← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 4061–4100 · переход к 4066.

стр. 4061

وقيل: هو محمول عَلَى حكم ما تقدمه كقولك: أكلت طعامًا وشرابًا، وعلفتها تبنًا وماءً باردًا. وفيه: أن التضحية بالإبل أفضل من البقر؛ لأنه ﷺ قدمها أولًا وتلاها بالبقرة، وأجمعوا عليه في الهدايا، واختلفوا في الأضحية (١)، فمذهب الشافعي وأبي حنيفة والجمهور أن الإبل أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الغنم كالهدايا (٢)، ومذهب مالك أن الغنم أفضل ثمَّ البقر ثمَّ الإبل (٣). قالوا: لأنه ﷺ ضحى بكبشين (٤)، وهو فداء إسماعيل. وحجة الجمهور حديث الباب مع القياس عَلَى الهدايا، وفعله لا يدل عَلَى الأفضلية بل عَلَى الجواز، ولعله لما لم يجد غيره، كما ثبت في الصحيح أنه ﷺ ضحى عن نسائه بالبقر (٥). الخامس: الملائكة المذكورون غير الحفظة وظيفتهم كتابة حاضريها، قاله المازري ثمَّ النووي (٦). وقال ابن أبي بزيزة: لا أدري هم أو غيرهم. وقوله: ("فإذا خرج الإمام حضرت الملائكة يستمعون الذكر") لا تنافي بينه وبين الراوية الأخرى في الصحيح: "فإذا جلس الإمام

стр. 4062

طووا الصحف" (١) لأن بخروج الإمام يحضرون من غير طي، فإذا جلس عَلَى المنبر طووها. وفي رواية لابن خزيمة: "على كل باب من أبواب المسجد يوم الجمعة ملكان يكتبان الأول فالأول" الحديث (٢). وفي حديث عبد الله بن عمرو: "ورفعت الأقلام فتقول الملائكة بعضهم لبعض: ما حبس فلانًا؟ فتقول الملائكة: اللَّهُمَّ إن كان ضالًا فاهده، وإن كان مريضًا فاشفه وإن كان عائلًا فأغنه" (٣). وفي "الديباج" للختلي من حديث عائشة مرفوعًا: "الأول فالأول حتَّى يكتبان أربعين ثمَّ يطويان الصحف، ويقعدان يسمعان الذكر" (٤). والمراد بالذكر: الخطبة، وقد بين ذَلِكَ في حديث ابن المسيب عن أبي هريرة، وقال: يستمعون الخطبة، فمن أتى والإمام في الخطبة فاته الكتابة في الصحف، وله أجر المدرك لا المسارع.

стр. 4063

٥ - باب ٨٨٢ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا شَيْبَانُ، عَنْ يَحْيَى، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ إِذْ دَخَلَ رَجُلٌ، فَقَالَ عُمَرُ: لِمَ تَحْتَبِسُونَ عَنِ الصَّلَاةِ؟ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هُوَ إِلاَّ سَمِعْتُ النِّدَاءَ تَوَضَّأْتُ. فَقَالَ أَلَمْ تَسْمَعُوا النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إِلَى الجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ"؟! [انظر: ٨٧٨ - مسلم: ٨٤٥ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ذكر فيه حديث أبي هريرة أَنَّ عُمَرَ ﵁ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الجُمُعَةِ، الحديث. وأخرجه مسلم أيضًا (١) وقد سلف من طريق عمر قريبًا واضحًا (٢).

стр. 4064

٦ - باب الدُّهْنِ لِلجُمُعَةِ (١) ٨٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ، عَنْ سَعِيدٍ المَقْبُرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنِ ابْنِ وَدِيعَةَ، عَنْ سَلْمَانَ الفَارِسِيِّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ، أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ، فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الإِمَامُ، إِلاَّ غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرَى". [٩١٠ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ٨٨٤ - حَدَّثَنَا أَبُو اليَمَانِ قَالَ: أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ، عَنِ الزُّهْرِيِّ: قَالَ طَاوُسٌ: قُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رُءُوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا، وَأَصِيبُوا مِنَ الطِّيبِ". قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: أَمَّا الغُسْلُ فَنَعَمْ، وَأَمَّا الطِّيبُ فَلَا أَدْرِي. [٨٥٥ - مسلم: ٨٤٨ - فتح: ٢/ ٣٧٠] ٨٨٥ - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنَا هِشَامٌ، أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ أَخْبَرَهُمْ قَالَ: أَخْبَرَنِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، عَنْ طَاوُسٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄، أَنَّهُ ذَكَرَ قَوْلَ النَّبِيِّ ﷺ فِي الغُسْلِ يَوْمَ الجُمُعَة، فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. [انظر: ٨٨٤ - مسلم: ٨٤٨ - فتح: ٢/ ٣٧١] ذكر فيه ثلاثة أحاديث: أحدها: حديث ابن وديعة عن سلمان الفارسي قَالَ: قَالَ رسول الله ﷺ : "لَا يَغْتَسِلُ رَجُلٌ يَوْمَ الجُمُعَةِ، وَيَتَطَهَّرُ مَا اسْتَطَاعَ مِنْ طُهْرٍ، وَيَدَّهِنُ مِنْ دُهْنِهِ أَوْ يَمَسُّ مِنْ طِيبِ بَيْتِهِ ثُمَّ يَخْرُجُ فَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، ثُمَّ يُصَلِّي مَا كُتِبَ لَهُ، ثُمَّ يُنْصِتُ إِذَا تَكَلَّمَ الامَامُ، إِلَّا غُفِرَ لَهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الجُمُعَةِ الأُخْرى".

стр. 4065

ويأتي إن شاء الله قريبًا (١) وهو من أفراده، ونعلم بعضه من طريق أبي هريرة، وأخرجه النسائي وابن خزيمة من حديث قرثع الضبي عن سلمان (٢)، وأخرجه ابن ماجه من حديث عبد الله بن وديعة عن أبي ذر الغفاري (٣)، وذكره الإسماعيلي فقال: رواه المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن أبي ذر، ورواه مرة بإسقاط أبيه وزيادة: "ثلاثة أيام" ورواه ابن سعد من حديث سعيد المقبري، عن أبيه، عن ابن وديعة، عن رسول الله، ذكره في الطبقة الثالثة من الصحابة في ترجمة ثابت بن وديعة، ورواه أيضًا من حديث ثابت بن وديعة بن خذام عن رسول الله، ولثابت صحبة، وذكره في الطبقة الثالثة (٤)، ورواه المقبري عن أبيه عن أبي هريرة مرفوعًا (٥).

стр. 4066

وفيه: أن غسل الجمعة مطلوب لهذا الثواب، وأن الادهان لخروجه إليها كذلك كالطيب، وهو إجماع كما قاله ابن بطال (١). قَالَ: وروي في حديث قرثع عن سلمان مرفوعًا: "إِذَا توضأ الرجل" الحديث فذكر مكان الغسل الوضوء، وهو دال عَلَى أن الثواب الموصوف إنما هو لمن شهد الجمعة بالصفة التي وصفها، وأنصت لخطبة إمامه وقراءته في صلاته دون من لم ينصت، والمعذور لعدم السماع ملحق به. وابن وديعة اسمه: عبد الله بن وديعة بن خذام تابعي، وذكره أبو حاتم الرازي وغيره في الصحابة، وتبعهم الذهبي في "تجريده" فجزم به (٢)، وليس لَهُ في البخاري غير هذا الموضع الواحد، ووديعة منافق، ووالده (٣) رد ﷺ نكاح بنته خنساء (٤). وسلمان الخير المعمر مات سنة ست وثلاثين بعد الجمل، كذا قاله الدمياطي في "حاشيته"، وقال الواقدي: مات في خلافة عثمان بالمدائن. الحديث الثاني: حديث طاوس لابن عباس: ذَكَرُوا أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "اغْتَسِلُوا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَاغْسِلُوا رؤوسَكُمْ وَإِنْ لَمْ تَكُونُوا جُنُبًا". وقد سلف. ثمَّ ذكره من طريق آخر عنه: فَقُلْتُ لاِبْنِ عَبَّاسٍ: أَيَمَسُّ طِيبًا أَوْ دُهْنًا

стр. 4067

إِنْ كَانَ عِنْدَ أَهْلِهِ؟ فَقَالَ: لَا أَعْلَمُهُ. وهذِه في مسلم (١)، وهو محمول عند الفقهاء عَلَى الندب كما سلف. وقال ابن المنذر: أكثر من نحفظ عنه من أهل العلم يقولون: يجزئ غسل واحد للجنابة والجمعة (٢). قَالَ ابن بطال: ورويناه عن ابن عمر ومجاهد ومكحول ومالك والثوري والأوزاعي وأبي ثور (٣)، وقال أحمد: أرجو أن يجزئه (٤)، وهو قول أشهب وغيره (٥)، وبه قَالَ المزني (٦)، وقال آخرون: لا يجزئه عن غسل الجنابة حتَّى ينويها، وهو قول مالك في "المدونة" وذكره ابن عبد الحكم (٧)، وذكر ابن المنذر عن بعض ولد أبي قتادة أنه قَالَ: من اغتسل للجنابة يوم الجمعة، اغتسل للجمعة (٨)، وقال ابن حبيب: لم يختلف قول مالك ومن علمت من أصحابنا فيمن اغتسل للجنابة وهو ناسٍ للجمعة؛ أن ذَلِكَ لا يجزئه عن غسل الجمعة غير محمد بن عبد الحكم فإنه قَالَ: غسل الجنابة يجزئ عن غسل الجمعة، ولا يجزئ عكسه (٩)، قَالَ الأبهري: لأن غسل الجنابة فرض بخلاف غسل الجمعة. وقوله في الحديث الأول: ("ويتطهر ما استطاع") يعني: إن لم يمنعه من ذَلِكَ مانع ووجد الطيب، وقال الداودي: يعني: إن استطاع الغسل وإلا تطهر بالوضوء. وقوله: ("أو يمس من طيب بيته") أي: امرأته.

стр. 4068

وقوله: ("ولا يفرق بين اثنين") أي: لا يتخطاهما أو يجلس بينهما عَلَى ضيق الموضع، وقال ابن أبي صفرة: سألت الأصيلي عنه قَالَ لي: يريد أنه قائم يصلي النافلة عَلَى قدميه، ولم يفرق بين قدميه، وفيه نظر، فانه ذكر الصلاة بعد التفرقة، ولو كان كما قَالَ، لقال: ثمَّ يصلي غير مفرق بين اثنين. وسيأتي له مزيد في بابه، وممن كره التخطي القاسم بن مخيمرة، وسعيد بن المسيب، وعروة وابن سيرين وأبو مسعود وشريح، وسلمان الخير، وأبو هريرة، وكعب الحبر. وقال الحسن: لا بأس أن يتخطى رقاب الناس إِذَا كان في المسجد سعة (١). وقوله: ("ثمَّ يصلي ما كتب له") فيه أن التنفل قبل خروج الإمام يوم الجمعة مستحب وأن النوافل المطلقة لا حد لها لقوله: "ما كتب له"، وفي رواية: "ما قدر له" (٢). وقوله: "ثمَّ ينصت إِذَا تكلم الإمام" ووقع في بعض الروايات: "ثمَّ أنصت" وهو نقل الجمهور في مسلم (٣)، ووقع في بعض الأصول: "انتصت" بزيادة تاء مثناة فوق، ووهمها عياض (٤)، وليس كذلك بل لغة صحيحة، قَالَ الأزهري: قال: أنصت، وتنصت وانتصت ثلاث لغات، والإنصات: السكون (٥)، والاستماع: الإصغاء.

стр. 4069

واختلف العلماء في الكلام هل هو حرام أو مكروه كراهة تنزيه؟ وهما قولان للشافعي: قديم وجديد (١). قَالَ القاضي: قَالَ مالك وأبو حنيفة والشافعي وعامة العلماء: يجب الإنصات للخطبة (٢)، وحكي عن الشعبي والنخعى وبعض السلف أنه لا يجب إلا إِذَا تلي فيها القرآن. قالَ: واختلفوا إِذَا لم يسمع الإمام هل يلزمه الإنصات كما لو سمعه؟ فقال الجمهور: يلزمه، وقال النخعي وأحمد والشافعي في أحد قوليه: لا يلزمه، ولو لغا الإمام هل يلزم الإنصات أم لا؟ فيه قولان لأهل العلم (٣)، وفي قوله: "إِذَا تكلم الإمام" دليل أن الإنصات إنما هو في حال كلامه في الخطبة (٤)، وعن أبي حنيفة: يجب الإنصات بخروج الإمام (٥). وقوله: ("إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى") قيل: المراد ما بينهما من صلاة الجمعة وخطبتها إلى مثل ذَلِكَ الوقت من الجمعة الأخرى حتَّى تكون سبعة أيام سواء، وأما الثلاثة الأيام السالفة الزائدة؛ فلأجل أن الحسنة بعشر أمثالها، كما فسر في الحديث. قَالَ الداودي: وهذا لا يكون إلا قبل ما سمع منه عثمان وغيره في الوضوء أنه يغفر له مع آخر قطر الماء يبشرهم بالشيء ثمَّ بأكثر منه.

стр. 4070

فرع: إِذَا بلغ في الخطبة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ﴾ [الأحزاب: ٥٦] صلى القوم. وقال الطحاوي: يجب عليهم أن يصلوا عليه (١) والذي عليه عامة المشايخ أنهم ينصتوا من أولها إلى آخرها من غير أن يذكروا الله ورسوله. قَالَ ابن المنذر: وهذا أحب إليَّ (٢). وعن أبي يوسف: يصلون عليه سرًّا، وهو قول مالك وأحمد وإسحاق (٣)، وهذا كله في حق القريب من الإمام، وأما البعيد فليس فيه رواية عندهم، وكان الحكم بن زهير شيخ الحنفية ينظر في الفقه (٤)، وأجمعوا أنه لا يتكلم بكلام الناس. واختلفوا في القراءة والذكر، وقال ابن قدامة: لا فرق بين القريب والبعيد أن يذكر الله ويقرأ القرآن، ويصلي عَلَى النبي ولا يرفع صوته، وله أن يذاكر بالفقه ويصلي النافلة (٥).

стр. 4071

٧ - باب يَلْبَسُ أَحْسَنَ مَا يَجِدُ ٨٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ نَافِعٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عُمَرَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَأَى حُلَّةَ سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ المَسْجِدِ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللهِ، لَوِ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الجُمُعَةِ وَلِلْوَفْدِ إِذَا قَدِمُوا عَلَيْكَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الآخِرَةِ". ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنْهَا حُلَلٌ، فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ ﵁ مِنْهَا حُلَّة، فَقَالَ عُمَرُ: يَا رَسُولَ اللهِ، كَسَوْتَنِيهَا وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدٍ مَا قُلْتَ! قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنِّى لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا". فَكَسَاهَا عُمَرُ بْنُ الخَطَّابِ ﵁ أَخًا لَهُ بِمَكَّةَ مُشْرِكًا. [٩٤٨، ٢١٠٤، ٢٦١٢، ٢٦١٩، ٣٠٥٤، ٥٨٤١، ٥٩٨١، ٦٠٨١ - مسلم: ٢٠٦٨ - فتح: ٢/ ٣٧٣] ذكر فيه حديث ابن عمر أَنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطَّابِ رَأى حُلَّةَ سِيَرَاءَ .. الحديث. هذا الحديث أخرجه هنا، وفي صلاة العيد والبيوع والهبة والجهاد (١)، وأخرجه مسلم أيضًا (٢)، وجعله هنا من مسند ابن عمر، وكذا مسلم في رواية والنسائي (٣)، وفي روايته الأخرى والنسائي في الزينة من مسند عمر (٤).

стр. 4072

وطرقه الدارقطني وقال: الصواب عن ابن عمر أن عمر، قَالَ: ورواه سالم بن راشد عن ابن سيرين عن أبي هريرة عن عمر، ووهم في ذكر أبي هريرة (١). وقال أبو عمر: كلاهما سواء في الاحتجاج إلا أن أيوب قَالَ: عليه حلة عطارد أو لبيد، عَلَى الشك. وفي حديث سالم: من إستبرق. وفيه: ثمَّ أرسل إليه بجبة ديباج. وفيه: "تبيعها وتصيب بها حاجتك" (٢). إِذَا تقرر ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: أحدها: قوله: (حلة سيراء) قَالَ صاحب "المطالع": حلة سيراء عَلَى الإضافة، ضبطناه عن ابن سراج ومتقني شيوخنا، وقد رواه بعضهم بالتنوين عَلَى الصفة. وقال الخطابي: حلة سيراء كما يقال: ناقة عشراء، يريد: أن عشراء مأخوذة من عشرة. أي: إِذَا كمل حمل الناقة عشرة أشهر سميت: عشراء (٣). قَالَ صاحب "المطالع": وأنكره أبو مروان. قَالَ سيبويه: لم يأت فعلاء صفة، لكن اسمًا. وزعم بعضهم أنه بدل لا صفة (٤)، وعن ابن التين: شك الراوي فقال: حريرًا وسيراء ولم أره في شرحه هنا.

стр. 4073

والحلة: ثوبان غير لفقين: رداء وإزار، برد أو غيره، سميا بذلك؛ لأن كلًّا منهما يحل عَلَى الآخر. وقال الخليل: لا يقال: حلة لثوب واحد (١). وقال أبو عبيد: الحلل برود اليمن (٢). وقال بعضهم: لا يقال حتَّى تكون جديدة، يحلها عن طيها. وقال ابن الأثير: الحلة من الثياب واحد الحلل، والحلة: إزار ورداء من جنس واحد، ولا تسمى حلة حتَّى تكون من ثوبين (٣). والسيراء: بكسر السين وفتح الياء المثناة تحت والمد، وفيه أقوال: أحدها: الحرير الصافي، فمعناه: حلة حرير. قاله صاحب "المطالع". ثانيها: وشيء من حرير. قاله مالك، وقال الخليل (٤) والأصمعي: المخططة بالحرير. قَالَ ابن الأنباري: والسيراء أيضًا: الذهب. وقيل: نبت ذو ألوان وخطوط ممتدة، كأنها السيور، ويخالطها الحرير. وفي كتاب أبي حنيفة: هي نبت، وهي أيضًا ثياب من ثياب اليمن. وقال الخطابي: المضلعة بالحرير، وسميت سيراء لما فيها من الخطوط التي تشبه السيور (٥). وتبعه ابن التين مقتصرًا عليه. وفي "الصحاح": برود فيها خطوط صفر (٦).

стр. 4074

وفي "المحكم": قيل: هو ثوب مسير فيه خطوط تعمل من القز، وقيل: من ثياب اليمن (١). وفي "الجامع": قيل: هي ثياب يخالطها حرير. وفي "العين" (٢): يخالطها حرير، يقال: سيرت الثوب والسهم: جعلت فيه خطوطًا، ولم يذكر ابن بطال غيره (٣). وقال ابن الأثير: البرد إِذَا كان فيه خطوط صفر، قاله في "شرح المسند" (٤) تبعًا "للصحاح" كما سلف، وقال في "النهاية": نوع من البرود يخالطه حرير كالسيور، فهو فعلاء من السير القد (٥)، وهو ما في "المغيث" (٦). وقال أبو عمر: أهل العلم يقولون: إنها كانت حلة من حرير. وجاء في البخاري ومسلم: من إستبرق، وهو الحرير الغليظ (٧). وقال الداودي: هو رقيق الحرير، وأهل اللغة عَلَى خلافه، وأصله فارسي: إستبره، فرد: إستبرق. ذكرها في "الصحاح" في فصل: الباء من حرف القاف (٨). عَلَى أن الهمزة والسين والتاء زوائد، ثمَّ ذكرها في حرف السين والراء، وذكرها الأزهري عَلَى أن الهمزة وحدها زائدة، وقال: أصلها بالفارسية: استقره، وقال: إنها وأمثالها من الألفاظ حروف عربية وقع فيها وفاق بين العجمية والعربية (٩).

стр. 4075

قَالَ الجوهري: تصغيره: أبيرق (١). وفي أخرى: من ديباج أو خز. وفي رواية: حلة سندس (٢). وكلها دالة عَلَى أنها كانت حريرًا محضًا، وهو الصحيح؛ لأنها هي المحرمة، وأما المختلط من الحرير وغيره فلا يحرم إلا إِذَا كان أكثر وزنًا. قُلْتُ: يجوز أن تكون كذلك وفي النسائي. الثاني: في "صحيح مسلم": رأى عمر عطاردًا التميمي يقيم بالسوق حلة سيراء (٣). وفي البخاري في موضع آخر: رأى عَلَى رجل من آل عطارد قباء ديباج أو حرير (٤)، وقد أسلفناه عَلَى الشك، حلة عطارد أو لبيد. وعطارد هو ابن حاجب بن زرارة التميمي، لَهُ وفادة في طائفة من وجوه تميم فأسلموا، وذلك في سنة تسع، وقيل: عشر. والأول أصح، وكان سيدًا في قومه، وهو الذي أهدى لرسول الله ﷺ ثوب ديباج كان كساه إياه كسرى، تعجب منه الصحابة، فقال ﷺ : "لمناديل سعد بن معاذ في الجنة خير من هذِه" (٥)، ولما ادعت سجاح التميمية النبوة تبعها ثمَّ أسلم وحسن إسلامه، وله في سجاح لما كذبت: أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها … وأصبحت أنبياء الله ذكرانا فلعنة الله رب الناس كلهم … على سجاح ومن بالإفك أغرانا (٦)

стр. 4076

الثالث: قوله: (فكساها عمر أخا له بمكة مشركًا). هكذا في الصحيحين، وفي رواية للبخاري: أرسل بها عمر إلى أخ له من أهل مكة قبل أن يسلم. وهذا يدل عَلَى إسلامه بعد ذلك، وفي النسائي و"صحيح أبي عوانة": فكساها أخا له من أمه مشركًا (١). وبخط الحافظ الدمياطي عَلَى البخاري: قيل: اسمه عثمان بن حكيم السلمي، وليس بأخ له، إنما أخوه لأمه زيد بن الخطاب لا عمر بن الخطاب، وأخته خولة بنت حكيم زوج عثمان بن مظعون، وأم سعيد بن المسيب بنت عثمان بن حكيم. الرابع: قوله: (فلبستها يوم الجمعة، وللوفد). وفي رواية للبخاري: للعيد والوفود (٢). وفي رواية الشافعي عن مالك: الوفود (٣) وهو جمع وقد، والوفد: جمع وافد، وهو اسم جنس، وهو القادم رسولًا أو زائرًا أو منتجعًا أو مسترفدًا. الخامس: قوله: ("إنما يلبس هذِه من لا خلاق لَهُ في الآخرة") وفي رواية: "إنما يلبس الحرير" (٤).

стр. 4077

والخلاق: النصيب من الخير والحظ. وقيل: الحرمة. وقيل: الدين. فعلى الأول هو محمول عَلَى الكفار بخلاف الآخرين. السادس: في أحكامه: فيه ما ترجم له، وهو: لبس أحسن ما يجد. فإن سكوته ﷺ يدل عَلَى مشروعية تجمل الإنسان للجمعة والوفود ومجامع المسلمين الذي يقصدونها؛ لإظهار جمال الإِسلام، والإغلاظ عَلَى العدو، وكان ذَلِكَ عند عمر مقررًا -أعني: التجمل- فلذا قاله. وفي "مسند أحمد" من حديث أبي أيوب مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة ولبس أحسن ثيابه ثمَّ خرج وعليه السكينة" (١) الحديث. وفي ابن أبي شيبة -بإسناد عَلَى شرط الصحيح- من حديث أبي سعيد: "إن من الحق عَلَى المسلم إِذَا كان يوم الجمعة السواك، وأن يلبس من صالح ثيابه، وأن يتطيب بطيب إن كان" (٢) وعن ابن عمر أنه كان يغتسل للجمعة، ويلبس من أحسن ثيابه (٣). وفي بلاغات مالك عن يحيى بن سعيد أنه ﷺ قَالَ: "ما عَلَى أحدكم لو اتخذ ثوبين لجمعته سوى ثوبي مهنته" (٤) ورواه أبو داود عن ابن سلام مرفوعًا، (٥) وابن ماجه عن عائشة

стр. 4078

مرفوعًا (١)، وروي من حديث جابر أيضًا لكن بإسناد ضعيف (٢). وروى أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين أنه ﷺ كان يلبس برده الأحمر يوم الجمعة، وأحسن ثيابه، وكذلك في العيدين (٣). قَالَ عبد الرحمن بن أبي ليلى: أدركت أصحاب بدر وأصحاب الشجرة إِذَا كان يوم الجمعة لبسوا أحسن ثيابهم، وإذا كان عندهم طيب مسوا منه ثمَّ راحوا إلى الجمعة (٤). وعن مجاهد: البس أفضل ثيابك يوم الجمعة. وعن معاوية بن قرة قَالَ: أدركت ثلاثين من مزينة إِذَا كان يوم الجمعة اغتسلوا ولبسوا من أحسن ثيابهم وتطيبوا (٥).

стр. 4079

وفي "صحيح ابن حبان" عن أبي سعيد وأبي هريرة مرفوعًا: "من اغتسل يوم الجمعة واستن، ومس من طيب إن كان عنده، ولبس من أحسن ثيابه". وفيه: "كانت كفارة لما بينها وبين الجمعة التي قبلها" (١). وفيه: عرض المفضول عَلَى الفاضل والتابع عَلَى المتبوع، ما يحتاج إليه من مصالحه التي قد لا يذكرها. وفيه: إباحة الطعن عَلَى مستحقه. وفيه: المنع من الحرير. قَالَ القرطبي: اختلف الناس فيه، فمن مانع ومن مجوز عَلَى الإطلاق، وجمهور العلماء عَلَى منعه للرجال وإباحته للنساء، لما في هذا الحديث وما في بابه وقد صح أنه ﷺ قَالَ: "شققها خُمرًا بين نسائك" (٢). وصح من حديث عَلَي أنه والذهب حرام عَلَى ذكورِ أمتي حل لإناثها (٣).

стр. 4080

وحسنه ابن المديني، وقال أبو عمر: لا يختلفون في الثوب المصمت الحرير الصافي الذي لا يخالطه غيره؟ أنه لا يحل للرجال لبسه (١). فأما العلم في الثوب وسداه فلا بأس به. وأجمعوا عَلَى أن لباس الحرير للنساء جائز، وكذلك التحلي بالذهب، لا يختلفون في ذَلِكَ للنساء، واختلفوا في الثوب الذي يخالطه الحرير، وسيأتي لذلك زيادة في بابه إن شاء الله تعالى. وفيه: جواز البيع والشراء عَلَى أبواب المساجد كما قَالَ أبو عمر (٢) وفي أبي داود أنه أخذها فأتى بها النبي ﷺ فقال: ابتع هذِه (٣). وفيه: مباشرة الصالحين والفضلاء البيع والشراء. وفيه: جواز تملك ما لا يجوز لبسه له. وجواز هديته وتحصيل المال منه، وقد جاء: "لتصيب بها مالا" (٤). وفيه: ما كان عليه ﷺ من السخاء وصلة الإخوان والأصحاب بالعطاء. وفيه: صلة الأقارب والإحسان إليهم. وجواز الهدية إلى الكافر. وعليه بوب البخاري أيضًا، وإهداء الثياب الحرير للرجال؛ لأنها

стр. 4081

لا تتعين للبسهم، فإن قُلْتَ: يؤخذ منه عدم مخاطبة الكفار بالفروع حيث كساه عمر إياه. قُلْتُ: لا، فإنه ليس فيه الإذن فيه، وإنما فيه الهدية إلى الكافر، وقد بعث الشارع ذَلِكَ إلى عمر وعلي وأسامة، ولم يلزم منه إباحة لبسها لهم، بل صرح ﷺ بأنه إنما أعطاه؛ لينتفع بها بغير اللبس.

стр. 4082

٨ - باب السِّوَاكِ يَومَ الجُمُعَةِ وَقَالَ أَبُو سَعِيدِ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَسْتَنُّ. [انظر: ٨٥٨] ٨٨٧ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ قَالَ: أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ". [٧٢٤٠ - مسلم: ٢٥٢ - فتح: ٢/ ٣٧٤] ٨٨٨ - حَدَّثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَارِثِ قَالَ: حَدَّثَنَا شُعَيْبُ بْنُ الحَبْحَابِ، حَدَّثَنَا أَنَسٌ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ". [فتح: ٢/ ٣٧٤] ٨٨٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا سُفْيَانُ، عَنْ مَنْصُورٍ وَحُصَيْنٍ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ. [انظر: ٢٤٥ - مسلم:٢٥٥ - فتح: ٢/ ٣٧٥] ذكر فيه حديثًا معلقًا، وثلاثة أحاديث مسندة، قَالَ: وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ : يَسْتَنُّ. وهذا التعليق سلف في باب الطيب مسندًا (١). ثمَّ ذكر حديث عبد الله بن يوسف، ثنا مَالِكٌ، عَنْ أَبِي الزِّنَادِ، عَنِ الأَعْرَجِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ "لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أَمَّتِي -أَوْ عَلَى النَّاسِ- لأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عند كُلِّ صَلَاةٍ". هذا الحديث رواه عن أبي هريرة جعفر بن ربيعة بلفظ: "عَلَى أمتي لأمرتهم بالسواك" (٢). وفي حديث مالك: "مع كل صلاة"، وفي رواية النسائي عن قتيبة عن مالك (٣).

стр. 4083

وزعم أبو عمر أن رواية عبد الله بن يوسف وجماعات: "لولا أن أشق عَلَى المؤمنين -أو عَلَى الناس- لأمرتهم بالسواك " وزاد معن: "عند كل صلاة" وكذا قَالَ قتيبة، ولم يقل: "أو عَلَى الناس" كل هذا قد روي عن مالك، عن أبي الزناد (١). وكذا ذكر أبو العباس أحمد بن طاهر الداني في "أطراف الموطأ"، وذكر أنه في "الموطأ" في آخر الطهارة مختصر ليس فيه تحديد، ثم ذكر أن في آخر "الموطأ" أن أبا هريرة قال: لولا أن يشق عَلى أمته لأمرهم مع كل وضوء (٢). وأنه موقوف عند يحيى بن يحيى وطائفة، ورفعه مطرف وجماعة عن مالك، وذكر أن رواية معن ومطرف وجويرية: "مع كل صلاة" (٣). وذكر الدارقطني في "الموطآت" أن يوسف ومحمد بن يحيى قالا كما في الكتاب: "عَلَى أمتي، أو عَلَى الناس" وقال معن: "عَلَى المؤمنين، أو عَلَى الناس" زاد معن: "عند كلل صلاة". وادعى ابن التين أنه ليس في هذا الحديث في "الموطأ": "مع كل صلاة" ولا قوله: "أو عَلَى الناس" وقد ظهر لك خلافه، وفي الباب عن سبعة عشر صحابيًّا ذكرهم الترمذي (٤).

стр. 4084

إِذَا عرفت ذَلِكَ فالكلام عليه من أوجه: الأول: الاستدلال بهذا الحديث مطابق؛ لأنه إِذَا ثبت السواك في غيرها من الصلوات فهي مع الندب إلى الاغتسال لها وإحسان الهيئة أولى بالسواك، ويحتمل أن يكون مراده كما نبه عليه ابن المنير (١). ما هو منطوق به في حديث أبي سعيد الذي علقه في أوّل هذا الباب، وقد أسنده في باب: الطيب للجمعة كما سلف (٢)، وأن مراده من حديث الباب: مع كل صلاة، وصلاة الجمعة صلاة فتدخل تحت ذلك، ثم ساق في الباب غيره كما ستعلمه استطرادًا في السواك مطلقًا. الثاني: معنى: "لولا أن أشق": لولا أن أحرجهم. وقد أسلفنا عن ابن حزم أن السواك فرضٌ يوم الجمعة، وهو من جموده (٣). قال الإمام الشافعي: لو كان واجبًا لأمرهم به، شق أو لم يشق (٤). الثالث: في أحكامه: فيه: أن الأمر للوجوب، وأن المندوب ليس مأمورًا به. وشرعية

стр. 4085

السواك للفرض والنفل، وجواز الاجتهاد للشارع فيما لم يرد فيه نص، وما كان عليه من الرفق بأمته، وأنه لا كراهة فيه للصائم بعد الزوال، وعليه بوب النسائي (١). "وإباحة السواك في المسجد؛ لأن (عند) تقتضي الظرف حقيقة فيقتضي استحبابه بحضرة كل صلاة وعندها، وعند بعض المالكية كراهته في المسجد لاستقزاره، والمسجد منزه عنها (٢). وأن الأمر للتكرار؛ لأن الحديث دال على كون المشقة مانعة من الأمر بالسواك، ولا مشقة في وجوبه مرة لمسمى السواك مع عدم الكلفة أو قلتها، وإنما المشقة في التكرار مع الوجوب، فلو لم يكن الأمر للتكرار لما كانت المشقة مانعة؛ لأنه ممتنع كون المشقة مانعة ولا مشقة، لكن المشقة مانعة من الوجوب فالأمر للتكرار. قال المهلب: وفيه أن السنن والفضائل ترتفع عن الناس إذا خشي منها الحرج عليهم، وإنما أكد في السواك لمناجاة الرب وتلقي الملائكة لتلك المناجاة، فلزم تطهير النكهة، وتطيب الفم (٣). الحديث الثاني: حديث أنس مرفوعًا: "أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السِّوَاكِ". وهو من أفراده، ومعناه: أكثرت عليكم، وحقيقٌ أن أفعل، وحقيقٌ عليكم أن تسمعوا وتطيعوا دون الإكثار، وشيخه فيه أبو معمر عبد الله بن عمرو المقعد

стр. 4086

الثالث: حديث أبي وائل شقيق بن سلمة عن حذيفة: كَانَ النَّبِىُّ ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بالسواك. وقد سلف في باب: السواك، من باب: الطهارة (١) ويحتمل أن يكون قيامه لأجل الصلاة فتؤخذ الجمعة من باب أولى.

стр. 4087

٩ - باب مَنْ تَسَوَّكَ بِسِوَاكِ غَيِرْهِ ٨٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ قَالَ: حَدَّثَنِي سُلَيْمَانُ بْنُ بِلَالٍ قَالَ: قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ، وَمَعَهُ سِوَاكٌ يَسْتَنُّ بِهِ، فَنَظَرَ إِلَيْهِ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، فَقُلْتُ لَهُ أَعْطِنِي هَذَا السِّوَاكَ يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ. فَأَعْطَانِيهِ، فَقَصَمْتُهُ ثُمَّ مَضَغْتُهُ، فَأَعْطَيْتُهُ رَسُولَ اللهِ ﷺ فَاسْتَنَّ بِهِ وَهْوَ مُسْتَسْنِدٌ إِلَى صَدْرِي. [١٣٨٩، ٣١٠٠، ٣٧٧٤، ٤٤٣٨، ٤٤٤٦، ٤٤٤٩، ٤٤٥٠، ٤٤٥١، ٥٢١٧، ٦٥١٠ - مسلم: ٢٤٤٣ - فتح: ٢/ ٣٧٧] ذكر في حديث عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمَعَهُ سِوَاكٌ .. الحديث وقد ذكره البخاري هنا وفي الخمس والمغازي، ومرضه ﷺ ، وفضل عائشة (١)، وأخرجه مسلم فيه (٢). وقولها: (ومعه سواك يستن به) وفي أخرى للبخاري تأتي في وفاته: سواك رطب يستن به. فأبده رسول الله ﷺ بصره (٣) وفي يده جريدة رطبة (٤). وقولها: (فقصمته) روي بالصاد المهملة والمعجمة (٥)، قال صاحب "المطالع": والإهمال لأكثرهم.

стр. 4088

وادعى ابن الجوزي أن الإعجام أصح، وكذا ذكرها ابن الأثير (١). وقال ابن التين: ضبط بالصاد المهملة وبالقاف، وبالفاء أيضًا، وكله يصح في المعنى؛ لأن الفضم -بالفاء- الكسر، قال: وصوابه القاف والصاد المهملة، قال: وكذا رويناه. قال: وقد يصح بالمعجمة؛ لأنه الأكل بأطراف الأسنان، فكأنها أخذته بأطراف أسنانها. وقال ثعلب: قضمت الدابة شعيرها بكسر ثانيه تقضم. وحكى الليثي عن ثابت وابن طلحة: قضمت بالفتح ولم أره لغيرهما. وفيه من الأحكام: طهارة ريق ابن آدم، وعن النخعي: نجاسة البصاق، والاستنان بالرطب؛ لئلا يجرح. وقال بعض الفقهاء: إن الأخضر لغير الصائم أحسن (٢). وإصلاح السواك وتهيئته، والاستياك بسواك الغير، والعمل مما يفهم عند الإشارة والحركات.

стр. 4089

١٠ - باب مَا يُقرَأُ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ يَومَ الجُمُعَةِ ٨٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ سَعْدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ -هُوَ ابْنُ هُرْمُزَ- عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ: كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُ فِي الجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الفَجْرِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] وَ ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ﴾ [الإنسان: ١]. [١٠٦٨ - مسلم: ٨٨٠ - فتح: ٢/ ٣٧٧] ذكر فيه حديث أبي هريرة قَالَ: كَانَ رسول الله ﷺ يَقْرَأُ في الفجر يوم الجُمُعَةِ: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ﴾ [السجدة: ١، ٢] و ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الإِنْسَانِ﴾ [الإنسان:١]. رواه عن أبي نعيم، ثنا سفيان، عن سعيد بن إبراهيم، عن عبد الرحمن بن هرمز، عن أبي هريرة. وفي بعض النسخ بدل (أبي نعيم): (محمد بن يوسف)، وعليه ضبة، وما أسلفناه هو ما في أصل الدمياطي بخطه في الحاشية: ومحمد بن يوسف. وذكر خلف في "أطرافه" أن البخاري رواه عنهما في الصلاة، وعلى الحاشية لم أجد حديث محمد ولا ذكره الدمشقي، وأما أبو نعيم فأورده كما سقناه، وقال في سفيان الثوري. ثم قال: رواه البخاري عن أبي نعيم، ورواه الإسماعيلي من طريق جماعة منهم: أبو نعيم، فلم يذكر منهم محمد بن يوسف. وأخرجه مسلم عن زهير، عن وكيع، عن سفيان (١)، وأخرجه من حديث ابن عباس أيضًا (٢)، وفي "شريعة البخاري" (٣) من حديث أبان، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: غدوت على النبي ﷺ يوم الجمعة في صلاة الفجر فقرأ سورة من المئين في الركعة الأولى

стр. 4090

فيها سجدة، فسجدت، ثم غدوت عليه من الغد فقرأ في الركعة الأخيرة سورة من المئين فيها سجدة فسجد. وسقط سعد بن إبراهيم في رواية أبي الحسن وأُلْحِقَ ولابد منه، والقراءة بهاتين السورتين أخرجه ابن ماجه من حديث سعد بن أبي وقاص (١). وفي "الطبراني الصغير": حدثنا محمد بن بشر، ثنا دحيم، ثنا الوليد بن مسلم، حَدَّثَنِي ثور بن يزيد، عن عمرو بن قيس، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله مرفوعًا بزيادة: يديم ذلك ثم قال: لم يروه عن عمرو إلا ثور، ولا عن ثور إلا الوليد، تفرد به دحيم، ولا كتبناه إلا عن ابن بشر (٢). قلت: وهو فائدة جليلة فارحل إليها. إذا تقرر ذلك فذهب أكثر العلماء -كما حكاه عنهم ابن بطال- إلى القول بهذا الحديث، روي ذلك عن علي وابن عباس، وأجازوا أن يقرءوا بسورة فيها سجدة في الفجر يوم الجمعة، واستحبه النخعي وابن سيرين (٣) وهو قول الكوفيين والشافعي وأحمد وإسحاق، وقالوا: هو سنة. واختلف قول مالك في ذلك، فروى ابن وهب عنه أنه لا بأس أن

стр. 4091

يقرأ الإمام بالسجدة في الفريضة، وروى عنه أشهب أنه كره للإمام ذلك إلا أن يكون من خلفه قليل لا يخاف أن يخلط عليهم (١). وروى ابن أبي شيبة -بإسناد جيد- عن أبي حمزة الأعور، عن إبراهيم أنه صلى بهم يوم الجمعة الفجر فقرأ بهم، ﴿كهيعص (١)﴾ [مريم: ١] (٢). وعن علي أنه قرأ في الفجر يوم الجمعة بسورة الحشر وسورة الجمعة (٣). ومذهب الكوفيين كراهة قراءة شيء من القرآن موقتة بشيء من الصلوات، وأن يقرأ سورة السجدة، و ﴿هَلْ أَتَى﴾ في الفجر في كلِّ جمعة، وذلك لما فيه من هجران باقي القرآن، وليس فيه مهجور. وإيهام تفضيل بعضه على بعض، وكلام الله في الحقيقة سواء، لقيامه بذات الله وشرفه بها. قال الطحاوي: معناه إذا رآه حتمًا واجبًا لا يجزي غيره أو رأى القراءة بغيرها مكروهة، أما لو قرأها في تلك الصلاة تبركًا أو تأسيًا بالشارع أو لأجل التيسير فلا كراهة، وفي "المحيط" من كتبهم: بشرط أن يقرأ غير ذلك أحيانًا؛ لئلا يظن الجاهل أنه لا يجوز غيره (٤)، وقال المهلب: القراءة في الصلاة محمولة على قوله:

стр. 4092

﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ﴾ [المزمل: ٢٠] وإنما كره مالك ذلك خشية التخليط على الناس (١). ولذلك ترك الشارع في آخر فعله السجود في المفصل؛ لأنه الذي يقرأ به في الخمس. وقال ابن العربي: خرَّج البخاري قراءة الصبح يوم الجمعة عن سعد بن إبراهيم بلفظ (كان) المقتضية للمداومة، وهو مضعف عند مالك وغيره، وقد جاءت الرواية أيضًا من غير طريقه، ولكنه أمر لم يعلم بالمدينة والله أعلم من قطعه كما قطع غيره، فينبغي أن يفعل ذلك في الأغلب للقدوة، ويقطع أحيانًا؛ لئلا يظنه العامة من السنة (٢).

стр. 4093

وهو عجيب منه فهو سنة عند الخاصة والعامة، وصاحب الشرع داوم عليه كما سلف بالإسناد الصحيح، فكيف المعدل عنه؟ وقوله في ابن إبراهيم، ولا نعلم أحدًا ضعفه ولا ذكره في الضعفاء، وفي "شرح ابن التين": إن هذا الحديث يرد على من قال: لم يُرو عن النبي ﷺ أنه سجد في غير المفصل؛ إذ يفيد أنه ﷺ يقرأ السجدة ولا يسجدها. قلت: وقد قدمنا سجوده فيها.

стр. 4094

١١ - باب الجُمُعَةِ فِي القُرى وَالمُدْنِ ٨٩٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ العَقَدِيُّ قَالَ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ، عَنْ أَبِي جَمْرَةَ الضُّبَعِيِّ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ -بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ- ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ. [٤٣٧١ - فتح: ٢/ ٣٧٩] ٨٩٣ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ قَالَ: أَخْبَرَنَا يُونُسُ، عَنِ الزُّهْرِيِّ قَالَ: أَخْبَرَنَا سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللهِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ﵄ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ". وَزَادَ اللَّيْثُ: قَالَ يُونُسُ: كَتَبَ رُزَيْقُ بْنُ حُكَيْمٍ إِلَى ابْنِ شِهَابٍ -وَأَنَا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ بِوَادِي القُرَى-: هَلْ تَرَى أَنْ أُجَمِّعَ؟ وَرُزَيْقٌ عَامِلٌ عَلَى أَرْضٍ يَعْمَلُهَا، وَفِيهَا جَمَاعَةٌ مِنَ السُّودَانِ وَغَيْرِهِمْ، وَرُزَيْقٌ يَوْمَئِذٍ عَلَى أَيْلَةَ، فَكَتَبَ ابْنُ شِهَابٍ -وَأَنَا أَسْمَعُ- يَأْمُرُهُ أَنْ يُجَمِّعَ، يُخْبِرُهُ أَنَّ سَالِمًا حَدَّثَهُ أَنَّ عَبْدَ اللهِ بْنَ عُمَرَ يَقُولُ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، الإِمَامُ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِهِ وَهْوَ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ، وَالمَرْأَةُ رَاعِيَةٌ فِي بَيْتِ زَوْجِهَا وَمَسْئُولَةٌ عَنْ رَعِيَّتِهَا، وَالخَادِمُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ -قَالَ وَحَسِبْتُ أَنْ قَدْ قَالَ: وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي مَالِ أَبِيهِ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ- وَكُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [٢٤٠٩، ٢٥٥٤، ٢٥٥٨، ٢٧٥١، ٥١٨٨، ٥٢٠٠، ٧١٣٨ - مسلم: ١٨٢٩ - فتح: ٢/ ٣٨٠] القرى: جمع قرية على غير قياس، قال الجوهري: لأن ما كان على فَعْلَة بفتح الفاء من المعتل فجمعه ممدود، مثل ركْوَة وركاء، وَظْبية وظِبَاء، وجاء القرى مخالفًا لبابه لا يقاس عليه، ويقال: قرية: لغة يمانية، ولعلها جمعت على ذلك مثل لحية ولحى، والنسبة إليها قروي (١).

стр. 4095

وقال ابن الأثير: القرية من المساكن والأبنية والضياع، وقد تطلق على المدن (١). وقال صاحب "المطالع": القرية: المدينة، وكل مدينة قرية؛ لاجتماع الناس فيها، من قريت الماء في الحوض، أي: جمعته، وأما المدن فجمع مدينة وتجمع أيضًا على مدائن بالهمز، ومدن مخفف الدال وتثقل، واشتقاقها من: مدن بالمكان إذا أقام به. وقال ابن التين: المدن جمع مدينة تخفف الدال. وتثقل إذا قلنا أن وزنها فعيلة من مدن بالمكان إذا أقام به، وأما إن قلنا: من دنت، أي: ملكت، فوزنها مفعلة قال: وجمعها مداين بغير همز. ذكر فيه حديثين: أحدهما: حديث ابن عباس: إِنَّ أَوَّلَ جُمُعَةٍ جُمِّعَتْ- بَعْدَ جُمُعَةٍ فِي مَسْجِدِ رَسُولِ اللهِ ﷺ فِي مَسْجِدِ عَبْدِ القَيْسِ بِجُوَاثَى مِنَ البَحْرَيْنِ. رواه من طريق أبي عامر العقدي، واسمه: عبد الملك بن عمرو، وأبو جمرة راويه عن ابن عباس بالراء، واسمه نصر بن عمران الضبعي، والحديث من أفراد البخاري، وأخرجه أبو داود بلفظ: إن أول جمعة جمعت في الإِسلام -بعد جمعة جمعت في مسجد رسول الله ﷺ بالمدينة- لجمعة جمعت بجواثى، قرية من قرى البحرين. وقال عثمان بن أبي شيبة قرية من قرى عبد القيس (٢). وللإسماعيلي: أول جمعة جمعت بحواثى بالبحرين بعد جمعة جمعت مع رسول الله ﷺ .

стр. 4096

وجواثي بضم الجيم، وفتح الواو، وقد تهمز، ثم ألف وثاء مثلثة: قرية أو مدينة بالبحرين (١). وحكى ابن التين عن الشيخ أبي الحسن أنها مدينة، ثم قال: وهو خلاف ما ذكر القاضيان: أبو محمد وأبو الوليد أنها قرية. (وحكى الجوهري وابن الأثير أنها اسم لحصن بالبحرين (٢)، وكذا هو في "البلداني" للزمخشري) (٣). وقال البكري: جواثى على وزن فعالى: مدينة بالبحرين لعبد القيس (٤). إذا تقرر ذلك فالإجماع قائم على وجوب الجمعة على أهل المدن، واختلفوا في وجوبها على أهل القرى، فقال مالك: كل قرية فيها مسجد أو سوق فالجمعة واجبة على أهلها، ولا تجب على أهل العمود وإن كثروا؛ لأنهم في حكم المسافرين (٥)، وبه قال الشافعي وجماعة (٦)، وأوجبها منهم أحمد على القرية إذا كان لها أبنية مجتمعة وفيها أربعون من أهل وجوب الجمعة، وهم: الأحرار، البالغون، العقلاء، المقيمون، الذين لا يظعنون شتاء ولا صيفًا إلا ظعن حاجة (٧). وقال أبو حنيفة: لا تصح إلا في مصرٍ جامع أو في مصلى العصر،

стр. 4097

ولا تجوز في القرى (١)، وتجوز بمنى إذا كان الأمير أمير الحج (٢)، أو كان الخليفة مسافرًا. ووافقه أبو يوسف، وهو قول الثوري. وقال محمد: لا جمعة بمنى، ولا يصح بعرفات في قولهم جميعًا (٣)، وعند أصحابنا لها شروط: أن تقام في أبنية مجتمعة يستوطنها صيفًا وشتاء من تنعقد بهم الجمعة، سواء أكان البناء من حجر أو خشب أو طين أو قصب أو غيرها، وسواء فيه البلاد الكبار وذوات الأسواق والقرى الصغار، فإن كانت الأبنية متفرقة لم تصح قطعًا؛ لأنها لا تعد قرية ويرجع في الاجتماع والتفرق إلى العرف وأما أهل الخيام وإن كانوا ينتقلون من موضعهم شتاءً وصيفًا لم تصح الجمعة قطعًا، وإن كانوا ملازمين فيها صيفًا وشتاءً وهي مجتمعة بعضها إلى بعض فقولان: أظهرهما: لا وجوب عليهم، ولا تصح منهم. وبه قال مالك وأبو حنيفة (٤). والثاني: نعم (٥). وبه قال أحمد وداود (٦)، ونُقِلَ قول أبي حنيفة عن علي وحذيفة وعطاء وأبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم والحسن والنخعي ومحمد ومجاهد وابن سيرين والثوري وعبد الله بن الحسن وسُحنون (٧).

стр. 4098

وقال الرازي في "أحكامه": اتفق فقهاء الأمصار على أنها مخصوصة بموضع، لا يجوز فعلها في غيره؛ لأنهم مجمعون على أنها لا تجوز في البوادي ومناهل الأعراب، ونقل عن أصحابهم أنها مخصوصة بالأمصار ولا تصح في القرى (١). قلت: ذكر ابن المنذر أن ابن عمر كان يرى أن أهل المناهل والمياه يجمعون، وعن عمر بن عبد العزيز أنه كتب بذلك، فروى جعفر بن برقان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى عدي بن عدي: إنا أهل قرية ليسوا بأهل عمود ينتقلون. فأمرَّ عليهم أميرًا يجمع بهم (٢). قال الرازي: فلو كانت الجمعة واجبة في القرى لورد النقل به كما ورد في الأمصار، لعموم الحاجة، ولبينه ﷺ ، وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز وللمدينة قرى كثيرة، ولم ينقل عنه أنه أمر أهلها بالجمعة. واختلف في المصر الذي تجوز فيه الجمعة عندهم، فعن أبي يوسف: كل موضع يكون فيه كل محترف، ويوجد فيه جميع ما يحتاج الناس إليه في معايشهم وفي التبايع عادة، وبه فقيه يفتي وقاض يقيم الحدود. وعنه: إن بلغ سكانه عشرة آلاف، وقيل: عشرة آلاف مقاتل. وقيل: بحيث لو قصدهم عدو أمكنهم دفعه. وقيل: كل موضع فيه منبر وقاض ينفذ الأحكام، ويقيم الحدود (٣). قال في "المحيط ": وبه نأخذ، وهو ظاهر الرواية. وقيل: أن لو اجتمعوا إلى أكبر مساجدهم لم يسعهم. وقيل: أن تكون مجال يعيش

стр. 4099

فيها كل محترف بحرفته من سنة إلى سنة من غير أن يشتغل بحرفة أخرى. وعن محمد: كل موضع مصره الإمام فهو مصر، حتى لو بعث إلى قرية نائبًا؛ لإقامة الحدود والقصاص تصير مصرًا، وإذا عزله ودعاه يلحق بالقرى (١). يؤيد هذا أن عثمان بن عفان أرسل عبدًا أسود إلى الربذة، فكان أبو ذر يصلي خلفه (٢)، وكذا غيره من الصحابة الجمعة وغيرها. ولا جمعة في المغارة والبراري إجماعًا إلا عند الظاهرية. ذكر ابن حزم أنه ﷺ صلى الجمعة بعرفات قال: إنه لا خلاف؛ لأنه ﷺ خطب وصلى ركعتين وهذِه صفة صلاة الجمعة. ولا روى أحد أنه ما جهر فيها، وعنده: لو صلى المعذور بامرأته صلاهما ركعتين، وكذا النساء في جماعة (٣). وفي "التحفة" من كتب الحنفية: إن فعلها يكون على وجه الشهرة، حتى أن أميرًا لو جمع جنده في الحصين وغلق بابه، ولم يأذن بالدخول فيه للعامة جازت (٤). وفي "المحيط": الأداء على سبيل الاشتهار شرط حتى لو أغلق الأمير باب قصره وصلى فيه بجنده لا يجوز، وإن فتح باب قصره وأذن للناس في الدخول جاز ويكره (٥). استدل من أجاز الجمعة في القرى بالحديث الذي أورده البخاري في

стр. 4100

الباب، وبما رواه أبو داود وابن ماجه والبيهقي، وصححه ابن خزيمة عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك -وكان قائد أبيه بعد ما ذهب بصره- عن أبيه أنه كان إذا سمع النداء يوم الجمعة ترحم على أسعد بن زرارة، فقلت له: إذا سمعت النداء ترحمت لأسعد بن زرارة؟ قال: لأنه أول من جمع بنا في هزم النبيت (١) من حرة بني بياضة في نقيع يعرف بنقيع الخضمات (٢). وللبيهقي في "سننه": كان أسعد أول من جمع بالمدينة قبل مقدم رسول الله ﷺ ، قلت: كم أنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا (٣). وللبيهقي في "المعرفة": قال الزهري: لما بعث رسول الله ﷺ مصعب بن عمير إلى المدينة؛ ليقرئهم القرآن جمع بهم وهم اثنا عشر رجلًا، فكان مصعب أول من جمع الجمعة بالمدينة بالمسلمين قبل أن يقدمها رسول الله ﷺ . قال البيهقي: يريد: الاثنى عشر النقباء الذين
следующие страницы →