← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 5321–5360 · переход к 5326.

стр. 5321

وقال الضمري: لا يستحب أن يعد الإنسان لنفسه كفنًا؛ لئلا يحاسب عليه، وهو صحيح إلا إِذَا كان من جهة يقطع بحلها أو من أثر أهل الخير والصلحاء والعباد فإنه حسن.

стр. 5322

٢٩ - باب اتِّبَاعِ النِّسَاءِ الجَنَائِزَ ١٢٧٨ - حَدَّثَنَا قَبِيصَةُ بْنُ عُقْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنْ خَالِدٍ [الحَذَّاءِ]، عَنْ أُمِّ الهُذَيْلِ، عَنْ أُمِّ عَطِيَّةَي ﵂ قَالَتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. [انظر: ٣١٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح: ٣/ ١٤٤] ذكر فيه حديث أم عطية قالتْ: نُهِينَا عَنِ اتِّبَاعِ الجَنَائِزِ، وَلَمْ يُعْزَمْ عَلَيْنَا. هذا الحديث سلف في باب الطيب للمرأة عند غسلها في المحيض (١). ومعنى (لم يعزم علينا): أي لم يوجب ويفرض، أو لم يشدد. وقال الداودي: يعني: اتباعها إلى الكُدى، وهي القبور. قال: ولعل قولها: (ولم يعزم علينا) أي: أن لا نأتي أهل الميت، وقد روى أنه ﷺ رأى فاطمة في ممشاه، فسألها: "أين أردت" فقالت: أتيت إلى فلان أعزيهم، فقال: "لعلك بلغت معهم الكُدى" فقالت: معاذ الله وقد سمعت منك ما سمعت، فقال: "لو بلغت معهم الكُدى ما رأيت الجنة حتَّى يراها جد أبيك". قال الحاكم فيه: حديث صحيح عَلَى شرط الشيخين (٢).

стр. 5323

وقول أم عطية دال لقول ابن حبيب: يكره خروج النساء في الجنائز من غير نوح وبكاء في جنازة الخاص من قرابتهن، وغيره قال: ينبغي للإمام منعهن من ذَلِكَ، ففي الحديث: "ارجعن مازورات غير مأجورات" (١) وفي "المدونة" (٢): كان مالك يوسع للنساء في الخروج إلى الجنائز، وقد خرجت أسماء تقود فرسًا للزبير وهي حامل حتَّى عوتب في ذَلِكَ. فإن قُلْت بإباحة ذَلِكَ فتخرج المتجالة لَهُ عَلَى القريب وغيره، وتخرج الشابة عَلَى الولد والوالد والزوج والأخ. ومن لم يكن مثلهم فيكره خروجها لجنازته، وقد سلف في باب الأمر باتباع الجنائز شيء مما نحن فيه أيضًا.

стр. 5324

قال ابن المنذر: روينا عن ابن مسعود وابن عمر وأبي أمامة وعائشة أنهم كرهوا للنساء اتباع الجنائز وكره ذَلِكَ إبراهيم ومسروق والنخعي والحسن ومحمد بن سيرين، وهو قول الأوزاعي وأحمد وإسحاق (١). وقال الثوري: اتباع النساء بدعة (٢)، وعن أبي حنيفة: لا ينبغي ذَلِكَ للنساء، وروى إجازة اتباع النساء الجنائز عن ابن عباس. والقاسم، وسالم، وعن الزهري وربيعة، وابن الزناد مثله، ورخص مالك في ذَلِكَ وقال: قد خرج النساء قديمًا في الجنازة، وخرجت أسماء تقود فرس الزبير وهي حامل (٣)، ما أرى بخروجهن بأسًا إلا في الأمر المستنكر. وقد احتج بعض من كره ذَلِكَ بحديث الباب ومن أجازه أيضًا، وقال المهلب: هذا الحديث يدل عَلَى أن النهي من الشارع عَلَى درجات فمنه نهي تحريم ونهي تنزيه ونهي كراهة، وقال القرطبي (٤): ظاهر الحديث التنزيه وإليه صار الجمهور وبه قال الشافعي (٥). وقال ابن حزم: لا يمنعن من اتباعها، وآثار النهي عن ذَلِكَ ليست تصح؛ لأنها إما عن مجهول أو مرسلة، أو عمن لا يحتج به وأشبه شيء في حديث الباب وهو غير مسند؛ لأنا لا ندري من هو الناهي، ولعله بعض الصحابة ثمَّ لو صح مسندًا لم يكن فيه حجة بل كان يكون كراهة فقط، وقد صح خلافه، روى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة

стр. 5325

أنه ﷺ كان في جنازة فرأى عمر امرأة فصاح بها، فقال لَهُ رسول الله ﷺ : "دعها يا عمر، فإن العين دامعة، والنفس مصابة، والعهد قريب" (١). قُلْتُ: أخرجه الحاكم وقال: صحيح عَلَى شرط الشيخين، وليس بجيد لأنه منقطع، كما بينه البيهقي، قلت: وفيه مجهول (٢)، وإنما قالت أم عطية: ولم يعزم علينا؛ لأنها فهمت عن الشارع أن ذَلِكَ النهي إنما أراد به ترك ما كانت الجاهلية تقوله من الفجر وزور الكلام وقبيحه ونسبة الأفعال إلى الدهر، فهي إذا تركت ذَلِكَ وبدلت منه الدعاء والترحم عليه كان حقيقًا، فهذا يدل أن الأوامر تحتاج إلى معرفة تلقي الصحابة لها ونظر كيف تلقوها (٣). ما أسلفناه عن ابن حزم في دعواه أن حديث أم عطية غير مسند، ليس بجيد منه فقد أخرجه ابن شاهين من حديث خالد الحذّاء عن أم الهذيل، عن أم عطية قالت: نهانا رسول الله ﷺ عن اتباع الجنائز ولم يعزم علينا. ثمَّ قال: وقد روي عن يزيد بن أبي حبيب أنه ﷺ حضر جنازة رجل فلما وضعت؛ ليصلي عليها أبصر امرأة فسأل عنها فقيل: هي أخت الميتة فقال لها: "ارجعي" فلم يصل عليها حتَّى توارت. وقال لامرأة أخرى: "ارجعي وإلا رجعت" وأحسن حالات المرأة مع الجنازة أنها لا تؤجر في حضورها (٤).

стр. 5326

وقال الحازمي: أما اتباع الجنائز فلا رخصة لهن فيه (١). فرع: انفرد الشعبي فقال: لا تصلي النساء عَلَى الجنازة، وما أبعده ولا خفاء في فعلها وحدهن، قال ابن القاسم: يصلين أفرادًا عَلَى الأصح واحدة بعد واحدة عَلَى الأصح (٢).

стр. 5327

٣٠ - باب إِحْدَادِ المَرْأَةِ عَلَى غَيْرِ زَوْجِهَا ١٢٧٩ - حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ المُفَضَّلِ، حَدَّثَنَا سَلَمَةُ بْنُ عَلْقَمَةَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ: تُوُفِّىَ ابْنٌ لأُمِّ عَطِيَّةَ ﵂، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ، فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقَالَتْ: نُهِينَا: أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ إِلاَّ بِزَوْجٍ. [انظر: ٣١٣ - مسلم: ٩٣٨ - فتح: ٣/ ١٤٥] ١٢٨٠ - حَدَّثَنَا الحُمَيْدِيُّ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى قَالَ: أَخْبَرَنِي حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ ابْنَةِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَّأْمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ ﵂ بِصُفْرَةٍ فِي اليَوْمِ الثَّالِثِ، فَمَسَحَتْ عَارِضَيْهَا وَذِرَاعَيْهَا وَقَالَتْ: إِنِّي كُنْتُ عَنْ هَذَا لَغَنِيَّةً، لَوْلَا أَنِّي سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ، فَإِنَّهَا تُحِدُّ عَلَيْهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [١٢٨١، ٥٣٣٤، ٥٣٣٩، ٥٣٤٥ - مسلم: ١٤٨٦ (٦٢) - فتح: ٣/ ١٤٦]. ١٢٨١ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ، حَدَّثَنِي مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ، عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَخْبَرَتْهُ قَالَتْ: دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ -زَوْجِ النَّبِيِّ ﷺ - فَقَالَتْ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ يَقُولُ: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [انظر: ١٢٨٠ - مسلم: ١٤٨٦ - فتح: ٣/ ١٤٦] ١٢٨٢ - ثُمَّ دَخَلْتُ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ حِينَ تُوُفِّيَ أَخُوهَا، فَدَعَتْ بِطِيبٍ فَمَسَّتْ، ثُمَّ قَالَتْ: مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ، غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ عَلَى المِنْبَرِ [يَقُول]: "لَا يَحِلُّ لاِمْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ تُحِدُّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ، إِلاَّ عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا". [٥٣٣٥ - مسلم: ١٤٨٧ - فتح: ٣/ ١٤٦] ذكر فيه عن محمد بن سيرين قال: تُوُفِّيَ ابن لأُمِّ عَطِيَّةَ، فَلَمَّا كَانَ اليَوْمُ الثَّالِثُ دَعَتْ بِصُفْرَةٍ فَتَمَسَّحَتْ بِهِ وَقالتْ: نُهِينَا أَنْ نُحِدَّ أَكْثَرَ مِنْ

стр. 5328

ثَلَاثٍ إِلَّا بِزَوْجٍ، وعن زينب قالتْ: لَمَّا جَاءَ نَعْيُ أَبِي سُفْيَانَ مِنَ الشَأُمِ دَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِصُفْرَةٍ ثمَّ ساقه مطولًا أيضًا. وحديث أم عطية سلف مطولًا في أثناء الحيض (١)، وحديث زينب (٢). وقد سلف الكلام هناك علَى الإحداد، وفوائد الحديث فراجعه منه (٣).

стр. 5329

ونقل ابن بطال إجماع العلماء عَلَى أن من مات أبوها أو ابنها وكانت ذات زوج وطالبها زوجها بالجماع في الثلاثة الأيام التي أبيح لها الإحداد فيها أنه يُقضَى لَهُ عليها بالجماع فيها (١). وقيل معنى قوله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ [البقرة: ٢٣٤] أي: عن الزينة.

стр. 5330

٣١ - باب زِيَارَةِ القُبُورِ ١٢٨٣ - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، حَدَّثَنَا ثَابِتٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: مَرَّ النَّبِيُّ ﷺ بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ فَقَالَ: "اتَّقِى اللهَ وَاصْبِرِي". قَالَتْ: إِلَيْكَ عَنِّي، فَإِنَّكَ لَمْ تُصَبْ بِمُصِيبَتِي وَلَمْ تَعْرِفْهُ. فَقِيلَ لَهَا: إِنَّهُ النَّبِيُّ ﷺ . فَأَتَتْ بَابَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ تَجِدْ عِنْدَهُ بَوَّابِينَ فَقَالَتْ: لَمْ أَعْرِفْكَ. فَقَالَ: "إِنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". [انظر: ١٢٥٢ - مسلم: ٩٢٦ - فتح: ٣/ ١٤٨] ذكر فيه حديث أنس أنه ﷺ مر بِامْرَأَةٍ تَبْكِي عِنْدَ قَبْرٍ .. الحديث. وقد سلف في باب: قول الرجل للمرأة عند القبر: اتقي الله واصبري (١). أهل العلم قاطبة -كما قال الحازمي- عَلَى الإذن في زيارة القبور للرجال (٢)، وفي "صحيح مسلم" من حديث عائشة أنه ﷺ كان يخرج من آخر الليل إلى البقيع فيقول: "السلام عليكم دار قوم مؤمنين" (٣)، ومن حديث بريدة كان رسول الله ﷺ يعلمهم إِذَا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا .. الحديث (٤). وغير ذَلِكَ من الأحاديث وكره قوم ذَلِكَ؛ لأنه روي عن رسول الله ﷺ أحاديث في النهي عنها، وقال الشعبي: لولا أن رسول الله ﷺ نهي عن زيارة القبور لزرت قبر ابنتي (٥).

стр. 5331

قال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون زيارة القبور، وعن ابن سيرين مثله (١)، ثمَّ وردت أحاديث بنسخ النهي وإباحة زيارتها، ففي أفراد مسلم من حديث أبي هريرة: "زوروا القبور فإنها تذكر الموت" (٢) ومن حديث بريدة: "نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها" (٣). وروى ابن أبي شيبة من حديث أنس: نهى رسول الله ﷺ عن زيارة القبور، ثم قال: "زوروها ولا تقولوا هجرا" (٤). وروي من حديث ابن مسعود أيضًا (٥).

стр. 5332

وفي "المستدرك" من حديث أبي ذر قال: قال رسول ﷺ : "زُر القبور وتذكر بها الآخرة" ثم قال: رواته ثقات (١). وللزمخشري: "ولا تزرها بالليل" (٢). وحديث الباب يشهد لأحاديث الإباحة لأنه ﵇ إنما عرض عليها الصبر ورغبها فيه، ولم يُنكر عليها جلوسها عنده، ولا نهاها عن زيارته؛ لأنه لا يترك أحدًا يستبيح ما لا يجوز بحضرته ولا ينهاه؛ لأن

стр. 5333

الله فرَضَ عليه التبليغ والبيان لأمته. فحديث أنس وشبهه ناسخ لأحاديث النهي في ذلك، وحديث بريدة صريحٌ فيه، وأظن الشعبي والنخعي لم تبلغهما أحاديث الإباحة. وكان الشارع يأتي قبور الشهداء عند رأس الحول فيقول: "السلامُ عليكم بما صَبرتم فنِعم عُقبى الدارد"، وكان أبو بكر وعمر وعثمان يفعلون ذلك (١). وزار الشارع قبر أمه يوم الفتح في ألف مقنع. ذكره ابن أبي الدنيا (٢). وذكر ابن أبي شيبة عن علي وابن مسعود وأنس إجازة الزيارة (٣). وكانت فاطمةُ تزور قبر حمزة كل جمعة (٤). وكان ابن عمر يزورُ قبرَ

стр. 5334

أبيه فيقفُ عليه ويدعو له (١). وكانت عائشةُ تزور قبرَ أخيها عبد الرحمن وقبره بمكةَ (٢)، ذكره أجمع عبد الرزاق. وقال ابن حبيب: لا بأس بزيارة القبور والجلوس إليها والسلام عليها عند المرورِ بها، وقد فعل ذلك النبي ﷺ . وسُئل مالك عن زيارتها فقال: قد كان نهي عنه ثم أذِن فيه، فلو فعل ذلك إنسان ولم يقل إلا خيرا لم أرَ بذلك بأسا (٣). وروي عنه أنه كان يُضعفُ زيارتها (٤)، وقوله الذي تُضعِّفهُ الآثارُ. وعملُ السلف أولى بالصواب. وحمل بعضهم حديث لعن زوَّارات القبور (٥) على مَنْ يُكثر منها؛ لأن زوَّارات للمبالغة.

стр. 5335

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

стр. 5336

قال القرطبي: ويُمكن أن يُقال إنَّ النِّساءَ إنما يُمنعن من إكثار الزيارة؛ لما يؤدي إليه الإكثار من تضييع حقوق الزوجِ، والتبرج والشهرة والتشبه عن تلازم القبور لتعظيمها، ولما يخاف عليها من الصراخ، وغير ذلك من المفاسد، وعلى هذا يُفرق بين الزائرات والزوَّارات (١). قلتُ: والحديث ورد بهما. والأمة مُجمعة على زيارة قبرِ نبينا ﷺ وأبي بكر وعمر، وكان ابن عمر إذا قدم من سفر أتى قبره المكرم، فقال: السلام عليك يا رسولَ الله، السلام عليك يا أبا بكر، السلام عليكم يا أبتاه (٢). ومعنى النهي عن زيارة القبور إنما كان في أول الإسلام عند قربهم بعبادة الأوثان واتخاذ القبور مساجد، فلما استحكم الإسلام وقوي في قلوب الناس وأُمنت عبادة القبور والصلاة إليها، نُسخ النهي عن زيارتها؛ لاْنها تُذكِرُ بالآخرةِ، وتُزهد في الدنيا. وروينا عن طاوس قال: كانوا يستحبون أن لا يتفرقوا عن الميتِ سبعة أيام، لأنهم يُفتنون ويُحاسبون في قبورهم سبعةَ أيامٍ. وفي حديثِ أنس ما كان عليه من التواضع والرفق بالجاهل؛ لأنه لم

стр. 5337

ينتهر المرأةَ حين قالت له: إليك عني. وعذرها بمصيبتها، وإنما لم يتخذ بوَّابين؛ لأن الله أعلمه أنه يعصمه من الناس (١). وفيه: أنه من اعتذر إليه بعذرٍ لائح أنه يجب عليه قبوله. فرع: انفرد الماوردي بقوله: لا تجوز زيارةُ المسلمِ قبرَ قريبه الكافِر، مُستدلا بقوله ﴿وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ (٢) [التوبة: ٨٤]. والأحاديث على خلاف ما قال.

стр. 5338

٣٢ - باب قَوْلِ النَّبِيِّ ﷺ : "يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ" إِذَا كَانَ النَّوْحُ مِنْ سُنَّتِهِ لِقَوْلِ اللهِ تَعَالَى ﴿قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا﴾ [التحريم: ٦]. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ "كُلُّكُمْ رَاعٍ، وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ". [انظر: ٨٩٣] فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ سُنَّتِهِ، فَهُوَ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ﵂: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وَهُوَ كَقَوْلِهِ: ﴿وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لَا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ﴾ [فاطر: ١٨] وَمَا يُرَخَّصُ مِنَ البُكَاءِ فِي غَيْرِ نَوْحٍ. وَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَا تُقْتَلُ نَفْسٌ ظُلْمًا إِلاَّ كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا". [انظر: ٣٣٣٥ - فتح: ٣/ ١٥٠] وَذَلِكَ لأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ القَتْلَ. ١٢٨٤ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ وَمُحَمَّدٌ قَالَا: أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا عَاصِمُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ أَبِي عُثْمَانَ قَالَ: حَدَّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ﵄ قَالَ: أَرْسَلَتِ ابْنَةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ فَائْتِنَا. فَأَرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ وَيَقُولُ: "إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى، وَكُلٌّ عِنْدَهُ بِأَجَلٍ مُسَمًّى، فَلْتَصْبِرْ وَلْتَحْتَسِبْ". فَأَرْسَلَتْ إِلَيْهِ تُقْسِمُ عَلَيْهِ لَيَأْتِيَنَّهَا، فَقَامَ وَمَعَهُ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، وَمُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ، وَأُبَىُّ بْنُ كَعْبٍ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ، وَرِجَالٌ، فَرُفِعَ إِلَي رَسُولِ اللهِ ﷺ الصَّبِيُّ وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ -قَالَ: حَسِبْتُهُ أَنَّهُ قَالَ- كَأَنَّهَا شَنٌّ. فَفَاضَتْ عَيْنَاهُ. فَقَالَ سَعْدٌ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا هَذَا؟ فَقَالَ: "هَذِهِ رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ، وَإِنَّمَا يَرْحَمُ اللهُ مِنْ عِبَادِهِ الرُّحَمَاءَ". [٥٦٥٥، ٦٦٠٢، ٦٦٥٥، ٧٣٧٧، ٧٤٤٨ - مسلم: ٩٢٣ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا أَبُو عَامِرٍ، حَدَّثَنَا فُلَيْحُ بْنُ سُلَيْمَانَ، عَنْ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ﵁ قَالَ: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، قَالَ: وَرَسُولُ

стр. 5339

اللهِ ﷺ جَالِسٌ عَلَى القَبْرِ، قَالَ: فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ قَالَ: فَقَالَ: "هَلْ مِنْكُمْ رَجُلٌ لَمْ يُقَارِفِ اللَّيْلَةَ؟ ". فَقَالَ أَبُو: طَلْحَةَ أَنَا. قَالَ: "فَانْزِلْ". قَالَ: فَنَزَلَ فِي قَبْرِهَا. [١٣٤٢ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٦ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ، أَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالَ: أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللهِ بْنُ عُبَيْدِ اللهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ: تُوُفِّيَتِ ابْنَةٌ لِعُثْمَانَ ﵁ بِمَكَّةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا، وَحَضَرَهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ ﵃، وَإِنِّي لَجَالِسٌ بَيْنَهُمَا -أَوْ قَالَ: جَلَسْتُ إِلَي أَحَدِهِمَا. ثُمَّ جَاءَ الآخَرُ، فَجَلَسَ إِلَي جَنْبِي- فَقَالَ عَبْدُ اللهِ بْنُ عَمَرَ ﵄ لِعَمْرِو بْنِ عُثْمَانَ: أَلَا تَنْهَى عَنِ البُكَاءِ؟ فَإِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". [مسلم: ٩٢٨ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٧ - فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: قَدْ كَانَ عُمَرُ ﵁ يَقُولُ بَعْضَ ذَلِكَ. ثُمَّ حَدَّثَ قَالَ: صَدَرْتُ مَعَ عُمَرَ ﵁ مِنْ مَكَّةَ حَتَّى إِذَا كُنَّا بِالبَيْدَاءِ، إِذَا هُوَ بِرَكْبٍ تَحْتَ ظِلِّ سَمُرَةٍ، فَقَالَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ مَنْ هَؤُلَاءِ الرَّكْبُ؟ قَالَ: فَنَظَرْتُ فَإِذَا صُهَيْبٌ، فَأَخْبَرْتُهُ، فَقَالَ: ادْعُهُ لِي. فَرَجَعْتُ إِلَي صُهَيْبٍ فَقُلْتُ: ارْتَحِلْ فَالحَقْ أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ. فَلَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ دَخَلَ صُهَيْبٌ يَبْكِي يَقُولُ وَاأَخَاهُ، وَاصَاحِبَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ ﵁: يَا صُهَيْبُ أَتَبْكِي عَلَيَّ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "إِنَّ المَيِّتَ يُعَذَّبُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ"؟!. [١٢٩٠، ١٢٩٢ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٨٨ - قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄: فَلَمَّا مَاتَ عُمَرُ ﵁ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ ﵂ فَقَالَتْ: رَحِمَ اللهُ عُمَرَ، وَاللهِ مَا حَدَّثَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : إِنَّ اللهَ لَيُعَذِّبُ المُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ. وَلَكِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ "إِنَّ اللهَ لَيَزِيدُ الكَافِرَ عَذَابًا بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْهِ". وَقَالَتْ حَسْبُكُمُ القُرْآنُ ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ﵄ عِنْدَ ذَلِكَ: وَاللهُ هُوَ أَضْحَكَ وَأَبْكَى. قَالَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ: وَاللهِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ ﵄ شَيْئًا. [١٢٨٩، ٣٩٧٨ - مسلم: ٩٢٩ - فتح: ٣/ ١٥١] ١٢٩٠ - حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ خَلِيلٍ، حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ -وَهْوَ: الشَّيْبَانِيُّ- عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ ﵁ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ:

стр. 5340

وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ"؟ [انظر: ١٢٨٧ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٥٢] ١٢٨٩ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ، أَنَّهَا سَمِعَتْ عَائِشَةَ ﵂ -زَوْجَ النَّبِيِّ ﷺ - قَالَتْ: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا". [انظر: ١٢٨٨ - مسلم: ٩٣٢ - فتح: ٣/ ١٥٢] وذكر عن أسامة بن زيد، قال: أَرْسَلَتِ ابنةُ النَّبِيِّ ﷺ إِلَيْهِ: إِنَّ ابأ لِي قُبِضَ فَائْتِنَا .. الحديث بطوله. وعن أنس: شَهِدْنَا بِنْتًا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ ، وَرَسُولُ اللهِ ﷺ جَالسٌ عَلَى القَبْرِ، فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ. الحديث. وعن ابن أبي مليكة: تُوُفِّيَتِ ابنة لِعُثْمَانَ بِمَكَةَ وَجِئْنَا لِنَشْهَدَهَا .. الحديث. وعن أبي بردة عن أبيه: لَمَّا أُصِيبَ عُمَرُ جَعَلَ صُهَيْبٌ يَقُولُ: وَاأَخَاهُ. فَقَالَ عُمَرُ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ: "إِنَّ المَيِّتَ لَيُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ"؟ وعن عائشة: إِنَّمَا مَرَّ رَسُولُ الله ﷺ عَلَى يَهُودِيَّةٍ يَبْكِي عَلَيْهَا أَهْلُهَا فَقَالَ: "إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا". الشرح: أما قوله: (قول النبي ﷺ : "يُعَذَّبُ المَيِّتُ بِبَعْضِ بُكَاءِ أَهْلِهِ عَلَيْه") فذكره بعده مسندًا، وأما قوله: (إِذَا كَاْنَ النَّوْحُ مِنْ سُنتِّهِ) كذا في الدمياطي وفي بعض النسخ باب: إِذَا كَاْنَ النَّوْحُ من سنته (١)، وضبطه بالنون ثم

стр. 5341

مثناة فوق، وقال صاحب "المطالع": وهو عند أكثر الرواة أي: بما سَنَّه واعتاده، إذ كان من العرب من يأمر بذلك أهله قَالَ شاعرهم: إذا من فابكيني بما أنا أهله … وشقي عليَّ الجيب يا ابنة معبد وهو الذي تأوله البخاري، وهو أحد التأويلات في الحديث، ولبعضهم بالباء الموحدة المكررة أي: من أجله. وذكر عن محمد بن ناصر السلامي أن الأول تصحيف والصواب الثاني، وأي سُنة للميت؟ وأما حديث: ("كلكم راعٍ") فسيأتي مسندًا من حديث ابن عمر (١). وأما قول عائشة في: (فإذا لم يكن النوح من سنته) فيأتي في الباب مسندًا. وأما حديث: "لا تقتل نفس ظلمًا". يأتي مسندًا في الديات من حديث ابن مسعود (٢). وأما حديث أسامة فأخرجه مسلم (٣). وقول البخاري: (حَدَّثنَا عبدان) ومحمد: هو ابن مقاتل، ويأتي في الطب أيضًا والنذور والتوحيد (٤)، وأخرجه أيضًا أبو داود والنسائي وابن ماجه (٥).

стр. 5342

وأما حديث أنس: فهو من أفراده، وقال فليح بن سليمان: أُراه يعني: الذنب، وقال في آخر: ﴿وَلِيَقْتَرِفُوا﴾ [الأنعام: ١١٣]: ليكتسبوا (١)، وفي رواية للفريابي في "مسنده": "لا يدخل القبر رجل قارف الليلة أهله" فلم يدخل عثمان القبر (٢). وأما حديث ابن أبي مُليكة (٣) وأبي بردة عن أبيه (٤) وعائشة فأخرجهما مسلم أيضًا (٥). إذا تقرر ذلك فالكلام في أمور: أحدها: بنت النبي ﷺ المرسِلة ذكر ابن بشكوال وغيره أنها زينب (٦)، والابنة المتوفاة أم كلثوم، ماتت سنة تسع (٧). وفي "تاريخ البخاري الأوسط":

стр. 5343

لما ماتت رقية بنت رسول الله ﷺ قال رسول الله: "لا يدخل القبر رجل قارف أهله الليلة" فلم يدخل عثمان القبر (١). قَالَ البخاري: لا أدرى ما هذا؟ النبي ﷺ لم يشهد رقية (٢)، أي: لأنها ماتت وهو ببدر (٣). وقال الطبري: روى أنس أنه ﷺ لما نزلت أم كلثوم بنت رسول الله ﷺ في قبرها قَالَ: "لا ينزل في قبرها أحدٌ قارف الليلة" (٤) فذكر رقية فيه وهم (٥)، وقال الخطابي: يشبه قوله: شهدنا بنتًا لرسول الله ﷺ . أنها كانت ابنة لبعض بناته فنسبت إليه (٦). وابنة عثمان هي أم أبان كما قاله أبو عمر (٧)، لكن له ابنتان كل منهما أم أبان، فالكبرى أمها رملة بنت شيبة بن ربيعة، والصغرى أمها نائلة بنت الفرافصة، فالله أعلم أيهما.

стр. 5344

ثانيها: إرسال ابنته إليه عند موت ابنها له فوائد: الأولى: بركة موعظته وشهوده. ثانيها: لما ترجو لنفسها من الصبر عند رؤيته. ثالثها: لئلا يظن حاسد أنه ليس لها عنده كبير مكان. ثالثها: قولها: (إِنَّ ابنا لِي قُبِضَ) تريد: قارب ذلك لا جرم، قَالَ ابن ناصر: حضر. وفي رواية أخرى للبخاري: احتضر (١). وفي أخرى له: ابنتي قد حضرت (٢). والابن لا أعلم اسمه، ومن خط الدمياطي اسمه علي، والبنت اسمها: أميمة. وقيل: أمامة بنت أبي العاصي بن الربيع (٣). ذكرها ابن بشكوال (٤). رابعها: قوله: (فَأرْسَلَ يُقْرِئُ السَّلَامَ) هو بضم الياء، وروي بفتحها. قَالَ ابن التين: ولا وجه له إلا أن يريد: يقرأ عليك. فيحتمل أن يكون فعل ذلك؛ لشغل كان فيه؛ أو لئلا يرى ما يوجعه؛ لأنه كان بالمؤمنين رفيقًا، فكيف بذريته؟! ولما يرى من وجع أمه، فلما عزمت عليه رأى إجابتها.

стр. 5345

خامسها: "إِنَّ لله مَا أَخَذَ وَلَهُ مَا أَعْطَى" أي: له الخلق كله، وبيده الأمر كله، وإليه يرجع الأمر كله، وكل شيء عنده بأجل مسمى؛ لأنه لما خلق الدواة واللوح والقلم أمر القلم أن يكتب ما هو كائن إلى يوم القيامة، لا معقب لحكمه. سادسها: قوله: (وَنَفْسُهُ تَتَقَعْقَعُ كَأَنَّهَا شَنٌّ) الشن: السقاء البالي، وضبطه بعضهم بكسر الشين، وليس بشيء، وقعقعته: صوته عند التحريك، وذلك ما يكون من المحتضر من تصعيد النفس، وفي رواية: كأنها شنة (١). وقوله: ("هذِه رَحْمَةٌ جَعَلَهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ") وفي لفظ: "فِي قُلُوبِ مَنْ شاءَ من عِباده" (٢) وقد صح أن الله تعالى خلق مائة رحمة، فأمسك عنده تسعًا وتسعين وجعل في عباده رحمة، فبها يتراحمون ويتعاطفون وتحن الأم على ولدها، فإذا كان يوم القيامة جمع تلك الرحمة إلى التسعة والتسعين، فأظل بها الخلق، حَتَّى إن إبليس -رأس الكفر- يطمع لما يرى من رحمة الله (٣). سابعها: قوله: (ورسول الله ﷺ جالس على القبر). الظاهر -والله أعلم- أن المراد: جالسٌ بجانبه، واستدل به ابن التين على إباحة الجلوس على

стр. 5346

القبر، وهو قول مالك (١)، وزيد بن ثابت وعلي، وقال ابن مسعود وعطاء: لا تجلس عليه (٢). وبه قَالَ الشافعي والجمهور (٣) لقوله ﷺ : "لا تجلسوا على القبور ولا تصلُّوا إليها" (٤). وقوله: ("لأن يجلس أحدكم على جمرة فتحرق ثيابه فتخلص إلى جلده خير له من أن يجلس على قبرٍ") أخرجهما مسلم (٥) وظاهر إيراد المحاملي وغيره (٦) -ولفظه: قال أصحابنا: تجصيص القبر مكروه والقعود عليه حرام، وكذلك الاستناد إليه والاتكاء عليه- أنه حرام. ونقله النووي في "شرح مسلم" عن الأصحاب (٧)، وتأوله مالك، وخارجة بن زيد على الجلوس لقضاء الحاجة، وهو بعيد. فرع: لا يوطأ أيضًا إلا لضرورة ويكره أيضًا الاستناد إليه احترامًا.

стр. 5347

ثامنها: (فَرَأَيْتُ عَيْنَيْهِ تَدْمَعَانِ): هو بفتح الميم، قَالَ ابن التين: المشهور في اللغة أن ماضيه: دمَع بفتح الميم، فيجوز في مستقبله تثليث العين، وذكر أبو عبيدة لغة أخرى أن ماضيه: مكسور العين فيتعين الفتح في المستقبل، وفعله ﷺ هذا دال على أن النهي عن البكاء إنما هو عن الصياح كما سيأتي (١). تاسعها: فيه استحباب إدخال القبر الرجال ولو كان الميت امرأة؛ لأنه يحتاج إلى قوة، وهم أحرى بذلك، وأيضًا لا يخشى عليهم انكشاف العورة، وقد أمر الشارع أبا طلحة أن ينزل في القبر المذكور. ومعنى: "لَمْ يُقَارِفِ" بالقاف السابقة ثم بالفاء اللاحقة في آخره، وقد أسلفنا عن فليح أنه قَالَ في الأصل بعد هذا: أي: لم يذنب. وقيل: لم يُجامِع أهله، وهو أظهر، وإنما أراد بعد الطهارة لما يرجى في ذلك للمنزولة في قبرها، وعُلِّلَ أيضًا بأنه حينئذ يقرب بالتلذذ بالنساء، والمدفونة امرأة، فخاف عليه أن يذكِّره الشيطان ما كان فيه تلك الليلة، ويقال: إن تِلك الليلة بات عثمان عند بعض جواريه فأطلع الله تعالى نبيه على ذلك، فمنعه من النزول في قبرها؛ لأنه لم ينظر في نفسه انقطاع صهارته من سيد الخلق في الصورة، ولا تألم لفراق زوجته، ولا استحب حكاية هذا، وهو من حسن لطفه أنه لم يؤاخذ أحدًا بما فعل ولكن يعرض، وهكذا كان دأبه ﷺ .

стр. 5348

فرع: لو تولى النساء حل ثيابها في القبر فحسن، نص عليه في "الأم" (١). العاشرة: فيه دلالة على أنه ليس بذي محرم منها، وإن لم يكن ذو محرم فيختار منهم من يدليها، قاله ابن التين، قَالَ: وقد يحتمل أن يكون ﷺ نزل في قبرها واستعان بمن دلاها معه. الحادية عشرة: حديث عمر وابنه: "إن الميت يعذب ببكاء الحي" وإنكار عائشة بقولها: رحم الله عمر وابنه، ما حدث رسول الله ﷺ بذلك، ولكنه قَالَ: "إن الله ليزيد الكافر ببكاء أهله عليه عذابًا". وقالت: حسبكم القرآن ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وفي لفظ قالت: فما قاله رسول الله ﷺ قط: "إن الميت يعذب ببكاء أهله" ولكنه قَالَ: "إِنَّ الكافر يزيده الله بِبُكَاءِ أَهْلِهِ عَذَابًا" (٢). وفي لفظ قالت: إنكم لتحدثوني عن غير كاذبين ولا مُكَذَّبين، ولكن السمع يخطئ (٣). وفي لفظ: قَالَ ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة، فقالت: يرحم الله عمر، لا والله مَا حَدَّثَ رَسُولُ الله ﷺ بذلك (٤). وفي لفظٍ قالت: وَهَلَ ابن عمر، إنما قَالَ رسول الله ﷺ :

стр. 5349

"إنه ليعذب بخطيئته أو بذنبه وإن أهله ليبكون عليه الآن" (١). وذلك مثل قوله: إن رسول الله- ﷺ قام على القليب يوم بدر، وفيه قتلى بدر من المشركين فقال لهم: "إنهم يسمعون ما أقول" وقد وهل، وإنما قَالَ: "إنهم ليعلمون أن ما كنت أقول لهم حق" حَتَّى نزلت ﴿إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ المَوْتَى﴾ [النمل: ٨٠] ﴿وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي القُبُورِ﴾ [فاطر: ٢٢] يقولون حين تبوءوا مقاعدهم من النار (٢). وفي لفظ: يغفر الله لأبي عبد الرحمن أما إنه لم يكذب، ولكن نسي أو أخطأ (٣)، وكل هذِه الألفاظ في الصحيح، وأجاب بعضهم بأن حديث عمر وابنه مجمل فسرته عائشة. وفيه نظرٌ من وجوه بيَّنها ابن الجوزي: أحدها: أن الذي روته عائشة حديث وهذا حديث، ولا تناقض بينهما، لكل واحد منهما حكمه. ثانيها: أنها أنكرت برأيها، وقول الشارع عند الصحة لا يلتفت معه إلى رأي أحد. ثالثها: أن ما ذكرته لا يحفظ عن غيرها، وحديث عمر محفوظ عنه (٤) وعن ابنه (٥) والمغيرة (٦)، وهم أولى بالضبط. وقد اختلف العلماء في معنى تعذيبه ببكاء أهله عليه على أقوال:

стр. 5350

أصحها: وهو تأويل الجمهور على أنه محمولٌ على من أوصى به، كما كانت العرب تفعله؛ لأنه بسببه وهو منسوب إليه، وإليه ذهب البخاري في قوله: إذا كان النوح من سنته -يعني: أنه يوصي بذلك- أو من سببه بها على ما سلف، وهو قول الظاهر، وأنكروا قول عائشة وأخذوا بالأحاديث السالفة. ثانيها: أنه يعذب بسماعه بكاء أهله، ويرق لهم ويسوؤه إتيانه ما يكره ربه، قَالَ القاضي عياض: وهو أولى الأقوال، وفيه حديث قيلة مطولًا، وفيه: "والذي نفس محمد بيده، إن إحداكن لتبكي فتستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم" (١). قال الطبري: الدليل على أن بكاء الحي على الميت تعذيب من الحي له لا تعذيب من الله ما رواه عوف عن خلاس بن عمرو، عن أبي هريرة قَالَ: إنَّ أعمالكم تعرض على أقربائكم فإن رأوا خيرًا فرحوا به، وإن رأوا شرًّا كرهوه، وإنهم ليستخبرون الميت إذا أتاهم من مات بعدهم، حَتَّى إن الرجل ليسأل عن امرأته أتزوجت أم لا؟ ثالثها: كانوا يعددون في نواحهم جرائم الموتى ويظنونه محمودًا كالقتل وشن الغارات، فهو يُعذب بما ينوحون به عليه، وقيل: يقال للميت إذا ندبوه: أكنت كذاك؟ فذاك التوبيخ عذاب. رابعها: إن قوله: ("ببكاء") أي: عند بكاء أهله يعذب بذنبه، قَالَ القاضي حسين: يجوز أن يكون الله قدر العفو عنه، إن لم يبكوا عليه،

стр. 5351

فإذا بكوا وندبوا وناحوا عُذِّب بذنبه لفوات الشرط. خامسها: أنه محمول على الكافر وغيره من أصحاب الذنوب، صححه الشيخ أبو حامد (١). سادسها: أنه مخصوص بشخص بعينه، ذكره القاضي أبو بكر بن الطيب احتمالًا، وذهبت عائشة إلى أن أحدًا لا يعذب بفعل غيره، وهو إجماع للآية السالفة ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: ١٦٤]. وقوله: (﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا﴾) [الأنعام: ١٦٤] وكل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه: البكاء الذي يتبعه الندب والنياحة عند العلماء، فإنه إذًا يسمى بكاء؛ لأن الندب على الميت كالبكاء عليه، فإن البكاء بالمد: الصوت. وبالقصر: الدمع، كما نص عليه أهل اللغة: الخليل والأزهري والجوهري وغيرهم (٢). والإشكال في تعذيب الحي بذلك للنهي عنه، وأما تعذيب الميت فقد علمت ما فيه، وحكى الخطابي عن بعض أهل العلم أن معظم عذاب المعذب في قبره يكون عند نزوله لَحْدَهُ، وما ذهبت إليه عائشة أشبه بدلائل الكتاب، وما زِيدَ في عذاب الكافر باستيجابه لا بذنب غيره؛ لأنه إذا بكي عليه تذكر فتكاته وغاراته، فهو مستحق للعذاب بذلك، وأهله يعدون ذلك من فضائله، وهو يعذب من أجلها، فإنما يعذب بفعله لا ببكاء أهله عليه، هذا معنى قول عائشة: إن الله يزيد الكافر عذابًا ببكاء أهله عليه. وهو موافق لقوله تعالى ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾. وقد اختلف في معنى هذِه الآية، فقيل: إنه المذنب

стр. 5352

لا يؤخذ غيره بذنبه. وقيل: لا يعمل المرء بالإثم اقتداء بغيره كما قَالَ الكفار: ﴿إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ﴾ [الزخرف: ٢٢]. وإذا أول الحديث السالف، خرج عن معنى ما أنكرته (١)، ولكن تأويل عمر في قوله لصهيب: أتبكي عليَّ؟ ثم ذكر الحديث يدل على أن الحديث محمول على ظاهره لا كما فهمت عائشة، على أن الداودي قَالَ: قول عائشة: إن الله ليزيد الكافر. إلى آخره ردًّا لقولها: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ وما أرى هذا محفوظًا عنها، وقول ابن عباس: الله أضحك وأبكى، يعني: أنه لم يذكر ذلك إلا بحق، وأنه أذن في الجميل منه، فلا يعذب على ما أذن فيه، ويؤيد ذلك قوله: "إنما هي رَحْمَةٌ يضعهَا اللهُ فِي قُلُوبِ عِبَادِهِ" (٢).

стр. 5353

٣٣ - باب مَا يُكْرَهُ مِنَ النِّيَاحَةِ عَلَى المَيِّتِ وَقَالَ عُمَرُ ﵁: دَعْهُنَّ يَبْكِينَ عَلَى أَبِي سُلَيْمَانَ مَا لَمْ يَكُنْ نَقْعٌ أَوْ لَقْلَقَةٌ. وَالنَّقْعُ: التُّرَابُ عَلَى الرَّأْسِ، (وَاللَّقْلَقَة) (١) الصَّوْتُ. ١٢٩١ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُبَيْدٍ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ رَبِيعَةَ، عَنِ المُغِيرَةِ ﵁ قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبٍ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ". سَمِعْتُ النَّبِيَّ ﷺ يَقُولُ: "مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذَّبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ". [مسلم:٤، ٩٣٣ - فتح: ٣/ ١٦٠] ١٢٩٢ - حَدَّثَنَا عَبْدَانُ قَالَ: أَخْبَرَنِي أَبِي، عَنْ شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيَّبِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ". تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى: حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ، حَدَّثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدَمُ، عَنْ شُعْبَةَ، "المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ". [انظر: ١٢٨٧ - مسلم: ٩٢٧ - فتح: ٣/ ١٦١] وذكر فيه حديث المُغِيرَةِ: "إِنَّ كَذِبًا عَلَيَّ لَيْسَ كَكَذِبِ عَلَى أَحَدٍ، مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمَّدًا فَلْيَتَبَؤَأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ مَنْ نِيحَ عَلَيْهِ يُعَذبُ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ". وحديث شُعْبَةَ، عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيبِ، عَنِ ابن عُمَرَ، عَنْ أَبِيهِ ﵄، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ فِي قَبْرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيْهِ". تَابَعَهُ عَبْدُ الأَعْلَى: ثنَا يَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ، ثَنَا شعبة، ثَنَا قَتَادَةُ. وَقَالَ آدمُ، عَنْ شُعْبَةَ: "المَيِّتُ يُعَذَّبُ بِبُكَاءِ الحَيِّ عَلَيْهِ".

стр. 5354

الشرح: أما تعليق عمر فأسنده البيهقي من حديث الأعمش عن شقيق قَالَ: لما مات خالد بن الوليد اجتمع نسوة من آل المغيرة يبكين عليه. فقيل لعمر: أرسل إليهن فانههن. فقال عمر: ما عليهن أن يهرقن دموعهن على أبي سليمان، ما لم يكن نقع أو لقلقة (١). وأمَّا قوله: (والنقع: التراب على الرأس) (٢). فهو أحد الأقوال فيه، وقال ابن فارس: النقع: الصراخ. ويقال: هو النقيع. والنقع: الغبار (٣)، وقال الهروي: إنه رفع الصوت واللقلقة، كأنها حكاية الأصوات إذا كثرت (٤). قَالَ شِمْر في قوله: (ما لم يكن نقع ولا لقلقة)، أي: شق الجيوب، وقال الإسماعيلي: النقع هنا: الصوت العالي، واللقلقة: حكايته ترديد النواحة. وقال صاحب "المطالع" (٥): النقع: الصوت بالبكاء. قَالَ: وبهذا فسره البخاري. وهو غريب، فالذي فسره ما قدمناه عنه. وقال الأزهري: هو صوت لذم الخدود إذا ضربت (٦). وقال في "المحكم": إنه الصراخ (٧). ويقال: هو النقيع. وقيل: وضعهن على رءوسهن النقع، وهو الغبار. وهو موافق لتفسير البخاري.

стр. 5355

وقال الكسائي: هو صنعة الطعام في المآتم. قَالَ أبو عبيد: النقيعة: طعام القدوم من السفر لا هذا (١). وقال الجوهري: النقيع: الصراخ. ونقع الصوت واستنقع، أي: ارتفع (٢). وفي "الموعَب": نقع الصارخ بصوته، وأنقع إذا تابعه. وفي "الموعَب" و"الجمهرة" (٣): إنه الصوت واختلاطه في حرب أو غيرها. فتحصلنا على ثلاثة أقوال فيه. وأما قوله: (واللقلقة: الصوت) (٤). فهو كما قَالَ، وقد أسلفنا كلام الهروي فيه، وكذا كلام الإسماعيلي. وقال القزاز: هو تتابع الصوت كما تفعل النساء في المآتم، وهو شدة الصوت. وقال ابن سيده عن ابن الأعرابي: تقطيع الصوت. وقيل: الجلبة (٥). قَالَ الداودي: لما قَالَ عمر: دعهن يبكين على أبي سليمان -يعني: خالدًا- قَالَ له طلحة: أما الآن تقول هذا، وأما في حياته فبعته بالرسن، وما مثلك ومثله إلا كما قَالَ الأول: لألفينك بعد الموت تندبني … وفي حياتي ما زودتني زادا وذلك أن عمر حين قتل خالد قومًا ممن كان ارتد ثم تاب ولم ير أن توبته تنفعه (٦). فأراد عمر أبا بكر على أن يقيد منه، فأبى عليه، فلما أكثر عليه قَالَ له: ليس ذلك عليك منه، تأول فأخطأ. ووداهم أبو بكر، فأراد عمر أبا بكر على عزل خالد من الشام وقال له: إنه جعل يعطي المال ذا

стр. 5356

الشرف وذا النبلاء، فاكتب إليه أن لا ينفق درهمًا إلا بإذنك، فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل ذلك به وهو بإزاء العدو. فلم يزل به عمر حَتَّى كتب إليه بذلك، فكتب إليه: ما أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو، فجئ على عملك بمن بدا لك. فقال أبو بكر: من يعذرني من عمر، من يقوم لي مقام خالد؟ فقال عمر: أنا، ولا أنفق من المال درهمًا إلا بإذنك. فأمره بالخروج، فلما فرغ من جهازه قَالَ بعض من لا ينفس على عمر: عمدت إلى رجل كفاك أكثر أمرك تغيبه عن وجهك. فقال: صدقت قل له: أقم فقد بدا لنا، فقال: سمعًا وطاعةً. فلم يلبث أن توفي أبو بكر، فقال عمر: كذبت الله، أنْ أشرتُ على أبي بكر برأي أخالفه فكتب إلى خالدٍ: أن لا تنفق من المال إلا بإذني، فكتب إليه لا أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو فجئ على عملك بمن بدا لك. فعزله وأمَّر أبا عبيدة مكانه. فإن قلت: نهى عمر صهيبًا عن بكائه عليه فيما مضى، وهنا لم ينه عنه. قلتُ: لأن صهيبًا بكى عمر بندب وصياح، فقال: واصاحباه واأخاه. فنهاه لأجل ذلك. وحديث المغيرة: "من نيح عليه" إلى آخره أخرجه مسلم بزيادة عن علي بن ربيعة قَالَ: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ فذكره (١). وحديث عمر أخرجه مسلم أيضًا (٢). أما حكم الباب: فالنوح حرام بالإجماع؛ لأنه جاهلي وكان ﷺ يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن (٣).

стр. 5357

وفي الباب عن أربعة عشر صحابيًّا في لعن فاعله والوعيد والتبرؤ: ابن مسعود (خ (١)، م (٢))، وأبي موسى (خ (٣)، م (٤)) وأم عطية (خ، م) (٥) وعبد الله بن معقل بن مقرن تابعي وأبي مالك الأشعري (م) (٦) وأبي هريرة وأم سلمة (م) (٧) وابن عباس في (ت) (٨) ومعاوية وأبي سعيد (د) (٩) وأبي أمامة (ق) (١٠) وعلي وجابر وقيس بن عاصم (ت)، وجنادة بن مالك (١١). وأما حديث: يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي أن أسعدهم فقال: "إلا آل فلان" (١٢) فجوابه: إما

стр. 5358

الخصوصية بها أو كان قبل تحريمها، وهو فاسد، أو يكون قوله: "إلا آل فلان" إعادة لكلامها على وجه الإنكار. والباب دال على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه نوح، وأنه جائز بدونه، فقد أباح عمر لهن البكاء بدونه. وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه يُعذب بما نيح عليه. فدل أن البكاء بدونه لا عذاب فيه. وحديث جابر الآتي في الباب بعده دال له؛ لأن زوجته بكت عليه بحضرته. ولم يزد على أكثر من تسليتها بقوله: "إنَّ الملائكة تظله بأجنحتها حَتَّى رفع" (١) فسلَّاها عن حزنها عليه بكرامة الله تعالى له، ولم يقل لها: إنه يعذب ببكائك عليه. وحديث: ("من كذب عليَّ متعمدًا"). إلى آخره سلف أول الكتاب (٢) بشرحه مبسوطًا، والكذب حقيقة: الإخبار بالشيء على ما ليس هو به. وشرطت المعتزلة فيه العمدية. والخطاب دال على أن من الكذب ما لم يتعمده قائله ويقع عليه اسم كاذب فهو رد عليهم.

стр. 5359

٣٤ - باب ١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ ". فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- قَالَ: "فَلِمَ تَبْكِي؟ -أَوْ لَا تَبْكِي- فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ". [انظر: ١٢٤٤ - مسلم: ٢٤٧١ - فتح: ٣/ ١٦٣] كذا ذكره من غير ترجمة، وأسقط التبويبَ كلُّ مَنْ شَرَحَه. ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عن ابن المُنْكَدِرِ، عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جِيءَ بأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ .. الحديث. سلف في باب: الدخول على الميت بعد الموت (١). وقوله: ("فلِمَ تبكي" أو "لا تبكي") قَالَ الداودي: هو شك من الراوي. وقوله: ("فلِم تبكي") يدل على أنها غائبة؛ لأنه لو خاطبها لقال: تبكين. وقوله: أو "لا تبكي" يدل على أنها مخاطبة؛ لأن الياء لا تثبت مع النهي في الغائبة إلا على بعد، وفي الحديث السالف: "تبكين" أو "لا تبكين" (٢).

стр. 5360

٣٥ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ ١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ اليَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٣] ذكر فيه حديث عبد الله، يعني: ابن مسعود: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ". وهو حديث أخرجه ومسلم أيضًا (١)، وترجم عليه أيضًا: ليس منا من ضرب الخدود (٢). وما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية (٣). ومعنى ("ليس منا"): ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد به الخروج من الدين جملة، إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، اللهم إلا أن يعتقد حلَّ ذلك، وأما سفيان الثوري فقال بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في الانزجار كما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من فعل كذا. وخصَّ الخدود بالضربِ دون سائرِ الأعضاءِ؛ لأنه الواقع منهنَّ عند المصيبة، ولأن أشرف ما في الإنسان الوجه فلا يجوز امتهانه وإهانته بضرب ولا تشويه ولا غير ذلك مما يشينه، وقد أُمِر الضارب باتقاء الوجه (٤).
следующие страницы →