← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 13252

التوضيح لشرح الجامع الصحيح

ابن الملقن

Полный текст (20 415 стр.). Показаны 5356–5395 · переход к 5361.

стр. 5356

الشرف وذا النبلاء، فاكتب إليه أن لا ينفق درهمًا إلا بإذنك، فقال أبو بكر: ما كنت لأفعل ذلك به وهو بإزاء العدو. فلم يزل به عمر حَتَّى كتب إليه بذلك، فكتب إليه: ما أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو، فجئ على عملك بمن بدا لك. فقال أبو بكر: من يعذرني من عمر، من يقوم لي مقام خالد؟ فقال عمر: أنا، ولا أنفق من المال درهمًا إلا بإذنك. فأمره بالخروج، فلما فرغ من جهازه قَالَ بعض من لا ينفس على عمر: عمدت إلى رجل كفاك أكثر أمرك تغيبه عن وجهك. فقال: صدقت قل له: أقم فقد بدا لنا، فقال: سمعًا وطاعةً. فلم يلبث أن توفي أبو بكر، فقال عمر: كذبت الله، أنْ أشرتُ على أبي بكر برأي أخالفه فكتب إلى خالدٍ: أن لا تنفق من المال إلا بإذني، فكتب إليه لا أطيق ذلك وأنا بإزاء العدو فجئ على عملك بمن بدا لك. فعزله وأمَّر أبا عبيدة مكانه. فإن قلت: نهى عمر صهيبًا عن بكائه عليه فيما مضى، وهنا لم ينه عنه. قلتُ: لأن صهيبًا بكى عمر بندب وصياح، فقال: واصاحباه واأخاه. فنهاه لأجل ذلك. وحديث المغيرة: "من نيح عليه" إلى آخره أخرجه مسلم بزيادة عن علي بن ربيعة قَالَ: أول من نيح عليه بالكوفة قرظة بن كعب، فقال المغيرة بن شعبة: سمعت رسول الله ﷺ فذكره (١). وحديث عمر أخرجه مسلم أيضًا (٢). أما حكم الباب: فالنوح حرام بالإجماع؛ لأنه جاهلي وكان ﷺ يشترط على النساء في مبايعتهن على الإسلام أن لا ينحن (٣).

стр. 5357

وفي الباب عن أربعة عشر صحابيًّا في لعن فاعله والوعيد والتبرؤ: ابن مسعود (خ (١)، م (٢))، وأبي موسى (خ (٣)، م (٤)) وأم عطية (خ، م) (٥) وعبد الله بن معقل بن مقرن تابعي وأبي مالك الأشعري (م) (٦) وأبي هريرة وأم سلمة (م) (٧) وابن عباس في (ت) (٨) ومعاوية وأبي سعيد (د) (٩) وأبي أمامة (ق) (١٠) وعلي وجابر وقيس بن عاصم (ت)، وجنادة بن مالك (١١). وأما حديث: يا رسول الله، إلا آل فلان فإنهم كانوا أسعدوني في الجاهلية فلا بد لي أن أسعدهم فقال: "إلا آل فلان" (١٢) فجوابه: إما

стр. 5358

الخصوصية بها أو كان قبل تحريمها، وهو فاسد، أو يكون قوله: "إلا آل فلان" إعادة لكلامها على وجه الإنكار. والباب دال على أن النهي عن البكاء على الميت إنما هو إذا كان فيه نوح، وأنه جائز بدونه، فقد أباح عمر لهن البكاء بدونه. وشرط الشارع في حديث المغيرة أنه يُعذب بما نيح عليه. فدل أن البكاء بدونه لا عذاب فيه. وحديث جابر الآتي في الباب بعده دال له؛ لأن زوجته بكت عليه بحضرته. ولم يزد على أكثر من تسليتها بقوله: "إنَّ الملائكة تظله بأجنحتها حَتَّى رفع" (١) فسلَّاها عن حزنها عليه بكرامة الله تعالى له، ولم يقل لها: إنه يعذب ببكائك عليه. وحديث: ("من كذب عليَّ متعمدًا"). إلى آخره سلف أول الكتاب (٢) بشرحه مبسوطًا، والكذب حقيقة: الإخبار بالشيء على ما ليس هو به. وشرطت المعتزلة فيه العمدية. والخطاب دال على أن من الكذب ما لم يتعمده قائله ويقع عليه اسم كاذب فهو رد عليهم.

стр. 5359

٣٤ - باب ١٢٩٣ - حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللهِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا ابْنُ المُنْكَدِرِ قَالَ: سَمِعْتُ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللهِ ﵄ قَالَ: جِيءَ بِأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ، قَدْ مُثِّلَ بِهِ حَتَّى وُضِعَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللهِ ﷺ وَقَدْ سُجِّيَ ثَوْبًا، فَذَهَبْتُ أُرِيدُ أَنْ أَكْشِفَ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، ثُمَّ ذَهَبْتُ أَكْشِفُ عَنْهُ فَنَهَانِي قَوْمِي، فَأَمَرَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَرُفِعَ فَسَمِعَ صَوْتَ صَائِحَةٍ، فَقَالَ: "مَنْ هَذِهِ؟ ". فَقَالُوا: ابْنَةُ عَمْرٍو -أَوْ أُخْتُ عَمْرٍو- قَالَ: "فَلِمَ تَبْكِي؟ -أَوْ لَا تَبْكِي- فَمَا زَالَتِ المَلَائِكَةُ تُظِلُّهُ بِأَجْنِحَتِهَا حَتَّى رُفِعَ". [انظر: ١٢٤٤ - مسلم: ٢٤٧١ - فتح: ٣/ ١٦٣] كذا ذكره من غير ترجمة، وأسقط التبويبَ كلُّ مَنْ شَرَحَه. ذكر فيه حديث سُفْيَانَ، عن ابن المُنْكَدِرِ، عن جَابِر بْنِ عَبْدِ اللهِ قَالَ: جِيءَ بأَبِي يَوْمَ أُحُدٍ .. الحديث. سلف في باب: الدخول على الميت بعد الموت (١). وقوله: ("فلِمَ تبكي" أو "لا تبكي") قَالَ الداودي: هو شك من الراوي. وقوله: ("فلِم تبكي") يدل على أنها غائبة؛ لأنه لو خاطبها لقال: تبكين. وقوله: أو "لا تبكي" يدل على أنها مخاطبة؛ لأن الياء لا تثبت مع النهي في الغائبة إلا على بعد، وفي الحديث السالف: "تبكين" أو "لا تبكين" (٢).

стр. 5360

٣٥ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ شَقَّ الجُيُوبَ ١٢٩٤ - حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، حَدَّثَنَا زُبَيْدٌ اليَامِيُّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [١٢٩٧، ١٢٩٨، ٣٥١٩ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٣] ذكر فيه حديث عبد الله، يعني: ابن مسعود: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَطَمَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوى الجَاهِلِيَّةِ". وهو حديث أخرجه ومسلم أيضًا (١)، وترجم عليه أيضًا: ليس منا من ضرب الخدود (٢). وما ينهى من الويل ودعوى الجاهلية (٣). ومعنى ("ليس منا"): ليس من أهل سنتنا ولا من المهتدين بهدينا، وليس المراد به الخروج من الدين جملة، إذ المعاصي لا يكفر بها عند أهل السنة، اللهم إلا أن يعتقد حلَّ ذلك، وأما سفيان الثوري فقال بإجرائه على ظاهره من غير تأويل؛ لأن إجراءه كذلك أبلغ في الانزجار كما يذكر في الأحاديث التي صيغتها: ليس منا من فعل كذا. وخصَّ الخدود بالضربِ دون سائرِ الأعضاءِ؛ لأنه الواقع منهنَّ عند المصيبة، ولأن أشرف ما في الإنسان الوجه فلا يجوز امتهانه وإهانته بضرب ولا تشويه ولا غير ذلك مما يشينه، وقد أُمِر الضارب باتقاء الوجه (٤).

стр. 5361

والخدود: جمعُ خدٍّ، وليس للإنسان إلا خدَّان، وهذا من باب قوله تعالى: ﴿وَأَطرَافَ النَهَارِ﴾ [طه: ١٣٠] ولما تضمن ضرب الخدود عدم الرضا بالقضاء والقدر، ووجود الجزع، وعدم الصبر وضرب الوجه الذي نهي عن ضربه من غير اقتران مصيبة كان فعله حرامًا مؤكد التحريم. والجيوب: جمع جيب، وهو: ما يشق من الثوب، ليدخل فيه الرأس، وحرم لما فيه من إظهار السخط وإضاعة المال. والجاهلية: ما قبل الإسلام، والمراد بدعواها هنا: ما كانت تفعله عند الموت برفع الصوت ويدخل ذلك تحت الصالقة. وفي حديث آخر: "ودعا بالويل والثبور" (١) فتبين بذلك أنه من دعاء الجاهلية. وفي رواية لمسلم "أو" في الموضعين (٢) وتحمل رواية الواو عليها. قَالَ الحسن في قوله تعالى: ﴿وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾ [الممتحنة: ١٢] قال: لا ينحن، ولا يشققن، ولا يخمشن وجهًا، ولا ينشرن شعرًا، ولا يدعون ويلًا. وقد نسخ الله تعالى ذلك بشريعة الإسلام وأمر بالاقتصاد في الحزن والفرح وترك الغلو في ذلك، وحَض على الصبر عند المصائب

стр. 5362

واحتساب أجرها على الله وتفويض الأمور كلها إليه. فقَالَ تعالى: ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله: ﴿المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦، ١٥٧] فحق على كل مسلم مؤمن أن لا يحزن على ما فات، وأن يحمل نفسه على الصبر إلى الممات، لينال أرفع الدرجات، وهي الصلاة والرحمة والهدى، فهي هداية لمن اهتدى.

стр. 5363

٣٦ - باب رِثَاءِ النَّبِيِّ ﷺ سَعْدَ ابْنَ خَوْلَةَ ١٢٩٥ - حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ يُوسُفَ، أَخْبَرَنَا مَالِكٌ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، عَنْ أَبِيهِ ﵁ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ مِنْ وَجَعٍ اشْتَدَّ بِي، فَقُلْتُ: إِنِّي قَدْ بَلَغَ بِي مِنَ الوَجَعِ وَأَنَا ذُو مَالٍ، وَلَا يَرِثُنِي إِلاَّ ابْنَةٌ، أَفَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثَى مَالِي؟ قَالَ: "لَا". فَقُلْتُ: بِالشَّطْرِ؟ فَقَالَ: "لَا" ثُمَّ قَالَ: "الثُّلُثُ وَالثُّلْثُ كَبِيرٌ -أَوْ كَثِيرٌ- إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ، وَإِنَّكَ لَنْ تُنْفِقَ نَفَقَةً تَبْتَغِي بِهَا وَجْهَ اللهِ إِلاَّ أُجِرْتَ بِهَا، حَتَّى مَا تَجْعَلُ فِي فِي امْرَأَتِكَ". فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، أُخَلَّفُ بَعْدَ أَصْحَابِي؟ قَالَ: "إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا صَالِحًا إِلاَّ ازْدَدْتَ بِهِ دَرَجَةً وَرِفْعَةً، ثُمَّ لَعَلَّكَ أَنْ تُخَلَّفَ حَتَّى يَنْتَفِعَ بِكَ أَقْوَامٌ وَيُضَرَّ بِكَ آخَرُونَ، اللَّهُمَّ أَمْضِ لأَصْحَابِي هِجْرَتَهُمْ، وَلَا تَرُدَّهُمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ، لَكِنِ البَائِسُ سَعْدُ ابْنُ خَوْلَةَ" يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. [انظر: ٥٦ - مسلم: ١٦٢٨ - فتح: ٣/ ١٦٤] ذكر فيه حديث سعد بن أبي وقاص قال: كَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يعُودُنِي عَامَ حَجَّةِ الوَدَاعِ .. الحديث في آخره: لكن البَائِسُ سَعْدُ ابن خَوْلَةَ" يَرْثِي لَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أَنْ مَاتَ بِمَكَّةَ. هذا الحديث أخرجه البخاري في مواضع عشرة من "صحيحه" (١)

стр. 5364

ومسلم والأربعة (١)، والكلام عليه من أوجه: أحدها: هذا ليس من مراثي الموتى، وإنما هو إشفاق منه من موته بمكة بعد هجرته منها وكراهة ما حدث عليه، من ذلك يقول القائل للحي: أنا أرثي لك بما يجري عليك. كأنه يتحزن له، قاله الإسماعيلي، وهو كما قَالَ. وأما حديث ابن أبي أوفى: كان ﷺ ينهي عن المرائي. فأخرجه الحاكم وقال: صحيح غريب (٢). وقال ابن أبي صفرة: قوله: (يرثي له رسول الله ﷺ أن مات بمكة). من قول سعد في بعض الطرق، وأكثرها أنه من قول الزهري وليس من قول رسول الله ﷺ . قَالَ القاضي: ويحتمل أن يكون قوله: (أن مات بمكة). و (يرثي له). من كلام غيره تفسيرًا لمعنى (البائس) إذ روي في رواية: "لكن سعد ابن خولة البائس قد ماتَ في الأرض التي قد هاجَرَ منها" (٣). واختلف في قصة سعد ابن خولة فقيل: لم يهاجر من مكة حَتَّى مات فيها. وقيل: بل هاجر. -أي: الثانية-، وشهد بدرًا -أي: وغيرها- ثم انصرف إلى مكة ومات بها. قاله البخاري، فعلى هذا سبب ترثيه

стр. 5365

سقوط هجرته لرجوعه مختارًا وموته بها، وعلى الأول سببها موته بمكة على أي حال وإن لم يكن باختياره؛ لما فاته من الثواب والأجر الكامل بالموت في دار هجرته. الثاني: سعد بن أبي وقاص أحد العشرة المشهود لهم بالجنة. واسم والده: مالك، مات سنة خمس وخمسين. وسعد ابن خولة -وقال أبو معشر: ابن خولي- هو زوج سبيعة الأسلمية (١). وخولة: قَالَ ابن التين: عند أهل اللغة والعربية ساكن الواو، وكذلك رواه بعضهم. وقال الشيخ أبو الحسن: ما سمعت قط أحدًا قرأه إلا بفتحها، والمحدثون على ذلك. وقال الشيخ أبو عمران عكس ذلك، واختلف فيه: هل هو من بني عامر بن لؤي صلبة أو مولاهم؟ مات بمكة عند زوجته في حجة الوداع (٢). قاله يزيد بن أبي حبيب. وقال الطبري: وهو من أفراده. كما قَالَ ابن عبد البر: مات في الهدنة التي كانت بين رسول الله ﷺ عام الحديبية فخرج سعد مختارًا: لا لحج ولا لجهاد؛ لأنه لم يفرض حجًّا (٣). وأما سعد بن أبي وقاص فإنه خرج حاجًّا، ولو مات فيها لم يكن في معنى سعد ابن خولة الذي رثى له الشارع؛ لأن من خرج لفرض وجب عليه وأدركه أجله فلا حرج عليه، ولا يقال له: بائس، ولا يسمى: تاركًا لدار هجرته، وسيأتي أنه ﷺ قَالَ: "إنَّ مَنْ ماتَ بمكةَ فلا يُدفن بها".

стр. 5366

الثالث: هذِه الابنة اسمها: عائشة، كما سيأتي في البخاري (١)، ثم عوفي سعد بعد ذلك وجاءه عدة أولاد ثمانية. الرابع: في ألفاظه: العيادة: الزيارة (٢)، ولا يقال ذلك إلا لزيارة المريض، وعام حجة الوداع هي السنة العاشرة من الهجرة، وسميت: حجة الوداع؛ لأنه ودعهم فيها، وتسمى أيضًا: البلاغ؛ لأنه قَالَ: "هل بلغت" (٣)، وحجة الإسلام؛ لأنها الحجة التي تتام فيها حج أهل الإسلام ليس فيها مشرك، هذا قول الزهري. قَالَ سفيان بن عيينة: كان ذلك يوم فتح مكة، حينئذ عاد ﵇ سعدا (٤). وهو من أفراده، قَالَ البيهقي: خالف سفيان الجماعة فقال: عام الفتح، والصحيح: في حجة الوداع (٥). والوجع: اسم لكل مرض. قَالَ أبو موسى: رويناه بضم الواو على ما لم يسم فاعله، والذي في اللغة وجع على وزن علم (٦)، وكذلك هو في رواية أخرى (٧)، ومعنى

стр. 5367

اشتد بي: قَوِي، وفي رواية: أشفيت منه على الموت (١). أي: قاربت، ولا يقال: أشفي إلا في الشر بخلاف أشرف وقارب. وقوله: (ولا يرثني إلا ابنة). أي: من الولد وخواص الورثة، وإلا فقد كان له عصبة. وقيل: معناه: لا يرثني من أصحاب الفروض سواها. وقيل غير ذلك. وقوله: (فأتصدق -وفي نسخة: أفاتصدق- بثلثي مالي؟) يحتمل أن يريد به منجزًا ومعلقًا بما بعد الموت. وفي رواية للبخاري تأتي: فأوصي. بدل: فأتصدق (٢). وقوله: (بالشطر). أي: النصف. بدليل رواية البخاري الآتية: فأوصي بالنصف (٣). وقوله: ("الثلث والثلث كثير") يجوز في الثلث الأول نصبه ورفعه. وقوله: "كثير" أو "كبير" أي: بالثاء المثلثة أو بالباء الموحدة. وقوله: ("والثلث كثير")، قَالَ الشافعي: يحتمل أن يكون معناه: كثير أي: (غير) (٤) قليل (٥)، وهذا أولى معانيه كما قَالَ. وقوله: ("أن تذر") بفتح الهمزة وكسرها (٦).

стр. 5368

والعاله: الفقراء، جمع عائل. وقيل: العيل والعاله: الفاقة، وقيل: العائل: الكثير العيال (١). وحكاه الكسائي، وليس بالمعروف في اللغة كما قاله ابن التين. ومعنى "يتكففون الناس": يسألون الصدقة بأكفهم. وقوله: ("لعلك أن تخلَّف") إلى آخره المراد بتخلفه طول عمره، وكان كذلك، عاش زيادة على أربعين سنة (٢) فانتفع به وضرر به آخرون، قتل الكفار وسبى وغنم، وقيل: إن عبيد الله بن زياد أمَّر ابنه عمر على الجيش الذين لقوا الحسين فقتلوه، حكاه ابن التين. وقال ابن بطال: لما أُمر سعد على العراق أتي بقوم ارتدوا فاستتابهم، فتاب بعضهم وأصر بعضهم، فقتلهم، فانتفع به من تاب وتضرر به الآخرون (٣). وحكى الطحاوي هذا عن بكير بن الأشج، عن أبيه عامر أنه سأله عن معنى قول النبي ﷺ ذلك، وأن المرتدين كانوا يسجعون سجع مسيلمة، ومثل هذا لا يقال إلا عن توقيف (٤). قَالَ بعض العلماء من أهل المعرفة: (العل) معناها الترجي، إلا إذا وردت عن الله ورسله وأوليائه، فإن معناها: التحقيق، ومعنى إمضاء هجرتهم: إتمامها لهم من غير إبطال، فيرجعون إلى المدينة.

стр. 5369

ومعنى "ولا تردهم على أعقابهم" أي: بترك هجرتهم ورجوعهم عن مستقيم حالهم المرضية، فيخيب قصدهم ويسوء حالهم، ويقال لكل من رجع إلى حال دون ما كان عليه: رجع على عقبه وحار، ومنه الحديث: "أعوذ بك من الحور بعد الكور" (١) أي: من النقصان بعد الزيادة. والبائس: الذي عليه أثر البؤس، وهو الفقر والقلة. قَالَ الأصيلي: البائس: الذي ناله البؤس، وقد يكون بمعنى: مفعول كقوله: ﴿عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ﴾ أي: مرضية. ومعنى: يرثي: يتوجع ويسوؤه ما فعل بنفسه، وذلك أنها دار هجروها لله، فأحب أن يكون محياهم ومماتهم بغيرها؛ لئلا يكون ذلك عودًا فيما تركوه لله، وقد جرت السنة أن يحفظ على الميت شعار القرب كما قلنا في الشهيد والمحرم، ولو كان نقل الميت من موضع إلى موضع جائزًا لنقله إلى موضع هجرته، وقد روى الطبراني في "معجمه الكبير" أنه ﷺ أمر إن مات سعد في مرضه هذا أن يخرج من مكة وأن يدفن في طريق المدينة (٢). وفي "مسند أحمد" أنه ﷺ قَالَ: "يا عمرو (القاري) (٣): إنْ مات سعد بعدي فها هنا فادفنه نحو طريق المدينة". وأشار بيده هكذا (٤)، وقد أسلفنا أنه إنما رثى له؛ لأنه مات ولم يهاجر، وهو غلط، بل

стр. 5370

أسلم وهاجر، وهو بدري كما عده البخاري فيهم (١)، وشهد أيضًا أُحدًا والخندق والحديبية، وإنما رثى له؛ لأنه هاجر ولم يصبر على هجرته حَتَّى يموت في البلد الذي هاجر إليه، ولكنه مات في البلد الذي هاجر منه لغير ضرورة، ولهذا قَالَ عمر: اللهم ارزقني شهادة في سبيلك ووفاة ببلد رسولك (٢)؛ لأنه حرم على المهاجر الرجوع إلى وطنه الذي هجره لله؛ ولذلك قَالَ ﷺ : "يمكث المهاجر بعد قضاء نسكه ثلاثا" (٣)، وكان عثمان وغيره لا يطوف طواف الوداع (٤) إلا ورواحلهم قد رحلت. وقيل: إنما مات بمكة في حجة الوداع ورثى له؛ لأن من هاجر من بلده يكون له نور الهجرة من الأرض التي هاجر منها إلى الأرض التي هاجر إليها إلى يوم القيامة، فحرم ذلك النور لما مات بمكة. الخامس: في فوائده: وقد وصلتها في "شرح العمدة" (٥) زيادة على عشرين ونذكرها هنا ملخصة. فيه: استحباب عيادة المريض، وعيادة الإمام أصحابه وأنها مستحبة في السفر كالحضر وأولى، وجواز ذكر المريض ما يجده من شدة

стр. 5371

المرض لا في معرض السخط والشكوى، بل لمداواة وعلاج أو دعاء صالح أو وصية، أو استفتاء عن حاله، ولا يكون ذلك قادحًا في خيره وأجر مرضه، وإباحة جمع المال. وفي رواية لمسلم: إن لي مالًا كثيرًا (١). واستحباب الصدقة لذوي الأموال، ومراعاة الوارث في الوصية وتخصيص جواز الوصية بالثلث، خلافًا لأهل الظاهر، وشذ من قَالَ: إن الثلث إنما هو لمن ليس له وارث يستوفي تركته. ومن قَالَ: إنه إذا لم يكن له ورثة يضع جميع ماله حيث شاء، وإليه ذهب إسحاق، وحكي عن ابن مسعود (٢). وذهب بعضهم إلى أنه ينقص عن الثلث، وهو الأحسن في الرافعي و"الروضة" (٣). قَالَ ابن عباس: الثلث حيف، والربع حيف. وقال الحسن: السدس أو الخمس أو الربع (٤). وقال إسحاق: الربع، إلا أن يكون في ماله شبهة فله استغراق الثلث. وقال الشافعي: إذا ترك ورثته أغنياء لم يكن له أن يستوعب الثلث، وإذا لم يدعهم أغنياء اخترتُ له أن لا يستوعبه (٥). وأوصى أنس بمثل نصيب أحد ولده، وأوصى عمر با لربع (٦)، والصديق بالخمس، وقال: رضيت لنفسي بما رضي الله لنفسه. يعني: خمس الغنيمة (٧).

стр. 5372

وفيه: أن الثلث في الوصايا في حد الكثرة. وقد اختلفت المالكية في مسائل، ففي بعضها جعلوه داخلًا في حد الكثرة بالوصية لقوله ﵇: "والثلث كثير" وفيه بحث، وقد أجمع العلماء في الأعصار المتأخرة على أن من له وارث لا تنفذ وصيته بما زاد على الثلث إلا بإجازته (١)، وشذ بعض السلف في ذلك، وهو قول أهل الظاهر، فمنعوها وإن أجازها الورثة (٢)، وأما من لا وارث له فمذهبنا ومذهب الجمهور أنه لا تصح وصيته فيما زاد على الثلث (٣)، وجوزه أبو حنيفة وأصحابه وإسحاق، وأحمد في رواية (٤). وفيه: أن طلب الغنى للورثة راجح على تركهم عالة، ومن هذا الوجه أخذ ترجيح الغني على الفقير. وحديث: "ثلاث كيات للذي خلف ثلاثة دنانير" (٥) لا بد من تأويله، وأوله أبو حاتم بن حبان بأنه كان يسأل الناس إلحافًا وتكثرًا، ومن هنا استحب النقص من الثلث (٦). وفيه: الحث على صلة الأرحام والإحسان إلى الأقارب، وأن صلة

стр. 5373

القريب الأقرب والإحسان إليه أفضل من الأبعد، وأن الإخلاص شرط في الثواب والإنفاق في وجوه الخير، وأن المباح بالنية يصير قربة، فإن وضع اللقمة في فم الزوجة إنما يكون عادة عند ملاعبتها وتسلية من كره حالة يخالف ظاهرها الشرع ولا سبب له فيها، وأن الإنسان قد يكون له مقاصد دينية فيقع في مكاره تمنعه منها فيخلص منها بالرجاء وسؤال الرب ﷻ إتمام العمل على وجه لا يدخله نقص، وفضيلة طول العمر للازدياد من العمل الصالح، وجواز تخصيص عموم الوصية المذكورة في القرآن بالسنة، وهو قول الجمهور. وفيه: معجزات ظاهرة لرسول الله ﷺ في قوله لسعد من طول عمره وفتح البلاد وانتفاع أقوام وضر آخرين ومنقبة ظاهرة لسعد، وفضائل عديدة منها: مبادرته إلى الخيرات، وكمال شفقته ﷺ ، وتعظيم أمر الهجرة. وفيه: أنه ﷺ لم يأمر سعدًا بالوصية للأقربين بعد أن أخبره أنه لا يرثه إلا ابنة، ولو كانت آية الوصية للأقربين غير منسوخة لأمره به، فدل على أنها لا تجب، والذي عليه عامة العلماء أنها منسوخة. وقال الشعبي والنخعي: إنما كانت على وجه الندب؛ لأن الشارع مات ولم يوص، ودخل عليُّ على مريض فأراد أن يوصي، فنهاه، وقال: الله تعالى يقول: ﴿إِنْ تَرَكَ خَيْرًا﴾ [البقرة: ١٨٠] وأنت لم تدع مالًا فدع مالك لأهلك وغير ذلك (١).

стр. 5374

وهذِه خواتم نختمه بها: الأولى: هذا الحديث في مسلم: إني خفت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها. فقال: "اللهم اشف سعدًا". ذكره ثلاثًا، وفيه: "إن صدقتك من مالك صدقة، وإن نفقتك على عيالك صدقة، وإن ما تأكل امرأتك من مالك صدقة" (١) وللحاكم وقال: على شرط الشيخين، فوضع يده على جبهتي ثم مسح صدري وبطني، ثم قَالَ: "اللهم اشف سعدًا وأتمم له هجرته" (٢). الثانية: هذا الحديث رواه البخاري هنا من طريق مالك عن الزهري، وأخرجه الأربعة من طريق ابن عيينة عن الزهري (٣). قَالَ الطحاوي: روى عن ابن عيينة هذا الحديث بما يقضي له على مالك (٤). ثالثها: قَالَ ابن عبد البر: وهو حديث اتفق أهل العلم على صحة سنده، وجعله جمهور الفقهاء أصلًا في مقدار الوصية، وأنه لا يتجاوز بها الثلث، إلا أن في بعض ألفاظه اختلافًا عند نقلته، فمن ذلك ابن عيينة قَالَ فيه عن الزهري: عام الفتح. انفرد بذلك عن ابن شهاب فيما علمت، وقد رويناه من طريق معمر وجماعات عددهم، عن ابن شهاب: عام حجة الوداع. قَالَ ابن المديني: الذين قالوا: حجة الوداع. أصوب (٥).

стр. 5375

رابعها: قَالَ القرطبي: وقوله: ("ورثتك") دلالة على أنه كان له ورثة غير الابنة المذكورة (١). قلتُ: ليس صريحًا فيه. خامسها: جاء في "الصحيح": أخلف بعد أصحابي (٢). أي: أخلف بمكة بعد أصحابي المهاجرين المنصرفين معك. قاله أبو عمر. قَالَ: ويحتمل أن يكون لما سمع الشارع يقول: "إنك لن تنفق نفقة" وتنفق: فعل مستقبل، أيقن أنه لا يموت من مرضه ذاك أو ظنه فاستفهمه، هل يبقى بعد أصحابه؟ فأجابه بضرب من قوله: "لن تنفق نفقة تبتفي بها وجه الله". وقوله: ("إِنَّكَ لَنْ تُخَلَّفَ فَتَعْمَلَ عَمَلًا .. ") إلى آخره (٣). وقال القرطبي: هذا الاستفهام إنما صدر من سعد مخافة المقام بمكة إلى الوفاة فيكون قادحًا في هجرته، كما جاء في بعض الروايات: خشيت أن أموت بالأرض التي هاجرت منها. فأجابه ﷺ بأن ذلك لا يكون وإن طال عمره (٤). وقال القاضي عياض: حكم الهجرة باق بعد الفتح لهذا الحديث (٥). وقيل: إنما كان ذلك لمن كان هاجر قبل الفتح، فأما من هاجر بعده فلا، وأبعد من قَالَ: إن وجوب الهجرة واستدامتها قد ارتفع يوم الفتح، وإنما لزم المهاجرون المقام بالمدينة بعد الهجرة؛ لنصرته ﷺ والأخذ

стр. 5376

عنه، فلما مات ارتحل أكثرهم عنها، وتأولوا بما تقدم؛ لأن ذلك إنما كان مخافة نقص أجورهم، وقد يجاب بأن خروجهم لأجل الجهاد وإظهار الدين. وقيل: لا يحبط أجر هجرة المهاجر بقاؤه بمكة -شرفها الله- إذا كان لضرورة دون الاختيار، وقال قوم: المهاجر بمكة يحبط هجرته كيفما كان. وقيل: لم تفرض الهجرة إلا على أهل مكة خاصة. وقال القرطبي: من نقض الهجرة خاف المهاجرون حيث تحرجوا من مقامهم بمكة -شرفها الله- في حجة الوداع، وهذا هو الذي نقمه الحجاج على أبي ذر لما ترك المدينة ونزل الربذة وقال: تغربت يا أبا ذر، فأجابه بأن قَالَ: إن النبي ﷺ أذن لي في البدو (١). انتهى. وقوله: (أبو ذر). صوابه سلمة بن الأكوع، فإن أبا ذر مات قبل أن يولد الحجاج بدهر، وعلى تقدير صحته فنزول الربذة لا يقدح؛ لأنه لم يهاجر منها.

стр. 5377

٣٧ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الحَلْقِ عِنْدَ المُصِيبَةِ ١٢٩٦ - وَقَالَ الحَكَمُ بْنُ مُوسَى: ثَنَا يَحْيَى بْنُ حَمْزَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ، أَنَّ القَاسِمَ بْنَ مُخَيْمِرَةَ حَدَّثَهُ: قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو بُرْدَةَ بْنُ أَبِي مُوسَى قَالَ: وَجِعَ أَبُو مُوسَى وَجَعًا فَغُشِيَ عَلَيْهِ، وَرَأْسُهُ فِي حَجْرِ امْرَأَةٍ مِنْ أَهْلِهِ، فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهَا شَيْئًا، فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ: أَنَا بَرِيءٌ مِمَّنْ بَرِئَ مِنْهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، إِنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ بَرِئَ مِنَ الصَّالِقَةِ وَالحَالِقَةِ وَالشَّاقَّةِ. [مسلم: ١٠٤ - فتح: ٣/ ١٦٥] هذا التعليق أسنده مسلم إلى الحكم بن موسى. ورواه عنه أبو يعلى في "مسنده" والحسن بن سفيان، واعتذر ابن التين عن البخاري كونه لم يسنده بأنه لا يخرج للقاسم بن مخيمرة، وزعم بعضهم أنه لا يخرج للحكم أيضًا إلا هذا غير محتج بهما، وإن كان الدارقطني ذكرهما فيمن خرج له البخاري، فإن غيره قيد، وكأنه الصواب، وامرأة أبي موسى: هي أم عبد الله (م. د. س) بنت أبي دومة، كذا ذكر في كتاب النسائي. وخرجه مسلم أيضًا عن الحلواني، عن عبد الصمد، عن شعبة، عن عبد الملك بن عمير، عن ربعي، عن أبي موسى مرفوعًا. قَالَ القاضي عياض: يرويه عن شعبة موقوفًا ولم يرفعه عن عبد الصمد.

стр. 5378

قلتُ: ذكر الدارقطني أن البخاري رفعه أيضًا عن عبد الملك، قَالَ ذلك أبو ظفر عن البخاري. قَالَ: والموقوف عن عبد الملك أثبت. والحجْر: بفتح الحاء وكسرها، ذكره ابن سيده في "مثلثه" (١). والصَّالِقَة -بالصاد والسين- التي ترفع صوتها عند المصيبة بالولولة (٢). والحَالِقَة: التي تحلق رأسها عند المصيبة (٣). والشَّاقَّة: التي تشق ثوبها وجيبها عندها. وأصل البراء: الانفصال، وهو يحتمل أن يراد به ظاهره، وهو البراءة من فاعل هذِه الأمور. وقال المهلب: (برئ منه). أي: لم يرض بفعله، فهو منه بريء في وقت ذلك الفعل لا أنه بريء من الإسلام. أما حكم الباب: فالحلق عند المصيبة حرام، كالندب والنياحة، ولطم الخدود، وشق الجيب، وخمش الوجه، ونشر الشعر، والدعاء بالويل والثبور، ومن وقع في لفظ الكراهة فالمراد بها التحريم. وقوله: (أنا بريء ممن بَرئ منه رسول الله ﷺ ). يعني: بريء من فعلها كما قَالَ حين بلغه قتل خالد قومًا قالوا: صبأنا، صبأنا، "أبرأ إليك مما صَنَعَ خالد" (٤)، والمؤمن لا تجب البراءة منه بالذنوب إلا أن يرتد، والعياذ بالله.

стр. 5379

٣٨ - باب لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ ١٢٩٧ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ، عَنِ الأَعْمَشِ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [انظر: ١٢٩٤ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٦] فيه حديث: "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ". وقد سلف (١)، وكذا الباب بعده.

стр. 5380

٣٩ - باب مَا يُنْهَى مِنَ الوَيْلِ وَدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ عِنْدَ المُصِيبَةِ ١٢٩٨ - حَدَّثَنَا عُمَرُ بْنُ حَفْصٍ، حَدَّثَنَا أَبِي، حَدَّثَنَا الأَعْمَشُ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مُرَّةَ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ ﵁ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : "لَيْسَ مِنَّا مَنْ ضَرَبَ الخُدُودَ، وَشَقَّ الجُيُوبَ، وَدَعَا بِدَعْوَى الجَاهِلِيَّةِ". [انظر: ١٢٩٤ - مسلم: ١٠٣ - فتح: ٣/ ١٦٦] ذكر فيه الحديث المذكور، وقد عرفته. وفي بعض نسخ البخاري: قَالَ أبو عبد الله: ليس من سنتنا. وقد تقدم التأويل بذلك.

стр. 5381

٤٠ - باب مَنْ جَلَسَ عِنْدَ المُصِيبَةِ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ ١٢٩٩ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ المُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الوَهَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ يَحْيَى قَالَ: أَخْبَرَتْنِي عَمْرَةُ قَالَتْ: سَمِعْتُ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ ابْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ -شَقِّ البَابِ- فَأَتَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ: إِنَّ نِسَاءَ جَعْفَرٍ، وَذَكَرَ بُكَاءَهُنَّ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَنْهَاهُنَّ، فَذَهَبَ ثُمَّ أَتَاهُ الثَّانِيَةَ، لَمْ يُطِعْنَهُ فَقَالَ: انْهَهُنَّ. فَأَتَاهُ الثَّالِثَةَ قَالَ: وَاللهِ غَلَبْنَنَا يَا رَسُولَ اللهِ، فَزَعَمَتْ أَنَّهُ قَالَ: "فَاحْثُ فِي أَفْوَاهِهِنَّ التُّرَابَ". فَقُلْتُ: أَرْغَمَ اللهُ أَنْفَكَ، لَمْ تَفْعَلْ مَا أَمَرَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ ، وَلَمْ تَتْرُكْ رَسُولَ اللهِ ﷺ مِنَ العَنَاءِ. [١٣٠٥، ٤٢٦٣ - مسلم: ٩٣٥ - فتح: ٣/ ١٦٦] ١٣٠٠ - حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ، حَدَّثَنَا عَاصِمٌ الأَحْوَلُ، عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: قَنَتَ رَسُولُ اللهِ ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. [انظر: ١٠٠١ - مسلم: ٦٧٧ - فتح: ٣/ ١٦٧] ذكر فيه حديث عائشة: لَمَّا جَاءَ النَّبِيَّ ﷺ قَتْلُ زيد بْنِ حَارِثَةَ وَجَعْفَرٍ وَابْنِ رَوَاحَةَ جَلَسَ يُعْرَفُ فِيهِ الحُزْنُ، وَأَنَا أَنْظُرُ مِنْ صَائِرِ البَابِ، شَقِّ البَابِ .. الحديث. وحديث أنس: قَنَتَ رَسُولُ الله ﷺ شَهْرًا حِينَ قُتِلَ القُرَّاءُ، فَمَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ حَزِنَ حُزْنًا قَطُّ أَشَدَّ مِنْهُ. حديث أنس سلف في القنوت (١)، وحديث عائشة أخرجه مسلم أيضًا (٢)، وقتل زيد بن حارثة وصاحباه في غزوة مؤتة -بالهمز وتركه- بالبلقاء من أرض الشام في جمادى الأولى، وقيل: الآخرة سنة ثمان.

стр. 5382

فالتقوا مع هرقل على القرية المذكورة في جموعه. يقال: مائة ألف غير من انضم إليهم من المستنفرة، فقتل هؤلاء، ثم اتفق المسلمون على خالد ففتح الله له فقتلهم، وقدم البشير إلى رسول الله ﷺ ، وكان ﷺ أخبرهم بذلك قبل قدومه. وكان هؤلاء الثلاثة من أحب الناس إليه. قَالَ لجعفر: "أشبهت خلقي وخلقي" (١) وقال أخرى: "لا أدري أفرح بقدوم جعفر أو بفتح خيبر" (٢). وقال لزيد: "أنت أخونا ومولانا" (٣) "وإنه لمن أحب الناس إليَّ ولقد كان خليقًا للإمارة" (٤)، وكان ابن رواحة أحد النقباء واحد شعراء رسول الله ﷺ الذين يدافعون عنه. وقال فيه: "أن أخًا لكم لا يقول الرفث" (٥). وقوله: (صائر). قيل: صوابه: صير -بكسر أوله وإسكان ثانيه- أي: شقه -بفتح الشين- وهو الموضع الذي ينظر منه كالكوة (٦)،

стр. 5383

وليس يريد: (أنظر من شق الباب) بالكسر؛ لأن الشق: الناحية ولم يرد ذلك، وكون نساء جعفر لم يطعن الناهي؛ إما لأنهن لم يصرح لهن بنهي الشارع، فظنن أنه كالمحتسب في ذلك؛ أو لأنهن غلبن على أنفسهن لحرارة المصيبة. وقوله: ("فاحث") روي بكثر الثاء وضمها؛ لأنه من حثى يحثي ويحثو (١). وتأوله بعضهم على أن البكاء كان معه نوح، فلذلك نهاهن. وقال بعضهم: كان من غير نوح؛ لأنه يبعد أن الصحابيات يتمادين على محرم، والنهي عن البكاء المجرد للتنزيه أو للأدب لا للتحريم. والعناء -بالمد- المشقة والتعب. وللعذري عند مسلم: من الغي -بغين معجمة وياء مشددة- وهو ضد الرشد. وللطبري مثله إلا أنه بالعين المهملة المفتوحة، ولبعضهم بكسرها وكلاهما وهم، والصواب الأول، ولم ترد عائشة الاعتراض على رسول الله- ﷺ ، وإنما أرادت: إنك لا تقدر على فعل ما أمرك به، وما تركته من التعب. قَالَ القرطبي: ولم يكن أمره للرجل بذلك ليفعله بهن، ولكن على طريق أن هذا يسكنهن إن فعلته، فافعله إن أمكنك وهو لا يمكنك. وفيه دليل على أن المنهي عن المنكر إن لم ينته عوقب وأدب إن أمكن (٢). وقوله: (جلس يعرف فيه الحزن)، إنما هو لما جعل الله تعالى فيه من الرحمة بأمته وحزن عليهم؛ لأنهم أئمة المسلمين، وهذا الحديث أسهل ما جاء في معنى البكاء (٣).

стр. 5384

قَالَ الطبري: إن قَالَ قائل: إن أحوال الناس في الصبر متفاوتة، فمنهم من يظهر حزنه على المصيبة في وجهه بالتغير له، وفي عينيه بانحدار الدموع. ولا ينطق بالسيئ من القول، ومنهم من يظهر ذلك في وجهه وينطق بالهجر المنهي عنه، ومنهم من يجمع ذلك كله ويزيد عليه إظهاره في مطعمه وملبسه، ومنهم من يكون حاله في حال المصيبة وقبلها سواء. فأيهم المستحق اسم الصبر؟ قيل: قد اختلف السلف في ذلك فقال بعضهم: المستحق لاسم الصبر هو الذي يكون في حالها مثله قبلها، ولا يظهر عليه حزن في جارحة ولا لسان. قَالَ غيره -كما زعمت الصوفية-: إن الولي لا تتم له ولاية إلا إذا تم له الرضا بالقدر، ولا يحزن على شيء، والناس في هذا الحال مختلفون، فمنهم من في طبعه الجلد وقلة المبالاة بالمصائب، ومنهم من هو بخلاف ذلك، فالذي يكون في طبعه الجزع ويملك نفسه ويستشعر الصبر أعظم أجرًا من الذي الجلد طباعه. قَالَ الطبري: كما روي عن ابن مسعود أنه لما نعي له أخوه عتبة قَالَ: لقد كان من أعز الناس عليّ وما يسرني أنه بين أظهركم اليوم حيًّا. قالوا: وكيف وهو من أعز الناس عليك؟ قَالَ: (والله) (١) إني لأؤجر فيه أحب إليَّ من أن يؤجر فيَّ. وقال ثابت: إن صلة بن أشيم مات أخوه، فجاءه رجل وهو يطعم، فقال: يا أبا الصهباء، إن أخاك قد مات. قَالَ: هلم فكل، قد نعي لنا إذًا فكل. قَالَ: والله ما سبقني إليك أحد، فمن نعاه؟ قَالَ: بقول الله : ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ (٣٠)﴾ (٢) [الزمر: ٣٠].

стр. 5385

وقال الشعبي: كان شريح يدفن جنائزه ليلًا يغتنم ذلك، فيأتيه الرجل حين يصبح، فيسأله عن المريففيقول: هدأ، لله الشكر، وأرجو أن يكون مستريحًا (١). أخذه من قصة أم سليم. وكان ابن سيرين يكون عند المصيبة كما هو قبلها يتحدث ويضحك، إلا يوم ماتت حفصة فإنه جعل يكشر وأنت تعرف في وجهه (٢). وسئل ربيعة: ما منتهى الصبر؟ قَالَ: أن يكون يوم تصيبه المصيبة مثله قبل أن تصيبه (٣). وقال آخرون: الصبر المحمود هو ترك العبد عند حدوث المكروه عليه وصفه وبثه للناس، ورضاه بقضاء ربه وتسليمه لأمره. وأما جزع القلب، وحزن النفس، ودمع العين، فإن ذلك لا يخرج العبد عن معاني الصابرين، إذا لم يتجاوزه إلى ما لا يجوز له فعله؛ لأن نفوس بني آدم مجبولة على الجزع من المصائب. وقد مدح الله الصابرين ووعدهم جزيل الثواب عليه، والثواب إنما هو على ما اكتسبوه من أعمال الخير، دون ما لا صنع لهم فيه، وتغير الأجساد عن هيئاتها، ونقلها عن طباعها الذي جبلت عليه لا يقدر عليه إلا الذي أنشأها. والمحمود من الصبر ما أمر الله به، وليس فيما أمر به تغيير جبلته عما خلقت به. والذي أمر به عند نزول النبلاء الرضا بقضائه، والتسليم لحكمه، وترك شكوى ربه، وبذلك فعل السلف. قَالَ ربيعة بن كلثوم: دخلنا على الحسن وهو يشتكي ضرسه، فقال: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ﴾ (٤).

стр. 5386

وروى المقبري، عن أبي هريرة مرفوعًا: قَالَ: "قَالَ الله : إذا ابتليت عبدي المؤمن فلم يشكني إلى عُوَّاده أنشطته من عقالي، وبدلته لحمًا خيرًا من لحمه، ودمًا خيرًا من دمه، ويستأنف العمل" (١).

стр. 5387

وقال طلحة بن مصرف: لا تشك ضرك ولا مصيبتك. قَالَ: وأنبئت أن يعقوب بن إسحاق ﵉ دخل عليه جاره فقال: يا يعقوب، ما لي أراك قد تهشمت وفنيت ولم تبلغ من السنن ما بلغ أبوك؟ قَالَ: هشمني ما ابتلاني الله من يوسف، فأوحى الله تعالى إليه: أتشكوني إلى خلقي؟! قَالَ: يا رب، خطيئة فاغفرها لي. قَالَ: قد غفرتها لك. فكان بعد ذلك إذا سئل قَالَ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللهِ﴾ [يوسف: ٨٦] الآية (١). وقد توجع الصالحون على فقد سيدنا رسول الله ﷺ ، وحزنوا له أشد الحزن. قَالَ طاوس: ما رأيت خلقًا من خلق الله أشد تعظيمًا لمحارم الله من ابن عباس، وما ذكرته قط فشئت أن أبكي إلا بكيت، ورأيت على خديه مثل الشراكين من بكائه على رسول الله ﷺ (٢). وقال أبو عثمان: رأيت عمر بن الخطاب لما جاءه [نعي] (٣) النعمان بن مقرن وضع يده على رأسه وجعل يبكي (٤)، ولما مات سعيد بن الحسن بكى عليه الحسن حولًا فقيل له: يا أبا سعيد، تأمر بالصبر وتبكي؟! قَالَ: الحمد لله الذي جعل هذِه الرحمة في قلوب المؤمنين يرحم بها

стр. 5388

بعضهم بعضًا بدمع العين، وبحزن القلب، وليس ذلك من الجزع، إنما الجزع ما كان من اللسان واليد، الحمد لله الذي لم يجعل بكاء يعقوب على يوسف وبالًا عليه، وقد بكى عليه حَتَّى ابيضت عيناه من الحزن (١). وقال يحيى بن سعيد: قلتُ لعروة: إن ابن عمر يشدد في البكاء على الميت، فقال: قد بكى على أبيه، وبكى أبو وائل في جنازة خيثمة. فهؤلاء معالم الدين لم يروا إظهار الوجد على المصيبة بجوارح الجسم إذا لم يتجاوزوا فيه المحظور خروجًا من معنى الصبر، ولا دخولًا في معنى الجزع، وقد بكى الشارع على ابنته زينب (٢)، وعلى ابنه إبراهيم وفاضت عيناه، وقالِ: "هذه رحمة جعلها الله في قلوب عباده" (٣). وبكى لفقد جلة الإسلام وفضلاء الصحابة، فإذا كان الإمام المتبع به نرجو الخلاص من ربنا، وكان قد حزن بالمصيبة وأظهر ذلك بجوارحه ودمعه، وأخبر أن ذلك رحمة جعلها الله في قلوب عباده، فقد صح قول من وافق ذلك وسقط ما خالفه.

стр. 5389

٤١ - باب مَنْ لَمْ يُظْهِرْ حُزْنَهُ عِنْدَ المُصِيبَةِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيُّ: الجَزَعُ القَوْلُ السَّيِّئُ وَالظَّنُّ السَّيِّئُ. وَقَالَ يَعْقُوبُ: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾ [يوسف: ٨٦] ١٣٠١ - حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ الحَكَمِ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، أَخْبَرَنَا إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ سَمِعَ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ يَقُولُ: اشْتَكَى ابْنٌ لأَبِي طَلْحَةَ، قَالَ: فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارِجٌ، فَلَمَّا رَأَتِ امْرَأَتُهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ هَيَّأَتْ شَيْئًا وَنَحَّتْهُ فِي جَانِبِ البَيْتِ، فَلَمَّا جَاءَ أَبُو طَلْحَةَ قَالَ: كَيْفَ الغُلَامُ؟ قَالَتْ: قَدْ هَدَأَتْ نَفْسُهُ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ. وَظَنَّ أَبُو طَلْحَةَ أَنَّهَا صَادِقَةٌ، قَالَ: فَبَاتَ، فَلَمَّا أَصْبَحَ اغْتَسَلَ، فَلَمَّا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ، أَعْلَمَتْهُ أَنَّهُ قَدْ مَاتَ، فَصَلَّى مَعَ النَّبِيِّ ﷺ ثُمَّ أَخْبَرَ النَّبِيَّ ﷺ بِمَا كَانَ مِنْهُمَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ "لَعَلَّ اللهَ أَنْ يُبَارِكَ لَكُمَا فِي لَيْلَتِكُمَا". قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. [٥٤٧٠ - مسلم: ٢١٤٤ (٢٣) - فتح: ٣/ ١٦٩] وذكر فيه حديث إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس، قال: اشْتَكَى ابن لأَبِي طَلْحَةَ، فَمَاتَ وَأَبُو طَلْحَةَ خَارجٌ .. الحديث، وفي آخره: "لَعَلَّ الله أَنْ يُبَارِكَ لهما فِي ليلتهما". قَالَ سُفْيَانُ: فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الأَنْصَارِ: فَرَأَيْتُ لَهُمَا تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْآنَ. الشرح: حديث أنس هذا قَالَ أبو نعيم في "مستخرجه": يقال: إن هذا مما تفرد به البخاري، وقال المزي: هذا حديث غريب تفرد به بشر بن الحكم يعني: شيخ البخاري (١)، قيل: لم يروه أحد عنه غير البخاري، وكأنهما

стр. 5390

يشيران إلى التفرد بالسند لا المتن؛ لأن المتن رواه عن أنس عندهما أنس ابن سيرين، وثابت عند مسلم (١)، وحميد عند أبي نعيم (٢)، وعبد الله بن عبد الله بن أبي طلحة عند الإسماعيلي، وللبخاري: فقال ﷺ : "أعرستم الليلة؟ " قَالَ: نعم، قَالَ: "اللهم بارك لهما". فولدت غلامًا فقال لي أبو طلحة: أحمله حَتَّى تأتي به رسول الله ﷺ ، وبعث معه بتمرات، فحنكه وسماه عبد الله (٣). ولمسلم: لما مات قالت لأهلها: لا تخبروا أبا طلحة بابنه حَتَّى أكون أنا أخبره، فجاء فقربت له عشاءً، فأكل وشرب، ثم تصنعت له أحسن ما كانت تصنع قبل ذلك، فوقع بها، فقالت: يا أبا طلحة، أرأيت لو أن قومًا أعاروا عاريتهم أهل بيت فطلبوا عاريتهم، ألهم أن يمنعوهم؟ قالت: فاحتسب ابنك. الحديث (٤). وروى معمر، عن ثابت، عن أنس أنه لما جامعها قالت له ذلك (٥)، وللإسماعيلي: وكان أبو طلحة صائمًا. وللبيهقي: وكان أبو طلحة يحب الابن، ولأبي داود: "يبارك لكما في غابر ليلتكما" (٦). إذا تقرر ذلك، فالكلام على ذلك من أوجه: أحدها: البث في الآية: أشد الحزن قَالَ بعض السلف: قول العبد: إنا لله وإنا إليه راجعون. كلمة لم يعطها أحد قبل هذِه الأمة، ولو علمها

стр. 5391

يعقوب لم يقل: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ [يوسف: ٨٤] وقال سعيد بن جبير: لم تعط أمة من الأمم ما أعطيته هذِه الأمة من الاسترجاع، ثم تلا هذِه الآية: ﴿يَا أَسَفَى عَلَى يُوسُفَ﴾ (١). الثاني: هذا الابن المتوفي هو أبو عمير صاحب النغير، قاله ابن حبان والخطيب وغيرهما (٢)، ولما خرجه الحاكم وسماه قَالَ: صحيح على شرطهما. و (فيه) (٣) سنة غريبة في إباحة صلاة النساء على الجنائز. فإنَّ فيه أن أم سليم، كانت خلف أبي طلحة، وأبو طلحة خلف رسول الله ﷺ ، لم يكن معهم غيرهم (٤). الثالث: هدأ -بالهمز- سكن، ومنه هدأت الرِّجْلُ: إذا نام الناس. وأهدأت المرأة ولدها: سكتته لينام؛ لأن النفس كانت قلقة شديدة الانزعاج بالمرض، فسكنت بالموت، ولذلك قالت: أرجو أن يكون قد استراح. وقولها: (أَرْجُو أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتَرَاحَ) من حسن المعاريض وهو ما احتمل معنيين، فإنها أخبرت بكلام لم تكذب فيه، ولكن ورَّت به عن المعنى الذي كان يحزنها، ألا ترى أن نفسه قد هدأ كما قالت بالموت وانقطاع النفسس، وأوهمته أنه استراح قلقه، وإنما استراح من نصب الدنيا وهمها.

стр. 5392

الرابع: فيه منقبة عظيمة لأم سليم بصبرها ورضاها بقضاء الله تعالى. الخامس: فلما أصبح اغتسل. فيه: تعريض بالإصابة، وقد صرح بها في بعض الروايات (١)، وقوله: ("لعل الله أن يبارك لكما في ليلتكما") يحتمل أن يكون خبرًا ودعاءً، فأجاب الله تعالى قوله، فحملت تلك الليلة بعبد الله بن أبي طلحة، والد إسحاق، راوي الحديث، فحنَّكه ﷺ وسماه، وكان من خير أهل زمانه، وآتاهما الله تعالى ذلك لصبرهما، والذي لهما عند الله أعظم. السادس: الأولاد الذين أشار إليهم سفيان (٢)، هم: القاسم، وعمير، وزيد، وإسماعيل، ويعقوب، وإسحاق، ومحمد، وعبد الله (٣)، وإبراهيم، ومعمر، وعمارة، وعمر (٤)، ذكرهم ابن الجوزي، وعدتهم اثنا عشر. السابع: وهو فقه الباب: عدم إظهار الحزن عند المصيبة، وترك ما أبيح لي من إظهار الحزن الذي لا إسخاط فيه لله تعالى، كما فعلت أم سليم فإنها اختارت الصبر، ومن قهر نفسه وغلبها على الصبر ممن تقدم ذكره في الباب قبل هذا فهو آخذ بأدب الرب ﷻ في قوله: ﴿وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ﴾ [النحل: ١٢٦].

стр. 5393

الثامن: فيه من الفقه: جواز الأخذ بالشدة وترك الرخصة لمن قدر عليها، وأن ذلك مما ينال به العبد رفيع الثواب وجزيل الأجر. التاسع: التسلية عند المصائب. العاشر: فيه: أن المرأة تتزين لزوجها تعرضًا للجماع لقوله: (ثم هيأت شيئًا) أراد: هيأت شيئًا من حالها. الحادي عشر: أن من ترك شيئًا لله تعالى، وآثر ما ندب إليه، وحض عليه من جميل الصبر، أنه معوض خيرًا بما فاته، ألا ترى قوله: (فَرَأَيْتُ تِسْعَةَ أَوْلَادٍ كُلُّهُمْ قَدْ قَرَأَ القُرْاَنَ). ولقد أخذت أم سليم في الصبر إلى أبعد غاية، على أن النساء أرق أفئدة؛ لأنا نقول: إن ما في نسائها ولا في الجلد من الرجال مثل أم سليم؛ لأنها كانت تسبق الكثير من الرجال الشجعان إلى الجهاد، وتحتسب في مداواة الجرحى، وثبتت يوم حنين في ميدان الحرب، والأقدام قد زلزلت، والصفوف قد انتفضت. والمنايا قد فغرت، فالتفت إليها رسول الله ﷺ ، وفي يدها خنجر فقالت: يا رسول الله أقتل هؤلاء الذين ينهزمون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يحاربونك، فليسوا بشرًّ منهم (١).

стр. 5394

٤٢ - باب الصَّبْرِ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى وَقَالَ عُمَرُ ﵁: نِعْمَ العِدْلَانِ، وَنِعْمَ العِلَاوَةُ ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ (١٥٧)﴾ [البقرة: ١٥٦ - ١٥٧]. وَقَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلاَّ عَلَى الخَاشِعِينَ (٤٥)﴾ [البقرة: ٤٥﴾. ١٣٠٢ - حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا غُنْدَرٌ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ، عَنْ ثَابِتٍ قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسًا ﵁، عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى" (١). [انظر: ١٢٥٢ - مسلم: ٩٢٦ - فتح: ٣/ ١٧١] وذكر فيه حديث أنس: "الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الأُولَى". أما حديث أنس فسلف في الباب (٢)، وأما أثر عمر فأخرجه البيهقي من حديث سعيد بن المسِّيب عنه (٣). والعِدْلَان كما قَالَ المهلب: الصلوات والرحمة، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقيل: ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: ١٥٦]. والعِلَاوَة: التي يثاب عليها. وقال ابن التين عن أبي الحسن: العدل الواحد: قول المصاب إنا لله .. إلى آخرها، والعدل الثاني: الصلوات التي عليهم من الله تعالى، والعلاوة ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧]، وهو ثناء من الله

стр. 5395

تعالى عليهم. وقال الداودي: إنما هو مثل ضرب للجزاء، فالعدلان: عدلا البعير والدابة، والعلاوة: الغرارة التي توضع في وسط العدلين مملوءة. يقول: وكما حملت هذِه الراحلة وسعها، وأنها لم يبق موضع تحمل عليه، فكذلك أُعطي هذا الأجر وافرًا، فعلى قول الداودي يكون العدلان والعلاوة ﴿أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ إلى ﴿المُهْتَدُونَ﴾ [البقرة: ١٥٧] وقال صاحب "المطالع": العدل هنا نصف الحمل على أحد شقي الدابة، والحمل: عدلان، والعلاوة: ما جعل فيهما. وقيل: ما علق على البعير، ضرب ذلك مثلًا لقوله ﴿صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾ قَالَ: فالصلوات عدل، والرحمة عدل، ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ المُهْتَدُونَ﴾ العلاوة. وأحسن ما جاء في التعزية حديث أم سلمة الثابت: "من أصابته مصيبة، فقال كما أمره الله: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أجرني في مصيبتي وأعقبني خيرًا منها، إلا فعل الله به ذلك". قالت أم سلمة: قلتُ ذلك عند موت أبي سلمة، ثم قلتُ في نفسي: من خير من أبي سلمة؟ فأعقبها الله برسول الله ﷺ ، فتزوجها (١). فيقول المعزي: آجركم الله في مصيبتكم، وعوضكم خيرًا منها ﴿إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾. ومعنى إنا لله: نحن وأموالنا وعبيدنا لله يبتلينا بما شاء، ونحن إليه نرجع، فيجزينا على صبرنا، وبين ذلك بقوله:
следующие страницы →