليه الدارقطني، وطرقه. إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: اعترض أبو عبد الملك عَلَى البخاري، فقال: بوب هل عَلَى الصبي شهود الجمعة أو عَلَى النساء. وأراد به: "إِذَا جاء أحدكم الجمعة فليغتسل" أي: إِذَا جاءها النساء والصبيان فليغتسلوا، وليس فيه ذكر وجوب شهود كما ذكر، ولا غير ذَلِكَ. وأجاب عنه ابن التين، فقال: عندي إنما أراد البخاري -والله أعلم- أنها ليست بواجبة عليهما؛ لأنه

стр. 4044

قَالَ: وهل عليهم؛ فأبان بحديث: "غسل الجمعة واجب عَلَى كل محتلم" أنها غير واجبة عَلَى الصبيان (١)، وقال أبو جعفر: فيه أيضًا دليل عَلَى سقوطها عن النساء؛ لأن أكثرهن إنما يجب عليه الفروض بالحيض لا بالاحتلام، والاحتلام في حقهن كالحيض. ثانيها: هذِه الأحاديث دالة عَلَى مطلوبية الغسل يوم الجمعة، ورواية: "من جاء" أبلغ؛ لأنه شرط وجزاء، فهو يتناول كل جاء، وإذا جاء، وإن أعطى معنى الشرط فليس بشرط حقيقي، وقوله: "فليغتسل" أمر، وهو مجزوم لأنه جواب الشرط، وهو أبلغ في الدلالة عَلَى ثبوت الغسل وتقريره والحث عليه، وقد أسلفنا في باب: وضوء الصبيان قريبًا خلاف العلماء في وجوبه، وأن أكثر الفقهاء عَلَى عدم الوجوب، والمراد التأكد. قَالَ الشافعي: احتمل الوجوب أن لا يجزئ غيره أو في الاختيار والنظافة كما تقول: وجب حقك عليَّ (٢). وفي رواية لابن حزم من حديث ابن عباس: كان رسول الله ﷺ ربما اغتسل يوم الجمعة وربما لم يغتسل (٣). ويسن عندنا لكل من أراد الحضور، وإن لم يجب عليه عَلَى الأصح، وهو مذهب مالك (٤). وقيل لكل أحد بناء عَلَى أنه لليوم، ويتأكد في الذكور أكثر من النساء؛ لأنه في حقهن قريب من الطيب وفي حق البالغ أكثر من الصبي.

стр. 4045

الثالث: في ألفاظه: قوله: (بينا هو قائم في الخطبة يوم الجمعة) فيه مطلوبية القيام فيها، وفي رواية: (عَلَى المنبر) وهو مطلوب أيضًا إجماعًا كما سيأتي في بابه، فإن لم يكن، فعلى موضع عال؛ ليسمع صوته جميعهم ويبصروه فيكون أوقع في النفوس. وقوله: (آية ساعة هذِه؟) آية: تأنيث أي، وهو اسم يستفهم به، تقول: أي شخص هو هذا؟ وأية امرأة هي هذِه؟ وهو تقرير وتوبيخ إشارة إلى أنها ليست من ساعات الرواح؛ لأن الصحف طويت. والساعة اسم لجزء من الزمان مخصوص، ويطلق على جزء من أربعة وعشرين جزءًا هي مجموع اليوم والليلة وعلى جزءٍ ما غيرُ مقدر من الزمان، ولا يتحقق، وعلى الوقت الحاضر، والهندسي يقسم اليوم عَلَى اثني عشر قسمًا وكذا الليلة طالا أم قصرا يسمونه ساعة، ويسمون هذِه الساعات المعوجة وتلك الأدلة المستقيمة، ففيه تفقد الإمام رعيته، وأمرهم بمصالح دينهم، والإنكار عَلَى المخالف وإن جل، والإنكار عَلَى الكبار بمجمع من الناس، والكلام في حال الخطبة بالأمر بالمعروف؛ لأنه من باب الخطبة. والانقلاب: الرجوع من حيث جاء وهو انفعال من قلبت الشيء أقلبه إِذَا كببته أو رددته، وفيه الاعتذار إلى ولاة الأمر، وإباحة الشغل والتصرف يوم الجمعة قبل النداء. وقوله: (التأذين)، كذا هنا، وفي رواية أخرى: (النداء) (١)، وهو بكسر النون أشهر من ضمها.

стр. 4046

وقوله: (والوضوء أيضًا؟) كذا هو بإثبات الواو، وروي بحذفها، والأول يفيد العطف عَلَى الإنكار الأول؛ لأنه أراد بقوله: (أية ساعة هذِه؟) التعريض بالإنكار عليه، والتوبيخ عَلَى تأخر المجيء إلى الصلاة، وترك السبق إليها في أول وقتها، وهذا من أحسن التعريضات وأرشق الكنايات، ثمَّ إن عثمان لما علم مراد عمر من سؤاله عن الساعة اعتذر بأنه لما سمع النداء لم يشتغل بغير الوضوء فقال له: ألم يكفك أن أخرت الوقت، وفوت نفسك فضيلة السبق حتَّى أتبعته بترك الغسل، والقناعة بالوضوء، فتكون هذِه الجملة المبسوطة مدلول عليها بتلك اللفظة، وهي معطوفة عَلَى الجملة الأولى، فخشي عثمان فوات الجمعة، فرأى أن تركه أولى من تركها، وقال القرطبي: الواو عوض من همزة الاستفهام كما قرأ ابن كثير (قال فرعون وآمنتم به) (١) [الأعراف: ١٢٣] وأما مع حذف الواو فيكون -إن صحت الرواية- إما لأنه مبتدأ وخبره محذوف، التقدير: الوضوء عذرك أو كفايتك في هذا المقام. أو لأنه خبر مبتدأ محذوف، التقدير: عذرك وكفايتك الوضوء، ويجوز في الوضوء الرفع عَلَى أنه مبتدأ وخبره محذوف، التقدير: الوضوء تقتصر عليه، ويجوز أن يكون منصوبًا بإضمار فعل، التقدير: فعلت الوضوء وحده أو توضأت، ويعضده قوله: وقد علمت أن رسول الله ﷺ كان يأمر بالغسل، وتكون هذِه الجملة حالًا منه، والعامل فيها الفعل المقدر، ويكون العامل في الحال مع الرفع ما دل عليه مجموع الجملة المقدرة، ولعل عثمان رأى أن سماعه للخطبة أولى، وكذلك عمر لم يأمره بالخروج. وروى ابن القاسم في "المستخرجة": من نسي الغسل حتَّى أتى

стр. 4047

المسجد فإن علم أنه يغتسل ويدرك الجمعة خرج، وإلا صلى ولا شيء عليه، قَالَ ابن حبيب: لا يؤثم تاركه (١)، وقد يجري فيه الخلاف عن الوتر هل يحرج تاركه لأنهما سنتان مؤكدتان؟ والأصح عند الشافعية أن ترك الغسل يوصف بالكراهة (٢)، وقوله: (أيضًا)، منصوب لأنه من آض يئيض أيضا، أي: عاد ورجع، قاله ابن السكيت (٣). تقول: فعلته أيضًا إِذَا كنت قد فعلته بعد شيء آخر، كأنك قد أفدت بذكرهما الجمع بين الأمرين أو الأمور. وقوله: (يأمر با لغسل) وفي رواية: أمرنا ويأمرنا، وهو من ألفاظ رواية الحديث، ورفعه، وفي قوله: (يأمرنا): زيادة حجة لعمر فإنه عام، بخلاف يأمر، فإنه ليدل صريحًا عليه، والمحتلم: البالغ، وعبر به؛ لأنه الغالب، ويعرفه كل أحد، وهو مشترك فيه، وقوله: ("غسل يوم الجمعة") هو أظهر ثباتًا من رواية مسلم: "الغسل يوم الجمعة" (٤)؛ لأنه أضاف الغسل إلى اليوم فكان مخصوصًا به، وليس غسلًا مطلقًا، فكأنه اعتبر فيه الاختصاص به والنية فيه، وأما إطلاق الغسل فلا، فإنه لو اغتسل فيه ولم ينوه لم يجزه؛ لأنه وجد صورة غسل. ولما ذكر ابن أبي شيبة في باب: القائلين بإجزاء الوضوء عن الغسل، قول أبي الشعثاء وإبراهيم وعطاء وأبي وائل وأبي جعفر: ليس غسل واجب إلا من جنابة، ساق بإسناده حديث أبي سعيد مرفوعًا (٥).

стр. 4048

وفيه: قرن الغسل بالطيب والاستنان، والإجماع قائم فيما ذكره الطحاوي والطبري أن تاركهما غير حرج إِذَا لم يكن لَهُ رائحة مكروهة يؤدي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأن مخرج الأمر واحد (١). الرابع: الفاء في قوله: ("فليغتسل") للتعقيب، وهو مخصوص بالإرادة، كما سلف في الرواية الأخرى، وعمم أبو ثور وقال أحمد: لا يستحب للمرأة إِذَا حضرت (٢). وحكاه النووي في "شرح مسلم" وجهًا عندنا (٣). وقال مالك: لا تغتسل (٤). قَالَ: وكذا المسافر إن أتاها للصلاة لا للفضل، وإن أتاها للفضل اغتسل (٥)، ووقته من الفجر وتقريبه من ذهابه أفضل، وقال مالك: لا يكون إلا عند الرواح. وبه قَالَ الليث في أحد قوليه (٦)، وخالفه ابن وهب، وهو قول مجاهد والحسن البصري والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وأبي ثور، انفرد الأوزاعي فقال بالإجزاء قبل الفجر (٧)، وقد أسلفنا عن الظاهرية وجوب الغسل. قَالَ ابن حزم: هو فرض لازم لكل بالغ ولو امرأة لليوم لا للصلاة، فإن صلى الجمعة والعصر ولم يغتسل أجزأه ذَلِكَ، قَالَ: ووقته اليوم إلى

стр. 4049

أن يبقى ما يتم غسله قبل الغروب. قال: وهو لازم للحائض والنفساء كغيرهما، وروى حديث البخاري الآتي: "اغتسلوا يوم الجمعة وإن لم تكونوا جنبًا" (١)، وحديث مسلم: "حق على كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده" (٢) وحديثه أيضًا من طريق أبي هريرة: "حق عَلَى كل مسلم أن يغتسل في كل سبعة أيام، يغسل رأسه وجسده" (٣) ويأتي أيضًا (٤). وللبزار: "وهو يوم الجمعة" ورواه ابن أبي شيبة من حديث جابر (٥)، وروي من حديث البراء أيضًا (٦)، فصح هذا أنه لليوم لا للصلاة، وكان ابن عمر يغتسل بعد طلوع الفجر يوم الجمعة، فيجزئ به عن غسل الجمعة (٧)، وكذلك نقل عن مجاهد: إِذَا اغتسل الرجل بعد طلوع الفجر أجزأه (٨). وكذا عن الحسن والنخعي (٩)، ثمَّ قَالَ: فإن قيل رويتم عن ابن عمر مرفوعًا: "إِذَا راح أحدكم إلى الجمعة فليغتسل" (١٠) وعن ابن عمر مرفوعًا: "إِذَا أراد أحدكم" (١١) وعنه أيضًا أن رسول الله ﷺ قَالَ وهو قائم عَلَى المنبر: "من جاء منكم الجمعة فليغتسل" (١٢).

стр. 4050

قُلْتُ: هذِه آثار صحاح، ولا خلاف فيها لقولنا (١). أما الأول فهو نص فيه، وإنما فيه الأمر به لمن جاء، وليس فيه أي وقت، ولا إسقاطه عمن لا يأتي إليها، وفي الآخر إيجابه عَلَى كل مسلم ومحتلم، فهي زائدة، حكمًا عَلَى ما في حديث ابن عمر، وكذا قوله: "إِذَا أراد" وقد يريد إتيانها من أول النهار، ولفظ: "إِذَا راح" ظاهره أن الغسل بعد الرواح. وقال مالك: إن بال أو أحدث بعد الغسل لم ينقض غسله ويتوضأ فقط، وإن أكل أو نام انتقض غسله (٢). وقال طاوس والزهري وقتادة ويحيى بن أبي كثير: من اغتسل للجمعة ثمَّ أحدث فيستحب أن يعيد غسلًا (٣). وعن أبي يوسف أن الغسل لليوم (٤)، ثمَّ استدل من قَالَ بالوجوب بالأحاديث التي فيها غسل يوم الجمعة واجب. قَالَ ابن حزم: وروينا إيجاب الغسل مسندًا من طريق عمر بن الخطاب وابنه وابن عباس وأبي هريرة كلها في غاية الصحة. قَالَ: وممن قَالَ بوجوب فرض غسل يوم الجمعة عمر بن الخطاب بحضرة الصحابة لم يخالفه فيه أحد، منهم أبو هريرة وابن عباس وأبو سعيد وسعد بن أبي وقاص وابن مسعود وعمرو بن سليم وعطاء وكعب والمسيب بن رافع. واحتج من قَالَ بعدم الوجوب بحديث عمر المذكور في هذا الباب

стр. 4051

وحديث أبي هريرة: "من توضأ فأحسن الوضوء، ثمَّ أتى الجمعة فاستمع وأنصت غفر له" (١) الحديث، وبحديث "كان الناس ينتابون الجمعة من منازلهم، ومن العوالي" الحديث يأتي، وفيه: "لو أنكم تطهرتم" أخرجاه (٢)، وبحديث سمرة السالف في ذَلِكَ الباب: "من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل" أخرجه الأربعة وحسنه الترمذي (٣)، وبحديث أورده ابن حزم عن الحسن: أنبئنا أن رسول الله ﷺ كان لا يغتسل يوم الجمعة، ولكن كان أصحابه يغتسلون. وبحديث ابن عباس: كان ﷺ ربما اغتسل يوم الجمعة وربما لم يغتسل (٤). وبحديث من طريقه أيضًا: إن غسل يوم الجمعة خير لمن اغتسل، ومن لم يغتسل فليس بواجب، وسأخبركم كيف بدء الغسل، كان الناس مجهودين (٥) يلبسون الصوف ويعملون عَلَى ظهورهم الحديث بطوله، وهو في أبي داود (٦)، ثمَّ

стр. 4052

عللها (١)، وقالوا في حديث عمر وعثمان لو كان واجبًا عند عمر وعثمان ومن حضرهما من الصحابة لما تركه عثمان، ولا أقر عمر وسائر الصحابة عَلَى تركه. قَالَ ابن حزم: ومن أين لكم بأن عثمان لم يكن اغتسل في صدر يومه إذ ذاك عادة له؟ ومن أين لكم من أن عمر لم يأمره بالرجوع إلى الغسل؟ قالوا: فأنتم من أين لكم أنه اغتسل، وأن عمر أمره بالرجوع له؟ قلنا: هبكم أنه لا دليل عندنا بهذا فلا دليل عندكم بخلافه. ثمَّ ذكر حديث مسلم بن حمران قَالَ: كنت أضع لعثمان طهوره، فما أتى عليه يوم إلا وهو يفيض عليه (٢). فإذا كان ذَلِكَ كل يوم فيوم الجمعة أولى، وقد قطع عمر الخطبة وأنكر، فلو لم يكن ذَلِكَ فرضًا عنده لما

стр. 4053

قطعها، وحلف: والله ما هو بالوضوء. فلو لم يكن فرضًا لما كانت يمينه صادقة (١). وقد ذكر البخاري في الباب أحاديث تدل عَلَى المطلوبية، وتأتي، وفي أبي داود والنسائي من حديث حفصة (٢)، وفيهما والترمذي من حديث أبي هريرة وأبي سعيد (٣)، وفي أبي داود من حديث عائشة (٤) وغير ذَلِكَ.

стр. 4054

٣ - باب الطِّيبِ يوم الجمعة ٨٨٠ - حَدَّثَنَا عَلِىٌّ قَالَ: حَدَّثَنَا حَرَمِىُّ بْنُ عُمَارَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ المُنْكَدِرِ قَالَ: حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَارِيُّ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ قَالَ: "الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ". قَالَ عَمْرٌو: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهَدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاِسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فَاللهُ أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، وَلَكِنْ هَكَذَا فِي الحَدِيثِ. [انظر: ٨٥٨ - مسلم: ٨٤٦ - فتح: ٢/ ٣٦٤] قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: هُوَ أَخُو مُحَمَّدِ بْنِ المُنْكَدِرِ، وَلَمْ يُسَمَّ أَبُو بَكْرٍ هَذَا. رَوَاهُ عَنْهُ بُكَيْرُ بْنُ الأَشَجِّ، وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي هِلَالٍ، وَعِدَّةٌ. وَكَانَ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ يُكْنَى بِأَبِى بَكْرٍ وَأَبِى عَبْدِ اللهِ. ذكر فيه حديث علي -هو ابن المديني- ثَنَا حَرَمِيُّ بْنُ عُمَارَةَ، ثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ المُنْكَدِرِ، حَدَّثَنِي عَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الأَنْصَاريُّ أشْهَدُ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ أَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ : "الغُسْلُ يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمِ، وَأَنْ يَسْتَنَّ وَأَنْ يَمَسَّ طِيبًا إِنْ وَجَدَ". قَالَ عَمْروٌ: أَمَّا الغُسْلُ فَأَشْهًدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَأَمَّا الاسْتِنَانُ وَالطِّيبُ فالله أَعْلَمُ أَوَاجِبٌ هُوَ أَمْ لَا، ولكن هَكَذَا فِي الحَدِيثِ. وأخرجه مسلم أيضًا (١)، وطرقه الدارقطني في "علله" (٢)، والبخاري صح عنده سماع عمرو من أبي سعيد، فإن الشهادة لا تكون إلا بالسماع، وإن رواه مرة عن ابن أبي سعيد عبد الرحمن، فيكون سمعه منهما، وإن

стр. 4055

صحح الدارقطني الأول، وأبو بكر بن المنكدر لم يسم، كما قَالَ البخاري، وكذا قَالَ أبو حاتم: إنه لا يسمى (١)، وهو أخو محمد بن المنكدر وعمر بن المنكدر، وكان أسن من أخيه محمد، ومحمد يكنى: أبا بكر أيضًا، وأبا عبد الله، كما ذكره البخاري، وكلهم ثقات. والاستنان: مأخوذ من السنن، يقال: سننت الحديد: حككته عَلَى السن. وقيل له: الاستنان؛ لأنه إنما يستاك عَلَى الأسنان. و ("يمس"): بفتح الميم، وحكي ضمها. وقوله: ("وأن يمس") كذا روي، وروي بحذف "أن". وفي مسلم: "ولو من طيب المرأة" (٢) أي: لأن طيبها مكروه للرجال، وهو ما ظهر لونه وخفي ريحه، وطيب الرجال بالعكس، وأباحه هنا للرجال للضرورة لعدم غيره، وهو دال عَلَى تأكده. وقوله: (أما الغسل فأشهد أنه واجب). أي: متأكد. وقوله في باب: الدهن للجمعة: أما الغسل فنعم، وأما الطيب فلا أدري (٣). وكذا في الدهن. يعني: أنه ليس كوجوب الغسل. وذكر الطحاوي والطبري أنه ﷺ لما قرن الغسل بالطيب يوم الجمعة وأجمع الجميع عَلَى أن تارك الطيب يومئذ غير حرج، إِذَا لم يكن لَهُ رائحة مكروهة يؤدي بها أهل المسجد، فكذا حكم تارك الغسل؛ لأن مخرجهما من الشارع واحد، وكذا الاستنان بالإجماع أيضًا، فكذا هما، وإن كان العلماء يستحبون لمن قدر عليه كما يستحبون اللباس الحسن (٤).

стр. 4056

وفي "المصنف": وكان ابن عمر يجمر ثيابه كل جمعة (١). وقال معاوية بن قرة: أدركت ثلاثين من مزينة كانوا يفعلون ذَلِكَ (٢). وحكاه مجاهد عن ابن عباس (٣)، وعن أبي سعيد وابن مغفل وابن عمر ومجاهد نحوه (٤)، وخالف ابن حزم لما ذكر فرضية الغسل عَلَى الرجال والنساء، قَالَ: وكذلك الطيب والسواك (٥). وشرع الطيب؛ لأن الملائكة عَلَى أبواب المسجد يكتبون الأول فالأول، فربما صافحوه أو لمسوه. وفي حديث: "إن من الحق عَلَى المسلمين أن يغتسل أحدهم يوم الجمعة، وأن يمس من طيب إن كان عنده، وإن لم يكن فالماء له طيب" (٦).

стр. 4057

فرع: اختلف في الاغتسال في السفر، فممن كان يراه عبد الله بن الحارث وطلق بن حبيب وأبو جعفر محمد بن علي بن الحسين وطلحة بن مصرف (١). قَالَ الشافعي: ما تركته في حضر ولا سفر، وإن الشربة منه بدينار. وممن كان لا يراه علقمة وعبد الله بن عمر وابن جبير وابن مطعم ومجاهد وطاوس والقاسم بن محمد والأسود وإياس بن معاوية (٢). وفي كتاب ابن التين قبيل باب الرخصة إن لم يحضر الجمعة في المطر، عن طلحة وطاوس ومجاهد أنهم كانوا يغتسلون للجمعة في السفر، واستحبه أبو ثور، وحكاه ابن بطال عنهم أيضًا (٣). فرع: عند مجاهد إِذَا اغتسل يوم الجمعة بعد الفجر من الجنابة أجزأه من غسل الجمعة (٤)، وهو قول للشافعي (٥). آخر: اغتسل ثمَّ أحدث، فعن النخعي: يعيده. وكذا ذكره طاوس، وخالفه عبد الرحمن بن أبزى وابن سيرين والحسن، وقالوا: لا يعيده. ذكره ابن أبي شيبة (٦)، ونقل ابن التين عن الحسن الإعادة.

стр. 4058

٤ - باب فَضْلِ الجُمُعَةِ ٨٨١ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ سُمَى -مَوْلَى أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ- عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً، فَإِذَا خَرَجَ الإِمَامُ حَضَرَتِ المَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ". [مسلم: ٨٥٠ - فتح: ٢/ ٣٦٦] ذكر حديث أبي هريرة أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "مَنِ اغْتَسَلَ يَوْمَ الجُمُعَةِ غُسْلَ الجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً". أخرجه مسلم والجماعة (١)، ويأتي في الباب أيضًا. والكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: ("غسل الجنابة") كذا رواه الجمهور، ولابن ماهان: غسل الجمعة. والمراد: غسلًا كغسل الجنابة في صفاته، وأبعد من قَالَ: إنه حقيقة حتَّى يستحب أن يواقع زوجته؛ ليكون أغض لبصره وأسكن لنفسه، وإن كان يؤيده حديث أوس في السنن الأربعة: "من غسل يوم

стр. 4059

الجمعة واغتسل" (١) إلى آخره، عَلَى تفسير من فسر: "اغتسل" بغسل الجنابة، والأشبه فيه حمل غيره عَلَى الغسل بالحث والترغيب، وأبعد من قَالَ: إن المراد غسل ثيابه، واغتسل بجسده، حكاه ابن التين. ثانيها: المراد بالرواح هنا: الذهاب أول النهار. وقد نبه عليه ابن حبان في "صحيحه"، وقال: في الخبر دليل عليه ضد من قَالَ: لا يكون إلا بعد الزوال (٢). وهذا مذهب الكوفيين والأوزاعي والشافعي، وجماهير أصحابه، وأحمد وابن حبيب المالكي، ومحمد بن إبراهيم العبدري (٣). وذهب مالك وكثير من أصحابه والقاضي الحسين وإمام الحرمين أن المراد بالساعات هنا: لحظات لطيفة بعد الزوال، وكره مالك التبكير

стр. 4060

في أول النهار (١). والأصح عند أصحابنا أن أولها من طلوع الفجر لا من طلوع الشمس (٢)، ونقل ابن بطال مقابله عن الكوفيين (٣)، وبسطنا الكلام عليه في "شرح العمدة" فليراجع منه (٤). ثالثها: معنى "قرب": تصدق. والبدنة: الواحدة من الإبل والبقر والغنم، وخصها جماعة بالإبل، وهو المراد هنا، ويعجب مالك ممن قَالَ: لا تكون البدنة إلا من الإناث (٥). ونقله ابن التين عن الشافعي، وأبعد من قَالَ: إن الغنم لا تسمى هديًا. والبقرة: تطلق عَلَى الذكر والأنثى، الأهلي والوحشي، ووصف الكبش بالأقرن؛ لكماله به، ففيه فضيلة عَلَى الأجم، والدجاجة مثلثة الدال، وحضر بفتح الضاد أفصح من كسرها. رابعها: في فقهه: فيه: الحث عَلَى التبكير إلى الجمعة، وأن مراتب الناس في الفضيلة فيها وفي غيرها بحسب أعمالهم، وأن القربان والصدقة تقع عَلَى القليل كالكثير، وقد جاء في النسائي بعد الكبش بطة ثمَّ دجاجة ثمَّ بيضة، وفي أخرى: دجاجة ثمَّ عصفور ثمَّ بيضة، بإسنادهما صحيح (٦). وفيه: إطلاق القربان عَلَى الدجاجة والبيضة، والمراد: الصدقة.

стр. 4061

وقيل: هو محمول عَلَى حكم ما تقدمه كقولك: أكلت طعامًا وشرابًا، وعلفتها تبنًا وماءً باردًا. وفيه: أن التضحية بالإبل أفضل من البقر؛ لأنه ﷺ قدمها أولًا وتلاها بالبقرة، وأجمعوا عليه في الهدايا، واختلفوا في الأضحية (١)، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أن الإبل أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الغنم كالهدايا (٢)، ومذهب مالك أن الغنم أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الإبل (٣). قالوا: لأنه ﷺ ضحى بكبشين (٤)، وهو فداء إسماعيل. وحجة الجمهور حديث الباب مع القياس عَلَى الهدايا، وفعله لا يدل عَلَى الأفضلية بل عَلَى الجواز، ولعله لما لم يجد غيره، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر (٥). الخامس: الملائكة المذكورون غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضريها، قاله المازري ثمَّ النووي (٦). وقال ابن أبي بزيزة: لا أدري هم أو غيرهم. وقوله: ("فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر") لا تنافي بينه وبين الراوية الأخرى في الصحيح: "فإذا جلس الإمام

стр. 4062

طووا الصحف" (١) لأن بخروج الإمام يحضرون من غير طي، فإذا جلس عَلَى المنبر طووها. وفي رواية لابن خزيمة: "على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول" الحديث (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو: "ورفعت الأقلام فتقول الملائكة بعضهم لبعض: ما حبس فلانًا؟ فتقول الملائكة: اللَّهُمَّ إن كان ضالًا فاهده، وإن كان مريضًا فاشفه وإن كان عائلًا فأغنه" (٣). وفي "الديباج" للختلي من حديث عائشة مرفوعًا: "الأول فالأول حتَّى يكتبان أربعين ثمَّ يطويان الصحف، ويقعدان يسمعان الذكر" (٤). والمراد بالذكر: الخطبة، وقد بين ذَلِكَ في حديث ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال: يستمعون الخطبة، فمن أتى والإمام في الخطبة فاته الكتابة في الصحف، وله أجر المدرك لا المسارع.

стр. 4063

٥ - باب ٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ إِلاَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ"؟! [انظر: ٨٧٨ - مسلم: ٨٤٥ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، الحديث. وأخرجه مسلم أيضًا (١) وقد سلف من طريق عمر قريبًا واضحًا (٢).

стр. 4064

٦ - باب الدُّهْنِ لِلجُمُعَةِ (١) ٨٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [٩١٠ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ٨٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ طَاوُسٌ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا الغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي. [٨٥٥ - مسلم: ٨٤٨ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَة، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. [انظر: ٨٨٤ - مسلم: ٨٤٨ - فتح: ٢/ ٣٧١] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن وديعة عن سلمان الفارسي قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الامَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرى".

стр. 4065

ويأتي إن شاء الله قريبًا (١) وهو من أفراده، ونعلم بعضه من طريق أبي هريرة، وأخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث قرثع الضبي عن سلمان (٢)، وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن وديعة عن أبي ذر الغفاري (٣)، وذكره الإسماعيلي فقال: رواه المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن أبي ذر، ورواه مرة بإسقاط أبيه وزيادة: "ثلاثة أيام" ورواه ابن سعد من حديث سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن رسول الله، ذكره في الطبقة الثالثة من الصحابة في ترجمة ثابت بن وديعة، ورواه أيضًا من حديث ثابت بن وديعة بن خذام عن رسول الله، ولثابت صحبة، وذكره في الطبقة الثالثة (٤)، ورواه المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا (٥).
следующие страницы →